← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31080

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (312 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

هكذا تعمل هذه الرائحة المميزة بمثابة كلمة السر، أو بطاقة الهوية لهذه الخلية، فإذا دخلت نحلة غريبة عن الخلية كان من السهل على العاملات المسئولات عن الحراسة أن يكتشفن وجودها، وعلى التوِّ يهاجمنها ويطردنها. وللنحل قدرات واضحة على تذوُّق الرحيق والمواد السائلة الأخرى، ولديه القدرة على الإبصار ويميز بين البياض والسواد وبين بعض الألوان، وخصوصًا بين اللونين الأزرق والأصفر، ويستطيع أن يبصر ما لا يبصره الإنسان مثل بصر الأشعة فوق البنفسجية، وهكذا بالشم والتذوق والإبصار تستطيع شغالات النحل أن تُزاول أعمالها النشطة بين عالم الأزهار الذي تعشقه وتحبه، فتزوره مرات ومرات كل يوم في الأيام الدفيئة الوادعة. لكن ماذا يجري للنحلة الشغالة عندما تخرج من بيتها للمرة الأولى في حياتها، حيث تخرج للبحث عن الرزق؛ إنها قبل أن تُغادر موقع البيت في الخلية تستدير إليه، وتقف، وتحلّق أمامه فترة، وكأنها تُشعر نفسها بأنها سوف لا تستطيع أن تعود إلى هذا البيت، فهي تقف وتستدير وتُحلق أمامه حتى ينطبع في ذاكرتها، ثم هي بعد ذلك تطير من حوله في دوائر تأخذ في الاتساع شيئًا فشيئًا، وإضافة إلى هذه الحيطة، فإنها لا تبتعد كثيرًا عن بيتها في هذه الرحلة الأولى، بل تعمد إلى الطيران القريب من المنطقة المتاخمة للخلية. ولقد أثارت معرفة الطرق التي تسلكها شغالات النحل في رحلات الذهاب والإياب عقول الناس منذ سنوات بعيدة، وحاول العلماء أن يفسِّروا هذا الأمر، ويقترحوا له الاقتراحات، وكان من أشهر العلماء كارلثون فريتش الذي قضى كل عمره أو معظم عمره يجري تجارب وبحوثًا لفك ألغاز، وأسرار مسارات النحل، ومعرفة اللغات التي تتفهَّم أفراده مع بعضها بواسطتها، ومن أجل ذلك

стр. 247

نال جائزة نوبل عام ١٩٧٣، وقد اكتشف فريتش وتلامذته خلال بحوثهم، ومحاولاتهم، وتجاربهم أن شغالات النحل الاستكشافية تستطيع أن تُخبر زميلاتها في الخلية بالأخبار الآتية: ١ - وجود أزهار مرغوبة في حقل محدد. ٢ - تحديد المسافة بين موقع الخلية وموضع هذه الأزهار. ٣ - نوع الأزهار المقصودة. ٤ - اتجاه الطيران للوصول إلى ذلك الموقع. واستخلص فريتش ومساعدوه أن هناك نوعين من الحركات تؤديهما الشغالات بعد عودتهنَّ من الرحلات الاستكشافية، هما: الرقص الدائري، والرقص الاهتزازي، هذا كان فريتش في بحوثه الأولى في العشرينات، يعتقد بأهمية الروائح في اهتداء النحل إلى غذائه في رحلات جني الرحيق، وهي الروائح التي يشمها من شقيقاته المستكشفات، لكنه عدل عن هذا الرأي في الأربعينات إلى أهمية لغة الرقص، وتقوم الشغالات بأداء الرقص الدائري في الخلية إذا كانت المسافة بين موضع الرحيق، وبين موضع الخلية لا يتجاوز خمسين مترًا، تدخل الشغالات الخلية، فتفرغ حمولتها من حبوب اللقاح، ثم تقف على أحد الأقراص الشمعية، وتبدأ في الدوران حول نفسها في دائرة ضيقة مغيرة اتجاهها بثبات، فتدور إلى اليمين تارة، وتارة أخرى إلى اليسار راقصة في اتجاه عقرب الساعة، وفي اتجاه معاكس في تتابع سريع، فترسم بذلك دائرة، أو دائرتين في كل اتجاه، وذلك وسط ضجيج صاخب في الخلية حيث يتراص النحل وراءها، محاولًا أن يلمس بطنها بقرون استشعاره، آخذًا في أداء حركات الرقص معها،

стр. 248

فتبدو هذه النحلة الراقصة الأولى كما لو كانت تجرُّ خلفها ذيلًا طويلًا من النحل المتحرك حركة مستمرة. ويدوم هذا الرقص الجماعي ثوانٍ، أو قد يصل إلى دقيقة كاملة، وأخيرًا تنسلُّ من أخواتها وتصل إلى فتحة الخلية؛ لتخرج وتذهب في رحلة جديدة بحثًا عن الغذاء. وفي لحظات تقوم الشغالات اللاتي كنَّ يُتابعن أختهنَّ الراقصة تلك بالتوجه نحو فتحة الدخول، ومغادرة الخلية جميعًا نحو موضع الغذاء المحدد. وهناك نوع آخر من الرقص رصده فريتش ومساعدوه، وهو الرقص الاهتزازي، واستخلصوا في نتائج تجاربهم أنه النوع الذي به تبلغ النحلة الشغالة عن تقدير المسافة بين الخلية ومصدر الغذاء، وخصوصًا المسافات البعيدة التي تزيد عن خمسين مترًا، فتدخل الشغالة من فتحة الخلية وتقف وسط أخواتها على قرص الشمع، وتسير مسافة قصيرة في خطٍّ مستقيم، وتحرك بطنها بسرعة من جانب لآخر، ثم تتحرك في قوس إلى اليسار، ثم في خط مستقيم ثانية، ثم تتحرك في قوس إلى اليمين. ولقد اكتشف الباحثون أن هنالك ارتباط بين عدد اللفات الكاملة أثناء هذا الرقص الاهتزازي، وبين تحديد المسافة المطلوبة، فإذا كانت المسافة ١٠٠ متر كان عدد الرقصات من ٩ إلى ١٠ لفات كل ١٥ ثانية، وإذا كانت ٢٠٠ متر كان عدد الرقصات ٧ لفات كل ١٥ ثانية، وإذا كانت المسافة كيلو مترًا واحدًا يتناقص عدد اللفات إلى ٤.٥ لفات كل ١٥ ثانية، وإذا كانت المسافة ٦ كيلو مترات يكون عدد اللفات لفتين فقط.

стр. 249

ولاحظ فريتش ومساعدوه خلال مراقبة الرقص الاهتزازي لشغالات النحل أن الواحدة منهنَّ تُغيِّر اتجاه الجزء المستقيم من الرقص مع تقدم النهار، فاستدلوا بذلك أن موضع الشمس في السماء له أثر في هذا السلوك على النحو التالي: إذا كان موضع الغذاء في اتجاه الشمس بالنسبة لبيت النحل كان اتجاه مسار الجزء المستقيم من الرقصة إلى أعلى، وإذا كان موضع الغذاء في الاتجاه المضادّ للشمس لبيت النحل؛ كان اتجاه مسار الجزء المستقيم من الرقصة إلى أسفل، وإذا كان موضع الغذاء منحرفًا عن اتجاه الشمس بالنسبة لبيت النحل؛ فإن النحلة تنحرف من الجزء المستقيم في رقصتها عن الخط العمودي بزاوية تساوي الزاوية الواقعة بين خط مرسوم بين الخلية والشمس، وخط آخر بين الخلية والغذاء، وأما الخلط بين الخلية والشمس فيُعبَّر عنه خط الجاذبية الأرضية. وإذا كان اليوم غائمًا والشمس محتجبة، أو أن شغالات النحل تسرح في الفترة المتأخرة من النهار حيث الضوء الضعيف؛ فإن النحل يستطيع أن يهتدي بالمساحات الصافية من السماء في هذا الموضوع، وذلك لأن عين النحلة قادرة على تحديد مواضع الأجسام المضيئة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 250

الدرس: ١٩ تابع: شرح قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل ... ﴾.

