← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31080

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (312 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الشاطبي ينكر التفسير العلمي: وكان زعيم المعارضة لفكرة التفسير العلمي في العصور المتقدمة، وهو الفقيه الأصولي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي، المتوفى سنة ٧٩٠ هجرية، وهذا مما يظهر في كتابه (الموافقات) فهو يعقد بحثًا خاصًّا لمقاصد الشارع، وينوع هذه المقاصد إلى أنواع تولَّى شرْحَهَا وبيانَهَا. يقول صاحب (التفسير والمفسرون): "والذي يهمنا هنا النوع الثاني منها وهو بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للأفهام، وفي المسألة الثالثة من مسائل هذا النوع نجده يقرر: أن هذه الشريعة المباركة أمية؛ لأن أهلها كذلك، فهو أجرى على اعتبار المصالح، ثم دلَّلَ على ذلك بأمور ثلاثة لا نطيل بذكرها، ثم عقب بفصل ذكر فيه: أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه. ثم ذكر من العلوم الصحيحة التي كان للعرب اعتناء بها علم النجوم وما يختص به من الاهتداء في البر والبحر واختلاف الأزمان، باختلاف سيرها، وما يتعلق بهذا المعنى". ثم قال: "وهو معنى مقررٌ في أثناء القرآن في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الأنعام: ٩٧). وقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون﴾ (النحل: ١٦)، وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٣٩، ٤٠). وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ

стр. 37

ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس: ٥)، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (الإسراء: ١٢)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِين﴾ (الملك: ٥)، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾ (البقرة: ١٨٩)، وما أشبه ذلك من الآيات. وذكر علم الأنواء وأوقات نزول الأمطار وإنشاء السحاب وهبوب الرياح المثيرة لها وعرض لما ورد في ذلك من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (الرعد: ١٢، ١٣)، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (الواقعة: ٦٨، ٦٩)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (فاطر: ٩). وغير ذلك من الآيات. وذكر علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية وفي القرآن من ذلك ما هو كثير قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: ٤٤) الآية. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (هود: ٤٩). وذكر علم الطب وبيَّنَ أنه كان في العرب منه شيء مبنيٌّ على تجارب الأميين لا على قواعد الأقدمين، قال: وعلى ذلك المساق جاءت الشريعة، لكن على وجه جامعٍ شافٍ، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: ٣١) وذكر التفنن في علم فنون البلاغة والخوض في وجوه الفصاحة والتصرف في أساليب الكلام، قال: هو أعظم ممتحناتهم فجاءهم بما أعجزهم من القرآن قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ

стр. 38

بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨)، وذكر ضرب الأمثال، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل﴾ (الروم: ٥٨). وذكر من العلوم التي عُني بها العرب وأكثرها باطلٌ أو جميعها علم العيافة والزجر والكهانة، وخط الرمل، والضرب بالحصى والطيرة، قال: فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل، ونهت عنه كالكهانة، وخط الرمل، وأقرت الفأل لا من جهة تطلب الغيب؛ فإن الكهانة والزجر كذلك، وأكثر هذه الأمور تخرص على علم الغيب من غير دليل، فجاء النبي ﷺ بجهة مَن تعرف علم الغيب مما هو محض، وهو الوحي والإلهام. وبقي للناس من ذلك بعد موته ﵇ جزء من النبوة، وهو الرؤيا الصالحة، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة". ثم بعد هذا البيان الذي أوضح فيه الشاطبي: أن الشريعة في تصحيح ما صححت، وإبطال ما أبطلت قد عرضت من ذلك إلى ما تعرفه العرب من العلوم، ولم تخرج عما ألفوه، نراه يزيد هذا البيان إسهابًا وإيضاحًا، ويتوجه باللوم إلى من أضافوا للقرآن كل علوم الأولين والآخرين، مفندًا هذا الزعم الذي اعتقده أن قائليه قد تجاوزوا به الحد في دعواهُم على القرآن، وذلك حيث يقول في المسألة الرابعة من مسائل النوع الثاني من المقاصد -أعني مقاصد وضع الشريعة للإفهام- ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها، وهم العرب: "ينبني عليه قواعد منها أن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يُذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم كالهندسة وغيرها من الرياضيات والمنطق، وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح".

стр. 39

ثم يصحح الشاطبي رأيه هذا ويحتج له بما عُرف عن السلف من نظرهم في القرآن، فيقول: "إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المُدعى سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منهم ما يدلنا على أصل المسألة إلا أن ذلك لم يكن فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يُقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا، نعم تضمن علومًا من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودها بما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، وأما أن فيه ما ليس من ذلك فلا". وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 40

الدرس: ٤ التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين .

стр. 41

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين) تتمة الكلام عن المعارضين والمنكرين للتفسير العلمي الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فكنا قد تعرضنا إلى إنكار الشاطبي لهذا اللون من التفسير العلمي: لقد أخذ الشاطبي بعد هذا في ذكر ما استند إليه أرباب التفسير العلمي من الأدلة فقال: "وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء﴾ (النحل: ٨٩)، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ (الأنعام: ٣٨)، ونحو ذلك وبفواتح السور، وهي مما لم يُعهد عند العرب، وبما نُقل عن الناس فيها، وربما حُكي من ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره أشياء ". ثم أخذ الشاطبي ﵀ يفند هذه الأدلة فقال: "فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد أو المراد بالكتاب في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ (الأنعام: ٣٨) اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية، وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعدد الجمل الذي تعرفوه من أهل الكتاب حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدَّعِ ذلك العلم أحد ممن تقدم. فلا دليل فيها على ما ادعوا وما يُنقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يُضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يُضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه وتقوَّل على الله ورسوله فيه". هذه هي الخلاصة الشاملة لمقالة الشاطبي في هذا الموضوع؛ وذلك هو رأيه في التفسير العلمي الذي شغف به بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين.

стр. 42

يقول الذهبي: "وأحسب أني وقد وضعت بين يدي القارئ مقالةَ كل فريق وما يستند إليه من أدلة قد أنرْتُ له الطريق، وأوضحت له السبيل". هذا عن إنكار بعض العلماء للتفسير في العصر القديم، أما في العصر الحديث أيضًا لم يقف العلماء في هذا العصر موقف الإجماع على قبول هذا اللون من التفسير بل نراهم مختلفين في قبوله، والقول به، كما كان الشأنُ بينَ مَن سبقَهُم من العلماء الأقدمين. نجد هذِه المعارضة للتفسير العلمي في كثيرٍ من المحاورات والاعتراضات التي وُجهت إلى صاحب (الجواهر) وذكرها في تفسيره، كما نجد بعض أستاذتنا المعاصرين ينعون على من يأخذ بهذه الفكرة، ويقول بها، ومن بين هؤلاء أستاذنا الشيخ محمود شلتوت فقد تناول هذا الموضوع بالبحث في العدد ٤٠٧، ٤٠٨ من السنة التاسعة لمجلة الرسالة إبريل سنة ١٩٤١ وفيه يرد على من يذهب إلى هذا اللون من التفسير بحججٍ قويةٍ واضحة. وهذا هو الأستاذ الشيخ أمين الخولي يتناول هذا الموضوع في كتابه (التفسير معالم حياتي منهجي اليوم) وفيه يرد على أنصار هذا المذهب في التفسيرِ بحججٍ قوية واضحة، وهذا هو المرحوم السيد محمد رشيد رضا نجده في مقدمة تفسيره ينعي على من تأثروا في تفسيرهم بنزعاتهم العلمية، فشغلوا تفاسيرهم بمباحث النحو، والفقه، ونكت المعاني والبيان، والإسرائيليات، وغير ذلك، ويَعُدُّ هَذَا صَارِفًا يصرف الناس عن القرآن وهديه، ثم ينعي على الفخر الرازي ما أورده في تفسيره من العلوم الحادثة في الملة، ويعد هذا صارفًا يصرف الإنسان عن القرآن وهديه، كما يتوجه بمثل هذا اللوم على من قلد الفخر الرازي في مسلكه من المعاصرين.

