Полный текст (312 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى ذلك. يقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام: ٤٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٥، ٦) وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣). وقوله سبحانه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٦٦) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: ٦٦، ٦٧).
وقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (هود: ١٣، ١٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: ٦) وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (النمل: ٩٣) وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (ص: ٨٧، ٨٨) وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: ٢٩).
стр. 72
الضوابط اللازمة للتعامل مع قضية الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
من الاستعراض السابق يتضح لنا بجلاء أن إثبات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عصر التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه هو من مواقفِ التحدي للناس كافة مسلمين وغير مسلمين؛ لأن كتابا أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبيٍّ أميٍّ ﷺ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين وعلى الرغم من ذلك؛ فإن هذا الكتاب يحوي من حقائق الكون وسننه ما لم يتوصل إنسان إلى معرفته إلا بعد مجاهدات طويلة قام بها عشرات الآلاف من العلماء عبر تاريخ البشرية الطويل، وتركز في القرون القليلة المتأخرة بصفة خاصة، والمتحدي لابد وأن يكون واقفا على أرضية صلبة، وعلى ذلك فلا يجوز توظيف شيء في هذا المجال غير الحقائق القطعية الثابتة حتى يبلغ التحدي مداه في مجال إثبات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.
وهذا الالتزام واجب حتمي في التعرض للآيات الكونية في كتاب الله باستثناء آيات الخلق بأبعادها الثلاثة: خلق الكون، خلق الحياة، خلق الإنسان؛ وذلك بسبب أن عملية الخلق لا تخضع للإدراك المباشر من المخلوقين وفي ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (الكهف: ٥١).
ولكن القرآن الكريم الذي جاء بهذه الآية الكريمة يأمرنا ربنا سبحانه فيه بضرورة التأمل في قضية الخلق، وهي قضية غير مشاهدة من قِبَلِ الإنسان، وذلك في عددٍ غير قليل من الآيات القرآنية الكريمة التي منها قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
стр. 73
فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (العنكبوت: ١٩، ٢٠). وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩٠، ١٩١).
والجمع بين هذه الآيات الكريمة وأمثالها كثير في كتاب الله يؤكد على أن خلق كل من السموات والأرض، وخلق الحياة، وخلق الإنسان قد تم في غيبة كاملة من الوعي الإنساني، ولكنّ الله من رحمته بنا قد أبقى لنا في صخور الأرض، وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكنه أن يعين الإنسان بإمكاناتِهِ المحدودة على الوصول إلى تصور ما لعملية الخلق إلا أن هذا التصور يبقى في مجالِ الفروض، والنظريات.
ولا يمكن أن يرقى إلى مقام الحقيقة أبدا؛ لأن الحقيقة العلمية لا بد، وأن تكون واقعة تحت حس الإنسان وقدراته منهم؛ فإن العلوم المكتسبة لا يمكن أن تتجاوز في قضيةِ الخلق بأبعاده الثلاثة مرحلة التنظير أبدا؛ ولذلك تتعدد النظريات في قضايا الخلق بتعدد خلفيات واضعيه هل هم من المؤمنين الموحدين أم من الكفار أو من المشركين، أو من المشككين، وهل هم من السعداء في حياتهم، أم من التعساء والأشقياء والمهمومين؟ وهل هم من الأسوياء، أم من المنحرفين؟. وفي هذا الخضم يبقى للمسلم نور من الله في آية قرآنية كريمة، أو في حديث نبوي صحيحٍ مرفوع إلى رسول الله ﷺ يعينه على الانتصار لإحدى هذه النظريات، والارتقاء بها إلى مقام الحقيقة، لا لأن العلوم المكتسبة قد أثبتت ذلك، ولكن لمجرد وجود إشارة إلى تلك الحقيقة في كتاب الله الخالق، أو في سنة رسوله ﷺ .
стр. 74
يقول الدكتور زعلول النجار في كتابه (السماء): "ونحن في هذه الحالة نكون قد انتصرنا للعلم بالقرآن الكريم أو بسنة خاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- ولم ننتصر بالعلم لأي منهما، أما باقي الآيات الكريمة التي تعرض لها القرآن الكريم فلا يجوز أن نوظف في الاستشهاد على سبقها العلمي إلا بالحقائق القطعية الثابتة التي لا رجعة فيها، وبالضوابط المنهجية التالية:
١ - حسن فهم النص القرآني الكريم وفق دلالات الألفاظ في اللغة العربية ووفق قواعد تلك اللغة العربية، وأساليب التعبير فيها؛ وذلك لأن القرآن الكريم قد أنزل بلسان عربي مبين.
٢ - فهم أسباب النزول والناسخ والمنسوخ إن وجدت وفهم الفرق بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصل من آيات هذا الكتاب الحكيم.
٣ - فهم المأثور من تفسير المصطفى ﷺ والرجوع إلى أقوال المفسرين من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم إلى الزمن الحاضر.
٤ - جمع القراءات الصحيحة المتعلقة بالآية القرآنية الكريمة إن وجدت.
٥ - جمع النصوص القرآنية المتعلقة بالموضوع الواحد، ورد بعضها إلى بعض بمعنى فهم دلالة كل منها في ضوء الآخر؛ لأن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا، كما يفسر الصحيح من أقوال رسول الله ﷺ ولذلك كان من الواجب توظيف الصحيح من الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع الآية المتعامل معها كلما توفر ذلك؛ وذلك لحسن فهم النص القرآني الكريم.
٦ - مراعاة السياق القرآني للآية أو الآيات المتعلقة بإحدى القضايا الكونية دون اجتزاء للنص القرآني عما قبله وعما بعده.
стр. 75
٧ - مراعاة قاعدة: أن العبرة هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
٨ - عدم التكلف أو محاولة لَيِّ أعناقِ الآيات من أجل موافقتها للحقيقة العلمية؛ وذلك لأن القرآن الكريم أعز علينا، وأكرم عندنا من ذلك؛ لأنه كلام الله الخالق، وعلم الخالق بخلقِهِ هو الحق المطلق، الكامل الشامل المحيط بكل علمٍ آخر، وهو لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
٩ - عدم الخوضِ في القضايا الغيبية غيبة مطلقة، كالذات الإلهية، والروح والملائكة، والجن، وحياة البرزخ، وحساب القبر، وقيام الساعة، والبعث والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، والتسليم بالنصوص الواردة فيها تسليما إيمانيًّا كاملا، انطلاقا من الإيمان بكتاب الله، وبسنة رسوله ﷺ وبعجز الإنسان عن الوصول إلى مثل هذه الغيوب المطلقة.
١٠ - التأكد على أن الآخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا وأنها لا تحتاج السنن الدنيوية الرتيبة لحدوثها فهي كما وصفها ربنا سبحانه أمر فجائي منه سبحانه بكن فيكون، أي: بين الكاف والنون وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧). وعلى الرغم من ذلك فإن الله سبحانه من رحمته بنا قد أبقى لنا في صخور الأرض، وفي صفحة السماء أعدادا كثيرة من الشواهد الحسية التي تقطع بفناء الكون، وبحتمية الآخرة، وأن الإشارة إلى تلك الشواهد الكونية لا يمكن أن يفسر بمحاولة التعرف على موعد الآخرة؛ لأنها غيب من الغيوب المطلقة التي لا يعلمها إلا الله؛ ولأنها لن تتم بالسنن الكونية المشاهدة في هذه الحياة.
стр. 76
١١ - توظيف الحقائق العلمية القاطعة التي لا رجعة فيها في الاستشهاد على الإعجاز العلمي للآية، أو الآيات القرآنية في الموضوع الواحد، أو في عدد من الموضوعات المتكاملة، وذلك في جميع الآيات الكونية الواردة في كتاب الله، فيما عدا قضايا الخلق والإفناء والبعث التي يمكن فيها توظيف الآية القرآنية الكريمة للارتقاء بإحدى النظريات المطروحة إلى مقام الحقيقة.
١٢ - مراعاة التخصص الدقيق في مراحل إثبات وجه الإعجاز العلمي في الآية القرآنية الكريمة؛ لأن هذا مجال تخصصي على أعلى مستويات التخصص لا يجوز أن يخوض فيه كل خائض، كما لا يمكن لفرد واحد أن يغطي كل جوانب الإعجاز العلمي في أكثر من ألف آية قرآنية صحيحة، بالإضافة إلى آيات أخرى عديدة تقترب دلالاتها من الصراحة، وتغطي هذه الآيات مساحةً هائلةً من العلوم الكسبية من علم الأجنة إلى علم الفلك، وما بينهما من مختلف مجالات العلوم، والمعارف الإنسانية.
١٣ - يجب التفريق بين دور كلٍ من الناقل، والمحقق في قضيتي الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي للقرآن الكريم؛ حيث إنه من أبسط ضوابط الأمانة ما يوجب على الناقل الإشارة إلى من نقل عنه حتى يأخذ كل ذي حق حقه، وحتى يكون النقل مدعما بالسند المقبول، وتجاهل هذا الخلق الإسلامي، وهذه القاعدة الأصولية فيه من الإجحاف بحقوقِ الآخرين ما لا يتناسب مع موقف المدافع عن القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة فضلا عن إضعافه للقضية ككل.
