← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31080

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (312 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[الإعجاز العلمي في القرآن]- كود المادة: GUQR٥٣١٣ و GAQD٥١٣٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ التفسير العلمي: تعريفه - كثرة القائلين به - مؤلفاته . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (التفسير العلمي: تعريفه - كثرة القائلين به - مؤلفاته) معنى التفسير العلمي الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: قبل أن نخوض في الإعجاز العلمي نود أولًا أن نعرف نبذة عن التفسير العلمي: أولًا: معنى التفسير العلمي: التفسير العلمي هو: التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن الكريم، يعني مثلًا مصطلح علمي مثلًا تناقض ضغط الجو والأكسجين، كلما ارتفعنا في الفضاء يأتي التفسير العلمي. ويأتي على الآية التي تقول: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام: ١٢٥). فيأتي بهذه المصطلحات العلمية، ويحاول أن يفسر بها عبارات القرآن الكريم، ويجتهد الذي يفسر القرآن تفسيرًا علميًّا في استخراج مختلف العلوم. التوسع في هذا النوع من التفسير وكثرة القائلين به لقد اتسع القول في احتواء القرآن كل العلوم ما كان منها وما يكون، فالقرآن في نظر أصحاب هذه الطريقة يشمل إلى جانب العلوم الدينية ال اعتقادية، والعملية سائر علوم الدنيا على اختلاف أنواعها، وتعدد ألوانها. وممن توسعوا في التفسير العلمي الإمام الغزالي. الإمام الغزالي كان إلى عهده أكثر من استوفى بيان هذا القول في تفسير القرآن الكريم، وأهم من أيده وعمل على ترويجه في الأوساط العلمية الإسلامية على رغم ما قرر فيها من قواعد فهم عبارات القرآن الكريم.

стр. 3

وكتاب (الإحياء في علوم الدين) ينقل فيه عن بعض العلماء أن القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم، إذ كل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع. ثم يروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن"، ثم يقول بعد ذلك كله: "وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته. وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها وفي القرآن إشارة إلى مجامعها، ثم يزيد على ذلك فيقول: بل كل ما أشكل فهمه على النظار، واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات في القرآن، إليه رمز ودلالات عليه. يختص أهل الفهم بدركها"، ثم لو تصفحنا كتاب الغزالي (جواهر القرآن)، الذي ألفه بعد (إحياء علوم الدين)، فنجده يزيد هذا الذي قرره في الإحياء بيانًا وتفصيلًا، فيعقد الفصل الرابع منه لكيفية انشعاب العلوم الدينية كلها، وما يتصل بها من القرآن عن تقسيمات وتفصيلات تولاها. ونكتفي بأن نقول: إن الغزالي قسم علوم القرآن إلى قسمين: الأول: علم القشر يعني السطحيات، وجعل من مشتملاته علم اللغة وعلم النحو وعلم القراءات وعلم مخارج الحروف وعلم التفسير الظاهر. والقسم الثاني: علم اللباب وجعل من مشتملاته علم قصص الأولين، وعلم الكلام وعلم الفقه وعلم أصول الفقه والعلم بالله واليوم الآخر والعلم بالصراط المستقيم وطريق السنة، ثم بعد ذلك يعقد الفصل الخامس من كتابه (جواهر القرآن) لكيفية انشعاب سائر العلوم من القرآن الكريم. فيذكر علم الطب والنجوم، وهيئة العالم، وهيئة أجسام الحيوان وتشريح أعضائه، وعلم السحر وغير ذلك، ثم يقول: "ووراء ما عددته علوم أخرى يعلم تراجمها ولا يخلو العالم عمن يعرفها. ثم بعد ذلك يقول: ولا حاجة لي إلى ذكرها بل أقول: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة، التي لا يتمارى فيها أن في

стр. 4

الإمكان والقوة أصنافًا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود، وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها. وعلوم كانت قد خرجت من الوجود واندرست الآن، فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها. وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلًا إدراكها والإحاطة بها، ويحظى بها بعض الملائكة المقربين، فإن الإمكان في حق الآدمي محدود، والإمكان في حق الملك محدود إلى غاية من النقصان، وإنما الله -سبحانه- هو الذي لا يتناهى العلم في حقه. ثم يقول بعد ذلك: ثم هذه العلوم ما عددناه وما لم نعدده ليست أوائلها خارجة من القرآن، فإن جميعها مقترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال يقول: وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مدادًا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد. فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلًا الشفاء والمرض، كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: ٨٠)، وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله. إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه، ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: ٥). وقال تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس: ٥)، وقال تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (القيامة: ٨، ٩)، وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ (الحج: ٦١). وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (يس: ٣٨)، ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان وخسوفهما وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر إلا من عرف هيئات تركيب السموات والأرض.

стр. 5

وهو علم برأسه ولا يعرف كمال معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار: ٦ - ٨)، إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرًا وباطنًا وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها. وقد أشار في القرآن مجامع علم الأولين والآخرين، وكذلك لا يعرف معنى قوله تعالى: ﴿سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (الحجر: ٢٩) ما لم يعلم التسوية والنفخ والروح، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق، وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها. يقول الغزالي: ولو ذهبت أفصل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال، ولا يمكن الإشارة إلا إلى مجامعها، فتفكر في القرآن والتمس غرائبه لتصادف فيه مجامع علم الأولين والآخرين". بهذا نعرف أن الغزالي كان من المكثرين في القول بالتفسير العلمي، ومن المؤيدين له. بعد ذلك نذهب إلى إمام آخر نحى منحى الغزالي في القول بالتفسير العلمي وهو الجلال السيوطي، فنجده يقرر ذلك بوضوح وتوسع في كتابه (الإتقان) في النوع الخامس والستين منه. كما يقرر ذلك أيضًا بمثل هذا الوضوح والتوسع في كتابه (الإكليل في استنباط التنزيل)، ونجده يسوق من الآيات والأحاديث والآثار ما يستدل به على أن القرآن مشتمل على كل العلوم. فمن الآيات نجد قول الله تعالى في الآية ٣٨ من سورة الأنعام: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُم﴾ (الأنعام: ٣٨) وقوله في الآية ٨٩ من سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ﴾ (النحل: ٨٩). ومن الأحاديث التي ساقها، ويستدل بها على أن القرآن مشتمل على كل العلوم: ما أخرجه الترمذي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: ((ستكون فتن قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم)). وكذلك أيضًا ما أخرجه أبو

стр. 6

الشيخ عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة)) ومن الآثار ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه قال: "من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين". وما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "أنزل الله في القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء، لكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن". ثم نجد السيوطي بعد أن يسوق هذه الأدلة وغيرها، يذكر لنا عن بعض العلماء أنه استنبط أن عمر النبي ﷺ ثلاث وستون سنة، من قوله تعالى في الآية الحادية عشرة من سورة المنافقون يقول: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (المنافقون: ١١). فإنها رأس ثلاث وستين سورة وعقبها أي ذكر بعدها سورة التغابن؛ ليظهر التغابن في فقد النبي ﷺ . بعد أن ذكرنا الجلال السيوطي وكثرته من القول في التفسير العلمي نأتي بعد ذلك إلى عالم آخر يقرر ما قرره السيوطي وما قرره الغزالي، هذا العالم هو أبو الفضل المرسي. لقد ذكر عن أبي الفضل المرسي أنه قال في تفسيره: "جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علمًا حقيقة إلا المتكلم به، وهو الله سبحانه، ثم رسول الله ﷺ خلا ما استأثر به . ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل: الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى، ثم ورث عنه التابعون بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم. وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه، فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها وعدد كلماته وآياته وسوره، وأحزابه وأنصافه