стр. 43

ويقول الذهبي: "أظنه أراد بذلك صاحب (الجواهر) وذلك حيث يقول: وقد زاد الفخر الرازي صارفًا آخر عن القرآن هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها، وقلده بعض المعاصرين بإيرادِ مثل هذا من علوم هذا العصر، وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما يسميه تفسير الآية فصولا طويلة بمناسبة كلمة مفردة كالسماء والأرض يذكر من علوم الفلك والنبات والحيوان تصد قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن". يقول الذهبي: "وأخيرًا فهذا هو شيخنا العلامة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي ﵀ رحمة واسعة- نجده في تقريظه لكتاب (الإسلام والطب الحديث) لا يرضى عن هذا المسلك في التفسير رغم أنه مدح الكتاب، وأشاد بمجهود مؤلفه؛ وذلك حيث يقول: لست أريدُ من هذا -يعني ثناءه على الكتاب ومؤلفه- أن أقول: إن الكتاب الكريم اشتمل على جميع العلوم جملةً، وتفصيلا بالأسلوب التعليمي المعروف وإنما أريد أن أقول: إنه أتى بأصولٍ عامة لكل ما يهم الإنسان معرفته به ليبلغ درجة الكمال جسدًا وروحًا، وترك الباب مفتوحًا لأهل الذكر من المشتغلين بالعلوم المختلفة ليبينوا للناس جزئياتِهَا بقدر ما أوتوا منها في الزمان الذي هم موجودون فيه. وفي موضع آخر يقول: يجب أن لا نجر الآية إلى العلوم؛ كي نفسرها، ولا العلوم إلى الآية، ولكن إن اتفق ظاهر الآية مع حقيقةٍ علميةٍ ثابتة فسرناها بها، ومن هذا كله يتبين أن التفسير العلمي في العصر الحديث إن كان قد لقي قبولا ورواجًا عند بعض العلماء؛ فإنه لم يلق مثل هذا القبول والرواج عند كثير منهم، وقد علمتَ فيما سبق أي الرأيين أقرب إلى الحق وأحرى بالقبول". هكذا يقول الذهبي.

стр. 44

التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين الذين بالغوا في رفض التفسير العلمي قالوا: إن هذا تحميل لكتاب الله ما ليس من وظيفته خصوصًا بعد أن أعلن القرآن نفسه هذه الوظيفة، وحددها في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ (البقرة: ٢) وكقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥، ١٦). فوظيفة القرآن إذًا إنقاذ الإنسانية من الضلال لا بيان ما يتعلق بهذه العلوم الكونية. وقالوا: إن العلوم الكونية خاضعة لطبيعة الجزر والمد، وهناك أبحاث كثيرة لا تزال قلقة حائرة بين إثبات ونفي. فما قاله علماء الهيئة بالأمس ينقضه علماء الهيئة اليوم، وما قرره علماء الطبيعة في الماضي يقرر غيره علماء الطبيعة في الحاضر، وما أثبته المؤرخون قديمًا ينفيه المؤرخون حديثًا، وما أنكره وأسرفوا في إنكاره باسم العلم أصبحوا يثبتونه ويسرفون في إثباته باسم العلم أيضًا، وقالوا: فهل يليق بعد ذلك كله أن نبقى مخدوعين مغرورين بعلمهم الذي اصطلحوا عليه، وتحاكموا إليه، وقد سجنوا أنفسهم معه في سجنٍ ضيقٍ هو دائرة المادة، تلك الدائرة المسجونة هي أيضًا في حدود ما تفهم عقولهم، وتصل تجاربهم. وقد تكون عقولهم خاطئة وتجاربهم فاشلة، وقالوا أيضًا: هل يليق بعد ذلك كله أن نحاكم القرآن إلى هذه العلوم المادية القلقة الحائرة، بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية الثابتة المتنزلة من أفق الحقِّ الأعلى الذي يعلم السر وأخفى. ذلك ما ذكره الزرقاني صاحب كتاب (مناهل العرفان في علوم القرآن) الجزء الثاني من صفحة ٢٥٠ إلى ٢٥٣.

стр. 45

والزرقاني يعتبر عد العلوم الكونية من موضوعات علوم القرآن، ومعارفه خطأ جسيمًا، وإسرافا خطيرًا، فيقول: "ولكن بعض الباحثين طاب لهم أن يتوسعوا في علوم القرآن ومعارفه، فنظموا في سلكها ما بدا لهم من علوم الكون، وهم في ذلك مخطئون ومسرفون". هذا يعني ملخص مذهب الرافضين، وأدلة الرافضين لقبول التفسير العلمي للقرآن. فإذا ما جئنا إلى الصنف الثاني والذي يقف على طرف النقيض الآخر، وجدناهم يتساهلون في تفسير القرآن بتلك العلوم الحديثة لدرجة هي غاية في العجب كما رأينا في كتاب (الجواهر) حتى ليكاد أمرهم يصل إلى تلمس أي كلام في مجال العلوم الحديثة ليفسروا به أي آية قرآنية، ظانين أنهم بهذا المسلك يخدمون القرآن لسبقه العلماء فيما قالوا بأكثر من أربعة عشر قرنًا. وإذا كان هؤلاء قد تساهلوا في قبول أيِّ كلامٍ ليفسروا به نصًّا قرآنيًّا بحجة إضافة براهين جديدة؛ للتدليل على صدقِ القرآن الكريم حتى ينكشف للناس أمجادٌ جديدةٌ للقرآن، ومعجزاتٌ حديثة له فيؤمنوا به، وبمن أنزله وبمن نزل عليه، إذا كان هؤلاء قد تساهلوا كل هذا التساهل؛ فإن ذلك مرفوضٌ منهم؛ فالأدلة على صدق القرآن أقوى من تلمس أيِّ كلامٍ ساقطٍ لا وزنَ له؛ لنقيم به دليلا على صحة القرآن؛ فإعجاز القرآن واضحٌ، وحجة هذا الإعجاز قوية، وهي غنيةٌ عن هذه التَّفَاهَات التي لا تصل إلى مجردِ نظرياتٍ علمية، فضلا عن استحالة أن تكون حقائق علمية ثابتة لا تقبل النقد. الترجيح في هذه المسألة: نحن أمام رأيين وقَفَا على طرفِي نقيض في قضية التفسير العلمي، وقبل أن نرجح أي الرأيين أفضل نود أن نشير إلى عدة أمور: الأمر الأول: هو أن التفسير العلمي ليس بدعة عصرية، فقد سلك الأقدمون من المفسرين في تفاسيرهم هذا النهج حيث فسروا القرآن بعلوم عصرهم كما يفعل

стр. 46

البعض الآن، ومن ينظر في التفاسير ابتداءً من تفسير ابن جرير الطبري ومرورًا بتفاسير الزمخشري والفخر الرازي ثم البيضاوي ثم محمد عبده يجد فيها نماذج لهذا اللون من التفسير، ومن بعد الإمام محمد عبده اتسع المجال بصورة ظاهرة للغاية، ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة من تفاسير ابن جرير الطبري، والزمخشري، والفخر الرازي. يقول ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥، ١٦) يقول: "اختلف أهل التأويل في الخنس الجوار الكنس، فقال بعضهم: هي النجوم الدراري الخمسة تخنس في مجراها فترجع وتُكنس، يعني: تُحبس في مجراها فتستتر في بيوتها كما تُكنس الظباء في المغارة. والنجوم الخمسة -كما يقولون- هي زحل، وعطارد، والزهري والمشتري وغير ذلك، وقال آخرون: هي بقر الوحش التي تُكنس في كُنَاسِها، وقال آخرون: هي الظباء، ثم عقب ابن جرير على هذه الأقوال بقوله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بأشياء تخنس أحيانًا، أي: تغيب وتجري أحيانًا وتُكنس أخرى، وكنوسها هو الإيواء في مكانها، والمكانس عند العرب هي المواضع التي تأوي إليها بقر الوحش والظباء، وغير منكر أن يُستعار ذلك في المواضع التي تكون بها النجوم من السماء، فإذا كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية دلالة على أن المراد بذلك النجوم دون البقر، ولا البقر دون الظباء؛ فالصواب أن يعم بذلك كل ما كانت صفته الخنوس أحيانًا والجري أخرى". ويقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ (يس: ٣٨): "أي لحد لها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة شُبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقًا

стр. 47

مشرقًا، ومغربًا مغربًا حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع فذلك حدها ومستقرها؛ لأنها لا تعدوه ولا تتجاوزه، أو لحدٍّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا، وهو المغرب وقيل: مستقرها، أي: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه، وهو آخر السنة، وقيل: الوقت الذي يستقر فيه، وينقطع جريها، وهو يوم القيامة". ويقول الفخر الرازي في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ (الأعلى: ٤، ٥): "فيه مسألتان، المسألة الأولى: الغثاء ما يبس من النبت، فحملته الأودية والمياه، وألوت به الرياح. والمسألة الثانية: الحوة السواد، وقال بعضهم: الأحوى هو الذي يضرب إلى السواد إذا أصابته رطوبة، وفي أحوى قولان: أحدهما: أنه نعت لغثاء، أي صار بعد الخضرة يابسًا فتغير إلى السواد؛ وسبب ذلك السواد أمور أحدها: أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء، ومن شدة البرودة أنها تبيض الرطب، وتسود اليابس. وثانيًا: أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود، وثالثها: أن يحملها الرياح؛ فتلصق بها الغبار الكثير فتسود. القول الثاني: وهو اختيار الفراء، وأبي عبيدة، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة خضرته، كما قيل في: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ (الرحمن: ٦٤) أي سوداوان لشدة خضرتهما، والتقدير: الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء كقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ (الكهف: ١، ٢) أي: أنزله قيمًا ولم يجعل له عوجًا. الأمر الثاني: أسلوب القرآن في حديثه عن العلوم الكونية: فقد جاء هذا الأسلوب بطريقة عجيبة؛ بحيث توائم فكر الناس أيًّا كانت ثقافتهم، وتناسب علومهم ومعارفهم مهما تطورت وتقدمت، فإذا قرأَهُ العامة؛ وجدوا فيه

стр. 48

هدايتهم، وإذا اطَّلَعَ عليه الخاصة في ضوء الاكتشافات الحديثة لم يجدوه متعارضًا معها؛ فيكون ذلك أدعى إلى تصديقه، واليقين بأنَّهُ من عند الله وقد اقتضَت الحكمة الإلهية في آياته الكونية أن ينزل القرآن بأسلوبٍ لا يصدم البدهي المسلَّم به عند الناس فيكذبوه، ولا ينافي الحقيقة الكونية؛ فيكون ذلك داعيًا إلى تكذيبه، إذ يسر الله سبيل الكشف لأولي العلم في مستقبل العصور. وهذا من أعجب عجائب القرآن التي لا تنقضي، ومن أدل الدلائل على أن القرآن حقًّا من عند الله، فإن التعبير عن الحقيقة الكونية بأسلوبٍ يطابقُهَا تمامًا، أو يدل عليها أولو العلم، ثم لا يصدم الناس فيما يعتقدون، ولو كان ما يعتقدونه مخالفًا تلك الحقيقة، هذا الأسلوب القرآني في التعبير عن الحقائق الكونية، أو في دلالة أولي العلم عليها أمر يعجز عنه البشر، ولا يقدر عليه إلا الله الذي أنزل القرآن بالحق هدى للناس". هذه الخاصةُ لأسلوب القرآن في الحديث عن العلوم الكونية لم يستطع الرافضون للتفسير العلمي، أو المتشددون فيه إنكارها، من هؤلاء الذين أنكروا التفسير العلمي الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ﵀ أيَّدَ أن خاصية أسلوب القرآن في الحديث عن العلوم الكونية أمر موجود ومعهود فيقول ﵀: "إن الأسلوب الذي اختاره القرآن في التعبير عن آيات الله الكونية أسلوب بارع جمع بين البيان والإجمال؛ حيث يمر النظم القرآني على سامعيه في كل جيل وقبيل، فإذا هو واضح فيما سيق له من دلالة الإنسان وهدايته إلى الله، ثم إذا هو مجمل التفاصيل يختلف الخلق في معرفة تفاريعه، ودقائقه باختلاف ما لديهم من مواهب، ووسائل، وعلوم وفنون.

стр. 49

ثم قال: "ولنضرب لذلك مثلا تلك الآية الحكيمة وهي قوله : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ (الذاريات: ٤٩) فإنها مرت على بني الإنسان منذ نزلت إلى الآن، ففهموا منها جميعا أن الله يدل على قدرته وإبداعه وكماله بأنه خلق من الأشياء متنوعات مختلفة الأشكال والخصائص، لكنهم اختلفوا بعد ذلك؛ فالأوائل يُكثر عنهم أن الزوجين في الآية الكريمة هما الأمران المتقابلان معًا لا بخصوص الذكورة والأنوثة، روي عن الحسن: أنه فسر الزوجين بالليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، والحياة والموت، وهكذا. عدد أشياء وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثيل له، أما المتأخرون: ففهموا أن الزوجين في الآية هما الأمران المتقابلان للذكورة والأنوثة، ويقولون: إنه ما من شيء في الوجود إلا منه الذكر والأنثى، سواء في ذلك الإنسان والحيوان والجماد وغيرها مما لا نعلمه. ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون﴾ (يس: ٣٦) ويقولون: إن أحدث نظرية في أصول الأكوان تقرر أن أصول جميع الكائنات تتكون من زوجين اثنين، وبلسان العلم الحديث: إلكترون وبروتون، فإذا عُلم أن التفسير العلمي للقرآن ليس بدعة عصرية، وأنه موجود منذ أن فسر العلماء هذا القرآن الكريم، وإذا عُلم أسلوب القرآن في حديثه عن الكونيات إذا عُلم كل ذلك، وتقرر في الأذهان نقول لهؤلاء الرافضين للتفسير العلمي: إن وظيفة القرآن هي هداية الناس، واستدلالهم على ذلك بقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ (البقرة: ٢) هو هداية للمتقين. نقول لهؤلاء الرافضين والرد على احتجاجهم: بأن وظيفة القرآن متمثلة في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ هل العلوم الكونية تعتبر إضلالا للناس؟ وهل يعدو الأخذ بالثابت منها إلا وسائل لفهم القرآن واليقين بأنه الحق من الله، كما قال :

стр. 50

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق﴾ (فصلت: ٥٣). إن لله كتابين بهما يهدي خلقه إليه؛ الكتاب الأول: هو الكتاب المسطور وهو القرآن، والكتاب الثاني: هو الكتاب المنظور وهو الكون العظيم، فلا تعارض بين الكتابين بل كل منهما يفسر الآخر. أما قوله: إن العلوم الكونية خاضعة للمد والجزر، ولا تثبت على حال فما ثبت بالأمس ينقض اليوم، وما كان باطلا بالأمس يصير حقًا اليوم ويترتب على ذلك إن فسرنا القرآن بهذه العلوم المتقلبة تعريض القرآن لتلك التقلبات، والاضطرابات". هذه دعوى المعارضين للتفسير العلمي لكن للرد على هؤلاء يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي أشهر البارزين في هذا المجال في كتابه (الإسلام في عصر العلم) ٢٦٤ إلى ٢٦٥ يقول: "إن بعض المعترضين على أهل التفسير العلمي لكونيات القرآن يتهمونهم بأنهم يبنون تفسيراتهم على نظريات علمية لم تثبت. وهذا إذا صدق على بعضهم فليس يصدق على جميعه وأغلبهم لا يفسرون النص القرآني وهو الحق إلا بالحقيقة الثابتة في العلم، مدركين أن الدقة والاحتياط لازمان في كل بحث، وأنهما في البحوث القرآنية ألزم منهما حتى في العلوم التجريبية؛ لأن أهل هذه العلوم بعضهم رقيبٌ على بعض، وهي رقابة تكاد تكون معدومة بين الباحثين في القرآن والحديث. ثم إن أهل العلوم التجريبية عندهم الحكم بينهم الذي لا يخطئُ عند الاختلاف ألا وهو التجربة العلمية، والتحاكم إليها". يعني: هذا المؤلف يقول: إننا نفسر القرآن، أو النص القرآني بالحقيقة الثابتة في العلم وملتزمين بالدقة، والاحتياط ما لم يلتزمه الباحثون في القرآن والحديث، هذا خطأ من هذا المؤلف. ومن هذا

