← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31077

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (425 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الدرس: ١٩ موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة .

стр. 352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (موقف علماء الصرف والنحو من قضية الزيادة) الزيادة لدى علماء الصرف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ومولانا وحبيبنا وشفيعنا محمد بن عبد الله -صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: نتناول بإذن الله موقف علماء الصرف، وعلماء النحو من قضية الزيادة، ونقابل الموقف بموقف البلاغيين وكلامهم عن مسألة الزيادة: الزيادة عند علماء الصرف هي اشتمال الكلمة على أحد حروف الزيادة العشرة المجموعة في سألتمونيها، أو هناء وتسليم أو تلا يوم أنسه أو اليوم تنساه، فتفنن علماء الصرف في جمع هذه الحروف وعدها بأنها من الأحرف المزيدة، والمزيد عندهم هو ما بعض حروفه ساقط وضعًا أي: أنك تستطيع أن تتعرف عليه بإسقاطه في تصاريف الكلام، فعندما تقول: نصر ينصر انتصارا ناصر منصور، نصير، منتصر يؤدي ذلك إلى أن تقول: إن النون والصاد والراء حروف أصلية، وما عداها حروف زائدة، ودليل ذلك أنك ترى الألف في ناصر ولا تراها في منصور، وكذلك ترى الياء في نصير ولا تراها في منتصر فهذه الحروف زائدة لسقوطها في بعض تصاريف الكلمة. وينصون على أن أكثر ما يبلغ الاسم بالزيادة سبعة أحرف مثل "احرنجام" وفي الفعل يبلغ ستة أحرف مثل: استغفر، واطمأن، ويقابلون الزائد بالمجرد، فالمجرد ما كانت كل حروفه أصلية، ولا تسقط في أصل الوضع بخلاف الزائد، واهتموا أيضًا ببيان أن الزيادة لا تكون إلا لأحد ستة أشياء: الزيادة لمعنى كحروف المضارعة، وينصون على أن ما زيد لمعنى هو أقوى الزوائد، والزيادة للمد نحو: كتاب وعجوز وقديم أي: حرف الألف والواو والياء من حروف المد، والزيادة للإلحاق نحو: واو كوثر، وياء ضيغم، والزيادة للإمكان كهمزة الوصل التي يتوصل بها إلى الساكن، وهاء السكت في الوقف على قه وعه ومه والزيادة

стр. 353

للعوض نحو: تاء التأنيث في زنادقة فإنها عوض عن ياء زناديق؛ ولذلك لا يجتمعان والزيادة لتكثير الكلمة نحو: ألف كبعثر، ونون كنهبل أو كنهبُل أي: الشجر العظيم، ومتى كانت الزيادة لغير التكثير كانت أولى من أن تكون للتكثير. فنخلص من ذلك إلى أن الزيادة عند الصرفيين تتعلق ببنية الكلمة، وهل هي مجردة أم مزيدة، وإن كانت مشتقة فاشتقاقها من الثلاثي المجرد أم من غير الثلاثي سواء كان مجردًا رباعيًا أو ثلاثيًا مزيدًا بحرف أو حرفين أو ثلاثة، وينتهي دورهم عند هذا الحد فيلتقطه أرباب البلاغة والبيان؛ لينظروا لم استخدم المزيد ولم يستخدم المجرد ولم استعملت هذه الصيغة ها هنا مجردة، وهناك مزيدة، ولم عدل عن صيغة المشتق من الثلاثي إلى غيره والعكس، وما أثر ذلك على المعنى، وما الذي اختير من حروف الزيادة ولماذا ومن ثم يتبين من هذه الأسئلة والإجابة عنها الإعجاز القرآني في مسألة استخدام الحروف الزائدة بفهم الصرفيين، وبتناول الصرفيين. ويتبين ذلك بعرض نماذج لمن اهتموا بهذا الشأن، وببيان الفرق بين استخدام حروف الزيادة في البنية وعدم استخدامها. من ذلك ما أشار إليه الدكتور السامرائي في كتابه (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) من الفرق في الاستخدام بين قوله تعالى: ﴿اسْطَاعُوا﴾ (الكهف: ٩٧)، و ﴿اسْتَطَاعُوا﴾ (الكهف: ٩٧)، قال سبحانه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (الكهف: ٩٧)، الصرفيون عندما يتناولون ذلك يبينون أن ﴿اسْتَطَاعُوا﴾ على الأصل بزيادة الألف والسين والتاء وأن ﴿اسْطَاعُوا﴾ هو الفعل، ولكن حذفت منه التاء حتى إن أحدهم ليقول: ظللت دهرًا أسأل عن وزن اسطاعوا فلم أجد من يجيبني. هذا الذي يهتمون به في بيان استخدام ﴿اسْطَاعُوا﴾، و ﴿اسْتَطَاعُوا﴾.

стр. 354

أما الدكتور السامرائي يشير إلى الفرق بين استخدام الفعلين يقول: "وذلك في السد الذي صنعه ذو القرنين من زبر الحديد والنحاس المذاب، وقد ذكرنا أن الصعود على هذا السد أيسر من إحداث نقب فيه لمرور الجيش، فحذف من الحدث الخفيف فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ بخلاف الفعل الشاق الطويل فإنه لم يحذف بل أعطاه أطول صيغة له فقال: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ فخفف بالحذف من الفعل الخفيف بخلاف الفعل الشاق الطويل، ثم إنه لما كان الصعود على السد يتطلب زمنًا أقصر من إحداث النقب فيه حذف من الفعل، وقصر منه ليجانس النطق الزمن الذي يتطلبه كل حدث". هذه لطيفة أشار إليها الشيخ -حفظه الله- وكذلك أيضًا أشار إلى الفرق بين تنزل وتتنزل، فالصرفيون في نحو ذلك القاعدة عندهم معروفة أنه إذا اجتمعت تاءان في أول المضارع جاز التخفف من أحدهما تعاونوا، وتتعاونوا ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢)، فتعاونوا الأولى فعل أمر، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾ الثانية فعل مضارع وأصله ولا تتعاونوا ﴿تَلَظَّى﴾ (الليل: ١٤) أصلها تتلظى، وهكذا فالمسألة عندهم واضحة في أنه يجوز حذف إحدى التائين تخفيفًا إذا اجتمعا في أول المضارع لكن ننظر إلى قوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤)، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣)، هاتان الآيتان وردت فيها الصيغة بحذف التاء تخفيفًا. أما في سورة فصلت يقول المولى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ

стр. 355

تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: ٣٠)، فقال في آيتي القدر والشعراء: ﴿تَنَزَّلُ﴾، بحذف إحدى التاءين، وقال في فصلت: ﴿تَتَنَزَّلُ﴾، من دون حذف، وذلك والله أعلم أن التنزل في آية فصلت أكثر مما في الآيتين الأخريين ذلك أن المقصود بها أن الملائكة تنزل على المؤمنين عند الموت؛ لتبشرهم بالجنة، وهذا يحدث على مدار السنة في كل لحظة، ففي كل لحظة يموت مؤمن مستقيم، فتتنزل لتبشره بالجنة فأعطى الفعل كل صيغته، ولم يحذف منه شيئًا، وأما آية الشعراء، فإن التنزل فيها أقل؛ لأن الشياطين لا تتنزل على كل الكفرة، وإنما تنزل على الكهنة أو على قسم منهم، وهم الموصوفون بقوله: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ ولا شك أن هؤلاء ليسوا كثيرا في الناس، وهم ليسوا بكثرة الأولين ولا شطرهم بل هم قلة فاقتطع من الحدث فقال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ بحذف إحدى التاءين، وكذلك ما في آية سورة القدر، فإن تنزل الملائكة إنما هو في ليلة واحدة في العام وهي ليلة القدر، فهو أقل من التنزل الذي يحدث باستمرار على من يحضره الموت فاقتطع من الحدث. فأنت ترى أنه اقتطع من الفعل إحدى التاءين في آيتي الشعراء والقدر لأن التنزل أقل ولم يحدث من آية فصلت؛ لأنه أكثر والله أعلم. هذه لطيفة أشار إليها الشيخ في هذه الظاهرة، كذلك نأتي لصيغة فعَّل وأفعل، عند الصرفيين الأمر سيان الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، وكلا الفعلين ينتميان لفصيلة واحدة وهي فصيلة الثلاثي المزيد بحرف، ولكن الفرق أن الأول مزيد بالهمزة؛ فلذا هو على وزن أفعل والثاني مزيد بالتضعيف، فلذا هو على وزن فعَّل هذا دور الصرفيين. أما أهل التذوق والبلاغة ينظرون في الاستخدام متى يستخدم أفعل ومتى يستخدم فعَّل مع أنهما من فصيلة واحدة، يقول الشيخ: "من الاستعمال القرآني