стр. 7

وأرباعه، وعدد سجداته والتعليم عند كل عشر آيات إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة من غير تعرض لمعانيه. ولا تدبر لما أودع فيه فسموا القراء، واعتنى النحاة بالمعرب منه، والمبني من الأسماء والأفعال والحروف العاملة وغيرها، وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها وضروب الأفعال واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به. حتى إن بعضهم أعرب مشكله وبعضهم أعربه كلمة كلمة، واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظًا يدل على معنى واحد، ولفظًا يدل على معنين، ولفظًا يدل على أكثر، فأجروا الأول على حكمه وأوضحوا معنى الخفي منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني. وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضى نظره، واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة القطعية، والشواهد الأصلية والنظرية مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. فاستنبطوا منها أدلة على وحدانية الله ووجوده وبقائه وقِدمه وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأصول الدين، وتأملت طائفة منهم معاني خطابه فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنها ما يقتضي الخصوص إلى غير ذلك. فاستنبطوا منها أحكام اللغة من الحقيقي والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإضمار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة. واستصحاب الحال والاستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه، وأحكمت طائفة صحيح النظر، وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام،

стр. 8

فأسسوا الأصول وفرعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطًا حسنًا، وسموه بعلم الفروع وبالفقه أيضًا. وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياء، وسموا ذلك بالتاريخ. وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ، التي تقلقل قلوب الرجال، وتكاد تدكدك الجبال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير، وذكر الموت والمعاد، والنشر والحشر، والحساب والعقاب والجنة والنار. استنبطوا من ذلك فصولًا من المواعظ وفصولًا من الزواجر، فسموا بذلك الخطباء والوعاظ، واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، يعني تفسير الرؤيا مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن. وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا، واستنبطوا تأويل كل رؤيا من الكتاب، فإن عز عليهم إخراجها منه، فمن السنة التي هي شارحة للكتاب، فإن عز فمن الحكم والأمثال. ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (لقمان: ١٧). وأخذ قوم مما في آيات المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك، أخذوا علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث والربع والسدس والثمن حساب الفرائض، ومسائل العدل، واستخرجوا منه أحكام الوصايا. ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر ومنازله والبروج وغير ذلك، فاستخرجوا منه علم المواقيت. ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم، وحسن السياق، والمبادئ

стр. 9

والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب والإطناب والإيجاز وغير ذلك، واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع. ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة، فلاح لهم من ألفاظه معاني ودقائق جعلوا لها أعلامًا اصطلحوا عليها، مثل الفناء والبقاء والحضور والخوف والهيبة والأنس والوحشة والقبض والبسط، وما أشبه ذلك. هذه الفنون أخذتها الملة الإسلامية منه، وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل، مثل الطب والجدل والهيئة والهندسة والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم، أما الطب فمداره على نظام الصحة واستحكام القوة. وذلك إنما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧)، وعرفنا فيه ما يفيد نظام الصحة بعد اختلالها. وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى: ﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (النحل: ٦٩)، ثم زاد على طب الأجسام بطب القلوب وشفاء الصدور. وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات، التي ذكر فيها ملكوت السموات والأرض وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات. وأما الهندسة ففي قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (المرسلات: ٣٠، ٣١)، فإن فيه قاعدة هندسية وهو أن الشكل المثلث لا ظل له. وأما الجدل فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج، والقول بالموجب والمعارضة وغير ذلك شيئًا كثيرًا، ومناظرة إبراهيم نمرود ومحجته قومه أصل في ذلك عظيم. وأما الجبر والمقابلة: فقد قيل: إن أوائل السور فيها ذكر مدد وأعوام وأيام التواريخ لأمم سالفة، وإن فيها بقاء هذه الأمة وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقي مضروب بعضها في بعض.

стр. 10

وفي القرآن أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليه، كالخياطة في قوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ (الأعراف: ٢٢)، والحدادة في قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ (الكهف: ٩٦). والبناء في آيات والنجارة في قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (هود: ٣٧)، والغزل في قوله تعالى: ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ (النحل: ٩٢)، والنسج في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ (العنكبوت: ٤١). والفلاحة في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: ٦٣)، والصيد ذكر في آيات، وكذلك الغوص وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ (ص: ٣٧)، وقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ (النحل: ١٤). والصياغة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ (الأعراف: ١٤٨)، والزجاج في قوله: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ (النور: ٣٥)، وقوله تعالى: ﴿مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ (النمل: ٤٤). والفخار في قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ (القصص: ٣٨)، والملاحة في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ (الكهف: ٧٩)، والكتابة في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (العلق: ٤) وفي آيات أخرى. والخبز في قوله تعالى: ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ (يوسف: ٣٦)، والطبخ في قوله تعالى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (هود: ٦٩)، والقصارى بعد غسل الملابس وتنظيفها في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: ٤). ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ (الصف: ١٤) قيل: وهم القصارون وكذلك الجزارة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (المائدة: ٣) والبيع والشراء في آيات، والصبغ في قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٣٨) و ﴿جُدَدٌ بِيضٌ﴾ (فاطر: ٢٧). والحجارة في قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ (الشعراء: ١٤٩)، والكيالة والوزن في آيات كثيرة، والرمي في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْت إِذْ رَمَيْتَ﴾ (الأنفال: ١٧)، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠). وفي القرآن الكريم من أسماء الآلات، وضروب

стр. 11

المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع ويقع في الكائنات ما يحقق معنى قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ٣٨). قال السيوطي: انتهى كلام أبي الفضل المرسي ملخصًا مع زيادة". ثم بعد رواية السيوطي لهذه المقالة الطويلة نجده يذكر عن أبي بكر بن العربي أنه قال في كتابه (قانون التأويل): "علوم القرآن خمسون علمًا، وأربعمائة علم وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة. إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحد ومطلع، وهذا مطلق دون اعتبار الترتيب وما بينها من روابط، وهذا ما لا يحصى وما لا يعلمه إلا الله". وأخيرًا عقب السيوطي على هذه النقول وغيرها، فقال: "وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء، أما أنواعه فليس منها باب ولا مسألة هي أصلًا وإلا وفي القرآن ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض وما في الأفق الأعلى وما تحت الثرى. وإلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات". ومن هنا يتبين كيف ظهرت آثار الثقافات العلمية للمسلمين في تفسير القرآن الكريم وكيف حاول هؤلاء العلماء المتقدمون أن يجعلوا القرآن منبع العلوم كلها ما جد، وما يجد إلى يوم القيامة، هذه النزعة التفسيرية العلمية للقرآن الكريم تمتد من عهد النهضة العلمية العباسية إلى يومنا هذا. وفي بداية الأمر كانت عبارة عن محاولات يقصد منها التوفيق بين القرآن، وما جد من العلوم، ثم وجدت الفكرة مركزة وصريحة على لسان الغزالي وابن العربي والمرسي والسيوطي، وهذه الفكرة قد طبقت علميًّا. وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي ضمن تفسيره للقرآن، ثم وجدت بعد ذلك كتب مستقلة لاستخراج العلوم من القرآن، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم. وراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجًا كبيرًا بين جماعة من أهل العلم، ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع، كما ألفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة. هؤلاء هم المؤيدون للتفسير العلمي.