١٤ - الأخذ في الاعتبار إمكانية الانطلاق من الآية القرآنية الكريمة للوصول إلى حقيقة كونية لم يتوصل العلم الكسبي إلى شيء منها بعد، انطلاقا من الإيمان
стр. 77
الكامل بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق في صفائه الرباني، وإشراقاته النورانية، وأنه كله حق مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
١٥ - عدم التقليل من جهود العلماء السابقين في محاولاتهم المخلصة لفهم دلالة تلك الآيات الكونية في حدود المعلومات المتاحة في زمانهم، وذلك لأن الآية الكونية الواردة في كتاب الله تتسع دلالتها مع اتساع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، حتى يظل القرآن الكريم مهيمنا على المعارف الإنسانية مهما اتسعت دوائرها، وهذا من أعظم جوانب الإعجاز في كتاب الله.
١٦ - التفريق بين قضيتي الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي للقرآن الكريم: فالإعجاز العلمي يقصد به إثبات سبق القرآن الكريم للإشارة إلى حقيقة من حقائق الكون، أو تفسير ظاهرة من ظواهره قبل وصول العلم المكتسب إليها بعدد متطاول من القرون. أما التفسير: فهو محاولة بشرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية إن أصاب فيها المفسر فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، والمعول عليه في ذلك هو نيته، وهنا يجب التأكيد على أن الخطأ في التفسير ينسحب على المفسر، ولا يمس جلال القرآن الكريم.
١٧ - يجب تحري الدقة المتناهية في التعامل مع كتاب الله وإخلاص النية في ذلك والتجرد له من كل غاية، وتذكر قول المصطفى ﷺ : ((من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن الكريم. الحديث رقم ٢٩٥٠".
وقد ذكر الدكتور زغلول النجار مبررات الاهتمام بقضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ من هذه المبررات ما يلي:
стр. 78
أولا: أن القرآن الكريم أنزل إلينا لنفهمه والآيات الكونية فيه لا يمكن فهمها فهما صحيحا في إطار اللغة وحده، وذلك لشمول الدلالة القرآنية ولكلية المعرفة التي لا تتجزأ.
ثانيا: أن الدعوة بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة هي الوسيلة المناسبة لأهل عصرنا عصر العلم، والتقنية الذي فتن الناس في غالبيته فيه بالعلم، ومعطياته فتنة كبيرة، ونبذوا الدينَ وراء ظهورهم، ونسوه، وأنكروا الخلق والخالق، كما أنكروا البعث، والحساب والجنة والنار وغير ذلك من الأمور؛ لأن هذه الأصول قد شوهت في معتقداتهم تشويها كبيرا ولم تعد مقنعة لهم؛ وعلى ذلك فلم يبقَ أمام أهل عصرنا من وسيلةٍ مقنعة بالدين قدر الإعجازِ العلمي في كتاب الله، وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين.
ثالثا: الأصل في الحضارات أنها تتكامل فيما بينها ولا تتصارع، ولكن في زمن العولمة الذي نعيشه تحاول الحضارة المادية الغالبة بما فيها من إثم بواح، أو شرك صراح أن تمد بقيمها الهابطة، وأخلاقياتها الساقطة، وماديتها الجارفة على غيرها من الحضارات، وتوظف في ذلك كل ما توفر لها من وسائل الغلبة المادية وأسبابها، وقد أسقط الأعداء من أيدي المسلمين في هذه الأيام كل الوسائل المادية في سلسلة من المؤامرات الطويلة التي بدأت باحتلال غالبية الدول المسلمة، والعمل على تغريبها، ثم السعي الدءوب من أجل إسقاط دولةِ الخلافةِ الإسلامية بعد إنهاكها، وإضعافِهَا حتى تَمَّ إسقاطُهَا في سنة ١٩٢٤ ميلادية.
وتلا ذلك العمل على تمزيق الأمة إلى أكثر من خمسة وخمسين دولة ودويلة، وعلى نهب كل خيراتها وثرواتها، وتنصيب أنماط من الحكم المتعارضة عليها
стр. 79
للحيلولة دون إمكانية رجوعها إلى دين الله، وإمكانية توحدها في زمن التكتلات البشرية الكبيرة الذي نعيشه، ولإحكام المؤامرة ثم غرس كيان صهيوني غريب في قلب الأمة؛ لإفسادها، وإثارة الحروب والقلاقل، والفتن بين أبنائها، ولترسيخ العداوات بين الأشقاء للحيلولة دون توحدهم، وإشاعة الأفكار الهدامة، والسلوكيات المنحطة، والأخلاقيات المنهارة؛ لترسيخ تفتت الأمة والعمل على المزيد من تغريبها لتيسير الهيمنة عليها، ولم يبقَ بأيدي أمة الإسلام في زمن الغربة الذي نعيشه إلا دينها، هذا الدين الخالد الذي لا يرتضي الله من عباده دينا سواه، وهو وسيلة الدفاع الوحيدة التي بقيت بين أيدي مسلمي اليوم، وأوضح وسائله لإقامة الحجةِ على العباد في زمن العلم الذي نعيشه هو الإعجاز العلمي في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ .
رابعا: أن كلا من الإسلام والمسلمين يتعرض اليوم لهجوم شرس في كافة وسائل الإعلام بغير حق، وأعداء الله في هجومهم هذا ينكرون سماوية الإسلام ربانية القرآن ونبوة خاتم المرسلين ﷺ في وقاحة، وبجاحة سافرة، وأهم الوسائل وأنجعها للرد على هذا الهجوم هو إثبات الإعجاز العلمي لكتاب الله ولسنة رسوله بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة البالغة والمنطق السوي.
خامسا: أن العالم اليوم يتحرك في اتجاه كارثة كبرى، وقودها تطور علمي وتقني مذهل، وانحصار ديني وأخلاقي، وروحي أشد إذهالا، والتطور العلمي والتقني يطغى أصحابه، ويغريهم بإفناء، وإبادة غيرهم في غيبة الوعي الديني الصحيح، والالتزام الأخلاقي والسلوكي الذي يرعى حقوق الأخوة الإنسانية حق رعايتها، والمخرج من ذلك هو الدعوة للدين الحق، ومن أوضح وسائل الدعوة إليه هو ما في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ من إعجاز علمي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
стр. 80
سادسا: أننا معشر المسلمين قصرنا كثيرا في التبليغ عن الله، وعن رسوله ﷺ وقد كلفنا بذلك ونحن نجني ثمار ذلك التقصير كله اليوم حروبا طاحنة على كل أرض إسلامية من فلسطين إلى البلقان، ومنها إلى أرض الشيشان، وكشمير وأفغانستان، وأراكان، وجنوب الفلبين، والسودان، والصومال وغيرها.
ونجني أيضًا حصارا لأكثر من دولة مسلمة، ومصادرة لبلايين الدولارات من أموال المسلمين، واحتلالا عسكريا لكل من أرض فلسطين والعراق وأفغانستان وسبتة ومليلية وجزيرة ليا من الأراضي المغربية، والعديد من الجزر الأسيوية وجزر بحر إيجة التركية، وتضييقا على الملايين من الأقليات الإسلامية ومطاردة المسلمين في كل مكان من أماكن العالم، وإحكام التآمر عليهم وليست جرائم الغربيين البشعة في سجون جوانتانامو وأبو غريب وغيرها من سجون عراقية وأفغانية عديدة إلا صورة مصغرة لما يخفيه الغرب الكافر أو المشرك للمسلمين من مصير.
سابعا: إن في إثارة قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين استنهاض لعقول المسلمين واستثارة للتفكير الإبداعي فيها، وتشجيع على استعادة الاهتمام بقضية العلوم والتقنية التي تخلفت فيها الأمة مؤخرا تخلفا كبيرا، في الوقت الذي تقدمت فيها دول الكفر والشرك والضلال تقدما مذهلا، حتى أصبح كم المعارف المتاحة يتضاعف كل خمس سنوات تقريبا وتقنياتها تجدد مرة كل ثلاث سنوات تقريبا؛ وبذلك أخذت الهوة الفاصلة بيننا وبينهم في مجال العلوم والتقنية تزداد اتساعا وعمقا يوما بعد يوم، وأصبحت مخاطر ذلك علينا تتضاعف مع تزايد تلك الهوة عمقا واتساعا، وعلى المسلمين مسارعة العمل على جبر هذه الهوة بأسرع وقت ممكن، وإحدى وسائلنا في ذلك الاهتمام بقضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 81
الدرس: ٧ الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي .
стр. 82
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي)
بيان الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
نبدأ ببيان الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي:
يحتوي القرآن الكريم على أكثر من ألف آية صريحة تتحدث عن الكون ومكوناته وظواهره، بالإضافة إلى آيات أخرى كثيرة، تقترب دلالاتها من الصراحة، وهذه الآيات لم ترد من قبيل الإخبار العلمي المباشر للإنسان؛ وذلك لأن الكشف العلمي قد ترك لاجتهاد الإنسان، وتحصيله عبر فترات زمنية طويلة نظرا لمحدودية القدرات الإنسانية، وللطبيعة التراكمية للمعارف الكونية.
