← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 31083

الأديان والمذاهب - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (387 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[الأديان والمذاهب]- كود المادة: GUSU٥٠٥٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ علم الأديان نشأته وأهميته وتعريفه . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (علم الأد يان نشأته وأهميته وتعريفه) مقدمة عن تاريخ علم الأديان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فنحن مع مادة الأديان والمذاهب، والتي تدور في فلك أهمية دراسة علم الأديان، ومعنى الدين، ونظرات حول الرسالات السماوية، والأديان الوضعية هكذا على الجملة، ودرسنا الأول يدور حول عنصرين أساسيين أهمية دراسة الأديان وعرض سريع لتاريخ الأديان فنقول وبالله التوفيق: أهمية دراسة الأديان: تتأتَّى أهمية دراسة الأديان كمنهج إسلامي في الدعوة إلى الله تعالى؛ إذ يرتكز هذا المنهج في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام على الجدال بالتي هي أحسن كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: ٤٦) ولا يستطيع الداعية الناجح أن يدعو غير المسلمين بالتي هي أحسن إلا إذا درس ما عندهم من ديانات، ووقف على الملل والنحل التي يدين بها غير المسلمين حتى يعرف الحق من الباطل، والهدى من الضلال، فإذا علم ذلك استطاع أن يدفع الباطل، ويردَّه عن دعوته، وأن يناصر الحق والصواب على المنهج القويم الذي رسمه الله تعالى للدُّعاة إليه في قوله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: ١٠٨).

стр. 3

وتتأتَّى أيضًا أهمية هذه الدراسة على أنها واجب علمي تقتضيه الضرورة الملقاة على عاتق الدعاة إلى الله؛ إذ بهذه الدراسة يستطيع الداعية أن يُزيح الستار عن الرسالات التي تنزلت من قِبَل الحق ﵎، خاصة التي أسدل عليها الباطل ستاره حتى ذهب بها، وجاء الناس لأنفسهم بعقائد وتشريعات جديدة تبتعد كل البعد عن دين الله وشرعه. لذا فيجب على طالب العلم أن يكون على علم بتاريخ الأديان والمذاهب المنتشرة حوله، حتى يستطيع أن يُقارع غيره ممن يخالفونه في الدين الحجة بالحق، والبينة بالبينة، والدليل بالدليل، ويستطيع أن يؤمِّن الأجيال الحاضرة والمقبلة من خطر المنصرين، وأن يأمن على دينه مما يحيط به من أخطار وأهوال. إذن ترتكز هذه الأهمية في أن المسلم يحافظ على دينه، ويكون على بصيرة وبينة من الأمر بمعرفة الحق من الباطل، ويحصن نفسه من خطر المنصرين. وأما بالنسبة للداعية خاصة حتى يستطيع أن يدعو إلى الله على بصيرة وعلم، وأن يجادل غير المسلمين بالتي هي أحسن. عرض سريع لتاريخ علم الأديان: حيث يدور في فلك بدايته مع العصر الفرعوني، وإلى نهاياته حيث النهضة الأوروبية، فنقول وبالله التوفيق: كلمة تاريخ الأديان كلمة معربة عن لغة الفرنجة، والتسمية بهذا الاسم مستحدثة لم تعرفها أوربا إلا عند فجر القرن التاسع عشر، على أن الحديث عن العقائد البشرية هو في جوهره شأن قديم، ومعاصر لاختلاف الناس في مللهم ونحلهم، تتسع مادته حينًا، وتضيق حينًا بمقدار تعارف أهل الأديان فيما بينهم، ووقوف

стр. 4

بعضهم على مذاهب بعض، كما يختلف طابعهم ووجهتهم مسايرة لتشعب نزعات الباحثين وأهدافهم. ولو أننا تتبعنا سلسلة الحديث عن الأديان من عهد الفراعنة، واليونان، والرومان، والمسيحية، والإسلام؛ فالنهضة الحديثة لاستطعنا أن نتبين اختلاف صوره فيما بين العصر والعصر، بل ربما بين الفترة والفترة، فمثلًا العصر الفرعوني لم يصل إلى أيدينا سجل جامع دوَّن فيه قدماء المصريين دياناتهم وأديان غيرهم، ولكن البحوث الأخيرة أثبتت إثباتًا لا يخالطه وهم أن المصريين منذ ألوف السنين قبل ميلاد المسيح ﵇ بدءوا يسجلون عقائدهم وعوائدهم ووقائعهم، وألوان حياتهم: أقوالًا متفرقة مسطورة في قراطيس البردي، أو منقوشة على جدران المقابر والمعابد، وأنهم تركوا إلى جانب ذلك مجموعات عظيمة من التماثيل المنحوتة، والأجساد المحنطة لملوكهم ورؤسائهم، ومقدساتهم من الطير، والحيوان، والأناسي وغيرها، وكذا صنعوا في شأن الأقاليم التي فتحوها كبلاد النوبة، وسوريا، والعراق وغيرها. وعلى قدر سعة فتوحهم اتسعت صدورهم لمختلف العقائد، فتركوا لكل إقليم حريته في تقديس ما يشاء، واتخاذ ما يشاء من الرموز الموضعية. أما العصر الإغريقي: فلم يبقَ الآن مجال للشك في أن القدامى من علماء اليونان وفلاسفتهم تخرجوا في مدرسة الحضارات الشرقية، والحضارة المصرية بوجه أخص، وليس معنى هذا أن الإغريق كانوا بمثابة أوعية مصمتة نقلت علوم الشرق ومعارفه نقلًا حرفيًّا، فذلك

стр. 5

ما لا يستسيغه عقل، ولم يقم عليه دليل من صحيح النقل، ولكن المعنى أنهم لم ينشئوا هذه العلوم إنشاء على غير مثال سابق، كما ظنه بعضهم، بل وجدوا مادتها في الشرق فاقتبسوا منها وأفادوا كثيرًا. وإن قدماء اليونان أنفسهم يذهبون إلى الاعتراف بهذه التلمذة إلى القول بأن عظماءهم أمثال فيثاغورس وأفلاطون مدينون بأرقى نظرياتهم إلى المدرسة المصرية، والناقدون المحدثون -وإن استبعدوا حصول نقل حرفي لهذه النظريات- لم يسعهم إلا التسليم بتبعية هؤلاء الفلاسفة في الدين والأخلاق للنظريات المصرية. وفي حديثهم عن آثارهم ومعاركهم، وأخبارهم كانوا يتحدثون عن أسماء آلهتهم وآلهة خصومهم، ووصف القربات، والضحايا، والتوسلات التي يتوجه بها كل مظلوم أو مكروب إلى إلهه، وذكر ما يجري في زعمهم بين آلهة السماء؛ حيث تتشاور فيما بينها وحين تتنازع، وتنقسم آراؤها في الانتصار لهذا الفريق أو ذاك إلى غير ذلك. ثم تطورت هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى أكثر حيوية في تسجيل المعالم الدينية، ولكنها كانت تتسم رواياتهم بالطابع الأسطوري والتمثيلي الذي يستمدُّه الكاتب من خياله، وأسلوب تفكيره في تعليل الحوادث والنوازل، ثم يلي هذا دور الرحلات للمؤرخين الوصافين، وهذا الدور وإن كان كسابقه لم يفرد فيها للأديان تأليف مستقل؛ حيث كان الحديث عنها يمزج بالأوصاف الإقليمية وغيرها، إلا أن الاعتماد فيه كان على المشاهدات لا على التخيلات، كما أن نطاق البحث فيه كان أوسع، فقد شمل ديانات آسيا الصغرى، ومصر، وبابل، وفارس، وما يتاخمها، وامتاز أيضًا بطابع المقارنة بين معبودات