стр. 356

لفعَّل وأفعل نحو: كرَّم وأكرم، فإنه يستعمل كرم لما هو أبلغ وأدوم فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠)، وهذا تكريم لبني آدم على وجه العموم والدوام، وقوله سبحانه على لسان إبليس: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (الإسراء: ٦٢)، أي: فضلته علي، في حين قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ (الفجر: ١٧)، وقال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ (الفجر: ١٥)، وهو يقصد إكرامه بالمال، فاستعمل التكريم لما هو أبلغ وأدوم وأعم. وكاستعمال أوصى ووصى، فهو يستعمل وصى لما هو أهم لما فيه من المبالغة، فالقرآن يستعمل وصَّى للأمور المعنوية، ولأمور الدين ويستعمل أوصى للأمور المادية، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ (العنكبوت: ٨)، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ (البقرة: ١٣٢)، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ (الأنعام: ١٥١) في حين قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١) ولم يستعمل أوصى في الأمور المعنوية وأمور الدين إلا في قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣١)، وذلك لاقتران الصلاة بالزكاة". كما ذكرت أن هذه اجتهادات اجتهد فيما ذكرت من نماذج في مسألة الصرف الدكتور السامرائي في استكشاف الفروق بين استخدام الصيغ مع اتحاد الكلام فيها عند الصرفيين، وليس الدكتور السامرائي بدعًا في هذه المسألة، فهذا أشار إليه العلماء سابقًا، وحاولوا بيان ذلك وهذه نماذج أو عبارات ذكرها الزركشي في كتابه حول هذه المسألة، وهي الزيادة في بنية الكلمة. يقول: "واعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه فلابد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولًا؛ لأن الألفاظ أدلة على

стр. 357

المعاني، فإذا زيدت في الألفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: ٤٢)، فهو أبلغ من قادر لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة لا يرد شيء عن اقتضاء قدرته ويسمى هذا قوة اللفظ لقوة المعنى، وكقوله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ (مريم: ٦٥)، فإنه أبلغ من الأمر بالصبر من اصبر ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: ٤٨)، ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ (القمر: ٢٧)، فهناك فرق بين اصطبر وبين اصبر، وقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦)، لأنه لما كانت السيئة ثقيلة، وفيها تكلف زيد في لفظ فعلها وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ (فاطر: ٣٧)، فإنه أبلغ من يتصارخون". إذًا العلماء يبحثون عن سر هذه الزيادة، واستخدامها في القرآن، ويتعدون مرحلة ما يذكره الصرفيون في أنه مجرد أو مزيد أو على صيغة من الصيغ المعينة، ومن الإشارات اللطيفة أيضًا مسألة التشديد يعني الزيادة بالتشديد أبلغ من عدم التشديد، فإن ستارًا وغفارًا أبلغ من ساتر وغافر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (نوح: ١٠)، ومن هذا رجح بعضهم معنى الرحمن على معنى الرحيم لما فيه من زيادة البناء، وهو الألف والنون في كلمة الرحمن. وبعضهم ذكر لطيفة حول قول الله في وصف الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: ٣)، فعبر المولى بصيغة اسم الفاعل في شاكر وبصيغة المبالغة في كفور؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يبالغ في الشكر، ولكن عادته أن يبالغ في الكفر عياذًا بالله.

стр. 358

الزيادة عند علماء النحو ننتقل الآن إلى الكلام عن الزيادة عند النحاة أو عند علماء النحو، وسبق مما تحدثنا عنه بيان أن المقصود عندهم الزيادة التي لا تؤثر في العمل، وهذا باب واسع عند النحاة ومطردٌ في كلامهم وفي كتبهم، فعندما يتحدثون في باب كان تجد فصل زيادة كان، حتى إن ابن مالك في منظومته يقول: وقد تزاد كان في حشو كما ... كان أصح علم من تقدما ويتكلمون عن الزيادة في حروف الجر، وعن زيادة ما مع إن وأخواتها وكفها عن العمل لها إلى غير ذلك من أبواب النحو، فمصطلح الزيادة مصطلح شائع عندهم، وهو في كل موضع من المواضع التي ينبهون عليه ينطلق نحو قضية العامل والمعمول التي هي أصل صناعة النحو، وأصل تخصصهم وكلامهم. فمثلًا يبتدءون كلامهم بأنهم ينصون على تنبيهات معينة أن كون الحرف زائدًا دلالة على أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده تحصل فائدة التأكيد؛ ولذا استخدامه في القرآن لوضع ولغاية يريدها المولى في هذا الاستخدام. ثانيًا: أن حق الزيادة أن تكون في الحرف وفي الأفعال، أما الأسماء فقد نصوا على أنها لا تزاد، وإن كان في كتب بعض النحاة زيادة الاسم إلا أن هذا لا يطرد عندهم. مثال: الزمخشري في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة: ٩)، يقول: "إن اسم الجلالة مقحم، ولا يتصور مخادعتهم لله تعالى".

стр. 359

وثالث هذه الأشياء التي ينبهون عليها أن الزيادة تكون إمًا آخرًا، وإما حشوًا فلا تقع في بداية الكلام، فلذلك تجد كثيرًا من النحويين يعترضون على زيادة لا في مثل قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (القيامة: ١)، في بداية الكلام. ولكي يتبين لنا كلامهم عن الزيادة نعرض كلامهم حول الحروف الزائدة، وهذه المسألة التي كثر الكلام حولها في باب الزيادة، أما زيادة الفعل فهي محصورة على أفعال معينة مثال كان، والآيات التي يحتملها زيادة كان في القرآن جميعها جاءت على سبيل الاحتمال، وليس على القول القاطع. كما قالوا مثلًا في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (مريم: ٢٩)، فقالوا: إن كان زائدة، وإن ﴿صَبِيًّا﴾ تعرب حالًا؛ لأن لا فائدة في وصف أنه كان في المهد، ليس هناك معجزة في شأن عيسى ﵇، فكل من في المهد صبي فهم يتعجبون من كلامه حالة كونه صبيًا ليس لأنه كان في المهد صبيًا. وهذا فهم أيضًا يعترض عليه أصلًا في هذا التقدير إلا أن كثيرا من النحاة ذكروا زيادة كان في هذا الموضع، ومواضع أخرى كثيرة في القرآن جاءت على الاحتمال بأنها زائدة وعلى الاحتمال بأنها أصلية في الكلام، وهذا كلام يتعلق بالنحو وبتفاصيل المسائل فيه. القضية التي تشغلنا هي حروف الزيادة، ابتداء الزيادة إما أن تكون لتأكيد النفي كالباء في خبر ليس وما أو لتأكيد الإيجاب كاللام الداخلة على المبتدأ، يعني هم يوضحون ابتداء أن الكلام في الزيادة لغرض التأكيد سواء كان تأكيد إيجاب أو تأكيد نفي، وحروف الزيادة المستعملة بكثرة عندهم سبعة التي نصوا كثيرًا على زيادتها: إن، وأن، ولا، وما، ومن، والباء واللام، هذه الحروف استخدمت كثيرًا في الزيادة، وبعضهم زائد أم، وبعضهم زاد الكاف، وبعضهم ذهب إلى زيادة إلى في بعض المواضع.