стр. 12

نماذج لمؤلفات التفسير العلمي في العصر الحديث وأرى من المستحسن أن نذكر بعض النماذج لمؤلفات التفسير العلمي في العصر الحديث، وهو اللون العلمي للتفسير في عصرنا الحاضر. إن هذا اللون من التفسير -أعني التفسير العلمي- الذي يرمي إلى جعل القرآن مشتملًا على سائر العلوم ما جد منها، وما يجد قد استشرى أمره في هذا العصر الحديث، وراج لدى بعض المثقفين الذين لهم عناية بالعلوم، وعناية بالقرآن الكريم. وكان من أثر هذه النزعة التفسيرية، التي تسلطت على قلوب أصحابها أن أخرج لنا المشغوفون بها كثيرًا من الكتب، يحاول أصحابها فيها أن يحملوا القرآن كل علوم الأرض والسماء، وأن يجعلوه دالًّا عليها بطريق التصريح أو التلميح. اعتقادًا منهم أن هذا بيان لناحية من أهم نواحي صدقه وإعجازه، وصلاحيته للبقاء. أهم الكتب التي عنيت بهذا اللون، أعني التفسير العلمي: ومن أهم هذه الكتب التي ظهرت فيها هذه النزعة التفسيرية: كتاب (كشف الأسرار النورانية القرآنية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية، والحيوانات والنباتات والجواهر المعدنية) للإمام الفاضل والطبيب البارع، محمد بن أحمد الإسكندراني من علماء القرن الثالث عشر الهجري، وهو كتاب كبير الحجم يقع في ثلاثة مجلدات، ومطبوع بالمطبعة الوهبية بمصر سنة ١٢٩٧ هجرية، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية. ورسالة عبد الله باشا فكري في مقارنة بعض مباحث الهيئة بالوارد في النصوص الشرعية، وقد طبعت بالقاهرة سنة ١٣١٥ هجرية. وهناك كتاب آخر اسمه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لرجل الإصلاح الإسلامي، المرحوم السيد عبد الرحمن الكواكبي. وهو عبارة عن مجموعة

стр. 13

مقالات له، نشرها في بعض الصحف عندما زار مصر سنة ١٣١٨ هجرية، وقد طبع هذا الكتاب وأبهم اسم مؤلفه، ورمز له الرحالة ك. هذا الكتاب (طبائع الاستبداد) للسيد عبد الرحمن الكواكبي، نريد أن نبين أهم الملامح، وأهم منهج هذا المؤلف في بيانه لهذا التفسير العلمي، فنجده ينحاز انحيازًا بليغًا إلى هذا اللون من ألوان التفسير، فيصف القرآن بأنه شمس العلوم، وكنز الحكم. ويقرر بأن السبب في إحجام العلماء عن تفسير قسمي الآلات والأخلاق من القرآن، وبيان ما يشتمل عليه من العلوم المختلفة هو أنه كانوا يخافون مخالفة رأي بعض السلف القاصرين في العلم، فيكفرون فيقتلون. ثم يقول: "وهذه مسألة إعجاز القرآن، وهي أهم مسألة في الدين لم يقدروا أن يوفوها حقها من البحث، واقتصروا على ما قاله بعض السلف: أن الإعجاز في فصاحته وبلاغته وإخباره عن أن الروم من بعد غلبهم سيغلبون". هذا ما يراه السيد عبد الرحمن الكواكبي في سبب انصراف العلماء عن التفسير العلمي. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 14

الدرس: ٢ أهم الكتب التي عنيت بالتفسير العلمي .

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (أهم الكتب التي عُنيت بالتفسير العلمي) تتمة الحديث عن نماذج لمؤلفات التفسير العلمي في العصر الحديث الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: كنا تعرضنا لكتاب (طبائع الاستبداد ونصائح الاستعباد) لرجل الإصلاح الإسلامي المرحوم السيد عبد الرحمن. في هذا الكتاب سنتعرض لاهتمامه بالتفسير العلمي: نرى عبد الرحمن الكواكبي يأخذ في بيان اشتمال القرآن على ما جد من نظريات علمية تؤيد إعجاز القرآن، فيقول: "إنه لو أطلق للعلماء عنان التدقيق، وحرية الرأي والتأليف كما أطلق لأهل التأويل والخرافات؛ لرأوا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات من الإعجاز. أيضًا لرأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان تبرهن على إعجازه بصدق قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩) رأوا فيه برهان عيان لا مجرد تسليم وإيمان، ومثال ذلك: أن العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق، وطبائع كثيرة تعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوربا وأمريكا. والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد التصريح أو التلميح به في القرآن، منذ ثلاثة عشر قرنًا، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء، إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن، شاهدة بأنه كلام رب لا يعلم الغيب سواه. وذلك أنهم كشفوا أن مادة الكون هي الأثير، وقد وصف القرآن بدء التكوين، فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (فصلت: ١١)، وكشفوا أن الكائنات في حركة دائمة دائبة. والقرآن يقول: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ (يس: ٣٣) إلى أن يقول: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠)، وحققوا أن الأرض منفتقة من النظام الشمسي، والقرآن يقول: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (الأنبياء: ٣٠). وحققوا أن القمر منشق من الأرض، والقرآن يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (الرعد: ٤١) ويقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: ١). وحققوا أن طبقات الأرض سبع، والقرآن يقول: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (الطلاق: ١٢)، وحققوا أنه لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعي أن تميد الأرض، أي: ترتج في دورتها. والقرآن يقول: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (النحل: ١٥)، وكشفوا أيضًا أن التغيير في التركيب الكيمياوي، بل والمعنوي ناشئ عن تخالف نسبة المقادير. والقرآن يقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (الرعد: ٨)، وكشفوا أن للجمادات حياة قائمة بماء التبلور، والقرآن يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠)،

стр. 16

وحققوا أن العالم العضوي، ومنه الإنسان ترقى من الجماد، والقرآن يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ (المؤمنون: ١٢). وكشفوا ناموس اللقاح العام في النبات، والقرآن يقول: ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ (يس: ٣٦)، ويقول: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ (طه: ٥٣)، ويقول: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج: ٥). ويقول: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ (الرعد: ٣)، طريقة إمساك الظل أي: التصوير الشمسي، والقرآن يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٥). وكشفوا تسيير السفن والمركبات بالبخار والكهرباء، والقرآن يقول بعد ذكره الدواب والجواري بالريح، يقول الله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (يس: ٤٢)، وكشفوا وجود الميكروب وتأثيره كالجدري وغيره من المرض. والقرآن يقول: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ (الفيل: ٣)، أي: متتابعة مجتمعة يقول تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (الفيل: ٤) أي: من طين المستنقعات اليابس. إلى غير ذلك من الآيات

стр. 17

الكثيرة المحققة لبعض مكتشفات علم الهيئة النواميس الطبيعية، وبالقياس على ما تقدم ذكره، يقتضي أن كثيرًا من آياته سينكشف سرها في المستقبل في وقتها المرهون تجديدًا لإعجازه، ما دام الزمان وما كر الجديد". وكذلك هناك كتاب (إعجاز القرآن) للمرحوم مصطفى صادق الرافعي، وهو من أنصار هذه النزعة التفسيرية، ومن المؤيدين لها: وفي هذا الكتاب نجد المؤلف ﵀ يعقد بحثًا خاصًّا لموضوع القرآن والعلوم. وفيه يقرر أن القرآن بآثاره النامية معجزة أصلية في تاريخ العلم كله على بسيط هذه الأرض، من لدن ظهور الإسلام إلى ما شاء الله، ثم يستطرد إلى ذكر بعض ما نقله السيوطي في (الإتقان) و (الإكليل) عن العلامة المرسي في اشتمال القرآن على سائر العلوم. وهنا نجده يعلق استخراج علم المواقيت من القرآن، فيقول: "قال بعض المتأخرين: إن الميقات مشار إليه في القرآن بقوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ (غافر: ١٥) قال: فإن عدد رفيع بحساب الجمل ثلاثمائة وستون، وهي عدد درج الليل والنهار. ثم يقول الرافعي نفسه بعد هذا: وإذا أطلق حساب الجمل في كلمات القرآن كشف منه كل عجائب العصور وتواريخها وأسرارها، ثم يقول الرافعي: ولو أن هذا خارج عن غرض الكتاب لجئنا منه بأشياء كثيرة من القديم والحديث. ثم نرى الرافعي ﵀ يسترسل في حديثه إلى أن يقول: وقد استخرج بعض علمائنا من القرآن ما يشير إلى مستحدثات الاختراع، وما يحقق بعض غوامض العلوم الطبيعية وبسطوا كل ذلك بسطًا ليس هو من غرضنا، فنستقصي فيه على أن هذا ومثله إنما يكون فيه إشارة ولمحة. ولعل متحققًا بهذه العلوم

