Полный текст (312 стр.). Показаны 281–312 · переход к 286.
стр. 281
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي والعشرون
(شرح قو ل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ... ﴾)
المعاني اللغوية وأقوال المفسرين حول الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
سنتعرض لأسرار المصب والحاجز بين النهر والبحر في القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (الفرقان: ٥٣).
المعاني اللغوية وأقوال المفسرين في الآية. .
﴿مَرَجَ﴾ يأتي بمعنيين بارزين، الأول: الخلط: قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ (ق: ٥)، وجاء في (لسان العرب) ﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: مختلط، وقال الأصفهاني في (المفردات): "أصل المرج الخلط"، وقال الزبيدي: "ومرج الله البحرين العذب والمالح، خلطهما حتى انتقيا"، وقال الزجاج: " ﴿مَرَجَ﴾ خلط؛ يعني: البحر المالح، والبحر العذب". وقال ابن جرير الطبري: "والله الذي خلط البحرين فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه، وأصل المرج الخلط، ومنه قول الله تعالى: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: مختلط". وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ يعني: خلع أحدهما على الآخر. وعن مجاهد: أفاض أحدهما على الآخر. وعن الضحاك بمثل قول ابن عباس، وذهب إلى هذا المعنى جمهور من المفسرين، منهم القرطبي، أبو حيان الألوسي، الخازن، الرازي، الشوكاني، الشنقيطي.
المعنى الثاني: مجيء وذهاب واضطراب، قال ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة): "الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب، وقال: مرج الخاتم في الأصبع يعني: قلق، وقياس الباب كله، ومنه حديث
стр. 282
((ومرجتْ أمانات القوم وعهودهم)) اضطربت واختلطت"، وجاء نفس المعنى في (الصحاح) للجوهري، و (لسان العرب)، وبذلك قال الزبيدي والأصفهاني.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ نتكلم عن البحر العذب والملح الأجاج.
البحر العذب هو النهر، وصفه القرآن الكريم بوصفين ﴿عَذْبٌ﴾ و ﴿فُرَاتٌ﴾، ومعناهما أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه وصف ﴿فُرَاتٌ﴾، وبهذا الوصف خرج ماء المصبّ، الذي يُمكن أن يقال: إن فيه عذوبة، ولكنه لا يُمكن أن يوصف بأنه فرات. وما كان من الماء ملحًا أجاجًا فهو ماء البحار، ووصفه القرآن الكريم بوصفين ﴿مِلْحٌ﴾ و ﴿أُجَاجٌ﴾، ﴿أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة، وبهذا خرج ماء المصب؛ لأنه مزيج بين الملوحة والعذوبة، فلا ينطبق عليه وصف ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾.
وبهذه الأوصاف الأربعة تحدَّدت حدود الكتل المائية الثلاث:
١ - ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ ماء النهر.
٢ - ﴿هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ماء البحر.
٣ - ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصبّ.
- نأتي إلى الحجر المحجور:
الحِجر والحَجر هو المنع والتضييق، يُسمى العقل حجرًا؛ لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (الفجر: ٥)، والسفيه يحجُر عليه القاضي من التصرف في ماله، فهو في ح ِ جر؛ أي: في ح َ جر والكسر أفصح،
стр. 283
وجاء في حديث الرسول ﷺ للأعرابي ((لقد تحجَّرت واسعًا))، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، قال ابن مندور ((لقد تحجَّرت واسعًا))؛ أي: ضيقت ما وسَّعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك، ونستطيع أن نفهم الحجر هنا، بأن الكائنات الحية في منطقة اللقاء بين البحر والنهر، تعيش في حجر ضيق ممنوعة أن تخرج من هذا الحجر، ووصفت هذه المنطقة بأنها محجورة؛ أي: ممنوعة، ونفهم من هذا اللفظ معنى مستقلًّا عن الأول؛ أي: أنها أيضًا منقطعة ممنوعة على كائنات أخرى من أن تدخل إليها، فهي حجر حبس على الكائنات التي فيها، محجورة على الكائنات الحية بخارجها.
ويكون المعنى عندئذٍ: وجعل بين البحر والنهر برزخًا مائيًّا، هو الحاجز المائي المحيط بماء المصبِّ، وجعل الماء بين النهر والبحر حبسًا على كائناته الحية، ممنوعة عن الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر.
ولم يتيسَّر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية؛ لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم، وتعدَّدت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية، فقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: خلطهما فهما يلتقيان، ويستند هذا القول إلى المعنى اللغوي للفظ ﴿مَرَجَ﴾، وقررت طائفة أخرى من المفسرين أن معنى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: هو الذي أرسلهما في مجاريهما فلا يختلطان.
قال ابن الجوزي: "قال المفسرون: والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما، فلا يلتقيان، ولا يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح". وقال أبو السعود: " ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: خلاهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان، من مرج دابته؛ أي: أخلاها". وبمثله قال البيضاوي والشنقيطي في أحد قوليه،
стр. 284
وطنطاوي جوهري في تفسير الجواهر. والذين قرروا هذا المعنى، نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، وتقرير اختلاط الماءين، يبدو متعارضًا مع وجود البرزخ، والحجر المحجور، ولذلك رجَّح بعض المفسرين معنى الخلط، ورجح الآخرون معنى المنع، وكذلك الحال في تفسير البرزخ، فقد قرَّر بعض المفسرين أن ﴿بَرْزَخًا﴾ يعني: حاجزًا من الأرض، وبمثله قال أبو حيان، والرازي، والألوسي، والشنقيطي.
ولقد ردَّ ابن جرير الطبري هذا القول فقال: " لأن الله -تعالى ذكره- أخبر في أول الآية أنه ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ والمرج هو الخلط في كلام العرب، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا؛ لم يكن هناك مرج للبحرين. وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وبيَّن البرزخ، فقال: " ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ حاجزًا لا يراه أحد".
وقال ابن الجوزي عن هذا البرزخ: "مانع من قدرة الله لا يراه أحد"، وقال الزمخشري: "حائلًا من قدرته، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (لقمان: ١٠)، وبمثلهم قال الأكثرون منهم القرطبي والبقاعي.
فتأمَّل كيف عجز علم البشر عن إدراك تفاصيل ما قرَّره القرآن الكريم، فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضًا أو يبسًا حاجزًا من الأرض، ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله، فقال: هو حاجز لا يراه أحد، وهذا يُبيِّن لنا أن العلم الذي أوتيه محمد ﷺ ما هو فوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول ﷺ ، وبعد عصره بقرون، وكذلك الأمر في الحجر المحجور، فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية؛ قال الزمخشري: "فإن قلت ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ما معناه؟ قلت: هي الكلمة التي
стр. 285
يقولها المتعوذ، وقد فسرناها، وهي واقعة على سبيل المجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوَّذ من صاحبه ويقول: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ "، وبمثل ما قال الزمخشري قال غيره من المفسرين، كأبي حيان، والرازي، والألوسي، والشنقيطي.