стр. 360

هذا وقد أحصى دكتور أحمد بدوي الألفاظ الزائدة بأنها خمسة عشر لفظًا وردت في القرآن الكريم ما بين حروف وأسماء، وهذه الحروف هي التي ذكرناها، وأما الأسماء فهو حصر معها إذ وإذا. في هذه الأدوات عندما يتحدثون مثلًا عن إن يقولون: "إن" الخفيفة يطرد زيادتها مع "ما" النافية، ويمثلون بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (الأحقاف: ٢٦)، ويقولون: إن "أن" المفتوحة تزاد بعد لَمَّا الظرفية كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ (العنكبوت: ٣٣)، ويقولون: "ما" تزاد بعد خمس كلمات من حروف الجر،، فتزاد بعد مِن وعن غير كافة لهما عن العمل، وتزاد بعد الكاف ورب والباء فتكفها تارة ولا تكفها تارة أخرى. ويوضحون مجيئها كافة وغير كافة يقولون: ما التي تكف عن النصب والرفع هي الواقعة بعد إن وأخواتها ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النساء: ١٧١)، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ (الأنفال: ٦)، والتي تكف عن عمل الجر كقوله تعالى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: ١٣٨)، وغير الكافة هي التي تقع بعد أداة الجزم، كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ (الأعراف: ٢٠٠)، أي: إنما تكون فهنا أداة الجزم جزمت الفعل بعدها، ولم تؤثر ما فلم تكف عن العمل وكذلك الواردة بعد الخافض أي: بعد حرف الجر ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) فكلمة ﴿رَحْمَةٍ﴾ مجرورة بالباء، ومثلها ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٥)، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ (المؤمنون: ٤٠) ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (نوح: ٢٥) فكل من هذه الألفاظ الواقعة بعد "ما" مجرورة بحرف الجر السابق لها. وكذلك تقع بعد الاسم كقوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ (القصص: ٢٨)، وتزاد بعد أداة الشرط جازمة كانت أو غير جازمة، ومثال الجازمة ﴿أَيْنَمَا

стр. 361

تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ (النساء: ٧٨)، وغير الجازمة ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ (فصلت: ٢٠)، وتزاد بين التابع وتابعه ويستدلون لذلك بقوله تعالى: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ (البقرة: ٢٦)، فـ ﴿بَعُوضَةً﴾ بدل أو عطف بيان لـ ﴿مَثَلًا﴾ ويتحدثون عن "لا" فيقولون: "لا" تزاد مع الواو بعد النفي كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ (فصلت: ٣٤)، أي لا تستوي الحسنة والسيئة؛ لأن استوى من الأفعال التي تطلب اسمين أي لا تليق بفاعل واحد نحو: اختصم، فعلم أن لا زائدة، وتزاد بعد أن المصدرية كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (الحديد: ٢٩)، ف ـ ﴿يَعْلَمَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن المصدرية ولا زائدة. حتى إن الشلوبين يقول: "وأما زيادة لا في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ فشيء متفق عليه، وقد نص عليه سيبويه، ولا يمكن أن تحمل الآية إلا على زيادة لا فيها لأن ما قبلها من الكلام وما بعده يقتضيه". رجعنا إلى مسألة العامل تنبه أن أنْ تتطلب العمل في ﴿يَعْلَمَ﴾ قالوا: وفائدة زيادتها تأكيد الإثبات فإن وضع لا نفي ما دخلت عليه فهي معارضة للإثبات، ولا يخفى أن حصول الحكم مع المعارض أثبت مما إذا لم يعترضه المعارض، قالوا: وقد تزاد قبل القسم ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (المعارج: ٤٠)، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (الواقعة: ٧٥)، وعندما يتحدثون عن "مِن" يقولون: تزاد في الكلام الوارد بعد نفي أو شبهه ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ (الأنعام: ٥٩) أي: ورقة، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ (المؤمنون: ٩١) أي: ولدا، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (الملك: ٣)، أي: تفاوتا وغيرها كثير في كتاب الله . وجوز الأخفش زيادتها مطلقًا أي دون أن تسبق بنفي أو شبه نفي، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾

стр. 362

(الأنعام: ٣٤)، أي: نبأ المرسلين، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (الأحقاف: ٣١) أي: ذنوبكم، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (الكهف: ٣١)، أي أساور من ذهب، ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (البقرة: ٢٧١)، أي سيئاتكم على أنها منصوبة؛ لأن سيئات جمع مؤنث سالم، فينصب ويجر بعلامة واحدة وهي الكسرة. ويتحدثون عن الباء، فيقولون: تزاد في الفاعل كقوله تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الرعد: ٤٣)، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: ٣٩)، وتزاد اطرادًا وقياسًا في أسلوب التعجب ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ (مريم: ٣٨). والنحاة عندما يعربون "أكرِمْ بمحمد" يعربونها على أصل المعنى، فمعناها كرم محمد، فبالتالي عندما يقول لك: أكرم فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر للتعجب، والباء حرف جر زائد، ومحمد فاعل مرفوع محلًا مجرور لفظًا أو فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة منع من ظهورها انشغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هذا يوضح لك أن القضية عندهم لا تعدو أن تكون متصلة بمسألة الإعراب، والعامل والمعمول، ويقولون: يجوز حذفها في فاعل كفى أي أن تقول: كفى الله، ومنه قول الشاعر: كفى الشيب والإسلام ... بالمرء ناهيا وتزاد في المفعول كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)، وكقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (مريم: ٢٥)، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (العلق: ١٤)، وكقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (الحج: ١٥)، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (الحج: ٢٥)، ويقولون: هي تزاد في المبتدأ، وذلك قليل ومنه عند سيبويه ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (القلم: ٦)،

стр. 363

أي: أيكم المفتون وتزاد في خبر المبتدأ وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ (يونس: ٢٧)، وتزاد في خبر ليس كثيرًا كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ (القيامة: ٤٠)، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر: ٣٦)، ومن النادر زيادتها مع غير ذلك، وهذا خرجوا عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ (الأحقاف: ٣٣)، وحمل أيضًا على أنها في معنى النفي، فحملت على ليس وهي تزيد كثيرًا في خبر ليس. ويتحدثون عن اللام فيقولون: إنها تزاد بين الفعل ومفعوله، وحمل عليه المبرد قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (النمل: ٧٢)، أي: ردفكم واختلفوا في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ (النساء: ٢٦)، وتزاد اللام لتقوية العامل، ينظرون إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (يوسف: ٤٣)، فإذا ما سئلت عن إعراب الرؤيا، فالرؤيا: مفعول به للفعل ﴿تَعْبُرُونَ﴾ إذًا ما دور اللام؟ قالوا: اللام دخلت هنا لتقوية العامل؛ لأن العامل ضعف بسبب تأخيره كقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٤)، أي: يرهبون ربهم يخافون ربهم فبسبب ذلك الضعف لتأخيره زيدت اللام على المفعول به. أو أن العامل لا يكون فعلًا يكون فرعًا عن الفعل أي: مشتق يعمل عمل الفعل كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود: ١٠٧)، أي فعال ما يريد، وكقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: ٩١)، أي مصدقا ما معهم، ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ (المعارج: ١٦)، أي نزاعة الشوى، واجتمع التأخر والفرعية أن العامل يكون ضعيفًا بسبب تأخره وبسبب فرعيته في نحو قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٨)، أي: وكنا شاهدين حكمهم، فالعامل

стр. 364

هنا كلمة ﴿شَاهِدِينَ﴾ وهي مشتق يعمل عمل الفعل، والمعمول كلمة حكمهم فهي متقدمة على عاملها. بقي أن نشير إلى أنهم لم يعرضوا هذا الكلام، ولم يتكلموا فيه، وعلى تركه دون بيان بل إنهم كانوا يوضحون أحيانًا السر في هذه الزيادة، ويتحدثون عن الغرض البلاغي، وكثير منهم ينص على أن هناك فرقا بين وجودها وعدم وجودها، وكثير من البلاغيين يأخذون عن توجيهات النحويين وكلامهم في هذه المسائل. فنختم للتطبيق على قضية الزيادة بين النحاة والبلاغيين بكلام رائد من رواد البلاغة في العصر الحديث، وهو أستاذنا الدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه (من بلاغة القرآن) يقول: "أحصى النحاة ما ورد في القرآن الكريم من كلمات زائدة، وحصروها في خمسة عشر لفظًا، هي إذ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، وإذا في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (الانشقاق: ١)، وإلى في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: ٣٧)، في رواية من قرأ تهوى بفتح الواو "تهوَى إليهم" أي تهواهم، وأم في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف: ٥١، ٥٢)، والتقدير: أفلا تبصرون أنا خير. وإن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (الأحقاف: ٢٦)، وأن في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ (العنكبوت: ٣٣)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (يوسف: ٩٦)، وقوله

