Полный текст (425 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
اتفقوا على أنها من السور الأولى التي نزلت في القرآن الكريم على النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فلا شك أن الرجل حكم هذا الحكم وتأثر هذا التأثير عند سماعه سِور من السور التي نزلت في بداية الوحي قبل التفصيل في مسائل التشريع وقبل بيان مسائل الحقائق الكونية ومسائل الغيبيات، فكانت عبارات وجيزة وآيات قصيرة، أُنزلت على النبي -صلى الله عليه آله وصحبه وسلم- فمن هنا جاء كلامنا عن هذه المسألة، لا شك أن القرآن سحرهم، هذا اللفظ تجاوزًا على اعتبار كلامهم ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَر﴾ (المدَّثر: ٢٤) واسترعى انتباههم لما فيه من عبارات، وبما فيه من ميزة عن كلامهم ليست بالطبع هي الحقائق الكونية أو الحقائق التشريعية أو النبوءات الغيبية. فلا بد لنا أن نبحث عن منبع آخر لجمال النص القرآني.
من هنا بدأ الأستاذ سيد قطب في كلامه عن قضية التصوير الفني أن هذا التصوير الذي نجده في آيات القرآن جملة وتفصيلًا في قصار السور وفي طوالها وفي الآيات، ربما تقتصر آية على صورة عظيمة من صور التصوير. وبين ذلك أيضًا في حديثه عن جهود السابقين فأشار إلى أن الزمخشري كان ينتبه إلى هذه المسألة، ولكنه لم يتحدث فيها تفصيلًا، وإلى أن عبد القاهر ﵀ في (دلائل الإعجاز) نبه أيضًا عل هذه المسألة، ولكنه لم يفصلها تفصيلًا واضحًا، فتبنى ﵀ تفصيل هذه القضية في (بيان التصوير الفني في القرآن الكريم)، فقال: التصوير هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة المحسّة المتخيلة عن المعنى الذهني وعن الحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة.
стр. 72
فهذا التصوير تصوير باللون وبالحركة وتصوير بالتخييل تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل، وكثيرًا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن والحس والخيال والفكر والوجدان.
هذه إجمال معنى التصوير؛ نقل صورة أمامك تشاهدها، وبالمثال يتضح المقال، بدأ الشيخ يعرض سورًا من القرآن الكريم فيها روعة التصوير الفني الذي يعرفه من ينظر في هذه الآيات الكريمة، وكما ذكرت آنفًا الآن في عباراته؛ أنه ذكر أن القرآن عبّر عن المعاني الذهنية في صورة حسية، وكذلك عبر القرآن عن المعاني المجردة والحالات النفسية بصورة حسية، وكذلك عرَض القرآن نموذجًا إنسانيًّا واضحًا للإنسان في شخصيته وفي تصرفاته، وكذلك رسم القرآن مشاهد لحوادث وقعت في عهد النبي ﷺ ورسم القرآن حوادثَ ضُربت كمثال من القصة في القرآن الكريم؛ كل ذلك كانت عمدته الأساسية في التعبير عنه هي طريقة التصوير.
ونعيش الآن مع نماذج مما ذكرها الأستاذ سيد قطب ﵀.
يضرب مثال ً اللمعاني الذهنية التي خرجت في صورة حسية لأشياء عديدة؛ منها هذه الصورة، القرآن يريد أن يجسّم ضعف هؤلاء الآلهة أو الأولياء الذين اتخُذوا من دون الله عامة، ويبين أنهم لجئوا إلى ملجأ ضعيف واحتموا بشيء لا يستطيع حمايتهم، فبماذا عبر القرآن؟
قال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤١)، تأمل هذه السورة الكريمة؛ يصور الله -
стр. 73
هؤلاء الذين اتخذوا أولياء من دون الله بمن يتخذ بالعنكبوت الذي يتخذ بيتًا، فهم عناكب ضئيلة واهنة تأوي مَن حمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيت العنكبوت أوهن وأضأل، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، ولكنهم لا يعلمون حتى هذه البديهية المنظورة، فهم يضيفون إلى الضعف والوهن جهلًا وغفلة، حتى لا يعجزون عن إدراك البديهي المنظور.
يعني: يريد الشيخ بأن تتأمل هذه الصورة لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله أولياء أو أناسًا أو أصنامًا أو غير ذلك، فهذه الصورة التي رسمها الله لهم بهذه الآية الكريمة.
وصورة أخرى لمعنى مجرد، وهذا المعنى هو أن المشرك لا منبت له ولا جذور، ولا بقاء له ولا استقرار، فهذا المعنى كيف يُصوّر؟ انظر إلى قول الله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق﴾ (الحج: ٣١) هكذا في ومضة يخرّ من السماء من حيث لا يدري أحد، فلا يستقر على الأرض لحظة، إن الطير لتخطفه وإن الريح لتهوي به، وتهوي به في مكان سحيق حيث لا يدري أحد كذلك، وذلك هو المقصود.
انظر -رحمك الله- إلى هذا التصوير لهذا المعنى، وهو معنى عدم استقرار المشرك، وأنه لا بقاء له، وكيف صوّره القرآن الكريم.
هناك معاني أخرى تصور الحالة النفسية والمعنوية، هذا الذي لا يؤمن أو هذا الذي لا ينتفع بالعلم الذي أنزله الله يهيئ الله له المعرفة فيفرّ منها كأنها لم تهيئ له، ويعيش بعد ذلك مترددًا بين أهواء نفسه، فلا هو استراح بالغفلة ولا استراح بالعلم والمعرفة، نريد أن نصوّر أو أن نعبّر عن هذا المعنى، فماذا يُقال؟ انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ منْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ
стр. 74
فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (الأعراف: ١٧٥، ١٧٦).
انظر إلى هذه السورة وما فيها من تحقير وتقذير لهذا الذي ينسلخ ويترك ما رزقه الله من العلم والمعرفة، وهذه الحركة الدائبة في وضعه، فهي في تثبيت المعنى المراد أشد وأقوى، وهذا المنظر الذي تراه من الصورة التي رسمت للكلب: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، فهو على كل حال مضطرب فزِع خائف، سواء أمنته أو سواء أرهبته، في الحالين هو يلهث بهذه الصورة المقززة الحقيرة.
وصورة أخرى لمعنى آخر، وهو معنى من تتزعزع عقيدته، يعني إنسان ليس على يقين، وليس على ثبات من أمر الله ، فهو كما يُقال: إذا الريح مالت مال حيث تميل، في هذه الصورة يقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ (الحج: ١١)، هنا الخيال يجسّم هذا الحرف، الحرف الجبل، الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب، وإن هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح ما يؤديه وصف التزعزع؛ لأنها تنطبع في الحس وتتصل منه بالنفس، انظر إلى هذه الصورة وما استطاعت أن توصله إليك من بيان حال هذا الذي يشك والذي لا يثبت على شيء وعقيدته مضطربة مهتزة؛ يعبد الله على الأحوال التي تصيبه، فتارة يطمئن وتارة يضطرب، كحال من يتعبد على جبل مرتفع.
стр. 75
ينتقل بعد ذلك لرسم صور للإنسان بشخصه، وهذه الصورة تكون واضحة لمن ينظر فيها، صورة بسيطة، أنا لا أريد أيضًا أن أسهب في ذكر هذه الصور لأن لنا وقفة مع صور يوم القيامة ومشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، وكيف صوّرها القرآن لأهل الإيمان.
هذه صورة لإنسان ضعيف العقيدة، ضعيف العزيمة، مستور الحال، لا يتبين ضعفه في فترة الرخاء، فإذا جدّ الأمر وجاءت الشدة ظهر هذا الضعف على أتمّه، هذه الصورة يصورها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (محمد: ٢٠).
انظر لهذه الصورة التي يعرفها كلّ منا من حال من يُغشى عليه من الموت وما يُرى على وجهه من شحابة ومن خوف وفزع واضطراب يصيبه، هذا حالهم عندما ينزل أمر الله بالجهاد والقتال؛ ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، صورة تبرز في الضمير مصحوبة بالسخرية والتحقير، وهذه صورة من الصور العظيمة التي صوّرها القرآن لحادثٍ حدث في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ويكفي أهل الإيمان أن ينظروا في الآيات ليتبينوا هذا المنظر وكأنهم يرونه رأي العين، وكيف استطاع القرآن أن يصف هذا المنظر بهذه الصورة الفنية الرائعة، وهي حادثة الأحزاب، وما كان في أمر هذه الغزوة؛ يتحدث المولى عن الهزيمة فيرسم مشهدًا كاملًا تبرز فيه الحركات الظاهرة والانفعالات المضمرة، وتلتقي فيه الصورة الحسية بالصورة النفسية، وكأنما الحادث معروض من جديد دون أن يُغفل منه قليل أو كثير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *
стр. 76
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْل يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (الأحزاب: ٩ - ١٣).
