Полный текст (387 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
كما أنه تذكر الشريعة، ويراد بها الفقه في بعض الأحيان من باب إطلاق العام ويُراد به الخاص، وذلك في مثل قولنا: عقيدة وشريعة. ويقول الشاطبي ﵀ في تعريف الشريعة أيضًا: "إن معنى الشريعة أنها تحدُّ للمكلفين حدودًا في أفعالهم وأقوالهم، واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمنته، ومعنى هذا أن الشريعة مرادفة للدين، وليس يُراد بها الفقه وحده؛ لأن الفقه لا يتعرض للاعتقادات كما هو معلوم"، وقد عرفت اللغة العربية كلمة شريعة قبل كلمة فقه بزمن طويل، ذلك بأننا نجد مادة شرع ومشتقاتها وردت في كثير من القرآن الكريم، بل نجد كلمة شريعة نفسها جاءت في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: ١٨) وهذا في مقابل الشرائع السابقة.
وفي بيان الفرق بين الدين والشريعة يقول أبو هلال العسكري: "الفرق بين الدين والشريعة هو أن الشريعة هي الطريقة المأخوذة فيها إلى الشيء، ومن ثمَّ سُمي الطريق إلى الماء شريعة ومشرعة، وقيل الشارع لكثرة الأخذ فيه، والدين ما يُطاع به المعبود، ولكل واحد منها شريعة، والشريعة في هذا المعنى نظير الملة، إلا أنها تفيد ما يفيد الطريق المأخوذ ما لا يفيد الملة، ويقال: شرع في الدين شريعة، ولا يقال طرق فيه طريقًا، والملة تفيد استمرار أهلها عليها". وجاء في (مقاييس اللغة) لابن فارس: "الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة، وهو مورد الشاربة الماء اشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة".
стр. 37
وجاءت في (أساس البلاغة) للزمخشري: "شرع الله الدين، وشرع في الماء شروعًا، وورد الشرع والشريعة والشرائع، نعم، الشرائع من وردَّها رُوي وإلا روى، ويُسمَّى الشرع أيضًا بالدين والملة، فإن الأحكام من حيث إنها تُطاع يقال: لها دين، ومن حيث إنها تُملى وتكتب ملة، ومن حيث إنها مشروعة شرعة، فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات، إلا أن الشريعة والملة تضافان إلى النبي ﵊، وإلى الأمة فقط استعمالًا، والدين يضاف إلى الله تعالى أيضًا، والشرعة هي عبارة عن مطلق الشريعة، وهي الأشياء التي أوجب الله على المكلفين أن يشرعوا فيها، وهي ما سنَّ الله من الدين وأمر به كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وسائر أعمال البر. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ (الجاثية: ١٨)، وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨).
فالشرعة في الدين، والمنهاج في الطريق، وقيل الشرعة والمنهاج جميعًا الطريق، والطريق هاهنا الدين، وقيل الشرعة معناها ابتداء الطريق والمنهاج: الطريق المستقيم، قال ابن عباس: "شرعة ومنهاجًا سبيلًا وسنة"، والمنهاج نهج: النهج الطريق الواضح، فنهج الأمر، وأنهج وضح، ومنهج الطريق ومنهاجه، ونهج الثوب وأنهج بان فيه أثر البلى، وقد أنهجه البلى، والمنهاج هو الطريق الواضح قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، وفي الحديث عن العباس ﵁ لم يمت رسول الله ﷺ حتى ترككم على طريق ناهجة أي: واضحة بينة.
بذا نكون قد بينا معنى كلمة الملة والنحلة، والفرق بين الشريعة والمنهاج.
стр. 38
موقف الإسلام من الأديان الأخرى، وعلاقته بها
إذا أخذنا كلمة الإسلام بمعناها القرآني نجدها لا تدع مجالًا لهذا السؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية، أو الرسالات السماوية؛ فالإسلام في لغة القرآن ليس اسمًا لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك العام الذي هتف به كل الأنبياء، وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء، ولم لا والإسلام هو دين الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) والخلق خلقه، والرسل رسله، قد أرسل الله رسله إلى خلقه بالدين الذي عنده، فمن ثَمَّ الإسلام دين جميع الأنبياء، والرسل.
وقد ذكر الله لنا أمثلة في القرآن الكريم فقال عن نوح ﵇: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس:٧١، ٧٢).
وإبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ١٣٠ - ١٣١).
ويعقوب يوصي بنيه بذلك ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٢).
стр. 39
وأبناء يعقوب أيضًا ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٣).
وعن إبراهيم وإسماعيل ﵉: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٧ - ١٢٨).
وهذا موسى ﵇ يقول كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (يونس: ٨٤: ٨٦).
وعيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٥٢).
والحواريون أتباعه ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: ١١١).
بل إن فريقًا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (القصص: ٥٣).
وهذا سيدنا سليمان ﵇ كان مسلمًا، ودعا إلى الإسلام: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٣٠، ٣١) فلما أسلمت بلقيس ملكة سبأ قالت: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: ٤٤).
стр. 40
وهكذا إلى أن نصل إلى النبي الخاتم محمد ﵊ الذي قال الله له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:١٦٢، ١٦٣). والأولية هنا أولية تكريم، وكذا قال: قال الله ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (النمل: ٩١).
وبالجملة فإن اسم الإسلام شعار عام يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية، ثم نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها في قضية واحدة يوجهها إلى قوم محمد ﷺ ، ويبين لهم فيها أنه لم يشرع لهم دينًا جديدًا، وإنما هو دين الأنبياء من قبلهم ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣)، ثم نراه بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد، ويجعله منهم جميعًا أمة واحدة، لها إله واحد، كما لها شريعة واحدة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (االأنبياء: ٩٢) ما هذا الدين المشترك الذي اسمه الإسلام، والذي هو دين كل الأنبياء والمرسلين.
إن الذي يقرأ القرآن يعرف كنه هذا الدين أنه هو التوجه إلى الله رب العالمين في خضوع خالص، لا يشوبه شرك، وفي إيمان واثق مطمئنٍّ بكل ما جاء من عنده على لسان أي نبي، وفي أي زمان، أو مكان دون تمرد على حكمه، ودون تمييز شخصي أو طائفي أو عنصري بين كتاب وكتاب من كتبه تعالى، أو بين رسول ورسول من رسله سبحانه، هكذا يقول القرآن: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥)، كما علمنا أن نقول: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
стр. 41
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٦).
نقول إذن: إن الإسلام بمعناه القرآني الذي وصفناه لا يصلح أن يكون محلًّا للسؤال عن علاقة بينه وبين سائر الأديان، أو بين سائر الرسالات السماوية؛ إذ لا يسأل عن العلاقة بين الشيء ونفسه فهاهنا وحدة لا انقسام فيها، ولا اثنينية، وهذا يرجع إلى أصل الدين قبل أن يدخله تحريف كالذي حدث من اليهود والنصارى، فهو دين واحد ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩).
أنتقل إلى جزئية أخرى حول ضرورة الدين في حياة الإنسان، ما هي ضرورة الدين في حياة الإنسان؟ نقول -وبالله التوفيق:
إن الدين ضرورة من ضرورات الحياة يحتاج إليه الإنسان، كما يحتاج إلى الهواء والماء والغذاء، وضرورة لا يستطيع أن يعيش بمعزل عنها، وما عاشت على وجه الأرض أمة ولا جماعة، وكانت لها حياة إلا وكان لها دين ومعبودات، حقًّا كان هذا الدين وتلك المعبودات أم باطلة، وكما يقرر التاريخ البشري أن كثيرًا من الحضارات والمدن قامت بلا مصانع، ولا حصون، ولا قصور، ولكن لم توجد أمة أو مدينة بلا معابد، أو صوامع، وتلك شهادة التاريخ بأن الإنسان يوم أن وُلد وُلد ومعه حظه من الدين والتدين، وإذا كانت الحياة قد بلغت في القرن العشرين قدرًا من الرقي والتقدم، وقدمت للإنسان ما يشتهي وما يتمنى، ووفرت له حظًّا من الرفاهية؛ فقد جاءت خطواتها عرجاء شائهة مرهقة، يوم تسلحت بالعلم، وتنكرت للدين.