стр. 365

سبحانه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٤٦)، ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ (إبراهيم: ١٢)، والباء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: ١٩٥)، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (مريم: ٢٥)، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (الحج: ١٥)، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (الحج: ٢٥)، كما ذكرت سابقًا. والفاء في قوله سبحانه ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ (ص: ٥٤ - ٥٧)، أي: هذا ليذوقوه ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾، و"في" في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (هود: ٤١)، أي: اركبوها، والكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١)، واللام في قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ (النمل: ٧٢)، ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: ٣٦)، ولا في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (الأعراف: ١٢)، وقوله سبحانه: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (طه: ٩٢، ٩٣)، وكذلك قوله سبحانه: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (الحديد: ٢٩)، وقوله سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (القيامة: ١)، وما على شاكلته من الآيات. وقوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (النساء: ٦٥)، أي: فوربك، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (الأنعام: ١٥١)، وقوله سبحانه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: ١٠٩)، وقوله سبحانه: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا

стр. 366

أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٥)، وقوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ (آل عمران: ٧٩، ٨٠)، و"ما" في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٥)، ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (نوح: ٢٥)، ومن في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٤)، والواو في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ (الزمر: ٧٣)، أي: فتحت أبوابها. وكذلك قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (الصافات: ١٠٣ - ١٠٥)، أي: فلما أسلما تله للجبين". هكذا حصر أستاذنا ﵀ الألفاظ التي عدها النحاة زائدة في خمسة عشر لفظًا، ولكنه كان منصفا ﵀ فقال بعدها: "ذلك ما أحصاه النحويون من حروف قالوا: إنها زائدة وردت في القرآن يعنون بزيادتها أنهم لا يستطيعون لها توجيهًا إعرابيًا، وإن كانوا يجدونها قد أدت معاني لا تستفاد من الجملة إذا هي حذفت". يقول: "أما زيادة إذ في الآية الأولى فمما لم يرتضه ابن هشام في مغنيه أي في كتابه (مغني اللبيب) وقال صاحب (الكشاف) أي: الزمخشري وهو أيضًا من النحاة: "إذ" منصوبة بإضمار اذكر، ويجوز أن ينتصب بقالوا وعليه فليست إذ بزائدة أي: أنه يحتج بالكلام بعدم زيادتها بكلام ابن هشام وكلام الزمخشري، وهما من النحاة، وكذلك لم يرتضِ زيادة "إذا" في قوله سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ

стр. 367

انْشَقَّتْ﴾ (الانشقاق: ١)، بل رآها شرطية حذف جوابها لتذهب النفس في تقديره كل مذهب أو اكتفاءً بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار، ففي كلتا السورتين قد ذكر جواب إذا فقيل في سورة التكوير في الجواب ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ (التكوير: ١٤). وقيل في سورة الانفطار ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: ٥)، وقال في توجيه آية إلى: إن تهوى بفتح الواو قد ضمنت معنى تميل وهو يتعدى بإلى فليست على ذلك بزائدة، أي كل هذا الكلام ينسبه إلى ابن هشام ﵀ في اعتراضه على القول بالزيادة في هذه المواضع وبأنها تحتمل أشياء أخرى، فهو من النحاة يقصد بـ"إلى" في قوله تعالى: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِم﴾ أي: إليها أي: تهواهم، وأم في كلام فرعون ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ (الزخرف: ٥٢)، ليست زائدة كذلك بل هي منقطعة بمعنى بل، وتفيد الإضراب الانتقالي، وإن في قوله تعالى: ﴿مَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِْ﴾ ليست بزائدة بل نافية، والمعنى ولقد مكناكم في أمور لم نمكنكم فيها، والمجيء بإن هنا أفضل من المجيء بـ"ما" حذرًا من التكرير اللفظي، فبدأ ﵀ بذكر المواضع التي اعترض بعض النحاة على كونها زائدة أصلًا". ثم انتقل إلى ما قالوا فيه بالزيادة أو ما وجههوه على معان أخرى، يقول: "أما أن في الآيتين الأوليين فزائدة جيء بها مؤذنة بتراخي حدوث الفعلين بعدها في الزمن تراخيًا عبر عنه القرآن بهذه اللفظ. ولو أن الفعل كان على الفور لاتصل الفعل بلما من غير فاصل بينهما إشارة إلى ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ يعني لو لم يكن هناك تراخ في الفترة بين مجيء البشير وبين أخذه القميص من يوسف ﵇ لما وضعت أن؛ لأن "أن" تدل على التراخي الزمني بين الحين الذي أرسل فيه، والفعل الذي ذكر بعدها، والباء ليست زائدة

стр. 368

في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالمعنى لا تكونوا سببًا في هلاك أنفسكم بأفعالكم، أما في قوله تعالى: ﴿وهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فالمعنى أمسكي هازة بجذع النخلة، فجيء بالباء مصورة لمريم ممسكة بجذع النخلة تهزها مبعدة هذا الجذع حينًا ومقربة له إليها حينًا آخر. وكذلك في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾، فعلى تضمين يمدد بمعنى يتصل أي فليتصل بسبب، إذ ليس المراد مطلق مادي سبب إلى السماء بل الهدف أن يعلق المغيظ نفسه بهذا السبب، فساغ لذلك هذا التضمين ودلَّت عليه". الشاهد أن ابن هشام ﵀ اهتم في كتابه (المغني) كثيرًا بهذه المسائل وبتوضيحها وبقضية التضمين بل جعلها من الأساليب التي ينبغي أن يتنبه لها من ينظر في القرآن الكريم وإلى هذه المواضع، والقضية مشهورة في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) وكون الكاف زائدة أم غير زائدة، وهذه مسائل تفصيلية تحدثوا فيها وأوضحوها وكتب التفسير مليئة بالرد على نحو ذلك، وبعد أن استعرض الشيخ ﵀ هذه المسائل يقول: "ومن كل ذلك يبدو أن ما يمكن عده زائدًا إنما هو حروف نادرة جيء بها لأغراض بلاغية وفت بها هذه الحروف الزائدة ويظهر أن تسميتها زائدة معناه أنها لا يرتبط بها حكم إعرابي، لا أنها لم تؤدِ في الجملة معنى". وهذا هو الإنصاف الذي ذكرته عن هذا الباحث الجليل ﵀. ثم استطرد ﵀ إلى وجود بعض المعاني في آيات من القرآن ربما يتوهم المتوهم أن بها زيادة يقول: "ورد في القرآن ما يبدو للنظرة السريعة أنه يمكن الاستغناء عنه، ولكن المتأمل يظهر له الدقة البارعة في اختيار هذا التعبير مثال قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ

стр. 369

اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (البقرة: ٧٩) فتأمل قوله: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ يصور بها جريمة الافتراء ويرسم بها مقدار اجترائهم على الله، ويؤكد ارتكابهم الجريمة بأنفسهم، وإن شئت فأسقطت تلك الكلمة وانظر إلى فراغ تتركه إذا سقطت". هو يشير ﵀ إلى أنه ربما يتساءل متسائل: بأي شيء يكتبون الكتاب، الكتابة لا تكون إلا بالأيدي فربما يظن متوهم أن ذكر الأيدي هنا زيادة نستطيع الاستغناء عنه فبين الشيخ ﵀ أن ذكر الأيدي هنا بيَّن معانٍ لا نستطيع أن نتوصل إليها بدون ذكر الأيدي، كذلك في قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (النحل: ٢٦)، معروف أن السقف لا يخر من تحتهم، فلا يكون إلا من فوق، وهي من اللطائف التي أشار إليها البعض في الآية وعندما قال أحدهم: فخر عليهم السقف من تحتهم عوتب ووجهوا إليه نقدًا لاذعًا؛ لأنه لا يفقه ما يقرأ أو ما يقال. وكذلك قوله : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ (النور: ١٥)، وقوله : ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ (الأحزاب: ٤)، فأفواهكم تدل في الآية الأولى على أن الحديث الذي يجري على ألسنتهم حديث لم يشترك فيه العقل، ولم يصدر عنه فلذلك كان التعبير: تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم، أما في الآية الثانية تدل على أن نطق اللساني لا يغير من الحقيقة شيئًا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ فهو لا يتعدى اللسان إلى ما في الأفئدة من حقائق. وأشار إلى قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: ٤)، ففي ذكر الجوف تأكيد لإنكاره وجود قلبين لرجل، فإذا تصور القارئ جوفًا بادر بإنكار أن يكون فيه قلبان وكذلك ذكر كلمة واحدة في قوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (الحاقة: ١٣)، ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ (الحاقة: ١٤)، فهو يوحي بقصر النفخة وسرعة الدكة، وفي ذلك من إثارة الرعب وتصوير شدة الهول ما