стр. 6

الإغريق، ومعبودات غيرهم مقارنة تميل إلى تفضيل وجهة نظر المصريين، وإلى نقد الأخطاء التي كان يقع فيها عامتهم بسبب الاشتراك اللفظي حين يكون الاسم الواحد علمًا على إله أزلي، وعلى بطل من أبطال الشر. ولقد كانت فتوح الإسكندر المقدوني سببًا في انفساح مجال المعرفة لأديان أخرى، حيث وصلت جيوش الإسكندر إلى الهند، وإلى جانب هذه الدراسات الوصفية لمختلف الأديان المعروفة؛ إذ ذاك، قامت دراسات نقدية فلسفية تهدف إلى تمحيص حقيقة الدين بوجه عام في ثنايا البحث عن حقائق الأشياء. العصر الروماني: في القرن الثاني قبل الميلاد أخضع الرومان الدولة اليونانية سياسيًّا، فأصبحت ولاية تابعة لهم بعد أن كانوا هم تبعًا لها، والعجب أنه لم يستفد الرومان من الحضارة اليونانية شيئًا يُذكر في محيط الأوساط العلمية والأدبية، لكن كان الفتح الروماني لبلاد الإغريق سببًا في اجتلاب بعض آرائهم الشائعة في العصر، كان هذا الفتح للبلاد الأسيوية والأفريقية سببًا في نقل بعض مذاهبهما الدينية إلى روما، فاشتهرت فيها بعض أسماء المعبودات مثل مترا، وبعل، وإيزيس وغيرهم. وكان وصف هذه الديانات الواغلة مضافة إلى الأديان المحلية مجالًا لأقلام الكاتبين الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، فكتب سيسرون عن الآراء الفلسفية في طبيعة الألوهية، وكتب فارون عن الشعائر، والعبادات الرومانية، لا بأسلوب النقد والموازنة والترجيح، بل بأسلوب التأويل والتوفيق، أو التلفيق بين الآراء المختلفة.

стр. 7

أسلوب ينم عن التردد والحيرة، وعدم العناية بالبحث الجدي أكثر مما يعبر عن روح التسامح الديني، الذي ينسب إلى ذلك العهد، فالتعبير بالتسامح هنا تعبير غير محرم، واستنباط غير موفق من عادة اعتادها بعضهم إذ ذاك، وهي أنهم كانوا لا يلتزمون شعائر دين معين، بل يشتركون في عبادات متنوعة من ديانات شتَّى باعتبارها كلها رموز الحقيقة الواحدة، فهذا المسلك لا يدل على احترام كل متدين لديانة غيره، وهو معنى التسامح والإرضاء، بل يدل على الانحلال، وعدم الركون إلى دين ما. العصر المسيحي: وفي منتصف القرن الأول بعد الميلاد دخلت الدعوة المسيحية إلى أوربا في صورة دين سماوي جديد، يأبى أن ينتظم في سلك مع الأديان الوثنية السابقة، ويحاول أن يظهر عليها ويحل محلها، وكان ما كان من احتكاك وصراع، وتفاعل وامتزاج بينه وبين تلك الديانات المحلية، ثم بينه وبين المذاهب المستحدثة في عهده مثل: الديانة المانوية التي ظهرت في القرن الثالث بعد الميلاد، والفلسفة الأفلاطونية الحديثة في القرن الثالث أيضًا. وكان ما كان من اضطهادات، ومقاومات عنيفة شنَّها أباطرة الرومان على دُعاته وأتباعه، حتى جاء الإمبراطور قسطنطين أول القرن الرابع فدعا في أول الأمر إلى المهادنة الدينية العامة، ثم أعلن المسيحية دينًا رسميًّا للدولة على الصورة التي وضعها المجمع المنعقد بأمره في نيقية سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين ميلادية، وقد كان ألمع اسم في قائمة المدافعين عن المسيحية المعارضين للنحل الجديدة المنافسة لها، هو اسم القديس أوغسطين، وهو أسقف كان قد اعتنق المانوية قبل أن

стр. 8

يعتنق المسيحية، وهو له مؤلفاته أشهرها كتاب (المدينة الإلهية) وهو أهمها، وكتاب (الاعترافات)، وكتاب (اللطف). واستمر هذا الطابع الجدلي للعقائد هجومًا ودفاعًا، هدمًا وبناءً لا بين المسيحية وغيرها فحسب، بل بين المذاهب المسيحية أنفسها، فلم يكن هم الكاتبين تصوير العقائد المختلفة كما هي، بل كان هدف كل كاتب التماس موطن من مواطن الضعف في عقيدة خصمه لإبطالها، وإبراز ناحية من نواحي القوة في عقيدته لنصرها ونشرها. العصر الإسلامي: ثم ظهر الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي، وما هو إلا أن تمكنت دعوته في سنة ستمائة واثنين وعشرين من الميلاد، من استنشاق نسيم الحرية خارج مكة، حتى انتشرت بسرعة البرق شمالًا وجنوبًا، وشرقًا وغربًا، ولم يمض قرن واحد حتى سرت في أقطار أوربا الغربية، أسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا حاملة معها علوم الإسلام وآدابه، وتشريعاته، مضافة إلى علوم اليونان، وفلسفتهم، مضافًا إليها ما اكتشفه العرب والمسلمون في رحلاتهم من علوم الشرق وآدابه، وما أفادوه من تجارب جديدة، ولم يكن بدعًا من الأمر أن يكون الغرب عالة على العرب في علوم الشرق، وإنما البديع والعجب العجاب أن يكون عالة عليهم في علوم أوربا نفسها، وأن يبقى كذلك حقبة مديدة من التاريخ، ولئن كان قد مضى الفتح الروماني دون أن يستفيد من الأدب اليوناني، ومضى العصر المسيحي في شغل بالجدل الديني؛ فإنه لم يفتح الغربيون عيونهم على تلك الكنوز العقلية إلا وهي في أيدي العرب والمسلمين الذين

стр. 9

جاءوهم من وراء البحار في أوائل القرن الثامن، فاتحين فتوح علم وسلم، وعدالة وسماحة، لا فتوح علو وعتو، وإشباع للغرائز الجامحة، واستنزاف للدماء والثروات. هناك هرع الناس إليهم من كل صوب ينهلون من معارفهم، وكان اليهود أول الناس انتفاعًا بهذه التلمذة، فأخذوا ينقلون هذه العلوم من العربية إلى العبرية، ثم إلى اللاتينية؛ إنما أفاده الغربيون من معارف العرب أنفسهم في الأدب والشعر، والتشريع والطب، والفلك، والتاريخ، والطبيعة والكيمياء، والجبر والتقويم، والترقيم، ومختلف الفنون والصناعات، فهو أوسع من أن نلمَّ ببعضه، ولكن الذي يعنينا هنا إنما هو أثر العرب والمسلمين في علم الأديان الذي نحن بصدده، وإنه لأثر جليل يمتاز بطابعين جديدين لم يسبق إليهم أحد فيما نعلم. أما أحدهما: فهو أن الحديث عن الأديان بعد أن كان في العصور السابقة إما مغمورًا في لُجَّة الأحاديث عن شئون الحياة، وإما مدفوعًا في تيار البحوث النفسية أو الفلسفية أو الجدلية، أو على الأقل محدودًا بحدود العقائد الموضوعية وما يشارفها، أصبح في كتب العرب دراسة وصفية واقعية، ومنعزلة عن سائر العلوم والفنون، شاملة لكافة الأديان المعروفة في عهدهم، فكان لهم بذلك فضل السبق في تدوينه علمًا مستقلًّا قبل أن تعرفه أوربا الحديثة بعشرة قرون. وأما الآخر فهو ليس أقل نفاسة من سابقه، فهو أنهم في وصفهم الأديان المختلفة لم يعتمدوا على الأخيلة والظنون، ولا على الأخبار المحتملة للصدق والكذب، ولا على العوائد والخزعبلات الشائعة في الطبقات الجاهلة، والتي قد تنحرف قليلًا أو كثيرًا عن حقيقة أديانها، ولكنهم كانوا يستمدون أوصافهم لكل ديانة من

стр. 10

مصادرها الموثوق بها، ويستقونها من منابعها الأولى، وهكذا بعد أن اختطوه علمًا مستقلًّا، اتخذوا له منهجًا علميًّا سليمًا. ونحن ذاكرون هنا بعض أسماء المؤلفات العربية المشهورة في هذه المادة على ترتيبها التاريخي: ١ - كتاب (جمل المقالات) لأبي الحسن الأشعري المتوفى سنة ثلاثمائة وثلاثين من الهجرة في القرن العاشر الميلادي. ٢ - كتاب (المقالات في أصول الديانات) للمسعودي المتوفى سنة ثلاثمائة وست وأربعين للهجرة في القرن العاشر أيضًا. ٣ - كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم الظاهري المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة هجرية في القرن الحادي عشر الميلادي. ٤ - كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني المتوفى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة من الهجرة في القرن الحادي عشر. ٥ - كتاب (اعتقادات المسلمين والمشركين) للفخر الرازي المتوفى سنة ستمائة وست من الهجرة في القرن الثاني عشر الميلادي. ٦ - كتاب (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة) للبيروني. وهكذا، هذا بخلاف الكتب الكثيرة التي وضعت في الرد على النصارى واليهود مثالها ما كتبه القرطبي (الإعلام بما في دين النصارى من أوهام)، وما كتبه ابن تيمية في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، وما كتبه ابن القيم (هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى)، وكتاب الشيخ رحمة الله الهندي (إظهار الحق)، ورسالة لأبي عبيد الخزرجي إلى القس حنا مقار العيسوي.