التحقيق العلمي
شاهد الإنسان منذ القديم النهر يصب في البحر، ولاحظ أن ماء النهر يفقد بالتدريج، لونه المميز وطعمه الخاص كلما تعمق في البحر، ففهم من هذه المشاهدة أن النهر يمتزج بالتدريج بماء البحر، ولولا ذلك لكان النهر بحرًا عذبًا، يتسع كل يوم حتى يطغى على البحر.
ومع تقدم العلم وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون، أخذ يبحث عن كيفية اللقاء بين البحر والنهر، ودرس عيِّنات من الماء حيث يلتقي النهر بالبحر، ودرس درجات الملوحة والعذوبة بأجهزة دقيقة، وقاس درجات الحرارة، وحدد مقادير الكثافة، وجمع عينات من الكائنات الحية، وقام بتصنيفها، وحدد أماكن وجودها، ودرس قابليتها للعيش في البيئات النهرية والبحرية.
وبعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء بين الأنهار والبحار، اتضحت للعلماء بعض الأسرار التي كانت محجوبة عن الأنظار، واكتشف الباحثون أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
١ - مياه الأنهار: وهي شديدة العذوبة.
٢ - مياه البحار: وهي شديدة الملوحة.
стр. 286
٣ - مياه في منطقة المصبّ، مزيج من الملوحة والعذوبة، وهي منطقة فاصلة بين النهر والبحر، متحركة بينهما بحسب مدّ البحر وجزره، وفيضان النهر وجفافه، وتزداد الملوحة فيها كلما قربت من البحر، وتزداد درجة العذوبة كلما قربت من النهر.
٤ - يوجد برزخ مائي يُحيط بمنطقة المصبّ، ويحافظ على هذه المنطقة بخصائصها المميزة لها، حتى ولو كان النهر يصب إلى البحر من مكان مرتفع في صورة شلال.
٥ - عدم اللقاء المباشر بين ماء النهر وماء البحر في منطقة المصب، بالرغم من حركة المد والجزر وحالات الفيضان والانحسار، التي تُعتبر من أقوى عوامل المزج؛ لأن البرزخ المحيط بمنطقة المصب يفصل بينهما على الدوام.
٦ - يمتزج ماء النهر بماء البحر بصورة بطيئة، مع جود المنطقة الفاصلة من مياه المصب، والبرزخ المائي الذي يُحيط بها، ويحافظ على جوِّدها.
٧ - تختلف الكتل المائية الثلاث؛ ماء النهر، ماء البحر، ماء المصب؛ في الملوحة والعذوبة.
وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية الموجودة فيها، ما يلي:
أ- معظم الكائنات التي في البحر والنهر والمصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها، ويوجد بعض الأنواع القليلة مثل سمك السلامون وثعابين البحر، تستطيع أن تعيش في البيئات الثلاث، ولها قدرة على أن تتكيَّف مع كل بيئة، فعديدات الأشواك ومعديات الأرجل والسركانات توجد في المصبات، ولكنها يُمكن أن تعيش في المناطق البحرية عند مناسبة الظروف البيئية، أما النيريس وهي من عديدات الأشواك ومعديات الأرجل والقشريات فتعتبر حيوانات لمنطقة
стр. 287
المصب ولا توجد في البحر، ومعظم كائنات البيئات الثلاث تموت إذا خرجت من بيئتها الخاصة بها.
ب- وبتصنيف البيئات الثلاث، باعتبار الكائنات التي تعيش فيها، تُعتبر منطقة المصب منطقة حجر على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها؛ لأن هذه الكائنات لا تستطيع أن تعيش إلا في نفس الوسط المائي المتناسب في ملوحته وعذوبته، مع درجة الضغط الأسموزي في تلك الكائنات، والضغط الأسموزي ظاهرة تتعلق بمقدار نفاذ الأملاح في الأغشية، وتموت إذا خرجت من المنطقة المناسبة لها، وهي منطقة المصب، وهي في نفس الوقت منطقة محجورة، على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر والنهر؛ لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها، بسبب اختلاف الضغط الأسموزي أيضًا.
وبعدُ: فإن هذا النظام البديع، قد جعله الله تعالى لحفظ الكتل المائية الملتقية، من أن يفسد بعضها خصائص البعض الآخر؛ ليبقى ذلك الاختلاف رحمة للناس وسائر الكائنات، وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله تعالى به منطقة المصبِّ؛ فإن الأقمار الصناعية اليوم قد زوَّدتنا بصورة باهرة تُبيِّن لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، التي تزداد وضوحًا كلما ازداد الفارق في حرارة الماء وما يحمله من مواد. وبالرغم من أن الماء العذب يمتزج مع ماء البحر، فإن هناك حدودًا على طرفي منطقة الامتزاج المحدودة، التي تفرض قيودًا على ما يدخلها أو يخرج منها، وهذا الوصف ينطبق تمامًا على نظام المصبِّ.
ويوجد اليوم اختلاف حول التعريف الأساسي لهذا المصطلح، ولكن العلم الحديث أثبت وجود حدودٍ على طرفي منطقة الامتزاج.
فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدَّة قرون بعد نزول القرآن الكريم في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبينًا لتلك الأسرار، وصدق الله القائل:
стр. 288
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ (النمل: ٩٣)، وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقًا، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: ٦٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: ٨٨)، فمن أخبر النبي الأمي في الأمة الأمية في البيئة الصحراوية، حيث لا وجود لنهر ولا لمصبِّه عن هذه الأسرار الدقيقة، عن الكتل المائية المختلفة التركيب ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، والحجر المكان المحجور لكائنات حية تعيش في هذه البيئات المائية الثلاث، وكم استغرق الإنسان من الزمن، وكم استخدم من الآلات الدقيقة والأجهزة الحديثة حتى تمكن من الوصول غلى هذه الحقائق، التي جَرَت على لسان النبي الأمي قبل ألف وأربعمائة عام بأوجز تعبير وأوضح بيان، من أين جاء هذا العلم لسيدنا محمد ﵊، إن لم يكن من عند الله الذي ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: ١٢)
وصف الحاجز بين البحرين
قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (الرحمن: ١٩ - ٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ (النمل: ٦١).
- المعاني اللغوية وأقوال المفسرين:
قال ابن فارس: "الباء والحاء والراء هو البحر، قال الخليل: سُمي البحر بحرًا لاستبحاره، وهو انبساطه وسعته، ويقال: للماء إذا غلظ بعد عذوبة استبحر، وماء بحري؛ أي: ملح". وقال الأصفهاني: "وقال بعضهم: البحر يقال في
стр. 289
الأصل لماء الملح دون العذب". قال ابن منظور: "وقد غلب على الملح حتى قلَّ في العذب، فإذا أُطلق البحر دلَّ على البحر المالح، وإذا قُيِّد دلَّ على ما قيد به"، والقرآن الكريم يستعمل لفظ الأنهار؛ للدلالة على المياه العذبة، ويُطلق البحر ليدل على البحر الملح، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ (إبراهيم: ٣٢)، وكذلك إذا أُطلق البحر في الحديث، ((إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء)) يقصد بذلك البحر الملح.