ويؤكد ذلك أن تلك الآيات الكونية قد جاءت في مقامِ الاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق، وعلى وحدانية الخالق العظيم، وعلى أن هذا الخالق المبدع سبحانه قادر على إفناءِ خلقه، وعلى إعادةِ هذا الخلق من جديد، وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير، كما يحتاج غيرها من آيات هذا الذكر الحكيم، وهي بحكم طبيعتها لا يمكن أن تُفْهم فهمًا دقيقًا في إطار اللغة وحدها على أهمية ذلك؛ ومن هنا كان لزامًا علينا أن نوظف المعارف الكونية النافعة، والمتاحة في تفسير تلك الآيات الكونية الواردة في كتاب الله، ولما كانت المعارف الكونية في تطورٍ مستمرٍ؛ وجب على أمة الإسلام أن ينهض منها في كل جيل نفر من علماء المسلمين الذين يتزودون بالأدوات اللازمة للتعرض لتفسير كتاب الله من مثل الإلمام التام باللغة العربية، وعلومها المختلفة، وبأصول الدين، وبأسباب النزول، وبالناسخ والمنسوخ، وبالمأثور من التفسير، وبجهود السابقين من كبار المفسرين وبالقدر اللازم من العلوم المتاحة عن الكون ومكوناته، وغير ذلك مما يحتاجه كل من يتشرف بالقيام بمثل هذه المهمة العظيمة.
стр. 83
وفي التفسير العلمي للآيات الكونية نوظف كل المعارف المتاحة من الحقائق والثوابت العلمية، ولكن بما أن العلم لم يصل إلى الحقيقة في كل أمر من الأمور، ولا يزال أمامه من الغيوب أكثر الكثير؛ فلا أرى -هكذا يقول الدكتور زغلول- حرجًا في مجال التفسير العلمي للقرآن الكريم من توظيف النظريات، والفروض المنطقية السائدة، والمشاهدات المتكررة؛ وذلك لأن التفسير يبقى جهدًا بشريًّا، لحسن فهم دلالة الآية القرآنية لمن أصاب فيه أجران، ولمن أخطأ أجر واحد، والخطأ في التفسير لا يمكن أن ينسحب على جلال القرآن الكريم. أما الإعجاز العلمي للقرآن: فلا يجوز أن يوظف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية؛ وذلك لأن المقصود بالإعجاز العلمي هو إثبات أن القرآن الكريم الذي أوحي به إلى نبي أمي ﷺ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل أربعة عشر قرنًا يحوي من حقائق هذا الكون ما لم يتمكن الإنسان من الوصول إليه إلا منذ عقود قليلة، وبعد مجاهدات طويلة وهذا لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرًا إلا بوحي من الله الخالق البارئ المصور؛ وعلى ذلك فلا يجوز توظيف غير الحقائق القطعية الثابتة في مجال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم؛ باستثناء آيات الخلق، والإفناء، والبعث بأبعادها الثلاثة، خلق الكون، خلق الحياة، خلق الإنسان وإفناء ذلك كله ثم بعثه، وذلك لأن هذه القضايا لا يمكن أن تخضع مباشرة لإدراك الإنسان.
ومن ثم فإن العلوم المكتسبة لا يمكن أن تتجاوز فيها مرحلة التنظير، وتتعدد النظريات في مجال الخلق بتعدد خلفيات واضعيها، ويبقى للمسلم نور من الله في آية قرآنية كريمة، أو في حديث نبوي صحيح منسوب إلى رسول الله ﷺ يمكن أن يعينه على الارتقاء بإحدى هذه النظريات إلى مقام الحقيقة؛ لا لأن العلوم المكتسبة قد وصلت فيها إلى الحقيقة، ولكن لمجرد وجود إشارة لها في كتاب الله، أو في سنة رسوله ﷺ . وهنا أيضًا لا بد من التأكيد على صعوبة التعرض لقضايا
стр. 84
الإعجاز العلمي في كتاب الله إلا من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه، فلا يقوى فرد واحد على معالجة كل القضايا الكونية التي تعرض لها القرآن الكريم من خلقِ الكونِ وإفنائه إلى خلق مراحل الجنين الإنساني المتعاقبة، إلى العديد من الظواهر الكونية المتكررة إلى غير ذلك من مختلف الآيات الكونية الواردة في كتاب الله. هذا هو الفرق بين الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي للقرآن الكريم.
قضية توسيع الكون
نأتي إلى موضوع يتعلق بتوسيع الكون؛ وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧):
قال المفسرون في معنى هذه الآية: حينما نقرأ في تفسير الفخر الرازي جزء ١٤ صـ ٢٢٧ نجد أنه يقول: "وإنا لموسعون يقول: فيه وجوه أحدها أنه من السعة، أي: أوسعناها بحيث صارت الأرض، وما يحيط بها من الماء، والهواء بالنسبة إلى السماء وسعتها كحلقة في فلاة والبناء الواسع الفضاء عجيب؛ فإن القبة الواسعة لا يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ويثبت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض". هكذا قال الفخر الرازي، ثم بعد ذلك يقول الصاوي في حاشيته على الجلالين: "وإنا لموسعون من أوسع متعديًا، والفعل محذوف، أي: لموسعون السماء". (حاشية الصاوي على الجلالين) جزء ٤ صـ ١٢٧، ١٢٨.
يقول صاحب (الظلال): "إن الآية عودة إلى المعرض الكوني الذي افتتحت به السورة في سورة من سوره الكثيرة التي يظهرها ويجليها القرآن للقلوب، واستطراد في الإشارة إلى آيات الله هنا وهناك يصل آية نوح بآية السماء وآية
стр. 85
الأرض وآية الخلائق، ثم يخلص به إلى ذلك الهتاف بالبشر ليفروا إلى الله موحدين متجردين يقول: يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ الأيد القوة والقوة أوضح ما ينبئ عنه بناء السماء الهائل المتماسك المتناسق بأي مدلول من مدلول كلمة السماء، سواء كانت تعني مدارات النجوم والكواكب أم تعني مجموعة من المجموعات النجمية التي يطلق عليها اسم المجرة، وتحوي مئات الملايين من النجوم أم تعني طبقة من طبقات هذا الفضاء الذي تتناثر فيه النجوم والكواكب، أم غير هذا من مدلولات كلمة السماء والسعة كذلك ظاهرة فهذه النجوم ذات الأحجام الهائلة والتي تعد بالملايين لا تعدو أن تكون ذرات متناثرة في هذا الفضاء الرحيب. ولعل في الإشارة إلى السعة إيحاء آخر إلى مخازن الأرزاق التي قيل من قال: إنها في السماء، ولو أن السماء مجرد رمز إلى ما عند الله ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالا معينة يبدو أنها مقصودة في التعبير لخطاب المشاعر البشرية خطابا موحيا". انتهى كلام صاحب (الظلال) في سورة الذاريات جزء ٢٧ صـ ٣٣٨٥ طبعة دار الشروق.
يقول الدكتور زغلول النجار: "هذه الآية تشير إلى أن الكون الذي نحيا فيه يتسع باستمرار، وأننا إذا عدنا بهذا الاتساع إلى الوراء مع الزمن فلابد وأن يتكدس على هيئة جرم واحد". ثم يتحدث الدكتور زغلول النجار عن بدايات تعرف الإنسان على ظاهرة توسع الكون يقول: "إلى مطلع العقد الثاني من القرن العشرين ظل علماء الفلك ينادون بثبات الكون وعدم تغيره في محاولة يائسة لنفي الخلق والتنكر للخالق، حتى ثبت عكس ذلك بتطبيق ظاهرة "دوبلر" على حركة المجرات الخارجة عن مجرتنا، ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر كان العالم النمساوي "دوبلر" قد لاحظ أنه عند مرور قطار سريع يطلق صفارته فإن الراصد للقطار يسمع صوتا متصلا ذا طبقة صوتية ثابتة، ولكن هذه الطبقة
стр. 86
الصوتية ترتفع كلما اقترب القطار من الراصد وتهبط كلما ابتعد عنه. وفسر "دوبلر" السبب في ذلك بأن صفارة القطار تطلق عددا من الموجات الصوتية المتلاحقة في الهواء، وأن هذه الموجات تتضاغط تضاغطا شديدا كلما اقترب مصدر الصوت من الراصد، فترتفع بذلك طبقة الصوت وعلى النقيض من ذلك فإنه كلما ابتعد مصدر الصوت تمددت تلك الموجات الصوتية حتى تصل إلى سمع الراصد فتنخفض بذلك طبقة الصوت.
ولاحظ "دوبلر" أن تلك الظاهرة تنطبق أيضًا على الموجات الضوئية، فعندما يصل إلى عين الراصد ضوء منبعث من مصدر متحرك بسرعة كافية يحدث تغير في تردد ذلك الضوء، فإذا كان المصدر يتحرك مقتربا من الراصد فإن الموجات الضوئية تتضاغط وينزاح الضوء المدرك نحو التردد العالي، أي نحو الطيف الأزرق وتعرف هذه الظاهرة باسم الزحزحة الزرقاء، وإذا كان المصدر يتحرك مبتعدا عن الراصد فإن الموجات الضوئية تتمدد وينزاح الضوء المدرك نحو التردد المنخفض، أي نحو الطرف الأحمر من الطيف، وتعرف هذه الظاهرة باسم الزحزحة الحمراء، وقد اتضحت أهمية تلك الظاهرة عندما بدأ الفلكيون في استخدام أسلوب التحليل الطيفي للضوء القادم من النجوم الخارجة عن مجرتنا، في دراسة تلك الأجرام السماوية البعيدة جدا عنا.