стр. 18

الحديثة لو تدبر القرآن، وأحكم النظر فيه، وكان بحيث لا تعوزه أداة الفهم، ولا يلتوي عليه أمر لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم، وإن لم تبسط من أنبائها وتدل عليها وإلم تسمها بأسمائها. ثم يقول: وقد أشار القرآن إلى نشأة هذه العلوم، وإلى تمحيصها وغايتها على ما وصفناه آنفًا، وذلك قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣). ولو جمعت أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت في معانيها من قوله تعالى: ﴿فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، هذه آفاق وهذه آفاق أخرى، فإن لم يكن هذا التعبير من الإعجاز الظاهر بداهة، فليس يصح في الأفهام شيء". ثم نجد كتابًا آخر عنوانه (الإسلام والطب الحديث) للدكتور عبد العزيز السباعي الطبيب المعروف: هذا الكتاب يظهر فيه أن مؤلفه ينحاز إلى هذا اللون من ألوان التفسير وهو التفسير العلمي. هذا الكتاب جمع فيه مؤلفه مقالاته التي نشرها في مجلة الأزهر، وهو مطبوع بمطبعة الاعتماد سنة ١٣٥٧ هـ، وفيه نجد المؤلف ﵀ يقرر أن القرآن ليس بكتاب طب أو هندسة أو فلك، ولكنه يشير أحيانًا إلى سنن طبيعية، ترجع إلى هذه العلوم. كما يقرر أن كثيرًا من آيات القرآن لا يفهم شيئًا من معناها الحقيقي، إلا من درس العلوم الحديثة، كما يؤكد أن العلم الحديث كشف عن معنى بعض الآيات، وسينكشف الباقي منها كلما تقدمت العلوم، ثم يأتي وقت يكون فيه العلماء الماديون أقرب الناس إلى الدين. وفي هذا اتهام للصحابة، ومن جاء بعدهم من سلف الأمة بأنهم لم يفهموا المعاني الحقيقية لبعض الآيات القرآنية؛

стр. 19

لجهلهم بهذه العلوم المستحدثة، وهذا اتهام نعيذ منه صحابة رسول الله ﷺ وسلف الأمة -رضوان الله عليهم-. ونحن إذا تتبعنا ما في هذا الكتاب لوجدنا الكثير منه لا يقصده القرآن، ولا يهدف إليه من وراء خطابه للعربي الأمي. فمثلًا نجده يعرض لقوله تعالى في الآية ٢٢ من سورة البقرة: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢) تحت عنوان: الحياة تحت ضوء القرآن. وفيه يقول: "هذه الآية الكريمة معناها والله أعلم: أن اللحوم والأسماك والألبان إلى آخره أفضل في التغذية من البقول والقمح والذرة، وليست الأفضلية في مقدار المواد الزلالية الضرورية للجسم في كل نوع؛ لأن هذا يجب ألا يكون سببًا مهمًّا للأفضلية. ثم يعقد مقارنة بين بعض الأغذية، وما فيها من نسبة المواد الزلالية، ثم يقول: وقد اهتدت أخيرًا لجنة الأبحاث بانجلترا إلى أن قيمة المواد الزلالية تختلف في نوعها، وفي المقدار منها الذي يمنع المواد الزلالية المكونة للأنسجة من أن تخترق. ورأوا أن اللحوم بالنسبة للمواد الزلالية، ونوعها لها قيمة أكثر من اللبن والذرة، مثل البيان التالي: لحوم يضع تحتها عدد ١٠٤، لبن القمر يضع تحتها عدد ١٠٠، أرز يضع تحته عدد ٨٨، بطاطس ٧٩ فول ٧٠، دقيق ٤٠ ذرة ٣٠. ثم يقول: إن هذه النتيجة التي لخصها القرآن الشريف لم تظهر حقيقة ثابتة، إلا منذ سنوات قليلة. وغير هذا كثير في كتاب (الإسلام والطب الحديث) مما لا نصدق أنه مراد الله من خطابه للعرب بالقرآن، وإن كان لا يتعارض مع ما ثبت من ذلك علميًّا وتحققت صحته، هذا وإن أعظم علماء العصر الحديث تشيعًا للنزعة التفسيرية العلمية.

стр. 20

منهج الشيخ طنطاوي جوهري في كتاب (الجواهر) وأكثرهم إنتاجًا لهذا التفسير العلمي هو المرحوم الشيخ طنطاوى جوهري؛ إذ إنه جمع كثيرًا من هذا العلم، وأطال في تفسيره (الجواهر) الذي يقع في خمسة وعشرين جزءًا كبارًا، والمطبوع بمصر سنة ١٣٤١هـ / ١٣٥١ هـ، يعني في هذه المد يقول الدكتور الذهبي: "ولهذا أرى أن أتكلم عنه بما يكشف عن طريقة مؤلفه ومنهجه، الذي سلكه فيه". أولًا: الدوافع التي حملت المؤلف على كتابة هذا التفسير، الشيخ طنطاوي جوهري يقول عن نفسه: "إنه مغرم بالعجائب الكونية، معجب بالبدائع الطبيعية، مشوق إلى ما في السماء من جمال وما في الأرض من بهاء وكمال". ثم يقول الشيخ طنطاوي جوهري: "إنه لما تأمل الأمة الإسلامية وتعاليمها الدينية، وجد أكثر العقلاء وبعض أجلة العلماء عن تلك المعاني معرضين، وعن التفرج عليها ساهين لاهين، فقليل منهم من فكر في خلق العوالم، وما أودع فيها من الغرائب. فدفعه ذلك إلى أن ألف كتبًا كثيرة مزج فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعل آيات الوحي مطابقة لعجائب الصنع، وحكم الخلق، وكان من أهم هذه الكتب كتاب (نظام العالم والأمم) و (جواهر العلوم) و (التاج المرصع) و (جمال العالم) و (النظام والإسلام) و (الأمة وحياتها) ". لكنه وجد أن هذه الكتب رغم كثرتها وانتشارها وترجمتها إلى اللغات الأجنبية، لم تشف غليله، فتوجه إلى ذي العزة والجلال أن يوفقه إلى أن يفسر القرآن تفسيرًا ينطوي على كل ما وصل إليه البشر من علوم، فاستجاب الله دعاءه، وتم له ما أراد.

стр. 21

متى وكيف شرع المؤلف في كتابة هذا التفسير؟ ابتدأ المؤلف هذا التفسير أيام أن كان مدرسًا بمدرسة دار العلوم، فكان يلقي تفسير بعض آيات على طلبة مدرسة دار العلوم، وبعض هذه الدروس كان يكتب في مجلة الملاجئ العباسية. ثم والى وتابع سيره في التفسير حتى أخرج لنا ذلك التفسير المكون من خمسة وعشرين جزءًا. غرض المؤلف من تفسيره: لقد رجا المؤلف ﵀ من وراء هذا التفسير -كما يقول- أن يشرح الله به قلوبًا ويهدي به أممًا. وتنقشع به الغشاوة عن أعين عامة المسلمين، فيفهموا العلوم الكونية، وقال: "وإني لعلى رجاء أن يؤيد الله هذه الأمة بهذا الدين. ويسير على منوال هذا التفسير المسلمون، وينتشر في مشارق الأرض ومغاربها مقرونًا بالقلوب، وليتفاعل الموحدون بالعجائب السماوية، والبدائع الأرضية ويكون هؤلاء الشباب دعاة إلى نشر هذا العلم. وليقومن من هذه الأمة من يفوقون الفرنجة في الزراعة والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك، وغيرها من العلوم والصناعات". منهج المؤلف في تفسيره: لقد وضع المؤلف في تفسيره هذا ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق وعجائب الكون، وأثبت فيه غرائب العلوم، وعجائب الخلق مما يشوق المسلمين والمسلمات إلى الوقوف على حقائق معاني الآيات البينات في الحيوان والنبات، والأرض والسموات. هذا وإن المؤلف ﵀ ليقرر في تفسيره، أن في القرآن من آيات العلوم ما يزيد على سبعمائة وخمسين آية، في حين أن علم الفقه لا تزيد آياته الصريحة على مائة وخمسين آية، كما يقرر أن الإسلام جاء لأمم كثيرة، وأن سور القرآن الكريم متممات لأمور أظهرها العلم الحديث.