سبحان الله!! انظر لهذه الحركة النفسية والحسية من حركات الهزيمة، وكيف أبرزها القرآن الكريم في رسم صورة أهل الإيمان عندما اشتد بهم الكرب وأحاط بهم أهل الكفر وما كان من شأنهم بهذا الوصف الرائع الذي وصفه المولى : ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وهذا الابتلاء الشديد الذي تعرضوا له وما كان من شأن المنافقين الذين قالوا عند هذا الوضع: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وما كان من شأنهم مع أهل المدينة عندما قالوا لهم لا بقاء لكم هنا ارجعوا إلى بيوتكم فهي في خطر، وهؤلاء هم جماعة من ضعاف القلوب يقولون: إن بيوتنا مكشوفة وليست في حقيقتها مكشوفة، ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
فصور الله أحوال جميع الطوائف التي كانت مع النبي ﷺ : أهل الإيمان الذين زُلزلوا زلزالًا شديدًا وأهل النفاق الذين كذبوا وعد الله وأضعفوا إخوانهم، وأهل الإيمان الضعيف الذين أرادوا أن يفروا ويتحججون بأن بيوتهم مكشوفة، وهكذا لا تفلت في الموقف حركة ولا سمة إلا وهي مسجلة ظاهرة كأنها شاخصة حاضرة، هذا من روائع تصوير القرآن الكريم لحادث وقع، كذلك الناظر في قصص القرآن.
стр. 77
ثم تعرض الشيخ لذكر بعض الأمثال القصصية التي وقعت في القرآن الكريم؛ من ذكر أصحاب الجنة في سورة (ن) ومن ذكر صاحب الجنتين في سورة الكهف، ومر بعد ذلك بمشاهد من قصص حقيقية، هذه القصص السابقة ضُربت على سبيل المثال على اختلاف بين أهل التفسير أو أنها قصص واقعة، وكذلك قصة نوح ﵇ مع ابنه بعد الطوفان: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (هود: ٤٢، ٤٣).
فانظر إلى هذه الصورة وكيف رُسمت بما هو صراع بين عاطفة الأبوة وحقيقة النبوة مع نوح ﵇، وكيف كان الابن على هذا العناد وهذا الإصرار على عدم طاعة أبيه، وكيف صور القرآن هذا الموقف العظيم بهذه الكلمات الجليلة!
وكذلك صور القرآن مظاهر الطبيعة في آيات كثيرة، ومن أعظم ما يستدعي أهل الإيمان أن ينظروا إليه هي مشاهد القيامة في القرآن الكريم، ولك أن تتأمل بعض المشاهد كمنظر هؤلاء الذين يخرجون من القبور للحساب، وما حالهم من الإسراع والخشوع وما يصيبهم في قول الله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (إبراهيم: ٤٢، ٤٣)، وانظر إلى منظر الناس عندما رسمه الله عند قيام الساعة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج ١، ٢).
стр. 78
وانظر رحمك الله إلى هذه الصورة العظيمة في آخر سورة الزمر، من وصف سوق أهل الجنة إلى الجنة وأهل الجحيم إلى الجحيم -عياذًا بالله- وما كان من آمرهم وكيف صوّره الله بهذا الكلام الجميل الذي يتأمله من يؤمن بكلام ربه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (الزمر ٧١، ٧٢)، وعلى النقيض صورة أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (الزمر ٧٣، ٧٤)، ويكمل المشهد بمنظر الملائكة: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الزمر: ٧٥).
هذه صورة جميلة وغيرها، كثير في كتاب الله ، ولكن ذلك يستدعي منك -أيها الابن الحبيب- أن تتدبر وأن تتأمل وأن تنظر في هذه الوجوه من روائع التصوير في القرآن الكريم التي هي سر من أسرار الإعجاز في كتاب الله.
وجزاكم الله خيرًا.
стр. 79
الدرس: ٥ الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن .
стр. 80
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن)
مقدمة عن الحروف والأصوات كمظهر من مظاهر إعجاز القرآن
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
نبدأ اليوم إن شاء الله التعمق لسبر غور كتاب ربنا الكريم والتوصل إلى ما فيه من أسرار بلاغية لغوية تشهد بأنه كتابٌ معجز إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتناول مباحث البلاغة في القرآن الكريم أو مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم تفرعت إلى صور شتى، وعادةً ما يُبتدأ فيها بذكر ما يتركب منه كتاب الله ، أي ذكر المفردات التي يتكون منها النص القرآني.
المفردات -كما نعلم جميعًا- هي أجزاء الكلام التي يتألف منها كلام العرب، وأجزاء الكلام كما تعلمون اسم وفعل وحرف، ويبدأ البلاغيون أو من اهتموا بإبراز مسائل الإعجاز بالكلام عن الوحدة الأولى التي يتركب منها بنيان النص القرآني ألا وهي الحروف، أو الأصوات اللغوية، فهذا المظهر من مظاهر تكوين النص القرآني كما يسميه بعض أهل العلم القشرة السطحية للقرآن الكريم، أو ما نقول بمعنى آخر كما يسمي أهل الأدب: أن كل نص ينقسم إلى شكل ومضمون، الشكل هو الإطار الخارجي الذي يُعرض فيه المضمون الذي هو المعاني التي يُراد إبرازها من خلال هذا النص، أو من خلال الشكل أو الإطار الخارجي.
فكلامنا اليوم إن شاء الله حول الحروف وأصواتها اللغوية، هذا عنوان عام يشتمل على جزئيات سنذكرها تباعًا إن شاء الله، أنت تعلم أيها الابن الحبيب أن الحروف في اللغة العربية
стр. 81
تنقسم إلى صوامت وحركات، والصوامت هي الحروف التي ننطقها أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، هذه الحروف تُسمى الصوامت.
أما الحركات فهي الحركة التي توضع على هذا الحرف الصامت وهي الفتحة بَ، والكسرة بِ، والضمة بُ ... إلى آخره هي الحركات الثلاث.
بعد ذلك تعرف أيضًا من خلال دراستك في علم التجويد وتفاصيله، أن الحروف لها مخارج ولها صفات، فمخارج الحروف خمسة: الجوف والحلق واللسان والشفتان والخيشوم، وصفات الحروف إما صفات لازمة أو صفات عارضة؛ صفات لازمة أي تلزم الحرف ولا يفارقها، مثل الجهر والهمس والشدة والرخاوة والاستعلاء والإطباق والاستفال والانفتاح والإصمات والتفشي والاستطالة ... إلى آخره، وصفات عارضة أي تطرق على الكلمة أو على الحرف تطرق على الحرف في حال معينة، كحال تسكينه أو حال الختام به أو غير ذلك، وهي صفات مثل الترقيق والتفخيم والإدغام والإخفاء والإقلاب والإظهار والمد والغنة ... إلى آخره.
هذا كله تعرفه أيها الابن الحبيب، أما الذي نريد أن نشير إليه الآن في درسنا هو أن تعلم أن هذه المخارج وهذه الصفات إنما أُخذ أكثرها من ألفاظ القرآن الكريم، لا من كلام العرب وفصاحتهم، فهنا موضع القول؛ فإن طريقة النظم التي اتسقت بها ألفاظ القرآن وتألفت لها حروف هذه الألفاظ إنما هي طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة- لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنها ظهرت فيه أول شيء على لسان النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، مما جعل المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتى لم يكن لمن يسمعه بد من الاسترسال إليه والتوفر على الإصغاء، لا يستمهله أمر من دونه وإن كان أمر
стр. 82
العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة، فإنه يسمع ضربًا خالصًا من الموسيقى اللغوية في انسجامه واضطراد نسقه واتزانه على أجزاء النفس مقطعًا مقطعًا ونبرةً نبرةً، كأنها توقّعه توقيعًا ولا تتلوه تلاوة.
هذه المقدمة الجميلة ذكرها الرافعي ﵀ في بداية كلامه عن الحروف والأصوات، كمظهر من مظاهر الإعجاز الكريم.
مظهر الإعجاز في الحروف وأصواتها
يتركز حديثنا عن مظهر الإعجاز في الحروف وأصواتها في نقاط ابتداءً قبل التفصيل الذي سنذكره:
أولًا: هناك فرق بين استخدام القرآن للحروف وأصواتها واستخدام العرب، كيف؟
العرب في كلامهم كانوا يترسلون أو يحلمون؛ بمعنى أنه يقرأ على تمهل أو يقرأ على سرعة أي يتسرع في القراءة كيفما اتفق له، لا يراعون أكثر من تكييف الصوت دون تكييف الحروف التي هي مادة الصوت، هذه طريقة العرب وغاية ما كانوا يستخدمونه في كلامهم، يقرءوا ببطء أو يقرأ بسرعة إلا أنه لا يهتم اهتمامًا بالغًا بأن يكيف الحروف تبعًا لمادة الصوت، وإنما اهتمامه هو تكييف الصوت أي يقرأ أو يتحدث بصوت يشعر من أمامه بما يريد أن يتحدث به، فإذا أراد أن يتحدث مثلًا عن الحماسة أو الفخر تحدث بنبرة معينة، وإذا أراد أن يتحدث عن الغزل أو غيره تحدث بنبرة معينة، فيغير نبرات صوته وطرق أدائها حسبما الأغراض التي يريدها.