- معنى كلمة البرزخ:
البرزخ هو الحاجز، وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أنه لا يُرى:
بعد ذلك نأتي إلى قوله: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ البغي قال ابن منظور: وأصل البغي مجاوزة الحد، وبمثله قال الجوهري والأصفهاني، ﴿الْمَرْجَانُ﴾، قال ابن الجوزي: وحكى القاضي أبو يعلى أن ﴿الْمَرْجَانُ﴾ ضرب من اللؤلؤ كالقضبان، وروي عن الزجاج قوله: ﴿الْمَرْجَانُ﴾ أبيض شديد البياض، وقال ابن مسعود: ﴿الْمَرْجَانُ﴾ الخرز الأحمر، وقال أبو حيان: وقال أبو عبد الله وأبو مالك: ﴿الْمَرْجَانُ﴾ الحجر الأحمر، وقال الزجاج: حجر شديد البياض، وحكى القاضي أبو يعلى أنه ضرب من اللؤلؤ كالقضبان، وقال القرطبي: وقيل ﴿الْمَرْجَانُ﴾ عظام اللؤلؤ وكباره، قاله علي وابن عباس ﵄، واللؤلؤ صغاره، وعنهما أيضًا بالعكس أن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ، و ﴿الْمَرْجَانُ﴾ صغاره؛ قاله الضحاك وقتادة، وقال الألوسي: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ﴾ صغار الدر و ﴿الْمَرْجَانُ﴾ كباره، وقد رووا ذلك عن علي ومجاهد وابن عباس، ورُوي أيضًا عن ابن عباس ومجاهد وقتادة العكس، وأظنّ أنه إن اعتبر في اللؤلؤ
стр. 290
معنى التلألؤ واللمعان، وفي ﴿الْمَرْجَانُ﴾ معنى المرج والاختلاط، فالأوفق لذلك ما قيل ثانيًا فيهما، ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: المرجان الخرز الأحم ر.
وحاصل ما سبق أن ﴿الْمَرْجَانُ﴾ نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة؛ بيضاء وحمراء وكبيرًا وصغيرًا، وهو حجر يكون كالقضبان قد يكون صغيرًا كاللؤلؤ؛ أي: الخرز، وهو في الآية غير اللؤلؤ، وحرف العطف بينهما يقتضي المغايرة، والمرجان لا يوجد إلا في البحار المالحة.
وهيا إلى النص القرآني لنرى دقائق الأسرار التي كشفت عنها اليوم علم البحار، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ تصف الآيات اللقاء بين البحار المالحة، ودليل ذلك:
أ- لقد أطلقت الآية ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾، فدلَّ ذلك على أن ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ ملحان.
ب- بيَّنت الآية الأخيرة أن ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، وقد تبيَّن أن المرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، فدل ذلك على أن الآية تتحدث عن بحرين ملحين.
ج- عندما ذكرت منطقة اللقاء بين البحر والنهر في سورة الفرقان، بيَّنت الآية أن بينهما شيئين:
١ - البرزخ، ٢ - الحجر المحجور، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أما في هذه الآيات من سورة الرحمن فقد بيَّنت أن الفاصل هو البرزخ؛ فدل ذلك على أن اللقاء هنا بين بحرين لا عذب
стр. 291
وملح، بسبب اختلاف ما يحدث عند اللقاء في الحالتين، فمن الذي كان يعلم أن البحار الملحة تتمايز فيما بينها، رغم اتحادها في الأوصاف التي تدركها الأبصار والحواس، ملحة، زرقاء، ذات أمواج، وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها، والمعروف أن المياه إذا اختلطت في إناء واحد تجانست؛ فكيف وعوامل المزج في البحار كثيرة من مد وجزر، وأمواج، وتيارات، وأعاصير.
والآية تذكر اللقاء بين بحرين ملحين، يختلف كل منهما عن الآخر؛ إذ لو كان البحران لا يختلف أحدهما عن الآخر؛ لكان بحرًا واحدًا، ولكن التفريق بينهما في اللفظ القرآني دال على اختلاف بينهما مع كونهما ملحين.
و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾؛ أي: أن البحرين مختلطان، وهما في حالة ذهاب وإياب، واختلاط، واضطراب، وهذا ما كشفه العلم من مدٍّ وجزر في البحار يجعلها مضطربة بأكملها في مناطق الالتقاء، لكن البحار المختلطة تختلط مع بعضها ببطء شديد.
ومن يسمع هذه الآية فقط يتصور أن امتزاجًا واختلاطًا كبيرًا يحدث بين هذه البحار، يفقدها خصائصها المميزة بها، ولكن العليم الخبير يقرِّر في الآية بعدها ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، ومع حالة الاختلاط والاطراد هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزًا يحجز بينهما، يمنع كلًّا منهما أن يطغى ويتجاوز حدَّه، وهذا ما شاهده الإنسان بعدما تقدَّم في علومه وأجهزته، فقد وُجد ماءٌ ثالث يختلف في خصائصه عن خصائص كلٍّ من البحرين، ويفصل كل من البحرين الملحين المتمايزين في خصائصهما من حيث الملوحة والحرارة، والكثافة، والأحياء المائية، وقابلية ذوبان الأكسجين، ووُجد أن هذا الحاجز المائي متحرك بين البحرين على اختلاف فصول السنة، وهذا المعنى يندرج أيضًا تحت قوله تعالى: ﴿مَرَجَ﴾ الذي يعني أيضًا الذهاب، والإياب، والاختلاط، والاضطراب.
стр. 292
ومع وجود البرزخ فإن ماء البحرين المتجاورين يختلط ببطء شديد، ولكن دون أن يبغي أحد البحرين على الآخر؛ لأن البرزخ منطقة قد تتقلَّب فيها المياه العابرة من بحر إلى آخر، لتكتسب المياه المتنقلة من بحر إلى بحر آخر، صفات البحر الذي ستدخل إليه، وتفقد صفات البحر الذي جاء منه، وبهذا يمتنع طغيان بحر بخصائصه على البحر الآخر، مع أنهما يختلطان أثناء اللقاء، وصدق الله القائل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾.
ثم انظر كيف جاء الوصف القرآني في آية سورة الفرقان، مبينًا خصائص اللقاء بين البحر العذب والبحر المالح، وجاء الوصف الدقيق أيضًا في آيات سورة الرحمن، مبينًا خصائص اللقاء بين البحرين الملحين، فظهر في عصرنا اليوم سرُّ تلك الفوارق الدقيقة بين الوصفين.
وهذا ما بيَّنه الدارسون فيما يُسمى بمصبَّات الأنهار، التي تحاط ببرزخ مائي، يفصلهما عن البحر والنهر، وتعتبر منطقة حجر للكائنات الحية الخاصة بها، ومنطقة محجورة عن الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر.
وبينت الآية الكريمة أن البحرين المذكورين فيها ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ والمرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، ولذلك لا توجد بين البحرين الملحين، منطقة حجرًا محجورًا على الكائنات الحية؛ لأن الاختلاف في درجة الملوحة ليس شديدًا ليكون مانعًا لانتقال الكثير من الأحياء البحرية من بيئة إلى بيئة أخرى.
ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين، هو حاجز من قدرة الله لا يُرى، كما قال ابن الجوزي وغيره، وذلك بوضع عجز أكابر العلماء عن أن يُحيطوا بتفاصيل ودقائق ما ذكره القرآن، وصدق الله القائل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: ٢٥٥).
стр. 293
وعندما شاء المولى أن يُرِيَ الإنسان تفاصيل هذه الآية، كشف لهم قدرًا من العلوم ازدادوا به علمًا في هذا المجال، ومع كل كشف يتضح للإنسان حدود علمه، ولله درُّ المفسرين الذين يقولون بعد كل تفسير: والله أعلم.
وقد أُشكل على المفسرين التوفيق بين وجود برزخ حاجز من طغيان بحر على آخر، وبين وجود حالة اختلاط بين البحرين، وهو ما يدل عليه لفظ ﴿مَرَجَ﴾، لأن من قرر أن البحرين مختلطان، فقد أهمل دور البرزخ ووظيفته في منع البغي بين البحرين، ومن قرر وجود الحاجز المانع، اضطر إلى تأويل لفظ ﴿مَرَجَ﴾ إلى معنى غير معناه الأصلي، الدال على الاختلاط.
- التحقيق العلمي:
لقد توصَّل علماء البحار من بعد تقدم العلوم في هذا العصر، إلى اكتشاف الحاجز بين البحرين كما يلي:
هناك برزخ بين البحرين يتحرك بينهما، يسميه علماء البحار الجبهة، تشبيهًا له بالجبهة التي تفصل بين الجبهتين، وبهذا يُحافظ كل بحر على خصائصه التي قدَّرها الله له، ويكون مناسبًا لما فيه من كائنات حية، تعيش في تلك البيئة، وهناك اختلاط بين البحرين رغم وجود هذا البرزخ، لكنه اختلاط بطيء يجعل القدر الذي يُعبر من بحر إلى بحر آخر، يتحول إلى خصائص البحر الذي يُنتقل إليه، دون أن يؤثر على تلك الخصائص.
اكتشف علماء البحار سرَّ اختلاف تركيب البحار الملحة، على يد البعثة العلمية البحرية الإنجليزية في رحلة تشال تشالنجر، فعرف الإنسان أن المياه في البحار، تختلف في تركيبها عن بعضها، من حيث درجة الملوحة ودرجة الحرارة،
стр. 294
ومقادير الكثافة وأنواع الأحياء المائية، ولقد كانت هذه الأسرار ثمرة رحلة علمية، استمرت ثلاثة أعوام، وهي تجوب في جميع بحار العالم.
وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرَّر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يفصل مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر، التي تحرك مياه البحر مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب إلى جوانب العوامل الأخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام، ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام ١٣٦١ هجرية ١٩٤٢ ميلادية، فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن وجود خواص مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتُحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة والأحياء المائية والحرارة، وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، ويكون الاختلاط بين ماء البحار عبر هذه الحواجز بطريقة بطيئة، يتحوَّل معها الماء الذي يعبُر الحاجز، إلى خصائص البحر الذي دخل فيه.
وهكذا يحدث الاختلاط بين البحار الملحة، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحددة، لوجود تلك الحواجز المائية بين البحرين.
وأخيرًا تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار العلمية عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 295
الدرس: ٢٢ تابع: شرح قوله تعالى: ﴿وهو الذي مرج البحرين ... ﴾ - قوله: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ .
стр. 296
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني والعشرون
(تابع: شرح قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ... ﴾ - قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾)
ما جاء في بحث الظواهر البحرية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
كنا قد تكلمنا عن قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (الرحمن: ١٩)، وكنا وصلنا إلى التحقيق العلمي في هذه الآية، فنكمل بما جاء في بحث الظواهر البحرية، هذا البحث مقدم للمؤتمر العالمي الأول ل لإعجاز العلمي في القرآن والسنة، من الشيخ عبد المجيد الزنداني والدكتور برسادة رعو.
جاء في هذا البحث ما يلي:
إن مياه البحار بالرغم من أنها تبدو متجانسة، إلا أن هناك فروقًا كبيرة بين بعض الكتل المائية في بعض مناطق البحار العالمية، وتتحرَّك هذه الكُتل على شكل وحدات متفرقة، تفصلها عن بعضها البعض حدود واضحة، وتحتفظ بخواصّها رغم تحركها إلى مسافات بعيدة، دون أن تمتزج مع بعضها.
وهناك نقطة مهمة أخرى، وهي الفرق الدقيق بين نوعي الحاجز، كما ظهر بالدراسات العلمية الحديثة ووُصف وصفًا دقيقًا؛ إذ لا توجد بين الكتل المائية في البحار، منطقة محدودة كتلك التي توجد في منطقة المصب.
ومن المهم جدًّا أن نجد ذكرًا للؤلؤ والمرجان، في هذه المنطقة من البحار، وألَّا نجد مثل ذلك عند بحث التقاء المياه العذبة مع المياه المالحة، ويدلّ ذلك على أن اللؤلؤ والمرجان يتكونان في المناطق البحرية النقية، ولا يتكونان في مناطق امتزاج المياه العذبة مع مياه البحر، وتؤكّد الدراسات الحديثة على أن المرجان يوجد فقط في المناطق المدارية دون الاستوائية غير الممطرة أو قليلة المطر، ولا ينمو في مناطق المياه العذبة، ومن المدهش جدًّا أن نرى هذا التمييز بين المنطقتين، دون الحاجة إلى فحص مياه البحار بالأجهزة الحديثة المعقدة.
стр. 297
وللباحث محمد إبراهيم السمرة الأستاذ بكلية العلوم، قسم علوم البحار في جامعة قطر، دراسة ميدانية في خليج عمان، والخليج العربي، ذكر فيها نتائج دراسات كيميائية، قامت بها سفينة البحوث، مختبر البحار التابعة لجامعة قطر، في الخليج العربي وخليج عمان في الفترة ١٤٠٤ و١٤٠٦ هجرية، ١٩٨٤ إلى ١٩٨٦، وتضمن البحث مقارنة واقعية بين الخليجين بالأرقام والحسابات والرسومات والتحليل الكيميائي، وبين اختلاف خواص كل منهما عن الآخر، من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما، ووضَّح البحث وجود منطقة بين الخليجين، تُسمى في علوم البحار منطقة المياه المختلطة وهي منطقة البرزخ.
وبيَّنت النتائج أن عمود الماء في هذه المنطقة، يتكون من طبقتين من المياه، إحداهما سطحية أصلها من خليج عمان، والأخرى سفلية أصلها من الخليج العربي، أما في المناطق البعيدة والتي لا يصل إليها تأثير عملية الاختلاط بين الخليجين؛ فإن عمود الماء يتكون من طبقة واحدة متجانسة وليس من طبقتين، وأكَّدت النتائج أنه برغم هذا الاختلاط في المناطق التي بها مياه مختلطة، ووجود نوعين من المياه فوق بعضهم البعض، فإن حاجزًا ثابتًا له استقرار الجاذبية وقوتها، يقع بين طبقتي المياه، ويمنع مزجهما أو تجانسهما؛ حيث يتكون بذلك مخلوط غير متجانس.