стр. 251

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (تابع: شرح قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... ﴾) عسل النحل، وغذاء الملكات، وشمع النحل، والعَكْبَر أو صمغ النحل الحمد الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: شرحنا بعض أجزاء من قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٦٨، ٦٩). إ ن أهم أنواع الشراب الخارج من بطون النحل هو عسل النحل، والعسل سائل يدخل في تركيبه أكثر من سبعين مادة مختلفة، ويعتبر مصدرًا للمواد السكرية على مدى آلاف السنين، ونظير العسل يخرج من بطن النحلة سوائل أخرى يصدق عليها الوصف أنها شراب وذات قيمة غذ ائية وطبية ترجع لنوع النبات أساسًا، وتتباين خواص العسل تبعًا لما يلي: أنواع الأزهار والأشجار التي يجمع النحل منها الرحيق، الإقليم من الأرض الذي تقع فيه هذه النباتات، سلالة النحل، الظروف الجوية السائدة أيام جمع الرحيق، ويختلف لون العسل تبعًا لنوع الأزهار التي أخذت النحلة منها الرحيق، وينسب العسل في هذه الحالة إلى اسم النبات فيقال مثلًا: عسل البرسيم الحجازي، وقد يكون عديم اللون، وقد يكون أحمر مصفر، أو عنبري اللون، فعسل التفاح لونه أصفر باهت، وعسل الأقرطيون لونه زيتوني غامق، وعسل كرمب السلجم لونه أخضر مصفر، وعسل الهندباء لونه أصفر ذهبي، وعسل الخلنج لونه أصفر داكن أو أحمر بني، وعسل الحنطة السوداء لونه أصفر داكن مع صبغات حمراء إلى بني داكن، وعسل الزيزفون لونه شفاف أو أسمر أو أصفر أو أصفر فاتح أو أخضر، وعسل شجرة الغبيراء لونه أحمر.

стр. 252

غذاء الملكات: سائل أبيض اللون يسمى أيضًا لبن النحل؛ لأنه يشبه اللبن الكثيف أو القشدة، وتنتجه فتيات النحل؛ أي الشغالات الشاب ة من أجل إطعام الملكة وبعض اليرقات الصغيرة، وإذا غذيت به اليرقة طيلة عمرها ستة أيام نشأت ملكة طويلة الجسد رشيقة القوام ومبايضها خصيبة كاملة، أما إذا غذيت اليرقة به ثلاثة أيام فقط وغذيت في الأيام الثلاثة الباقية بخبز النحل الذي هو حبوب اللقاح المعجونة بالعسل؛ فإنها تنشأ شغالات عقيمة مبايضها ضامرة، ويحدث هذا كذلك بالنسبة للذكور، ولكن الذكور تنشأ من بيض غير ملقح، فهي تنال نظامًا غذائي ًّ اكالشغالات قبل تحولها إلى حشرات يافعة. والغذاء الملكي سريع التلف، ويتأثر بدرجة الحرارة والضوء والهواء، ويتدهور بسرعة في درجة الحرارة العادية، وبعد عدة أسابيع يصبح لونه مصفرًا أو بني ًّ ابرائحة قوية نتيجة لتحلل البروتين الذي يحتويه، وتزيد سرعة التحلل بزيادة الرطوبة الجوية التي تساعد على تكاثر جراثيم العسل. شمع النحل: شمع النحل سائل قبل أن يتعرض للهواء؛ فإذا تعرض له جف، وهو المادة المعروفة منذ القدم، واستعملها الناس في أغراض شتى؛ سواء كانت أغراضًا عقائدية أو أغراضًا معيشية. أما بالنسبة للنحل؛ فالشمع هو المادة الأساسية لاستقرار مجتمع النحل بالخلية، إضافة إلى عناصر أخرى كضرورة وجود الملكة ووجود الشغالات؛ فطالما توجد أقراص الشمع في الخلية ت ظ ل هذه الخلية تزاول حياتها دون اضطراب أو هرج.

стр. 253

العَكْبَر أو صمغ النحل: العكبر أحد منتجات النحل تجمعه من صمغ الأشجار، وتقوم بمزجه بلعابها وبشيء من الشمع، فتخرج مادة فيها دواء وشفاء، ويجمع النحل هذا العكبر من لحاء القشور والبراعم الزهرية لعدة نباتات؛ منها: أشجار البلوط والحور والصنوبر وغيرها. أما تركيبه الكيميائي فهو معقد جد ًّ ا؛ إذ يحتوي على أكثر من ٣٠٠ مركب اكتشف حتى الآن، ويتكون العكبر إجمالًا من ٥٥ % من المواد الراتنجية، ٣٠ % من الشمع، ١٠ % من مركبات متنوعة زيوت عطرية، ٥%من حبوب التمر. العكبر مضاد للجراثيم: أظهرت الدراسات العلمية بجلاء خواص العكبر الفعالة المثبطة لجرثوم المكورات العنقودية؛ وهي من الجراثيم الشائعة التي تصيب الإنسان، كما أكدت أن استعماله مع المضادات الحيوية الأخرى يزيد من نشاط وفعالية تلك المضادات الحيوية، كما أثبتت الأبحاث أيضًا أنه مضاد للفطور حيث يحتوي العكبر على مواد لا يقل تأثيرها الفعال في مقاومة الفطور عن أحدث الأدوية المتوفرة لدى الأطباء حاليًا. كما تبين أن للعكبر تأثيرًا مضادًا على مرض السرطان؛ وقاية ً وعلاجًا إذ يحتوي على الفلافيو مويدات والأحماض الدهنية والأحماض العطرية، وإسترات هذه الأحماض، ويعزو لهذه الفلافيو مويدات التأثير المثبط للخلايا السرطانية، كما وجد أن له تأثيرًا في الوقاية من العقم وأمراض العيون. ويعزو الباحثون تلك الفوائد إلى خواص العكبر المضادة للأكسدة، والمعروف أن مضادات الأكسدة تقوم بفعل يمكن أن يقي الجسم من تصلب الشرايين والسرطان والهرم؛ يعني الشيخوخة وغيرها.

стр. 254

ويدخل العكبر الآن في كثير من المستحضرات الجلدية؛ مثل: مستحضرات التجميل والدهونات والمراهم والشامبو ومعاجين الأسنان وغيرها. وبعد؛ أليس عجيبًا أن يخرج من بطون النحل خمس مواد مختلفة فيها شفاء للإنسان؛ إنه صنع الله الذي أتقن كل شيء. وجه الإعجاز في الآيتين الكريمتين وجه الإعجاز: لفت القرآن الكريم بهذا نظر البشرية إلى قدرة النحل على معرفة الطريق نحو الغذاء بوسائل تفاهم جماعي، ومما عرفناه من ذلك وسيلة رقص النحلة لتتحرك بزوايا خاصة يدرك بها من حولها موضع الغذاء، ويتفق الخطاب بالتأنيث ﴿اتَّخِذِي﴾ ﴿كُلِي﴾ ﴿فَاسْلُكِي﴾ ﴿بُطُونِهَا﴾ مع المعرفة الحديثة؛ ل أن الذي يقوم بالبحث وجلب الغذاء هي الشغالة وليس الذكر، والسائد عند الناس أنها تتغذى على رحيق الأزهار، ولكن القرآن الكريم لم يقل: اشربي، بل يخالف السائد ويعبر بتعبير معجز يتفق مع الحقيقة التي كشفها العلم الحديث من تغذي النحل على حبوب اللقاح أساسًا بلفظ ﴿كُلِي﴾، وجعل ما تتغذى عليه أساسًا لصنع الثمار فعبر عنه كأصل للثمار بعبارة ﴿كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. ويرجع القرآن الكريم كافة أنواع ذلك العسل الذي اعتاد الناس منذ القدم اتخاذه علاجًا لأمراض وأحوال طبية مختلفة إلى أنواع النبات أساسًا بتعبير ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.

стр. 255

الإعجاز في النص الكريم ذو مناح عديدة؛ وأهم مسألتين هما: المسألة الأولى: قوله - جل وعلا -: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ فقد سبق القرآن العلم في لفت أنظار البشرية إلى قدرة النحل على سلوك الطرق، وحث العلماء على البحث في ذلك، فاكتشفوا تفرد النحل بالنظام المعلوماتي الذي ييسر له شق الطرق البعيدة بسهولة ويسر، وهكذا تأكد للكافة أن كلمة القرآن هي الحق ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾؛ أي ميسرة سهلة على النحل بما زوده الله من نظام دقيق للمعلومات، وقدرة فائقة على تحديد المكان المطلوب الوصول إليه، وربما لا يتوفر لأنواع أخرى من الحشرات. المسألة الثانية: قوله - جل وعلا -: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ ظل كثير من الناس لا يعرف من منتجات النحل سوى العسل فقط؛ لذلك انصرف فهمهم من الآية إلى العسل وقالوا: بأن الشراب المقصود هنا هو العسل، ولكن العلم الحديث يوضح أن هناك أنواع ًا وأنماطًا من الشراب بالإضافة إلى العسل، والقارئ للآية القرآنية بلغتها العربية يعرف أن لفظة شراب جاءت نكرة؛ أي غير معرفة ب ـ" أل " ويدل هذا على إطلاق المعنى على كل ما هو شراب أو سائل يخرج من النحل. إذًا فاللفظة الواردة في هذه الآية ذات مدلولات كثيرة وليس مدلولًا واحدًا، وشراب النحل يخرج من منطقة البطن التي توجد بها حوصلة العسل وغدد إنتاج مواد أخرى، وأما التعبير ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ فيعني أن هذا الشراب له ألوان مختلفة، وقد فهم الناس قديمًا أن الألوان المختلفة تعني ألوان العسل وهذا فهم صائب، لكن اللغة العربية غنية بمكوناتها، ومن هذه المكونات المعاني المجازية للفظ فالألوان في اللغة العربية قد تعني الأنماط والأشكال، وذلك إضافة إلى معناها الصريح المباشر.