стр. 22

يقول الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون): "كثيرًا ما نجد المؤلف ﵀ في تفسيره يهيب بالمسلمين أن يتأملوا في آيات القرآن، التي ترشد إلى علوم الكون، ويحثهم على العمل بما فيه، ويندد بمن يغفل هذه الآيات على كثرتها، وينعي على من أغفلها من السابقين الأولين. ووقف عند آيات الأحكام وغيرها مما يتعلق بأمور العقيدة"، كذلك يقول الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون): "نجد المؤلف يكرر هذه النغمة في كثير من مواضع الكتاب. فيقول في موضع منه: يا أمة الإسلام آيات معدودات في الفرائض اجتذبت فرعًا من علم الرياضيات، فما بالكم أيها الناس بسبعمائة آية فيها عجائب الدنيا كلها، هذا زمان العلوم وهذا زمان ظهور نور الإسلام، هذا زمان رقي، يا ليت شعري لماذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا في آيات الميراث؟ ولكني أقول -أي المؤلف يقول: الحمد لله إنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم، ودراستها أفضل من دراسة علم الفرائض؛ لأنه فرض كفاية فأما هذه فإنها للازدياد في معرفة الله، وهي فرض عين على كل قارئ. إن هذه العلوم التي أدخلناها في تفسير القرآن هي، التي أغفلها الجهلاء المغرورون من صغار الفقهاء في الإسلام، فهذا زمان الانقلاب وظهور الحقائق، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم". ويقول المؤلف في موضع آخر: "إن نظام التعليم الإسلامي لابد من ارتقائه، فعلوم البلاغة ليست هي نهاية علوم القرآن، بل هي علوم لفظه، وما نكتبه اليوم علوم معناه، وانطباقها على العلوم التي أظهرها الله في الأرض. ولعل هذا الزمان سيظهر فيه آثار من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ٣٨) فإن البيان المذكور في سورة القيامة فسر بمعنى: أننا نبينه بلسانك، فتقرؤه كما

стр. 23

أقرأك جبريل، وبمعنى أنه إذا أشكل شيء من معانيه، فنحن نبينه لك وعلينا بيان ما فيه من الأحكام والعجائب. ولا جرم أن ما يتجدد اليوم من العلوم مما ذكر في هذا التفسير، ولم يذكر من البيان الذي أكد الله أنه يظهره لأمة الإسلام، فالحمد لله الذي وفق في هذا التفسير لبعض العرفان تصديقًا لما ذكر الله، من أن عليه البيان". ويقول في موضع آخر: "لماذا ألف علماء الإسلام عشرات الألوف من الكتب الإسلامية في علم الفقه، وعلم الفقه ليس فيه في القرآن إلا آيات قلائل لا تصل مائة وخمسين آية؟ فلماذا كثر التأليف في علم الفقه وقل جدًّا في علوم الكائنات، التي لا تخلو منها سورة، بل هي تبلغ سبعمائة وخمسين آية صريحة؟ وهناك آيات أخرى دلالتها تقرب من الصراحة، هل يجوز في عقل أو شرع أن يبرع المسلمون في علم آياته قليلة، ويجهلوا علمًا آياته كثيرة جدًّا؟! إن آباءنا برعوا في الفقه، فلنبرع نحن الآن في علم الكائنات؛ لنقم به لترقى الأمة". هل وجد (تفسير الجواهر) قبولًا لدى كثير من المثقفين؟ هذه المقالات وغيرها كثير في تفسير (الجواهر) نجد أغلبها قد صدر من المؤلف في مقام الرد على من كان يوجه إليه اللوم، والاعتراض على ما كان منه من تحميل القرآن الكريم علوم، ونظريات مستحدثة لا عهد للعرب بها، ولا صلة للقرآن بشيء منها. ويظهر لمن يتصفح هذا التفسير أن المؤلف ﵀ لاقى الكثير من لوم العلماء على مسلكه، الذي سلكه في تفسيره، مما يدل على أن هذه النزعة التفسيرية لم تلق قبولًا لدى كثير من المثقفين. مصادرة المملكة السعودية لـ (تفسير الجواهر): ولعل هذا المنزع في تفسير القرآن الكريم هو السر، الذي من أجله صادرت المملكة العربية السعودية هذا الكتاب،

стр. 24

ولم تسمح بدخوله إلى بلادها. كما يجد القارئ ذلك في نص الكتاب المرسل من المؤلف إلى الملك عبد العزيز آل سعود، ملك نجد والحجاز، وذلك في صـ ٢٣٨ من الجزء الخامس والعشرين. طريقة المؤلف في هذا التفسير: يقول الدكتور حسين الذهبي: "بعد أن قرأت الكثير من التفسير أستطيع أن أعطيك صورة واضحة عن منهج المؤلف وطريقته، التي سلكها فيه. وذلك أن المؤلف ﵀ يفسر الآيات القرآنية تفسيرًا لفظيًّا مختصرًا لا يكاد يخرج عن ما كتب في التفاسير المألوفة لنا، والمتداولة بين أيدينا، لكنه سريعًا ما يخلص من هذا التفسير الذي يسميه لفظيًّا، ويدخل في أبحاث علمية مستفيضة، يسميها هو لطائف أو جواهر. هذه الأبحاث عبارة عن مجموعة كبيرة من أفكار علماء الشرق والغرب في العصر الحديث. أتى بها المؤلف ليبين للمسلمين ولغير المسلمين أن القرآن الكريم قد سبق إلى هذه الأبحاث، ونبه على تلك العلوم قبل أن يصل إليها هؤلاء العلماء بقرون متطاولة". يواصل الدكتور الذهبي حديثه عن هذا الكتاب يقول: "ثم إننا نجد المؤلف ﵀ يضع لنا في تفسيره هذا كثيرًا من صور النباتات والحيوانات ومناظر الطبيعة، وتجارب العلوم بقصد أن يوضح للقارئ ما يقول توضيحًا يجعل الحقيقة أمامه كالأمر المشاهد المحسوس". ثم يواصل الدكتور الذهبي كلامه عن (تفسير الجواهر) يقول: "كذلك نجد المؤلف ﵀ يستشهد أحيانًا على ما يقول بما جاء في الإنجيل، واعتماده فيما ينقل على إنجيل برنابا لأنه كما يرى أصح الأناجيل، بل هو الإنجيل الوحيد الذي لم تصل إليه يد التحريف والتبديل كما قيل".

стр. 25

يقول الذهبي: "وكثيرًا ما نرى المؤلف ﵀ يشرح بعض الحقائق الدينية بما جاء عن أفلاطون في جمهوريته أو بما جاء عن إخوان الصفا في رسائلهم، وهو حين ينقلها يبدي لنا رضاه عنها، وتصديقه بها مع أنها تخالف الثابت عن رسول الله ﷺ . كما أنه يستخرج كثيرًا من علوم القرآن بواسطة حساب الجمل، الذي لا نصدق أنه يوصل إلى حقيقة ثابتة، وإنما هي عدوى تسربت من اليهود إلى المسلمين، فتسلطت على عقول الكثير منهم. يواصل الدكتور الذهبي كلامه عن هذا التفسير فيقول: "هذا وإنا لنجد ﵀ يفسر آيات القرآن تفسيرًا علميًّا يقوم على نظريات حديثة، وعلوم جديدة لم يكن للعرب عهد بها من قبل". ثم يقول الدكتور الذهبي: "ولست أرى هذا المسلك في التفسير إلا ضربًا من التكلف إن لم يُذهب بغرض القرآن، فلا أقل من أن يذهب بجلاله وجماله". وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 26

الدرس: ٣ تابع: أهم الكتب التي عنيت بالتفسير العلمي - المعارضون للتفسير العلمي .