стр. 11

وهكذا، ثم توالت الكتب تترى حتى هذا العصر الحديث في كتب فاقت الحصر والعد، رسائل، وأبحاث ومسلسلات، أو سلاسل علمية كالتي كتبها الدكتور أحمد شلبي، والدكتور رءوف شلبي، والدكتور أحمد غلوش، والدكتور عبد الله سمك، والدكتور عبد الله بركات، والدكتور عمر بن عبد العزيز، مع رسائل علمية متخصصة تناولت دقائق هذا العلم وجوانبه من كل زواياه، أَفَتَرَى من الإنصاف بعد هذا أن يقال عن الإسلام: إنه لم يصنع شيئًا في تاريخ الأديان المقارنة. ثم نأتي إلى نهضة أوربا الحديثة: بدأت أوربا الغربية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، تستيقظ رويدًا رويدًا، وتتلفت بأنظارها إلى الشرق الذي كان مبعث نورها، فجعلت تبعث إليه البعوث من رجال الدين الفرنسيسكان، والدومينيكان، حتى بلغوا في رحلاتهم بلاد الهند، والصين، واطلعوا على دياناتها، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهما أول العصر المسمى بعصر البعث، أو النهضة انبعثت همتها للاطلاع بنفسها على علوم اليونان وآدابهم، وفنونهم، القديمة باللغة اليونانية، وكانت باكورة نشاطها في هذا الشأن تنقيبها عن الآثار الأسطورية، وتفسير ما ترمز إليه من عقائد أو حوادث تاريخية، ولم تلبث أن ظهرت حركة الإصلاح المسيحي البروتستانتية في منتصف القرن السادس عشر، فكانت مكملة لجانب من هذه النهضة العلمية في أوربا بما مهدت له من دراسات في اللغة العبرية، واللغات السامية الأخرى؛ بغية التفهم لنصوص التوراة والإنجيل، التي كان رجال الإصلاح يتمسكون بحرفيتها.

стр. 12

ولكنها من جانب آخر أغرقت أوربا في حمأة المنازعات والحروب الدينية التي عوقت حركة اكتشاف الأقاليم، ونشر المسيحية فيها، ولذلك بقي البروتستانت قرنين من الزمان لا يساهمون في هذه البعوث، وكان الكاثوليك من أسبان، وبرتغال، وفرنسيين، وهم القائمين إذ ذاك وحدهم بأعبائها، ثم تتابع الرحالون من الفريقين، وازدادت عنايتهم بالأقطار الجديدة في آسيا، والأيفانوسية، وأمريكا، ومجاهل أفريقيا حتى كان آخر القرن الثامن عشر، وهو الوقت الذي نشطت فيه حركة التأليف في وصف عقائد هؤلاء الأقوام، وعوائدهم، فهناك اشرأبت العقول إلى السؤال عما كانت عليه ديانة الإنسان الأول، وبذلت محاولات لتحديدها في ضوء المقايسة على ديانات هؤلاء البدائيين، كما بذلت محاولات لاستنباط الطريق الذي سارت فيه الديانات منذ نشأة الإنسان إلى اليوم، ومعرفة أسلوب تطورها، أو تولد بعضها عن بعض، ومنذ ذلك اليوم أصبح علم الأديان ذا شعبتين اثنتين: شعبة جديدة مبتكرة، وشعبة قديمة نالها شيء من التجديد. أما الشعبة القديمة المجددة فهي تلك الدراسات الوصفية التحليلية الخاصة بملة ملة، وهي التي يمكن أن تعرفنا نشأة ديانة ما، وحياة مؤسسها، ومقومات عقائدها وعباداتها، وأسباب انتشارها، وألوان تطورها إلى غير ذلك من المعاني التي ما فتئت مجالًا لحديث الناس منذ اختلفت مذاهبهم، وهذه الشعبة هي المشهورة باسم تاريخ الأديان، ولو أنصفت التسمية لكانت تواريخ الأديان. والتجديد الذي لحقها في العصور الحديثة يمكن تلخيصه: أنها توسعت في مادتها ووسائلها جميعًا، فهي بعد أن كانت منحصرة فيما بين البحرين الأبيض والأحمر، أعني: ملتقى القارات الثلاث، اتسعت الآن بقعتها حتى انتظمت

стр. 13

القارات الخمس، وهي كذلك، بعد أن كانت محصورة أو تكاد في نطاق الأمم المتمدنة، تناولت الشعوب الهمجية، والأمم البائدة؛ بل تطاولت إلى التنقيب عما وراء التاريخ المعروف. وأما الشعبة الجديدة المبتكرة فهي ضرب من الدراسات النظرية، والاستنباطات الكلية التي تهدف إلى إشباع نهمة العقل في التطلع إلى أصول الأشياء، ومبادئها العامة حين تتشعب عليه جزيئاتها، وتفصيلاتها. تعريف الدين أبدأ الكلام حول معنى الدين لغة واصطلاحًا، فأقول وبالله التوفيق: معنى الدين في اللغة: له معانٍ كثيرة، توهم الناظر إليها لأول مرة أنها متناقضة، وليس الأمر كذلك، بل عند التحقيق تجدها في غاية الانسجام فيما بينها. فقد وردت الكلمة بمعنى الملك وهو الخدمة، وبمعنى الذل أي: القهر والسلطان، أو التذلل والخضوع، وبمعنى الطاعة والاستسلام، والاعتقاد والتعبد، والمحاسبة والجزاء، والحكم والقضاء، والقهر والتدبير، والحساب والمكافأة، وكذا اسم لكل ما نعتقده، أو لكل ما يُتعبد الله به إلى آخر هذه الكلمات التي وردت في معاجم اللغة. والواقع أننا إذا نظرنا في اشتقاق هذه الكلمة، ووجوه تصريفها نرى من وراء هذا الاختلاف الظاهر تقاربًا شديدًا، بل صلة تامة في جوهر المعنى؛ إذ نجد أن هذه المعاني الكثيرة تعود في نهاية الأمر إلى ثلاثة معانٍ تكاد تكون متلازمة، وبيانه: أن كلمة الدين تؤخذ تارة من فعل متعدٍّ بنفسه دانه يدينه، فتكون بمعنى ملكه

стр. 14

وحكمه وساسه، ودبره وقهره وحاسبه، وقضى في شأنه، وجزاه وكافأه، فيدور معنى الدين هنا على معنى الملك والتصرف، والذي منه الآية الكريمة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة: ٤). وكذا اسم الله تعالى الدَّيَّان أي: الحكم والقاضي، ومنه الحديث: ((الكيس من دان نفسه)) أي: حكمها وضبطها، وتارة تكون من فعل متعدٍّ باللام دان له، فتكون بمعنى أطاعه، وخضع له؛ فالدين هنا هو الخضوع والطاعة، وكذا العبادة والورع، وكلمة الدين لله يصح أن يُفهم منها كلا المعنيين الحكم لله أو الخضوع لله، وواضح أن هذا المعنى الثاني ملازم للأول، ومطاوع له، دانه فدان له، أي: قهره على الطاعة فخضع وأطاع. وتارة تأتي من فعل متعدٍّ للباء دان به، فيكون معناه: أنه اتخذه دينًا ومذهبًا أي: اعتقده أو اعتاده، أو تخلق به، فالدين على هذا المعنى هو المذهب والطريقة التي يسير عليها المرء نظريًّا أو عمليًّا، فالمذهب العملي لكل امرئ هو عادته وسيرته، كما يقال: هذا ديني، وديدني، والمذهب النظري عنده هو عقيدته ورأيه الذي يعتنقه، ومن ذلك قولهم دينت الرجل أي: وكلته إلى دينه، ولم أعترض عليه فيما يراه سائغًا في اعتقاده. ولا يخفى أن هذا الاستعمال الثالث تابع أيضًا للاستعمالين قبله؛ لأن العادة أو العقيدة التي يُدان بها لها من السلطان على صاحبها ما يجعله ينقاد لها، ويلتزم اتباعها، وجملة القول في هذه المعاني اللغوية أن كلمة الدين عند العرب تُشير إلى علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر، ويخضع له، فإذا وُصف بها الطرف الأول كانت خضوعًا وانقيادًا، وإذا وصف بها الطرف الثاني كانت أمرًا وسلطانًا،