стр. 370

فيه، وكذلك في وصفه مناة الثالثة الأخرى، وكذلك في قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (النجم: ١٩، ٢٠)، فيقول: "تجد فيه وصف مناة بالثالثة زيادة عن ما فيه من الحفاظ على الاتساق القرآني والموسيقى المتناسبة، إشارة إلى ما مني به هؤلاء القوم من ضعف في العقول، وفساد في التفكير حتى إنهم لم يقفوا بإشراكهم عند حد إلهين بل زادوا عليهما ثالثًا، وذلك فيه تهكم مرير عليهم". وفي قوله : ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦)،فالعشرة معلومة من الثلاثة والسبعة إلا أن ذكر ﴿كَامِلَةٌ﴾ أفاد أن التفريق بين هذه الأيام لم ينقص الأجر بل أجرها كامل كما لو كانت متوالية، فنسب الكمال إليها لكمال أجرها عند الله . هكذا نختم كلامنا عن قضية الزيادة، وأرجو أن تكون قد اتضحت لكم بأنها خلاف لفظي، وأن النحاة وغيرهم آثروا استخدام لفظ "الصلة" أفضل من لفظ "الزائد" أو "اللغو"؛ لأنهم لا يريدون بأنه لا يؤثر على المعنى، حاشى لله، وأن كلام الله منزه عن أن يكون فيه ما لا يفيد في مجال المعنى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 371

الدرس: ٢٠ الفصل والوصل .

стр. 372

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (الفصل والوصل) معنى الفصل والوصل عند النحاة والبلاغيين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فنتناول وجه من وجوه الإعجاز اللغوي في القرآن وهو استخدام الفصل والوصل، وابتداءً نودُّ أن نُبينَ أنّ هذا الباب من أبواب البلاغة، والإعجاز في القرآن، باب عظيم لا يتنبه له إلا أولو الفطنة من أصحاب البلاغة، ولذا نبه العُلماء على أهميته، وأهمية معرفته وفهمه؛ لأنّ ذلك يبين رَوعة القرآن في استخدام هذين الفنين من فنون البلاغة. يقول الجرجاني مبينًا أهمية هذا الفن، يقول: "اعلم أنّ العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل؛ من عطف بعضها على بعض، أو ترك العطف فيها، والمجيء بها منثورة؛ تُستأنف واحدة منها بعد أخرى من أسرار البلاغة، وَمِمّا لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخُلّص، وإلّا قوم طبعوا على البلاغة، وأوتوا فنًّا من المعرفة في ذوق الكلام، هم بها أفراد -أي: منفردون عن غيرهم- وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدًّا للبلاغة؛ فقد جاء عن بعضهم: أنه سُئل عنها فقال: معرفة الفصل من الوصل، ذاك لغموضه ودقة مسلكه، وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة". ويقول أيضًا الجرجاني في هذا المجال: "واعلم أنّ ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: إنه خفي غامض ودقيق صعب، إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب، وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف: إنّ الكَلامَ قد استُؤنف وقطع عما قبله، لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك، ولقد غفلوا غفلة شديدة".

стр. 373

يتضح من كلام هذا الإمام الجليل أن الفصل والوصل هو العطف وعدم العطف، أي: متى تعطف جملة على أخرى بحرف العطف، ومتى لا تعطفها؟. وقد تطور هذا الفن وهذا المصطلح على مدار الدرس البلاغي للقرآن الكريم، فبدا في أقوال الأئمة الأولين من أمثال سيبويه في كتابه، والفراء في كتابه (معاني القرآن) ثم تطور المصطلح عند العلماء وتحدثوا فيه، إلى أن جاء الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) وأوضح نظرية "الفصل والوصل"، ووضع لها ضوابط ومصطلحات تطورت بعده، إلى أن أتى السكاكي في كتابه (مفتاح العلوم) وقعّد مسائل الفصل والوصل، وجعلها مهيئة للدرس. ومن ثَمّ نجد العلماء يختلفون في تناولهم لهذه المسألة، ما بين مطلق لها العنان، ومتأمل في جوانبها، وموضح ما فيها، مع الأخذ والرد لأقوال العلماء والاهتمام بها، ودِرَاسَتها في ضوء الدرس اللغوي الحديث، كما فعل أستاذنا منير سلطان؛ فأفرد بحثًا بعنوان: "الفصل والوصل في القرآن الكريم، دراسة في الأسلوب" فحاول أن يبرمج في كتابه هذه النظرية، متتبعًا تطورها، ومظهرًا فنونها وأركانها، ومحددًا مصطلحاتها مع بيان نماذج من القرآن والتطبيق عليها في الفنين. ومنهم من تناولها تناولًا أكاديميًّا تقليديًّا كتناول السكاكي عندما جعلها قواعد تدرس، وهذا ما عليه كثيرٌ من الباحثين، وآخرون يتناولون القضية على مذهب الأقدمين، وعلى الطريقة التقليدية، ولكنهم يبينون فيها وجهًا من الخلاف، ويُرجحون أشياء ويذكرونها، ويرون أشياء تَصْلُح للدرس البلاغي، موضحين من خلال كلامهم: أنّ ليس كل ما قيل من مصطلحات سنذكرها لك في محل الاتفاق، وإنّما قد يؤخذ عليه مآخذ، ويرد عليه أمور، ومن ثم فالمسألة تحتاج إلى تحليل ودرس دقيق.

стр. 374

وهذا ما فعله العلامة أبو موسى في كتابه (دلالات التراكيب دراسة بلاغية)، حيث أفرد بحثًا عن الفصل والوصل، وتناول كلام الجرجاني ونظريات السابقين، ومن خلالها بدا له بعض الاعتراضات على هذه التقاسيم، وهذه التفاريع. ويكفيك في هذا المجال أولًا أن أذكر لك أن اهتمام البلاغيين بالحديث عن الواو التي تُذْكَرُ؛ فتَصل الجملة بأختها، أو تترك فتدع الجملتين منفصلتين؛ قد غالوا في تقدير معرفة الموضع الذي تصلح فيه الواو، والموضع الذي لا تصلح فيه الواو؛ حتى قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل والوصل. وقد قصروا حديثهم في ذلك الموضع على الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وهذا لأنّ الجمل التي لها موقع من الإعراب، ويكون موضع الواو فيها من الوضوح بمكان؛ لأنها تشرك الجملة الثانية في حكم الأولى، فتكون مثلها: خبرًا أو صفة أو حالًا أو مفعولًا أو غير ذلك، والأمر فيه سهل بَيّن. أما الذي يشْكُل فأن تعطف على الجملة التي لا موضع لها من الإعراب، جملة أخرى؛ فهنا تقف لترى لِم لَم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف؟. هذا كلامهم في مسألة الفصل والوصل وقصرهم عليها على استخدام الواو دون غيرها من حروف العطف، وذلك عند المتأخرين عندما بينوا أن الوصل يكون باستخدام الواو عاطفة بين الجملتين، وأن الفصل يكون بعدم استخدام الواو عاطفة بين الجملتين. فإنْ سألت لماذا اختصت الواو بالحديث في هذا الباب دون غيرها؟ قيل لك: لأنّ غيرها من حروف العطف، تُفيد مع الإشراك معانٍ كأنْ تدل الفاء على الترتيب من غير تراخٍ، وثم على الترتيب مع التراخي، و"أو" للتردد بين شيئين؛ فإذا عطفت جملة على جملة، بواحد منها ظهرت فائدة هذا