стр. 83
أما القرآن الكريم فجاء بصورة لم يعهدها العرب في كلامهم، لما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، رأوا ألحانًا لغوية رائعة، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعه، فلم يفتهم هذا المعنى، ولذا كانت الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها.
نريد أن نستدل على هذه المسألة: أن القرآن جاءهم بقراءة وبطريقة لأداء الحروف ونطقها تختلف عما كانوا يعرفوه.
هناك أدلة ذُكر منها هذا الدليل الأول: أنك إذا أنشأت ترتل قطعة من نثر الفصحاء أو غيرهم على طريقة تلاوة القرآن الكريم، وتراعي فيها أحكام القراءة وطرق الأداء- فإنك لا بد ظاهر بنفسك على النقص في كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن، جرّب أيها الابن الحبيب أن تقرأ نصًا من النصوص غير النص القرآني بطريقة تلاوة القرآن تجد بونًا شاسعًا أو تجد أن هذه الطريقة المميزة بهذا الأداء وهذه الأحكام كأنها فُصلت تفصيلًا على كتاب الله ، ولا تستطيع أن تقرأ بها غيرها من النصوص، لما في هذا النص القرآني مما يُسمى بجمال التوقيع، وسنقرأ نصًّا إن شاء الله يبين معنى هذه العبارة الجميلة التي ذكرها الدكتور "دراز" ﵀.
فنقول: حسبك في إعجاز النظم الموسيقي في القرآن وأنه مما لا يتعلق به أحد ولا يُتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه -في القرآن- لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر والشدة والرخاوة والتفخيم والترقيق والتفشي والتكرير، وغير
стр. 84
ذلك من صفات الحروف، فلا يخفى عليك أن مادة الصوت في القرآن هي مظهر الانفعال النفسي، وأن هذا الانفعال بطبيعته هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدًّا أو غنةً أو لينًا أو شدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها، ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع أو الإطناب والبسط بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها.
كأنه حادي يحدو بنفس من يقرأه، كما يحدو صاحب الإبل لها ليستثيرها وليحركها وليجدها في السير، هذه الصفة تبدو واضحة لمن أراد أن يقرأ كتاب الله .
هذا أيها الابن الكريم يؤدي إلى ما نسميه بالتأثير النفسي للقرآن الكريم وغلبته على الطبع العربي وغيره، كيف وغيره؟ نعم غلبة القرآن بطريقته وبطريقة أدائه على النفس العربية وغير العربية، بل على النفس المؤمنة والجاحدة، تتأثر بهذا الكلام الكريم الجميل الذي هو كلام رب العالمين، فتتأثر له، وكم سمعنا عمن أسلم من الغرب لسماعه آيات من القرآن الكريم، وهو أعجمي، لا يعرف العربية ولا يعرف الإسلام وإنما هزه ذلك التوقيع الجميل وهذا الصوت الذي يسمعه وهذا الذي يكون ممن يجيد تلاوة القرآن الكريم، ولاسيما إن كان حسن الصوت، هذا ما يُسمى -أيها الابن الكريم- بطريقة الاستهواء الصوتي، أي هذا يستهوي من يسمع كلام الله إلى الاسترسال وإلى سماع كلام الله .
هناك دليل آخر على إعجاز القرآن في تركيب حروفه وأصواته اللغوية: ما هو هذا الدليل؟
أن توازن بين القرآن وبين أي نص آخر، بمعنى: أن القرآن لا يخلق أي لا يبلى، ولا يُسأم منه، ولا ينتهي وقته، كما يُقال على كثرة الرد وطول التكرار، ولا تمل منه الإعادة، وكلما أخذت فيه على وجهه الصحيح فلم تخل
стр. 85
بأدائه رأيته غضًا طريًا وجديدًا، ورأيته وصادفت من نفسك له نشاطًا مستأنفًا وحسًّا موفورًا، هذا القرآن بما فيه من ترسيل واتساق وتطويل مع أنه لا يُضبط بحركات وسكنات كأوزان الشعر فتجعل له بطبيعتها صفة من النظم الموسيقي، ولا يخرج على مقاطع الكلمات التي تجري فيها الألحان ودروب النغم، مما يسهل تأليفه ويكون أمره إلى الصوت هو طريقة تصريفه وتوقيعه، إنما هو نابع من أصواته وحروفه، أما أي نص آخر عندما تقرأه مرة ومرة ومرة ويُعاد عليك وإن تنوعت طرق أدائه وطرق قراءته- إلا أنك تشعر منه بالملل والسأم، وتشعر بعدم الرغبة في مواصلة السماع، عدا القرآن الكريم يختلف عن هذا وعن أي نص في هذه الصفة؛ أنك لا تسأم من ترداده وكثرة تكراره.
هذا الذي ذكرته لك -أيها الابن الحبيب- هو في مجمله الكلام عن الحروف وأصواتها وتأثيرها كوجه من وجوه الإعجاز، فإذا ما أردنا أن نفصل في هذه المسألة وأن نذكر فيها أدلة ذكرها البلاغيون ومن تعمقوا في هذه المسألة وحاولوا أن يتلمسوا من كتاب الله أثرَ الإعجاز في بنيته الخارجية أو في شكله أو في الإطار الذي وضع فيه- هذا ما نجده في نقاط سنذكرها تبعًا بإذن الله وهي التلاؤم وصلته بمخارج الحروف وشكل الحرف وأثر الحرف المعنوي على النفس والحروف المتماثلة وحركات الحروف والنسق الصوتي.
نبدأ بأولى هذه النقاط وهي الصلة بين التلاؤم والمخارج:
نطرح هذا السؤال: هل هناك صلة بين تلاؤم الحروف وبين مخارجها؟
هذا السؤال شغل من اهتم بهذه المسألة، فنرى أولًا الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن) يعرض كلام الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي عدّ التناسق بين الحروف
стр. 86
والتلاؤم بين الحروف أساسه البعد عن القرب الشديد من المخارج أو البعد الشديد في المخارج، بمعنى أن الخليل ﵀ ربط بين المخارج وبين التلاؤم، ربط بينها بهذه العبارة الجميلة، يقول الباقلاني: ذهب الخليل إلى أنه من بعد شديد أو قرب شديد، فإذا بعُد فهو كالطفر أي كأنه يثب مرتفعًا، يثب يثب وهو يتحرك، وإذا قرب جدًّا كان بمنزلة مشي المقيد المكتوف الذي لا يستطيع أن يتحرك، ويبين بقرب المخارج وتباعدها؛ أي أن التنافر في الحروف يبين بالقرب والبعد، ولعلك أيها الابن مر عليك تباعًا هذا البيت المشهور الذي ذكروه مثالًا لتنافر الحروف لقروب مخرجها:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
هذا البيت الذي موجود في كتب البلاغة يُذكر مثالًا للتنافر بين الحروف بسبب هذه المخارج، نجد عكس التنافر هو التلاؤم، التلاؤم الذي هو مجسد في القرآن الكريم، بمعنى العلماء يقولون: القرآن كله في الطبقة العليا للتلاؤم، ولكن الفرق أن بعض الناس أحسن إحساسًا له من بعض، وذلك كما أن في الشعر هناك من يفطن للموزون بخلاف بعض، يعني هناك من يشعر بقيمة الشعر لإدراكه الوزن، فعندما يمر به بيت من الشعر به كسر أو به خلل يظهر عليه وترى تغير وجهه لأنه أحس أن هناك خللًا في هذا البيت وأن هناك كسرًا قد اعتراه، كذلك في القرآن يتفاوت الإحساس بمدى هذا التلاؤم وبروعته بمدى إحساسك باللغة وفهمك لها، فالتلاؤم -أيها الابن الكريم- كما قيل هو حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ ووقع المعنى في القلب، هذا التلاؤم مجسد في كتاب الله وفي آياته كما سنذكر الآن من أمثلة.
