Полный текст (387 стр.). Показаны 351–387 · переход к 356.
стр. 351
الناس إليها، ولذلك نجدها لا تعرف إلا به، ووصل الأمر ببعض العلماء أن جعلوه مؤسس الدين الفارسي، وبدءوا بحثهم في أديان الفرس من زمن هذا الحكيم الكبير، والمصادر الدينية عند الفرس مجموعة من الكتب يضمها كتابٌ واحد يعرف بالفستا.
الفستا: وهو الكتاب الرئيسي للدين الفارسي، ومعناه في العربية: النص الأصلي، ويطلق عليه العرب اسم الأبستاق، وقد ظل هذا الكتاب يتداول شفويًا طيلة قرون عديدة باللغة الفهلوية القديمة، والكتاب في الجملة يؤرّخ للفرس ودينهم وأدبهم بلا ترتيب زمني، ويشتمل الكتاب الموجود في العصر الحديث على ثلاثة أقسام أو فصول هي:
القسم الأول: ويتناول حديث الإله أهورامزدا إلى زرادشت؛ حيث يعلمه أوامر الشريعة تفصيلًا كما يتناول قصة خلق العالم وتكوينه، ويبين بعض النظم الاجتماعية، ويسمى هذا القسم الفنديداد.
القسم الثاني: ويتناول توضيح الطقوس الدينية، وهو عبارة عن تراتيل وصلوات خاصة برجال الدين الفارسي، وتلاوة هذا القَسم لا تحتاج إلى جمهور يسمعها، ويُعرف هذا القسم بالفاسبرد.
القسم الثالث: ويتناول تمجيد الملائكة، ويتحدث عنهم كآلهة صغار، كما يتناول بيان صلوات وشعائر دينية، وهذا القسم له اهتمام خاص لدرجة أن البعض يعتبره الجزء الذي لم يحرّف من الفستا، ويعرف هذا القسم بالياستا.
وقد دارت حول الفستا أساطير كثيرة، نقلها بعض العلماء على أنها حقائق مسلمة؛ من هذه الروايات: إنه كُتب في اثني عشر ألف مجلد من جلود البقر والثيران والماعز، وإنه كُتب حفرًا على الجلد ونقشًا بالذهب، وإنه حفظ في
стр. 352
حوافظ الموابذة، الذين هم كبار رجال الدين الفارسي، مع كتابته على النحو المذكور، والذي يجعلنا نلحق هذه المعلومات بالأساطير شبه الإجماع عند علماء الأديان على أن الفستا لم تدوّن طيلة عدة قرون، كما أن التسليم بهذه الروايات يؤدي إلى عدم ضياعها وتحريفها، بينما المعروف أن أكثر من ثلاثة أربعها .. إن أي: كتاب ينال هذا الاهتمام حفظًا وتدوينًا كفيلٌ باستمراره مع الزمان، وبخاصة أنه وجد بين دولة تقدستة وأمة تدين به، لكن الثابت عدم استمراره، مما يؤكد أن الروايات المذكورة مبالغٌ فيها وبعيدة عن الواقع.
وقد اهتم علماء الدين الفارسي بشرح الفستا، وإحاطته بالحواشي التي تشرحه وتشرح شرحه وتبين شرح شرحه؛ وذلك واضح من الزِّند، وهو كتاب يشرح الفستا، وقد ألف بعد الفستا بمدة طويلة، والباذند وهو شرح للزند، والإياردا وهو شرح للبازند، وهذه الشروح كُتبت باللغة الفهلوية بلغة الفرس القديمة، وترجمها العلماء في العصر الحديث إلى عددٍ من اللغات الحية مع ترجمة الفستا، والعلماء المحدثون يرون أن أهم ما يوضّح العقيدة الدينية للفرس هو كتاب التراتيل المعروف باسم الياسنا، وهو القسم الثالث من الفستا، ويرون أنه يتضمن العناصر القديمة للزرادشتية، ويحتوي على أقوال زرادشت؛ ولهذا نجد العلماء يهتمون بدارسة هذا القسم وتحليله أكثر من غيره.
التعريف بزرادشت
ثانيا: التعريف بزرادشت:
اختلف علماء الدين في حقيقة شخصية زرادشت؛ فمنهم من يرى أنها شخصية أسطورية لا وجود لها في الحقيقة، صنعها الكهنة ورجال الدين الفارسي، من
стр. 353
أجل تدعيم عملهم وتحقيق مكاسب لهم ولذويهم، وكل ما روي عن الإنسان اختلاق، وتأليف سواء كان منبعه دين قديم أو وضع بشري محدد، والقائلون بهذا لا يجدون دليلًا حقيقيًّا، وكل ما يستدلون به ما يروى عن نشأة زرادشت وحياته؛ حيث يرون تشابهًا بين ذلك وبين أحداث تعرّض لها رُسل الله من أمثال إبراهيم وعيسى، ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- وهذا الرأي لا يصح التسليم به لقيامه على الفرض المجرد من الدليل، بينما الموضوع له أهميته التي لا بد لها من البراهين القوية والأدلة الساطعة.
وأيضًا فإن المكتشفات العلمية الحديثة تؤكد بطلان هذا الرأي، ومن العلماء من يرى أن زرادشت شخصية حقيقية، وأنه هو إبراهيم ﵇ الذي ورد ذكره في الكتب السماوية التوراة القرآن الكريم، يستدل هذا البعض بما ورد في سيرة زرادشت من أحداث تشبه بعض معجزات إبراهيم ﵇ وبعض أحداثه التي حدثت معه مثل نجاته ﵇ من النار بعد أن ألقي فيها، ومثل تأمله في الكواكب والنجوم، ومثل دعوته إلى الإيمان بالواحد الخالق بكل هذه الظواهر ولجميع المخلوقات، وهذه الأدلة لا تَثبت مدعاها؛ لأن التشابه في بعض الأحداث في حياة شخصين أمرٌ ممكن، كما أن من أحداث سيرة زرادشت ما يشبه بعض ما جاء، وما حدث مع موسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- مثل البَشريات والإرهاصات العديدة التي جاءت لأمه أثناء مولده، ومثل نجاته بصورة معجزة من محاولات قتله المتكررة، ومثل انتصاره على السحرة وإعجازهم، ومثل هذا التشابه جائز من غير أن يكون الشخصان شخصًا واحدًا.
وأيضًا فإن الأدلة الثابتة تؤكد أن زرادشت ليس هو إبراهيم ﵇؛ لأن إبراهيم ﵇ نشأ في بلدة أور ببلاد الكلدان، بينما زرادشت ولد بأذربيجان؛
стр. 354
ولأن إبراهيم رحل إلى مكة بينما زرادشت لم يرحل إلى بلاد الحجاز، ولم تكن له بها صلة؛ ولأن إبراهيم تزوج من سارة وهاجر، بينما زرادشت تزوج من امرأة واحدة هي هفويه، ولأن إبراهيم ﵇ ظهر في القرن السابع عشر قبل الميلاد بينما ظهر زرادشت في القرن السابع قبل الميلاد، وكل هذا يؤكد أن زرادشت شخصية حقيقية، وليس هو سيدنا إبراهيم ﵇.