стр. 15

وحكمًا وإلزامًا، وإذا نظرنا بها إلى الرباط الجامع بين الطرفين؛ كانت هي الدستور المنظم، والحكم الذي يرسم تلك العلاقة، أو المظهر المعبر عنها، فالكلمة تدور على معنى لزوم الانقياد، فالأول: ملزم بالانقياد، والثاني: ملتزم بالانقياد، والثالث: المبدأ الذي يلتزم بالانقياد له. وكذا ينبغي التفرقة بين الدَّين بالفتح، والدِّين بالكسر، فالأول يتضمن في الأصل إلزامًا ماليًّا، والثاني يقتضي إلزامًا أدبيًّا. وهكذا يظهر لنا جليًّا أن هذه المادة بكل معانيها أصيلة في اللغة العربية، وما ظنه البعض من تناقضها، أو ما ظنه بعض المستشرقين من أنها دخيلة على اللغة العربية، أو معربة عن العبرية أو الفارسية فهو بعيد كل البعد، ولعلها نزعة شعوبية أُريد بها تجريد العرب من كل فضيلة حتى فضيلة البيان، التي هي أعز مفاخرهم، وبذا اتضح المقصود حول الكلمة اللغوية. معنى الدين اصطلاحًا: بعد بيان المعنى اللغوي لكلمة الدين نشرع في بيان معنى الدين من ناحية الاصطلاح، أو المعنى الشرعي، ولا شك أنه سيختلف معنى الدين في معناه الاصطلاحي، عند الذين يريدون وضع تعريف له، وذلك لأنه بادئ ذي بدء ستختلف وجهاتهم من حيث النظر إلى الدين، وقد تباين الناس فيه ما بين محق ومبطل، أو متبع لدين الحق وآخر باطل، ودين سماوي وآخر أرضي.

стр. 16

ولذلك جاءت تعريفات الدين متباينة سيما بين المسلمين الغربيين، فالمسلمون يعرفون الدين بأنه وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل، ولخصه بعضهم بقوله: "الدين وضع إلهي يشير إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات"، وهذا التعريف لا شك أنه ينطبق على الدين الحق، ولا يمكن تعديه إلى جنس الدين، وقد عُلم أن منه حسب الواقع والاستقراء الحق والباطل، وما انتشر من باطله أكثر بكثير مما عليه أهل الحق منهم قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦)، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: ١١٦)، وكذا ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦)، وكذلك ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣) إلى آخر الآيات التي في هذا المعنى. وأما الغربيون فلهم في تعريف الدين تعبيرات شتَّى نذكر نماذج منها يقول سيسرون: "الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله"، ويقول كانت: "الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية"، ويقول شليلماخر: "قوام حقيقة الدين شعورنا بالحاجة والتبعية المطلقة"، ويقول الأب شاتل: "الدين هو مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق، وواجبات الإنسان نحو الله، ونحو الجماعة، ونحو نفسه"، ويقول روبرت سبنسر: "هو الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية والمكانية، هذا العنصر الرئيسي في الدين"، يقول تايلور: "الدين هو الإيمان

стр. 17

بكائنات روحية"، يقول ماكسملر: "الدين هو محاولة تصور ما لا يمكن تصوره، والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، فهو التطلع إلى اللانهائي، وهو حب الله"، ويقول إميل برنوف: "الدين هو العبادة، والعبادة هي عمل مزدوج، فهي عمل عقلي به يعترف الإنسان بقوة سامية، وعمل قلبي، أو انعطاف محبة، يتوجه به إلى رحمة تلك القوة"، ويقول ريفيل: "الدين هو توجيه الإنسان سلوكه وفقًا لشعوره بصلة بين روحه، وروح خفية، يعترف لها بالسلطان عليه، وعلى سائر العالم، ويطيب له أن يشعر باتصاله بها". ويقول جويوه: "الديانة هي تصور المجموعة العالمية بصورة الجماعة الإنسانية، والشعور الديني هو الشعور بتبعيتنا لمشيئات أخرى، يركزها الإنسان البدائي في الكون"، ويقول ميشيل مايير: "الدين هو جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكنا مع الله ومع الناس، وفي حق أنفسنا"، ويقول سلفان بريسيه: "الدين هو الجانب المثالي في الحياة الإنسانية" ويقول سلمون ريناك: "الدين هو مجموعة التورعات التي تقف حاجزًا أمام الحرية المطلقة لتصرفاتنا"، ويقول إميل دور كايم: "الدين مجموعة متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلقة بالأشياء المقدسة أي: المعزولة المحرمة، اعتقادات أعمال تضم أتباعها في وحدة معنوية تسمى الملة". وبعدُ: فمن هذا العرض لتعريف الدين عند العلماء الغربيين يتبين أنهم ما أرادوا حقيقة الدين، ولكن فكرة الدين أو الاعتقاد بإطلاق، أو فكرة الخضوع والاتباع من حيث هي بغضِّ النظر عن مصدرها ومنهجها، ومدى صحتها، ومما لا شك فيه أن كثيرًا من الديانات الخرافية التي هي وليدة الخيالات والأوهام كانت تنطبق عليها هذه التعاريف، ولا تخرج عن مقتضاها.

стр. 18

فكل ديانة تقوم على عبادة التماثيل، أو عبادة الحيوان، أو النبات، أو الكواكب، أو الجن، أو الملائكة، أو الأنبياء إلى آخره، فإنها تكون دينًا بمعناه اللغوي، وإن لم يمت إلى الدين الحق بصلة، ولم لا والقرآن قد سماها كذلك حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥)، ويقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦). والشيء الذي لا شك فيه أن هذه التعريفات عند الغربيين متباينة، كما أنها ليست جامعة مانعة، ذلك أن منهم من جعل الدين فكرة فلسفية في أرقى صورها؛ مخالفًا بذلك بقية صوره التي عرفها عوام المتدينين، كما أنها لا تنطبق على عقيدة المشبهين ولا المجسمين، كما لم تخلُ من طرفي النقيض ما بين مضيق وموسع، ومن نظر إلى الروحانية فقط دون المادية، ومن عكس لنا القضية، ومن ذهب إلى النظرية الاعتقادية وقد أغفل الواقع، ومن عاش في الواقع وتمرغ في أوحاله دون أن يرتقي إلى النظرية أو المثالية في شيء، كما أنه لا يجوز لبعض هذه التعريفات أن تحذف مبدأ الألوهية من تعريف الدين. ذلك، لأن قضية الألوهية هي قوام حقيقة الدين، ولا يكون الإنسان متدينًا إلا مع شعوره بالحاجة والتبعية المطلقة لقوة قاهرة أيًّا كانت، وأيًّا كان لون الخضوع لها، فهذا يسمى دينًا بغض النظر عن حقيقته وبطلانه، ولذلك كان يجب على من يتعرض لتعريف الدين أن ينظر إلى العناصر الرئيسة في العقيدة الدينية، والتي ملخصها في هذا التعريف الجامع لمعنى الدين بإطلاق، الدين: هو الاعتقاد بوجود ذات أو ذوات غيبية علوية، لها إرادة واختيار، ولها تصرف وتدبير للشئون التي تعني الإنسان؛ اعتقادًا من شأنه أن يبعث على مناجاة تلك الذات السامية في رغبة ورهبة، وفي خضوع وتمجيد.