стр. 27

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (تابع: أهم الكتب الت ي عُنيت بالتفسير العلمي - المعارضون للتفسير العلمي) نماذج من تفسير الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه (الجواهر) الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فقد تعرضنا إلى كتاب "الجواهر" للشيخ طنطاوي الجوهري، وبينا طريقة المؤلف في هذا التفسير. سنعرض نماذج من بعض ما جاء في هذا التفسير، فمثلًا عندما تعرض لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٦١). نجده يقول الفوائد الطيبة في هذه الآية، ثم يأخذ في بيانِ ما أثبته الطبُّ الحديث من نظريات طبية، ويذكر مناهج أطباء أوروبا في الطب، ثم يقول: "أو ليست هذه المناهج هي التي نحا نحوها القرآن، أوليس قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ رمزًا لذلك، كأنه يقول: العيشة البدوية على المن والسلوى، وهما الطعامان الخفيفان اللذان لا مرض يتبعهما مع الهواء النقي، والحياة الحرة أفضل من حياةٍ شقيةٍ في المدن بأكل التوابل واللحم، والإكثار من ألوان الطعام مع الذلة، وجور الحكام والجبن وطمع الجيران من الممالك فتختطفكم في حين غفلة، وأنتم لا تشعرون. بمثل هذا ت تُفسر هذه الآيات بمثل هذا فيلفهم المسلمون كتاب الله". وعندما تعرض لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة﴾ (البقرة: ٦٧) الآيات إلى آخر القصة. نجده يعقد بحثًا في عجائب القرآن وغرائبه فيذكرُ ما انطوت عليه هذه الآيات من عجائب، ويذكر فيما يذكر علم تحضير الأرواح فيقول: "وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجًا،

стр. 28

إن هذه الآية تُتلى والمسلمون يؤمنون بها حتى ظهر عِلْمُ الأرواح بأمريكا أولًا، ثم بسائر أوروبا ثانيًا"، ثم ذكر نبذةً طويلةً عن مبدأ ظهور هذا العلم، وكيف كان انتشاره بين الأمم، وفائدة هذا العلم، ثم قال أخيرًا: "ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياةٌ للعُزير بعد موته، وكذلك حماره، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم؛ فرارًا من الطاعون فماتوا ثم أحياهم. وعلم اللهُ أننا نعجز عن ذلك جعل قبل ذِكْر تلك الثلاثة في السورة ما يرمز إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة، كأنه يقول: إذا قرأتُم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها فلا تيأسوا من ذلك؛ فإني قد بدأت بذكر استحضار الأرواح، فاستحضروها بطرقها المعروفة، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، ولكن ليكن المُحَضِّر ذا قلب نقي خالص على قَدم الأنبياء والمرسلين، كالعزير، وإبراهيم، وموسى، فهؤلاء لعلو نفوسهم رأوا بالمعاينة، وأراهم الله ذلك بالمعاينة. وأنا -أي والله يقول- أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ (الأنعام: ٩٠) ". ومثلًا عندما تعرض لقوله تعالى في أول سورة آل عمران ﴿الم﴾ نجده يعقد بحثًا طويلًا عنوانه: الأسرار الكيميائية في الحروف الهجائية للأمم الإسلامية في أوائل السور القرآنية وفيه يقول: "انظر رعاك الله تأمل، يقول الله: ﴿الم﴾، و ﴿طسم﴾، و ﴿حم﴾ وهكذا يقول لنا: أيها الناس إن الحروف الهجائية إليها تُحلل الكلمات اللغوية، فما من لغة في الأرض إلا وأرجعها أهلها إلى حروفها الأصلية، سواء أكانت اللغة العربية، أم اللغات الأعجمية شرقية وغربية، فلا صرف، ولا إملاء، ولا اشتقاق إلا بتحليل الكلمات إلى حروفها، ولا سبيل لتعليم لغة، وفهمها إلا بتحليلها. وهذا هو القانون المسنون في سائر العلوم والفنون. ولا جرم أن العلوم قسمان: لغوية، وغير لغوية، فالعلوم

стр. 29

اللغوية مقدمةٌ في التعليم؛ لأنها وسيلةٌ إلى معرفةِ الحقائق العلمية من رياضيةٍ، وطبيعية وإلهية فإذا كانت العلوم التي هي آلة لغيرها لا تُعرف حقائقها إلا بتحليلها إلى أصولها فكيف إذًا تكون العلوم المقصودة لنتائجها المادية والمعنوية، فهي أَولى بالتحليل، وأجدر بإرجاعها إلى أصولها الأولية التي لا تعرف الحساب إلا بمعرفة بسائط الأعداد، ولا الهندسة إلا بعد علم البسائط والمقدمات. ولا علوم الكيمياء إلا بمعرفة العناصر وتحليل المركبات إليها، فرجع الأمر إلى تحليل العلوم". ومثلًا نراه يعرض لقوله تعالى في سورة النور: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور: ٢٤) وقوله في سورة فصلت: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: ٢٢ - ٢٤). وقوله في سورة يس: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ (يس: ٦٥) ثم يقول: "أوليس الاستدلال بآثار الأقدام، وآثار أصابع الأيدي في أيامنا حاضرة هو نفس الذي صرح به القرآن، وإذا كان الله يعلم ما في المواطن بل هو القائل للإنسان: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: ١٤)، والقائل: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة﴾ (القيام: ١٤). أفلا يكون ذكر الأيدي والأرجل والجلود وشهادتها يوم القيامة ليلفت عقولنا إلى أن من الدلائل ما ليس بالبيِّنات المشهورة عند المسلمين، وأن هناك ما هو أفضل منها، وهي التي يحكم بها الله فاحكموا بها، ويكون ذلك القول لينبهنا ويفهمنا

стр. 30

أن الأيدي فيها أسرار، وفي الأرجل أسرار، وفي النفوس أسرار، فالأيدي لا تشتبه، والأرجل لا تشتبه، فاحكموا على الجانين والسارقين بآثارهم، أوليس في الحق أن أقول: إن هذا من معجزات القرآن وغرائبه، وإلا فلماذا هذه المسائل التي ظهرت في هذا العصر تظهر في القرآن بنصها وفصها". ومثلًا عندما تعرض لقوله تعالى في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ (طه: ٥، ٦). نجده يقول: "قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ دخل في ذلك عوالم السحاب والكهرباء وجميع العالم المُسمى الآثار العلوية، وهو من علوم الطبيعة قديمًا وحديثًا، وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ يُشير لعلمين لم يُعرفا إلا في زماننا وهما علم طبقات الأرض المتقدم مرارًا في هذا التفسير، وعلم الآثار المتقدم بعضه في سورة يونس، فالله هنا يقول: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ليحرض المسلمين على دراسة علوم المصريين التي تظهر الآن تحت الثرى". ومثلًا عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ (الأنبياء: ٣٠) الآية يقول: "ها أنت قد اطلعت على ما أبرزه القرآن قبل مئات السنين من أن السموات والأرض أي الشمس والكواكب وما هي فيه من العوالم كانت ملتحمة ففصلها الله تعالى، وقلنا: إن هذه معجزة؛ لأن هذا العلم لم يعرفه الناس إلا في هذه العصور، ألا ترى أن كثيرًا من المفسرين قالوا: إن الكفار في ذلك الوقت ليس لديهم هذا العلم، فكان جوابهم على ذلك أنهم أُخبروا به في نفس هذه الآية، فكأن الآية تستدل عليهم بنفس ما نزلت به، وذلك أن هذه الأمور لم تُخلق. وقد أخذ العلماء يؤولون تأويلاتٍ شتَّى لكثرة حرصهم، وذكائهم ﵏ وها نحن أولاء نجد هذه