стр. 51

الدكتور؛ لأن الدقة في أبحاث القرآن والحديث موجودة على مدى الحياة، وليس هناك توثيق علمي أدق من التوثيق العلمي في أبحاث القرآن والحديث. وأيضًا يقول الأستاذ محمد كامل عبد الصمد: "ليس صحيحًا أن النظريات العلمية متغيرة دائمًا إلى الأبد، فلم تصبح نظرية كروية الأرض نظرية متغيرة مؤداها أنها مربعة، أو مثلثة، أو مسطحة، فكل الحقائق الفلكية التي تأكدت بالرصد والتصوير، ومثلها الحقائق الخاصة بالتشريح والفسيولوجيا كل هذه ثوابت، واكتشاف المفسر أنها تتوافق مع القرآن الكريم هو تأييد للقرآن وهو تثبيت للإيمان". يقول هذا في كتابه (الإعجاز العلمي في الإسلام) صفحة ٢٥. ويقول أيضًا: "التفسير العلمي لا يؤثر في ثبات النص القرآني وإعجازه؛ لأن النص الكريم ثابت لا يعتريه تغيير ولا تبديل؛ لأنه محفوظ من الله مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ (الحجر: ٩)، فإن بدا عند التحقيق أن مفسرًا قد خرج بالتفسير عن إطارِ مدلولِ الحقيقة القرآنية؛ فإن النقض سيوجه حينئذ إلى هذه التفسيرات عينها، والذي سيرفضه الآخرون هو هذه الآراء البشرية ذاتها، ويبقى للنص القرآني قدسيتُهُ ومهابته، وروعته، وإعجازه دون أن يتأثر شيءٌ من ذلك بتأويل المفسرين العصريين". أيضًا من الردود على الرافضين للتفسير العلمي أن هناك مبادئ معينة للبحث العلمي بينها لنا القرآن، كما أن هناك قواعد خاصة لقبول هذا النوع من التفسير، فليس الأمر عبثًا، وليس الباب مفتوحًا لمن هبَّ ودَبَّ. وقال كلامًا يريد به تفسير أعظم كتاب عرفه أهل السموات والأرض، هذه القواعد، ومبادئ البحث العلمي التي وضعها القرآن موجودة في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦) هذه الآية تضع للبحث، والباحث ثلاثة أسس:

стр. 52

الأساس الأول: صدق الخبر الذي يستند إليه الباحث، فلا يعتمد على كاذب، أو مضلل، وإلى هذا الأساس يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ﴾. فعلى الباحث إذا استمع يجب أن يكون مصدر سمعه أهل الثقة والصدق وإلا فهو مسئول عما سمع، واعتمد عليه. الأساس الثاني: التجارب المعملية والمشاهدات المرئية؛ ليتأكد الباحث من سلامة نتائج بحثه، وإلى هذا الأساس يشير قوله: ﴿وَالْبَصَرَ﴾. الأساس الثالث: ما يتوصل إليه العقل البشري من خلال التفكير والتدبر فيما ليس فيه خبر عن ثقة، أو تجربة متاحة، وإلى هذا الأساس يشير قوله: ﴿وَالْفُؤَادَ﴾. وإلى جانب هذه الأسس وضع الإسلام مبادئ عامة لا بد من توافرها لتؤدي الأبحاث دورها المنشود منها وتؤتي الثمار المرجوة لها، من هذه المبادئ: حرية التفكير، وعدم التقليد الأعمى. أما المبدأ الأول: وهو حرية التفكير، فقد وسع الإسلام دائرتها؛ بحيث لا تقتصر على البحث العلمي فقط، بل جعلها شاملة لكل شيء حتى في اعتناق الإسلام ذاته قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة: ٢٥٦). وحينما شرع الإسلام للإنسان حرية التفكير؛ فإنه راعى في ذلك ناحيتين، الناحية الأولى: تكوين عقول الناس فهذا التكوين مكرم من الله ، الناحية الثانية: عدم إيجاد مؤثرات، وضغوط خارجية تؤثر على عقل الإنسان أيًا كانت تلك المؤثرات، وأيًّا كانت تلك الضغوط، فبعض الناس قد تقف أمامهم عقائد معينة، أو أنظمة خاصة تؤثر على تفكيرهم، وطريقة اختيارهم فأراد الله ألا يجعل لذلك كله ميزانًا في اختيار ما يراه الإنسان صوابًا بعد مراعاة أسس البحث العلمي.

стр. 53

أما المبدأ الثاني: عدم التقليد الأعمى؛ فإن هذا التقليد ينافي الوصول إلى الحقيقة، ولقد نعى الله على الكفار هذا التقليد حيث قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠، ١٧١). واعتبر القرآن التقليد الأعمى للغير إنما يقود للخطأ، وربما يهوي بالإنسان إلى أسوأ مآل. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (لقمان: ٢١). إن حرية التفكير وتقدير الإنسان لعقله وذاته هي التي تميزه عن كائن آخر ألقى قياده لآخر يسخره كيفما شاء ويستخدمه كيفما يشاء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 54

الدرس: ٥ من قواعد التفسير العلمي - الإعجاز العلمي للقرآن الكريم .

стр. 55

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (من قواعد التفسير العلمي - الإعجاز العلمي للقرآن الكريم) القواعد التي يجب أن تُراعى عند تفسير القرآن تفسيرًا علميًا الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فبينا أن الذين رفضوا التفسير العلمي رفضًا مطلقًا ليسوا على صواب، وكذلك المتساهلون في التفسير العلمي ليسوا على صواب، لكن لا مانع أن نفسر القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، لكن بحسب قواعد وضوابط يلتزم بها المفسر، وهو يفسر القرآن بالعلوم الحديثة؛ فلا بد أن يراعي هذه القواعد. نذكر من هذه القواعد: أولًا: هذه النزعة التفسيرية محفوفة بالمخاطر صعبة المراس فيجب أن تؤخذ بالكثير من الحيطة والحذر، والتسلح بالعلوم الدينية والدنيوية معًا فلا يقتصر اهتمام أصحابها على ما برعوا فيه من علم دنيوي فقط؛ لأنهم أمام أخطرِ عملٍ يمارسه الإنسان ألا وهو بيانُ كتاب الله . ثانيًا: القرآن كتاب هداية إلى أحسن حال، وأعظم مآل، وقد نزل ليضع الخطوط العريضة لهذا الحال وذاك المآل، وليس من وظيفة القرآن التعرض لتفاصيل العلوم الدنيوية؛ فتلك متروكة للناس واجتهادهم، كما قال الرسول ﷺ للناس: ((إن كان شيئًا من أمرِ دنياكم، فشأنكم به، وإن كان من أمر دينكم فإليَّ)) أخرجه ابن ماجه في كتاب الرهون باب ١٥. لكننا نجد في القرآن لفتاتٍ علميةً تزرع في قلب المتشكك اليقين، وتزيد المؤمن إيمانًا على إيمانِهِ، فالقرآنُ منهجٌ إلهي لسعادة الفرد، وسلامة المجتمع فيه لفتات علميةٌ تخاطب العقل؛ لتثبت له أنه وحي يوحى من عند الله، لفتات كونية، وأخرى طبيعية، وغيرها أنزلت على قلب المصطفى ﷺ لتكون معجزات ٍ خالدةً على مرِّ الزمان تثبِّت الإيمان بالله، وتزيد من يقين المؤمن بكتاب الله، وترفع دعائمَ بناءٍ شامخٍ في القلب والفكر على أن سيدنا محمدًا الأمي صدقًا وحقًّا رسول من عند الله.