стр. 19

وبعبارة موجزة: هو الإيمان بالذات الإلهية، جديرة بالطاعة والعبادة، فهذا الدين من حيث هو حالة نفسية بمعنى التدين، أما إذا نظرنا إليه من حيث هو حقيقة خارجة فنقول: هو جملة النواميس النظرية التي تُحدد صفات تلك القوة الإلهية، وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق عبادتها. وبعد تعريف الدين لغةً واصطلاحًا عند علماء المسلمين، وعند علماء الغربيين، نذكر عناصر الدين، عناصر الدين أربعة، من أجل أن يكون الدين حقًا أو إلهيًّا لا بد وأن يشتمل على أربعة عناصر: الأول: المصدر، وهو الله -جل شأنه- يقول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ (الكهف: ١). الثاني: الوحي الذي يكون وساطة بين الله وعباده كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (النساء: ١٦٣)، كما قال تعالى مخاطبًا نبيه ﵊: ﴿حم عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الشورى: ١: ٣). الثالث: الموحى به، وهو المنهج، أو الدين يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (يونس: ١٠٩)، ويقول أيضًا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الشورى: ٧). الرابع: الموحى إليه، وهم الأنبياء والرسل على النبيين -وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام- يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ

стр. 20

نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (الشورى:٥١: ٥٣). فكل دين ليس له، أو فيه مصدر الألوهية، فليس من الجيد أن يُسمى دينًا صحيحًا، فإذا أخذ الدين عن طريق الفكر الفلسفي المحض، أو له مزيج من الدين الذي لا يمكن أن يجد له نصًّا معصومًا، وإذا فقد الدين الوحي أو النبوة مثل نحلة المسيحية، فليست دينًا صحيحًا؛ لأن قولهم إن عيسى ابن الله ينفي عنه النبوة، وبانتفاء النبوة ينتفي عنصر من عناصر الدين الصحيح، فلا تبقى المسيحية متصفة بأنها دين من عند الله تعالى، وهكذا، فكل دين لا يشتمل على العناصر الأربعة المذكورة فقد انخرم فيه خرم، ينفي عنه صفة الدين الحق الذي هو من عند الله تعالى. هذا، وإن كان القرآن قد استعمل لفظ الدين بمعناه الشامل الذي تندرج فيه نحل ومعتقدات المشركين، كما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: ٦) فإن القرآن قرر في أمر الدين أصولًا جعلت للدين معنى شرعًا خاصًّا، فالدين لا يكون إلا وحيًّا من الله إلى أنبيائه الذين يختارهم من عباده، ويرسلهم أئمة يهدون بأمر الله، فالدين الإلهي نظام كامل شامل يشمل الفرد والأسرة، والمجتمع، والدولة، وليس فقط طقوسًا دينية، ولا كهنوتية وجدانية، بل هو نظم كاملة للروح والجسد، والدنيا والآخرة معًا، ومن فسر الدين بغير هذا فهو ليس دين الإسلام، ولكنه دينه هو، وبذلك تفترق صفات الدين الحق الذي هو دين الله عن صفات دين الشرك والأصنام والأهواء، ونحن قد رضينا بالله تعالى ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا.

стр. 21

وحدة الدين الحديث عن وحدة الدين: دين الله يجمع أشتات الناس على وحدة العمل، ووحدة التوجه، ووحدة الغاية والهدف، وصولًا إلى وحدة المصير، ولهذا فحري به أن يكون واحدًا، وهو كذلك، فمرد الاعتقاد واحد، ومن اسمه يتحدد رسمه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) فهو يأمرنا ونحن نسلم بما أمر به، ألا نناقش، ولا نجادل، ولا نحاور. قد تختلف أشكال العبادة من شريعة إلى أخرى، ولكن ذلك لا يمنع من أن ما أمر الله به آدم منذ خلقه هو هو ما أمر به محمدًا ﵌، ولا نزال نأتمر به إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإنما نقصد بوحدة الدين وحدته الموضوعية، فإن الأمر فيه بالاعتقاد واحد، ورد الأمر فيه إلى واحد، فإن المراد بالتدين هو إنسان ذلك العصر، وهو هو الإنسان الأول آدم، ولعل هذا السر الذي جعل جُلَّ خطاب الوحي إليه بهذه الصفة يا بني آدم، أو يا ابن آدم، كما أن تكوينه الروحي لا يختلف عن تكوين آدم الروحي ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: ٧ - ٩) إن آدم أول نبي، ولم يترقَ الإنسان في عقائده كما ترقى في العلوم والصناعات، ولم تكن عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، كما يزعم أصحاب فكرة التطور.

стр. 22

ابتدأ التاريخ البشري بإنسان فيه كل خصائص الإنسان، وفيه جميع عناصر المادية والروحية، وصورة من كل إنسان، من ولده جاء بعد ذلك، وهو صورة لآخر فرد يولد في هذه الحياة، أول إنسان كآخر إنسان خلق من تراب فيه كل عناصر الأرض، وابتدأ التاريخ البشري بنبي جاء بالدين نفسه الذي جاء به آخر نبي، وخاتم الرسل -عليهم الصلاة والسلام. ووحدة الدين إنما تبدو من خلال قاعدتين أساسيتين: وحدة الموضوعية في دعوة الناس جميعًا إلى رب واحد لم يخالف في ذلك نبي من الأنبياء، ورسول من الرسل دعوة إلى التوحيد الخالص منذ آدم ﵇ حتى ختم الرسالات ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥)، فدعوة التوحيد هي الأصل الذي جاءت به رسالات السماء، وما الشرك والتعدد إلا مخالفة، واستثناء، كما أعلن جميع الأنبياء عن إسلامهم لله رب العالمين. والقاعدة الثانية: وحدة التنظيم، فإن الأنبياء جميعًا يدعون أقوامهم إلى انتهاج منهج واحد في أسلوب حياتهم، فالتشريع في الدين منذ آدم، وإلى آخر الأنبياء في الأصل واحد ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: ١٨) ومثاله العبادات في أصولها، وإن اختلفت طرق الأداء والكيفيات، وكذا تنظيم العلاقات، والحض على مكارم الأخلاق، وحسن المعاملات ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨). وبذلك أتم الله النعمة، وأكمل الدين بخاتم النبيين -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وقال الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وبذا يستبين لنا هل هو دين أم أديان، أنه

стр. 23

من الناحية الشرعية دين واحد، وهو الإسلام، وأما كلمة أديان فهي تُجمع من حيث اللغة فقط، حيث ما ندين به ما نخضع له ونذل له، وما ندين به ما نعتقده؛ لذلك جمعت كلمة أديان لغة، وأفردت شرعًا ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، فلله الحمد والمنة على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة. هل هو دين أم أديان؟ والإجابة على هذا السؤال: إن كلمة الدين يصح أن تطلق على الدين الصحيح وغير الصحيح، ولكن من ناحية اللغة، ولذلك صح جمعها لغة، فيقال: أديان، ولم يصح شرعًا لأنه دين واحد، كما قال ربنا الواحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وهي في ذلك مثل كلمة إله، تُطلق على الإله الحق وعلى الإله المؤله نفسه، أو الذي ألهه الناس، واللغة لا تمانع من ذلك، ولذا يقال: إله ويجمع على آلهة، ومثل ذلك كلمة رسول بمعنى المرسل من عند الله تعالى، أو هو المرسل من قبل الملك، أو أحد الناس، ومثلها كلمة حديث، فهو ما قاله الرسول ﵌، أو نسب إليه، وكل ما يتحدث الناس عنه يسمى حديثًا، وكما أقول: حديثي إليكم الآن كذا وكذا. هذا، ويقول الدكتور عبد الله دراز ﵀ بعد أن تحدث عن عدة مذاهب يطلق عليها أديان، لكن المسألة إنما هي في صحة تسمية هذه المذاهب أديانًا، ونحن لا نرى مانعًا من أن نصطلح على هذه التسمية، ولكنه يكون اصطلاحًا نابيًا عن معهود الناس، مجافيًا لذوق اللغات، ولا سيما لغتنا العربية التي لا يُفهم منها من اسم الدين إلا اعتقاد بشيء يدين له المرء أي: يخضع له، ويتوجه إليه بالرغبة والرهبة والتقديس؛ بل إننا لا نبالغ إذا قلنا: إن كل مذهب يخلو من هذه الدينونة هو أحق باسم الفلسفة الجافة منه باسم الآخر.