стр. 375

الحرف واضحة جلية؛ أما الواو فإنها لما كانت لمُطلق الجمع لا تَصِلُ جُملة بأخرى؛ إلّا إذا كان المعنى في إحدى الجملتين متصلًا بمعنى الجملة الأخرى ومرتبطًا به. فالخُلاصة: أنّ الفصل والوصل هو العطف وترك العطف، ومَن أسس هذه النظرية كنظرية لها مبادئ وأصول، هو الجرجاني ولكنه التزم بالأساس النحوي لدراسة الفصل والوصل، فبناها على قواعد النحو ولم يغفل أن الأمر ليس مجرد عطف جملة على جملة، وإنما هو وصل معنى بمعنى لاعتبارات جمالية؛ ففصل معنى عن آخر، ووصل معنى بآخر يحتاج إلى أقوام ذوي ذوق. وأشير فقط إلى ما نبه عليه أستاذنا الدكتور لاشين من بداية هذه الظاهرة، بهذا الفهم الذي فهمه الجرجاني في كتاب (معاني القرآن) للفراء وعرضه نماذج من ذلك في كتاب الفراء. فعند حديث الفراء عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (إبراهيم: ٦)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (البقرة: ٤٩) والفرق بين ذكر الواو ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ وتركها ﴿يُذَبِّحُونَ﴾. يقول الفراء موضحًا الفرق بين الأسلوبين: "فمعنى الواو أنه يمسهم العذاب غير التذبيح، كأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح. ومعنى طرح الواو كأنه تفسير لصفات العذاب، وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملًا في كلمة، ثم فسرته فاجعله بغير الواو، وإذا كان أوله غير آخره فالبواو". هذا النص من كلام الفراء يوضح الفرق بين استخدام الواو، وعدم استخدامها، وهو ما انتهى إليه العلماء في بيان الفصل والوصل، ويقول أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ

стр. 376

يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الفرقان: ٦٨، ٦٩)، يقول: "فالآثام فيه نية العذاب قليله وكثيره، ثُمّ فسره بغير الواو، فقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ألا ترى أنك تقول: عندي دابتانبغل وبرذون ولا يجوز: عندي دابتان وبغل وبرذون، وإننا نريد تفسير الدابتين بالبغل والبرذون، ففي هذا كفاية عما نترك فقس عليه". ويقول في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: ٦٧). يقول: " ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ وهذا في القرآن كثير بغير الفاء، وذلك لأنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فيقال: ماذا قال لك؟ فيقول القائل: قال كذا وكذا؛ فكأنّ حُسْنَ السّكوتِ يجوزُ به طرح الفاء، وأنت تراه في رءوس الآيات لأنها كفصول حسنى". فنرى من هذه النصوص أن الفراء ينص على التسمية بأن رءوس الآيات إذا جاءت منفصلة عما قبلها؛ فهي فواصل، كما أنها إذا كانت واقعة في جواب لسؤال مقدر، تنفصل الآية عما قبلها، كما يفصل الجواب عن السؤال؛ وهذا ما عرفه المتأخرون بشبه كمال الاتصال والآن نذكر ما ذكره الجرجاني، وأشار إليه، وتغافل عنه الكثيرون بعده عند تحديد المصطلح وبيانه، فاقتصروا على عطف الجمل، وهو أنْ نشير إلى الحديث عن وصل المفردات وفصلها، تعطف المفردات بعضها على بعض بالواو إذا حصل التناسب ووجد التجانس؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣). فكل ما عطف بالواو يندرج تحت جنس المحرمات، التي حرمها الله .

стр. 377

وقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥)، فالإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل من جنس الإيمان الذي آمن به رسولنا الكريم والمؤمنون برسالته. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (سبأ: ٢)، فكل ما عطف يندرج تحت علم الله ، ولا بد في عطف المفردات من وجود الجهة الجامعة، والتناسب بينهما، كما هو حاصل في الآيات الكريمة التي قرئت. وقد جرى الاستعمال القرآني على ألا يعطف بعض الصفات على بعض، إلا إذا كان بينهما تضاد. يقول المولى : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (التحريم: ٥)، فتلاحظ أن الصفات جميعها لم تقترن بالواو إلا في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ للتنويع ورفع التناقض، ودفع توهم من يستبعد ذلك. وكذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الحشر: ٢٣، ٢٤) فكلها ذكرت دون الواو؛ فلم يقل: الملك والقدوس والسلام ... إلى آخره وإنما لم تستخدم الواو في هذا الموضع من تعدد الصفات؛ لأنها تندرج تحت تناسب وتحت معنى واحد، وهو أسماء الله الحسنى وصفاته العليا جل في علاه؛ فلما تضادت الصفات عطفت بالواو كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: ٣).

стр. 378

مواضع الفصل والوصل دواعي عطف الجملة على أخرى اسمية أو فعلية، أو ما يسمى بمواضع الوصل: انتهى العلماء إلى أن الوصل بين الجمل يكون في ثلاثة مواضع؛ الموضع الأول: أن تكون الجملة الأولى لها محل من الإعراب، وأريد إعطاء الثانية هذا الحكم الإعرابي، وكانت هناك مناسبة، ولا مانع من الوصل. والموضع الثاني: أن تتفق الجملتان خبرًا أو إنشاءً، لفظًا ومعنى أو معنى فقط، مع وجود المناسبة بينهما، وليس هناك مانع من الوصل. والموضع الثالث: أن يكون بين الجملتين كمال انقطاع مع إيهام الفصل خلاف المقصود. الموضع الأول: أن تكون الجملة الأولى لها موقع من الإعراب وأريد إعطاء الثانية هذا الحكم الإعرابي، وكان هناك مناسبة ولا مانع من الوصل: انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: ٢٤٥)، تجد استخدام الواو في قوله تعالى: ﴿وَيَبْسُطُ﴾ فجملة: ﴿يَقْبِضُ﴾ جملة فعلية في محل رفع خبر عن لفظ الجلالة ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾، وعُطِفَت عليها جملة ﴿وَيَبْسُطُ﴾ وأريد إشراكها مع الجملة السابقة في الحكم الإعرابي، إذ المولى يقبض ويبسط، فيشتركان في حكم إسنادهما إلى المولى . فالمقصود تصور عظمة الله سبحانه حين يجمع بين القبض والبسط، وبين الجملتين تناسب؛ إذ القبض ضد البسط، والضد أقرب خطورًا بالبال عند ذكر ضده؛ لذا عطفت الجملة الثانية على الجملة الأولى لهذا الغرض.

стр. 379

وكذلك لو نظرت في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٧)، فجملة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ واقعة خبرًا لاسم الموصول، وجملة: ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ تشارك الجملة التي سبقتها في حكمها الإعرابي، إذ المقصود من الآية الإخبار عن الاسم الموصول بأمرين؛ أحدهما: أنهم لا يستطيعون نصرًا لمن يعبدونهم، والثانية: أنهم لا يملكون نصرًا لأنفسهم؛ لهذا عطفت الجملة الثانية على الأولى، والتناسب واضح بين الجملتين. فبان لك في هذين المثالين ما وضحوه في الموضع الأول بإشراك الجملة الثانية مع الأولى في الحكم الإعرابي. ووجود المناسبة وعدم وجود مانع من الوصل. ولذلك عاب النقاد البيت المشهور لأبي تمام عندما يقول في مدح أبي الحسين بن الهيثم: زعمت هواك عفا الغداة كما عفا عنها طلال باللوى ورسوم لا والذي هو عالم أن النوى صبر وأن أبا الحسين كريم ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت نفسي على إلف سواك تحوم فالرجل هنا يخاطب محبوبته، ويريد في ثنايا الكلام أن يمدح أبا الحسين بن الهيثم فيقول: لا والذي هو عالم أن النوى صبر وأن أبا الحسين كريم فاستخدم "الواو" ووصل الجملتين مع عدم وجود مناسبة بينهما، وعدم إرادة إشراك الجملتين في الحكم الإعرابيفتساءل العلماء: ما الصلة بين أن النوى صبر -يعني الفراق صعب- وبين كرم أبي الحسين؟ فالرجل هنا قال كلامًا انتقد فيه، وذكر النقاد هذا مثالًا لاستخدام الوصل في موضع لا مناسبة فيه بين