لقد رغد العيش، وتقدمت الحياة، ولكن فقدت النفس سكينتها، والمجتمع أمنه: أمان النفس والروح؛ لأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، إن ضعف الوازع
стр. 42
الروحي والديني والنفسي في ظل الحضارة المادية المعاصرة لا يعني اختفاء الدين، وإنما هو دليل صدق، وبرهان حق على عجز الحضارة المادية المعاصرة أن توفي بحق الإنسان، وحاجته، ورغبته في حياة أفضل.
لقد أيقظت تلك الحضارة في الإنسان غريزة الشهوة، فتحول إلى حيوان كل همه الوصول إلى نزواته، والحرص على شهواته، لكنها قتلت فيه الإنسان صاحب المشاعر، مرهف الحس والعواطف، الميال إلى الخير، فتحول إلى قطيع، همه اللقمة والشهوة، وصدق ربنا وهو يلخص لنا حياة الكافرين بقوله وهو أصدق القائلين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (محمد: ١٢) إن الابتعاد عن النور اقتراب من الظلام، ولكن ليست كل الناس يجافي الحق ويجانب الصواب، ويظل طول عمره يتردَّى في الضلالة، بل يذهب الزبد جفاء، ويبقى ما ينفع الناس، حتى وإن كثر الزبد وقل ما ينفع الناس ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ١٧) فمهما قل المحقون وكثر المبطلون، فلا يغررك تقلبهم في البلاد، وكما قال تعالى أيضًا: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣).
وفي الحديث الصحيح: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله))، إن السحب الداكنة، وإن كدرت رائعة النهار لا تستطيع أن تلغي وجود الشمس، وساعة ما تزول السحب تبقى الشمس ساطعة مشرقة حتى يُؤذن لها بالغروب، إن شمس الدين، وفهم التدين سيظلان في ضمير الإنسان إلى نهاية الوجود. إن الإنسان قد وُلد متدينًا بأصل فطرته، ينزع إلى فكرة التأليه والعبادة، وإن ناله الخطأ، أو كان حظه الإسفاف والانحراف.
стр. 43
يقول ابن الجوزي ﵀: "إن القرون الأولى دانت بدين الله، حتى وسوست لهم الشياطين، فعبدوا ما نحتوا، وخضعوا لما صنعوا، وانحرفت بهم الأهواء، وسقطت همتهم من السماء إلى الأرض، فانتحلوا النحلة، وتركوا الملة، ومن قال: إن الإنسان وُلد بلا دين كلام مرفوض، كذلك من علل ظهور الدين في حياة الإنسان بشعوره بالضعف، والخوف، والقلق أمام مظاهر الطبيعة، فخاف أن يضن عليه النافع بمنفعته، أو يصيبه الضار بضره، ويوم أن يستطيع الإنسان أن ينزع من نفسه نوازع الخوف والضعف؛ استطاع أن يعيش بغير دين.
ويكون على هذا أن الدين بضاعة الأغبياء والضعفاء والمرضى، مع أن الواقع يشهد بغير هذا، فما يجد الإنسان راحته النفسية، وأمنه الروحي إلا في ظل الدين والتدين: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس:٦٢: ٦٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ (المعارج: ١٩ - ٢٣) الآيات.
وهذا يؤكد لنا أن الإنسان بحاجة إلى الدين، وأن الدين ضروري في حياتهم.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 44
الدرس: ٣ الدين وضرورته في الحياة، وأهم عوامل الانحراف عن الدين الصحيح وطرق معالجته .
стр. 45
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(الدين وضرورته في الحياة، وأهم عوامل الانحراف عن الدين الصحيح وطرق معالجته)
ضرورة الدين في حياة الإنسان
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا وأستاذنا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، الصادق الوعد الأمين اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه ومن اهتدى بهديه، وسار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد:
الدين ضرورة من ضرورات الحياة لا تقل عن الهواء والماء والغذاء، إن لم تجد عليه فلن ينعم الإنسان ولن يسعد إلا في ظل الدين، هو إن وجد طريقه للغذاء المادي فهذا غذاء الجسد، لكن أهم من ذلك غذاء الروح؛ ومن ثم فالإنسان بحاجة إلى الدين في حياته حتى ينعم، حتى يسعد حتى يستقر، وإلا فالإنسان في خوف وحزن إلَّا أن يكون مؤمنًا تقيًا كما ذكرنا بالآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس:٦٢: ٦٤).
والإنسان في هلع وفزع وجزع ومنع من خير إلا أن يكون صاحب دين، وصاحب إيمان حق كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ* وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (المعارج: ١٩ - ٣٥).
هذا وإن ما يشهده العالم اليوم في ظل الحضارة والتقدم، والرقي والرفاهية على حساب راحته النفسية والروحية؛ مما أصاب العالم كله بسعار لا نهاية له، ولا راحة معه لخير دليل على أن الدين فطرة النفس البشرية لا تسعد إلا في ظله، ويوم تستظل بغيره تفقد الأمن والأمان والاستقرار.
стр. 46
إن تلك الحضارة يوم أن أسقطت الدين من حساباتها، وانصرفت إلى نزواتها أيقظت في الإنسان شقه وقتلت فيه الشق الآخر أيقظت فيه شق الحيوان، فتحول إلى قطيع همه اللقمة والشهوة، والمصلحة حتى اتخمت البطون، وقتلت فيه الإنسان، ففقد المجتمع أمنه واستقامته فصار من الناس من سكن الأجداث أي: القبور وهم أحياء يتقلبون بين الأتراح والأفراح، وهم في لعبهم ولهوهم غافلون حتى يأذن الله تعالى لهم باليقظة والإفاقة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١) لقد ولد الإنسان متدينًا، ولم يكن التدين نتيجة تطور وارتقاء، ولم يكن نتيجة خرافات أو أساطير أو من صنع الدهاة والكهان، ولا من صنع السحرة أو الأقوياء، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش بغير دين كما قال الشاعر:
ومن رضي الحياة بغير دين ... فقد رضي الفناء لها قرينا
ولا حياة لمن لم يحي ِ دينَا ... .................
إن الله خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض، واستعمره فيها وجعله سيدًا، وسخر له ما في السماوات، وما في الأرض جميعًا منه من أجل أن يكون عبدًا له وحده أينما ولى فثم الله، فيسبح بحمده، ويقدسه، ويعبده، ويمجده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) تلك هي الغاية الكبرى، والحكمة الأولى من خلق الإنسان، وهو الذي يحتاج إلى هذه العبادة مع أنها لا تزيد في ملك الله ولا تنقصه، ولا تضره سبحانه أو تنفعه، ولكنها علامة الصدق، ورمز الوفاء ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: ٢).
والإنسان من غير هذا التوجه الكريم إلى خالق الكون ومدبره ضعيف في هذا الكون وحيد في هذا الوجود؛ لأنه يكون مبتوت الصلة بالكون وما فيه، فتتولد
стр. 47
في نفسه الهواجس وتحيط به الظنون يخشى أن تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق؛ لذلك فهو يحتاج إلى إيمان يملأ قلبه ويربطه بالكون مخلوقًا، وبإله الكون خالقًا حتى يعلم الإنسان سبب وجوده، ومصيره المحتوم بعد رحلة الحياة وكذلك حتى يعلم الإنسان ما علاقته بالكون، وما هي الصلة بينه وبين غيره من المخلوقات كل ما في الكون قد خلق للإنسان.