стр. 256

أهم ال نتائج: تمكن العلماء في العصر الحديث من اكتشاف أن النحل مختلف الأنماط والأشكال، وأشار القرآن في حديثه عن النحل أنها تسلك سبلا م ع ينة حيث قال: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ وقد أثبت العلماء بإعجاب ودهشة أن النحل أمة منظمة، كما أنها مسيرة إلى نظام من المعلومات يعينها على اجتياز الآفاق من حولها، ثم العودة ثانيًا إلى خليتها وفق أنظمة محكمة وقوانين دقيقة تؤدى في مهارة ودقة مما يتوافق مع إشارة القرآن الكريم المعجزة. لقد عبر القرآن في حديثه عن غذاء النحل بقوله: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ولم يقل: اشربي وهذا يخالف السائد؛ وهو أن النحل يتغذى على رحيق الأزهار، وقد تجلت دقة التعبير القرآني في العصر الحديث حيث ثبت أن النحل يتغذى على حبوب اللقاح التي هي أصل لكل الثمار. أيضًا يتجلى الإعجاز القرآني في حديثه عن النحل في قوله أيضًا: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ في نقطتين: الأول: أن شراب النحل يخرج من منطقة البطن التي توجد بها حويصلة العسل وغدد إنتاج مواد أخرى. الثانية: أن النحل يخرج أشربة أخرى غير عسل النحل، وهذا ما يشير إليه لفظ ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ وقد اكتشف العلماء أهم أنواع الشراب الخارجي من بطون النحل وهي: ١ - غذاء الملكات. ٢ - الشمع. ٣ - العكبر. ٤ - عسل النحل.

стр. 257

أهم مكونات النحل هو العسل؛ لأن الله يقول: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ فإن الذي يخرج من النحل الذي أهم شيء هو العسل، لكن الحقيقة أن منتجات النحلة ليس فقط العسل، صحيح أن العسل أهمها قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ العسل، الشمع، شمع العسل، الكعبر، ثم الرحيق، رحيق اللقاح، ثم أيضًا سم النحل، كل هذه لها فوائد طبية ثبتت في العلم التجريبي الحالي. حتى سم النحل؛ نعم سم النحل يفيد لعلاج التهاب المفاصل المزمن، وهناك دراسات كثيرة في فائدته في كثير من أمراض الروماتيزم، والذي يهمنا العسل؛ فإذًا هو شفاء للناس، وللآن لم تكتشف بعض أسرار العسل؛ فهو إضافة لكونه غذاء فهو شفاء، فالباري قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني هو كدواء فيه شفاء. ولقد ذكر القرآن الكريم كلمة الشفاء في القرآن عدة مرات في مواضع كثيرة؛ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: ٨٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (فصلت: ٤٤)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: ٥٧)، هذه شفاء نفسي إيماني روحاني قد يتحول إلى مادي أيضًا، ولكن في قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ في قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ هذه الآية صريحة كعلاج ودواء إضافة إلى أنه ك غذ اء. قال ابن القيم ﵀: "والعسل فيه منافع عظيمة؛ فإنه جلاء للأوساخ التي في العرو ق والأمعاء وغيرها، محلل للرطوبات أكلًا وطلاءً، نافعًا للمشايخ وأصحاب البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا هو مغذ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منق للكبد

стр. 258

والصدر، مدر للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شرب حارًا بدهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجًا بماء نقع من عضة الكلب وأكل الفطر القتال، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان، ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين. وإذا لط خ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصيبانه وطول الشعر ويحسِّن الشعر، وإن اكتحل به جلى ظلمة البصر، وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق ويدر الطمث، ولعقه على الريق يذهب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقل ضررًا لسدد الكبد والطحال من كل حلو، وهو مع هذا كله مأمون الغائلة قليل المضار مضر بالعرض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذٍ نافعًا له جيدًا. العسل شفاء للناس: الله يقول في كتابه العزيز: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ وقد أكدت الأبحاث العلمية الحديثة فوائد العسل في عدد من المجلات، ومن أحدث هذه الأبحاث تلك التي قام بها أستاذ جامعي في جامعة نيوزيلندا يدعى البروفيسور " بيتر م ولان " وقد قضى وزملا ؤ هـ في مخابر البحث ثمانية عشر عامًا في تجاربهم العملية على العسل، وخرجوا بأكثر من خمسة عشر بحثًا علمي ًّ انشرت في أشهر المجلات الطبية في العالم، ونشر آخرها في شهر أبريل سنة ٢٠٠١. هذا عالم غير مسلم، وربما لم يعلم بما جاء في القرآن الكريم يقضي ثمانية عشر عامًا في البحث العلمي ليثبث فوائد العسل في علاج الجروح والقروح وغيرها،

стр. 259

وتسخر له الإمكانيات المادية للخروج بتلك الأبحاث، وهي على ما أعتقد من أكثر الأبحاث العلمية التي أجريت على العسل دقة وموضوعية، وهو الآن يحاضر في الجامعات الأمر ي كية حول العسل، ويستمع إليه المتخصصون بدهشة بعد أن كانت أمر ي كا وأوروبا الغربية تتجاهل البحث في العسل، فكانت خلال العشرين سنة الماضية أبحاث قليلة متفرقة هنا وهناك؛ إلا أن هذا البحث النيوزيلندي قام بخدمات جليلة، وبخدمات ربما من حيث لا يدري لإظهار الإعجاز القرآني في موضوع العسل، يقول البروفيسور "مولان": " إ ن كل أنواع العسل تعمل في قتل الجراثيم رغم أن بعضها قد يكون أكثر فعالية من غيرها، وإن العسل يقضي على تلك الجراثيم الموجودة في الجروح". وفي دراسة أخرى قدمت في شهر نوفمبر في مجلة في أورلاندو في ٤/ ٤/٢٠٠١ استخدم العسل كمصدر للسكريات أثناء التمارين الرياضية في مسابقة ركوب الدراجات، وقد زاد تناول العسل من قدرة التحمل على ركوب الدراجات بنسبة ٦%، وبالطبع فإن هذه الفروق البسيطة لها أهمية كبرى في السباقات الرياضية. وهناك حديث رواه البخاري ومسلم، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ((إن أخي استطلق بطنه - يعني عنده إسهال - فقال رسول الله ﷺ : اسقه عسلًا فسقاه ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلًا فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال ﷺ : اسقه عسلًا فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله ﷺ : صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فبرأ)). فقد نشرت مجلة بي إن جي الإنجليزية الشهيرة دراسة على ١٦٩ طفلًا مصابًا بالتهاب المعدة والأمعاء، وجد الباحثون أن الإسهال الناجم عن التهاب المعدة والأمعاء استمر ٩٣ ساعة عند الذين لم يشربوا العسل، في حين شفى الله الذين

стр. 260

أعطوا العسل في وقت أقصر. وهناك أيضًا دراسات تشير إلى فائدة العسل في شفاء تخريشات المعدة عند الفئران حيث أعطى الخمر للفئران لإحداث تخريشات في معدة الفئران، وتبين أن الفئة التي أعطيت العسل قلت عندها نسبة حدوث التخريشات. أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ بالنسبة لعسل النحل معظم الناس يعرفون أن العسل الذي يصنعه النحل هو من مادة غذائية أساسية ومهمة لجسم الإنسان، ولكن هناك القليل من الناس الذين يعرفون المميزات ال استثنائية لهذه الحشرة النحل ال ت ي تقوم بصنع هذه المادة المهمة، إن المادة الغذائية الأساسية للنحل - كما تعرفون - هي رحيق الأزهار، ولكن من المعروف في فصل الشتاء لا يمكن الحصول على رحيق الأزهار، ولهذا السبب فإن ما يجمعونه من رحيق الزهر وبمساعدة إنزيم خاص داخل جسمه يستطيعون تحويل رحيق الزهر إلى العسل ويقومون بخزنها. وهنا يمكن أن نلاحظ شيئًا، وهو أن النحل تقوم بخزن عسل أكثر مما تحتاج إليه، ومن الطبيعي أن أول سؤال يتبادر إلى الذهن بالنسبة إلى النحل هو إضاعة الزمن والطاقة في إنتاجها للعسل بدون أن تحتاج إليها، لماذا لا تقلع عن صنع العسل الزائد عن حاجتها؟ وجواب هذا السؤال هو التعليم الوحي المخفي الذي وراءه كل ذلك، إن سبب خلق النحل ليس فقط هو صناعة العسل لذاته م، بل تصنعه للإنسان؛ يعني أن النحل أيضًا مثل سائر المخلوقات التي تعيش على الأرض خلقت ليستفيد الإنسان منه؛ مثلًا لو أخذنا الدجاج ف إنها لا تفيد نفسها، بل إنها