стр. 31

العلوم المكنونة المخزونة قد أبرزها الله على أيدي الفرنجة، كما نطق القرآن هنا، كأنه يقول: سيرى الذين كفروا أن السموات والأرض كانت مرتوقةً ففصلنا بينهما، فهو وإن ذكرها بلفظ الماضي، فقد قصد منه المستقبل كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (النحل: ١)، وهذه معجزة تامة للقرآن وعجيبة من أعجب ما يسمعه الناس في هذه الحياة الدنيا". ومثلًا عند قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَار﴾ (الرحمن: ١٥) نجده يقول: "والمارج المختلط بعضُه ببعض فيكون اللهب الأحمر والأصفر والأخضر مختلطات، وكما أن الإنسان من عناصر مختلفات هكذا الجان من أنواعٍ من اللهب مختلطات، ولقد ظهر في الكشف الحديث أن الضوء مركبٌ من ألوان سبعة غير ما لم يعلمون، فلفظ المارج يشير إلى تركيب الأضواء من ألوانها السبعة، وإلى أن اللهب مضطرب دائمًا، وإنما خُلق الجان من ذلك المارج المضطرب، إشارةً إلى أن نفوسَ الجان لا تزال في حاجةٍ إلى التهذيب والتكميل. تأمل في مقال علماء الأرواح الذين استحضروها؛ إذ أفادتهم أن الروح الكاملة تكون عند استحضارِهَا ساكنة هادئة، أما الروح الناقصة: فإنها تكون قلقة مضطربة". وعند قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَان﴾ (الرحمن: ٣٥) يقول: "إنه عبر هنا بشواظٍ من نار، وفيما تقدم بقوله: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ والشواظ والمارج كلاهما اللهب الخالص، فلماذا جعل الجان مخلوقًا من مارج، ولم يقل: من شواظ؟ فاعلم: أن المارج فيه معنى الاضطراب، وقد أثبت ذلك هناك. وهذا الاضطراب يفيد اضطراب الروح كما تقدم في علم الأرواح، وأيضًا اختلاط الألوان الآن معروف في التحليل فهو من هذا القبيل، وهذه الفكرة لم

стр. 32

تُعرف قط إلا في زماننا هذا؛ فإن تحليل الضوء والعلم بأنه مختلط والاطلاع على عالم الأرواح الناقصة، وأنها مضطربةٌ لم يكن إلا في زماننا وهذا من أعاجيب القرآن التي لا تُدرَكُ إلا بقراءةِ العلومِ، وليس يعقلها الناسُ بفن البلاغة المعروف، فلا أصحاب المعلقات يدركونها، ولا الذين بعدهم يعلمونها، فهل لمثل امرئ القيس، أو لأبي العلاء، أو المتنبي أن يتناولوا هذه المعاني في أقوالهم؟ كلا. فهذه البلاغة لا تخطر ببالهم، وأنى لهم علمُ الروح حتى يخصصوها بلفظ "مارج"، وعند إنزال العذاب يذكرون الشواظ". ومثلًا في سورة الزلزلة نجده يفسرها تفسيرًا لفظيًّا مختصرًا، ثم يذكر ما فيها من لطائف، مستعرضًا ما وقع من حوادث الزلزال في إيطاليا، وما وصل إليه العلم الحديث من استخراج الفحم، والبترول من الأرض، وما كَثُرَ في هذا الزمان من استخراج الدفائن من الأرض مثل: ما كُشف في مصر من آثار قدمائها. ثم يقول بعد ما يفيض في هذا وغيره: "ألست ترى أن هذه السورة، وإن كانت واردة لأحوال الآخرة تشير من طرف خفي إلى ما ذكرنا في الدنيا، فالأرض الآن كأنَّها في حالةِ زلزلة. وقد أخرجت أثقالها كنوزها وموتاها وغيرها، والناس الآن يتساءلون وها هم أولاء يُلهمون الاختراع وها هم أولاء مقبلون على زمان تنسيق الأعمال؛ بحيث تكون كل أمة في عمل يناسبها، وكل إنسان في عمله الخاص به، وينتفع به". ومثلًا نجده بعد أن يفرغَ من تفسيرِ سورة الكوثر، وسورة الكافرون، وسورة النصر يذكر لنا بحثًا مستفيضًا عنوانه: تطبيق عام على سورة الكوثر والنصر وما بينهما، وفيه نجده يتأثر بنزعتِهِ التفسيرية العلمية إلى درجةٍ جعلته يُحَمِّلُ نصوص الشارع من المعاني الرمزية ما يُستبعد أن يكون مرادًا لَهَا، وذلك أنه يقرر أولًا: أن

стр. 33

هذه السور لم تكن خاصة بزمان النبوة ولا بفتح مكة ونصر جيشها؛ لأن هذه الأمة كانت عند نزول هذه السور في أول عمرها، وسيطول إن شاء الله وكم سيكون لها من فتوح وانتصارات. ثم قال: "وإذا كان الأمر كما وصفنا، ونحن أبناء العرب ورثة النبي ﷺ الذي جاء منا، ولغتنا في مصر والشام والعراق وشمال إفريقيا هي لغة القرآن، فلنبين للناس بعدنا سر هذه السور، فقد كان العلماء قبلنا يكتمونها؛ خوفًا من أهل زمانهم، ولكنا الآن يجب علينا إبرازها وإظهارها؛ لتأخذ هذه الأمة بعدنا حظَّهَا من الحياة، ونصيبها من الإصلاح". ثم أخذ يبين لنا الكوثر، وأوصاف كيزانه، وأوصاف من سيرد عليه من المسلمين بما جاء عن رسول الله ﷺ . ثم قال بعد هذا كله: "اعلم أن هذه الأحاديث وردت لغاية أرقى مما يراها الذين لا يفكرون، كم من أمم جاءت قبلنا، وجاء فيهم مصلحون، فماذا فعلوا؟ ألقوا إليهم العلم بهيئةٍ جميلةٍ، وصورة مفرحة، وبهجة وجلال، ولا نزال نرى كل أمة حاضرة كفائتة، جميعهم يصيغون ما يريدون من الجمال والحكمة والعلم، ورقي الأمة بهيئة تسر الجمهور". ثم يقول: "الجاهل يسمع الدر والياقوت، وشرابًا أحلى من العسل؛ فيفرح ويعبد الله ليصل إلى هذه اللذات التي تقر بها عينه، والعالم ينظر فيقول: إن هذا القول وراءه حكمة ووراءه علم؛ لأني أرى في خلال القول عجائب فلماذا يذكر أن الكيزان أو الأباريق أو نحو ذلك عدد نجوم السماء، وأيُّ دخلٍ لنجوم السماء هنا، ولماذا عبر به؟ ". ثم يقول: "لماذا ذكر أن الذين يردون الحوض عليهم آثار الوضوء؟ ولم؟ الحق: أن نبينا محمدا ﷺ يريد أمرين، أمرًا واضحًا جليًّا يفرح به جميع الناس، وأمرًا يختصُّ بالقواد والعظماء.