وفي سنة ١٩١٤ أدرك الفلكي الأمريكي "سليفر" أنه بتطبيق ظاهرة "دوبلر" على الضوء القادم إلينا من النجوم في عدد من المجرات البعيدة عنا، ثبت له أن معظم المجرات التي قام برصدها تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة، وبدأ الفلكيون في مناقشة دلالة ذلك، وهل يمكن أن يشير إلى تمدد الكون المدرك بمعنى تباعد مجراته عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة، وبحلول سنة ١٩٢٥ تمكن
стр. 87
هذا الفلكي نفسه "سليفر" من إثبات أن أربعين مجرة قام برصدها تتحرك فعلا في معظمها بسرعات فائقة متباعدة عن مجرتنا سكة التبانة، وعن بعضها البعض. وفي سنة ١٩٢٩ تمكن "إدوان هيبل" من الوصول إلى الاستنتاج الفلكي الدقيق الذي مؤداه أن سرعة تباعد المجرات عنا تتناسب تناسبا طرديا مع بعدها عنا، والذي عرف من بعد باسم قانون "هيبل"، وبتطبيق هذا القانون تمكن "هيبل" من قياس أبعاد وسرعات تحرك ٣٢ من تلك المجرات الخارجية وسرعة تباعدها عنا، وذلك بمشاركة من عالم كان يعمل معه في مرصد جبل "ويلسون" بولاية كاليفورنيا اسمه "ميلتون هوماسون" وذلك في بحث نشراه معا في سنة ١٩٣٤ وقد أشار تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض إلى حقيقة توسع الكون المدرك، التي أثارت جدلا واسعا بين علماء الفلك الذين انقسموا فيها بين مؤيد ومعارض، حتى ثبتت ثبوتا قاطعا بالعديد من المعادلات الرياضية والقراءات الفلكية في صفحة السماء.
وفي سنة ١٩١٧ أطلق "ألبرت أينشتاين" نظريته عن النسبية العامة لشرح طبيعة الجاذبية، وأشارت النظرية إلى أن الكون الذي نحيا فيه غير ثابت، فهو إما أن يتمدد أو ينكمش وفقا لعدد من القوانين المحددة له، وجاء ذلك على عكس ما كان "أينشتاين" وجميع معاصريه من الفلكيين وعلماء الفيزياء النظرية يعتقدونه انطلاقا من محاولاتهم اليائسة لمعارضة الخلق، وقد أصاب "أينشتاين" الذعر عندما اكتشف أن معادلاته تنبئ رغم أنفه بأن الكون في حالة تمدد مستمر، ولذلك عمد إلى إدخال معامل من عنده أطلق عليه اسم الثابت الكوني ليلغي حقيقة تمدد الكون؛ من أجل الادعاء لثباته واستقراره، برغم دوران الأجرام التي يحتويها، ثم عاد ليعترف بأن تصرفه هذا كان أكبر خطأ علمي اقترفه في حياته.
стр. 88
وقد قام العالم الهولندي "وليام ديسيتر" بنشر بحث في نفس السنة ١٩١٧ م استنتج فيه تمدد الكون انطلاقا من النظرية النسبية ذاتها، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الاعتقاد في تمدد الكون يلقى القبول من أعداد كبيرة من العلماء، فقد أجبرت ملاحظات كل من "سليفر" و"ديسيتر" وكل من "هوب" و"هيوماسن" جميع الفلكيين الممارسين وعدد من المشتغلين بالفيزياء النظرية وفي مقدمتهم ألبرت "أينشتاين" نفسه على التسليم بحقيقة توسع الكون، أما مجموعة البحث العلمي بجامعة كومبوردش المكونة من كل من "هرنان جوندي" و"توماس جولد" و"فريد هويل" فقد ظلت إلى مشارف الخمسينيات من القرن العشرين تنادي بثبات الكون، ثم اضطرت اضطرارا إلى الاعتراف بحقيقة توسع الكون المدرك، وسبحان الله الخالق الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين قوله الحق: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧) تشير هذه الآية الكريمة إلى عدد من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعد تنزله، منها:
أولا: أن السماء بناء محكم التشييد دقيق التماسك والترابط وليست فراغا كما كان يعتقد إلى عهد قريب. وقد ثبت علميا أن المسافات بين أجرام السماء مليئة بغلالة رقيقة جدا من الغازات، التي يغلب عليها غاز الأيدروجين وينتشر في هذه الغلالة الغازية بعض الجسيمات المتناهية في الصغر من المواد الصلبة على هيئة هباءات من غبار دقيق الحبيبات، يغلب على تركيبه ذرات من الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والتيتانيوم والحديد، بالإضافة إلى جزئيات من بخار الماء والأمونيا والفورمالدهيد وغيرها من المركبات الكيميائية، وبالإضافة إلى المادة التي تملأ المسافات بين النجوم، فإن المجالات المغناطيسية تنتشر بين كل أجرام السماء لتربط بينها في بناء محكم التشييد متناسق الأطراف. وهذه حقيقة لم يدركها
стр. 89
العلماء إلا في القرن العشرين بل في العقود المتأخرة منه، وعلى الرغم من قلة كثافة المادة في المسافات بين النجوم، والتي تصل إلى ذرة واحدة من الغاز في كل سنتيمتر مكعب تقريبا، وإلى أقل من ذلك بالنسبة للمواد الصلبة كالغبار الكوني، إذا ما قورن بحوالي مليون مليون مليون أي عشر جزيء في كل سنتيمتر مكعب من الهواء عند سطح الأرض، فإن كمية المادة في المسافات بين النجوم تبلغ قدرا مذهلا للغاية، فهي تقدر في مجرتنا سكة التبانة وحدها بعشرة بلايين ضعف ما في شمسنا من مادة، مما يمثل حوالي ٥% من مجموع كتلة تلك المجرة.
ثانيًا: إن في الإشارة القرآنية الكريمة ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (الذاريات: ٤٧) أي بقوة وحكمة واقتدار تلميحا إلى ضخامة الكون المذهلة وإحكام صنعه، وانضباط حركاته ودقة كل أمر من أموره، وثبات سننه وتماسك أجزائه وحفظه من التصدع أو الانهيار، فالسماء لغة هي كل ما علاك فأظلك ومضمونا هي كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة السماء التي لا يدرك العلم الكسبي إلا جزءا يسيرا منها، ويحصي العلماء أن بهذا الجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي بليون مجرة على أقل تقدير، بعضها أكبر كثيرا من مجرتنا درب التبانة أو سكة التبانة، وبعضها أصغر قليلا منها، وتتراوح أعداد النجوم في المجرات بين المليون والعشرة ملايين وملايين الملايين. وتمر هذه النجوم في مراحل من النمو مختلفة من الميلاد إلى الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ثم الوفاة، ولما كان لأقرب النجوم إلينا وهي شمسنا توابع من الكواكب والكويكبات والأقمار وغيرها فإن القياس يقتضي أن يكون للنجوم الأخرى توابع، قد اكتشف عدد منها بالفعل ويبقى الكثير منها ما لم يتم اكتشافه بعد.
ثالثًا: تشير هذه الآية الكريمة إلى أن الكون الشاسع الاتساع الدقيق البناء المحكم الحركة والمنضبط في كل أمر من أموره، والثابت في سننه وقوانينه قد خلقه الله
стр. 90
تعالى بعلمه وحكمته وقدرته، وهو سبحانه الذي يحفظه من الزوال والانهيار، وهو القادر على كل شيء، والجزء المدرك لنا من هذا الكون شاسع الاتساع بصورة لا يكاد عقل الإنسان إدراكها؛ إذ المسافات فيه تقدر ببلايين السنين الضوئية، وهو مستمر في الاتساع اليوم وإلى ما شاء الله. والتعبير القرآني ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ يشير إلى تلك السعة المذهلة. كما يشير إلى حقيقة توسع هذا الكون باستمرار إلى ما شاء الله، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، حيث ثبت لعلماء كل من الفيزياء النظرية والفلك أن المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات تتزايد بتزايد بعدها عن مجرتنا، وتقترب أحيانا من سرعة الضوء المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية، والمجرات من حولنا تتراجع متباعدة عنا، وقد أدرك العلماء تلك الحقيقة من ظاهرة انزياح الموجات الطيفية للضوء الصادر عن نجوم المجرات الخارجة عنا في اتجاه الطيف الأحمر، وقد أمكن قياس سرعة تحرك تلك المجرات في تراجعها عنا من خلال قياس خطوط الطيف لعدد من النجوم في تلك المجرات، وثبت أنها تتراوح ما بين ٦٠ ألف كيلو متر في الثانية و ٢٧٢ ألف كيلو متر في الثانية. وقد وجد العلماء أن مقدار الحيود في أطياف النجوم إلى الطيف الأحمر يعبر عن سرعة ابتعاد تلك النجوم عنا، وأن هذه السرعة ذاتها يمكن استخدامها مقياسا لأبعاد تلك النجوم عنا.