стр. 87
هذا رأي، رأي ذهب إلى أن التلاؤم ناتج من البعد عن خروج الأحرف من مخارج قريبة أو مخارج بعيدة، فجاء الكلام على صورة من التلاؤم البديع ليست موجود في أي نص ولا يستطيع أي فصيح -مهما بلغت فصاحته- أن يلتزم هذا التلاؤم في جميع كلامه، بدليل أنهم أخذوا ملاحظات على كبار الشعراء في الجاهلية وفي صدر الإسلام، وكبار اللغويين والنحاة وغيرهم ممن هم أهل اللغة وأرباب الفصاحة والمستشهد بكلامهم، أخذوا عليهم أمثلة عديدة في عدم التلاؤم وفي وجود التنافر في كلامهم؛ لذلك يدعوك من تأمل هذه المسألة إلى أن تتأمل صور التلاؤم في كتاب الله والأمثلة التي تُذكر لذلك.
هذا التلاؤم يراه البلاغيون الذين تعمقوا في الدراسة ليس فقط بسبب المخارج وبسبب القرب أو البعد، وإنما هو يعتمد في المقام الأول على الذوق، يعتمد في المقام الأول على تقبل من يسمع الكلام بأن ذوقه اللغوي ذوق عربي سليم، فما عده الذوق ثقيلًا فهو متنافر، وإلا فلا تنافر فيه.
هذا الرأي الآخر في مسألة التنافر؛ أنه لا يرتبط بالمخارج قدر ما يرتبط بالذوق، ويبدأ أهل العلم يستدلون بآيات من القرآن وكلمات من القرآن تدل على التلاؤم في ألفاظه الكريمة.
مثال يُستشهد به هو استخدام الإفراد والجموع، كيف استخدام الإفراد والجموع؟
أنت حين تنظر في كتابه الله تجد جموعًا لا مفرد لها، وتجد مفردات لا جمع لها، ليس في الوضع اللغوي وإنما في النص القرآني، بمعنى أنك تجد مثلًا كلمة الألباب فإن سألتك عن مفردها قلت لب، فإن سألتك عن وجوده في كتاب الله قلت: ليس هناك آية في كتاب الله بها لفظ لب، وإنما لم يُستخدم في القرآن إلا لفظ الألباب، فاستُخدم الجمع ولم يُستخدم المفرد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَاب﴾ (الزمر: ٢١) وغير ذلك من الآيات العديدة.
стр. 88
أما كلمة اللب لم ترد وإنما ورد مرادفها، مرادف اللب وهو القلب، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب﴾ (ق: ٣٧)، ولم يقل لمن كان له لب، فلم تُستخدم المفردة مع أن نظيرها استخدم في كتاب الله، كيف النظير؟ النظير في الوزن والنطق، فكلمة لب توازي كلمة جب ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ (يوسف: ١٠) فلما ذُكر الجب ولم يُذكر اللب مع أنهما متوازيان ومتساويان في الوزن إلا أنهما يختلفان في المخارج، ويختلفان في العلاقة بين الحرفين، ففرق بين اللام والباء بما فيها من ثقل، وبين الجيم والباء وبما فيها من صلة، كذلك أيضًا في قضية الإفراد والجموع، تجد كلمة أرجاء استخدمت ولم يستخدم الرجا المفرد لها، تجد كلمة أكواب استخدمت: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (الواقعة: ١٨) أما كلمة كوب لم تجدها استخدمت في كتاب الله، كذلك كلمة الأصواف: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (النحل: ٨٠) كلمة أصواف استخدمت أما كلمة صوف المفرد لم يستخدم، وعندما أُريد استخدم مرادفه، وهو العهن، في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة: ٥)، وعندما تُسأل عن تفسير العهن يُقال لك هو الصوف، ولكنما لم يستخدم واستخدم مرادفه مكانه.
كذلك كلمة الأحبار، ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ (التوبة: ٣٤) وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُم﴾ (التوبة: ٣١) كلمة الأخبار استخدمت، أما حبر وهي مفرد أحبار لم تستخدم في القرآن الكريم، ذلك دليل عملي على استخدام الكلمات الجموع دون مفرداتها لما في الجموع من أثر صوتي يلمحه من له تذوق في اللغة ولما في المفردات من تنافر أو ثقل يتأمله أيضًا من
стр. 89
يستطيع أن يتذوق كلام العرب، وعكس ذلك استخدام المفرد دون الجمع ككلمة الأرض، الأرض لم ترد مجموعة في القرآن، حتى إ ن المتأمل يجد أن الموضع الذي كان يقتضي أن يُذكر فيه جمع الأرض بمعنى أن الآيات جميعها إذا نظرت فيها: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ (البقرة: ١٦٤)، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ (البقرة: ١٠٧) السماوات بصيغة الجمع والأرض بصيغة الإفراد، فهل هي أرض واحدة؟ لا هي أراضين وهي مجموعة وهي سبع كما أن السماوات سبع، فعندما جاء القرآن في موضع يستدعي المقابلة بين العدد وغيره بالنص عليه جاء قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ (الطلاق: ١٢).
انظر إلى جمال القرآن الكريم، لم يقل الله الذي خلق سبع سماوات وسبع أراضين مثلهن، وإنما: ومن الأرض مثلهن، كان ذلك من الإبداع في اختيار اللفظة التي تلاءم السياق القرآني والنص القرآني.
كذلك عندنا كلمة في القرآن الكريم حار أهل البلاغة في تصويرها وبما فيها من جمال، كلمة لم تُذكر فاحتاروا فيما ذُكر مكانها، وهذا موقف من مواقف فرعون مع هامان: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ (القصص: ٣٨)، ماذا يريد فرعون من هامان؟ هو يريد منه أن يبني له صرحًا من الطوب المحرق الذي يدخل المحرقة، ويُصنع بطريقة سريعة لا تستدعي أن يأتي بالصخر وغيره ليشيد بناءً، فهو يريد أن يستعجل البناء ويريد أن يكون عاليًا، يصل إلى عنان السماء لعله يطلع إلى إله موسى كما ذكر في موضع آخر، فانظر إلى التعبير القرآني لم يذكر الآجُر، أو القرمد المرادف لما فيه من تنافر ولما فيه من ثقل في النطق وغيرها.
стр. 90
فاستخدم لفظ هو يُعد من مبتكرات القرآن فأوقد لي يا هامان على الطين، أوقد لي يا هامان على الطين، هذا الاستخدام وهذه الصورة البديعة التي كما قلت حار البلاغيون في روعتها وفي خفتها وفي وقعها في سياق الآيات وفي جمالها، عندما تسمعها من القارئ وهو يقلقل الدال وينطق اللام برقة، اللام مرققة لكسرها، فأوقد لي يا هامان، هذا الإحساس الذي تشعر به وأن تستمع للآية، ويجذبك ويجعلك بقلبك منصتًا لكلام الله هذا لا يتأتى مع كلمة الآجُر أو مرادفها من الكلمات ناهيك عما يدل على غباء فرعون بهذا الطلب، فكأنه يطلب منه أن يبني له إلى ما لا نهاية، فإن الطين الذي يوقد عليه لا يُفرغ من البناء فيه في وقت، وإنما أراد العجلة فكان الطول في إحداث هذا الأمر الذي يريد، ذلك كله ضرب من ضروب التلاؤم في حروف القرآن الكريم وصلتها بالمخارج كما بينا.
المسألة الثانية في الحروف هي مسألة شكل الحرف، ماذا نعني بشكل الحرف؟
الحرف الذي ننطقه في الألفاظ القرآنية تجد بينه وبين شبيهه علاقة، هذه العلاقة ما يُسمى بالتجانس، هناك فرق بين الجناس والتجانس، الجناس كما تعلم جناس تام وجناس ناقص وتوافق الحروف مع اختلاف المعنى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ (الروم: ٥٥)، فالساعة الأولى مراد بها القيامة والساعة الثانية المراد بها وقت الساعة المعروفة في نهار اليوم التي يعرفها البشر، فهذا ما يسمى بالجناس التام: توافق الحروف في الشكل مع اختلافها في المعنى.
وهناك جناس يُسمى جناس ناقص: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (الأنعام: ٢٦) توافق الحروف مع اختلاف حرف من حروفها، ينهون وينأون، الهاء والهمزة مع
стр. 91
اتحاد المخارج للهاء والهمزة، فهي من حروف الحلق كما تعلم، هذا نوع أيضًا من الجناس، الأعمق من لفظ الجناس ما هو معروف في علم البديع؛ لأن هذا الجناس موجود في كلام الشعراء موجود في كلام الأدباء والخطباء، الظاهر الذي يجذبك والذي يشعرك بأهمية استخدام الحرف في القرآن ما يُسمى بالتجانس، الذي يتلخص في صورتين أو في ضربين ما يُسمى بالمزاوجة وما يسمى بالمناسبة بين الحروف التي تستخدم، هذا يكون في الكلام الذي يجمعه أصل واحد، يعني يجمعه مادة لغوية واحدة يتكون منها، تجد اللفظ هو اللفظ، ولا نستطيع أن نقول: إنه ضرب من ضروب الجناس، وإنما هو ضرب من ضروب المزاوجة في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾ (البقرة: ١٩٤).