стр. 261

كل يوم تقوم بوضع البيض، والبقرة التي تعطي الحليب الزائد عن حاجة صغارها. النظام الكامل داخل الخلية: معيشة النحل وصناعتها للعسل داخل الخلية تحتوي على معلومات في غاية العجب؛ إن الإنسان الخاص ة للنحل من حيث معيشتهم الاجتماعية ودون أن ندخل في التفاصيل الدقيقة؛ أنه يجب على كل نحلة أن تقوم ب أداء أكثر من عمل واحد، وهذه الأعمال التي تستطيع أن تقوم بها بشكل منتظم؛ هي التهوية وتنظيم درجة الرطوبة، إن خاصية المقاومة الموجودة في العسل جاءت من بقايا درجة الرطوبة ثابتة داخل الخلية، وفي حال التخلل هذه الدرجة فإن العسل تفقد ميزة مقاومتها وكونها مادة غذائية؛ أي بمعنى آخر أنها تفسد، وكذلك بالنسبة لدرجة الحرارة؛ فإ نها يجب أن تكون ٣٢٠ درجة، وتبقى هكذا لمدة عشرة شهور، ول بقاء درجة الحرارة والرطوبة ثابتة في الخلية؛ فإن هناك مجموعة من النحل تقوم بعمل كمراوح؛ ففي الأيام الحارة نستطيع أن نلاحظ ذلك بسهولة؛ ففي مدخل الخلية ت وجد عدد كبير من النحل التي تقوم عادة بتهوية الخلية بواسطة أجنحتها، وبالإضافة إلى ذلك ففي داخل الخلية أيضا ت وجد نحل ت قوم بنفس العمل وغايتها هو توزيع الهواء الداخل في الخلية، وهناك فائدة أخرى للتهوية وهي للمحافظة على نقاء هواء الخلية من الدخان والهواء الفاسد غير النظيف. النظام الصحي: إن عمل النحل ليس ت مقتصرًا على المحافظة على درجة الحرارة والرطوبة وتهوية الخلية من أجل المحافظة على نقاء العسل ولعدم فسادها؛ فإنها تقوم بأخذ كافة

стр. 262

مسببات تكاثر البكتيريا تحت سيطرتها فتقوم بعملها كوحدة صحية متكاملة، إن أول هدفها هو محو كافة هذه المسببات التي من المحتمل أن يتكون منها البكتيريا، فالنظام الصحي مبد ؤ ها الأساسي هو عدم السماح بدخول الأجسام الغريبة أو إبعادها من الخلية، ولهذا السبب يوجد دائمًا حراس خارج الخلية لأداء هذه المهمة، وبالرغم من هذه الحراسة الشديدة فقد يمكن أن تدخل إلى الخلية أجسام غريبة مثلًا بعوضة أو أي حشرة أخرى، وفي هذه الحالة فإن النحل يكون بحالة نفير عام حتى ت رمي هذا الجسم الغريب خارج الخلية؛ قال تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (يس: ٧٢، ٧٣). وفي حالة عدم استطاعتهم رمي الجسم الغريب الذي دخل الخلية لكبر حجمها تقوم بتحنيط الجسم الغريب وجعلها كمومياء؛ فالنحل لهذه الحالة تقوم بصنع مادة شمع راتينج النحل التي تستعملها في عملية التحنيط، تقوم النحل بجمع مادة راتينج من أشجار الصنوبر أقاصيا والحور وبإضافة بعض إفرازات الخاصة عليها وتستعمل هذه المادة في بناء جدران الخلية المردومة، وعند تماس هذه المادة بالهواء فإنها تتصلب، وبهذه الطريقة فإن جميع المؤثرات الخارجية لا تستطيع أن تصل الخلية، وتستعمل النحل هذه المادة في كثير من أعمالها. في هذه النقطة هناك الكثير من الأسئلة يتبادر إلى الذهن منها خاصية شمع العسل التي لا تأوي فيها البكتيريا، ولهذا السبب فهذه مادة مثالية في عملية التحنيط التي تقوم بها، لكن كيف تعرف أن هذه المادة مثالية في عملية التحنيط لصناعة هذه المادة، يجب أن تكون ذات مستوى معين في علم الكيمياء والنحلة ليست إلا حشرة ذات طول يتراوح ما بين ١ و٢ سم، وليس لها علم في أي موضوع، وأن جسمها لا يحتوي على مختبر ك ي مياوي، بل إ نها تقوم فقط بفعل ما تعلمته من علم ربها، وهذا واضح جدًّا.

стр. 263

امتيازات حجرات أقراص العسل الأخرى: إ ن نحل العسل أثناء قيامها بصنع قرص العسل تأخذ بنظر الاعتبار بعض النقاط ميل الحجرات، والحجرات حينما تبنى يجب أن تكون طرفاها على ارتفاع ١٣ درجة؛ أي لا تكون موازية للأرض؛ أي في هذه الحالة يمنع تسرب العسل إلى الخارج. النحلة العاملة تعمل فإنها تكون حلقات متعلقة الواحدة بالأخرى مجتمعة بشكل عنقود، وغايتها من هذا العمل هو المحافظة على درجة الحرارة اللازمة لصنع شمع العسل. إن عملية إنشاء الخلية تبدأ من نقاط مختلفة، وفي نهاية العمل لا تبقى هناك فتوحات، وجميع الحجرات التي تكون بشكل سداسي متساوية الأبعاد بدون شك أنه يجب أن يكون هناك سيل من الرسالات التي يجب أن تصل إلى الغريزة الداخلية، قال تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: ٤). تقوم النحلة بالطيران في مساحة كبيرة؛ وذلك للبحث عن غذائها وهي خلاصة الأزهار؛ فقد تصل بعد هذه المسافة إلى ٨٠٠ متر فتقوم بجمع رحيق الزهور فعندما تجد النحل الزهور ترجع إلى الخلية؛ ل تعطي خيرًا من ذلك. إن النحلة تعرف مباشرة حينما تأتي إلى الزهرة تعرف إذا ما كان فيها الرحيق قد أخذت منها أو لا، ولهذا تقوم بترك الزهرة التي ليست فيها الرحيق؛ فالنحلة من أين لها أن تعرف دون أن تقوم بفحص وتدقيق؟ إ ن النحل ة التي تقوم بأخذ رحيق الأزهار تقوم بوضع رائحة خاصة على الزهرة من قبلها حتى إذا جاءت أخرى عن طريق شمها لهذه الرائحة تعرف أن ليست فيها رحيق. ومن هنا أصبح واضحًا أن النحلة لا تقوم بإضاعة زمانها بالتدقيق والفحص؛ فإنها عندما تأخذ هذه الرائحة الموجودة عليها والموضوعة من قبل نحلة أخرى تعرف بأن ليس فيها رحيق، ومن هنا اقتصدت في زمانها ولم تبذرها في البحث. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 264

الدرس: ٢٠ شرح قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحابا ... ﴾.

стр. 265

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (شرح قول هـ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ... ﴾) المعاني اللغوية وأقوال المفسرين حول الآية الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (النور: ٤٣). المعاني اللغوية وأقوال المفسرين. ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾، جاء في معجم (مقاييس اللغة) مادة زجى والريح تزجي السحاب تسوقه سوقًا رفيقًا، وب مثله قال ابن منظور في (لسان العرب)، قال الجوهري: "زجيت الشيء تزجيه إذا دفعته برفق ". وهذا ما فهمه المفسرون من الآية؛ فقد قال ابن كثير: "يذكر تعالى أنه يسوق السحب بقدرته أول ما ينش ئ ها، وهي ضعيفة وهو الإزجاء". وقال أبو السعود: "الإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة"، وقال أبو حيان: "ومعنى يزجي؛ أي يسوق قليلًا ويستعمل في سوق الثقيل برفق". قوله: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ يبين علماء اللغة أن التأليف هو الجمع مع الترتيب والملائمة، قال الأصفهاني في (غريب القرآن): "والإلف اجتماع مع التئام، والمؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة، ورتب ترتيبًا قدم فيه ما حقه أن يقدم، وأخر فيه ما حقه أن يؤخر". وقال ابن فارس في (المقاييس): "الهمزة واللام والفاء أصل واحد يدل على انضمام الشيء إلى الشيء، والأشياء الكثيرة أيضًا "، ومن المفسرين قال القرطبي: "أي يجمعه عند انتشائه ليقوى ويتصل"، وقال الزمخشري: "ومعنى تأليف الواحد أنه يكون قزعًا فيضم بعضه إلى بعض وجاز بينه وهو واحد؛ لأن