رابعًا: تشير ظاهرة توسع الكون إلى تخلق كل من المادة والطاقة لتملأ المساحات الناتجة عن هذا التوسع، وذلك لأن كوننا تنتشر المادة فيه بكثافات متفاوتة ولكنها متصلة بغير انقطاع، فلا يوجد فيه مكان بلا زمان كما لا يوجد فيه مكان وزمان بغير مادة وطاقة، ولا يستطيع العلم حتى يومنا هذا أن يحدد مصدر كل من المادة والطاقة اللتين تملآن المساحات الناتجة عن تمدد الكون بتلك السرعات المذهلة، ولا تفسير لها إلا الخلق من العدم.
стр. 91
خامسًا: أدى إثبات توسع الكون إلى التصور الصحيح بأننا إذا عدنا بهذا التوسع إلى الوراء مع الزمن، فلابد وأن تلتقي كل صور المادة والطاقة كما يلتقي كل من المكان والزمان في نقطة واحدة. وأدى ذلك إلى الاستنتاج الصحيح بأن الكون قد بدأ من هذه النقطة الواحدة بعملية انفجار عظيم، وهو مما يؤكد أن الكون مخلوق له بداية، وكل ما له بداية فلابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، كما يؤكد حقيقة الخلق من العدم لأن عملية تمدد الكون تقتضي خلق كل من المادة والطاقة بطريقة مستمرة من حيث لا يدرك العلماء، وذلك ليملأ في التو والحال المسافات الناشئة عن تباعد المجرات بسرعات مذهلة، وذلك لكي يحتفظ الكون بمستوى متوسط لكثافته التي نراه بها اليوم، وقد أجبرت هذه الملاحظات علماء الغرب على هجر معتقداتهم الخاطئة عن ثبات الكون، والتي دافعوا عنها طويلا انطلاقا من ظنهم الباطل بأزلية الكون وأبديته لكي يبالغوا في كفرهم بالخلق وجحودهم للخالق.
هذه الاستنتاجات الكلية المهمة عن أصل الكون وكيفية خلقه وإبداع صنعه وحتمية نهايته؛ أمكن الوصول إليها من ملاحظة توسع الكون، وهي حقيقة من أهم حقائق علم الفلك لم يتمكن الإنسان من إدراكها إلا في الثلث الأول من القرن العشرين، ودار حولها الجدل حتى سلم بها أهل العلم أخيرا، وقد سبق القرآن الكريم بإقرارها قبل أربعة عشر قرنا أو يزيد، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لتلك الإشارة القرآنية الباهرة غير الله الخالق سبحانه، فسبحان خالق الكون الذي أبدعه بعلمه وحكمته وقدرته، والذي أنزل لنا في خاتم كتبه وعلى خاتم أنبيائه ورسله عددا من حقائق الكون الثابتة، ومنها تمدد الكون وتوسعه فقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧) لتبقى هذه الومضة القرآنية الباهرة مع غيرها من الآيات القرآنية شهادة صدق بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن سيدنا ونبينا محمدا ﷺ هو خاتم أنبياء الله ورسله
стр. 92
وأنه ﷺ كان موصولا بالوحي ومعلما من قِبل خالق السموات والأرض، وأن القرآن الكريم هو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة.
وإذا كان صدق القرآن الكريم جليا في إشاراته إلى بعض أشياء الكون وظواهره؛ فلابد وأن يكون صدقه في رسالته الأساسية؛ وهي الدين بركائزه الأربع: العقيدة العبادة الأخلاق المعاملات جليا كذلك، وهنا يتضح جانب من أهم جوانب الإعجاز في كتاب الله وما أكثر جوانبه المعجزة، ألا وهو الإعجاز العلمي، وهو خطاب العصر ومنطقه وما أحوج الأمة الإسلامية بل ما أحوج الإنسانية كلها إلى هذا الخطاب في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه، وزمن العولمة الذي تحاول فيه القوى الكبرى على ضلالها فرض قيمها الدينية والأخلاقية والاجتماعية المنهارة على دول العالم الثالث، وفي زمرتها الدول الإسلامية بحكم غلبتها العلمية والتقنية وهيمنتها الاقتصادية والعسكرية، وقد عانت الدول الغربية ذاتها ولا تزال من الإغراق المادي الذي دمر مجتمعاتها، وأدى إلى تحللها الأسري والاجتماعي والأخلاقي والسلوكي والديني، وإلى ارتفاع معدلات كل من الجريمة والإدمان والانتحار، وإلى الحيود عن كل قوانين الفطرة السوية التي فطر الله سبحانه خلقه عليها، وإلى العديد من المشاكل والأزمات النفسية، والمظالم الاجتماعية والسياسية على المستويين المحلي والدولي لا يتسع المقام لسردها.
وما أحوج علماء المسلمين إلى إدراك قيمة الآيات الكونية في كتاب الله، فيقبلوا عليها بالتحقيق العلمي المنهجي الدقيق بعد فهم عميق لدلالة اللغة وضوابطها وقواعدها، ولأساليب التعبير فيها وفهم لأسباب النزول ومعرفة بالمأثور من تفسير الرسول ﷺ وجهود السابقين من المفسرين، ثم تقديم ذلك الإعجاز العلمي إلى الناس كافة مسلمين وغير مسلمين، مما يعد دليلا ماديا ملموسا على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وعلى أن سيدنا ونبينا محمدا ﷺ هو خاتم أنبيائه ورسله في غير تكلف ولا اعتساف؛ لأن القرآن الكريم غني عن ذلك وهو
стр. 93
أعز علينا وأكرم من أن نتكلف له. وهذا المنهج في الاهتمام بالآيات الكونية في كتاب الله وشرح الإشارات العلمية فيها من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه، هو من أكثر وسائل الدعوة إلى دين الله قبولا في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه". إذن الآية قررت بوضوح اتساع الكون وهذا ما كان ينكره الباحثون الغربيون، إلا أنهم أمام الحقائق العلمية التي تم اكتشافها منهم أقروا بأن الكون متمدد ومتسع، وهذا ما نطق به القرآن الكريم: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧) وهذا يدل دلالة صادقة على أن الرسول ﷺ صادق في كل ما قاله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤).
وهذا الذي أقر به علماء الغرب يشهد للقرآن بأنه لا يمكن إلا أن يكون كلام الله الخالق، كما يشهد لخاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- بأنه كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السموات والأرض، حيث إنه لم يكن لأحد من الخلق علم بهذه الحقائق الكونية في زمن الوحي ولا لقرون جاءت من بعد نزوله وتشهد هذه الآية ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧) بدقة الإشارات الكونية الواردة في كتاب الله وشمولها وكمالها وصياغتها صياغة معجزة، يفهم منها أهل كل عصر معنى من المعاني يتناسب مع المستوى العلمي للعصر، وتظل هذه المعاني تتسع باستمرار مع توسع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، وهو من أبلغ صور الإعجاز العلمي في كتاب الله. وقول الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧) يشهد بأن هذا الكون من صنع الله وأن حكمة الله دائمة ومستمرة وستظل معروفة للموحدين المؤمنين وستظل برهانا للكافرين المشككين، حتى يهديهم الله كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 94
الدرس: ٨ انفجار الكون في بداية الخلق - خلق السموات والأرض .
стр. 95
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(انفجار الكون في بداية الخلق - خلق السموات والأرض)
المفسرون وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (الأنبياء: ٣٠) ماذا يقول المفسرون في هذه الآية؟
أولًا: يقول الفخر الرازي: "اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها: وهو قول الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، ورواية عكرمة عن ابن عباس ﵃ أن المعنى كانتا شيئًا واحدًا، ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض، وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء؛ لأنه تعالى لمَّا فَصَل بينهما ترك الأرضَ حيث هي، وأصعد الأجزاء السماوية. قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريجًا توسطتهما ففتقهما بها، وثانيها: وهو قول أبي صالح، ومجاهد: أن المعنى كانت السموات ملتفقة فجعلت سبع سماوات، وكذلك الأراضون.
وثالثها: وهو قول ابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين: أن السموات، والأرض كانتا رتقًا بالاستواء والصلابة، ففتق الله السماء بالمطر، والأرض بالنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ (الطارق: ١١، ١٢) ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه لقوله بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠) وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا؛ فإن قيل: هذا الوجه مرجوح؛ لأن المطرَ لا ينزل من السموات، بل من سماء واحدة وهي
стр. 96
سماء الدنيا. قلنا: -أي الفخر الرازي-: إنما أطلق عليه لفظ الجمع؛ لأن كل قطعة منها سماء، واعلم: أن على هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار.
ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني: يجوز أن يُرَادَ بالفتق الإيجاد، والإظهار كقوله: ﴿فَاطِرِ السموات وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: ١) وكقوله: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السموات وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ (الأنبياء: ٥٦) فأخبر عن الإيجادِ بلفظِ الرتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق، أقول -أي: الفخر الرازي-: وتحقيقه أن العدمَ نفيٌ محضٌ، فليس فيه ذوات مميزة، وأعيان متباينة، بل كأنه أمرٌ واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض، وينفصل بعضها عن بعض، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازًا عن العدم والفتق عن الوجود.