وإذا ثبت هذا، فمن يكون زرادشت؟
ولد زرادشت في مدينة أذربيجان الواقعة غربي بحر القزوين في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ويروى أن أباه كان يرعى ماشيته ذات يوم إذ تراءى له شبحان نورانيان، اقتربا منه وقد ناله وقدما له غصنًا مقدسًا، وأمراه أن يحمل الغصن ويقدّمه لزوجته؛ لأنه يحمل في كيانه الطفل الروحاني، وصدع أبوه بالأمر، فحملت زوجته لليلته، وبعد خمسة شهور من الحمل أتت لأمه البشارات المتتالية، وعندما ولد لم يبكِ كسائر الأطفال، وإنما فَهِق بصوتٍ عالٍ اهتزت له أركان البيت، وهربت الأرواح الشريرة، وارتعد كبير السحرة فرقًا؛ لأنه يعلم أن هذا الوليد سيقدر على السحرة والكهان ويخرجهم من البلاد.
وقد تعرض زرادشت لمحاولات متعددة من السحرة لقتله بأن ألقي في طريق قطيع كبير من الماشية لتدوسه، لكن بقرةً أسرعت نحو الطفل ووقفت فوقه تحرسه حتى مر القطيع، وألقي في وكرَ الذئاب لتأكله أو ليموت جوعًا لكن الذئاب تسمّرت وأقبلت عنزتان، ودخلتا الوكر معه لترضعاه، ولما بلغ زرادشت السابعة من عمره أرسله أبوه إلى حكماء الفرس؛ ليتعلم منهم، ويتلقى الحكمة، واستمرت هذه الفترة ثمانية أعوام تزوج خلالها، وعاشق مهنة خدمة المرضى وعلاجهم،
стр. 355
ولم تكن مصاحبة آلام الناس وأحزانهم النهاية في نشاط زرادشت، بل إنها كانت البداية؛ حيث أخذ يتساءل ويبحث عن مصدر الشرور والمتاعب، ويعجب من عدم سيطرة الخير على كل شيء، وقرر هجر زوجته والانقطاع للتأمل والبحث فوق جبل سابلا.
وذات يومٍ أدرك من تأمله في الليل والنهار أن العالم يضم الخير والشر كما يضم اليوم الليل والنهار، هكذا في صورة مستمرة من غير طغيان أحدهما على الآخر، ومع اكتشاف لهذه الحقيقة سأل نفسه: لماذا خلق الخير والشر معًا؟! ولم يدم به التساؤل طويلًا، فلقد أتاه كبير الملائكة، وقاده إلى الله تعالى أهورامزدا إله النور الأعظم، الذي يحيط به ضياء عظيم؛ حيث تلقى كلمات الحق والحقيقة وتعلم أسرار الوحي المقدسة، واستمع إلهه للنبوة.
ونزل زرادشت للجبل حاملًا رسالة الله للإيرانيين، ومعه كتاب الوحي، لكنه قوبل بالإعراض والصدود من قومه، ومن عشيرته الأقربين، وقضى في دعوته عشر سنوات متحملًا الأهوال صابرًا على الأذى محتسبًا ذلك عند أهورامزدا، الذي ظل يؤيده ويقوِّي عزيمته، ويثبّت عقيدته بالوحي المتوالي، ويقال: إن الله كلامه شفاهة وظهر له كبار الملائكة، وبعد أن جاوز عمره الأربعين آمن أخوه بدعوته، وأخبره بأنه يدعوه بأفكار صعبة لا يفهمها إلا المتعلمون والخاصة، فبدأ زرادشت لساعته يدعو المتعلمين والخاصة مبتدئًا بالملك كشتسيب والملكة والأمراء المقيمين في بلخ، وعقد الملك مناظرة بين حاشيته وبين زرادشت حتى تبين له صدق الدعوة، فآمن بالزرادشت واتبعه.
لكن الكهنة دبّروا مؤامرة كاذبة لزرادشت أدت بالملك أن يسجنه بتهمة السحر والشعوذة، وحدث أن جواد الملك أصيب بمرض غريب أدى إلى تقلص قوائمه
стр. 356
الأربعة ودخولها في بطنه، ولم يعد يظهر منها سوى الأطراف، وجمع المالك أشهر الأطباء لعلاج الجواد لكنهم عجزوا وأصيبوا بالحيرة أمام هذا المرض العجيب، وبلغ الخبر زرادشت وهو في السجن، فأرسل إلى الملك أخبره أنه يمكنه علاج الجواد، فجيء به على الفَور، فلما حضر طلب من الملك شروطًا تتحقق إذا أبرأ الجواد، فَقبل الملك ونفذ الشروط بالفعل؛ حيث آمن به حينما برأت ساقه الأمامية اليمنى، وآمن ابنه حينما برأت ساقه الأمامية اليسرى، وآمنت الملكة مع شفاء الساق الثالثة، وحاكم المتآمرين على زرادشت بعد شفاء الساق الرابعة.
ومضت الأيام والخوارق تظهر لزرادشت حتى تم له النصر، وانتشرت دعوته في إيران بمساعدة الدولة وعلى رأسها الملك والأمراء، وبعد أن اتجه زرادشت بدعوته إلى مملكة توران التي رفضت الدعوة، واشتبكوا في حرب مع الإيرانيين، وحاصروا مدينة بلخ واستولوا عليها وأقبلوا على زرادشت وهو يصلي في المعبد، وطعنوه في ظهره فسقط صريعًا، ومعه عدد كبير من الكهنة، وكان ذلك في سنة ثمانمائة وثلاث وخمسين قبل الميلاد تقريبًا، وعمره سبعة وسبعون عاما.
ولكن هل يعتبر زرادشت رسولًا من الله تعالى لقومه؟
هنا يختلف علماء الأديان؛ حيث يذهب البعض إلى التسليم بسائر ما رويناه في نشأته، ويرى ما فيها من إرهاصات ومعجزات، وقيام زرادشت بدعوة قومه إلى توحيد الإله أهورامزدا دليلًا على رسالته ونبوته، ويمثل هذا الاتجاه الأستاذ حامد عبد القادر في كتابه (زرادشت الحكيم نبي قدامى الإيرانيين)؛ حيث يقول: "إن هذا الرجل إذا قيس بمقياس التاريخ، وجب أن يعدّ في صف كبار الأنبياء الذين ظهروا في شتى البيئات والعصور، وأرشدوا الناس إلى طريق الحق والخير؛ لما
стр. 357
عرف عنهم من دقة استقامة، وشدة إخلاص لربه، وتفرغه لتقديسه، وقوة إيمانه برسالته، وشدة تحمسه في نشر دعوته" والكاتب يبين أهم الأسباب الدافعة للقول بنبوة زرادشت، ويوجزها في المعجزة، ونزول الوحي والدعوة إلى الإيمان بإله واحد هو أهورامزدا؛ أي: أنا خالق الكون.