أما الإنسان نفسه فقد خُلِقَ لله جل في علاه؛ لمعرفته وعبادته، وأداء أمانته في الأرض، وكفى بهذا شرفًا وفخرًا؛ فالإنسان سيد في الكون عبد لخالقه وحده؛ ومن ثم فإن الدين ضرورة في حياة الإنسان من أجل معرفة غاية الوجود الإنساني، فبالدين يعرف الإنسان لوجوده غاية، ويعرف لمسيرته وجهة ويعرف لحياته رسالة، وبهذا يحس أن لحياته قيمة ومعنى، ولعيشه طعمًا ومذاقًا، وأنه ليس ذرة تافهة تائهة في الفضاء، ولا مخلوقا سائبًا يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء كالذين جحدوا الله، أو شكوا فيه، فلم يعرفوا لماذا وجدوا، ولماذا يعيشون، ولماذا يموتون، كلا إنه لا يعيش في عماية، ولا يمشي إلى غير غاية، بل يسير على هدى من ربه وبينة من أمره، واستبانة لمصيره بعد أن عرف الله، وأقر له بالوحدانية. أما الذي قال:
لبست ثوب العيش لم أستشر ... وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أمض الثوب عني ولم أدرِ ... لماذا جئت أين المفر
أو ما قاله الآخر:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت.
стр. 48
كلا فقد اتضحت وجهته الربانية، وعرف من أين جاء، ولم جاء، وإلى من فراره، وأين قراره إنه عن طريق التدين يهتدي الإنسان إلى فطرته التي فطره الله عليها، والتي تطلب الإيمان بالله تعالى ولا يعوضها شيء غيره يقول تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: ٣٠).
واهتداء الإنسان إلى فطرته ليس كسبًا رخيصًا بل هو كسب كبير، وغنى عظيم فيه يعيش المرء في سلام ووئام مع نفسه ومع فطرة الوجود الكبير من حوله، فالكون كله رباني، رباني الوجهة يسبح بحمد الله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: ٤٤).
والحقيقة: أن في فطرة الإنسان فراغًا لا يملؤه علم، ولا ثقافة، ولا فلسفة إنما يملؤه الإيمان بالله -جل وعلا- وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمأ حتى تجد الله وتؤمن به وتتوجه إليه، هناك تستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف هناك تحس بالهداية بعد الحيرة، والاستقرار بعد التخبط، والاطمئنان بعد القلق، ووجدان المنزل والأهل بعد طول الغربة، والضرب في أرض التيه كالذي قال:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينًا بالأيام المسافر
فإذا لم يجد الإنسان ربه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد؛ فما أشقى حياته، وما أتعس حظه وما أخيب سعيه إنه لن يجد السعادة، ولن يجد السكينة ولن يجد الحقيقة بل لن يجد نفسه ذاتها كالذين نسوا الله، فأنساهم أنفسهم إن الإنسان خلق عجيب جمع بين قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله فمن عرف جانب الطين، ونسي نفخة الروح لم يعرف حقيقة الإنسان، ومن أعطى الجزء
стр. 49
الطيني فيه غذاءه، وريه مما أنبتت الأرض، ولم يعط الجانب الروحي غذاءه من الإيمان ومعرفة الله، فقد بخس الفطرة الإنسانية حقها وجهل قدرها، وحرمها ما بها حياتها وقوامها.
قال ابن القيم ﵀: "في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذيبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا، وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدًا".
إنها الفطرة البشرية الأصيلة التي لا تجد سكينتها إلا في الاهتداء إلى الله والإيمان به، والالتجاء إليه إنها الفطرة التي لم يملك مشركو العرب في جاهليتهم أن ينكروها مكابرةً وعنادًا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (العنكبوت: ٦١) وقد يتراكم على هذه الفطرة صدأ الشبهات، أو غبار الشهوات، وقد تنحرف، وتتدنس باتباع الظن واتباع الهوى، أو التقليد الجاهل للأجداد والآباء، أو الطاعة العمياء للسادة والكبراء، وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب؛ فيظن نفسه شيئًا يقوم وحده، ويستغني عن الله؛ بيد أن هذه الفطرة تذبل ولا تموت، وتكمن ولا تزول؛ فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لا قبل له به، ولا يد له، ولا للناس في دفعه، ولا رفعه؛ فسرعان ما تزول القشرة السطحية المضللة، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة، وينطلق الصوت المخنوق المحبوس داعيًا ربه منيبًا إليه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: ٦٧).
стр. 50
هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور يتدين ويتعبد ويؤمن بإله، وعلى ذلك فحاجة الإنسان إلى الدين هو احتياج في أصله يدور حول هذه المعاني السامية، ويسير في فلك هذه الغايات النبيلة، كحاجة الإنسان إلى الكرامة والعزة، أو حاجته إلى السعادة والأمل، أو احتياجه إلى الطمأنينة والهدوء، أو حاجته إلى الرشد والهدى.
والإنسان أيُّ إنسان سواء من كان في قمة الحضارة، أو من كان في حضيض التأخر الإنسان البدائي، وإنسان عالم الذرة والكمبيوتر، وإنسان البادية وإنسان المدينة، إنسان الحضر، وإنسان الصحراء الإنسان الغربي والشرقي على كل سواء يبحثون عن هذه المعاني النفسية، وينادون جميعًا لاستكمال هذا البنيان الداخلي، وذلك الكمال النفسي، فكل في حاجة إليه، والكل مفتقر إليه.
إن الدين وحده الذي صاحب البشرية منذ طفولتها، ولم يفارقها في صباها وشبابها وكهولتها، ولم يزل سلطانه مهيمنًا عليها هو الذي يحل لغز الوجود، ويفسر سر الحياة والموت، وغير ذلك إنه الدين نحن أحوج ما نكون إليه، والناس بغير دين يكونون كالأموات، كما قال رب الأرض والسماوات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤) فالحياة مع هذا الدين سيما الحق قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: ١٢٢).
إن الإنسان بغير دين كالأعرج أو الأعوج غذى جسده، ولم يغذِ روحه فلن يجد سعادته، ولن يجد سكينته، وسائر الكفار مع ما أوتوا من نعم الدنيا وزخارفها، لكنهم غفلوا عن الدين، وعن الآخرة؛ فكان الأمر، كما قال الله: ﴿يَعْلَمُونَ
стр. 51
ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم: ٧) فمع هذه الغفلة عن الآخرة، وعن الدين ننظر إليهم، وإلى واقعهم، لقد جربوا كل ضروب السعادة فيما يظنون، وفنون السكينة فيما يزعمون، لكنهم لم يجدوها إلَّا مع الدين سيما أسلموا لله رب العالمين، واعتنقوا الدين الحق، فالحمد لله رب العالمين.
عوامل الانحراف عن الدين الصحيح، وطرق معالجة هذا الانحراف
ما هي عوامل الانحراف عن الدين الصحيح؟ وما طرق معالجة هذا الانحراف؟
كما ذكرت لك الدين، وأهميته وضرورته لكن هل كل دين صحيح أم أن البشرية قد انحرفت عن الدين الصحيح، وإن كانت البشرية قد انحرفت عن الدين الصحيح، فمنذ متى ولِمَ؟ ما هي أهم عوامل الانحراف عن الدين الصحيح؟
اعلم -رحمك الله- أنه من المعلوم أن الانحراف طرأ على البشرية؛ لأنها نشأت مستقيمة على دين صحيح أوحى الله به إلى آدم ﵇ واستمرت الأجيال عليه قرونًا عديدة -كما سبق بيانه- ولكن وقع الانحراف بعد ذلك عن الدين الصحيح لأسباب أهمها:
أولًا: عداوة الشيطان للإنسان وتربصه به.