اعتدى /اعتدوا /بمثل ما اعتدى؛ تلحظ أيها الابن الكريم تكرار كلمة اعتدى ومقابلتها بكلمة فاعتدوا عليه فلك أن تتساءل: هل أخذ الحق اعتداء؟ هل عندما تقابل الاعتداء بالاعتداء فأنت بذلك تكون معتديًا على من اعتدى عليك؟ هذا يسأله من ينظر في الكلام فيُقال له: لا، وإنما هو جاء على سبيل المزاوجة، والمزاوجة هي من الجزاء بمعنى أنه استعير لفظ الاعتداء للثاني لتأكيد الدلالة على المساواة في المقدار، فجاء على مزاوجة الكلام بحسن البيان، فالله جازاهم بما يستحقون لأنهم اعتدوا فيجازون بالاعتداء، فإنما استعير للفظ الثاني وكان حقيقة في الأول يعني في المعنى الأول اعتدى فهو معتدي على الحقيقة وأنت في الثانية ليس معتديًا، وإنما استعير اللفظ لما يسمى المساواة في المقدار ولبيان أن ذلك جزاء لما أُحدث.
стр. 92
كذلك في قول الله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه﴾ (آل عمران: ٥٤) فالله جازاهم على مكرهم، فاستعير للجزاء على المكر اسم المكر؛ لتحقيق الدلالة، بني الدِلالة والدَلالة والدُلالة كلها فصيحة، تسمع الكلمة بالكسر أو بالفتح، لتحقيق الدِلالة على أن وبال المكر راجع عليهم ومختص بهم، هذا التجانس.
والمناسبة أيضًا تأتي في المعاني التي من أصل واحد كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ (التوبة: ١٢٧) فجونس بالانصراف عن الذكر صرف القلب عن الخير، والأصل فيه واحد، وهو الذهاب عن الشيء؛ يعني أصل الصرف هو الذهاب عن الشيء فلذلك جونس بينهما، فهم عندما ذهبوا عن الذكر فقد ذهبت قلوبهم عن الخير، فكلاهما ذهب، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار﴾ (النور: ٣٧) فجونس بالقلوب التقلب، والأصل واحد، فالقلوب تتقلب بالخواطر والأبصار تتقلب في المناظر وأصلهما التصرف، هذا ما يتعلق بمسألة الشكل وأثره في الحروف وأثره في ألفاظ القرآن الكريم.
النقطة الثالثة: الأثر المعنوي للحروف ومخارجها، هذه النقطة لكي تتبينها لا بد أن تعرض لشيء في غاية الأهمية، وهو أن توازن بين ألفاظ القرآن وبين غيرها.
نرجع إلى المرد الأول وسر الإعجاز: أن القرآن لا تستطيع أن تضع فيه كلمة مكان كلمة، أو حرفًا مكان حرف، أو جملة مكان جملة، وكما قالوا لو أدرت اللغة جميعها أي لو بحثت في لغة العرب جميعًا لا تجد كلمة تصلح أن توضع
стр. 93
مكان كلمة في كتاب الله ، لذلك يذكر أهل البلاغة هذه القصة المشهورة بين الخنساء وحسان ﵄.
يقول حسان بن ثابت ﵁:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابن محرق ... فأكرم بنا خالًا وأكرم بنا ابنما
قال حسان هذين البيتين وكانت الخنساء ﵂ تكلمه في هذين البيتين، هذا الأمر بالطبع قبل الإسلام يعني هذه مرحلة في سوق عكاظ عندما كان يجتمع الشعراء ويتعرضون لما يُسمى مجالس النقد الأدبي، فالخنساء ﵂ تقول لحسان ﵁: ضعفت افتخارك وأبرزته في ثمانية مواضع أي أنها لاحظت في هذين البيتين ثمانية مواضع كانت سببًا في إضعاف الافتخار الذي أراده حسان ﵁، هو يريد أن يفتخر، فقال هذين البيتين، فهي تقول له أنت أضعفت هذا الافتخار وجعلته ضعيفًا بسبب استخدامك هذه الكلمات وبدأت تعد له هذه الكلمات التي قالها.
فقالت: قلت لنا الجفنات والجفنات ما دون العشر فقللت العدد، ولو قلت الجفان لكان أكثر، وقلت الغر والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت: البيض لكان أكثر اتساعًا، وقلت: يلمعن واللمع شيء يأتي بعد الشيء ولو قلت يشرقن لكان أكثر، لأن الإشراق أدوم من اللمعان، وقلت: بالضحى ولو قلت: بالعشي لكن أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا، وقلت: أسيافنا والأسياف دون العشر ولو قلت سيوفنا كان أكثر، وقلت: يقطرن فدللت على قلة القتل ولو قلت يجرين لكان أكثر لانصباب الدم، وقلت دمًا والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك، فعدت له ﵂ ثمانية مواضع في بيتين من الشعر، ومن حسان كما تعلمون شاعر فحل
стр. 94
من شعراء العرب في الجاهلية، وأدرك الإسلام وكان من الشعراء المخضرمين وهو شاعر الرسول -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.
من هذا المدخل تعرف قيمة التأثير المعنوي لألفاظ القرآن؛ بأنه لا يستطيع أحد أن يضع لفظًا مكان لفظ؛ لأن هذا السياق وهذا الإبداع في استخدام الحروف وتكوين الكلمات- هذا واضح جلي في كتاب الله بأنه ليس في قدرة أحد أن يشكك في هذا الكلام، فإن البلغاء مهما بلغوا يُعترض عليهم، ونجد من يستطيع أن يحذف كلمة ويضع غيرها، أما القرآن بتأثيره فلا يستطيع أحد أن يلحظ ملاحظة أو أن يدعي أن هناك كلمة تؤدي المعنى في جمال هذه الكلمات التي ذكرها المولى .
فهذه الدقة في اختيار الألفاظ التي لا يُستطاع أن تبدل أو تغير- هذه الدقة تحدث أثرًا نفسيًّا عظيمًا على من يتلقاها وتؤثر في حسه، لأنه لا يستفرغ جهدًا في التفكير فيها أو البحث عن بديل أو عن معنى آخر يريده، وإنما هو جهده في الإصغاء والتروح بهذا الضرب الجميل من الألفاظ، فصارت ألفاظ القرآن وطريقة استعمالها ووجه تركيبها كأنها فوق اللغة، فإن أحدًا من البلغاء لا تمتنع عليه مع فصاحته التي أرادها وهي بعد في الدواوين والكتب، ولكن لا تقع له مثل ألفاظ القرآن في كلامه وإن اتفقت له نفس هذه الألفاظ بحروفها ومعانيها إلا أنها في القرآن تظهر في تركيب متميز، وبهذا ترتفع إلى أسمى أنواع الدلالة اللغوية والبيانية، فتخرج من لغة الاستعمال إلى لغة الفهم، وتكون بتركيبها المعجز طبقة عقلية في اللغة تجعلك تفكر فيها بعدما انشغلت أحاسيسك بها.
النقطة الرابعة التي تتعلق بموضوع الحروف: هو الكلام عن الحروف المتماثلة:
الحروف المتماثلة: أي المتشابهة مع بعضها البعض، ويُقصد بها عند الكلام على استخدام الفاصلة في القرآن الكريم، وختام الآيات في كتاب الله ، هذا التماثل
стр. 95
الذي يأتي مع الحروف الفواصل بوجه خاص، وسياق الآيات بوجه عام، يعني هناك تجد مثلًا ما يُقال في علماء البلاغة عندما يلحظون أن الحرف إذا تكرر يعطي ثقلًا في الكلام، أما في القرآن تجد مثلًا حرف الميم تكرر متتاليًا ولم يعطِ ثقلًا وإنما أعطى جمالًا وروعة: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَك﴾ (هود: ٤٨)، لو نطقت هذه الآية الكريمة في سورة هود ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَك﴾ تجد نفسك تحرك حرف الميم ما بين أصلي وما بين ناتج عن الإدغام وما بين ناتج عن الغنة، هذا حرف الميم يتكرر متتالي ويعطي جرسًا موسيقيًا عاليًا تستمتع به وأنت تقرأ الحرف مع أنه حرف واحد متماثل، أما في الفواصل كان هذا الاهتمام في هذا المجال بها، الاهتمام بالفاصلة أو رء وس الآي، وهي الكلمة الأخيرة في الآية، فإن لفظ الفواصل قد يُتسامح في إطلاقه على جمل في درج الآية، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغ﴾ (الكهف: ٦٤).