يقول الشهرستاني: "ودين زرادشت عبادة الله، والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الخبائث" ومن أقوال الزرادشت: "النور والظلمة فصلان متضادان، وهو مبدأ موجودات العالم، وحصلت التراكيب من امتزاجهما، وحدثت الصور من التراكيب المختلفة، والباري تعالى خالق النور والظلمة، ومبدعهما، وهو واحد لا شريك له، ولا ضد ولا ند، ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة، لكن الخير والشر إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة، والباري هو الذي مزجهما وخلطهما لحكمة".
ويشير الشهرستاني إلى ما يُنسب إلى زرادشت من معجزات، ومنها دخول قوائم فرس كشتاسب في بطن الفرس، وإطلاق زرادشت لها بعد عجز الأطباء، ومنها أنه مر على أعمى فوصف لقومه حشيشة عصروا ماءها في عين الأعمى فبرئ لتوِّه، وعلى هذا الاتجاه سار الأستاذ عباس العقاد في كتابه (الله)، وقد سلّم به ابن حزم بدون قطع، وهو يعتبر أهل فارس أهل كتاب بصورة عامة، ويستدل على هذا بأخذ الجزية منهم وهم المجوس.
هذا وهناك فريق آخر يرى أن زرادشت لم يكن رسولًا مبعوثًا من الله، وأن دعوته عبارة عن محاولة تطوير المجوسية القديمة وتنقيتها من بعض تعاليمها التي بان فسادها بسبب الرقي العقلي أو بسبب الاتصال بأصحاب الديانات الأخرى، يستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن ما رُوي عن حياة زرادشت من معجزات أو
стр. 358
خوارق هي من فعل الكهنة، ومن الأساطير التي روجها العامة، كما أن دعوة زرادشت يشوبها الشرك وتعدد الآلهة؛ حيث تقدس النار وتدعو لعبادتها، كما أنها تنظر إلى أهورامزدا وأهرومن على اعتبار أنهما إلهان اثنان.
وبالنظر في هذه الاتجاهين نلمح ضعف الرأي الثاني؛ حيث لا دليل معه حول ما يزعمه من أسطورية نشأة زرادشت، كما أن الشرك وتعدد الآلهة، وعبادة النار وُجدت في المجوسية، وهي ليست دعوة زرادشت؛ إن المجوسية لونٌ من ألوان الشرك ظهر منذ فجر التاريخ، وقد انتشرت في ممالك فارس القديمة، وتمكنت من أن تحرّف دعوة زرادشت بعد وفاته، والذي ننبه عليه هو أن المجوسية ليست من الزرادشتية، وليست هي الزرادشتية، هذا من جهة، ومن جهة ثالثة لا نؤيد الرأي الأول على إطلاقه؛ لضياع أغلب كتب الزرادشتية، كما أن البعض الباقي يداخله شك كبير في إثبات صحة نسبته لصاحبه، كما لا ننكره على إطلاقه؛ لأن إرسال الرسل في سائر الأمم أمرٌ مقرر شرعًا عند أصحاب الملل، ومن الجائز أن يكون زرادشت واحدًا من هؤلاء الرسل.
إن الدعوة الإلهية تتضمن بشكل رئيسي الدعوة إلى الله الواحد الأحد المتصف بكل كمال يليق به الخالق لكل شيء، وتتضمن القيام بعبادات ونسك لهذا الإله، كما تشتمل على الأخلاق الفاضلة، والتعريف باليوم الآخر بما فيه من حساب، إن أي: دعوة تتضمن هذا هي دعوة رسول مرسل، فإن كان الرسول قد ذُكر في الكتب السماوية نؤمن برسالته ونصدق بدعوته، وإن لم يرد ذكره في الكتب السماوية، فإننا نتوقف مكتفين بالتسليم المجمل في قضية الإيمان بالمرسلين، وعلى الجملة فإن الأولى هو التوقف في القطع برسالة زرادشت مع الاكتفاء بدراسة تعاليمه كما وردت عند العلماء والإحاطة بما ذُكر في هذا المجال.
стр. 359
أركان الدين الفارسي
ثالثا: أركان الدين الفارسي:
عرف الفارسيون منذ القديم -وقبل زرادشت بزمن سحيق- الدين، ولكنه كان دين قائمًا على تقديس الطبيعة، واتخاذ مظاهرها آلهة يعبدونها، وكانت تصوراتهم الدينية لا تزيد عن الأمل في نماء الزرع، ووفرة الخير والبركة، وقد ألّهوا من بين من ألّهوا التماثيل والأصنام، ووظّفوا لخدمتهم الرهبان والكهنة الذين أصبحوا طبقة مميّزة عن سائر الإيرانيين، جعلتهم يزعمون للناس وساطتهم الحتمية لمن يتقرب للآلهة، وهكذا كانت فكرة قُدامى الإيرانيين عن الدين، وهم قدامى المجوس الذين كانوا قبل زرادشت، والمعلومات عن هذه الفترة تعتمد على الظن في أغلبها؛ لعدم تدوينها وحفظها بطريقة ما، وجاء زرادشت وظهرت الكتب المقدسة مفصِّلة جوانب دين عرف بدين الفرس أو بالزرادشتية نسبة لهذا الحكيم الذي له الفضل الأكبر في نشره بين الإيرانيين.
يقول جميس هنري برستيد: "الزرادشتية من أنبل الديانات التي ظهرت في العالم القديم؛ حيث دعت كل إنسان، وأهابت به أن يختار أحد الطريقين؛ إما أن يملأ قلبه بالخير والنور أو ينغمس في الشر والظلمة؛ ليلاقي جزاءه ويحاسب على ما آتاه".
فما أركان هذه الديانة إذن؟
تتحدث الفستا وشروحها عن جوانب الدين الفارسي كما دعا إليه زرادشت بالتفصيل، وتحدد أهم معالمه وهي كما يلي:
стр. 360
١ - الإيمان بالإله الواحد:
تدعو الزرادشتية إلى الإيمان بإله واحد قديم أزلي مجرد من الشهوات لم يولد، ولن يموت، وأقوى الناس يشعرون بضعفهم أمامه، ولا يقدر على إدراك حقيقته عقل بشري، ومن أجل أن يتمكن الناس من تصور هذه القوى الغيبية، فقد رُمز لهذا الإله برمزين ماديين مشاهدين هما الشمس والنار؛ الشمس في السماء تمثل روح الإله في صورة يستطيع الإنسان إدراكها لما امتازت به من صفات كالإشراق وبعث الدفء والسمو عن نزعات الشر ومجاله، والنار في الأرض هي العنصر الذي يمثل للناس قوة الله العليا، فهي قوة مطهرة باقية نافعة، ويسمى هذا الإله أهورامزدا، ومعنى الاسم: أنا الله الخالق.