стр. 24

كما قال الدكتور عبد الناصر أحمد حبيب: "ويُجمع الدين على أديان وديانات، والأول هو الشائع في الاستعمال، ويدل على هذا ما ورد في الصحيح بإسناد حسن، عن ابن عباس ﵄ قال: سئل رسول الله ﵌: ((أي الأديان أحب إلى الله ؟ فقال: الحنيفية السمحة)). وفي رواية علقها البخاري قال ﵌: ((أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفية السمحة))، فأفرد الدين كأنه يصوِّب للسائل مبينًا ألا جمع منه؛ لأنه في الحقيقة ليس إلا واحدًا أي: لأن الدين واحد وهو الإسلام، وقد علمت أن هذا من حيث الشرع لا من حيث اللغة. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 25

الدرس: ٢ الفرق الدين السماوي والوضعي، والملة والنحلة، والشريعة والمنهاج، وموقف الإسلام من الأديان .

стр. 26

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (الفرق الدين السماوي والوضعي، والملة والنحلة، والشريعة والمنهاج، وموقف الإسلام من الأديان) الفرق بين الدين السماوي والدين الوضعي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: الفرق بين الدين السماوي والدين الوضعي والفرق بين الملة والنحلة والفرق بين الشريعة والمنهاج وموقف الإسلام من الأديان الأخرى: الفرق بين الدين السماوي والدين الوضعي، فنقول -وبالله التوفيق: الفرق بين الدين الوضعي والدين السماوي أن الدين الوضعي: هو الدين الذي يكون من وضع البشر أنفسهم، وهو عبارة عن مجموعة من المبادئ والقوانين العامة وضعها بعض الناس المستنيرين لأممهم؛ ليسيروا عليها ويعملوا بما فيها، والتي لم يستندوا في وضعها إلى وحي سماوي، ولا إلى الأخذ عن رسول مرسل، وإنما هي جملة من التعاليم والقواعد العامة اصطلحوا عليها، وساروا على منوالها، وخضعوا فيها لمعبود معين أو معبودات متعددة، والأمثلة على الدين الوضعي كثيرة منها الديانة البرهمية في الهند، وكذلك الديانة البوذية فيها، وفي شرق آسيا، ومنها ديانة القدماء المصريين، والديانة الفارسية القديمة وغيرها. أما الدين السماوي: فهو تعاليم إلهية من وضع الله تعالى، وإرشادات سماوية من لدن العليم الخبير لنفوس العباد وطبائعهم، وما يحتاجون إليه في إصلاح حالهم في المعاش والمعاد، والدنيا والآخرة إنه مجموعة التعاليم والأوامر والنواهي التي يجيء بها رسول من البشر أوحى الله تعالى بها إليه، وفي مقدمتها الإيمان بخالق واحد موجه لهذا الكون لا شريك له في ملكه، يجب صرف العبادة كلها إليه، والخضوع والتذلل لهذا الإله الخالق الرازق، ووجوب إفراده وحده بالعبادة والإيمان باليوم الآخر، والحساب والجزاء، وبالثواب في الجنة والنعيم المقيم، أو النار والعذاب الأليم، نعوذ بالله. وذلك مثل الديانة اليهودية في أصلها كما جاء بها موسى ﵇، أو الديانة المسماة بالمسيحية يوم أن جاء بها المسيح ﵇.

стр. 27

وفي أفضل صورها وأصحها مثل الدين الإسلامي الذي جاء به النبي محمد ﵌، ورحمة للعالمين، وكان هذا الدين خاتمًا لجميع الرسالات السماوية، فلا وحي بعد نبوة محمد ﵌، ولا دين بعد الإسلام، وها هي بعد الفروق بين الأديان الوضعية والرسالات السماوية، وقولنا: الرسالات السماوية باعتبارها دينًا واحدًا في صورة رسالات متعددة، وليست أديانًا متعددة أو مختلفة، وإن وقع الاختلاف فهو تنوع لا تضاد يقع في الشرائع، وليس في المعتقدات، وفي الفروع وليس في الأصول، من هذه الفروق: ١ - إن الدين السماوي دين قائم على وحي الله تعالى إلى البشر بواسطة رسول يختاره الله منهم. أما الوضعي فهو جملة من التعاليم وضعها البشر أنفسهم، واتفقوا عليها، واصطلحوا على التمسك بها والعمل بما فيها، إنها تعاليم ناشئة عن تفكير الإنسان نفسه. ٢ - الدين السماوي يدعو دائمًا إلى وحدانية الله تعالى، واختصاص هذا الواحد بالعبادة، فلا يخضع المرء إلا لله، ولا يستعين إلا به، ولا يذبح إلا باسمه. أما الدين الوضعي فإنه يقدس الأحجار والأصنام، ويجيز تعدد الآلهة فيجعلها كثيرة ومتغايرة، بل قد تكون متنافرة ومتخالفة مثل: إله الخير، وإله الشر، أو إله الحرب وإله السلام. ٣ - الدين السماوي ينزه الإله المعبود عن مشابهته لخلقه، فالله لا يشبه شيئًا من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله قال تعالى: ﴿قُلْ

стр. 28

هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١: ٤)، أما الدين الوضعي فإنه يُجيز أن يكون الإله بشرًا مثلهم أو حيوانًا أو حجرًا يعبدونه، ويخضعون له، ويقدمون له القرابين والهدايا؛ فقد عبد بعض الناس الشمس وعبدوا العجل، واتخذوا فرعون الذي قال لهم: أنا ربكم الأعلى إلهًا، وعبدوا الأصنام والأوثان مع أن هذه الآلهة كلها التي عبدوها من دون الله لا تستطيع أن تخلق شيئًا، ولا تقدم نفعًا، ولا تمنع ضرًّا لا لنفسها، ولا لغيرها، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (الفرقان: ٣). ٤ - الدين السماوي بالنسبة لمسائل العقيدة غير قابل للنسخ، والتبديل أو التغيير، فعقيدة الرسل جميعهم واحدة فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته، والرسل وعصمتهم، واليوم الآخر وما يكون فيه من ثواب أو عقاب. إن الخالق عند جميع الرسل واحد، وإن هذا الخالق تجب عبادته واختصاصه جل شأنه بالعبادة. أما الدين الوضعي فالمعبود فيه يتغير، فقد يتغير من جيل إلى جيل، ومن قبيلة إلى أخرى. ٥ - الدين الوضعي يلازمه النقص وعدم الكمال، وذلك أنه من وضع الإنسان، والإنسان لا يمكنه أن يحيط بجميع حاجات البشر، ومتطلباتهم المتجددة دائمًا.

стр. 29

أما الدين السماوي فهو كامل إنه دين تام شامل؛ لأنه من وضع خالق السماوات والأرض، وعلام الغيوب الذي لا تغيب عنه صغيرة ولا كبيرة، والذي يحيط بكل شيء علمًا. الفرق بين الملة والنحلة وكما عرفت الفرق بين الدين السماوي والدين الوضعي، فهلمَّ نتعرف على معنى الملة والنحلة، تلك التي أُفرد لها علم كُتب فيها كتب الملل والنحل، فما الملة وما النحلة، كذلك نريد أن نتعرف على الفرق بين الشريعة والمنهاج. نقول وبالله التوفيق: اعلم أن الملة لغة كما يقول صاحب (القاموس): "الملة بالكسر هي الشريعة أو الدين"، ويقول الزمخشري في (أساس البلاغة): "ومن المجاز في استعمال الملة بمعنى الطريقة المسلوكة، ومنها ملة إبراهيم حنيفًا، وامتل فلان ملة الإسلام"، وعليه فالفرق بين الدين والملة: أن الدين ما يكون عليه كل واحد من أهل الملة الواحدة، وأن الملة اسم لجملة الشرائع. ثم بيَّن الراغب الأصفهاني الفرق بين الملة والدين فقال: "والفرق بين الملة والدين أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي ﵇ التي تستند إليه نحو ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (آل عمران: ٩٥) ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ (يوسف: ٣٨) ولا تكاد توجد مضافة إلى الله، ولا إلى آحاد أمة النبي ﷺ ، ولا يستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها، فلا يقال ملة الله، ولا يقال ملتي، كما يقال دين الله وديني، ولا يقال للصلاة ملة الله، فالملة تُضاف إلى من أضيف إليه، والدين يضاف إلى من يعتنقه ويؤمن به.