стр. 56

ثالثًا: حينما يشير القرآن إلى تلك الكونيات؛ فإنه يتحدث عنها بأسلوب لا يتعارض إطلاقًا مع أيِّ حقيقةٍ علميةٍ ثابتة، وهذا شيء بدهي؛ لأن القرآن قول الله، والكون فعل الله، ويستحيل أن يتعارض قول الله مع فعل الله. رابعًا: يجب علينا أن ننظر إلى ما في القرآن على أنه حقائق فما وافق من الاكتشافات الحديثة على وجه اليقين قبلناه فمعنى هذا أننا لا نريد أن نثبت القرآن بالعلم، بل إن العلم هو الذي يجب أن يثبت، ويلتمس الدليل من آيات القرآن؛ ذلك أن القرآن أصدق من أيِّ علمٍ من علومِ الدنيا، ومن أي علم في هذا العالم؛ لأن مكتشف هذا العلم أو مخترعه بشر، وقائل القرآن هو الله . خامسًا: لا يجوز لنا أن نعدل عن حقيقة اللفظ القرآني، ونتجه إلى معنى مجازي إلا إذا كانت هناك قرائن قوية تحيل الأخذ بحقيقة اللفظ، وقد وقع كثيرٌ من العلماء في أخطاء جسيمة حينما عدلوا عن حقيقة اللفظ إلى معنى مجازي دون أي مبرر لذلك، وقد لوحظ على آيات القرآن أن التطابق بينها وبين العلوم الحديثة يكون أتم إذا ما روعيت هذه القاعدة بكل دقة. سادسًا: الحقائق العلمية الثابتة التي لا تقبل النقد ولا التعديل هي المعتبرة في مجال التفسير العلمي للقرآن، أما النظريات التي تحت التجربة، والخاضعة للفحص، والتمحيص، فلا مكَانَ لَهَا في هذا المجال فالآيات القرآنيةُ حقائق ثابتة فلا تفسر إلا بحقائق ثابتة. سابعًا: يجب مراعاة معاني المفردات على النحو الذي كانت مستعملة فيه أثناء نزول القرآن والحذر مما طرأ عليها من تطور بعد العهد النبوي. ثامنًا: عدم التحرر من أي قاعدة نحوية؛ فالقرآن عربي نزل بلسان عربي جارٍ على ما أَلِفُوهُ من قواعد ودلالات.

стр. 57

تاسعًا: يجب مراعاة الأساليب البلاغية بصورها المتعددة، ودلالاتها المتنوعة. عاشرًا: إن من خصائص الأسلوب القرآني أن عبارته حمالة أي تحتمل في كثير من الأحيان أكثر من معنى صحيح، ولا يوجد تناقض بين كل هذه المعاني. وعلى ذلك فمن المرفوض علميًّا قصر اللفظ على معنى واحدٍ وردِّ بقية المعاني الصحيحة الأخرى دون مرجح. الحادي عشر: يجب الجمع بين كل الآيات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد من هذه الموضوعات الكونية فلا تترك آية في نفس الموضوع بل لا تترك آية تتصل بالموضوع ولو من بعيد؛ لأن كثيرًا من الآيات لا يمكن فهمُهُ إلا بفهم كل ما يتصل بهذه الآية. الثاني عشر: يستحيل أن يتعارض شيء من قرآن الله تعالى مع شيء ثابت من ثوابت هذا الكون؛ لأن القرآن كتاب الله المسطور، والكون كتابه المنظور؛ فهما صادران من مشكاة واحدة. الثالث عشر: يستحيل أن تتعارض آية من القرآن الكريم مع آية أخرى منه ومن ظن ذلك فمرجع ظنه إلى جهله وسوء فهمه. هذه هي قواعد التفسير للعلوم الحديثة، فإذا ما فسر مفسرٌ آية بما ظن أنه حقيقة علمية بينما الأمر ليس كذلك حيث ظهر له ما ينقض تفسيره هذا؛ فإن النقد حينئذ يجب أن يتوجه إلى التفسير لا إلى النص القرآني لأن النص القرآني ثابت لا يتغير، وألفاظه حمالة بوجوهٍ كثيرة؛ فلا نفرض عليه رأي باحث لم يعرف عن ذاته إلا النادر فضلًا عن جهله التام بأسرار هذا الكون العظيم، ومعاني القرآن الكريم.

стр. 58

هذه هي أهم قواعد التفسير العلمي الحديث فإذا ما طبقناها وعرفناها جاء التفسير غير مصادم للنص القرآني، وبهذا يتبين أنه لا عداوة بين العلم والدين، ولا تناقض أبدًا بين الدين والعلم؛ لأن القرآن لم يعارض العلم فليس هناك آية في القرآن تشيرُ إلى علومٍ كونية، وتتناقض مع العلم؛ فإن التناقض بين الدين والعلم غير متصور؛ لأنهما يعملان لتحقيق غرض واحد وهو تفسير الكون تفسيرًا صحيحًا، والعمل على تعميره بما يحقق سعادةَ من فيه، فإذا انفَصَلَ أحدهما عن الآخر لم يتحقق ذلك الهدف؛ إنهما جناحان لطائر واحد يريد أن يصل إلى أسعد حال، وأعظم مآل، وإن شئت قلت: هما كالإطارين لدراجة واحدة لا يمكن السير بها إلا بهما معا وفي حالة جيدة. فالانقطاع للعبادة لا يعمر الكون، والعلم بدون الدين وأخلاقه يدمر هذا الكون، وعلى ذلك فلابد للإنسان، بل وللكون أيضًا من الدين والعلم معًا فما جدوى التدين إذا ترك الإنسان عمارة الكون، وأهمل تعلم ما به يقي نفسه من أمراض الجسد، وما به يستخدم كنوز الدنيا، وينتفع بها على أحسن وجه، وما جدوى العلم إذا لم يقترن بمبادئ تهذبه، وأخلاق تقومه ليرفع الإنسانية إلى أعلى عليين من مهبطها في أسفل سافلين. إن أمامنا نماذج كثيرة ممن ظنوا أن الدين يعني الانقطاع للعبادة، ونماذج أخرى لمن ظنوا أن العلم يغني عن الدين، الأولون عاشوا الفقر والمرض والجهل والذل والآخرون عاشوا عيشة الخواء الروحي، والأمراض النفسية والتوترات العصبية، والاضطرابات السلوكية، فلم يغنِ عنهم علمهم هذا، بل كان هو السبب في معظم أمراضهم، وسوء أحوالهم. لقد هوى بهم هذا العلم الخالي من أخلاق الإسلام وتعاليم رب الكون لما فيه ومن فيه إلى مستنقعات الرذيلة، وشريعة

стр. 59

الغاب، فسفكوا دماء الأبرياء وهتكوا أعراض النساء، وجعلوا الحياة فوضى بلا مبدأ، ولا هدف حتى طمس الإنسانُ فطرته التي خُلِقَ عليها؛ فرأينا المرأة استرجلت، وشاهدنا من الرجال نوعًا ثالثًا فلا هم رجال لهم صفات الرجولة الشريفة، ولا هم نساء لهم صفات الأنوثة وأعضاؤها، وإنما هم بين بين لهم من الرجال أعضاؤهم، ومن النساء صفاتهن، وسلوكهن الشائن. إن القول بالعداوة بين الدين والعلم برز بصورةٍ واضحةٍ في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر حينما اكتشف العلماء كثيرًا من أسرار هذا الكون فظنوا أن الدينَ وهْمٌ، وأنهم ليسُوا بحاجةٍ إليهِ، واعتقدوا أن هذا النظام البديع للكون ناتج عن تلك الأسباب. إن هؤلاء الذين يزعمون أنهم باكتشافاتهم هذه قد وقفوا على أن الكون لا إله له، إنما هم في غاية الجهل؛ لأنهم لم يكتشفوا إلا أسلوب العمل في الطبيعة، وهذا في حد ذاته لا ينافي وجود الإله بل هو أدعى إلى القول بوجوده، وآكد للتساؤل عمن أوجد هذا الأسلوب، وأبدع تلك الأسرار، وسبب تلك الأسباب. لطائرة تقلع من مكان وتهبط في مكان ما أول شيء يتبادر إلى ذهنك؟ إنه هو هذا السؤال كيف أقلعت وكيف طارت وكيف هبطت؟ وبعد وقوفه على أسباب ذلك أيستطيع أن يزعم بعدم وجود قائد خلف هذا الإقلاع والطيران والهبوط إننا يجب أن نعترف بمن صنع تلك الطائرة وأجهزتها، ووضع قواعد إقلاعها وطيرانها وهبوطها فلا يمكن للطائرة أن تعمل كل هذا العمل إلا من خلال أياد كثيرة، وقفت وراءها. إن فرية العداء بين الدين والعلم ظهرت واضحة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، لكن القرن العشرين يهدم فرية العداء بين الدين والعلم؛ لأن العلم قد وافق الحقائق الموجودة في الآيات القرآنية، إذًا لا عداء بين الدين والعلم، بل