ومما يدل على هذه العقيدة من نصوصهم قول زرادشت: "إلى أي أرضٍ أفر! وإلى أي اتجاه يكون المهرب! إلى النبلاء والسادة وهم يقاطعونني أم إلى الناس وهم غير راضين عني أم إلى حكام الأرض الخونة؟ كيف أبلغ رضاك يا أهورامزدا؟ ألجأ إليك لتكون لي عونًا يعطيه صديق لصديقه وعلمني بالحق كيف أحظى بالفكر الخير" وهذا النص يشير إلى ربه القادر حيث يتوجه إليه بالشكوى، ويطلب منه العون.
وقد أورد الشهرستاني مساءلات جرت بين زرادشت وبين الإله أهورمزدا، تبين أن دين الفرس قائم على أن الله واحد، قال زرادشت: ما الشيء الذي كان ويكون، وهو الآن موجود؟ قال الإله: أنا والدين والكلام؛ أما الدين فعمل أورمزدا، وأما الكلام فكلامه، وصارت بقية الأسئلة والأجوبة حول حكمة خلق الكون، وعن أصل الخلق، وعن الرسالات السابقة، وعن ملائكة الوحي، ويبدو أن المراد بالفكر الخيّر في كلام زرادشت يعني أحد هؤلاء الملائكة العظام،
стр. 361
وتبدو وحدانية الله عند الزرادشتيين من العهد الذي يجب أن يأخذه الزرادشتي على نفسه، وفيه يقول: لن أُقدِم على سلب أو نهب أو تخريب أو تدمير، ولن آخذ بالثأر، وأقر أني أعبد الإله الواحد أهورمزدا، وأني اعتنق دين زرادشت، وأقر أني سألتزم التفكير في الخير والكلام الطيب والعمل الصالح.
ومن المسلم أن الله الواحد الخالق قد أوجد عديدًا من القوى المخلوقة وفق حكمة معينة ومنها قوة الخير وقوة الشر، وإليهما ترمز الزرادشتة بالنور والظلمة؛ النور رمز الخير ويطلقون عليه اسم شترا، والظلمة رمز الشر ويطلق عليها اسم أهرمن، وتؤكد النصوص أن هاتين القوتين عنصران أساسيان في قوام الحياة، أوجدهما الإله الخالق؛ لينشط كلٌّ منهما من مجال خاص به، جاء في اليسنا الثلاثين ما يلي:
في البداية الروحان اللذان هما توءمان أحدهما الخير والآخر الشر، في التفكير وفي الكلمة وفي الفعل، وبين هذين العاقل يحسن الاختيار، وليس كذلك الأحمق، وعندما يرتد أحد الروحين عن الآخر يعلمان أساس الحياة للحياة، وفي النهاية تكون أسوء الحال للأنذال، ولكن للأخيار الفكر الخيّر، من هذين الروحين اختاروا الشر لعمل السيئات، ولكن الروح القدس يكون بجانب العدالة ويعمل آنئذ كل ما من شأنه أن يرضي الله الحكيم بالأعمال الخيرة، وهذا النص صريح في أن قوة الخير وقوة الشر ليست محددة في شيء مادي معين، لكن يرمز لهما بشيء معين وأنهما من خلق الله وإيجاده.
وبعد وفاة زرادشت دخل التغيير والتحريف في هذه العقيدة الموحِّدة، فظهر من قال بأن هناك إلهين هو إله النور، وإله الظلمة، ثم قدست النار، وعبدت وأقيمت لها المعابد والبيوت، وأصبحت الديانة الفارسية بعد هذا التحريف تعرف
стр. 362
بالمجوسية، ذاك الاسم القديم الذي عرفت به أديان الفرس قديمًا، وأشهر المحرِّفين في الزرادشتية ماني ومزدك وديصان وملقيون، وقد عرَّف الشهرستاني معتقداتهم بالتفصيل، وسوف نجملها بعد الانتهاء من الزرادشتية إن شاء الله تعالى.
العقيدة الثانية: الإيمان باليوم الآخر:
تدعو الديانة الزرادشتية إلى الإيمان بالآخرة حيث يحاسب الإنسان على ما عمل قبل الموت؛ لينال جزاءه العادل في الجنة أو في النار، وتبين الزرادشتية منزلة نبيها في الآخرة، فتذكر أن بيده تقرير المصير لأخطاء الناس، ومن اليسنا الفقرة ٤٤ نقرأ: "حقًّا إنه هو النبي المرسل الذي تُوضع لروحه الساحرة كل خطايا البشر، ومع ذلك فدأبه كصديق تحيا عوالم الحياة من جديد". ويلاحظ أن النص وهو يثبت هذه المنزلة لزرادشت لم يوضح سببها وهل تكون في منزلة الشفاعة أو في صورة أخرى؟ المهم أن عقيدة الفرس تدعو إلى الإيمان باليوم الآخر، ويلاحظ كذلك أن للمتزوجين منزلة أعلى من العزاب، وأن من له بيت أسرة أفضل في الآخرة ممن لا أسرة له.
وتعتبر أكبر الكوارث التي تحل بالرجل ألا تكون له ذرية، ويذكرون أن أول سؤال يحاسب عليه الميت يدور في هذه المسألة، ولا يفترق تصور العقيدة الزرادشتية لما يحدث في اليوم الآخر عن التصور الإسلامي إلا في مسائل قليلة؛ فعقيدة الفرس: أن الميت يحاسب عقب موته، وعندهم أن الموتى يُبعثون من رقادهم حينما تقوم الساعة، ويحشرون في مكانٍ للحساب، وعندهم أن الجنة والنار منازل عديدة، ويختلفون عن التصور الإسلامي في أن الشقاء والسعادة في الآخرة تلحق الروح فقط، وفي أن الجنة تقع في أقصى شرقي جبال البرز، حيث
стр. 363
يتخيلون الجبل عاليًا إلى مستوى النجوم، وعلى الجملة فإن العقيدة الزرادشتية تؤمن بالآخرة وما فيها.
ثالثا: العبادات:
يقوم الزرادشتي بعبادات معينة يؤديها للإله أهورامزدا، وأهم العبادات مجموعة من الأدعية يتلوها وهو يناجي الإله أو الملائكة أو الأرواح الهائمة، ودور العبادة تعرف بالهيكل؛ حيث تقام الصلوات فيها خمس مرات في اليوم، والهيكل على صورة دائرة في وسطه تقاد النار التي يتجهوا إليها الناس في صلواتهم التي يؤدونها في أوقات مرتبطة بحركة الشمس، كالشروق والزوال والغروب، والصلاة عبارة عن أقوال معينة يرددها المصلي، وهو متجهٌ إلى النار في ثبات، والأقوال هي: أرجو منك أيها الرب الخالق المطلق القدير أن تغفر لي ما ارتكبت من سيئات وما دار بخلدي من تفكير سيئ، وما صدر عني من قولٍ أو عمل غير صالح، إلهي أرجو منك أن تباعد بيني وبين الخطايا حتى أحشر يوم الدين مع الأطهار الأخيار.