وقد علم أن الشيطان أعلن عن عدائه لآدم وبنيه منذ البداية، أو مع حادثة امتناعه عن السجود لآدم ﵇ فقد توعد آدم، وذريته بالإغواء والإضلال بكل ما يستطيع، وكما حدث القرآن الكريم عنه قائلًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: ٨٢ - ٨٣) وكذا قال ربنا عنه ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٦، ١٧).
وقال تعالى في الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) فالشيطان يوسوس
стр. 52
للإنسان، ويزين له مخالفة الشرع، والخروج عنه ولو بقصد الخير وهو في ذلك يأخذ الإنسان خطوة خطوة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النور: ٢١) وهو في ذلك له أهداف وغايات فأهم غاياته ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر: ٦) ومن أكبر أهدافه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (الحشر: ١٦، ١٧).
وفي قصة إضلاله للبشرية، ووقوعها في الشرك من بداية الأمر يحدثنا ابن عباس ﵄ فيقول: "ود" و"سواع" و"يغوث" و"يعوق" و"نسر" هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك، وانتسخ العلم عبدت.
قال ابن عباس: وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، وقال ابن جرير في تفسيره: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فقالوا: لو صورناهم كان أشوقِ لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم، فلمَّا ماتوا، وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يستقون المطر؛ فعبدوهم.
ومما سبق ندرك أن هذه الحادثة هي بداية الشرك في العالم كله إلى أن وصلت إلى الجزيرة العربية، ولكن الله أرسل الرسل لكي يخرجوهم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، ومن عقيدة الشرك إلى عقيدة التوحيد.
стр. 53
السبب الثاني من أسباب الانحراف: الغلو في حب الأنبياء والصالحين: فأما عن الغلو في حب الأنبياء، كما حدث للنصارى حين بالغوا في حبهم لعيسى ﵇ فادعوا أنه إله أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، ونحو ذلك مما جاء في كتبهم التي حرَّفوها، وما قاله الله تعالى عن اليهود أيضًا في شأن العزير فقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة: ٣٠) وكذا غلوهم في أحبارهم، ورهبانهم فاتخذوهم أربابًا من دون الله ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١).
وقد علمت أن أول شرك وقع في الأرض كان سببه الغلو في الصالحين؛ ولذلك حذر الإسلام من الغلو في الأنبياء والصالحين، كما قال النبي ﵌: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله))، وحذر الإسلام من تعظيم قبور الأنبياء والصالحين، واتخاذها مساجد والصلاة إليها وإضاءتها، وإيقاد السرج عليها، والبناء عليها، وتجصيصها والكتابة عليها، وتعليتها ورفعها، واتخاذها عيدًا، وذلك حتى لا تكون هذه الأمور ذريعة إلى الشرك الأصغر والأكبر -كما رأينا- في قوم نوح، وكما هو مشاهد إلى اليوم؛ فالغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا معبودة تستوي في ضلالتها مع عبادة الأوثان، كما قال النبي ﵊ لعلي ﵁: ((يا علي لا تدعن تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته)) فننظر كيف سوى النبي ﵊ بين الوثنية، والقبور المشيدة التي يمكن أن تعبد من دون الله.
стр. 54
ولهذا قال ﵊: ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) كذا قال ﵊: ((ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك)) كما روت أم حبيبة وأم سلمة ﵄: ((أنهما رأتا كنيسة بالحبشة فقال ﵊: أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًّا، وصوروا فيه تيك الصور، أو تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة))، إلى آخر الأحاديث الواردة في هذا الشأن.
مما يدل على أن الغلو في حب الأنبياء والصالحين سبب كبير في انحراف الناس عن حقيقة التوحيد وعن الدين الصحيح.
ثالثًا: اتباع الموروثات، والتقليد الأعمى تلك التي ورثها الأبناء عن الآباء دون تردد ودون إعمال للعقل والفكر، وإبطال ما أنعم الله عليهم من نعمة العقل والفكر، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠) وعلى نحو ما ذكر لنا القرآن الكريم في قصة نبي الله إبراهيم ﵇ في موقفه مع قومه في مثل قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء: ٦٩ - ٨٢).
стр. 55
وكان هذا التقليد وبالًا على الأقوام يمنعهم من التفكير الصحيح، ويحول بينهم وبين اتباع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣، ٢٤).
وهذا الذي حدا بهم إلى ترك الحق واختيار الباطل، وهو سبب آخر من أسباب الانحراف عن الدين نسميه إيثار العمى على الهدى.
رابعًا: إيثار العمى على الهدى فمن الأسباب التي أضلت الناس، وأخرجتهم عن منهج الحق أنهم آثروا العمى على الهدى، واستحبوا الظلام على النور؛ فكان أن كافأهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم، بمقتدى نظامه في ارتباط الأسباب بمسبباتها. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩).
فهؤلاء أهملوا منافذ العلم والعرفان، وعطلوها عما خلقت له، فلم يصل إليها نور الحق؛ فقلوبهم غلف لا تعقل عن الله وحيه، وعيونهم عمي لا ترى الله في ملكوته، وآذانهم صم لا تسمع آيات الله؛ فهم مثل الأنعام التي لا تنتفع بحواسها الظاهرة والباطنة، بل أضل من الأنعام؛ إذ الأنعام لم تزود بما زود به الإنسان من قوى نفسية وعقلية وروحية، كما أنها لم تكلف بما كلف به الإنسان، بل سخرت له فامتثلت وأطاعت.
خامسًا: من أسباب الانحراف عن الدين الاعتذار بالقضاء والقدر؛ فقديمًا اعتذر المشركون عن شركهم بأنهم مجبورون بمشيئة الله على شركهم، فأنكر الله عليهم، وأعلمهم أن حجته عليهم قائمة بما منحهم من عقل، وأرسل الله من رسل، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ
стр. 56
تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام: ١٤٨، ١٤٩).
وما القضاء والقدر اللذان ورد ذكرهما في القرآن الكريم، وجعلهما الله مرتبطين بفعل الإنسان ومسلكه في الحياة سوى النظام العام الذي خلق الله عليه الكون، وربط بين الأسباب والمسببات والنتائج والمقدمات سنة كونية لا تختلف، وكان من تلك السنة أن خلق الإنسان حرًا في فعله مختارًا غير مقهور، ولا مجبور ولو صح ما ذهبوا إليه لبطلت التكاليف، وكان بعث الرسل، وإنزال الكتب ودعوة الإنسان إلى دين الله، وما يجب عليه ووعده بالثواب لأهل الخير، والعقاب لأهل الشر باطلًا وعبثًا، ولا يتفق، وحكمة الخالق الحكيم في تصرفه وتكاليفه الرحيم بعباده؛ فالإنسان له حق في الحرية والاختيار، وفيه بواعث الخير وبواعث الشر كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ - ١٠) فالله خلق الإنسان مستعدًا للخير والشر فهو يسعد نفسه بالخير أو يشقيها بالشر: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: ١٠) كما قال ربنا أيضًا: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: ٣).
وهداية السبيل فيها عقل ورسل، وكتب؛ لتضح الحقيقة وليستبين الأمر ويعلم الحق كما قال ربنا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩) ولكل جزاء: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا م ِ نْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: ٢٩، ٣١).
стр. 57
فالإنسان حسب اختياره يكون جزاؤه: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سبأ: ٣٣)، وهذا الاختيار بمشيئة الإنسان، وإن كانت مشيئة الإنسان لا تخرج عن مشيئة الرحمن: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: ٢٨، ٢٩).
ومشيئة الله تعالى وقدره لا يعني: أن يجبر الإنسان على اختيار دين، وإلا لأجبرهم على أن يكونوا مؤمنين، فيصبحوا بذلك كالملائكة، لكن إرادة الله ليست كذلك؛ لذلك قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩) فنهاه الله عن مجرد الإلحاح، أو المبالغة في الدعوى، ويبقى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨).