فعندما برروا حذف الياء قيل لأجل الفاصلة، يعني الأصل أن الفعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة معتل الآخر، فليس مجزومًا كي تُحذف الياء التي هي حرف العلة المنتهي به الفعل، وإنما حُذفت في هذه الآية مع أن الفعل مرفوع وأثبتت في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ (يوسف: ٦٥) والفعل مرفوع فعندما عللوا سبب الحذف في آية الكهف قالوا: لأجل الفاصلة كذلك في قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ (القمر: ٨) هي إلى الداعي، فحُذفت الياء اللفظ من الاسم المنقوص مع وجود الألف واللام مع أن القاعدة إثبات الياء في مثل هذا الوضع، قيل أيضًا: لأجل الفاصلة، وهذا كلام سيبويه ﵀، فأطلق لفظ الفاصلة على درج الآية، أي جملة من جمل الآية في وسطها، ذلك حدث أو تسومح أو كان على وجه المسامحة.
стр. 96
أما الأصل أن تُطلق الفاصلة على نهاية الآية أو رأس الآية، هذه الفواصل -أيها الابن الحبيب- إذا تأملتها تجد أنها تؤدي دورًا بلاغيًّا جميلًا في النص وفي النسق القرآني:
أولًا: تتيح استراحة لقارئ القرآن، يستريح ينتقل من آية إلى أخرى.
ثانيًا: تحدد نهايات الآيات وبداياتها فيما عدا مواضع في القرآن أنت تعرفها من خلال قراءتك لكتاب الله تجد أن معنى الآيتين متصل، فلا يحسن أن تقف على الآية مثلًا خاصة لو كان في أمر الصلاة أو كذا، فلا يحسن أن تقف على الآية وتركع ثم تأتي لتبدأ بالآية التي بعدها لاتصال الآيتين بعضهما ببعض، وهذا في مواضع معدودة في كتاب الله أما الأصل فهو الوقوف على رؤوس الآي.
ثالثًا: تمكن القارئ من حسن الأداء وتتيح للسامع فرصة حسن المتابعة.
أما النقطة الرابعة: فهي تحدث انسجامًا صوتيًا يستولي على القلوب ويستقطب العقول ويأسر الأسماع.
هذا دور الفواصل في إجماله وأثره من الناحية الأدائية ومن ناحية الأصوات، والفاصلة هي عبارة عن حرف يُختتم به كلمة، هذه الكلمة يُختتم بها الآية فانظر -رحمك الله- إلى الفواصل في كتاب الله وخواصها، تكلمنا عن فائدتها والآن نتكلم عن خواصها وأنها كيف تميزت في كتاب الله بهذا الشيء الذي تراه.
يقول الرافعي: وما هي هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقًا عجيبًا، يلائم نوع الصوت والوجه الذي يُساق عليه بما ليس وراءه في
стр. 97
العجب مذهب، تراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها، أو بالمد وهو كذلك طبيعي في القرآن فإن لم تنتهي بواحدة من هذه كأن انتهت بسكون حرف من الحروف الأخرى كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه وعلى أن ذلك لا يكون أكثر ما أنت واجده إلا في الجمل القصار، ولا يكون إلا بحرف قوي يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما مما هو دروب أخرى من النظم الموسيقي.
يقصد الرافعي في كلامه أن هذه الفواصل وختامها يوافق ما ذهب إليه العلماء في رؤية كلام العرب أنهم عندما يريدون التغني أو يريدون إحداث نغمًا في كلامهم وفي أشعارهم يختاروا حروف اللين أو حروف المد للانتهاء بها، أو حرف النون وحرف الميم، ولذلك تجد روائع القصائد ما يُسمى بالميمية والنونية التي تنتهي بهذه الأحرف التي تُحدث نغمًا صوتيًا يألفه السمع، هذا تجده في كلام الله مع هذا الذي تحدثه الفواصل يعهده العرب ويعرفونه في كلامهم وفي أشعارهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 98
الدرس: ٦ تابع: الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن .
стр. 99
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(تابع: الحروف وأصواتها ودورها في بيان إعجاز القرآن)
حركات الحروف وأثرها على السمع في القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد:
كنا قد انتهينا إلى الكلام عن التماثل في الحروف، وضربنا له مثالًا للفواصل التي تُظهر ذلك التماثل، وانتهينا في كلامنا إلى أن القرآن كان يُلاحَظ في فواصله أنها تنتهي بحروف المد: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (النجم: ١ - ٣) تنتهي بحرف الميم حرف النون، وتناوب في سورة الفاتحة، وهذه الظاهرة التي تحدث عنها الرافعي وأشار إليها، وأن العرب تنبهوا إلى ذلك وقالوه أيضًا في ختام فواصل القرآن الكريم.
بقي أن نشير إلى أن هذه الفواصل إذا تأملتها تجدها إما متماثلة وإما متقاربة؛ بمعنى أنها تنتهي بحرف واحد، وهذا يظهر جليّا في قصار السور، كأن تنتهي بالراء: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر: ١ - ٣)، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: ١ - ٣)، أو بالدال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص)، أو بالسين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس)، بل قد يتكرر الحرف المتماثل في بعض السور ما فوق القصيرة ولكن ليست من السور الطوال، كسورة القمر تنتهي بحرف الراء، وقد تكون الفاصلة متقاربة؛ أي أنها تأتي بين حرفين من مخرج حرف قريب مع أخيه، كسورة الفاتحة بين الميم والنون، سورة ق بين الباء والدال، وهكذا.
وأيضا الناظر في الفواصل، يجد أن فواصل القرآن الكريم إما أن تتفق في الوزن الصرفي والحرف، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ (الغاشية: ١٣، ١٤)، أو تتفق في الوزن الصرفي دون الحرف كقوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (الغاشية: ١٥، ١٦) الفاء والثاء، أو تتفق في الحرف دون الوزن الصرفي كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ
стр. 100
أَطْوَارًا﴾ (نوح: ١٣، ١٤) هذا ما تنبه إليه البعض في قضية الفواصل واستخدامها وأثرها الصوتي، باعتبار أن الفاصلة في القرآن الكريم تساوي القافية في الشعر أو ما يختتم به الحرف في سجع العرب في كلامهم، فأتت فواصل القرآن الكريم بطريقة تأسر الأسماع وتستولي على القلوب وتستقطب العقول، فكان بها وجه إعجازٍ، لا يخفى على من له ذوق في العربية ويتذوق كلام العرب.
بقي في هذا الموضوع نقطتان:
النقطة الأولى: هي حركات الحروف: الحركات التي تأتي على الحرف؛ ما بين ضم وفتح وكسر، هذه الحركات لها دورٌ بارز في إعجاز القرآن الكريم، هناك مسألة سنتعرض لها -إن شاء الله- بعد ذلك وهي تأثير الضبط في توجيه القراءات القرآنية، وهذا موضوع لنا فيه حديث -إن شاء الله- ، أما كلامنا الآن فهو حول تأثير الحرف على السمع باعتبار ذلك جرس القرآن الكريم؛ أي صوته الذي تسمعه وتتأثر به.
ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضًا، ولكن لن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعزب ولا تساغ، وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنًا عجيبًا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد انتهجت لها طريقة في اللسان، واكتنفتها بدروب من النغم الموسيقي، حتى إذا خرجت فيه كانت أعزب شيء وأرقه وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى
стр. 101
الحركات بالخفة والروعة، هذا نظرك عامة في الحركات وأثرها، هذا تعبير الرافعي ﵀ عن دور الحركات، ولكن قبل أن أذكر لك موضع استشهاده على هذه المسألة وقصة الضبط والحركة وهناك مواضع أخرى نذكرها -إن شاء الله-؛ أريدك -أيها الابن الحبيب- أن تسمع معي هذه الرائعة التي ذكرها الدكتور عبد الله دراز ﵀ في وصف هذه المسألة وهي "الحركات وأثرها على السمع" وأنت تسمع القرآن الكريم:
يقول: أول ما يلاقيك ويستدعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم خاصية تأليفه الصوتي في شكله وجوهره، دع القارئ المجوّد يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله، نازلًا بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلًا بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبذ منه مكانا قصيّا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومادّاتها وغناتها، واتصالاتها وسكتاتها، ثم ألقي سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جُردت تجريدًا، وأرسلت سابحة في الهواء- فستجد نفسك منها بإذاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر، قد جُرّد هذا التجريد وجوّد هذا التجويد، ستجد اتساقا وائتلافًا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر.
وستجد شيئًا آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر؛ ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتحد الأوزان فيها بيتًا بيتًا وشطرًا شطرًا، وتسمع القطعة من الموسيقى فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهبًا متقاربًا، فلا يلبث سمعك أن يمجها وطبعك أن يملها، فإذا أعيدت وكررت عليك بتوقيع واحد، بينما أنت من القرآن أبدًا في لحن متنوع متجدد؛ تنتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه
стр. 102
على كثرة ترداده ملالة ولا سأم، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد، هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحدٍ ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟!