وفي مجوسية الفرس المتأخرة نلحظ تقديسًا وتعظيمًا للنار؛ فلا ينبغي للنار أن تطفأ، ولا يلقى عليها ماء، ولا تصلها أشعة الشمس، والبيت الطيب هو الذي توقد فيه نار ولا يخلو معبد منها، وكانت المعابد تسمى بها، وتعرف باسم هيكل النار، ورجال الدين الفارسي يسمون بالموابذة، وعملهم الوعظ والتدريس والتعليم، ولهم منزلة كبيرة في المجتمع، ولهم معاونون يُعرفون بالموابذة، وهم معينون لإقامة الشعائر في المعابد وحراسة النار والمحافظة عليها.
стр. 364
وهذا نص ننقل ترجمته الحرفية من اليسنا ٤٤ يوضح جوانب العقيدة الزرادشتية، وهو على صورة حوار بين زرادشت وأهورمزدا:
عن هذا أسألك يا أهورمزدا، فأبنْ لي الجواب! من كان عند الخلق أول أبٍ للحق؟ من رسم للشمس والنجوم طريقها؟ إذا لم تكن أنت فمن قرر نماء وشحوب القمر؟ أريد أن أعرف هذا أيها الواحد الحكيم، عن هذا أسألك، فأبن لي الجواب! من أقر الأرض تحت والسماء من فوق بسحابها لا تتحرك؟ من أسرج للريح جيادها؟ عن هذا أسألك فأبن لي الجواب! أي صناع خلق الضياء والظلام؟ أي صناع خلق النوم واليقظة؟ من خلق الصبح والضحى والأمسية؟ عن هذا أسألك فأبن لي الجواب! من شرع العبادة مقدسة مع الملكوت؟ ويتحتم على المرء أن يسترشد بالدين وبالعبادة وهي جميعًا تجعل أموري في هناء، عن هذا أسألك فأبن لي الجواب! هل سأصل بعونك إلى هدفي؟ هل سأحظى ثوابًا من الحق؟ الآلهة الزائفة هل هي آلهة حقًّا؟
هذا النص يبين عقيدة الزرادشتيين في الإله والعبادة والثواب، بصورة مجملة.
رابعا: الشريعة والأخلاق:
تهتم الديانة الزرادشتية بالشرائع والأخلاق، وبخاصة في الشروح التي تعلقت بالفستا، ومن أهم هذه النظم: العمل والإنتاج الزراعي، وتربية الماشية، كما تحث على النظام والنظافة وصيانة النفس والوطن، كما تدعو إلى مجموعة من الفضائل الأخلاقية التي أساسها الفكر الطيب، والكلم الطيب، والعمل الطيب، وفي نصوص الفستا دلالات واضحة على الأخلاق الكريمة التي يجب أن يتحلى بها من يدخل في دين زرادشت.
стр. 365
هذه هي أهم أركان الدين الفارسي كما جاءت في مصادره المقدسة، ومما تفرّع عن هذه الديانة ديانة ماني ومازدك، أو المانوية والمزدكية؛ حيث ظهر ماني ومازدك في بلاد فارس، وقد نادى كل منهما بدعوة خاصة دينية في إطار الزرادشتية إيجابًا أو سلبًا، وتعد هاتان الدعوتان أكبر الحركات التحريفية في الدين الفارسي؛ إذ أبعداه عن كل مضمون صحيح أو التقاءٍ مع بعض المبادئ المسلّمة في الأديان الصادقة، وكان لهذين الرجلين آثارٌ واضحة نظرًا لصلتهما بالسلطة ورجال الحكم، الأمر الذي ساعدهما على فرض آرائهما بالقوة والعنف، ويلاحظ أن هذين الرجلين ظهرا بعد ظهور عيسى ﵇ ولذلك كان اختراعهما للدين عبارة عن مزج للفكر البشري في ثنايا فكر ديني صحيح.
يقول الشهرستاني: "إن الحكيم ماني زعمَ أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين؛ أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان، لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين، داركين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الخير متحاذيان تحاذي الشخص والظل، وفي رأي ماني: أن ما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور، وما فيه من مضرّة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة، وهذان القديمان -النور والظلمة- يمتزجان ويفترقان وفق فلسفة معينة عند ماني، ويرجع سبب الامتزاج إلى أبدان الظلمة التي تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت الروح فرأت النور فكلّفت الأبدان لممازجة النور فمازجته، فرأى ملك النور ذلك فبعث خمسة أجناس نورانية امتزجت بخمسة ظلامية، وبذلك خالط الدخان الهواء والحريق النار والنور والظلام والسموم الريح والضباب الماء، ولما ظهر هذا
стр. 366
الامتزاج لملك النور خلق العالم كله على هيئة الامتزاج مستعدًّا لتخلص كل عنصر من غيره، وبذلك يحدث الخلاص التام في يوم القيامة والمعاد، وقد ظهر ماني هذا بعد ظهور المسيحية.
وحديث ماني عن ملك النور وملك الظلمة يعتبرهما الإلهين؛ لأن كلًّا منهما محيط بعالمه ظاهر وباطن، قديم لا أول له، آخر لا نهاية له، وقد تضمنت دعوة ماني تكاليف معينة كتأدية أربع صلوات في اليوم، وإخراج عشرٍ من الأموال، وترك القتل والعدوان، والسرقة، والزنا، وهجر عبادة الأوثان، والكذب، والسحر، كما تتضمن الدعوة إلى الحق والتمسك بالأخلاق الفاضلة، ويعترف ماني برسالة عددٍ من الرسل منهم عيسى ﵇ وينكر رسالة موسى ﵇، ولماني -هذا- تصور معين لقيام الآخرة التي يحاسب فيها الناس على أعمالهم؛ حيث ترتفع الأعمال النورانية إلى فلك القمر فيكبر شيئًا فشيئًا، ويتغير صوره تبعًا لذلك، فإذا بلغ منتهاه أخذ يوصل للشمس التي توصل بدورها إلى النور الأعلى الخالص، ولا يزال الأمر كذلك حتى لا يبقى نور في الأرض، فيسيطر الملك الذي يجذب السموات، فيسقط الأعلى على الأدنى، وتأتي النار على كل شيء، هذا عن أفكار ماني.