وأوضحت النتائج أن هذا الحاجز، إما أن يكون في الأعماق من عشرة إلى خمسين متر إذا كان اختلاط مياه الخليجين رأسيًّا؛ أي: أن أحدهما فوق الآخر، وإما أن يكون هذا الحاجز على السطح، إذا تجاورت المياه السطحية بكلٍّ من الخليجين.
стр. 298
أوجه الإعجاز في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾
أوجه الإعجاز في الآية السابقة.
مما سبق يتبيَّن أن العلماء الدارسين لمناطق اللقاء بين الأنهار والبحار مناطق المصبَّات اكتشفوا أن ماء النهر والبحر في منطقة اللقاء بينهما، في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب، ويفصل بينهما ماء المصبّ، الذي يعتبر حجرًا على الكائنات الحية، التي فيه محجورًا على الكائنات الخاصة بالبحار والأنهار، وأن ماء المصب محاط ببرزخ مائي يفصل بين البحر والنهر، وذلك ما قرَّره القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة عام على لسان نبي أمي، عاش في أرض صحراوية ليس فيها نهر ولا مصب، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (الفرقان: ٥٣).
فهل تيسَّر لرسول الله ﷺ في زمنه من أبحاث وآلات ودراسات ما تيسر للعلماء الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحث والدراسة، والواقع أن الذي تيسر لرسول الله ﷺ أكبر من ذلك، فقد جاءه النبأ من العليم الخبير، الذي أنزل عليه ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الفرقان: ٦).
وقد دلَّ الوصف التاريخي في أول البحث عن تطور علوم البحار، على عدم وجود أيَّة معلومات علمية في هذا الموضوع، قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان عند نزول القرآن الكريم على رسول الله ﷺ ، كما أن علوم البحار لم تتقدم إلا في القرنين الأخيرين، وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين، وقبل ذلك كان البحر مجهولًا مخيفًا، تكثر عنه الأساطير والخرافات، وكل ما يهتم به راكبوه هو السلامة، والاهتداء إلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة.
стр. 299
وما عرف الإنسان أن البحار الملحة بحار مختلفة إلا في الأربعينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية لتحليل عينات من مياه البحار، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة، ونسبة الملوحة، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأكسجين في مياه البحار في كل المحطات، فأدرك بعدئذٍ أن البحار متنوعة.
وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار الملحة إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها، وبعد أن قضى وقتًا طويلًا في تتبُّع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة التي تتغير في موقعها الجغرافي بتغيّر فصول العام.
وما عرف الإنسان أن ماء البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق، وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي، إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع، لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين.
فهل كان رسول الله ﷺ يملك تلك المحطات البحرية، وأجهزة تحليل كتل المياه، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة، وهل قام بعملية مسح شامل، وهو الذي لم يركب البحر قط، وعاش في زمن كانت الأساطير هي الغالبة على تفكير الإنسان، وخاصة في ميدان البحار، وصدق الله القائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣).
стр. 300
شرح قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
بعد ذلك نأتي إلى شرح قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦).
أولًا: نأتي إلى كلام فضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، في حكمة تقديم ﴿السَّمْعَ﴾ على َ ﴿الْبَصَر﴾ َ في القرآن الكريم.
ينقل صاحب كتاب (الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) جمع وتخريج المهندس نايف منير فارس، ينقل عن الشيخ الشعراوي هذه الحكمة، فيقول: الإنسان حين يفقد بصره يفقد كل شيء، يعيش في ظلام دائم، لا يرى شيئًا على وجه الإطلاق يصطدم بكل شيء، ولكن حين يفقد سمعه فإنه يرى، وحينئذٍ تكون المصيبة أهون، ولكن الله حين يذكر السمع يقدمه دائمًا على البصر، إن هذا من إعجاز القرآن الكريم، لقد فضل الله السمع على البصر؛ لأنه أول ما يؤدي وظيفته في الدنيا؛ لأنه أداة الاستعداد في الآخرة، فالأذن لا تنام أبدًا، إن السمع أول عضو يؤدي وظيفته في الدنيا، فالطفل ساعة الولادة يسمع عكس العين، فإنها لا تؤدِّي مهمتها لحظة مجيء الطفل إلى الدنيا.
فكأنَّ الله يريد أن يقول لنا: إن السمع هو الذي يؤدي مهمته أولًا، فإذا جئت بجوار طفل ولد منذ ساعات وأحدثت صوتًا مزعجًا، فإنه ينزعج ويبكي، ولكن إذا قربت يدك من عين الطفل بعد الميلاد مباشرة، فإنه لا يتحرك ولا يحسّ بالخطر، هذه واحدة.
وإذا نام الإنسان فإن كل شيء يسكن فيه إلا سمعه، إنك إذا أردت أن توقظ النائم، ووضعت يدك قرب عينه فإنه لا يحس، ولكنك إذا أحدثت ضجيجًا بجانب أذنه، فإنه يقوم من نومه فزعًا، هذه الثانية.
أما الثالثة فهي أن الأذن هي الصلة بين الإنسان والدنيا، فالله سبحانه حين أراد أن يجعل أهل الكهف ينامون مئات السنين، قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ
стр. 301
سِنِينَ عَدَدًا﴾ (الكهف: ١١)، ومن هنا عندما تعطَّل السمع، استطاعوا النوم مئات السنين دون أي إزعاج، ذلك أن ضجيج الحركة في النهار، يمنع الإنسان النوم العميق، وسكونها بالليل يجعله ينام نومًا عميقًا، وهي لا تنام ولا تغفل أبدًا.
على أن هناك شيئًا آخر نلاحظه، هو أن الله يأتي بكلمة ﴿السَّمْعَ﴾ مفردة دائمًا، وكلمة الأبصار مجموعة، يقول الله في سورة فصلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: ٢٢)، لماذا تأتي كلمة ﴿السَّمْعَ﴾ مفردة وكلمة ﴿وَالْبَصَرَ﴾ مجموعة، مع أنه يمكن أن يقول أسماعكم وأبصاركم، وكان من المنطقي أن يكون هناك سمع وبصر أو أسماع وأبصار، ولكن الله بهذا التعبير الدقيق، أراد أن يكشف لنا دقة القرآن الكريم، فالبصر حاسَّة يتحكم فيها الإنسان بإرادته، فأنا أستطيع أن أ ُ بصر ولا أ ُ بصر، وأستطيع أن أُغمض عيني عما لا أريد أن أراه أو أدير وجهي، أو أدير عيني بعيدًا عن الشيء الذي أريد أن أتجاهله، ولكن الأذن ليس لها اختيار في أن تسمع أو لا تسمع، فأنت في حجرة يتكلم فيها عشرة أشخاص، تصل أصواتهم جميعًا إلى أذنيك، سواء أردت أو لم ترد، أنت تستطيع أن تدير بصرك، فترى منهم من تريد أن تراه، ولا ترى مَن لا تريد رؤيته، ولكنك لا تستطيع أن تسمع ما تريد أن تسمعه، ولا تسمع ما لا تريد، قد تتجاهله وتحاول أن تبدو وكأنك لم تسمعه، ولكنه يصل إلى أذنيك، سواء أردت أو لم ترد.