стр. 34

إن النبوة بأمر الله والله جعل في أهل الأرض فلاحين لا يعرفون إلا ظواهر الزرع، وجعل أطباء يستخرجون منافِعَ من الحَبِّ والشجر، وحكماء يستخرجون علومًا، وكلٌّ لا يعرف إلا علمه، فالطبيب يشارك الفلاح في أنه يأكل ولكنه يمتاز عنه بإدراك المنافع الطبية، هكذا حكماء الأمة الإسلامية يشاركون الجهلاء في أنهم يفهمون الحوض كما فهموه ولكن هؤلاء يمتازون بأنهم قواد الأمة الذين يقودونها. فماذا يقولون؟ يقولون: إن النبي ﷺ يريد معاني أرقى، إن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فليس الماء الذي هو أحلى من العسل، وأبيض من الثلج كل شيء هناك، ثم إن الجنة لا ظمأ فيها، وأي شيء عدد نجوم السماء، ولماذا اختصت النجوم بالعدد، والوضوء بالأثر؟ والذي نقوله: إن الحوض يُرمز به للعلم مع بقائه على ظاهره، فلا المسك الإذفر، ولا أنواع الجواهر النفيسة من درٍّ وياقوت، ولا حلاوة العسل الذي في ذلك الماء، ولا اتساع الحوض إلا أفانين العلم، ومناظر بدائعه المختلفة المناهج العذبة المشارب السارة للناظرين". ثم يخلص من هذا كله إلى الاستدلال على أن ما ذهب إليه من قبيل الكناية التي هي لفظٌ أُطلق، وأريد به لازمه أي لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصل ثم يقول بعد بيان هذه الكناية: "هنا يكون النصر، ولا يكون إلا بعد أن يتجافى الناس عن أفعال الملحدين والكافِرِين، وجعل العلوم مرتبطة بالربوبية كما تشير إليه سورة الكافرون. هنا يكون نصر الله والفتح، ويدخل الناس في هذه العلوم الحقيقية أفواجًا، وعلى حكماء المسلمين الذين بعدنا متى نشروا هذه الآراء العلمية وأمثالها ورأوا المسلمين تقدموا، ونصروا العلم على الجهل في العالم الإنساني، وأصبح المسلمون قائمين بما وعدهم ربهم من أنهم خير أمة أُخرجت للناس، وأنهم رحمة للعالمين، متى رأى

стр. 35

العلماء ذلك؛ فيعلموا أن هذا هو النصر في زماننا، وهو الفتح، وإذًا فعلى القائمين بذلك أن يحمدوا ربهم ويستغفروه". يقول صاحب كتاب (التفسير والمفسرون): "هذا هو تفسير الجواهر، وهذه نماذج منه، وضعتها أمام القارئ؛ ليقف على مقدارِ تسلط هذه النزعة التفسيرية على قلمِ مؤلفِهِ وقلبِهِ، والكتاب -كما ترى- موسوعة علمية ضربت في كل فنٍّ من فنون العلم بسهم وافر، مما جعل هذا التفسير يوصف بما وُصف به تفسير الفخر الرازي، فقيل عنه: فيه كل شيء إلا التفسير، بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف، وأولى به. وإذا دل الكتاب على شيء فهو أن المؤلف ﵀ كان كثيرًا ما يسبح في ملكوت السموات والأرض بفكرِهِ، ويطوف في نواحٍ شتى من العلم بعقله، وقلبه؛ ليوضح، ويُظهر للناسِ آيات الله في الآفاق، وفي أنفسهم، وليظهر لهم بعد هذا كله أن القرآن قد جاء متضمنًا لكل ما جاء ويجيء به الإنسان من علومٍ ونظريات، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث تحقيقًا لقول الله تعالى في كتابه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ (الأنعام: ٣٨)، ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده وانحراف به عن هدفه". فهذا ما قاله صاحب كتاب (التفسير والمفسرون) في كتاب (الجواهر). هؤلاء هم المؤيدون للتفسير العلمي. المعارضون والمنكرون للتفسير العلمي بعد ما ذكرنا المؤيدين للتفسير العلمي نتعرض الآن للمنكرين للتفسير العلمي: فإذا كانت فكرة التفسير العلمي قد راجت عند بعض المتقدمين وازدادت رواجًا عند بعض المتأخرين فإنها لم تلق رواجًا عند بعض العلماء الأقدمين كما أنها لم تلق رواجًا عند بعض المتأخرين منهم أيضًا.

стр. 36

الشاطبي ينكر التفسير العلمي: وكان زعيم المعارضة لفكرة التفسير العلمي في العصور المتقدمة، وهو الفقيه الأصولي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي، المتوفى سنة ٧٩٠ هجرية، وهذا مما يظهر في كتابه (الموافقات) فهو يعقد بحثًا خاصًّا لمقاصد الشارع، وينوع هذه المقاصد إلى أنواع تولَّى شرْحَهَا وبيانَهَا. يقول صاحب (التفسير والمفسرون): "والذي يهمنا هنا النوع الثاني منها وهو بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للأفهام، وفي المسألة الثالثة من مسائل هذا النوع نجده يقرر: أن هذه الشريعة المباركة أمية؛ لأن أهلها كذلك، فهو أجرى على اعتبار المصالح، ثم دلَّلَ على ذلك بأمور ثلاثة لا نطيل بذكرها، ثم عقب بفصل ذكر فيه: أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه. ثم ذكر من العلوم الصحيحة التي كان للعرب اعتناء بها علم النجوم وما يختص به من الاهتداء في البر والبحر واختلاف الأزمان، باختلاف سيرها، وما يتعلق بهذا المعنى". ثم قال: "وهو معنى مقررٌ في أثناء القرآن في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الأنعام: ٩٧). وقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون﴾ (النحل: ١٦)، وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٣٩، ٤٠). وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ

стр. 37

ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس: ٥)، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (الإسراء: ١٢)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِين﴾ (الملك: ٥)، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾ (البقرة: ١٨٩)، وما أشبه ذلك من الآيات. وذكر علم الأنواء وأوقات نزول الأمطار وإنشاء السحاب وهبوب الرياح المثيرة لها وعرض لما ورد في ذلك من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (الرعد: ١٢، ١٣)، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (الواقعة: ٦٨، ٦٩)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (فاطر: ٩). وغير ذلك من الآيات. وذكر علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية وفي القرآن من ذلك ما هو كثير قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: ٤٤) الآية. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (هود: ٤٩). وذكر علم الطب وبيَّنَ أنه كان في العرب منه شيء مبنيٌّ على تجارب الأميين لا على قواعد الأقدمين، قال: وعلى ذلك المساق جاءت الشريعة، لكن على وجه جامعٍ شافٍ، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ٣١) وذكر التفنن في علم فنون البلاغة والخوض في وجوه الفصاحة والتصرف في أساليب الكلام، قال: هو أعظم ممتحناتهم فجاءهم بما أعجزهم من القرآن قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ

стр. 38

بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨)، وذكر ضرب الأمثال، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل﴾ (الروم: ٥٨). وذكر من العلوم التي عُني بها العرب وأكثرها باطلٌ أو جميعها علم العيافة والزجر والكهانة، وخط الرمل، والضرب بالحصى والطيرة، قال: فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل، ونهت عنه كالكهانة، وخط الرمل، وأقرت الفأل لا من جهة تطلب الغيب؛ فإن الكهانة والزجر كذلك، وأكثر هذه الأمور تخرص على علم الغيب من غير دليل، فجاء النبي ﷺ بجهة مَن تعرف علم الغيب مما هو محض، وهو الوحي والإلهام. وبقي للناس من ذلك بعد موته ﵇ جزء من النبوة، وهو الرؤيا الصالحة، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة". ثم بعد هذا البيان الذي أوضح فيه الشاطبي: أن الشريعة في تصحيح ما صححت، وإبطال ما أبطلت قد عرضت من ذلك إلى ما تعرفه العرب من العلوم، ولم تخرج عما ألفوه، نراه يزيد هذا البيان إسهابًا وإيضاحًا، ويتوجه باللوم إلى من أضافوا للقرآن كل علوم الأولين والآخرين، مفندًا هذا الزعم الذي اعتقده أن قائليه قد تجاوزوا به الحد في دعواهُم على القرآن، وذلك حيث يقول في المسألة الرابعة من مسائل النوع الثاني من المقاصد -أعني مقاصد وضع الشريعة للإفهام- ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها، وهم العرب: "ينبني عليه قواعد منها أن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يُذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات والمنطق، وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح".

стр. 39

ثم يصحح الشاطبي رأيه هذا ويحتج له بما عُرف عن السلف من نظرهم في القرآن، فيقول: "إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المُدعى سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منهم ما يدلنا على أصل المسألة إلا أن ذلك لم يكن فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يُقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا، نعم تضمن علومًا من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودها بما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، وأما أن فيه ما ليس من ذلك فلا". وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 40

الدرس: ٤ التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين .
следующие страницы →