أما مازدك، فلقد ظهر زمن الملك قباز؛ قبيل ظهور الإسلام، كان يقول بالنور والظلمة كأصلين قديمين كما قال ماني، إلا أنه يفترق عنه في أن النور يفعل بالقصد، والظلمة تفعل بالصدفة، والنور عالمٌ حساس، والظلام جاهل أعمى، وإن المزج بالاتفاق والخلاص بالصدفة، ويدعو مازدك إلى الطاعة وترك الكراهية والقتال، ولقد دعا مازدك إلى شيوعية عامة في المال والنساء، حتى لا يُوجد
стр. 367
كراهية بين الناس؛ ولذلك اعتبر من أقدم الشيوعيين في العالم، وقد كلّف مازدك أتباعه بعبادات معينة، وصور الآلهة المعبودة بصور جسمية؛ حيث جعله قاعدًا على كرسيه العلوي يعاونه أربع قوى من ورائهم سبعة آخرون وهكذا.
وعلى نمط ماني ومازدك ظهرت آراء متعددة لأشخاص آخرين، وكلهم يحرّفون تعاليم زرادشت، ويخلطونها بالآراء الفاسدة الباطلة.
آراء العلماء في دين الفرس
رابعا: آراء العلماء في دين الفرس:
اتخذ العلماء مواقف متعددة في تفسير نشأة الزرادشتية وتطورها؛ فمن قائل بالتطور الديني على أساس أن عقائد الفرس بدأت بالخرافات والأساطير وتأليه الظواهر المحسوسة مع تعدد الآلهة، وأنها استمرت في التطور حتى عرفت التوحيد الخالص في المراحل الراقية، ومن قائل بأن الرسالات الإلهية ظهرت في بلاد الفرس، وأنها هي التي علّمت الناس هناك وحدانية الله تعالى.
وهكذا إن الحقائق العلمية تؤيد القول بوجود رسالات صحيحة في الفرس على الأساس الذي بيناه من قبل، وهو إرسال الرسل إلى جميع الأمم، ولأن العقول البشرية لا تصل وحدها إلى التوحيد الخالص بحقائقه التي يأتي بها الرسل، وأيضًا فإن التطور يقتضي الترقي المستمر نحو الأفضل، بينما في أديان الفرس نرى أن دعوة من جاءوا بعد زرادشت كانت انحدارًا وانتكاسًا حيث دعا ماني ومازدك وغيرهما إلى تعدد الآلهة بعدما دعا زرادشت إلى التوحيد، ومع ترجيحنا هذا، فإن القول بأن زرادشت هو الرسول المبعوث لا نعلّق عليه نفيًا أو إثباتًا؛ حيث لا
стр. 368
تنهض الأدلة مثبتة أو نافية، وكل ما يمكن القول به أن النبوة قبل رسول الله ﷺ ليست ممنوعة، لكن الإيمان برسول معين توقف على ورود ذكره في القرآن الكريم، فهو الكتاب الذي قص أخبار بعض الرسل، وأشار إلى وجود رسل لم يرد لهم ذكر؛ ولذلك لزم التسليم بإمكانية إرسال رسول لكل أمة من غير تعيين شخصه ما لم يرد له ذكرٌ في القرآن الكريم.
وهذه خلاصة نذكرها عن دين الفرس:
الديانة الفارسية من الديانات الآسيوية القديمة، التي جذبت انتباه الباحثين وعلماء الأديان؛ إذ جاءت متكاملة الجوانب واضحة المعالم متميزة عن كل الديانات الآسيوية القديمة، ولقد عاش الأقدمون من الفارسيين حياة بدائية، ومارسوا عبادات وثنية، واصطنعوا دينًا خرافيًا يعتمد على السحر والشعوذة، ويألِّهوا مظاهر الطبيعة، فعبدوا الشمس إلهًا؛ لأنها تنتج المحاصيل وسموها الإله نِثرا، وعبدوا الأرض إلها للخصوبة لخصوبة تربتها وسموها الإله أنيتا، كذلك جعلوا المطر إلهًا والريح إلهًا والسحاب، وكل ما ينفعهم في البيئة الزراعية وحياتهم الرعوية إلهًا، يتوجهون إليه بالتقديس والدعاء، ويتقدمون إليه بالقرابين من أطيب طعامهم، وفي صناعة آلهتهم من الأصنام بمختلف أنواع المادة المصنّعة باختلاف الطبقات؛ فالفقراء أصنامهم من الطين والحجارة طبقة الموسرة من الفضة، والطبقة الغنية من الذهب، وأقامت المعابد، وتقربت للآلهة بواسطة الكهنة.
وظلت الأحوال الدينية هكذا في بلاد فارس حتى جاء زرادشت الذي ولد على الراجح عام ٦٦٠ قبل الميلاد، وهم يجعلون لزرادشت معجزات كثيرة عند
стр. 369
ولادته، وفي حالة الحمل به، ولما وُلد زرادشت أخذ يدعو إلى الدين الذي أرسل به، وينهى الناس عن الأوثان والشيطان، ولكن الناس في البداية صدوه وأعرضوا عنه، فاشتكى لربه أهورمزدا "الإله الأعظم"، وبذا يقول الشهرستاني: "وكان دين زرادشت عبادة الله والكفر بالشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولما كانت دعوة زرادشت تقوم على ذلك وعلى توحيد الله ذهب بعض العلماء أنه كان نبيَّا مرسلًا من الله لأهل فارس ووصل بهم الأمر إلى أن قالوا: إن زرادشت هو إبراهيم ﵇، وهذا قول باطل مردود، وإن كان ما ورد عنه -إن صح- لا يحول دون نبوته ورسالته، والله أعلم.
وهناك المانوية والمازدكية من ديانات الفرس المعروفة أيضًا كما أشرنا، مما يؤكد على تطور العقيدة الزرادشتية على يد البشر، فواضح أن الديانة الزرادشتية كانت في أصلها ديانة توحيد منزهٍ خالص دُعي إليها في وقت كانت فيه المجوسية تقول بأصلين أو مبدأين أو خالقين، وكان الوثنيون يعبدون الكواكب والأصنام، ولا ريب أن للزرادشتية مرجعًا من الوحي: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤) فما يستطيع التطور الفكري أن يصل إلى التوحيد الحقيقي المنزه بدون معونة من الوحي أو اقتباس من ديانة موحى بها.
وواضح أن ديانة إبراهيم قد سبقت الزرادشتية بحوالي عشرة قرون، فلا مانع من أن تكون الزرادشتية مقتبسة منها أو منقولة عنها، فلما تدخل الفكر البشري الخالص مدفوعًا بطبيعة البشر العنصرية المادية الأنانية الغريزية العاجزة- أصيبت الزرادشتية بكثيرٍ من التحريف والتبديل، وأصبحت ديانة الشرك، يعتقد أتباعها بوجود إلهين أحدهما أهورامزدا، ويجعلونه إلهًا للخير، والآخر أهريمان ويجعلونه إلهًا للشر، ويرتبون على هذا الاعتقاد صراعا دائما بينهما؛ لأن كل منهما يرمي
стр. 370
إلى السيطرة على العالم، ويظهر أن هذا التراجع الفكري نشأ عن عدم قدرة العقل الإنساني على مجاراة الوحي في تجريد الذات الإلهية وتنزيهها، بعدما فُقد الموجهون أو قلوا.