стр. 266

المعنى بين أجزائه"، وقال ابن الجوزي: "أي يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع ال متفرقة قطعة واحدة "، ولكي تتم هذه الخطوة وهي الانتقال من مرحلة الإزجاء لقطع السحب إلى مرحلة التأليف يحتاج الأمر إلى وقت؛ ولذلك نرى أن الحرف الذي استعمل في القرآن للدلالة على هذه العملية هو حرف العطف " ثم " الذي يدل على الترتيب مع التراخي في الزمن ثم يؤلف بينه. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾، الركم في اللغة: يأتي بمعنى إلقاء الشيء بعضه فوق بعض كما قال ابن فارس، وكذا ابن منظور: "الركم جمعك شيئًا فوق شيء حتى تجعله ركامًا مركومًا كركام الرمل والسحاب ونحو ذلك من الشيء المرتكم بعضه على بعض"، وقال الأصفهاني: "والركام ما يلقى بعضه على بعض"، وقال الجوهري: "ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض"، ومن المفسرين قال الطبري: "يعني متراكما بعضه على بعض"، وقال ابن كثير: "أي يركب بعضه بعضًا"، وبمثلهما قال القرطبي والزمخشري وأبو السعود وابن الجوزي والشوكاني والبيضاوي والخازن والنسفي. وهذه المرحلة الثالثة من مراحل تكوين السحاب الركامي المذكور في الآية الكريمة تبين أن الانتقال إليها من المرحلة السابقة يحتاج كذلك إلى زمن؛ لذلك كان استعمال حرف العط ف الدال على الترتيب مع التراخي في الزمن وهو حرف العطف " ثم ". قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ الودق هو المطر عند جمهور المفسرين كما قال الشوكاني والقرطبي، ﴿خِلَالِهِ﴾؛ أي من فتوقه ومخارجه، قال بهذا التفسير الزمخشري وأبو حيان والشوكاني والبيضاوي وأبو السعود والنسفي. وقال القرطبي: "خلال جمع خلل مثل جبال وجبل، وهي فرجه ومخارجه ومخارج القطر منه". ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ قال أبو السعود: "وينزل من السماء من الغمام فإن كل ما علاك سماء"، قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾؛ أي من

стр. 267

قطع عظام تشبه الجبال في العظم كائنة فيها، قوله: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ مفعول ينزل على أن " من " تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية؛ أي ي نزل مبتدئا من السماء من جبال فيها بعض برد وقال الشوكاني والبيضاوي بمثل ما قال أبو السعود إلا أنه اعتبر " من " الثالثة بيانية فقال: " من برد بيان للجبال والمفعول محذوف؛ أي ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من برد". قوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ هذه الفقرة من الآية الكريمة تقرر أن نزول البرد مكان ً اوزمانًا مرهون بمشيئة الله ومع معرفتنا بأن الأمر متعلق بمشيئة الله التي لا نعلمها إلا أن الله قد جعل لكل شيء قدر ًا، فوقت نزول المطر بيده ونزول البرد بيده - سبحانه - ولكن ذلك كله يجري وفق سنن محكمة. قوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ يبين الله تعالى أن للبرد برقًا شديد اللمعان فالضمير في " برق هـ" يرجع إلى أقرب مذكور وهو البرد، و " سن االبرق " شدة بريق هـ وضوئه، " يذهب بالأبصار "؛ أي خطفه إياها من شدة الإضاءة، فنسبة البرق إلى البرد في كتاب الله. التحقيق العلمي للآية هناك أنواع كثيرة من السحب والقليل منها هو المطر، وقد صنف علماء الأرصاد السحب إلى أنواع متعددة تعتمد على ارتفاع قاعدتها وسمكها وطريقة تكوينها، وأحد أنواع هذه السحب يسمى بالسحب الركامية، وهي الوحيدة التي قد تتطور بإذن الله لتصبح ما يسمى بالركام المزني الذي يجود بالمطر الوفير، وهو النوع الوحيد الذي قد يصاحبه البرد والبرق والرعد، ويتميز هذا النوع بسمك كبير، وقد يصل إلى أكثر من ١٥ كيلو متر ًا، ويشبه الجبال، ويتطور علم الأرصاد

стр. 268

الجوية واستخدام الأجهزة الحديثة مثل: أجهزة الاستشعار عن بعد والطائرات والرادارات والأقمار الصناعية، وبمساعدة الحاسبات الإلكترونية استطاع علماء الأرصاد دراسة تفاصيل دقيقة عن مكونات السحب وتطورها، وما زال هنالك الكثير أمام هذا الفرع من العلوم والسحاب الركامي الذي تصف الآية الكريمة تكوينه هو ضمن ما درسه علماء الأرصاد، واهتموا به من حيث كيف يبدأ؟ وكيف يتطور؟ والظواهر الجلدية المصاحبة له، وقد أجاب القرآن الكريم على كل هذه التساؤلات قبل ١٤٠٠ عام بدقة مذهلة. السحاب الركامي في علم الأرصاد: بداية التكوين: يبدأ السحاب الركامي بأن تسوق الرياح قطع ًا من السحب الصغيرة إلى مناطق تجميع، ويؤدي سوق قطع السحاب إلى زيادة كمية بخار الماء في مسارها؛ وخاصة أول منطقة التجمع، وهذا السوق ضروري لتطور السحب الركامية في مناطق التجمع، وبهذا نرى أن ال تراكم أو السحاب الركامي حينما يسوق الرياح يؤدي ذلك السوق إلى ازدياد كمية بخار الماء في مسارها. تطور السحب الركامية: ١ - التجميع: من المعلوم أن سرعة السحب تكون أبطأ من سرعة الرياح المسيرة لها، وكلما كبر حجم السحابة كانت سرعتها أبطأ؛ وذلك بسبب تأثير قوى الإعاقة، كذلك تقل سرعة الرياح عامة كلما اتجهنا إلى مناطق التجمع؛ وعلى ذلك يؤدي العاملان

стр. 269

السابق ذكرهما إلى أن قطع السحاب تقترب من بعضها ثم تتلاحم، وبالتالي ن لاحظ تكاثف السحب كلما اقتربنا من مناطق التجمع. ٢ - الركم: إذا التحمت سحابتان أو أكثر فإن تيار الهواء الصاعد داخل السحابة يزداد بصف ة عامة، ويؤدي ذلك إلى جلب مزيد من بخار الماء من أسفل قاعدة السحابة، والذي بدوره يزيد من الطاقة الكامنة للتكثف، والتي تعمل على زيادة سرعة التيار الهوائي الصاعد دافعًا لمكونات السحابة إلى ارتفاعات أعلى، وتكون هذه التيارات أقوى م ايمكن في وسط السحابة وتقل على الأطراف مما يؤدي إلى ركم هذه المكونات على جانبي السحابة فتظهر كالنافورة أو البركان الثائر الذي تتراكم حممه على الجوانب، وقد أثبتت الشواهد أن التحام السحب يؤدي إلى زيادة كبيرة في الركم، وبالتالي إلى زيادة سمك السحاب، وأن تجمعًا من الدرجة الأولى يؤدي إلى عشرة أضعاف المطر المنتظر، وتجميعًا من الدرجة الثانية يؤدي إلى م ائة ضعف من كمي ة الأمطار المتوقعة بدون أي تجميع. وإجمالًا: فإن تجميع قطع السحب يؤدي إلى زيادة ركمه، وبالتالي إلى زيادة سمكه التي تدل على قوة هذا السحاب من ناحية أمطاره ورعده وبرقه، بل نجد أن السحاب الذي نحن بصدده يسمى سحابًا ركامي ًّ ا؛ لأن عملية الركم في هذا النوع أساسية وتفرقه عن باقي أنواع السحاب، ومن المعلوم أن عملية سوق السحاب قد تستغرق بضع ساعات، بينما تستغرق عملية التجميع والركم أقل من ذلك حوالي ساعة أو أقل. ومن المعلوم أيضًا أن من السحب الركامية ما يسمى بالركامي الساخن ذو سمك صغير نسبيًا، وأقل درجة حرارة داخل هذا السحاب أعلى من درجة التجمد، وهو بذلك السمك الصغير نسبيًا أقرب شبهًا

стр. 270

بالتلال لا الجبال، وحرارته لا تسمح بتكون البرد، وهذا النوع تتكون الأمطار فيه من قطرات الماء فقط، وليس به رعد وبرق، وهناك سحاب ركامي يصل إلى ارتفاعات شاهقة ويشتمل على قطرات ماء في القاعدة وخليط من ماء شديد البرودة وحبات برد في الوسط، أما القمة فتسودها بلورات الثلج، وهذا السحاب هو الذي تكون زخاته من الماء أو البرد أو كليهما ويحدث به برق ورعد وهو السحاب الركامي المزني الذي يكون في شكل الجبال. الظواهر الجوية المصاحبة: الهطول تتحرك السحب الركامية إلى ما شاء الله لها، وعامل الركم والبناء مستمر طالما كانت تيارات الهواء الصاعدة قادرة على حمل مكونات السحاب من قطرات ماء أو حبات برد، وعندما تصبح الرياح الرأسية غير قادرة على حمل هذه المكونات تتوقف عملية الركم، وتبدأ مكونات السحاب في الهبوط مباشرة إلى أسفل كمطر من ماء أو برد أو كليهما؛ وذلك حسب مكونات السحاب وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة أسفل السحاب، وي تكون البرد داخل السحاب بين درجتي حرارة أقل من الصفر وحتى ٤٠ درجة مئوية، وفي هذه المنطقة تكون هناك قطرات من ماء شديد البرودة أقل من الصفر المئوي؛ وذلك لعدم كفاية نوبات التثلج، وهذه القطرات غير مستقرة؛ بمعنى أنها تتجمد فور اصطدامها بأي جسم آخر، وفي حالة وجود تيار هوائي شديد صاعد داخل السحاب الركامي المزني، ونتيجة اختلاف سرعات القطرات شديدة البرودة تحدث تصادمات ينتج عنها تحول قطرات الماء شديد البرودة إلى ثلج يغطي حبات البرد فتكبر، وتستمر في الكبر حتى يثقل وزنها ولا يستطيع التيار الرئسي حملها فتهبط بردا، وقد شوهدت حبات برد يصل حجمها إلى حجم البرتقالة؛ وهذا يعني أنه