وخامسها: أن الليل سابق على النهار لقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ (يس: ٣٧) وكانت السموات والأرض مظلمة أولًا ففتقهما الله بإظهار النهار المبصر، فإن قيل+: فأي الأقاويل أليق بالظاهر+؟ قلنا: الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقًا، ولا يجوز +كونهما كذلك، +إلا وهما موجودان، والرتق ضد الفتق، فإذا كان الفتق هو المفارقة، فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحًا، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه، ويتلوه الوجه الثاني: وهو أن كل واحد منهما ++رتق ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعًا. ويتلوه الثالث: وهو أنهما كانا صُلْبَيْنِ من غير فطورٍ ففتقهما؛ لينزل المطر من السماء، ويظهر النباتُ على الأرض". هذا ما قاله الفخر الرازي في تفسيره الكبير المسمى بـ (مفاتح الغيب) جزء ٢٢ صـ ١٦٢، ١٦٣.
стр. 97
قال صاحب (الظلال) في تفسير هذه الآية: "تقرير القرآن أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقتا مسألةٌ جديرة بالتأمل، كلما تقدمت النظريات الفلكية في محاولة لتفسيرِ الظواهر الكونية؛ فَحَامَتْ حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من أربعمائة وألف عام، فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها، ومنها الأرض والقمر كانت سديمًا ثم انفصلت، وأخذت أشكالها الكروية، وأن الأرض كانت قطعةً من الشمس، ثم انفصَلَتْ عنها وبردت، ولكن هذه ليست سوى نظريةٍ فلكية تقوم اليوم، وقد تنقض غدًا، وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية.
ونحن أصحاب هذه العقيدة لا نحاول أن نحمل النص القرآني المستيقَن على نظرية غير مستيقنة تُقْبَلُ اليوم، وترفض غدًا؛ لذلك لا نحاول في هذه الظلال أن نوفق بين النصوص القرآنية، والنظريات التي تسمى علمية، وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة، كتمدد المعادن بالحرارة، وتحول الماء بخارًا، وتجمده بالبرودة إلى آخر هذا النوع من الحقائق العلمية، وهي شيء آخر غير النظريات العلمية. إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية، ولم يجئ ليكون علمًا تجريبيًّا كذلك، إنما هو منهج للحياة كلها منهج لتقويم العقل ليعمل، وينطلق في حدوده، ولتقويم المجتمع؛ ليسمح للعقل بالعمل، والانطلاق دون أن يدخلَ في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة؛ فهذا متروكٌ للعقل بعد تقويمه، وإطلاق سراحه، وقد يشير القرآن ++أحيانا إلى حقائق كونية، كهذه الحقيقة التي يقررها هنا ﴿أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن، وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السموات والأرض، أو فتق السموات عن الأرض؟
стр. 98
ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قرَّرَها القرآن، ولكننا لا نجري بالنص القرآني +وراء أية نظرية فلكية، ولا نطلب تصديقًا للقرآن في نظريات البشر، وهو حقيقة مستيقنة، وقصارى ما يقال: إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تُعَارِضُ المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال+". انتهى كلام المرحوم سيد قطب من (ظلال القرآن) جزء ٤ صـ ٢٣٧٦ طبعة دار الشروق.
يقول الدكتور زغلول النجار عن هذه الآية: "في الوقت الذي ساد المجتمعات البشرية الاعتقاد الخاطئ بأزلية الكون بلا بداية ولا نهاية، وعدم محدوديته إلى ما لا نهاية، وسكونه وثباته، أي: عدم حركتِهِ على الرغم من حركة بعض الأجرام فيه. بمعنى: أن هذا الكون اللانهائي الساكن كان موجودًا منذ الأزل، وسيبْقَى إلى الأبد، وهي فريةٌ أطلَقَهَا الكفارُ والملحدون من بني البشر في محاولةٍ يائسة لنفي الخلق، والتنكر للخالق في هذا الوقت نزل القرآن الكريم موجهًا أنظار هؤلاء الجاحدين من الكفار، والمشركين، والوثنيين إلى طلاقة القدرة الإلهية في إبداعِ خلقِ الكون من جرم ابتدائي واحد، وذلك في صيغةِ استفهام توبيخي استنكاري تقريعي. يقول فيه ربنا سبحانه+: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾.
هذه الآية الكريمة واضحة الدلالة على أن الكون الذي نحيا فيه كونٌ مخلوقٌ له بداية، بدأ الله خَلْقَه من جرم ابتدائي واحد "مرحلة الرتق" وهو القادر على كل شيء، ثم أمر الله تعالى بفتقِ هذا الجرم الابتدائي فانفتق، وهذه مرحلة الفتق، وتحول إلى سحابة من الدخان "مرحلة الدخان" وخلق الله تعالى من هذا الدخان كلًّا من الأرض والسماء، أي: جميع أجرام السماء، وما ينتشر بينها من مختلف
стр. 99
صور المادة، والطاقة مما نعلم، وما لا نعلم وتعرف هذه المرحلة باسم مرحلة الإتيان بكل من الأرض والسماء.
وقد جاء وصف المرحلتين الأخيرتين في الآية الحادية عشرة من سورة فصلت والتي يقول فيها الحق سبحانه موبخا كلا من الذين كفروا بالله تعالى فأنكروا الخلق أو أشركوا مع الله تعالى معبودا آخر: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢). وهذه الآيات القرآنية الكريمة في كل من سورتي الأنبياء وفصلت تعرض لخلق السموات والأرض في إجمال وشمول، وإيجاز، كما تعرض لعددٍ من الحقائق الكونية الأخرى، وتربط بينها وبين عقيدة الإيمان بالله الخالق الواحد، الأحد الفرد الصمد؛ لأن عقيدةَ التوحيد تقوم على أساسٍ من الحقِّ الذي قامت به السموات والأرض، وكل ما فيهما من صور الخلق.
ومن المسلمات: أن الآيات الكونية لم ترد في كتاب الله الخالد من قبيل الإخبار العلمي المباشر للإنسان، وذلك لأن التحصيل العلمي قد ترك لاجتهاد الناس يجمعون شواهده جيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة؛ نظرًا للطبيعة التراكمية للمعارف المكتسبة ولمحدودية حواس الإنسان، وقدرات عقله، ومحدودية كلٍّ من مكانِهِ في بقعَةٍ محددةٍ من الأرض وزمانِهِ، أي: عمره. ومع تسليمنا بهذا الفهم، وتسليمنا كذلك بأن الآيات الكونية التي أشار إليها ربُّنَا في محكم كتابِهِ جاءت في مقام الاستدلال على طلاقةِ القدرةِ الإلهية في إبداعِ الخلقِ، وللاستشهَادِ على أن الله تعالى
стр. 100
الذي أبدَعَ هذا الخلقَ قادِرٌ على إفنائِه، وعلى إعادةِ خلْقِهِ من جديد، كَمَا تأتي هذه الآيات الكونية في مَقَامِ الاستدلال على وحدانيةِ الخالق العظيم بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع وتتراءى هذه الوحدانية لكل ذي بصيرةٍ في جميع جنبات الكون، وفي كل أمر من أموره في السموات، وفي الأرض، في الأنفس، وفي الآفاق في كل سنة من سنن الكون، وفي كل ناموس من نواميسه، وفي كل جزئية من جزئياته من الذرة إلى الخلية الحية إلى المجرة.
كما تتراءى في وحدة بناء الكون ووحدة لبناته، وتآصل عناصرِهِ التي تُرَدُّ كلها إلى غاز الإيدروجين، وفي وحدة كُلٍّ من المادة والطاقة، وفي تواصل كل من المكان والزمان، وفي وحدة بناء الخلية الحية، وفي وحدة الحياة والممات والمصير لكل حي. وتتراءى وحدانية الخالق في تعميم الزوجية على جميع المخلوقات من الأحياء والجمادات حتى يبقى الخالقُ في علاه متفردًا بالوحدانية المطلقة، فوق جميع خلقِهِ، ومع تسليمنا بكل ذلك؛ فإن القرآن الكريم يبقَى كلام الله الخالق الذي أوحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله، وتعهد بحفظه باللغة نفسها التي أوحاه بها -اللغة العربية- فحفظه كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا؛ تحقيقًا للوعد الإلهي الذي قطعه ربنا سبحانه على ذاته العلية فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
ولمَّا كان القرآنُ الكريم هو كلام الله الخالق، وكان الكون من صنعتِه، وإبداع خلقه؛ فلابد أن يكون كل حرف وكلمة، وآية في القرآن الكريم حقًّا مطلقًا، وأن تكون كل الإشارات الكونية فيه ناطقةً بالحقيقة المطلقة للكون، ومكوناته، ولو وعى المسلمون ذلك حقَّ الوعي؛ لكان لهم السبق في الكشف عن العديد من حقائق هذا الكون قبل غيرهم من الأمم بقرون عديدة. ويظل هذا السبق من
стр. 101
أفضل وسائل الدعوة إلى دين الله الخاتم في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه".