انظر -رحمك الله- لكلام الشيخ، هو يريد أن يصل بك إلى أن تقسيم الحركات والسكنات وضبط الحروف وهذه الحركات، أحدث في القرآن ما هو فوق ما يعرفه العرب في نظم أشعارهم؛ مما يسمى بالأسباب والأوتاد، أنت درست في مادة العروض تكوين أشعار العرب من فواصل "فاصلة صغرى وفاصلة كبرى" وهذه الفواصل تتكون من أوتاد وأسباب، وتد مجموع أو مفروق وسبب خفيف أو ثقيل، كما هو معروف في هذا العلم، الحركة يتبعها ساكن يطلق عليها سبب خفيف، إذا توالت حركتان يطلق عليها سبب ثقيل، إذا توالت حركتان تبعهما ساكن كانت وتد مجموع، إذا فصل بين متحركين ساكن كان وتدًا مفروقًا، إذا كانت مكونة من سببين ثقيل وخفيف كانت فاصلة صغرى، وإذا كانت مكونة من سبب ثقيل ووتد مجموع كانت فاصلة كبرى، هذا التكوين في أشعار العرب وفي كلامهم.
انظر إلى القرآن تجد بتقسيمه الحركات والسكنات فاق هذا الكلام الموزون الذي يحرصون كل الحرص على ضبط إيقاعه وعلى إخراجه، فقامت الحركات بهذا الدور الرائع في بيان اتساق ألفاظ القرآن ومفرداته وكلامه، حتى إنك أول شيء تحسه أو تشعر به أذنك في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قُسّمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعًا بالقسط، يساعد على ترجيع الصوت به، وتهادي النفَس فيه آنًا بعد آن إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى، فيجد عندها راحته العظمى، عندما تقف على رأس الآية، هذا لا تجده في أجود أشعار
стр. 103
العرب، فقد وقع في أجود نثرها وشعرها عيوب تقلل من سلاسة التركيب ولا يمكن معها إجادة الترتيل، فكان القرآن شاملًا على كل عظيم في الفنين أو في النوعين النثر والشعر، فكان له من النثر جلاله وروعته ومن الشعر جماله ومتعته.
هذا أثر الحركات التي تؤدي إلى ما سماه الشيخ دراز "الجمال التوقيعي في ألفاظ القرآن الكريم".
طبعًا الحركات وأثرها يبين لك بصورة واضحة في النقطة التالية التي نتحدث عنها:
إن هذه الحركات تؤدي لما يسمى بـ "النسق الصوتي" وهذا هو خلاصة ما تحدثنا فيه في درسنا الماضي وفي درسنا هذا؛ أن هذا التعاون والتكاتف بين الحروف، ما بين شكلها وما بين تلاؤمها وما بين أثرها وما بين تماثلها وحركاتها ... إلى غير ذلك مما تحدثنا عنه، ينتج بنا في النهاية إلى موضع الكلام وهو "النسق الصوتي" أو ما يسميه بعض أهل العلم "الجرس القرآني" أي صوت القرآن، هذا النسق الذي تراه بيّنا رائعًا في كلمات القران وفي اختيارها، وهذا الذي اهتم العلماء ببيانه.
نرجع إلى أول لفظة وقف معها الرافعي وهي كلمة "النذر" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ (القمر: ٣٦) هذه الكلمة انظر إلى حركاتها؛ فإن الضمة ثقيلة لتواليها على النون والذال معًا "نذُر" فضلًا عن جزأت هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويُفسح عن موضع الثقل فيه، لكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته، يقصد أن هذا اللفظ نفسه لو نظرت إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ (القمر: ٤١) تجده ليس فيه الثقل الظاهر بهذا الوضع لما سبقه من حروف، أما في هذه الآية تجد جمالًا شديدًا باستخدامها
стр. 104
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ إذا تأملت التركيب وتذوقت مواقع الحروف وحركاتها في حسّ السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال ﴿لَقَدِْ﴾ وفي الطاء من ﴿بَطْشَتَنَا﴾ هذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو ﴿تَمَارَوْا﴾ مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات، إذا هي جزّت على اللسان ليكون ثقل الضمة عليه مستخفّا بعد، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة، ثم ردد نظرك في الراء من ﴿تَمَارَوْا﴾ فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء "النذر"، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تنبو فيه، ثم تتعجب لهذه الغنة التي سبقت الطاء في نون: ﴿أَنْذَرَهُمْ﴾ وفي ميمها: ﴿أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في ﴿النُّذُرِ﴾.
هكذا بين الرافعي بعد كلامه عن الحركات دور كلمة "النذر" عندما جاءت في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ هذا مثالٌ أعطاه على موضوع الحركات. ننطلق منه لكلامنا العام عن هذه النقطة وهي "النسق الصوتي في القرآن والأمثلة التي تذكر له".
مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم، والأمثلة التي تذكر له
أولًا: تجد في القرآن كلمات -كما يقال- طويلة؛ طويلة أي عدد حروفها كثير، كقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّه﴾ (البقرة: ١٣٧) وكقوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم﴾ (النور: ٥٥) وقوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود: ٢٨) و ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (الأحزاب: ٣٧) إلى غير ذلك مما هو في
стр. 105
عرف الكلام أو في عرف البلاغيين كلمة طويلة، أما عند النحاة -كما تعرف- فهي كلمات؛ لأنهم يقسّمون الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، فهي جمل وليست كلمة، أما أهل البلاغة ينظرون إليها لما اتصالها في النطق ككلمة واحدة.
فإذا نظرت إلى هذه الألفاظ التي عدد حروفها كثير ومقاطعها قد تكون مثقلة بطبيعة الوضع أو التركيب- إذا نظرت إليها في القرآن تجدها خرجت مخرجًا آخر، فخرجت من أخصر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقًا وأخفها تركيبًا؛ إذ ترى القرآن قد هيئ لها أسبابًا عجيبة من تكرار الحروف وتنوع الحركات، انظر: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: ٥٥) كلمة من عشرة أحرف وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها؛ فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع ليس/ تخ/ لفن/ نهم؛ هذا التقسيم مقاطع، هو يشير كما أشار الدكتور دراز لموضوع الأسباب والأوتاد التي يقاس بها أوزان الشعر المقطع ينتهي عند الساكن: ليس/ تخ/ لفن/ نهم، فصارت الكلمة كأربع كلمات بأربعة مقاطع، فأعطاها جمالًا وسهولة وعذوبة في النطق، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّه﴾ فإنها كلمة من تسعة أحرف وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكررت فيها الياء والكاف، وتوسط بين الكافين هذا المد الذي هو سر الفصاحة في الكلمة كلها.
وهذا مظهر من مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم.
مظهر آخر من مظاهر النسق الصوتي في القرآن الكريم: استخدام الألفاظ مع أصولها، بمعنى أنت لو نظرت للكلمات المستخدمة في القرآن الكريم، تجد عربيها يدور بين الثلاثي والرباعي؛ أي ثلاثي الأصول ورباعي الأصول، ولا تجد كلمة ذات أصول خماسية، مثل: غضنفر وسفرجل، هذه الكلمات الخماسية الأصول لا تجد مثلها في القرآن، فتجد القرآن يستخدم الأصول الثلاثية والرباعية، فهذه
стр. 106
الألفاظ ترجع في تجريدها لثلاثي ورباعي، أما كونها خماسية الأصول فلا تجد شيئًا قد ورد من ذلك في القرآن؛ لأنه مما لا وجه للعذوبة فيه، إلا الأسماء الأعجمية أو المعرّبة، وسنتعرض بعد ذلك -إن شاء الله- لقضية "التعريب والألفاظ المعربة في القرآن الكريم" لماذا؟ لأنك لو نظرت في هذه الكلمات التي تجدها خماسية أو سباعية كإبراهيم وإسماعيل، وغير ذلك من الخماسي كطالوت وجالوت، هذه الألفاظ لو نظرت إليها تجدها من مقطعين؛ فكأنها كلمتان وليست كلمة واحدة، وذلك يجعلها سهلة في النطق إبرا/هيم، إسما/عيل، طا/لوت، جا/لوت، إسرا/ئيل، جبرا/ئيل، هذه الكلمات تجدها من السهولة بمكان؛ لأنها تعد كلمتين؛ فلذلك ورد استخدامها فيما فوق الثلاثي والرباعي.
وكذلك مظهر آخر من مظاهر النسق الصوتي في القران الكريم: وهو أن تأتي كلمة تعد عند البلاغيين غريبة؛ غريبة لعدم توارد استخدامها أو كثرة استخدامها في كلام العرب، ولثقل النطق بها، فتشمل نوعًا من الغرابة، فيستشهد بذلك بكلمة "ضِيزَى" في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم: ٢٢)، هذه الكلمة خارج النص القرآني تشعرك بأنها غريبة، وتسأل عن معناها ولماذا لم تستخدم جائرة؟ أو الجور بدلا من هذه اللفظة، أما لو نظرت للنص القرآني ستجد أن هذه اللفظة جاءت مع أسرار الفصاحة جميعًا، في النطق بها.