стр. 30

وقال أبو هلال العسكري في كتابه (الفروق اللغوية): "الملة اسم لجملة الشرائع، والدين اسم لما عليه كل واحد من أهل الشرائع، ويقال لخلاف الذمي: الملي؛ لأن الملة اسم للشرائع مع الإقرار بالله، والدين ما يذهب إليه الإنسان ويعتقد أنه يقربه إلى الله، وإن لم يكن فيه شرائع مثل دين أهل الشرك، وكل ملة دين، وليس كل دين ملة، واليهودية ملة؛ لأن فيها شرائع، وليس الشرك ملة، وإذا أطلق الدين فهو الطاعة العامة التي يجازى عليها بالثواب مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقيل: الملة هي الدين، وفي الحديث ((لا يتوارث أهل ملتين)). ويتابع أبو هلال العسكري حديثه قائلًا: "وسميت الملة ملة لاستمرار أهلها عليها، وقيل أصلها التكرار من قولك: طريق مملول إذا تكرر سلوكه، حتى تواطأ، ومنه الملل وهو تكرار الشيء على النفس حتى تضجر، وقيل: الملة مذهب جماعة يحمي بعضهم لبعض عند الأمور الطارئة وأصلها المليلة، وهي ضرب من الحمى، ومنه الملة بالفتح موضع النار، وذلك أنه إذا دُفن اللحم وغيره تكرر عليه الحمي حتى ينضج، وفي أصل الكلمة أمللت أو أمليت الكتاب، وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، وفي ذات الآية ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، وكذا مللت الشيء: أعرضت عنه أي: اضجرته، وفي الحديث ((إن الله لا يمل حتى تملوا)). وأما الملة شرعًا: فاسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان نبيه ﷺ ؛ ليتوصلوا به إلى أجل ثواب والدين مثلها، لكن تقال باعتبار الدعاء إليه، والدين باعتبار الطاعة

стр. 31

والانقياد له، والملة الطريقة أيضًا، ثم نُقلت إلى أصول الشرائع من حيث إن الأنبياء يعلمونها ويسلكونها، ويسلكون من أمروا بإرشادهم بالنظر إلى الأصل، وبهذا الاعتبار لا تضاف إلا إلى النبي الذي تستند إليه، ولم تأتِ الملة في البيان القرآني مضافة إلى الله ، وإنما جاءت مضافة إلى البشر بما يشمل الدين الصحيح، والدين الفاسد أيضًا. ومن نماذج الدين الصحيح إضافة الملة إلى إبراهيم الخليل ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: ١٣٠) وقوله : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: ١٣٥). وأضيفت إلى آباء يوسف ﵇ في قوله سبحانه: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (يوسف: ٣٨)، وكذا قال الله: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (آل عمران: ٩٥)، وأيضًا قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (الأنعام: ١٦١)، وجاءت الملة في البيان القرآني بمعنى الدين الفاسد والاعتقاد الخاطئ مضافة إلى هؤلاء المستكبرين من قوم شعيب قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ (الأعراف: ٨٨)، وقال تعالى على لسان يوسف: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٣٧)، وفي قصة أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: ٢٠)، والكافرون من أقوام الأنبياء على مدى الأجيال كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ (إبراهيم: ١٣)، وقال

стр. 32

تعالى عن اليهود والنصارى ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (البقرة: ١٢٠). وبهذا يتبين في لغة القرآن أن الملة تشمل الدين كله، سواء كانت له صلة بالوحي الإلهي، أم ليست له صلة، ومن الملة إلى النحلة. النحلة ما معناها؟ أولًا في اللغة يقول صاحب القاموس: "والنِّحلة بالكسر، والنُّحلة بالضم، وانتحله وتنحله ادَّعاه لنفسه، وهو لغيره، ونحله القول كمنعه نسبه إليه، ونحله فلان سابَّه، ونحل جسمه نحولًا ذهب من مرض أو سفر، فهو ناحل ونحيل، وهي ناحلة، وأنحله الهم، والنحلة بالكسر الدعوى. ويقول الراغب الأصفهاني: "والانتحال ادعاء الشيء وتناوله، ومنه يقال: فلان ينحل الشعر، ويقال: ما نحلتك أي: ما دينك"، وجاء في (القاموس المحيط) ما يلي: "النحل ذباب العسل الذكر والأنثى، واحدتها نحلة، والنِّحلة العطاء بلا عوض، والشيء المعطى، أو العطية، والنُّحل بالضم مصدر نحله نحلة أي: إعطاء، ومهر المرأة نحلة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: ٤) " هذا، والنحلة هي عكس الملة، فالنحلة دين من وضع البشر، والملة من وضع الله، والنحلة في القرآن الكريم: لم ترد النحلة في القرآن المجيد بأي معنى يتصل بالدين أو الفكر، وإنما جاءت بمعنى واحد، وهو العطاء الخالص كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: ٤) أي: عطية خالصة، فالمهر في الزواج ليس مقابل المتعة؛ لأنها مشتركة بين الزوجين، وليس مقابل تأسيس المنزل، فهو واجب الزوج وحده بقدر طاقته، وإنما المهر رمز الوفاء والمحبة يُقدمه الرجل عطية خالصة، ولهذا كان أقلهنَّ مهورًا أكثرهنَّ بركة، فالمهر يتحقق بأي شيء، ولو كان خاتمًا من حديد.

стр. 33

هذا، وقد اصطلح أهل العلم على تسمية الرسالات السماوية بالملل، وتسمية الأديان الوضعية التي هي من صنع البشر بالنحل، وفي ذلك نقرأ كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني، أو (الفصل بين الملل والأهواء والنحل) لابن حزم وغيرهما. ومن أجل هذا فرقوا بين الكلمتين بفروق تُبين المعنى المراد، وإن كان الأمر كما علمت أن كلمة ملة تُطلق على الدين الصحيح والمحرف والباطل أيضًا، لكن من حيث الاصطلاح يمكن أن نقول: "الملة من عند الله، والنحلة من عند البشر، أو هكذا اصطلح عليها العلماء، ولكن هذا لا يرد ورود الملة بمعنى الدين الصحيح، والدين المحرف، ونذكر فروقًا بين الملة والنحلة، لقد اصطلح على تسمية الدين الذي جاء به رسل الله من عند الله بالملة. والدين الباطل الذي اخترعه الناس إما إنشاء من عند أنفسهم أو تحريفًا وتغييرًا لما أنزل الله بالنحلة، وعلى هذا، فإن الملة تقابل النحلة في أمور: - الملة من عند الله لقول الله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه: ١٢٣) والنحلة من عند البشر. - فارق ثانٍ الملة وحي الله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء: ١٦٣)، والنحلة نتاج أفكار البشر واجتهادات عقولهم. الثالث: الملة مرتبطة برسول الله ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥)، والنحلة تنسب إلى أشخاص يخطئون ويصيبون مهما بلغوا من المعرفة. الرابع: الملة لها كتاب أنزله الله على رسوله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: ٢١٣). والنحلة وإن سطرت في كتاب، فإنه كتاب أرضي لا كمال فيه، ولا قداسة له.