لكن الهداية والضلال، وإن كان ذلك يرجع إلى مشيئة الله لكن على الإنسان أن يختار فالإنسان بذلك يصبح صالحًا بعقله وعمله، ومسلكه في الحياة، لدرجات القرب من الله، ولدرجات البعد عنه أيضًا، وما كانت هداية الوحي إلا تقوية لجانب الخير فيه، وللأخذ بيده من نزعات الطغيان، والهوى إلى ما قدر له من كمال في دنياه وأخراه.
سادسًا: من أسباب انحراف الإنسان عن الدين، وتطرق الفساد إلى التوحيد: ما وقع فيه الناس من ضلال فيما يرتبط بذات الله وصفاته من حيث التشبيه والتمثيل، ونحو ذلك، فنذكر من هذا وجوهًا:
الوجه الأول: التشبيه والتمثيل، أي: أنهم شبهوا الله تعالى بغيره من خلقه؛ وذلك أن أهل الملل والنحل من غير المسلمين اتخذوا وسائل لمعرفة الله من الصفات الجليلة، والصلة التي بينه وبين خلقه؛ فشبهوه بأجسام مختلفة، ومثلوا صفاته في ضروب من الصور والأشكال؛ فلما طالت عليهم الآمال بقيت هذه
стр. 58
الصور الممثل بها، وزال من قلوب الناس اسم الله الذي لم يزل ولا يزال، وصارت المشبهة بها أوثانًا وأصنامًا وتماثيل، وطفق الناس يعبدونها، ويسجدون لها ظنًّا منهم أنها مظهر من مظاهر صفات الله، ومشاهد قدرته، وتفننوا في تصور صفات الله بهذه التماثيل المنحوتة، والأوثان المصنوعة.
ومن ذا الذي يشك في أن الله تعالى يحب عباده، ويرأف بهم، والأمم الآرية اتخذت تمثال المرأة للحب الإلهي، فإنها عندهم مظهر الحنان والأمومة، وآلهة الغرام والحب؛ فعبروا عن حب الله بنوع من العبادة، وعن حنانه عليهم بحنان الأم على ولدها، فانقلب الإله عندهم أمًّا حنونًا، وجعلوا لها تمثالًا يسجدون له ويعبدوه، والطوائف الأخرى من الهنادك، قد أظهروا هذا الحب الإلهي لعباده وحنانه عليهم بما بين الحليلة وزوجها من المودة والمحبة؛ فاختار لفيفًا من الرجال زي النساء وهيأتهن، وتخنثوا شكلًا وأخلاقًا على زعم أن يحبهم كما يحب الزوج حليلته.
وكما ظهر الإله عند الروم والإغريق في صورة امرأة. أما الأمم السامية: فقد تمثل الإله عندها رجلًا وأبًا إذ كان ذكر المرأة عندها على ملأ من الناس مخالفًا للآداب السامية، وكان الأب هو رأس الأسرة وأصلها، ويدل عليه ما استخرج من بطون الأرض في بابل، وآشور، وديار الشام من تماثيل تصور الإلهَ بصورِ الرجال.
الوجه الثاني: أنهم جعلوا صفاته منفصلةً عنه، ومنشأ ذلك أن أتباع الأديان الأخرى قد فصلوا صفاته عن ذاته، وجعلوها مستقلة عنه، وبذلك تعددت الآلهة، وكثرت في جميع الفرق الهندوكية من الدين البرهمي؛ لأنهم اتخذوا كل صفة إلهية إلهًا، وجسَّمُوا تلك الصفة في صورة، وجعلوا كل صفة يُرْمَزُ لَهَا بإله معين، وبعد أن كان الله إلهًا واحدًا صار لهم ثلاثون وثلاثمائة مليون إلهًا.
стр. 59
وتفصيل ذلك أنهم أرادوا أن يعبروا عن قوة الإله وقدرته؛ فمثلًا قالوا: إن اليدين ترمزان إلى قوة الإله، فنحتوا الله تعالى عن ذلك بيدين قويتين من حجر، بل سولت لهم أنفسهم أن ينحتوا كثيرًا من الأيدي، وحاولوا أن يعبروا عن حكمته، فجعلوا له رأسين، واتخذوا له وثنًا ذا رأسين.
وإذا تتبعنا سبب كثرة آلهة الهنادك الكثيرة؛ علمنا أن السبب هو أنهم جسموا صفات الله، فإن صفات الله عندهم ثلاث صفات عظيمات هي: الخلق والقيام على المخلوق والأمانة، وقد جعلت فرق الهنادك هذه الصفات آلهة، وجسدتها ومن هنا كان الفصل والتعدد.
وأما الوجه الثالث في ضلالهم وفساد التوحيد وبعدهم عنه: نراهم يغترون بكثرة المظاهر في العالم، وينخدعون بضرب مصنوعات الله، وآثار مقدوراته وحين رأوا أن الله تصدر عنه ضروب من الأعمال حسبوا أنها تصدر من مصادر متعددة، وأن فاعليها كثير، فحملهم فساد رأيهم على أن جعلوا لكل عمل عاملًا مستقلًّا واعتقدوا أن الذي يحيي غير الذي يميت، ومحب العباد غير مبغضهم؛ فاتخذوا إلهًا للعلم، وإلهًا للثروة والرزق وصارت الآلهة بعدد الأفعال، وأن جميع ما في الدنيا ينقسم إلى قسمين الخير والشر، ولكل منهما إله، كما فعل أتباع "زرادشت"، وسموا إله الخير "بزدان" وإله الشر "أهومان" واعتقدوا أن العالم ساحة حرب يعترك فيها هذان القرنان المتصارعان.
هذه على الجملة أهم مظاهر الانحراف، وأهم عوامل الانحراف عن الدين الصحيح.
وأما طرق معالجة هذا الانحراف:
فكما قيل إذا شخصنا المرض استطعنا أن نعرف العلاج، وأن معرفة الداء طريق لمعرفة الدواء؛ فلا علاج لهذا الانحراف إلا أن يعود الناس إلى دين الحق،
стр. 60
وتوحيد صحيح، وكتاب محكم لم يحرف، وسنة مبينة ومفسرة، ولن نجد هذا إلا في دين الإسلام؛ حيث كتاب الله تعالى، وسنة النبي ﷺ فإذا اختلطت علينا الأمور فاتباع القرآن، والسنة بفهمِ سلفِ الأمةِ، لا سبيل لمعالجة الانحراف عن الدين الصحيح إلا باتباع منهج الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣).
إن دين الإسلام هو دين الفطرة، وإن دين الإسلام هو دين العقل، وهذه الفطرة التي يمكن أن تخرج عن مسارها الصحيح لا ضابط لها إلا الوحي، وهذا العقل الذي يعتريه القصور لا يكمله إلا الشرع، ومن ثم فطرق معالجة هذا الانحراف هو العودة إلى المنهج الصحيح، أو الدين الحق، والالتزام بالعقيدة الصحيحة التي تتفق مع الفطرة، وتتناسب مع العقل.
ولذلك نقول هنا: إن الدين دين التوحيد، وهو دين الفطرة، ودين العقل هو التوحيد فطرة وعقل، إن سلامة العقل توجب احترام الحقائق، وإدراك الوقائع والوقوف بالظنون عند حدودها، ورفض الأوهام، وعدم الإيمان بالخرافات، والإنسان بفطرته التي خلقه الله عليها يدرك وحدانية الإله مثلما هو يدرك بفطرته أن العدل جميل، والظلم قبيح، وأن العلم مفخرة، وأن الجهل معرَّةٌ، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠).
стр. 61
فالناس كما خلقهم الله يولدون على فطرتهم، فهم مستعدون لها مؤثرون لمنهجها يتدافعون في مجراها تدافع الماء إلى منحدره لكن العوائق المصطنعة هي التي تقطع عليهم طريقهم وتردهم عن وجهتهم يقول الله تعالى في حديثه القدسي: ((إني خلقت عبادي كلهم حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا)).