إذًا فالأبصار تتعدد، أنا أرى هذا وأنت ترى هذا وثالث يرى هذا، إلى آخر تعدد الأبصار، وإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئًا، ولكن بالنسبة للسمع فنحن جميعًا، ما دمنا جالسين في مكان واحد، فكلنا نسمع نفس الشيء، ومن هنا اختلف البصر، ولكن توحَّد السمع؛ كل واحد له بصر ينظر به إلى المكان الذي
стр. 302
يريده، ولكننا كلنا نتوحَّد في السمع، حين نريد وما لا نريد أن نسمع، ومن هنا جاءت كلمة الأبصار، بينما توحَّدت كلمة السمع ولم تأت كلمة الأسماع، على أن الأذن مفضلة على العين؛ لأنها لا تنام، والشيء الذي لا ينام أرقى في الخلق من الشيء الذي ينام، فالأذن لا تنام أبدًا منذ ساعة الخلق؛ إنها تعمل منذ الدقيقة الأولى للحياة، بينما باقي أعضاء الجسم بعضها ينتظر أيامًا وبعضها ينتظر سنوات، والأذن لا تنام، فأنت حين تكون نائمًا تنام كل أعضاء جسمك، ولكن الأذن تبقى متيقظة، فإذا أحدث أحد صوتًا بجانبك وأنت نائم، قمت من النوم على الفور، ولكن إذا توقفت الأذن عن العمل؛ فإن ضجيج النهار وأصوات الناس، وكل ما يحدث في هذه الدنيا من ضجيج لا يوقظ النائم؛ لأن آلة الاستدعاء وهي الأذن معطلة.
كما أن الأذن هي آلة الاستدعاء يوم القيامة حين يُنفخ في الصور، والعين تحتاج إلى نور حتى ترى،؛ تنعكس الأشعة على الأشياء ثم تدخل إلى العين فترى، فإذا كانت الدنيا ظلامًا فإن العين لا ترى، ولكن الأذن تؤدِّي مهمتها في الليل والنهار، في الضوء والظلام، والإنسان متيقظ والإنسان نائم، فهي لا تنام أبدًا ولا تتوقف أبدًا.
ذكر السمع قبل البصر في القرآن الكريم والحديث الشريف
ذكر السمع قبل البصر في آيات خلق الإنسان في القرآن الكريم والحديث.
عظَّم الله حاسَّتي السمع والبصر، عندما وصف ذاته العليَّة في أول سورة الإسراء، فقال: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: ١)، وقد خصَّ الله تعالى هاتين الحاستين بالذكر، في العديد من آيات القرآن؛ لأنهما أدوات تلقي الإيمان وقبول الهداية، وقد تلقى كليم الله رسالته بحاسة السمع، وقد جاء ذكر السمع قبل البصر في العديد من آيات القرآن، ولكن في حالة سلب النعمة يوم الحساب - كما قال علماء الدين - يأتي ذكر البصر مقدمًا على السمع.
стр. 303
ومن هذا المنطق بدأت فكرة البحث، في مراحل النمو الجنيني، ولأن خلق السمع والبصر مقام إنشاء، فقد توقعت أن يرد ذكر السمع قبل البصر في آيات الخلق، وفعلًا جاء خلق السمع والبصر في خمس سور في القرآن الكريم، هي النحل آية ٧٨، المؤمنون آية ٧٨، السجدة من ٧ إلى ٩، الملك ٢٣، الإنسان ٢، وكلها جاء فيها ذكر السمع قبل البصر، وكذلك في الحديث الصحيح جاء ذكر السمع قبل البصر، وبالبحث في مراجع علم الأجنة، وجدنا أن المسميات التي وضعها العلماء الغربيون في القرن العشرين، ترجمتها الحرفية هي ما جاء في الحديث الصحيح، منذ أكثر من ١٤٢٣ سنة، فقد جاءت كلمة شق سمعه وبصره فائقة الإعجاز؛ لأن شق البصر يوجد في الأنبوبة العصبية قبل انغلاقها، ثم تبرز من الشق حويصلة البصر، أما شق السمع فإن الأذن الخارجية، تتكون حول شقٍّ في العنق يُسمى الشق الأول، ثم تنمو لأعلى حتى تحاذي العينين.
أما تصوير الوجه وتعديل وضع العينين، فجاء مصداقًا للحديث الشريف بعد اليوم الثاني والأربعين، لكي تتضح المعالم الآدمية ويتم نمو جهاز السمع؛ الأذن الخارجية والوسطى والداخلية في الحياة الجنينية، فتختفي السدادة الموجودة في قناة السمع الخارجية، وتتعظم العُظيمات الثلاثة الموجودة في الأذن الوسطى، وتتعظم قوقعة الأذن الداخلية، فتصبح كلها مثل عظام الشخص البالغ، وكذلك تتم إحاطة ألياف السمع العصبية إحاطة تامة، بغمد الميلين في الحياة الجنينية؛ وبذلك تصل حاسة السمع إلى تمام النضج الوظيفي قبل حاسة البصر؛ بحيث يسمع الجنين وهو في الرحم، ابتداء من الأسبوع الرابع والعشرين.
أما الإبصار فلا يتم في الحياة الجنينية؛ لأن الجنين في ظلمات ثلاث؛ من ظلمة جدار البطن وجدار الرحم والأغشية المحيطة بالجنين، ويكون الوليد ضعيف البصر. ولا يتم نمو البقعة الصفراء المسئولة عن الإبصار المركزي إلا في وجود
стр. 304
الضوء، وتُحاط ألياف العصب البصري إحاطة تامة، بغمد الميلين بعد ثلاثة أو أربعة شهور من الولادة، وتزيد شدة الإبصار تدريجيًّا، حتى تصل إلى خمس أبصار البالغ في ستة شهور، ولكن حاسة السمع تسود على حاسة البصر حتى هذا العمر.
أما ما يترتب على حاسة السمع فهو الكلام؛ لأن السمع نوع من الإحساس، يتم تحويله إلى لغة قبل أن يتم تخزينها في المخ، ولذلك فإن الطفل الذي لا يسمع لا يتكلم أبدًا، أما من يتكلم بلسان الأم، فمن السهل عليه بحاسة السمع أن يُحاكي لغات أخرى، وبدون أن يعلم كيف تكتب هذه اللغات.
- تفسير علمي لقصة أهل الكهف:
وافق مجلس جامعة عين شمس بالقاهرة، على ترشيح بحث يحاول فهم وبيان أوجه الإعجاز، في قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾، هذا البحث قام به الدكتور هشام محمد مهابة دكتوراه الصحة العامة، وأستاذ مشارك بكلية الطب جامعة عين شمس.
يذكر الباحث في البداية، أن القرآن الكريم الذي لا تنقطع عجائبه، ذكر قصة أهل الكهف،؛ ردًّا على بعض المشركين الذين سألوا النبي ﷺ عنها، اختبارًا له لتأكيد نبوته، وقد قصَّ قصتهم، ثم اختتمها بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٢)، وذلك لأن ما جاء الله به هو الحق، وأنه يغطي كل جوانب قصتهم، وأن ما يحاوله الباحث هو فهم حال أهل الكهف بعد لجوئهم إليه، وحتى بعثهم الله من رقودهم، وذلك من خلال تدبُّر قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾.