تأمل المتأملون وأخرجوا مظاهر لفصاحتها، وأنبهك أيها الابن الحبيب أن هذا الكلام وهذه الاجتهادات في إبراز مظاهر الفصاحة كما سنذكر في نهاية درسنا -إن شاء الله- إنما هو اجتهاد من العلماء، وفي النهاية يقال: الله أعلم بمراده، فهذا تذوق يعرض عليك، ولك أن تتذوقه وأن ترى ما فيه، فمثلا في كلمة ﴿ضِيزَى﴾
стр. 107
يعني تُعطى من أسباب الفصاحة أنها جاءت على الفاصلة "فاصلة السورة" سورة النجم تنتهي بالألف المقصورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم: ١ - ٩).
إلى أن قال الله في إنكاره على من يدعون له البنات وينسبون لأنفسهم الأولاد، فيدعون أن الملائكة إناثًا وهو بنات الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فيقول الله لهم موبخا: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم: ٢١، ٢٢) فما ادعوه غريب، فيقال بلفظ غريب؛ هم ادعوا لله البنات ولأنفسهم الأولاد ادعوا لأنفسهم كمالا لم ينسبوه إلى خالقهم!! هذا أمر وشأن عجيب من هؤلاء الجاحدين الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله رب العالمين، فقابل ذلك غرابة في اللفظ، فهي تلائم لغرابة هذه القسمة العجيبة التي ذكروها، وهذا الكلام الباهت الجائر الذي تقولوه، والذي نطقوا به، هذا مظهر آخر في جمال اللفظة؛ فأولا تناسب الفاصلة وثانيا تناسب الكلام الذي قالوه في غرابته وفي المبالغة في الإنكار عليه، كذلك تجد أنها تتألف من حروف تعطي معنى حسيّا يؤثر في نفسك؛ يعني أمر صعب ﴿ضِيزَى﴾ يعني أنت عندما تنطقها تستعد لإخراج الضاد من مخرجها والنطق بها؛ فهي تؤثر فيك حسيّا قبل أن تتلفظ بها، كذلك تجدها من مقطعين أحدهما مد ثقيل والآخر مد خفيف، وجاءت عقب غنتين: إِذًا/ قِسْمَةٌ/ أيضًا الغنتان إحداهما خفيفة والأخرى ثقيلة، فتجد أنها جمعت لك في هذا النطق وبهذا الشكل تلاؤمًا تواؤمًا في مخارج اللفظ ونطق الكلمة ﴿ضِيزَى﴾، فهذا ما أشير إليه في هذه اللفظة الكريمة في كتاب الله .
стр. 108
لونٌ آخر من بيان النسق الصوتي في القرآن الكريم: وهو ما يُسميه بعض اللغويين بـ "حروف الزيادة"، هذه الحروف الزائدة أو جود زيادة أو حرف زائد- هذه المسألة ننبه إليها الآن تنبيهًا بسيطًا، وسنأتي إليها تفصيلًا -إن شاء الله- فيقال: أولًا: هذا الادعاء الزائد إن أريد به زيادة في اللفظ والمعنى فهذا كفر والعياذ بالله، لا يقوله أحد من أهل العلم ولا من أهل الجهل حتى، لا يقوله إلا جاحد منكر والعياذ بالله، أما المقصود باللفظ الزائد عند العلماء والذي يذكرونه، حتى إن كثيرًا منهم يحرص على تسميته بحرف صلة، يعني: ولا يقول حرف زائد، حرف صلة يتوصل به إلى معنى معين، وكثير منهم يصرف المعنى للتوكيد في وجود الزيادة وغيرها، وهذه القضية -إن شاء الله- سنتعرض لها، إنما نعرف الآن أنهم لا يقصدون بالزائد أنه زيادة في المعنى، حاشا لله، وإنا يقصد به بالمصطلح ما يريدونه في علمهم؛ يعني أهل النحو عندما يقولون: زائد، يريدون به أنه لا يؤثر في الإعراب، أن ما بعده يُعرب حسب موقعه في الكلام، لا يريدون به أنه زيادة في المعنى، أو أنه يستغنى عنه، حاشا لله.
المهم أننا ندعوك الآن لأن تنظر لبعض الحروف التي هي في عرف اللغويين من حروف الزيادة، بمعنى أنها جاءت في موضع ذكرت فيه وما بعدها أعرب حسب موقعه في الكلام، فضرب الشيخ هنا مثالين، قال في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (يوسف: ٩٦) يقول الشيخ: فإن النحاة يقولون ما في الآية الأولى وأن في الثانية زائدتان أي في الإعراب، فيظن من لا بصر له أنهما كذلك في النظم، ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لونًا من التصوير لو هو حُذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته.
стр. 109
هذه المسألة أيها الابن الحبيب تذكرنا بما قاله المنتجب صاحب (الفريد في إعراب القرآن المجيد) عندما تعرض لقضية الحرف الزائد فقال كلامًا بديعًا مؤداه: أنه لا يشعر بقيمة هذا الحرف في سياق الكلام إلا من يشعر بقيمة الوزن في سماع الشعر، بمعنى أن الذي يسمع الشعر وفطرته وسجيته شاعرية عندما يأتيه بيتٌ فيه كسر يقول: هنا كسر وربما لا يعرف سبب الكسر بطبيعته وبسجيته، فكذلك مستمع القرآن لو حُذف هذا الحرف الذي ادُعي زيادته أو أطلق عليه بالزائد- تجد أن المستمع الذي يطرب لسماع القرآن وأذنه ألفت سماع كلام الله تجده في هذا الموضع يشعر بخلل قد حدث، فإذا ما وُجد هذا الحرف وجدت الانسياب والجمال الذي يسير عليه النسق القرآني، هكذا مثّل الرجل ﵀.
نرجع لكلام الشيخ يقول: فإن المراد بالآية الأولى تصوير لين النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- لقومه، وإن ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في "ما" ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ جاء وصفًا لفظيّا يؤكد معنى اللين ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية، لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها وهو لفظ ﴿رَحْمَةٍ﴾ مما يلفت النفس إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى.
الآية الثانية: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف ﵇ وبين مجيئه هذا؛ "أَنْ" التي وقعت بين "لَمَّا وجَاءَ" تصور لنا الفصل الزمني بين مجيء البشير ليعقوب ﵇ بقميص يوسف ﵇ للبعد بين مكان يوسف ﵇ ومكان أبيه، هذا في مصر والآخر في فلسطين؛ فهذا المجيء بحرف أَنْ يصور لنا البعد بين المكانين وأن ذلك كأنه كان منتظرًا بقلق واضطراب، تؤكدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره غنة هذه
стр. 110
النون في الكلمة الفاصلة وهي أن في قوله: "أن جاء" ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ﴾ تفصل معك في السمع بين فَلَمَّا جَاء، هذا الفاصل بأن مع الغنة في النون يشعر لك بشيئين: بعد المسافة هذا شيء، وإشارة إلى البعد المكان بين يوسف ويعقوب ﵉ والإشارة الثانية في الغنة لطرب يعقوب ﵇ بمجيء البشير بقميص يوسف؛ لأنه كما هو معلوم من سياق الآيات يعلم أن ابنه حي وأنه يجد ريحه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (يوسف: ٩٤).
وعلى هذا يجري كل ما ظُن أنه في القرآن مزيد؛ فإن اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها إنما هو نقص يَجل القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلا رجل يعتسف الكلام، ويقضي فيه بغير علمه ولا بعلم غيره، الذي يدعي هذا الكلام يرد عليه القول بالزيادة كما قلت: أنه لا يقصد بالطبع زيادة في المعنى، حاشا لله.
فهذا مظهر أيضًا من مظاهر النسق الصوتي.
مظهر آخر جميل ذُكر في النسق الصوتي: وهو في استخدام الأسماء الجامدة داخل الجمل، أسماء ترتبها، أي فصاحة وبيان وبلاغة وروعة تجدها مثل الذي تجدها في تنسيق القرآن وترتيب الكلمات، كلمات تأتي إثر بعضها، وبها من البلاغة والروعة ما يتأمله ويتنبه إليه من تنبه، كما ذكر الإمام ابن تيمية ﵀، هذا الترتيب وهذا النسق العجيب يُضرب له مثال بقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ (الأعراف: ١٣٣).
خمسة أسماء؛ "طوفان جراد قمل ضفادع دم" لو نظرت فيها تجد أن فيها الثقيل وفيها الضعيف، فيها الخفيف وفيها الثقيل، الخفيف مثل الطوفان الجراد
следующие страницы →