وقد أشار النبي ﵌ إلى بعض تلك العوائق بقوله ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه))، إذًا فالإسلام نادى في دعوته الخالدة إلى التوحيد ووضع القضية أمام العقل المجرد في بساطة ووضوح وبدون أيِّ تعقيدٍ، أو غموض، ثم يدعوه إلى التفكير في هدوءٍ وتبصرٍ بدون ميل، أو هوى؛ حتى يصل إلى عقيدة التوحيد التي تشهد بها آيات الخلق، وظواهر الكون، والتي بينها القرآن الكريم وجلاها للناس في منطق واضح، وأسلوب رائع، وشرح مبدع باستحالة وجود أكثر من إله واحد في الكون ذلك أن التعدد بين الآلهة يقود إلى التناحر والتنازع بينها، وإلى انحياز كل إله إلى ما خلق بما يؤدي إلى اضطراب نظام الخلق، واختلال نواميس هذا الكون، بل إلى انهيار الوجود ودماره.
قال الله في هذا المعنى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٢) كذا قال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ علوًّا كبيرًا﴾ (الإسراء: ٤٢، ٤٣) وقال سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١، ٩٢).
стр. 62
إنه كما هو معروف في التاريخ: أن الإنسان قد يتمرد على الله، أو يكفر بالله الواحد، ويعبد سواه مما يخترعه هواه، وما حدثنا التاريخ أبدًا، ولو مرة أن إنسانًا لم يتدين حقًّا أو باطلًا، ولم يستغن عن الدين على طول التاريخ، وقد استغنى عن العلم، وعن الحضارة، وعن المال، وعن الصحة إلى آخره، كما لا يستغني عن الطعام أو الماء، وهل يدل أكله للطعام الفاسد، أو الضار على بطلان الحاجة إلى الأكل، وهل يدل شرابه للماء الملوث على بطلان حاجته للغير كذلك لا يدل التدين الفاسد على بطلان الدين، وصدق الله إذ يقول: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لخَلْقِ اللهِ﴾
صل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 63
الدرس: ٤ نشأة العقيدة الإلهية .
стр. 64
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(نشأة العقيدة الإلهية)
فطرية التدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.
الكلام عن فطرية التدين، وفطرية التوحيد، وأقدمية الدين، وأن الوحي بدأ مع البشرية، وأن الإسلام هو دين الفطرة والعقل مبينين من هو أول نبي، ومن هو أول رسول على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى السلام مع بيان وقفة حول نشأة العقيدة الإلهية، والرد على من قال بتطور العقيدة مؤكدين فطرية التدين، وفطرية التوحيد حتى يكون المنهج صحيحًا؛ فإنني أمهد للكلام عن نشأة العقيدة، أو تطورها عند من زعموا أن العقيدة تطورت من الشرك إلى التوحيد بأن أقول لا الحق الذي ينبغي أن يكون أن نبدأ به قبل أن نرد على هذه الشبهة بأن التوحيد فطرة وعقل، والتدين فطرة، والتوحيد فطرة، ونتحدث عن أقدمية الدين، ثم نرد على نظرية تطور العقيدة من الشرك إلى التوحيد.
فنقول وبالله التوفيق بعد أن أشرنا في الدرس السابق إلى أن التوحيد فطرة وعقل أن الله بين معالم التوحيد، وربطها بالعقل؛ أن الدين كله إنما هو في أصله فطرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠) فالناس مفطورون على التدين.
وقد عُلِمَ عن طريق التاريخ أن الناس تدينوا حقًّا كان هذا التدين أو باطلًا، وأنه لم يستغنِ أحدٌ عن الدين على طول التاريخ، كما أشرنا في الكلام على ضرورة الدين في حياة الإنسان، ورأينا أن الإنسان استغنى عن العلم، وعن الحضارة، وعن الماء، وعن الصحة؛ لكنه لم يستغن عن الدين، كما لم يستغنِ عن الطعام، ولا عن الماء حتى، وإن كان الطعام فاسدًا أو ضارًّا لشدة الحاجة إلى الأكل، ولم يستغنِ عن الماء حتى ولو كان ملوثًا لشدة حاجته للري فكذلك لم يستغن عن التدين حتى وإن وقع في تدين فاسد، أو مغشوش، أو في دين باطل.
لكن إذا جاءنا الفكر الغربي، أو الجاهلية الحديثة، تزعم بأن تدين الإنسان نشأ لجهله بمظاهر الطبيعة من حوله، وضعفه أمام كوارثها وأحداثها، وظنوا أنهم عرفوا ما جهله الأوائل، ونسفوا الدين من الجذور، وأتوا عليه من الأساس، وقارنوا بين الأديان ليبطلوها، ونسوا ربما متعمدين أن يقارنوا الإنسان بزملائه من الحيوانات؛ فهو عندهم حيوانات كيف تدين، ولم يتدينوا أليست هذه ظاهرة تستحق الاهتمام، وهل الإنسان وحده الضعيف أمام الطبيعة وغيره من أنواع
стр. 65
الحيوانات قوي، وهل الإنسان وحده الجاهل بحقائق الطبيعة وغيره من الحيوانات أعلم منه، وهل هم كفروا؛ لأنهم صاروا أقوى من الطبيعة، وأعلم بخباياها أم ماذا؟
لا جواب على هذه التساؤلات إلا جواب واحد يرضاه العقل والدين معًا هو أن الإنسان فطر على التدين فتدين، ولم يخلق الحيوانات لهذا فبعدت عنه. والحق: أنه لا تبديل لخلق الله، وهو ما جعل الإنسان من بين مخلوقات الأرض والسماء في حفلة العرض يحمل الأمانة دون غيره كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (الأحزاب: ٧٢).
فالإنسان في منطق الجاهلية الحديثة تدين؛ لأنه ضعيف وجاهل، وعلى القياس الحمار بمقتضى الجاهلية الحديثة لم يتدين؛ لأنه عالم وقوي عالم بأسرار الطبيعة فلم تدهشه، وقوي أمام مظاهرها فلم تروعه، ويوم أن يتحرر الإنسان، ويصبح حمارًا أو قردًا أو ما شاء له من الحيوانات يكون قد تحرر من الجهل والضعف؛ فتعجب لمثل هذه الفلسفة الجاهلة، أو هذه الجاهلية الحديثة.
إننا على يقين من أقدمية الدين، وأن الدين موجود مع الإنسان، وقبل الإنسان مع الإنسان ربما تكون واضحة قبل الإنسان كيف حين خلق الله الجان، وحين خلق الله الملائكة؛ فالملائكة على دين يعبدون ربهم، ويطيعونه، ولا يعصونه فهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون، وهم بأمره يعملون؛ ولذلك قال الله : ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: ٨٣).
стр. 66
وهذه قضية لا نريد تفصيلها لكن من حيث قدم الدين بقدم الإنسان؛ فمن أول إنسان آدم ﵇ هل كان متدينًا نعم موحدًا؟ نعم، هل أمر ونهي؟ نعم وهو في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض، ولما أهبط إلى الأرض هبط، ومعه الدين ومعه المنهج؛ فالله تاب عليه في الجنة بعد إذ أكل من الشجرة نسيانًا لكن آدم خلق ليكون في الأرض لا ليكون في الجنة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠) ولم يقل في الجنة لذلك نزل آدم ومعه المنهاج: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٣، ١٢٥).
فآدم ﵇ كان موحدًا، وكان متدينًا وأبناؤه من بعده كذلك، وفطروا على هذا التدين، وأخذ عليهم العهد والميثاق بتوحيد الله قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢، ١٧٣).
قال الإمام ابن كثير ﵀ في (تفسيره) يخبره تعالى أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، فقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠)
стр. 67
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة)) وفي رواية: ((على هذه الملة -أي الإسلام- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)).