стр. 305
وتشير المراجع العلمية إلى أن التعرض للبرودة الشديدة، يؤدي إلى انخفاض كبير في درجة حرارة الإنسان، والشخص الذي انخفضت حرارته انخفاضًا كبيرًا، يصبح شبيهًا بالميت، إلا أنه يكون محميًّا إلى حدّ ما، من نقص الأكسجين وانخفاض ضغط الدم وفشل الدورة الدموية، وفي حالات عديدة فإن الشفاء التام، قد يحدث خاصة للشباب من هذه الحالات، ولهذا لا يجب اعتبار أي إنسان تعرض للبرودة الشديدة، وانخفضت درجة حرارته انخفاضًا شديدًا ميتًا، وذلك حتى يتم دفنه تمامًا، وإجراء الإسعافات اللازمة له، وقد أصبح اليوم لحفظ الأعضاء ضرورة كبيرة.
ويذكر الباحث أن قصة أهل الكهف هي دليل على البعث، وهي أيضًا دليل على قدرته جل شأنه، على حماية أوليائه من أي مكروه، وقد بدأت بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (الكهف: ٩)، وقد أجمعت كتب التفسير على أن معنى هذه الآية، لا تحسب أيها الرسول أن قصة أهل الكهف، هي أعجب آيات الله في خلقه، فهناك آيات من جنسها هي أعجب منها، فقد ذكر الله تعالى في سورة البقرة قصة مماثلة، هي قصة عزير ﵇، الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ومن الواضح أن بعث الله للعزير كان من الموت فالآيات صريحة.
ولو أن أهل الكهف كانوا نيامًا فقط لاحتاجوا إلى الماء والغذاء، ولأيقظتهم الحاجة إلى التبول بعد بضع ساعات، ولكن الله قد أوقف جميع الوظائف الحيوية، وأبقى الأجسام في صورة حياة، كما يتم حفظ الأعضاء اليوم، مثل ضغط الدم، والقرنية، والكلى، والكبد، والقلب، وغيرها، لحين زراعتها في أشخاص آخرين، وكذلك ما نراه اليوم من إمكانية حفظ الأجنة، وإلى عودة
стр. 306
الحياة لأشخاص دُفنوا تحت الجليد لعدة أيام، ثم عادت إليهم الحياة بعد تدفئتهم، خاصة لصغار السن، فيمكن بالتبريد وقف جميع عمليات الهدم، التي تتسبب في دمار الأنسجة.
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في السمع والبصر والفؤاد
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ذُكرت كلمة ﴿السَّمْعَ﴾ ومشتقاتها وتصاريفها في القرآن الكريم مائة وخمس وثمانون مرة، بينما وردت فيه كلمة ﴿الْبَصَرَ﴾ ومشتقاتها وتصاريفها مائة وثماني وأربعون مرة، وحيثما وردت كلمة السمع في القرآن الكريم، عنت دائمًا سماع الكلام والأصوات، وإدراك ما تنقله من معلومات؛ بينما لم تعنِ كلمة البصر رؤية الضوء والأجسام والصور بالعينين، إلا في ثماني وثمانين حالة فقط؛ إذ أنها دلت في باقي المرات، على التبصر العقلي والفكري في ظواهر الكون والحياة، أو فيما يتلقاه المرء ويسمعه من آيات وأقوال، وقد ترافقت كلمتا السمع والبصر في ثمانية وثلاثين آية كريمة.
كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: ٩)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٨)، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأحقاف: ٢٦)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ
стр. 307
قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (الملك: ٢٣)، وقال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١)، وقال تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (هود: ٢٠)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: ٢).
وقد وردت كلمة الصمم مترافقة مع كلمة العمى في ثماني آيات، سبقت في معظمها كلمة الصمم كلمة العمى، كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٣)، وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١)، وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (الفرقان: ٧٣).
ومن الملاحظ في هذه الآيات الكونية أن كلم ة السمع قد سبقت كلم ة البصر، وبلا استثناء، فلا بد وأن نتساءل هل لهذا السبق من دلالة خاصة، قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال وللوهلة الأولى، وعلى ضوء المعلومات الأولية التي نعرفها عن هذين الحسيين صعبة وعسيرة الفهم، فمن المعلوم فسيولوجيًّا وتشريحيًّا أن العصب البصري الواحد يحتوي على أكثر من مليون ليف عصبي، بينما لا يحتوي العصب السمعي إلا على ثلاثين ألف ليف فقط، كما أن من المعروف فسيولوجيًّا، أن ثُلثي عدد الأعصاب الحسية في الجسم هي أعصاب بصرية، ولا يرد إلى الجسم من مجموع المعلومات الحسية عن طريق الجهاز السمعي أكثر من ١٢%، بينما يرد إلى الجسم عن طريق الجهاز البصري، حوالي ٧٠% من مجموع المعلومات الحسية.
стр. 308
إذًا لماذا هذا التقدم بحاسة السمع، وإراده قبل حس البصر في كل الآيات تقريبًا، فلا بد وأن هناك سبب لم نعرفه بعدُ، ولكننا لو تبصرنا بالحقائق العلمية، التي عُرفت حديثا في علوم الأجنة والتشريح والفسيولوجي والطب، لتمكنا من إيجاد الأجوبة، ولاتضح لنا الإعجاز العلمي في هذه الآيات الكريمة. فمما عرفناه حتى الآن من هذه الحقائق:
١ - تتطور آلتا حسي السمع والبصر في وقت متزامن تقريبًا في الحياة الجنينية الأولى؛ إذ تظهر الصحيفة السمعية في أواخر الأسبوع الثالث، وهي أول مكونات آلة السمع، بينما تظهر الصحيفة البصرية في أول الأسبوع الرابع من حياة الجنين، وتتطور الأذن الداخلية للجنين من هذه الصحيفة السمعية؛ فيظهر في الأسبوع الرابع الكيس الغشائي لحلزون الأذن الذي ينمو طوليًّا ويلتف لفتين ونصف مكونًا الحلزون الكامل في الأسبوع الثامن، ثم تتم إحاطة الحلزون بغلاف غضروفي في الأسبوع الثامن عشر، وينمو هذا حتى يصل حجمه الحجم الطبيعي له عند البالغين في نهاية الأسبوع الحادي والعشرين، عندما ينمو فيه عضو الكردي، وهو عضو حس السمع، وتظهر فيه الخلايا الشعرية الحسية، التي تحاط بنهايات العصب السمعي.