стр. 60

الدين يدعو إلى العلم وأول آية نزلت في القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١) ويقول سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩). قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم بعد أن أسهبنا القول في التفسير العلمي نأتي بعد ذلك إلى الإعجاز العلمي للقرآن الكريم: لكن قبل أن نخوض في هذه المسألة نتحدث عن البيئة العلمية التي نزل فيها القرآن والسنة: لقد أرسل اللهُ محمدًا ﷺ إلى الناسِ كافةً على اختلاف عصورهم وثقافاتهم، ومداركهم وأيده ببينات متنوعة تتناسب مع جميع من أُرسل إليهم إلى يوم القيامة؛ فمعجزة الفصاحة في كتاب الله أخضعت فصحاء العرب، ومعجزة البشارات أقامت الدليل لأهل الكتاب على صدق رسول الله ﷺ ومعجزة الخوارق أرغمت الكافرين المعاندين وأوضحت لهم حجةَ النبي ﷺ الساطعة. ومعجزة الإخبار بالغيب تجلت ولا تزال تتجلى، وتتحقق على مر القرون والعصور، لكن هناك معجزة أخرى وعد بها القرآن، وتجلت في عصرِنَا، وشاهد حقائقها أهل الاختصاصات الكونية العلمية الدقيقة في عصرنا كعلم الفلك، وعلوم الأرض، والأرصاد، والنبات، والحيوان، وعلوم الطب المختلفة، وعلوم البحار وغيرها من العلوم الكونية ليكون ذلك دليلًا لكل عاقل في عصرنا أن هذا القرآن نزل من عند الله، وأن العلامة الإلهية الشاهدة بأنه من الله هي العلم الذي تحمله الآيات، وتجليه الاكتشافات العلمية الدقيقة بعد رحلة طويلة

стр. 61

من البحث، والدراسة، وباستخدام أدق الآلات التي لم تصنع إلا في عصر الثورة الصناعية الحاضرة. ولقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الإعجاز، ووعد بإظهاره في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣). إن البينة أقصد المعجزة القرآنية الموجودة بين أيدينا والباقية بعدنا إلى ما شاء الله تحمل الرسالة الإلهية إلى البشر، كما تحمل الدليل على صدق هذه الرسالة فهي الشاهد والمشهود عليه كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (هود: ١٧). أي: أفمن كان على بينة من ربه كمن ليس كذلك، والبينة البرهان الذي يدل على الحق، والمعنى: ويتلو البرهان الذي هو البينة شاهد يشهد بصحته من القرآن أو من الله والشاهد هو الإعجاز الكائن في القرآن أو المعجزات النبوية، والقرآن معجز بلفظه ومعناه؛ لأنه من عند الله فألفاظه إلهية ومعانيه وعلومه إلهية، وكل منها يدل على المصدر الذي جاء منه هذا القرآن، وهو بذلك أكبر دليل وشهادة بين أيدينا. قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩). فهو رسالة ومعجزة لمن نزل عليهم ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وقد جعل الله العلم الإلهي الذي تحمله آيات القرآن هو البينة الشاهدة على كون هذا القرآن من عند الله. قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٦٦) أي: أنزله وفيه علمه ففي هذه الآية بيان لطبيعة المعجزة العلمية التي نزلت ردًّا على إنكار الكافرين لنبوة محمد ﷺ التي تبقى بين يدي الناس، وتتجدد مع كل فتح بشري في آفاق العلوم والمعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي.

стр. 62

قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "فالله يشهد بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم؛ ولهذا قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وكل آية من كتاب الله تحمل علمًا إلهيًّا يعرفه البشر عند ارتقائهم بأسباب العلوم والمعارف في الميدان الذي تتحدث عنه الآية القرآنية، والقرآن مليء بالآيات التي تتحدث عن مظاهر الكون وحديثه عن الكون هو حديث من يعلم أسراره ودقائقه؛ لأنه هو الذي خلقه، وأوجده فهو الأعلم بحقائقِهِ، ودقائقِهِ". مع أن البشرية كلها في زمن النبي ﷺ لم تكن تعلم تلك الأسرار، بل كانَ يَغْلِبُ على تفكيرها الأسطورة والخرافة، لكن القرآن الكريم أوقفهم على الحقائق؛ لأن القرآن الكريم إذا كان من عند محمد ﷺ وهو مملوء بالوصف لمظاهر الكون الأرض السماء الجبال، البحار، الأنهار، الشمس، القمر، النبات، الحيوان، الإنسان، الرياح الأمطار، وغير ذلك؛ فإن حديثه عن هذه المظاهر الكونية سيعكس لنا علم سيدنا محمد ﷺ وثقافته عن المخلوقات وأسرارها كما يعكس لنا علم مجتمعه وبيئته وعلوم عصره في ذلك المجال، وهي علوم غلبت عليها السذاجة والخرافة والأسطورة فكان ينبغي أن نجد القرآن عندنا مملوءا بالخرافة، والأسطورة، والخبر الساذج عند حديثه عن الكون وأسراره، كما هو شأن كل الكتب التي دونت في تلك الأزمنة بما فيها الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى التوراة والإنجيل التي طرأ عليهما التحريف. هذا إذا كان القرآن من عند سيدنا محمد ﷺ . أما إذا كان القرآن من عند الله؛ فسنراه في حديثه عن المخلوقات وأسرارها يسبق مقررات العلوم الحديثة، وهذه الاكتشافات العلمية تلهث وراء القرآن، فتقرر ما فيه من حقائق وتؤكد ما فيه من مقررات في شتى المجالات والله وعد بذلك وقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣).

стр. 63

الإعجاز القرآني القرآن الكريم كتاب معجز ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢) أعجز العرب ببلاغته وبيانه الشامل للفظ والتركيب والمعنى، وقد اعتنى علماء المسلمين بإعجاز القرآن الكريم فألفوا رسائل وكتبًا كثيرة في ذلك الوقت، كما كتب فيه المعاصرون رسائل ومؤلفات قيمَةً أيضًا وإن كان الجانب الأبرز وقت نزول القرآن هو إعجازه البياني، إلا أن إعجاز القرآن يشملُ جوانبَ عديدة، والإعجاز في اللغةِ مشتقٌّ من العجز والضعف وعدم القدرة، وهو مصدر أعْجَزَ، ومعناه: الفوت والسبق. والمعجزة في اصطلاح العلماء أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة، وإعجاز القرآن يقصد به إعجازه للناس في عدم قدرتهم على الإتيان بمثله. وقد ثبت أن الرسول ﷺ تحدى العرب بالقرآن على مراحل ثلاثة: ١ - تحداهم بالقرآن كله في سورة الإسراء، وذلك في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨). ٢ - ثم تحداهم القرآن بعشر سور من القرآن؛ وذلك في قول الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (هود: ١٣، ١٤). ٣ - ثم تحداهم بسورةٍ واحدة من القرآن في سورتي يونس والبقرة في قول الله تعالى في سورة يونس: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس: ٣٨) وقول

стр. 64

الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٢٣) ومع صدق هذا التحدي عجز العرب عن تحدي القرآن، وقد كانت العربية في ريعان شبابها وقوتها وإلى اليوم وحتى آخر الزمان. وجوه إعجاز القرآن القرآن معجز في ألفاظه وأسلوبه وفي بيانه ونظمه وفي تشريعاته وأحكامه الرامية لتكوين مجتمع إنساني مثالي واقعي، كما أنه معجز فيما احتوى من علوم ومعارف لم يجمعها كتاب قبله ولا بعده، وتحققت باكتشافات العلماء لبعضها في العصور المتأخرة كحقائق ثابتة. وقد اشتهر في كتب علوم القرآن من وجوه الإعجاز الإعجاز اللغوي. إن القرآن الذي عجز العرب عن معارضته لم يخرج عن سنن كلامهم ألفاظًا وحروفًا تركيبًا وأسلوبًا، ولكنه في اتساق حروفه وطلاوة عبارته وحلاوة أسلوبه وجرس آياته ومراعاة مقتضيات الحال في ألوان البيان في الجمل الاسمية والفعلية، وفي النفي والإثبات، وفي الذكر والحذف، وفي التعريف والتنكير، وفي التقديم والتأخير، الحقيقة والمجاز، وفي الإطناب والإيجاز وفي العموم والخصوص، وفي الإطلاق والتقييد، وفي النص والفحوى. هكذا في كل ما سبق نجد القرآن هو القمة التي تعجز أمامها القدرة اللغوية لدى البشر أجمعين، وعلماء اللغة العربية هم أدرى الناس بذلك وهم يعلمون أن قريشًا الذين نزل القرآن بلغتهم هم أوضحُ العربِ لسانًا وأقدرهم بيانًا، بل هم حكام