وفي "صحيح مسلم" عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: ((إني خلقت عبادي حنفاء؛ فجاءتهم الشياطين فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) والمراد من القول: أن ما فُطِرَ عليه الإنسان هو التوحيد، وأن الله تعالى أخذ العهد والميثاق على بني آدم قبل خلقهم، وهم في عالم الذَّرِّ في صلب آدم على الخضوع له، وتوحيده سبحانه، فأقروا له بذلك؛ فيكون الدين قديمًا قبل إيجاد الإنسان في الحياة.
هذا، وإن دعوى استغناء الإنسان عن الدين دعوى باطلة يكذبها الواقع، ويبطلها تاريخ البشرية الطويل؛ إذ واقع البشرية شاهد على أن الإنسان حيثما كان، وفي أيِّ ظروف وجد، وعلى اختلاف أحواله، وتباين ظروفه لا يخلو عمن يدين له أبدًا، وسواء كان الدين حقًّا أو باطلًا صحيحًا أو فاسدًا حتى أولئك الذين يدعون اليوم أن العلم قد أغنى عن العقيدة والتدين، وأن الإنسان في عصر الذرة، وغزو الفضاء لم يصبح في حاجة إلى الإيمان بالله، وبالغوا في الكفر والإنكار، فهل يستطيع الإنسان بعقله مهما بلغ من ذكاء، ورجاحة أن يستغني عن الدين، أو أن الدين يستغني عن العقل، إننا إذا نظرنا سنجد تلازمًا وثيقًا بين العقل والدين؛ إذ لابد للدين من عقل يتحمله؛ لأن مدار التكليف عليه.
وأيضًا لابد للعقل من الدين يرشده، ويوضح له الطريق، ويجيب على ما يدور بخَلَدِهِ من أسئلة؛ لأننا سنجد الإنسان هذا اللغز العظيم الذي يستحِثُّ عقولنا ما
стр. 68
العالم، ما الإنسان؟ من أين جاء؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب أن يقودنا عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا، أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة، هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة لا توجد أمة، ولا شعب، ولا مجتمع إلا وضع لها حلولًا جيدة أو رديئة مقبولة، أو مرذولة ثابتة أو متحولة؛ فالوحي له وظيفة والعقل له وظيفة، فوظيفة الوحي هو البحث فيما وراء المادة.
أما وظيفة العقل فهو البحث في المادة؛ فالعقل والوحي لا يستغنيان عن بعضهما، ولكل منهما مجاله الخاص به يكمل فيه الآخر؛ فهناك مسائلُ الغيب ومسائل التشريع، ومسائل الخير والفضيلة، فلو تُرِكَ الناسُ وعقولهم في هذه المسائل؛ فإنهم يتقاتلون ويتنازعون، فعقول الناس رسل لهم من دخلهم ورسل الله عقول لهم من خارجهم، وهذا يوضح لنا مبلغ التآخي بين العقل والدين، وأنهما يجريان في اتجاهٍ واحد.
هذا، والعقل من أشد أعوان الدين على عقيدة التوحيد، والنقل من أقوى أركانه، وكلاهما ينسجم مع الآخر، ولا يتعارضان؛ لأنهما من مصدر واحد، فإن وقع اختلاف دل على أن الوحي حُرِّفَ، أو أن العقل ضل الصراط المستقيم الذي رسمه الوحي الإلهي، والذي أساء استخدام العقل هو الإنسان نفسه، وتحريف الكتاب المنزل بتخريج نصوصه تخريجًا يبعده عن هدفه تحت التأثر بعوامل شخصية، أو بمذهب معين عمل يحول بين الانسجام بينهما.
فالعقل مثلًا لا يتفق مع الدين إذا قال الدين بالتثليث أو جمع بين طبيعة الإنسان وطبيعة الإله، كما زعمته النصارى في عيسى ابن مريم ﵇ وكل هذا يرد على
стр. 69
من قال بأن الإنسان هو صانع الدين ومبتدعه، وأن الأجيال الأولى عاشت ردحًا طويلًا من الزمن بلا دين حتى إذا تطورت، وترقت عن البداوة اخترعت الدين، أو من يعللون ظهور الدين في حياة الإنسان في ضعفه وخوفه وقلقه؛ ولذلك فإن الإنسان إذا قدر على قهر نوازع الخوف في نفسه استطاع أن يسقط الدين من حسابه، وينطلق من إساره وتبعاته مع أن الواقع يشهد بأن الإنسان كلما ازداد تعمقًا في دينه زكت نفسه، واطمأن قلبه، وانشرح صدره، وعظمت سكينته.
إنه من المؤكد أنه ما ظلت فترة في الزمن بدون دين ودعوى استغناء الإنسان عن العقيدة دعوى باطلة، وأن دعوى العقل في إمكانه الاستقلال بهداية الإنسان إلى ما يصلحه، ويسعده دعوى باطلة وساقطة، أيضًا ولا وزن لها ولا واقع، وأن دعوى الاكتفاء بالعلم عن الوحي الإلهي من الشرائع الإلهية الصحيحة من التحريف، والزيادة والنقص والتبديل، كالدين الإسلامي دعوى باطلة قطعًا.
إن فكرة التدين في جوهرها ليس لها دليل واحد في أنها تأخرت عن نشأة الإنسان أبعد هذا يجوز أن يقال: بأن البشرية عاشت قرونًا متطاولة في حياة مادية خالصة؟ أو القول: بأن فكرة التأليه إنما اخترعها دهاة ماكرون من الكهنة والقساوسة الذين لقوا من يصدقهم من الحمقى، والسفهاء؟ أو يصح القول بأن الإنسان هو الذي وضع تلك القوانين، واحتكم إليها؟! هذه النظرة الساخرة إلى الأديان والقوانين ليست مبتكرة، إنما هي ترديد لصدى مجونٍ قديم كان يتفكر به أهل السفسطة من اليونان، فقد زعم هؤلاء السوفسطائيون: أن الإنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع من قانون، ولا وزاعٍ من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى القوةِ الباطشة.
стр. 70
وأخيرًا نقول: بأن الإنسان دائمًا في حاجة إلى الإيمان والتدين والعقيدة، وأن الدين ضرورة من ضروريات حياته، وحاجة من حاجات نفسه، فلا غنى له عن الإيمان بربه، وعن عبادته بحالٍ من الأحوال، ومن هنا لم تخل أمة وجِدَتْ على وجه الأرض، ومنذ عهد الإنسان بالحياة من عقيدة ودين؛ ومصداقًا لذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤) كذا قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾ (الرعد: ٧).
ومن هنا نؤكد أنه مع الإنسان الأول كان النبي الأول، فأول إنسان هو أول نبي هو أبونا آدم ﵇ فمن أول نبي؟ ومن أول رسول؟ من اليقين المؤكد أن البشرية بدأت، ومعها التوحيد المطلق والتنزيه الكامل لله رب العالمين، والذي يقرره القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة أن آدم ﵇ أبا البشرية كان نبيًّا موحدًا على أنقى صور التوحيد. وقد اصطفاه ربه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣) واجتباه أيضًا فقال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (طه: ١٢٢).
وأنه عرف حقيقة التوحيد كاملة، وعرف طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، وذلك باعترافه بخطئه، وتوبته إلى ربه إذ أكل من الشجرة ناسيًا، فسارع بقوله مع زوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٢٣) وهذا اعتراف فيه رجوع وإنابة، وتذلل، وخضوع للواحد الديان الذي خلقه من تراب، ثم نفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة.
والذي لا شك فيه أن آدم ﵇ أهبط إلى الأرض مسلمًا لله متبعًا لهداه، وأن الله أخذ عليه العهد هو وزوجته أن يتبعا ما يأتيهما من هدي، وأن يبتعدا عن خطوات الشيطان؛ إذ هو لهما عدو مبين قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي
стр. 71
هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى *وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَ ى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. (طه: ١٢٣ - ١٢٥).