стр. 34

الخامس: الملة عقيدة وشريعة على نحو ما قال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٣٣). والنحلة ليست بهذا الشمول، وقد لا تتجه إلا إلى الخداع الماكر لخدمة أهواء مبتدعيها، وفرض زعامتهم على الناس. السادس: الملة صلاح الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس: ٦٢ - ٦٤). والنحلة قاصرة على الدنيا تقود بالأماني، وتغري بالمتعة المحدودة. السابع: الملة يشهد لها الإعجاز في مثل قول الله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: ٥١). والنحلة: يُشهد عليها بالعجز والقصور. الثامن: الملة حق لا ريب فيه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٧٤). والنحلة: ظن لا يغني من الحق شيئًا، هكذا على الإجمال في المعنى الاصطلاحي فيما هو فرق بين الملة والنحلة. الفرق بين الشريعة والمنهاج ونأتي إلى الفرق بين الشريعة والمنهاج: الشريعة: في اللغة من الشرع، وهي مصدر شرع بالتخفيف، والتشريع مصدر شرَّع بالتشديد، والشريعة في أصل وضعها اللغوي مورد الماء الذي يُقصد للشرب

стр. 35

يقال: شرعت الإبل إذا وردت شريعة الماء، ثم استعملها العرب في الطريقة المستقيمة، يقال: شرع له الأمر بمعنى سنه وبيَّن طريقته، والشرع والشريعة نهج الطريق الواضح. وقال بعض العلماء: سميت الشريعة بشريعة تشبيهًا بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة رُوي وتطهر، وجاء في (القاموس) الشريعة ما شرع الله لعباده، والظاهر المستقيم من المذاهب كالشرعة بالكسر. وقال ابن عباس ﵄: "الشرعة ما ورد به القرآن الكريم، والمنهاج ما ورد به السنة". وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣) الآية إشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل، ويراد بالشريعة كل ما شرعه الله للمسلمين من دين سواء أكان بالقرآن نفسه، أم بسنة الرسول ﷺ ، فهي لهذا تشمل أصول الدين أي: ما يتعلق بالله وصفاته، والدار الآخرة وغير ذلك. والشريعة في الاصطلاح: ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات، ونظم الحياة في شعبها المختلفة لتحقيق سعادتها في الدنيا والآخرة، فشريعة الله هي المنهج الحق المستقيم الذي يصون الإنسانية من الزيغ والانحراف، ويجنبها مزالق الشر، ونوازع الهوى، وهي المورد العذب الذي يشفي صدورها، ويحيي نفوسها، وترتوي بها عقولها، ولهذا كانت الغاية من شرع الله استقامة الإنسان على منهج الله؛ لينال عز الدنيا وسعادة الآخرة.

стр. 36

كما أنه تذكر الشريعة، ويراد بها الفقه في بعض الأحيان من باب إطلاق العام ويُراد به الخاص، وذلك في مثل قولنا: عقيدة وشريعة. ويقول الشاطبي ﵀ في تعريف الشريعة أيضًا: "إن معنى الشريعة أنها تحدُّ للمكلفين حدودًا في أفعالهم وأقوالهم، واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمنته، ومعنى هذا أن الشريعة مرادفة للدين، وليس يُراد بها الفقه وحده؛ لأن الفقه لا يتعرض للاعتقادات كما هو معلوم"، وقد عرفت اللغة العربية كلمة شريعة قبل كلمة فقه بزمن طويل، ذلك بأننا نجد مادة شرع ومشتقاتها وردت في كثير من القرآن الكريم، بل نجد كلمة شريعة نفسها جاءت في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: ١٨) وهذا في مقابل الشرائع السابقة. وفي بيان الفرق بين الدين والشريعة يقول أبو هلال العسكري: "الفرق بين الدين والشريعة هو أن الشريعة هي الطريقة المأخوذة فيها إلى الشيء، ومن ثمَّ سُمي الطريق إلى الماء شريعة ومشرعة، وقيل الشارع لكثرة الأخذ فيه، والدين ما يُطاع به المعبود، ولكل واحد منها شريعة، والشريعة في هذا المعنى نظير الملة، إلا أنها تفيد ما يفيد الطريق المأخوذ ما لا يفيد الملة، ويقال: شرع في الدين شريعة، ولا يقال طرق فيه طريقًا، والملة تفيد استمرار أهلها عليها". وجاء في (مقاييس اللغة) لابن فارس: "الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة، وهو مورد الشاربة الماء اشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة".

стр. 37

وجاءت في (أساس البلاغة) للزمخشري: "شرع الله الدين، وشرع في الماء شروعًا، وورد الشرع والشريعة والشرائع، نعم، الشرائع من وردَّها رُوي وإلا روى، ويُسمَّى الشرع أيضًا بالدين والملة، فإن الأحكام من حيث إنها تُطاع يقال: لها دين، ومن حيث إنها تُملى وتكتب ملة، ومن حيث إنها مشروعة شرعة، فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات، إلا أن الشريعة والملة تضافان إلى النبي ﵊، وإلى الأمة فقط استعمالًا، والدين يضاف إلى الله تعالى أيضًا، والشرعة هي عبارة عن مطلق الشريعة، وهي الأشياء التي أوجب الله على المكلفين أن يشرعوا فيها، وهي ما سنَّ الله من الدين وأمر به كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وسائر أعمال البر. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ (الجاثية: ١٨)، وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨). فالشرعة في الدين، والمنهاج في الطريق، وقيل الشرعة والمنهاج جميعًا الطريق، والطريق هاهنا الدين، وقيل الشرعة معناها ابتداء الطريق والمنهاج: الطريق المستقيم، قال ابن عباس: "شرعة ومنهاجًا سبيلًا وسنة"، والمنهاج نهج: النهج الطريق الواضح، فنهج الأمر، وأنهج وضح، ومنهج الطريق ومنهاجه، ونهج الثوب وأنهج بان فيه أثر البلى، وقد أنهجه البلى، والمنهاج هو الطريق الواضح قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، وفي الحديث عن العباس ﵁ لم يمت رسول الله ﷺ حتى ترككم على طريق ناهجة أي: واضحة بينة. بذا نكون قد بينا معنى كلمة الملة والنحلة، والفرق بين الشريعة والمنهاج.

стр. 38

موقف الإسلام من الأديان الأخرى، وعلاقته بها إذا أخذنا كلمة الإسلام بمعناها القرآني نجدها لا تدع مجالًا لهذا السؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية، أو الرسالات السماوية؛ فالإسلام في لغة القرآن ليس اسمًا لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك العام الذي هتف به كل الأنبياء، وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء، ولم لا والإسلام هو دين الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) والخلق خلقه، والرسل رسله، قد أرسل الله رسله إلى خلقه بالدين الذي عنده، فمن ثَمَّ الإسلام دين جميع الأنبياء، والرسل. وقد ذكر الله لنا أمثلة في القرآن الكريم فقال عن نوح ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس:٧١، ٧٢). وإبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ١٣٠ - ١٣١). ويعقوب يوصي بنيه بذلك ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٢).

стр. 39

وأبناء يعقوب أيضًا ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٣). وعن إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٧ - ١٢٨). وهذا موسى ﵇ يقول كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (يونس: ٨٤: ٨٦). وعيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٥٢). والحواريون أتباعه ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: ١١١). بل إن فريقًا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص: ٥٣). وهذا سيدنا سليمان ﵇ كان مسلمًا، ودعا إلى الإسلام: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٣٠، ٣١) فلما أسلمت بلقيس ملكة سبأ قالت: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: ٤٤).

стр. 40

وهكذا إلى أن نصل إلى النبي الخاتم محمد ﵊ الذي قال الله له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:١٦٢، ١٦٣). والأولية هنا أولية تكريم، وكذا قال: قال الله ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٩١). وبالجملة فإن اسم الإسلام شعار عام يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية، ثم نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها في قضية واحدة يوجهها إلى قوم محمد ﷺ ، ويبين لهم فيها أنه لم يشرع لهم دينًا جديدًا، وإنما هو دين الأنبياء من قبلهم ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣)، ثم نراه بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد، ويجعله منهم جميعًا أمة واحدة، لها إله واحد، كما لها شريعة واحدة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (االأنبياء: ٩٢) ما هذا الدين المشترك الذي اسمه الإسلام، والذي هو دين كل الأنبياء والمرسلين. إن الذي يقرأ القرآن يعرف كنه هذا الدين أنه هو التوجه إلى الله رب العالمين في خضوع خالص، لا يشوبه شرك، وفي إيمان واثق مطمئنٍّ بكل ما جاء من عنده على لسان أي نبي، وفي أي زمان، أو مكان دون تمرد على حكمه، ودون تمييز شخصي أو طائفي أو عنصري بين كتاب وكتاب من كتبه تعالى، أو بين رسول ورسول من رسله سبحانه، هكذا يقول القرآن: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥)، كما علمنا أن نقول: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
следующие страницы →