العلوم المكتسبة وعملية الانفجار العظيم
العلوم المكتسبة وعملية الانفجار العظيم التي تشير إليها الآية ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا﴾ (الأنبياء: ٣٠):
يقول الدكتور زغلول النجار: "للعلوم المكتسبة شواهد تؤيد مفهوم الانفجار العظيم، منها ما يلي:
١ - توسع الكون كدليلٍ على الانفجار العظيم: على الرغم من تأكيد القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة حقيقة توسع الكون، بقول الحق سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات: ٤٧) فقد بقي الفلكيون إلى مطلع العشرينيات من القرن الماضي مصرين على ثبات الكون وعدم تغيره. وفي السنوات من ١٩١٤ إلى ١٩٢٥ م أثبت الفلكي الأمريكي "سليفر" أن معظم المجرات التي قام برصدها خارج مجرتنا "درب التبانة" أو "سكة التبانة" تتباعد عنا، وعن بعضها بعضا بسرعات كبيرة. وفي سنة ١٩٢٩ تمكن "إدوان" من تأكيدِ ظاهرةِ توسع الكون، وتوصل إلى الاستنتاج الصحيح أن سرعة تباعد المجرات الخارجية عن مجرتِنَا تتناسب تناسبًا طرديًّا مع بعدها عنا. وفي سنة ١٩٣٤ اشترك هو وأحد مساعديه في قياس أبعاد، وسرعات تحرك ٣٢ من تلك المجرات الخارجية بعيدًا عن مجرتنا، وعن بعضها بعضًا من جانب آخر استطاع علماء كل من الفيزياء النظرية، والفلكية تأكيد حقيقة توسع الكون بتوظيف القوانين الرياضية في عددٍ من الحسابات النظرية.
стр. 102
ففي سنة ١٩١٧ م أطلق "ألبرت أينشتين" نظرية النسبية العامة لشرح طبيعة الجاذبية كقوة مؤثرة في الكون المدرك، وأشارت المعادلات الرياضية المستنتجة من تلك النظرية إلى أن الكون الذي نحيا فيه كون غير ثابت فهو إما أن يتمدد. وإما أن ينكمش وفقًا لعدد من القوانين المحددة له، وجاءت هذه النتيجة على عكس ما كان يعتقد "أينشتين"، وجميع معاصريه من الفلكيين، وعلماء الفيزياء النظرية، ولقد أصاب أينشتين الذعر حينما أدرك أن معادلاته تنبئ رغم أنفه بأن الكون في حالة تمددٍ مستمرٍّ؛ فعمد إلى إدخال معامل من عنده أطلق عليها اسم الثابت الكوني ليلغي به تمدد الكون، ويؤكد ثباته، واستقراره برغم دوران الأجرام التي يحتويها وحركاتها المتعددة، ثم عاد "أينشتين" ليعترفَ أمام سيلِ ملاحظات الفلكيين عن تمدد الكون بأن تصرفه هذا كان أكبر خطأ علمي اقترفه في حياته.
في السنوات من ١٩١٧ إلى ١٩٢٤ م قام الروسي "إلكسندر فريدمان" بإدخال عدد من التحسينات على معادلات "أينشتين" وقدم نموذجين لتفسيرِ نشأة الكون يبدأ كلٌّ منهما بحالةٍ متفردةٍ تتميز بكثافة لا نهائية، وتمدد منها إلى حالات ذات كثافة أقل، وتحدث "فريدمان" عن انحناء الكون، وعن تحدبه تبعًا لكمية المادة الموجودة فيه؛ فإن كانت تلك المادة أقل من قدر معين وجب أن يستمر تمدد الكون إلى الأبد، وفي هذه الحالة يكون نظام الكون مفتوحا أما إذا كانت كمية المادة بالكون أقل من المادة التي هي أقل التي يسمونها الكمية حرجة غدت الجاذبية على قدر من القوة؛ بحيث تجذب الكون إلى درجةٍ تتوقف عندها عملية التمدد في لحظةٍ معينةٍ من المستقبل؛ عندها يبدأ الكونُ في الانطواء على ذاتِهِ؛ ليعود إلى حالة الكثافة اللانهائية الأولى التي بدأ بها. وفي هذه الحالة يكون نظام الكون مغلقًا.
стр. 103
وقد أثبت كل من "وليم ديسيتر" و"أرثر إدينجيتن" في سنة ١٩٣٥ م أن الكون كما صورته معادلات "أينشتين" هو كون غير ثابت، ولكن تصور كل منهما للكون كان تصورًا بدائيًّا فبينما كان نموذج "أينشتين" للكون نموذجًا ماديًّا دون حركة ونموذج "ديسيتر" حركيًّا دون مادة؛ جاء نموذج "إدينجيتن" وسطًا بين النموذجين بمعنى: أن الكون بدأ بحالة ساكنة، ثم أخذ في التمدد نظرًا لطغيان قوى الدفع للخارج على قوى الجاذبية، ولكن انطلاقًا من فكر الإلحاد السائد في عصره؛ اضطر "إدينجيتن" إلى أن يفترض للكون ماضيًا لا نهائيًا ليتخلص من حقيقة الخلق، ومن شبح نظرية الانفجار الكبير، والذي سماه باسم البداية الكارثة. في السنوات من ١٩٣٢ إلى ١٩٣٤ م اقترح "ريتشارد فولمان" نموذجًا متذبذبًا للكون يبدأ وينتهي بعملية الانفجار الكبير، وأخيرًا اقترح "ألان جوث" نموذج الكون المتضخم، والذي يقترح فيه أن الكون المبكر تمدد في أولِ الانفجار تمددًا رأسيًّا سريعًا جدًّا مع سطوع فائق، ثم أخذت معدلات التوسع في التباطؤ إلى معدلاتها الحالية.
ومن منطلق إنكار الخلق ينادي الفلكيونَ المعاصرونَ بفكرةِ الكون المفتوح، أي: الذي يتمدد إلى ما لا نهاية، ولكن تقديرات الكتل المفقودة في حسابات توازن الكون المدرك تؤكد انغلاق الكون، هذا الانغلاق الذي سيقفُ بتمدده عند لحظة في المستقبل يعود الكون فيها إلى الانكماش، والتكدس على ذاتِهِ ليعاود سيرته الأولى؛ وبالتدريج بدأت فكرةُ تمدد الكون إلى حدٍّ ما في المستقبل تلقى القبول من الغالبية الساحقة من علماء الفلك، والفيزياء الفلكية والنظرية، وإن بقيت أعداد منهم تدعوا إلى ثباتِ الكون حتى مشارف الخمسينيات من القرن العشرين. ومن هذه الأعداد مجموعة علماء الفلك في جامعة "كمبوردج" المكونة من كل من "هيرنان بوندي" و"توماس جولد" و"فريد هويل" وقد قام هذا الفريق بنشر سلسلة من المقالات، والبحوث في السنوات ١٩٤٦ و ٤٨ و ٤٩ دفاعًا عن النموذج الثابت للكون، ثم اضطروا إلى الاعتراف بحقيقةِ تمدده بعد ذلك بسنوات قليلة.
стр. 104
ومن عجائب القدر بهؤلاء الجاحدين لحقيقة الخلق، المتنكرين لجلال الخالق سبحانه، المنادين كذبًا بأزلية العالم أن يكون أحد زعمائهم وهو "فريد هويل" الذي حمل لواء الادعاء بثبات الكون واستقراره، وأزليته لسنوات طويلة هو الذي يعلن بنفسه في سخريةٍ لاذعةٍ تعبير الانفجار الكبير للكون، وذلك في سلسلة أحاديث له عَبْرَ الإذاعة البريطانية في سنة ١٩٥٠ م كان ينتقد فيها ظاهرة تمدد الكون، ويحاول إثبات بطلانها، ثم جاء بعد ذلك بسنوات ليكون من أشد المدافعين لها. وكانت نظرية خلق الكون من جرم أولي واحد عالي الكثافة قد توصل إليها البلجيكي "جورج لوميتر" وذلك في رسالة تقدم بها إلى معهد "مساشوسيشي" للتقنية دافع فيها، وفي عدد من بحوثه التالية عن حقيقة تمدد الكون، ولم تلقَ أبحاثه أي انتباه إلى أن جاء "إيدينجيتن" في سنة ١٩٣٠ م ليلفت إليها الأنظار ومن هنا أطلق على "لوميتر" لقب صاحب فكرة الانفجار الكبير في صورتها الأولى".
بقايا الإشعاع الكوني كدليل على الانفجار العظيم
في سنة ١٩٤٨ أعلن كل من "جورج جامو" وزميله "رالف ألفر" أن تركيز العناصر في الجزء المدرك من الكون يشير إلى أن الجرم الأولي الذي بدأ به الكون كان تحت ضغط، وفي درجة حرارة لا يكاد العقل البشري أن يتصورهما وعند انفجاره انتقلت تلك الحرارة إلى سحابةِ الدخان الكوني التي نتجت عن ذلك الانفجار، وسمحت بعدد من التفاعلات النووية التي أدَّتْ إلى تكون العناصر الأولية من مثل "الإيدروجين" و"الهيليوم".