стр. 65

أسواق البلاغة والبيان في عكاظ، وذي المجنة والمجاز، وهم من أدرك عظمة بيانِ القرآن، وجلال كلامه، وقد تحداهم الله أن يأتوا بمثله فلم يقدروا على ذلك. ثانيًا: من وجوه الإعجاز: الإعجاز التشريعي؛ عرفت البشرية في عصور التاريخ ألوانًا من المذاهب والنظريات، والنظم والتشريعات التي تستهدف سعادة الفردِ في مجتمعٍ فاضلٍ، وكَتَبَ الكثيرُ من الفلاسفة عن المدينة الفاضلة، ولكن واحدًا من تلك المذاهب لم يبلغ من الروعة والجلال مبلغ القرآن في إعجازه التشريعي؛ فهو يبدأ بتربية الفرد حيث يحرر وجدانه بعقيدة التوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١). ويأمر بأداء العبادات من صلاة وزكاة وصوم وحج، ويدعوه إلى الأخلاق الحسنة كالإيثار والجود، والكرم، والصبر، والأمانة، ويغرس في نفسه المسئولية الفردية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨) وفي قول الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦). وينتقل القرآن إلى بناء الأسرة؛ لأنها نواة المجتمع فيشرع الزواج ويقيم رباط الأسرة على الود والرحمة، والسكن النفسي، والعشرة بالمعروف ومراعاة خصائص الرجل وخصائص المرأة، ويقرر القرآن كيفية قيام الدولة التي تسود المجتمع، وصفات حكومتها فهي حكومة تقوم على الشورى. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) وهي حكومة تقوم على العدل المطلق في نطاق القدرة البشرية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٣٥). والتشريع في الحكومة المسلمة ليس متروكًا للناس، وإنما هو مقرر من الله في القرآن والسنة النبوية المطهرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤) والقرآن يقرر صيانة الضرورات

стр. 66

الخمس للحياة الإنسانية، إذ يستحيل قيام كيان اجتماعي يسوده العدل والأمن النفسي والاجتماعي إلا بالمحافظة على الدين، والنفس، والعرض والمال والعقل. ويقرر القرآن أيضًا العلاقات الدولية في الحرب والسلم بين المسلمين وجيرانهم، أو معاهديهم، وهي أرفع معاملة عُرِفَتْ في عصورِ الحضَارَةِ الإنسانية، وبهذه التشريعات أخرج القرآن خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠). ثالثًا: من وجوه إعجاز القرآن: إعجاز الهداية، وهي أن هذا الدين هو دين الفطرة التي فطر الناس عليها، فإذا حَلَّ في أمةٍ استوطنها؛ فصار جزءًا من كيانها، وما دخل أرضًا إلا وبقي فيها رغم ما يصيب أهلها من الابتلاء في دينهم. رابعًا: من وجوه إعجاز القرآن: الإعجاز الغيبي. مثل: إخبار القرآن الكريم بانتصار الروم على الفرس بعد هزيمتهم، والذي تحقق بعد بضع سنوات في قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (الروم: ١ - ٤). خامسًا: من وجوه إعجاز القرآن: الإعجاز العلمي: لقد شاع مصطلح الإعجاز العلمي في عصرنا للدلالة على أوجه إعجاز القرآن التي كشفت عنها العلوم الكونية بما يوجب التعريف به، والمقصود بالعلم في هذا المقام العلم التجريبي.

стр. 67

الإعجاز العلمي هو: إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ﷺ مما يظهر صدقه فيما أخبر به عن ربه وهو باب من أبواب الإعجاز الغيبي. أهمية الإعجاز العلمي: لما كانت الرسل ﵈ قبل رسولنا محمد ﷺ يبعثون إلى أقوامهم خاصة، ولأزمنة محدودة فقد أيدهم الله ببينات حسية، يعني: بمعجزات حسية كالعصا لموسى ﵇ وإحياء الموتى بإذن الله على يد عيسى ﵇ وتستمر هذه المعجزات الحسية محتفظةً بقوة إقناعها في الزمن المحدد لرسالة كل رسول، حتى إذا تطاول الزمن، وتقادم، وضعف أثر تلك الرسالة الصافي، واختفت قوة إقناعها الحسية؛ فعندئذ يبعث الله رسولًا آخر، ويؤيده بمعجزة جديدة مناسبة لما برع فيه أهل زمانه. ولما ختم الله الرسالات بمحمد ﷺ ضمن له حفظ دينه، وأيده ببينات، أي: معجزات حسية؛ من ذلك نبع الماء بين أصابعه وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وزاده على ذلك بمعجزة كبرى تبقى بين أيدي الناس إلى قيام الساعة، ألا وهي القرآن الكريم. هذه المعجزة التي يتجدد عطاؤها مع كل فتحٍ بشري في آفاق العلوم والمعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي؛ من ذلك في عصرنا هذا الإعجاز العلمي في القرآن والسنة قال ﷺ : ((ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)) فمعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه، وفي بلاغته، وإخباره بالمغيبات مستمر، فلا يمر عصر من العصور إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، فعم نفعُهُ من حَضَرَ ومن غَاب، ومن وُجِدَ ومن سيُوجَدُ. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 68

الدرس: ٦ الضوابط اللازمة للتعامل مع قضية الإعجاز العلمي .

стр. 69

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (الضوابط اللازمة للتعامل مع قضية الإعجاز العلمي) معنى إعجاز القرآن الكريم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: نبدأ أولًا بمعنى: إعجاز القرآن الكريم. إعجاز القرآن الكريم معناه: عجْز الخلق أجمعين إنسهم وجنهم، فرادى ومجتمعين عن أن يأتوا بشيء من مثله؛ ولذلك أنزل ربنا في محكم كتابه هذا التحدي الأزلي الذي يقول فيه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) ويقول سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣، ٢٤). ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس: ٣٧، ٣٨). ويقول سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هود: ١٣) ويؤكد الله سبحانه على كمال القرآن الكريم فيقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢) ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٧ - ٨٠). ويقول سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١، ٢٢) ويقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢) ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: ١٠٥). وإعجاز القرآن الكريم معناه: عجز الخلق قاطبة عن الإتيان بشيء من مثله وهو كتاب معجز في بيانه، ولفظه معجز في فصاحته، وبلاغة أسلوبه معجز في كمال

стр. 70

رسالته، ومضمونه، وقد أنزل للناس كافة بدين الإسلام الذي علمه ربنا لأبينا آدم ﵇ لحظة خلقه، وقرر إنزاله على فترة من أنبيائه ورسله، وأكمله وأتمه، وحفظه في هذه الرسالة الخاتمة المنزلة على خاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين. وعلى ذلك فالقرآن الكريم معجز في مجموع العقائد التي يدعو الناس إلى الالتزام بها، وفي مجموع العبادات التي يدعو الناس إلى ممارستها، معجز في دستوره الأخلاقي الفريد، وفي كل تشريع من تشريعاته المبهرة بدقته، وعدله، وشموليته، وتفاصيله. والقرآن الكريم معجز كذلك في استعراضه التاريخي لعددٍ من الأمم السابقة، ولكيفية تعاملها مع رسل ربها، ولأسلوب مكافأتها أو عقابها، معجز في أسلوبه التربوي الفريد، وخطابه النفسي الدقيق، وفي إنبائه الحق بالغيب، وفي إشاراته العديدة إلى الكون ومكوناته وظواهره، وهذا الجانب الأخير من جوانبِ الإعجاز في كتاب الله هو المقصود بتعبير الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ويقصد به سبق هذا الكتاب العزيز بالإشارة إلى عددٍ من حقائق الكون وظواهره التي لم يتمكن العلم الكسبي من الوصول إلى فهم شيء منه إلا بعد قرون متطاولة من تنزل القرآن الكريم تزيد عن العشرة قرون كاملة في أقل تقدير لها. ولا يمكن لعاقل أن يتصور لهذه الحقائق العلمية مصدرا غير الله الخالق سبحانه، وفي إثبات ذلك تأكيد أن القرآن الكريم هو كلام الإله الخالق وتصديق للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه ﷺ في نبوته ورسالته، وفي التبليغ عن ربه، والإعجاز العلمي للقرآن الكريم أسلوب في الدعوة إلى دين الله بلغة مناسبة لعصر تفجر المعرفة العلمية وتطور الوسائل التقنية الذي نعيشه.