стр. 271

في مثل هذه الحالات التي تكون فيها حبات البرد كبيرة فإن هذه السحب تحمل في طياتها دمار ً اعام ًّ اللزراعة. ومن المعلوم كذلك أن نزول المطر من قاعدة السحاب يكون على شكل زخات خلال جزء من قاعدة السحاب في بداية الهطول، حيث يسود في نهاية حياة السحاب في نهاية الهطول ثم زخات من معظم قاعدة السحاب تيار هابط. إعجاز القرآن الكريم في وصف السحاب الطبقي: اعتبر العلماء الأوروبيون في العصور الوسطى أن العالم الطبيعي مظهر للكائنات الروحية، وأن السحب كائنات مقدسة أو أرواح بالرغم من أن ال إ غريق في أيام أرسطو كان لديهم بعض المعرفة العلمية عن أن المطر ينتج من البخار، ثم يتكثف البخار إلى ماء، ولم تعرف الأرصاد علمي ًّ اإلا في القرن السابع عشر تقريبًا حينما أتيحت أجهزة تمكن من قياسات علمية لخواص الغلاف الجوي، أما الفهم العلمي للعمليات التي يترتب عليها تكون السحب الممطرة بما فيها السحاب الطبقي ال ذ ي هو المزن فلم تتم حتى القرن التاسع عشر والعشرين، والعمليات التي تؤدي إلى تكوين السحاب الطبقي ال ذ ي هو المزن تضم دورة الرطوبة وانتقالها ورفع وتبريد الكتل الهوائية الرطبة ودور نويات تكثف السحب في عمل قطرات السحاب، وتكون السحب الطبقية وتكون الأمطار من قطرات السحب واحتمال وجود سحب حم ل مطورة. دورة الماء: دورة الماء وصف لدوران الرطوبة بين الأرض والمحيطات والغلاف الجوي، وتمثل المحيطات المصدر الرئيسي للرطوبة في الجو وانتقال الرطوبة على المستوى العالمي

стр. 272

والمستوى السينوبتكي، إ ن اجتماع الدورة الهوائية العامة للري اح في الغلاف الجوي مع المحيطات مصدر الرطوبة ينتج مناطق من العالم يرجح سقوط المطر. تكون قطرات السحب والمطر: يعد توفر نويات التكثف عنصر ًا إضافي ًّ اضروري ًّ التكون السحاب الطبقي، ونويات التكثيف هي جزيئات صغيرة تعد مواقع مفضلة للتكون الأولي لقطيرات السحب. ويكون لنوايات التكثف هذه جاذبية كيميائية للماء مما يساعد على التكوين المبدئي لقطرات السحاب وتمام ً اكما في نقل بخار الماء، فإن الرياح تلعب دورا مهم ًّ افي نقل هذه الجزئيات إلى أماكن تكون السحب. وتتضمن عملية تكون قطرات السحب ثلاثة عناصر رئيسية: ١ - اتحاد الرطوبة ال ذ ي هو بخار الماء. ٢ - نويات تكثف السحب. ٣ - قوى رفع واسعة الانتشار لتبريد الهواء. ويؤثر سطح أي جبهة ساخنة وسلسلة في الرفع الرقيق للهواء ل إ نتاج سحاب طبقي أو طبقي مزن، ويكون الرفع في حالة السحب الطبقية عامة خفيفًا وواسع الانتشار، وغالبًا ما يصاحب الجبهات الساخنة أو الجبال فيرتفع الهواء ببطء وتتكون السحب مع تراكم الماء حول نويات تكثف السحب لتتشكل قطيرات السحاب، والأرجح أن تكون السحب الأصلية من نوع الطبقي المتوسط، وقد يتكون السحاب الطبقي ال ذ ي هو المزن في حالة الرفع الجبهي ويكون قريبًا من الجبهة الساخنة، ومن الممكن أن يكون مطمورا في السحاب الطبقي المزن سحاب من الركام المزن، ومع بدء المطر فإن السحب يجب أن تكون من السمك بالقدر الذي تتعذر معه رؤية قرص الشمس.

стр. 273

وفي حالات وجود سحاب طبقي لا تكون قاعدته بعيدة عن الراصد على سطح الأرض يمكن تسجيل أمطار متفرقة؛ ونتيجة لهذا تتعرج قاعدة السحابة أو تصبح ليفية المظهر، وفي الحالات التي تكون فيها قاعدة السحاب أكثر ارتفاع ً اأو يوجد ضباب في قاعدتها فقد يكون لقاعدة السحاب مظهر رمادي منتظم بلا ملامح، والإظلام في قاعدة السحاب خلال المطر يعتمد على سمك السحابة وموضوع قرص الشمس منها، وعند بدء المطر أو نهايته فقد تظهر السحابة على شكل طبقي متوسط، وقد يظهر أحيانًا بعض الهشيم عند بداية سقوط المطر أو نهايته، ويؤدي ذلك في بداية المطر إلى السقوط المبدئي للمطر تحت قاعدة السحابة، أما الهشيم في نهاية الهطول فقد يؤدي إلى الهطول الأخير من مناطق منعزلة، وقد يتلو ذلك تفرق السحابة إلى أجزاء؛ إذ إ ن السحاب الطبقي يتفرق إلى سحاب طبقي متوسط؛ أي إلى أجزاء متناثرة من السحاب الطبقي المتوسط. وجه الإعجاز: ومنذ ١٤٠٠ عام مضت وصف القرآن الكريم الأنواع المختلفة للسحاب وعمليات تكونه، وفيما يختص بسحب الطبق التي يطلق عليها طبقي أو منبسط يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الروم: ٤٨). وتشير هذه الآية الكريمة إلى ما يأتي: ١ - أن الرياح تبخر الماء وتنشط تكون وظهور السحب. ٢ - ينتشر هذا النوع من السحاب على هيئة طبقة من السماء ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾.

стр. 274

أصل الأنهار والينابيع وكيفية معالجة القرآن الكريم للموضوع: إن المياه الجوفية في حالة حركة دائمة وإن كانت بطيئة جد ًّ ا، وشبكات الأنهار تحصل على مائها عادة من سقوط الأمطار فوق منطقة كبيرة تعرف بمستجمع الأمطار، إن هذا الشرح لأصل الينابيع والأنهار أصبح معروفًا جدًّا ومفهومًا الآن، ولكنه مختلف عما كان في الماضي؛ فبينما كان الفلاسفة والدارسون للعلم يتفكرون في نظرياتهم المختلفة أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١٨) فتخبرنا الآية أن مياه الأمطار تتسلل وتتخلل في التربة، ويمكنها أيضًا أن تصير مياهًا جوفية حيث يمكن أن تمكث بضعة أسابيع أو بضعة آلاف من السنين، وكلمة " سكن " تعني الهدوء والاستقرار وهو أفضل وصف للمياه الجوفية التي ت بدو مستقرة في الأعمال٣٥:١٩ في الأعماق المظلمة للأرض دون حركة. وتعطي آية آخرى في القرآن الكريم بيانًا واضحًا جدًّا عن أصول الينابيع والأنهار، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الزمر: ٢١)، فالتعبير بقوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ﴾ في الآية مأخوذ من سلك ونبع، ومعنى سلكه أدخله وجعله يمضي، ومعنى نبع تفجر، ولذلك سميت العين ينبوع ًا، والينابيع هي القنوات والممرات المائية في باطن الأرض، أو الثغرات التي يتفجر منها الماء ويخرج إلى سطح الأرض على شكل جداول وأنهار وعيون، وهكذا يصف القرآن بدقة أن الينابيع والأنهار تأتي من تساقط المطر الذي يتخلل الأرض أولًا. القدر الكافي من الماء للحيا ة: تبدو كمية مياه الأمطار التي تسقط على الأرض قليلة جدًّا إذا ما قورنت بكميات المياه المالحة غير القابلة للشرب؛ إلا أنه بعد دراسة موارد المياه العالمية اتضح أن

стр. 275

الإنسان لديه مياه تكفيه لاحتياجاته، وهذه هي إحدى آيات الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ * وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ (الحجر: ٢١، ٢٢)، فالله تعالى يعلم حاجات عباده فيرسل إليهم مقادير كافية من رحمته، وإذا قل المطر أو زادت نسبته فإنه يذكرنا بأننا لا نستطيع لأنفسنا شيئًا، وأن الله تعالى هو القادر على كل شيء. الله هو الذي ينزل الأمطار: إ ن الدورة المائية كلها دقيقة جد ًّ اومتوازنة، وأي اختلاف بسيط يؤدي إلى اضطرابات رئيسية، والإنسان في الواقع هو سبب تلك الاضطرابات من خلال إدخال غاز ات ثاني أكسيد الكبريت في الجو التي تؤدي إلى سقوط الأمطار الحمضية الضارة، وإذا كان الإنسان بقوته المحدودة يمكن قلب موازن الأشياء فماذا عن الله وقوته؟! وليس من المستغرب أن يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: ٦٨ - ٧٠). استنتاجات ومناقشات: لم يظهر الفهم الدقيق للدورة المائية إلا منذ أربعة قرون تقريبًا ب ينما تحدث القرآن عن العديد من النظريات عن الدورة المائية، وليس من الواضح مدى دراسة العرب أنفسهم للدورة المائية وما هي نظرياتهم تمامًا، والتي لا يمكن أن تكون أكثر تقدمًا من نظريات الفلاسفة اليونانيين والرومان، وإ نها حقًّا لمعجزة أن ترد في القرآن الكريم هذه الأوصاف الدقيقة منذ أربعة عشر قرنًا، والتي تعد اليوم من المعارف الحضارية والعلوم الضرورية في حياة الناس.