وبذا تكون الأذن الداخلية قد نمت ونضجت، لتصل إلى حجمها الطبيعي عند البالغين، وأصبحت جاهزة للقيام بوظيفة السمع المخصصة لها، في الشهر الخامس من عمر الجنين، وهذا القسم من الأذن يتمكن منفردًا من التحسس للأصوات، ونقل إشاراتها إلى الدماغ؛ لإدراكها دون أية ضرورة لمساهمة الأذنين الوسطى والخارجية من الأديم الظاهر، والأذن الوسطى من الأديم المتوسط، فتتولَّد عُظيمات وعضلات الأذن الوسطى، وبوق وغشاء الطبلة
стр. 309
والصماغ السمعي الخارجي خلال الأسابيع من عشرة إلى عشرين، ثم يتم اتصالها بالأذن الداخلية في الأسبوع الحادي والعشرين.
أما العين فلا يتمُّ تكامل طبقتها الشبكية الحساسة للضوء، إلا بعد الأسبوع الخامس والعشرين، ولا تتغطى ألياف العصب البصري بالطبقة النخاعية، لتتمكن من نقل الإشارات العصبية البصرية بكفاءة، إلا بعد عشرة أسابيع من ولادة الجنين، كما يبقى جفنا عيني الجنين مغلقين، حتى الأسبوع السادس والعشرين من الحياة الجنينية.
يتضح مما تقدَّم أن الأذن الداخلية للجنين، تنضج وتصبح قادرة على السمع في الشهر الخامس، بينما لا تفتح العين ولا تتطور طبقاتها الحساسة للضوء إلا في الشهر السابع، وحتى عند ذلك لن يكون العصب البصري مكتملًا؛ لينقل الإشارات العصبية الضوئية بكفاءة، ولن تبصر العين؛ لأنها غارقة في ظلمات ثلاثة.
السمع والبصر:
لقد ثبت علميًّا أن الأذن الداخلية للجنين، تتحسس للأصوات في الشهر الخامس، ويسمع الجنين أصوات حركات أمعاء وقلب أمه، وتتولد نتيجة هذا السمع إشارات عصبية سمعية، في الأذن الداخلية، والعصب السمعي والمنطقة السمعية في المخ، يمكن تسجيلها بآلات التسجيل المختبرية، وهذا برهان علمي، يُثبت سماع الجنين للأصوات، في هذه المرحلة المبكرة من عمره، ولم تُسجل مثل هذه الإشارات العصبية، في الجهاز البصري للجنين إلا بعد ولادته.
стр. 310
كما أن من المهم أن نعرف، أن الأصوات تصل إلى الأذن الداخلية عادة عن طريقين، الطريق الأول: هو طريق الأذن الخارجية ثم الوسطى، والمملو ءا ن بالهواء في الإنسان الطبيعي. الطريق الثاني: هو طريق عظام الجمجمة، فالاهتزازات الصوتية تنتقل بالطريقة الأولى بواسطة الهواء، وتنتقل بالطريقة الثانية بواسطة عظام الجمجمة، وهي ناقلة جيدة للأصوات، ولكن الأذن الخارجية للجنين مملوءة ببعض الألياف وبسائل السلا، ولكن من السوائل هي الأخرى ناقلة جيدة للأصوات، فعند غمر رءوسنا بالماء عند السباحة، نتمكن من سماع الأصوات جيدًا.
من ذلك يتضح أن الجنين يمكنه أن يسمع الأصوات، التي قد تصل إلى أذنيه الداخلية، إما عن طريق الجمجمة، أو عن طريق الأذن الخارجية المملوءة بسائل السلا والأنسجة من الناحية الأخرى، لا يتمكن الجنين من أن يُبصر خلال حياته الجنينية، لا لظلام محيطه فقط، بل لانسداد أجفانه، وعدم نضوج شبكية عينيه، وعدم اكتمال العصب البصري حتى وقت متأخر من حياته الجنينية.
- اكتمال حاستي السمع والبصر:
يمكن للجنين أن يسمع الأصوات بالطريقة الطبيعية بعد بضعة أيام من ولادته، بعد أن تمتصَّ كل السوائل وفضلات الأنسجة المتبقية في أذنه الوسطى والمحيطة بعظيماتها، ثم يصبح السمع حادًّا بعد أيام قلائل من ولادة الطفل. ومن الملاحظ أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يبدأ بسماع الأصوات وهو في رحم أمه، فجميع الحيوانات لا تبدأ بسماع الأصوات إلا بعد ولادتها بفترة، وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح ذلك:
стр. 311
فالإنسان يسمع الأصوات قبل ولادته، بأكثر من ست ة عشر أسبوعًا، وخنزير غينيا بعد ولادته بحوالي خمسة إلى ست ساعات، والقط يسمعها بعد ولادته بحوالي خمسة إلى ستة أيام، والأرنب يسمعها بعد ولادته بسبعة أيام، والكلب يسمعها بعد ولادته بعشرة أيام.
أما حاسة البصر فهي ضعيفة جدًّا عند الولادة؛ إذ تكاد أن تكون معدومة، ويصعب على الوليد تمييز الضوء من الظلام، ولا يرى إلا صورًا مشوَّشة للمرئيات، وتتحرك عيناه دون أن يتمكن من تركيز بصره وتثبيته على الجسم المنظور، ولكنه يبدأ في الشهر الثالث أو الشهر الرابع، تمييز شكل أمه أو قنينة حليبه وتتبُّع حركاتهما، وعند الشهر السادس يتمكن من تفريق وجوه الأشخاص، إلا أن الوليد في هذا السن يكون بعيد البصر، ثم يستمر بصره على النمو والتطور حتى السنة العاشرة من عمره.
- تطور المناطق السمعية والبصرية المخية:
لقد ثبت الآن أن المنطقة السمعية المخية تتطور وتتكامل وظائفها قبل مثيلتها البصرية، وقد أمكن تسجيل إشارات عصبية سمعية من المنطقة السمعية لقشرة المخ عند تنبيه الجنين بمنبه صوتي في بداية الشهر الجنيني الخامس، وتحفز الأصوات التي يسمعها الجنين خلال النصف الثاني من حياته الجنينية، هذه المنطقة السمعية لتنمو وتتطور وتتكامل عضويًّا ووظائفيًّا، ومن الناحية الأخرى لا تنبه المنطقة البصرية للمخ، في هذه الفترة بأي منبهات، ولذلك فهي لا تتطور كثيرًا ولا تنضج ولا تتكامل، فمن المعلوم فسيولوجيا أن المنبهات النوعية التي ترد أيَّ طريق عصبي حسي، تحفزه على النمو والنضوج، وبهذه الطريقة يحفز
стр. 312
الجهاز العصبي على النمو منذ الشهر الخامس الجنيني، ولا يحفز الجهاز البصري بمثل ذلك إلا بعد ولادة الوليد.
ولهذه الأسباب يتعلم الطفل المعلومات الصوتية في أوائل حياته قبل تعلُّمه المعلومات البصرية، ويتعلمها ويحفظها أسرع بكثير من تعلمه المعلومات المرئية، فهو مثلًا يفهم الكلام الذي يسمعه ويدركه ويعيه، أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها، ويحفظ الأغاني والأناشيد بسرعة، ويتمكَّن من تعلم النطق في وقت مبكر جدًّا، بالنسبة لتعلمه القراءة والكتابة، وكل ذلك لأن مناطق دماغه السمعية نضجت قبل مناطقه البصرية، قال تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٢).
وإلى هنا وصلنا إلى نهاية دروس مادة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.