стр. 380

الجملتين، وإن كنت أرى -والله أعلم- أن أبا تمام على قدر من الفصاحة والبيان يدفعه عن الوقوع في مثل هذا الخطأ البَيّن؛ فكأنه يريد في هذا المعنى أن يبرز شيئًا وهو أن أبا الحسين وكرمه قد ملآ عليه جوارحه فإذا به يذكره في مخاطبته لحبيبته، هذا والله أعلم. والموضع الثاني من مواضع الوصل هو: أن تتفق الجملتان خبرًا أو إنشاءً، لفظًا ومعنى أو معنى فقط، مع وجود المناسبة بينهما وليس هناك مانع من الوصل، وينطبق هذا في ثلاث صور؛ الأولى: اتفاق الجملتين في الخبرية لفظًا ومعنى، انظر إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣، ١٤)، فالجملتان خبريتان مؤكدتان بإن ودخول اللام على الخبر، ووقع بينهما حرف العطف؛ فهما متفقتان في الخبرية لفظًا ومعنى. والتناسب ظاهر بينهما، فالأبرار ضد الفجار، والكون في النعيم ضد الكون في الجحيم، فلذلك عطفت الثانية على الأولى. ومثلها قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (يونس: ٣١)، فالجملتان خبريتان لفظًا ومعنى، والتناسب واضح فيهما إذ المسند إليه والمسند فيهما واحد، لذلك عطفت الثانية على الأولى. الصورة الثانية: اتفاق الجملتين في الإنشائية لفظًا ومعنى، ونظير ذلك كثير في القرآن منه قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ٣١)، فالجمل الثلاث جمل إنشائية الأولى والثانية أمر، والثالثة نهي، والأمر والنهي والاستفهام والنداء كل ذلك ضرب من ضروب الإنشاء. الشاهد أن الجملتين إنشائيتان ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الجمل الثلاث إنشائية وعُطف بينها

стр. 381

بالواو فلا يصح أن يقال: وكلوا اشربوا لا تسرفوا، فتعين العطف بالواو لوجود الاتفاق في الجملتين لفظًا ومعنى. والصورة الثالثة: اتفاق الجملتين في الخبرية أو الإنشائية في المعنى فقط، وإن اختلفتا في اللفظ. يعني الصور الثلاث تقسيمة منطقية -كما يقال- الأولى: الاتفاق في الخبر، لفظًا ومعنى، الثانية: الاتفاق في الإنشاء لفظًا ومعنى، الثانية: الاختلاف أحدهما إنشائية لفظًا خبرية معنى، تأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (البقرة: ٨٣)، فجملة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ عطفت على جملة ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وجملة: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ فالمعنى فيها على حكاية النهي. أما جملة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ فهي إنشائية لفظًا ومعنى إذ التقدير: "وأحسنوا بالوالدين إحسانًا". فهي بصيغة الأمر تكون إنشائية لفظًا ومعنى، وعكس ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: ١ - ٤)، فجملة: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ خبرية لفظًا ومعنى، وعُطفت على جملة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وهي خبرية معنى، إنشائية لفظًا؛ لأنّ ظَاهِرها أنها على الاستفهام، والاستفهام ضرب من ضروب الإنشاء؛ أمّا حَقِيقَتُها فهي على الإخبار؛ فإن الله يُعدد على رسوله الكريم النعم التي أولاه إياها من شرح الصدر، ووضع الوزر ورفع الذكر؛ فالمعنى: شرحنا لك صدرك، وبذلك اتفقت مع الثانية فصح العطف بينهما لوجود الجامع ولا مانع من العطف.

стр. 382

الموضع الثالث من مواضع الوصل: أن يكون بين الجملتين كمال انقطاع، مع إيهام الفصل خلاف المقصود، وهذا يُمثل له البلاغيون بهذه العبارة الجميلة، التي كانت من أبي بكر ﵁ عندما مر برجل في يده ثوب، فقال له الصديق: "أتبيع هذا؟ فقال: لا يرحمك الله. فقال له: لا تقل هكذا، ولكن قل: لا ويرحمك الله". فتجد أن الجملة الأولى خبرية في اللفظ والمعنى؛ فهو يقول: لا، التقدير لا أبيعه فهذه جملة خبرية. والجملة الثانية "يرحمك الله" خبرية في اللفظ إنشائية في المعنى؛ لأنه يريد بها الدعاء، فليس بين الجملتين اتفاق في المعنى، ولكن لما كان عدم استخدام الواو يوهم بخلاف المقصود، بأننا إذا كان الكلام: لا يرحمك الله توهم منه أنه قد يكون داعيًا عليه، لا داعيًا له؛ فأرشده الصديق ﵁ أن يضع الواو أن يقول: "لا ويرحمك الله". لذا وجب العدول عن الفصل إلى الوصل بالواو دفعًا لهذا الإيهام. ومما استشهدوا به على حسن ذلك ما روي أن الرشيد سأل وزيره عن شيء، فقال له: "لا، وأيد الله الخليفة". لأنه لو طرح الواو وقال: لا أيد الله الخليفة، رُبما تسبب ذلك في هلاكه لظنه أنه يدعو على الخليفة لا يدعو له، ولذا قال من حضر: هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود المرد الملاح. مواضع الفصل: أي عدم العطف وعدم استخدام الواو وهذه المواضع خمسة: كمال الاتصال، وكمال الانقطاع، والتوسط بين الكمالين، وشبه كمال الاتصال، وشبه كمال الانقطاع. فأول موضع هو: كمال الاتصال: ويقصد به أن تتحد الجملتان اتحادًا تامّا؛ بحيث تنزل الثانية من الأولى منزلة نفسها، ويكون ذلك في ثلاثة مواضع؛

стр. 383

الموضع الأول: أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للأولى تأكيدًا لفظيًّا أو معنويًّا، وأشير أن هناك فرقا بين كلام البلاغيين عن التوكيد، وكلام النحاة عن التوكيد؛ فالتوكيد اللفظي عند البلاغيين: يعنى به اتحاد المضمون بين التابع والمتبوع، كقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: ١٧)، فـ ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ توافق الجملة الأولى في اللفظ والمعنى، وهو توكيد لفظي للأولى وبذلك أصبحت الصلة قوية بين الجملتين لا تحتاج إلى رابط؛ لأن التوكيد من المؤكد كالشيء الواحد، ومن ثم ترك العطف لعدم صحة عطف الشيء على نفسه. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١، ٢)، فجملة ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ هي مضمون الجملة الأولى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إذ معنى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أنه الكتاب الكامل في الهداية، وذلك لما في تنكير ﴿هُدًى﴾ من الإبهام الدالِّ على التّفخيم؛ فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الكتاب هدى فهو الهداية نفسها، وهذا بعينه هو المقصود من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إذ إن معناه: ذلك الكتاب الكامل في الهداية، فهي بمثابة التوكيد اللفظي لسابقتها. ومثال التوكيد المعنوي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة: ٨، ٩) فتجد الجملة الثانية: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا تختلف من حيث المعنى عن سابقتها ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ (البقرة: ١٤) لأنهم يقولون: آمنا من غير أن يكونوا مؤمنين؛ فلا فرق في المعنى بين الجملتين؛ فمعنى الآية الثانية يؤكد مضمون معنى الأولى توكيدًا معنويًّا، ومن ثم ترك العطف بالواو؛ لأن اتحاد الجملتين يمنع العطف، كما قلنا لأنّ الشيءَ لا يعطف على نفسه.

стр. 384

والموضع الثاني: أن تكون الجملة الثانية بدلًا من الأولى، والبدل -كما تعرف- أنواع؛ فهناك بدل كل من كل، وبدل بعض من كل، وبدل اشتمال، فمثال بدلِ الكُلّ قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (المؤمنون: ٨١، ٨٢)، فجملة ﴿قَالُوا﴾ الثانية بدل مطابق، أو بدل كل من كل من الجملة الأولى؛ لأنّ الثانية شارحة وموضحة، وأوفى بتأدية المعنى من الأولى؛ فالثانية واقعة موقع بدل الكل منها، ولذا ترك العطف لقوة الربط بين الجملتين. ومثال بدل البعض قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ (الشعراء: ١٣٢، ١٣٣)، فصلت الجملة الثانية عن الأولى؛ لأن الثانية بمثابة بدل البعض، لأن ما يعلمونه يشمل ما في الجملة الثانية من النعم الأربع، وغيرها من سائر النعم، ومن ثم لم يعطف بين الجملتين بالواو، لقوة الربط بينهما. وكذا قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ (الرعد: ٢)، فجملة ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ بمنزلة بدل البعض من قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. ومثال بدل الاشتمال قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْم اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (يس: ٢٠، ٢١)، فـ ﴿اتَّبِعُوا﴾ الثانية بمنزلة بدل الاشتمال من ﴿اتَّبِعُوا﴾ الأولى لأن المراد من الأولى حمل المخاطبين على اتباع الرسل، والجملة الثانية أوفى بهذا؛ لأن معناها: لا تخسرون شيئًا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم؛ فيكون لكم جزاء الدنيا والآخرة. والموضع الثالث من مواضع كمال الاتصال: أن تكون الجملة الثانية بيانًا للأولى وإيضاحًا لها؛ أي: عطف بيان يبين الجملة السابقة، ومثاله قوله تعالى:

стр. 385

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (طه: ١٢٠)، فجملة ﴿قَالَ يَا آدَمُ﴾ بمنزلة عطف البيان من الجملة الأولى ﴿فَوَسْوَسَ﴾ وعطف البيان لا يُعطف على متبوعه، ومن ثم ترك الوصل بالواو وفصل بين الجملتين. الموضع الثاني من مواضع الفصل هو: كمال الانقطاع، وكمال الانقطاع معناه أن يكون بين الجملتين تباين تام، كأن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنى، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: ٩)، ﴿أَقْسِطُوا﴾ جملة إنشائية لفظًا ومعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ جملة خبرية لفظًا ومعنى، فبينهما تباين تام وانقطاع كامل، مما يستوجب الفصل بينهما، وليس في الفصل ما يوهم خلاف المقصود فيجب الوصل، كما في الصورة الثالثة من كمال الاتصال وهي قول الصديق ﵁: "لا ويرحمك الله". ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: ٣٤)، ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ جملة خبرية لفظًا ومعنى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ جملة إنشائية لفظًا ومعنى. الصورة الثانية: يمثل لها البلاغيون بقولهم: نجح خالد وفقه الله، فالجملة الأولى خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية خبرية لفظًا إنشائية معنى، وليس في الفصل بينهما ما يوهم خلاف المقصود. والصورة الثالثة: ألا يكون بين الجملتين مناسبة أصلًا، ويمثلون لها بقول الشاعر: الفقر فيما جاوز الكفافَ ... من اتّقى الله رجا وخاف

стр. 386

فلا صلة بين الجملتين؛ ولذا تعين الفصل وعدم الوصل بالواو. الحالة الثالثة: ما يسميه البلاغيون شبه كمال الاتصال، وهو: أن تكون الجملة الثانية جوابًا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى، وهذا ما اهتم به الجرجاني وذكر له أمثلة عديدة في كتابه (دلائل الإعجاز) من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: ٥٣) ففصلت الجملة الثانية ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ عن الأولى؛ لأنها واقعة في جواب سؤال مقدر، وكأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ فقيل: ﴿إنّ النّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. وكذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (هود: ٤٦)، ففصلت الجملة الثانية ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ عن الأولى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ لأن الثانية وقعت جوابًا لسؤال الجملة الأولى، وهو كيف لا يكون من أهلي وهو ابني؟! فكان الجواب عن ذلك: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فالجملة الثانية مرتبطة بالأولى ارتباطًا وثيقًا كما يرتبط الجواب بالسؤال ولهذا ترك العطف؛ لأنّ الجواب لا يعطف على السؤال. ومنْ ذَلك كل ما ورد في القرآن الكريم من الجُمل المصدرة بلفظ "قال" مفصولًا عما قبله كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ (الذاريات: ٢٤ - ٢٨). كأنها حوار فيه استفسارات وإجابات عنها وارجع إلى (الدلائل) فإنه بينها تمام البيان. الموضع الرابع من مواضع الفصل: هو شبه كمال الانقطاع: وهو أنتسبق جملة بجملتين، يَصِحُّ عطفها على إحداهما، ولا يصح عطفها على الأخرى لفساد المعنى؛ فيترك العطف كلية، دفعًا لتوهم أن تكون الجملة

стр. 387

معطوفة على التي لا يصح العطف عليها، وهذا الموضع فيه كلام، واستدل له البلاغيون بشواهد من الشعر، وبينوا أن هذه الشواهد يُمكن أن تحمل على شبه كمال الاتصال فتدخل فيه؛ فلذا رأى العلامة أبو موسى أن هذا الوجه الرابع من أوجه التكلف، ولكننا نوضح البيت الذي استشهدوا به جريًا على ما صنفوا في تصانيفهم في هذا الباب وهو قول الشاعر من بحر الكامل: وتَظُنّ سَلْمَى أنّني أبْغِي بها بدلًا أُرَاها في الضلال تهيمُ فجملة "أراها في الضلال تهيم" لم توصل بالواو، وفصلت مع وجود الجهة الجامعة بين الجملتين؛ وذلك لئلا يتوهم السامع أنها معطوفة على جملة "أبغي بها بدلًا" لقربها منها؛ فتكون حينئذٍ من مضمونات سلمى، ويصير المعنى: "أن سلمى تظن أنني أبغي بها بدلًا، وتظن أنني أظنها تهيم في الضلال" وليس هذا مراد الشاعر وإنما مراده: أن سلمى مخطئة في زعمها أنني أبغي بها بدلًا. والموضع الخامس وهو: التوسط بين الكمالين مع قيام المانع من الوصل، وهو: أن تكون الجملتان متفقتين خبرًا أو إنشاءً، وبينهما رابطة قوية، لكن يمنع من العطف مانع، وذلك بأن يكون للجملة الأولى حكم، لم يقصد إعطاؤه للثانية. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة: ١٤، ١٥)، ففصلت جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ عن جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ مع التناسب ووجود الجامع بينهما المصحح للعطف، لوجود المانع وهو أنه لم يقصد تشريك جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لجملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ في الحكم الإعرابي، وهو أنها مقول القول؛ فيقتضي ذلك

стр. 388

أن جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ تكون من مقول المنافقين، وهي ليست كذلك بل هي من كلام الله ولذلك فصل بينها. وهذا باب دقيق من أبواب البلاغة -كما ذكرت لكم- وبهذا تنتهي الصور الخمس لمواضع الفصل التي ذكرها البلاغيون، ويبقى لنا فقط تعليق على هذه المواضع من كلام العلامة أبي موسى، وبيان محسنات الوصل، واستخدامه في الكلام. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 389

الدرس: ٢١ الفصل والوصل في القرآن .

стр. 390

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (الفصل والوصل في القرآن) تعليق الدكتور محمد أبي موسى على مسألة الفصل والوصل في القرآن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه- وسلم تسليما كثيرًا، وبعد: نبدأ بما انتهينا به من الحديث عن مبحث الفصل والوصل، وقلنا: إن لنا تعليقًا على دراسة هذا المبحث من الناحية البلاغية، وهذا التعليق لأستاذنا العلامة الدكتور/ محمد أبو موسى أشار إليه في كتابه (دلالات التراكيب: دراسة بلاغية)، فعقب على دراسة البلاغيين لهذا المبحث بالنظر إلى الأسلوب القرآني، وهذا الذي هو غاية دراستنا، فلذا يجدر بنا أن نقف مع هذا التعليق للدكتور/ محمد أبو موسى. عندما يعرض أستاذنا هذا المبحث يجد أشياء ينبه إليها، فيقول: "قد تجد هذه الأساليب وقد جاءت موصولة بالواو"، أي: ما نص البلاغيون على أنه يجب فيه الفصل، وعدم الوصل بالواو جاء بعضه موصولًا بالواو، فأشار إلى مواضع: الموضع الأولى: هو ما أطلقوا عليه كمال الاتصال، يقول: "ومما وقعت فيه الواو مع الجملة المنزلة منزلة التوكيد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: ٧)، فعطف قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ على سابقه، وإن كان الميثاق هنا هو الميثاق هناك، والأخذ هنا هو الأخذ هناك، ليوهم أنه لما وصف بأنه غليظ صار كأنه ميثاق آخر، وذلك تفخيم لشأن الميثاق، وتنويه به، وعلى طريقته قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: ٥٨) فقد عطف ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ﴾ على ﴿نَجَّيْنَا هُودًا﴾ وإن كانت النجاة واحدة وذلك؛ لأنه لما ذكر ما نجاهم منه كانت النجاة الثانية كأنها نجاة مختلفة عن الأولى، فعطفها عليها تمييزًا لها، وتفخيمًا لشأنها،
следующие страницы →