فقام آدم ﵇ بنقل ما تلقاه من ربه إلى بنيه، وتعريفهم بإسلامه وعقيدته وتلقى بنوه هذه التعاليم بالقبول حتى عندما وقع الخلاف بينهم أو بين هابيل وقابيل رأينا أثر هذه التعاليم واضحة فيما وقعوا فيه من معصية أو خلاف قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٢٧ - ٢٩) الآيات.
وظلت تعاليم التوحيد في أبناء آدم وأحفاده، وتوارثوها جيلًا بعد جيل وظلت أجيال عدة بعد آدم ﵇ لا تعرف إلا توحيد الله تعالى عقيدة مع إسلام الوجه لله تعالى دينًا، فعن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" والقرن قد يراد به المدة، وهي مائة سنة، قد يراد به الجيل من الناس أو المدة المتطاولة من الزمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ (الإسراء: ١٧).
كذا في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (مريم: ٧٤) وفي قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ (المؤمنون: ٤٢) وفي قوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٨) فالتوحيد أصل في البشرية به بدأت وعليه نشأت، وأما الشرك والانحراف فهو شيء طارئ عليها ولا عجب فقد أخذ الله العهد والميثاق على ذرية آدم منذ بدأهم، وهم لا يزالون في عالم الذر كما في الآية: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
стр. 72
قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (الأعراف: ١٧٢) وكما في الحديث الصحيح فيما رواه ابن جرير وغيره بإسناده، عن ابن عباس ﵄ قال: ((مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى)).
وذكر الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ إنه قال: ((يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به، قال: فيقول: نعم، قال: فيقول الله: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي)) فأول الأنبياء الجد الأكبر للأسرة الإنسانية هو آدم ﵇ وقد سبق الدليل على نبوته من القرآن باصطفاء الله له واجتبائه إياه، وإضافة إلى ذلك ما صرح به القرآن من مخاطبة الله له بلا واسطة فقال له: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (البقرة: ٣٣) الآية وهذا الخطاب أحد أنواع الوحي كما قال : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: ٥١).
وفي السنة ما يشير إلى هذا أيضًا أو يصرح به، كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض)) فقوله: ((وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي)) دل على نبوة آدم، ومن جاءوا بعده.
وفي الحديث: وإن كان في سنده كلام: روى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قلت: ((يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم، قلت: أو نبيٌّ كان؟
стр. 73
قال: نعم نبي مكلف، قال: قلت: يا رسول الله؟ كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضع عشرة، جمًّا غفيرًا، وقال: مرة ثلاثمائة وخمسة عشر، قلت: يا رسول الله آدم نبي قال: نعم نبي مكلف)).
وإذا كان آدم ﵇ هو أول الأنبياء؛ فإن نوحًا ﵇ هو أول الرسل دل على ذلك القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء: ١٦٣).
ومن السنة ما جاء في أحاديث الشفاعة في (الصحيحين): ((وفيها فيأتون نوحًا ﵇ فيقولون: يا نوح أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورا)) وقد علم: أن هناك فارقًا بين النبي والرسول؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أََرْسَلْنا مِنْ قبلِك مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى﴾ (الحج: ٥٢) الآية.
وهذا العطف يقتضي المغايرة، وإن كان بينهما اشتراك في مهمة التبشير والإنذار، وقد قيل في الفارق بين النبي والرسول: إن النبي من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وهذا لا نطمئن إليه؛ فكيف لا يؤمر النبي بالتبليغ؟.
وقال الآلوسي: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، فالرسول هو الذي يأتي بشرع جديد، أو بأحكام وتشريعات مفصلة، والنبي هو الذي لم يأت بشرع جديد، وإنما بنى على شرع من سبقه، أو جاء بدعوةٍ مجملةٍ تدعو إلى أصول الإيمان بالله تعالى، وقواعد الخلق الذكي، وليس من اللازم أن تحوي شرائع وأحكامًا جديدة.
أو أن النبي من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وأما الرسول: فهو من بعثه الله إلى
стр. 74
قوم، وأنزل عليه كتابًا أو لم ينزل عليه كتابًا، لكن أوحي إليه بحكمٍ لم يكن في شريعة من قبله، وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس العكس -وهذا هو الراجح والله أعلم.
نشأة العقيدة الإلهية، والرد على من قال بتطور العقيدة
بقي لنا أن نقف وقفة حول نشأة العقيدة الإلهية؛ لنرد على المزاعم في تلك القضية، ونقصد بنشأة العقيدة الصورة التي ظهر فيها الدين أول ما ظهر، أي: الأولية التاريخية المطلقة التي لا تتقيد بزمنٍ معين منذ أن دبت قدمً الإنسان على ذلك الكوكب، ولتقرير هذه البداية نجد أن العلماء ينقسمون إلى قسمين متعاكسين.
وقبل أن نعرض هذين الرأيين علينا أن نفرق بين أمرين، وهما فطرية التدين، وفطرية التوحيد؛ أما فطرية التدين: فقد اتفق علماء الأديان إلا من شذ منهم على أن التدين أمر فطري في الإنسان مركوز فيه، أي: أن الخضوع والتذلل والخوف من كائن أعلى موجود في النفس، ومحاولة إرضاء هذا الكائن، والتذلل له أمر غريزي يلبي نداء الفطرة، وكذا الإحساس الفطري على الحياة الآخرة، وأنها دار الجزاء لما قدم الإنسان من أعمال، كما أن الإنسان مدني بطبعه، فلا يستطيع أن يعيش بمعزل عن بني جنسه، بل لا بد من التعاون مع الجماعة.
وأما عن موضوع هذا التدين أي: المعبود الذي تعلق به هذا التدين هل تعلق أول ما تعلق بالإله الواحد الموجد لهذا الكون، أم تعلقت هذه الغريزة
стр. 75
بآلهة شتى؟ الطبيعة وما حوته من جمادات وحيوانات وأرواح، ثم تطورت إلى أن وصلت للإله الواحد، لقد ذكرت: أن العلماء في هذه المسألة لهم رأيان هما:
الرأي الأول: المذهب التقدمي أو التصاعدي، ويتزعمه فريق من علماء الأديان والمقارنة، ومن علماء الاجتماع الدين أمثال: "سبنسر" و"فرويد" و"دوركايم" وغيرهم من علماء الغرب مسيحيين ويهود، وتبعهم قليل من المسلمين مثل العقاد في كتابه (الله) وطه الهاشمي في كتابه (تاريخ الأديان) وفلسفتها يرى هذا الفريق أن التدين بدأ بالخرافة والأوهام، ثم انتقل إلى الوثنية والشرك، وأخذ الإنسان يتطور في دينه، وعقيدته على مدى الأجيال حتى وصل إلى التوحيد والتوحيد في نظرهم هو آخر مرحلة في التصور والتدرج، وأن الاعتراف بالإله الواحد مسبوق بعبادة الشمس.
يقول العقاد: "ترقى الإنسان في العقائد، كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه، وصناعته، فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى".
فيرى أصحاب هذا الرأي أن عقيدة التوحيد ظهرت متأخرة بالقياس إلى ظهور الوثنية، والشرك ظهرت عقيدة التوحيد بعد أن توسعت مدارك الإنسان، فشعر أن ما كان يتصوره من وجود قوى روحانية عليا في الأشياء التي عبدها لم تكن سوى وهم وخداع، وصار يقتصد في الشرك إلى أن وصل إلى التوحيد، وهم يعتبرون أن إخناتون أقدم الموحدين لأنه دعا إلى عبادة الشمس وحدها دون بقية المعبودات عند المصريين، ثم يتحدثون عن التوحيد كآخر طور من أطوار العقيدة، كما جاء في الإسلام.
следующие страницы →