وفي السنة نفسها ١٩٤٨ قدم كل من "إلفر" و"هيرمان" اقتراحا بأن الجرم الابتدائي للكون كان له إشعاع حراري يشابه إشعاع الأجسام المعتمة، وأن هذا الإشعاع
стр. 105
تناقصَتْ شدته مع استمرار تمدد الكون وتبرده، ولكن لابد وأن تبقى منه بقية في صفحة السماء؛ إذ أمكن البحث عنها وتسجيلها، كانت تلك البقية الإشعاعية من أقوى الأدلة على بدءِ خلق الكون بعملية الانفجار الكبير. وفي سنة ١٩٦٤ تمكن اثنان من علماء مختبرات "بِل" للأبحاث، وهما "أرنو بنزياس" و"روبرت ويلسون" بمحض المصادفة من اكتشاف تلك البقايا الأثرية للإشعاع الحراري الكوني على هيئة ضوضاء لاسلكية محيرة تفد بانتظام إلى الهوائي الذي كانا قد نصباه لغاية أخرى من جميع الجهات في السماء حيثما وجه الهوائي، وقدروها بثلاث درجات مطلقة ٢٧٠ درجة مئوية تحت الصفر المئوي.
في الوقت نفسه كان كل من روبرت دايك" وتلميذه "بيبلز" قد استنتجا من معادلاتهم الرياضية الفلكية: أن النسب المقدرة لغازي الإيدروجين والهيليوم في الكون تؤكد الكمية الهائلة من الإشعاع التي نتجت عن الانفجار الكبير، وتدعم نظريته، ومع تمدد الكون ضعف هذا الإشعاع بالتدريج، وانخفضت درجة حرارته إلى بضع درجات قليلة فوق الصفر المطلق الذي يساوي ٢٧٣ درجة تحت الصفر المئوي. في سنة ١٩٦٥ م قام كل من "بنزياس" و"ويلسون" بتصحيح قيمةِ البقايا الأثرية للإشعاع الحراري الكوني، وأثبتا أنها من الموجات الكهرومغناطيسية المتناهية في القصر.
تصور بقايا الدخان الكوني دليل على عملية الانفجار العظيم
في سنة ١٩٨٩ م أرسلت مؤسسة ناسا الأمريكية إلى الفضاء مركبة فضائية لجمع المعلومات حول الإشعاع الحراري الكوني، أطلق عليها اسم مكتشف الخلفية الإشعاعية، وزود بأجهزةٍ فائقة الحساسية أثبتت وجود تلك الأشعة الأثرية المتبقية عن عملية الانفجار العظيم. وكان في هذا الاكتشاف التفسير المنطقي لسبب الأزيز اللاسلكي المنتظم الذي يعج به الكون، والذي يأتي إلينَا من مختلفِ
стр. 106
أطراف الكون المدركة، والذي بقي على هيئة صدى لعملية الانفجار الكبير، وقد قَامت هذه المركبةُ الفضائية بإرسال ملايين الصور إلى الأرض عن بقايا الدخان للأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم من على مسافة تقدر بعشرة مليارات من السنين الضوئية.
وقد منح كل من "بنزياس" و"ويسلون" جائزة نوبل سنة ١٩٧٨ م على اكتشافهما الذي كان فيه الدليل المادي الملموس لدعم نظرية الانفجار الكبير والارتقاء بها إلى مقام الحقيقة شبه المؤكدة، ودفع بالغالبية الساحقة من علماء الفلك، والفيزياء الفلكية إلى الاعتقاد بصحتها، وسبحان الخالق الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. وبدء خلق الكون بعملية انفجار كبرى هو من دلائل طلاقة القدرة الإلهية؛ لأنه من المعروف أن الانفجار بطبيعتِهِ يؤدي إلى تناثر المادة وبعثرتها، ولا يخلف وراءه إلا الدمار.
أما هذا الانفجار الكوني الفتق بعد الرتق، فقد أدى إلى إبداع نظامي كوني له تصميم دقيق محكم الأبعاد والعلاقات، والتفاعلات، منضبط الكتل، والأحجام والمسافات، منتظم الحركة والجري، والتداخلات، مبني على الوتيرةِ نفسِهَا من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته على الرغم من تعاظم أبعاده، وكثرة أجرامه وتعقيد علاقاته، وانفجارٌ هذه نتائجه لا يمكن أن يكون قد تمَّ بغير تدبير حكيم وتقدير مسبق عظيم، لا يقدر عليه إلا رب العالمين. وقد أشار العالم البريطاني المعاصر "ستيفن هوكونج" إلى شيءٍ من ذلك في كتابه المعنون (تاريخ موجز للزمن) الذي نشره في كندا سنة ١٩٨٨م، ولكن إشاراته جاءت على استحياءٍ شديد؛ نظرًا لجَوِّ الإلحاد الذي يسود الغرب بصفة عامة في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه،
стр. 107
والكتاب مملوء بالاستنتاجات المؤكدة لحقيقة الخلق، وعظيمة الخالق، وإن جاءت كلها مغلفة بسحابةٍ من الاستحياء، والتردد الشديدين.
القرآن الكريم وخلق السموات والأرض
في ظل سيادة الاعتقاد الخاطئ بأن الكون الذي نحيا فيه كان منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد، وأنه كون لا نهائي لا تحده حدود، وأنه كونٌ ساكن ثابت في مكانِه لا يتغير، وأن النجوم مثبتةٌ في السماء التي تدور بنجومِهَا كقطعة واحدة حول الأرض، وأن الكون شاملٌ للعناصر الأربعة التراب، والماء، والهواء والنار، وحول هذه الكُرَات الأربع تدور السماء بنجومها، وغير ذلك من الخرافات والأساطير.
في هذا الوقت جاء القرآن الكريم مؤكدا أن الكون مخلوق له بداية، ولابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، وأنه محدود بحدود لا يتجاوزها، وإن كنا لا نستطيع أن ندركها. ومؤكِّدًا أن جميع أجرام السماء في حركة دائبة وجري مستمر إلى أجل مسمى وأن السماء ذاتها في توسع دائب إلى أجل مسمى، وأن السموات والأرض كانتا في الأصل جرمًا واحدًا، ففتقهما الله؛ فتحولت مادة هذا الجرم الأولي إلى الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماء، وأن هذا الكون سوف يطوى ليعود كهيئتِهِ الأولى جرمًا واحدًا مفردًا، يتفتق مرة أخرى إلى سحابة من الدخان، تخلق منها أرض غير أرضنا الحالية، وسموات غير السموات التي تظلنا في حياتنا الدنيا.
وهنا تتوقف رحلة الحياة الأولى وتبدأ رحلة الآخرة. وفيها الحياة أبدية خالدة خلودًا بلا موت قال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ وقال
стр. 108
تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت: ١١) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٤) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسموات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: ٤٨).
هذه الآيات القرآنية الكريمة تشير إلى عدد من حقائق الكون الكبرى والتي منها ابتداء خلق الكون من جرم أولي واحد مرحلة الرتق الأول فتق هذا الجرم الأولي، أي انفجاره مرحلة الفتق الأول تحول المادة في الجرم الأول عند فتقه إلى دخان مرحلة الدخان، خلق كل من الأرض والسموات من الدخان الكوني مرحلة الإتيان بكل من الأرض والسماء، توسع الكون منذ اللحظة الأولى لخلقه وإلى أن يشاء الله، حتمية عودة الكون بكل ما فيه وما فيه إلى جرم ابتدائي واحد مشابه تماما للجرم الأولي الذي ابتدئ منه الخلق مرحلة الرتق الثاني أو طي السماء أو الانسحاق الشديد للكون، حتمية فتق هذا الجرم الثاني أي انفجاره مرحلة الفتق للرتق الثاني حتمية تحول الرتق الثاني بعد فتقه إلى سحابة من الدخان الكوني، إعادة خلق أرض غير أرضنا الحالية وسموات غير السموات التي تظللنا اليوم وبداية رحلة الآخرة وهي دار الخلود.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ والرتق في اللغة عكس الفتق لأن الرتق هو الضم والالتحام والالتئام سواء كان ذلك طبيعيا أو صناعيا، والفتق لغة هو الفصل والشق والانشطار، والقرآن الكريم هنا يعطي الصورة الكاملة الجامعة لهذا الحدوث الكوني العظيم ويترك التفاصيل لجهود العلماء والمفكرين الذين يفكرون في خلق السموات والأرض. هذا السبق القرآني بحقيقة الفتق بعد الرتق يجعلنا نرتقي بنظرية الانفجار الكوني العظيم إلى مقام الحقيقة ونكون هنا قد انتصرنا بالقرآن الكريم للعلم المكتسب، وليس
стр. 109
العكس، والسبب في لجوءنا إلى تلك النظرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية رقم ٣٠ من سورة الأنبياء هو أن العلوم المكتسبة لا يمكن لها أن تتجاوز مرحلة التنظير في القضايا التي لا تخضع لحس الإنسان المباشر.
هذا السبق القرآني بالإشارة إلى حقيقة الفتق بعد الرتق أو ما يعبر عنه بالانفجار الكوني العظيم، وإلى حقيقة توسيع السماء أو تمدد الكون وإلى حقيقة الخلق من الدخان وإلى حقيقة الرتق بعد الفتق وإلى حقيقة إعادة خلق أرض غير الأرض وسموات غير السموات الحالية، وإلى العديد غيرها من الحقائق التي صاحبت خلق السموات والأرض هذه الآية الكونية ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا﴾ (الأنبياء: ٣٠) تشهد بإعجاز القرآن وأنه من عند الله سبحانه، أفلا يعقلون، أفلا يفكرون، أفلا يتدبرون.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 110
الدرس: ٩ شرح قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان ... ﴾.
следующие страницы →