فقد رمزت الديانة الزرادشتية إلى قدرة الذات الإلهية برمزين ماديين محسوسين؛ أحدهما النور ممثلًا في الشمس، والآخر النار، ومن ثمّ كان حرص الديانة الزرادشتية على أن يوقد في كل هيكل من هياكلها شعلة من النار، وأن تبقى مضيئة متوهجة يتعاهدها رجال الدين الموابذة والهوابذة، فيقدمون لها وقودًا من خشب الصندل وغيره من الأعشاب والمواد العطرية، وترتل حولها الأدعية وتقام الصلوات، وقد بدأ الانحراف بالمبالغة في شأن الرمز كعادة الإنسان دائمًا حتى انتهى بتقديس النار وعبادتها لذاتها، بعد أن كانت مجرد رمز لقدرة الإله، ثم أشركوا مع النار في التقديس بدرجة أقل من النار، الماء والتراب والهواء، وهكذا الإنسان في كل زمان ومكان، يبدأ انحرافه عن الحق بالمبالغة في تقدير بعض الأشياء أو المظاهر أو الناس، ثم لا يلبث هذا التقدير أن يلبس ثوب التقديس؛ ليحلّ الزيف محل الحقيقة، والباطل محل الحق، حتى يتدخل الوحي أو الرجوع إلى الوحي الصحيح لتصحيح مسار الإنسان وتوجيه العقل أو الفطرة المستقيمة إلى الصراط المستقيم.
وقد يبدأ هذا الانحراف، وينتهي إلى نتائجه السيئة في دورٍ من أرقى أدوار الحضارة المادية لأمة من الأمم إن سُمي هذا التقدم المادي البحت حضارة، كما قد يبدأ تصحيح مسار الإنسانية في دورٍ من أسفل أدوار الانحطاط البشري المادي والعقلي أيضًا، وينتهي إلى نتائج عظيمة وخيرة للمادة والمعنى إن صح المثل.
стр. 371
هذه هي الحقيقة يؤيدها الواقع المادي للأمم والحضارات كما رأينا، وكما يتضح هذا من تغير الديانة الزرادشتية إلى ديانة مانوية أو مازدكية، فهذه المانوية التي ظهرت على يد ماني بن فاتك الحكيم، وذلك بعد اضمحلال المسيحية أي: بعد ظهور دين سماوي صحيح، تعرّض للتحريف ودخلته الأهواء البشرية، وتنازعته الأغراض الدنيوية، فكان ماني أو مانو يقول بنبوة المسيح ﵇ ولكنه أدخل مع هذا القول تلك النزعة التي كثيرًا ما تصيب عباد القديم، فعاد إلى مجوسية الفرس القديمة، واقتبس منها القول بأن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين؛ أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم.
ثم اختلفت المانوية في مرجع الخير والشر، ومدى ارتباطهما بالنور والظلام، ثمّ كانت المازدكية امتدادا للمانوية، وصورة جديدة للتدخل البشري، وكيفية خضوع البشر لأهوائهم وأغراضهم الدنيوية، فكان مازدك يقول بالأصلين، لكنه ادعى أن النور يعمل بالقصد والاختيار، أما الظلام فيعمل بالصدفة والاتفاق، وأن النور بهذا يكون عالمًا حساسًا، بعكس الظلام الذي يصير جاهلًا لا يدرك ولا يحس ولا يرى، ويترتب على كل هذا أن المزاج يعمل هو الآخر بالصدفة والاتفاق، ولا يعرف قصدًا ولا اختيارًا، وكذلك النجاة والخلاص يقعان بالصدفة والاتفاق لا بالاختيار، وكان مازدك يحرص في اعتقاده على تعاون الناس واتفاقهم، كما يحرص على تحقيق الحب والمودة في حياتهم، وراح يضع خطةً لتحقيق ما يحرص عليه، فوضع أوامره العامة ومنهياته في:
١ - عدم المخالفة.
٢ - عدم المباغضة.
стр. 372
٣ - عدم القتال.
أما رؤياه لما يُحقق ذلك، فقد حددته في أسباب ما يراه يوقع المخالفة والمباغضة أو المقاتلة، وهي النساء والأموال، فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركاء فيهما كاشتراكهم في الماء والهواء والكلأ والنار، وحكي عنه أنه أمر بقتل النفس -أي: الانتحار- لتخلص من الشرّ ومزاج الظلمة، العقيدة عند مازدك برؤية العبيد قاصرة، وبعقلية البشر المستقلة العاجزة، كان مازدك يعتقد أن معبوده يجلس على كرسيه في العالم العلوي، ثم يصور نفسه ولأتباعه هذه الجلسة بصورة الملك أو القيصر أو الإمبرطور في العالم السفلي، ويقرّب الصورة أكثر فيذكر خسروبزى، وبين يديه أربعة أشخاص، وكذلك إله مازداك بين يديه أربع قوى؛ قوة التمييز، وقوة الفهم، وقوة الحفظ وقوة العلم، وهذا العدد هنا يدبر أمر العالم بسبعة من ورائهم، وهذه السبعة تدور في اثني عشر ... إلى أخر هذا الكلام.
وكل إنسان تجتمع له هذه القوى الأربع، والسبع والاثنى عشر تصير ربانيًّا في العالم السفلي ويرفع عنه التكليف، وهكذا لا يزال العقل الإنساني يسبح وراء خيالات وأوهام يبنيها على أساس أو على غير أساس، حتى ينحرف عن الحقيقة أو يحرّفها أو يتلفها ويفسدها، وهكذا كان مازدك والمازدكية، وما تفرع عنها من فرق شملت بلاد فارس ونواحيها، وما تفرع للقول بالأصلين النور والظلمة وقدرتهما نفيًا وإثباتًا، قصدًا واختيارًا، أو طبعًا واضطرارًا،
стр. 373
كل هذه الاجتهادات الإنسانية لا تمثل غير الدليل الحي على أن البشر أعجز من أن يصلوا إلى الحقائق الدينية الصحيحة من غير الاستناد إلى الوحي الصحيح مهما كانت درجة حضارتهم المادية أو تقدمهم الفكري أو إنتاجهم العلمي.
وعليه، فلا دليل لأحد هنا على أن الدين الصحيح من صنع إنسان أي إنسان، كما لا دليل لأحد على أن الدين يتطور مع الحضارة المادية رقيًّا وانحلالًا، إلا أن يكون هذا الدين صناعة بشرية خالصة، وحتى هذه الصناعة البشرية الخالصة نجدها لا تُوافق في درجة إقناعها للعقل أية صناعة بشرية أخرى، كما سنرى ذلك بعد إن شاء الله في معتقدات اليونانيين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 374
الدرس: ١٨ أديان اليونان والرومان .
стр. 375
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(أديان اليونان والرومان)
دين اليونان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
بقي لنا نظرات إجمالية حول أديان اليونان والرومان.