стр. 276

وأخيرًا فإن على البشر أن يدركوا دائمًا أن فهمهم للدورة المائية لا يعني أن لديهم القدرة على التحكم فيها، بل لا ينبغي أن يعتمدوا كلية على خالقهم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك: ٣٠)، والله - س ب حانه وتعالى - يقول: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ والتلقيح قد يكون بين ال عناصر الذكرية والأنثوية للزهرة الواحدة أو النبتة الواحدة، ويسمى عندئذٍ التلقيح الذاتي، وقد يكون بين نبتين منفصلتين، ويسمى حينئذٍ بالتلقيح المختلط، وتختلف طرق انتقال حبيبات اللقاح باختلاف نوع النبات، هناك فضلًا عن التلقيح بواسطة الإنسان كما في تأبير النخل مثلًا ثلاث طرق أخرى؛ وهي التلقيح بواسطة الحيوانات، إ ن للرياح كما تذكر الموسوعة العالمية دورًا هام ًّ افي عملية نقل اللقاح في النبات التي تفتقد الأزهار ذات الرائحة والرحيق والألوان الجاذبية للحشرات حيث تقوم الرياح بنشر اللقاح على مسافات واسعة؛ فوجه الإعجاز في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ إشارته إلى أن الرياح تقوم بعملية التلقيح الريحي للنبات؛ فقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ وهذا ما كشف عنه علماء النبات في القرون الأخيرة. الرؤية العلمية الحديثة لتكون البرق: وجد علماء الأرصاد بأن مصدر الشحنات السالبة للتفريغات المتتالية من السحاب إلى الأرض يوجد على ارتفاعات محصورة ما بين سطحين متاخمين درجة حرارتهما ١٥ و٢٥ وتتطابق مع منطقة وجود أمطار أو ثلوج بين هذين المستويين؛ ومن هنا يظهر أنه رغم اختلاف أنواع السحب الركامية جغرافي ًّ اأو فصلي ًّ افإن حيز الحرارة الذي توجد بداخله مراكز الشحن السالبة ثابت لا

стр. 277

يختلف، وقرر العلماء أن هذه المشاهدة متفقة تمامًا مع الظواهر المخبرية، وبالتالي فإن باستطاعة البرد أن يولد مجالًا كهربائي ًّ اانهياريا في الفترة الزمنية المطلوبة مع أمطار معتدلة إذا وصل تركيز بلورات الثلج في منطقة الشحن إلى عشر بلورات في اللتر الواحد، وبما أن مركز الشحن يقع في الحيز المحصور ما بين ١٥ و٢٥ فإنه من الواضح أن عدد نوبات التجمد الطبيعية غير كافٍ لتوليد البلورات الثلجية بالتركيز المطلوب، ولا شك أن هناك عاملًا ثانوي ًّ اوإن لم نقف عليه بعد لازدياد عدد البلورات. نبذة تاريخية عن علم الأرصاد السحاب والمطر: تطورت الأرصاد الجوية إلى علم في القرن التاسع عشر بينما يرجع تاريخ اعتبارها فرعًا من فروع المعرفة إلى العصور الأولى لحضارات الإنسان، وقد ظهرت الأرصاد الجوية وتطورت في الحضارات الأولى العظيمة في أفريقيا على يد قدماء المصريين، وفي آسيا على يد البابليين، وفي جنوب وسط آسيا على يد الهندوس والتتار، وفي شرق آسيا على يد أشخاص؛ مثل: هو نج هو وبانجتس، ولكن معظم معلوماتنا ترجع إلى قدماء المصريين والبابليين؛ ففي مصر ٣٥٠٠ قبل الميلاد أخذت الأرصاد الجوية الطابع الديني؛ ف قد اعتقد قدماء المصريين أن الظواهر الجلدية المختلفة تخضع لل ألهة، بينما ربط البابليون بين الظواهر الجوية وعلم الفلك بما عرف في ذلك الحين بالأرصاد الفلكية. وبالرغم من أن أول رصد للظواهر الجوية كان بواسطة اليونان القدماء ٦٠٠ قبل الميلاد إ لا أنه لا يوجد دليل يدل على أنهم فهموا عملية تكوين السحب حتى بعد أن ظهر مؤلف أرسطو تحت عنوان (الأرصاد الجوية) والذي كان يمثل كل ما عرف في ذلك الحين عن الأرصاد الجوية، وفيه يصف الغلاف الجوي بأنه المنطقة

стр. 278

المشتركة للنار والهواء، وأن الشمس هي العامل الرئيسي والأول لتكون السحب؛ لأن عملية التبخر والتكاثف هما نتيجة قرب أو بعد الشمس عن الأرض، وهذا يسبب تكون أو تبدد السحب، وتعتمد نظريته على أنه لا يمكن أن تتكون السحب في علو يزيد عن قمة أكثر الجبال ارتفاعًا؛ لأن الهواء بعد قمة الجبل تحتوي نار ً انتيجة حركة الشمس الجغرافية، ولا تتكون السحب قريبًا من سطح الأرض بسبب الحرارة المنعكسة من الأرض. القرآن الكريم يصف السحاب الركامي وصفًا دقيقًا: إذا تأملت في الآية الكريمة ستراها ترتب مراحل تكوين السحاب الركامي خطوة خطوة، مشيرة إلى التدرج الزمني، وتتجلى أوجه الإعجاز المتعددة في هذه الآية الكريمة إذا طرحنا بين أيدينا هذه التساؤلات؛ من أخبر محمدا بأن أول خطوة في تكوين السحاب الركامي تكون بدفع الهواء للسحاب قليلًا قليلًا ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ وهذا أمر لم يعرفه العلماء إلا بعد دراسة حركة الهواء عند كل طور من أطوار نمو السحاب؟ ومن بين له أن الخطوة الثانية هي التأليف بين قطع السحب؟ قوله: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ ومن أخبره بهذا الترتيب؟ ومن بين له أن ذلك يستغرق فترة زمنية حتى يعبر عنه بلفظ ﴿ثُمَّ﴾؟ ومن أخبره أن عامل الركم للسحاب الواحد هو العامل المؤثر بعد عملية التأليف؟ ومن أخبره أن هذا الركم يكون لنفس السحاب وأن ذلك الانتقال من حالة التأليف يستغرق بعض الوقت ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾؟ هذه المسائل لا يعرفها إلا من درس أجزاء السحاب، ورصد حركة تيارات الهواء بداخله؛ فهل كان يملك الرسول ﷺ الأجهزة والبلونات والطائرات؟ وكذلك من الذي أخبر محمدا ﷺ بأن عملية الركم الناتجة عن عملية الرفع إذا توقفت

стр. 279

أعقبها نزول المطر مباشرة؛ وهو أمر لا يعرف إلا بدراسة ما يجري داخل السحب من تيارات وقطرات مائية، وهذا لا يقدر عليه إلا من امتلك الأجهزة والقياسات التي يحقق بها ذلك؛ فهل كان لمحمد ﷺ مثل هذه القدرة وتلك الأجهزة؟ ومن الذي أخبر محمدا ﷺ أن في السحاب مناطق خلل؛ وهي التي ينزل منها المطر، وهذا أمر لا يعرفه إلا من أحاط علمًا بدقائق تركيب السحاب المسخر بين السماء والأرض وبحركة الهواء داخل السحاب؟ ومن أخبر محمدا ﷺ بأن الشكل الجبلي وصف للسحاب الذي ينزل منه البرد؛ فهل أحصى الرسول ﷺ كل أنواع السحاب حتى تبين له هذا الوصف الذي لا بد منه لتكوين البرد؟ ومن أنبأه عن نوبات البرد التي لا بد منها في السحاب الركامي لكي يتكون البرد؛ قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (النور: ٤٣). إن هذا السر لا يعرفه إلا من تمكن من مراقبة مراحل تكوين البرد داخل السحاب، ومن الذي أنبأه بأن للبرد برقًا، وأن البرد هو السبب في حصوله، وأنه يكون أشد أنواع البرق ضوءًا؟ إن ذلك لا يعرفه إلا من درس الشحنات الكهربائية داخل السحاب واختلاف توزيعها ودور البرد في ذلك؛ ولشدة خفاء هذا الأمر فقد نسب المفسرون البرق إلى السحاب وإن كان السحاب يشتمل على البرد في كلام المفسرين، ولم نجد من نسب هذا البرق إلى البرد مع أنه المعنى الظاهر لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (النور: ٤٣). هذا؛ والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 280

الدرس: ٢١ شرح قول الله تعالى: ﴿وهو الذي مرج البحرين ... ﴾.