стр. 71

وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى ذلك. يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام: ٤٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٥، ٦) وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣). وقوله سبحانه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٦٦) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: ٦٦، ٦٧). وقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (هود: ١٣، ١٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: ٦) وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (النمل: ٩٣) وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: ٨٧، ٨٨) وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: ٢٩).

стр. 72

الضوابط اللازمة للتعامل مع قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم من الاستعراض السابق يتضح لنا بجلاء أن إثبات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عصر التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه هو من مواقفِ التحدي للناس كافة مسلمين وغير مسلمين؛ لأن كتابا أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبيٍّ أميٍّ ﷺ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين وعلى الرغم من ذلك؛ فإن هذا الكتاب يحوي من حقائق الكون وسننه ما لم يتوصل إنسان إلى معرفته إلا بعد مجاهدات طويلة قام بها عشرات الآلاف من العلماء عبر تاريخ البشرية الطويل، وتركز في القرون القليلة المتأخرة بصفة خاصة، والمتحدي لابد وأن يكون واقفا على أرضية صلبة، وعلى ذلك فلا يجوز توظيف شيء في هذا المجال غير الحقائق القطعية الثابتة حتى يبلغ التحدي مداه في مجال إثبات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم. وهذا الالتزام واجب حتمي في التعرض للآيات الكونية في كتاب الله باستثناء آيات الخلق بأبعادها الثلاثة: خلق الكون، خلق الحياة، خلق الإنسان؛ وذلك بسبب أن عملية الخلق لا تخضع للإدراك المباشر من المخلوقين وفي ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: ٥١). ولكن القرآن الكريم الذي جاء بهذه الآية الكريمة يأمرنا ربنا سبحانه فيه بضرورة التأمل في قضية الخلق، وهي قضية غير مشاهدة من قِبَلِ الإنسان، وذلك في عددٍ غير قليل من الآيات القرآنية الكريمة التي منها قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ

стр. 73

فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (العنكبوت: ١٩، ٢٠). وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩٠، ١٩١). والجمع بين هذه الآيات الكريمة وأمثالها كثير في كتاب الله يؤكد على أن خلق كل من السموات والأرض، وخلق الحياة، وخلق الإنسان قد تم في غيبة كاملة من الوعي الإنساني، ولكنّ الله من رحمته بنا قد أبقى لنا في صخور الأرض، وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكنه أن يعين الإنسان بإمكاناتِهِ المحدودة على الوصول إلى تصور ما لعملية الخلق إلا أن هذا التصور يبقى في مجالِ الفروض، والنظريات. ولا يمكن أن يرقى إلى مقام الحقيقة أبدا؛ لأن الحقيقة العلمية لا بد، وأن تكون واقعة تحت حس الإنسان وقدراته منهم؛ فإن العلوم المكتسبة لا يمكن أن تتجاوز في قضيةِ الخلق بأبعاده الثلاثة مرحلة التنظير أبدا؛ ولذلك تتعدد النظريات في قضايا الخلق بتعدد خلفيات واضعيه هل هم من المؤمنين الموحدين أم من الكفار أو من المشركين، أو من المشككين، وهل هم من السعداء في حياتهم، أم من التعساء والأشقياء والمهمومين؟ وهل هم من الأسوياء، أم من المنحرفين؟. وفي هذا الخضم يبقى للمسلم نور من الله في آية قرآنية كريمة، أو في حديث نبوي صحيحٍ مرفوع إلى رسول الله ﷺ يعينه على الانتصار لإحدى هذه النظريات، والارتقاء بها إلى مقام الحقيقة، لا لأن العلوم المكتسبة قد أثبتت ذلك، ولكن لمجرد وجود إشارة إلى تلك الحقيقة في كتاب الله الخالق، أو في سنة رسوله ﷺ .

стр. 74

يقول الدكتور زعلول النجار في كتابه (السماء): "ونحن في هذه الحالة نكون قد انتصرنا للعلم بالقرآن الكريم أو بسنة خاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- ولم ننتصر بالعلم لأي منهما، أما باقي الآيات الكريمة التي تعرض لها القرآن الكريم فلا يجوز أن نوظف في الاستشهاد على سبقها العلمي إلا بالحقائق القطعية الثابتة التي لا رجعة فيها، وبالضوابط المنهجية التالية: ١ - حسن فهم النص القرآني الكريم وفق دلالات الألفاظ في اللغة العربية ووفق قواعد تلك اللغة العربية، وأساليب التعبير فيها؛ وذلك لأن القرآن الكريم قد أنزل بلسان عربي مبين. ٢ - فهم أسباب النزول والناسخ والمنسوخ إن وجدت وفهم الفرق بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصل من آيات هذا الكتاب الحكيم. ٣ - فهم المأثور من تفسير المصطفى ﷺ والرجوع إلى أقوال المفسرين من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم إلى الزمن الحاضر. ٤ - جمع القراءات الصحيحة المتعلقة بالآية القرآنية الكريمة إن وجدت. ٥ - جمع النصوص القرآنية المتعلقة بالموضوع الواحد، ورد بعضها إلى بعض بمعنى فهم دلالة كل منها في ضوء الآخر؛ لأن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا، كما يفسر الصحيح من أقوال رسول الله ﷺ ولذلك كان من الواجب توظيف الصحيح من الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع الآية المتعامل معها كلما توفر ذلك؛ وذلك لحسن فهم النص القرآني الكريم. ٦ - مراعاة السياق القرآني للآية أو الآيات المتعلقة بإحدى القضايا الكونية دون اجتزاء للنص القرآني عما قبله وعما بعده.

стр. 75

٧ - مراعاة قاعدة: أن العبرة هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ٨ - عدم التكلف أو محاولة لَيِّ أعناقِ الآيات من أجل موافقتها للحقيقة العلمية؛ وذلك لأن القرآن الكريم أعز علينا، وأكرم عندنا من ذلك؛ لأنه كلام الله الخالق، وعلم الخالق بخلقِهِ هو الحق المطلق، الكامل الشامل المحيط بكل علمٍ آخر، وهو لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. ٩ - عدم الخوضِ في القضايا الغيبية غيبة مطلقة، كالذات الإلهية، والروح والملائكة، والجن، وحياة البرزخ، وحساب القبر، وقيام الساعة، والبعث والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، والتسليم بالنصوص الواردة فيها تسليما إيمانيًّا كاملا، انطلاقا من الإيمان بكتاب الله، وبسنة رسوله ﷺ وبعجز الإنسان عن الوصول إلى مثل هذه الغيوب المطلقة. ١٠ - التأكد على أن الآخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا وأنها لا تحتاج السنن الدنيوية الرتيبة لحدوثها فهي كما وصفها ربنا سبحانه أمر فجائي منه سبحانه بكن فيكون، أي: بين الكاف والنون وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧). وعلى الرغم من ذلك فإن الله سبحانه من رحمته بنا قد أبقى لنا في صخور الأرض، وفي صفحة السماء أعدادا كثيرة من الشواهد الحسية التي تقطع بفناء الكون، وبحتمية الآخرة، وأن الإشارة إلى تلك الشواهد الكونية لا يمكن أن يفسر بمحاولة التعرف على موعد الآخرة؛ لأنها غيب من الغيوب المطلقة التي لا يعلمها إلا الله؛ ولأنها لن تتم بالسنن الكونية المشاهدة في هذه الحياة.
следующие страницы →