стр. 281

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (شرح قو ل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ... ﴾) المعاني اللغوية وأقوال المفسرين حول الآية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: سنتعرض لأسرار المصب والحاجز بين النهر والبحر في القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (الفرقان: ٥٣). المعاني اللغوية وأقوال المفسرين في الآية. . ﴿مَرَجَ﴾ يأتي بمعنيين بارزين، الأول: الخلط: قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ (ق: ٥)، وجاء في (لسان العرب) ﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: مختلط، وقال الأصفهاني في (المفردات): "أصل المرج الخلط"، وقال الزبيدي: "ومرج الله البحرين العذب والمالح، خلطهما حتى انتقيا"، وقال الزجاج: " ﴿مَرَجَ﴾ خلط؛ يعني: البحر المالح، والبحر العذب". وقال ابن جرير الطبري: "والله الذي خلط البحرين فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه، وأصل المرج الخلط، ومنه قول الله تعالى: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾؛ أي: مختلط". وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ يعني: خلع أحدهما على الآخر. وعن مجاهد: أفاض أحدهما على الآخر. وعن الضحاك بمثل قول ابن عباس، وذهب إلى هذا المعنى جمهور من المفسرين، منهم القرطبي، أبو حيان الألوسي، الخازن، الرازي، الشوكاني، الشنقيطي. المعنى الثاني: مجيء وذهاب واضطراب، قال ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة): "الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب، وقال: مرج الخاتم في الأصبع يعني: قلق، وقياس الباب كله، ومنه حديث

стр. 282

((ومرجتْ أمانات القوم وعهودهم)) اضطربت واختلطت"، وجاء نفس المعنى في (الصحاح) للجوهري، و (لسان العرب)، وبذلك قال الزبيدي والأصفهاني. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ نتكلم عن البحر العذب والملح الأجاج. البحر العذب هو النهر، وصفه القرآن الكريم بوصفين ﴿عَذْبٌ﴾ و ﴿فُرَاتٌ﴾، ومعناهما أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه وصف ﴿فُرَاتٌ﴾، وبهذا الوصف خرج ماء المصبّ، الذي يُمكن أن يقال: إن فيه عذوبة، ولكنه لا يُمكن أن يوصف بأنه فرات. وما كان من الماء ملحًا أجاجًا فهو ماء البحار، ووصفه القرآن الكريم بوصفين ﴿مِلْحٌ﴾ و ﴿أُجَاجٌ﴾، ﴿أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة، وبهذا خرج ماء المصب؛ لأنه مزيج بين الملوحة والعذوبة، فلا ينطبق عليه وصف ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. وبهذه الأوصاف الأربعة تحدَّدت حدود الكتل المائية الثلاث: ١ - ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ ماء النهر. ٢ - ﴿هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ماء البحر. ٣ - ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصبّ. - نأتي إلى الحجر المحجور: الحِجر والحَجر هو المنع والتضييق، يُسمى العقل حجرًا؛ لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (الفجر: ٥)، والسفيه يحجُر عليه القاضي من التصرف في ماله، فهو في ح ِ جر؛ أي: في ح َ جر والكسر أفصح،

стр. 283

وجاء في حديث الرسول ﷺ للأعرابي ((لقد تحجَّرت واسعًا))، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، قال ابن مندور ((لقد تحجَّرت واسعًا))؛ أي: ضيقت ما وسَّعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك، ونستطيع أن نفهم الحجر هنا، بأن الكائنات الحية في منطقة اللقاء بين البحر والنهر، تعيش في حجر ضيق ممنوعة أن تخرج من هذا الحجر، ووصفت هذه المنطقة بأنها محجورة؛ أي: ممنوعة، ونفهم من هذا اللفظ معنى مستقلًّا عن الأول؛ أي: أنها أيضًا منقطعة ممنوعة على كائنات أخرى من أن تدخل إليها، فهي حجر حبس على الكائنات التي فيها، محجورة على الكائنات الحية بخارجها. ويكون المعنى عندئذٍ: وجعل بين البحر والنهر برزخًا مائيًّا، هو الحاجز المائي المحيط بماء المصبِّ، وجعل الماء بين النهر والبحر حبسًا على كائناته الحية، ممنوعة عن الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر. ولم يتيسَّر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية؛ لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم، وتعدَّدت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية، فقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: خلطهما فهما يلتقيان، ويستند هذا القول إلى المعنى اللغوي للفظ ﴿مَرَجَ﴾، وقررت طائفة أخرى من المفسرين أن معنى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: هو الذي أرسلهما في مجاريهما فلا يختلطان. قال ابن الجوزي: "قال المفسرون: والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما، فلا يلتقيان، ولا يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح". وقال أبو السعود: " ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: خلاهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان، من مرج دابته؛ أي: أخلاها". وبمثله قال البيضاوي والشنقيطي في أحد قوليه،

стр. 284

وطنطاوي جوهري في تفسير الجواهر. والذين قرروا هذا المعنى، نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، وتقرير اختلاط الماءين، يبدو متعارضًا مع وجود البرزخ، والحجر المحجور، ولذلك رجَّح بعض المفسرين معنى الخلط، ورجح الآخرون معنى المنع، وكذلك الحال في تفسير البرزخ، فقد قرَّر بعض المفسرين أن ﴿بَرْزَخًا﴾ يعني: حاجزًا من الأرض، وبمثله قال أبو حيان، والرازي، والألوسي، والشنقيطي. ولقد ردَّ ابن جرير الطبري هذا القول فقال: " لأن الله -تعالى ذكره- أخبر في أول الآية أنه ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ والمرج هو الخلط في كلام العرب، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا؛ لم يكن هناك مرج للبحرين. وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وبيَّن البرزخ، فقال: " ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ حاجزًا لا يراه أحد". وقال ابن الجوزي عن هذا البرزخ: "مانع من قدرة الله لا يراه أحد"، وقال الزمخشري: "حائلًا من قدرته، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (لقمان: ١٠)، وبمثلهم قال الأكثرون منهم القرطبي والبقاعي. فتأمَّل كيف عجز علم البشر عن إدراك تفاصيل ما قرَّره القرآن الكريم، فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضًا أو يبسًا حاجزًا من الأرض، ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله، فقال: هو حاجز لا يراه أحد، وهذا يُبيِّن لنا أن العلم الذي أوتيه محمد ﷺ ما هو فوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول ﷺ ، وبعد عصره بقرون، وكذلك الأمر في الحجر المحجور، فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية؛ قال الزمخشري: "فإن قلت ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ما معناه؟ قلت: هي الكلمة التي

стр. 285

يقولها المتعوذ، وقد فسرناها، وهي واقعة على سبيل المجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوَّذ من صاحبه ويقول: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ "، وبمثل ما قال الزمخشري قال غيره من المفسرين، كأبي حيان، والرازي، والألوسي، والشنقيطي. التحقيق العلمي شاهد الإنسان منذ القديم النهر يصب في البحر، ولاحظ أن ماء النهر يفقد بالتدريج، لونه المميز وطعمه الخاص كلما تعمق في البحر، ففهم من هذه المشاهدة أن النهر يمتزج بالتدريج بماء البحر، ولولا ذلك لكان النهر بحرًا عذبًا، يتسع كل يوم حتى يطغى على البحر. ومع تقدم العلم وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون، أخذ يبحث عن كيفية اللقاء بين البحر والنهر، ودرس عيِّنات من الماء حيث يلتقي النهر بالبحر، ودرس درجات الملوحة والعذوبة بأجهزة دقيقة، وقاس درجات الحرارة، وحدد مقادير الكثافة، وجمع عينات من الكائنات الحية، وقام بتصنيفها، وحدد أماكن وجودها، ودرس قابليتها للعيش في البيئات النهرية والبحرية. وبعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء بين الأنهار والبحار، اتضحت للعلماء بعض الأسرار التي كانت محجوبة عن الأنظار، واكتشف الباحثون أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أنواع: ١ - مياه الأنهار: وهي شديدة العذوبة. ٢ - مياه البحار: وهي شديدة الملوحة.
следующие страницы →