ومع دين اليونان:
تعتبر أديان اليونان نموذجًا واضحًا لعجز العقل البشري عن الوصول وحده إلى الدين الصحيح ومعرفة الله تعالى، فبرغم الرقي العقلي الذي برز في اليونان منذ القديم؛ حيث وُضعت هناك أصول الفلسفة، وقواعد التفكير العقلي السليم- برغم ذلك نرى سذاجة اليونان في تصور الآلهة وإحاطتها بالأساطير والخيالات.
إن هوميروس الشاعر اليوناني الكبير يضع قصيدته الإلياذة والأوديسة في نظم رائع جميل، يتحدث عن آلهة قومه، ويصوّرهم من واقع وجودهم، كما أن فلاسفة اليونان ساهموا مع الشعراء في الحديث عن الدين واتجاهاته، وبرغم هؤلاء العباقرة -شعراء وفلاسفة- فإن اليونانيين اتخذوا عديدًا من الآلهة، وجعلوا لهم مقرًّا رسميًّا فوق جبال الأولمبا في مكان يعرف بالأكربول.
ومن آلهتهم زيوس إله الجو، وصانع المطر أكبر الآلهة، وأعظمها شأنًا، ومن الأساطير الدائرة حول هذا الإله أن أباه كان يخاف على ملكه حتى من أبنائه؛ ولذلك قسا على زيوس وابتعدت به أمه حتى شب وترعرع، وتمكن من الاستيلاء على ملك أبيه، بعد معارك طاحنة مع أعداء الخير، وبعد أن دان له ملك أبيه رحل إلى بلاد اليونان، وسلب سلطة إلهية يونانية صغيرة، وأخضعها لسلطانه وهيمنته، ثم تزوج وأنجب عددًا من الأبناء.
ومن آلهتهم أثينا البنت الكبرى للإله زيوس، وهي إله الحكمة والعلوم والفنون، وكانت مقربة لأبيها، وقد أقام لها اليونان معبدًا ضخمًا وتمثالًا من الذهب يعد آية في الفن والروعة، وبها تسمى عاصمة اليونان حديثًا.
стр. 376
ومن آلهتهم أبوللو أحد أبناء زيوس، وهو إله الشباب والقوة، يضر ويفيد، واليونانيون يمثلونه بشابٍّ جميل، وبيده القوس، وعدد من السهام رمزًا للقوة والانطلاق.
ومن آلهتهم أفروديت إله الحب والجمال، ومن مهامه إتمام عملية التزويج والولادة بمساعدة ولدها كيوبيد، واليونانيون يمثلونها بامرأة جميلة تبدو دائمًا مبتسمة، وهي راكبة عربة يجرها طائران كبيران، هكذا تمتد الآلهة في أسرة زيوس لتضم جميع أولاده، وأخواته، وزوجاته؛ حيث يتولى كلٌّ منهم التأليه في جانب ما، ويلاحظ إحاطة جميع هذه الآلهة بسائر أنشطة البشر ولو كانت سيئة، فهيرا زوجة زيوس تخونه وتعشق أريس، وزيوس نفسه يعشق مايه، وينجب منها هرميس المعروف بأنه المرشد السماوي الذي يحمل إرشادت أبيه؛ ليعلم بها الأنفس الضالة، وهذا المرشد تجده حينما يغادر السماء يتواطأ مع اللصوص، ويغش أباه الإله العظيم.
إن آلهة اليونان بدأت مسيطرة على القوى الطبيعية بصورة غامضة، ثم أخذت تترقى وظائفها، واتضحت ذواتها، خرجت إلى عالم النور وتميزت بعضها عن بعض، ولم تنحصر عددًا وإنما تزايدت بصورة بيّنة، ودائمًا وضع اليونانيون آلهتهم في صورة جميلة متحضرة تدل على الذوق الرفيع والسحر الأخّاذ؛ لقد صور هوميروس شاعر الإغريق الآلهة اليونانية في شعره الرائع في أبهى الصور وأحلاها، فمهّد بذلك أمام الفنانين الطريق ليصنعوا تماثيل الآلهة من المعادن الثمينة في هيئة رائعة الحسن خالية من العيب تأخذ الألباب والأبصار، والآلهة كما تكلم عنهم هوميروس لها سلطة عظمى على الحياة، ولها إرادة وقدرة على كل ما يحدث من خير أو من شر؛ ومن أجل هذا التزم اليونانيون بطقوس معينة يتجهون بها للآلهة كالذبح والتراتيل.
стр. 377
لكن هل الآلهة من أسرة زيوس هي كل الآلهة - وبخاصة في المرحلة الأولى؟
لم تكن الآلهة البشرية هي كل الآلهة عند اليونان؛ لأننا نجدهم يؤمنون بآلهة خفية غامضة تميل لنشر الذعر والخوف بين الناس، وكان يرونها فوق الطبيعة وأقوى منها؛ ولذلك لم يتمكنوا من تحديد حقيقتها، لقد درج اليونانيون على تصوير آلهتهم المعروفة والخفية بأنها تُنزل قضاءها الرهيب بالخلائق، وأحاطوا هذا المعنى بالأساطير العديدة المدونة في أشعار مطولة، وكانت هذه الأساطير هي أساس روايات التراجيديا اليونانية، ذلك الفن الأدبي الذي نبع في بلاد اليونان وامتد بروعته وتأثيره إلى العالم كله.
قد استمر اليونانيون على ما هم عليه بالنسبة للآلهة حتى جاء القرن الخامس قبل الميلاد، وفيه يحدث تنظيمٌ جديد في نظرة اليونان لآلهتهم؛ حيث يُرفع إله واحد فوق جميع الآلهة، ذاك الإله هو زيوس ممثل العدالة، وكل الآلهة تخضع لقوة هذا الإله وسلطانه، كل ما يقع للناس هو بأمر زيوس، وأيضًا فإن زيوس يؤثر خيرًا وشرًّا بكل عدل ونزاهة وأمانة، وقد سلك الشعراء هذا المنحى في أشعارهم خلال القرن الخامس قبل الميلاد وبعده، ومن خلال بحث فلاسفة اليونان عن أصل العالم اتفقوا على أن أصل العالم واحد، قالوا: إنه النار أو الماء أو التراب أو العدد أو الموجود نفسه، ومهما تباينت آراء الفلاسفة في أصل العالم، فإنهم اتفقوا على أن هذا الأصل فيه قوة وإبداع لا يحاكي الإنسان الفاني لا في شكله، ولا في عقله، وما التماثيل التي صنعها الفنانون إلا صناعة بشرية صاغها الناس خضوعًا لأمزجتهم وميولهم الخاصة!
وجاء أفلاطون ووضع نظريته في المثل حيث يرى أن الموجودات كلها خيالات وصور ممثلة لحقيقة موجودة في الملأ الأعلى، وهي الوجود المؤثر في الكون
стр. 378
المرئي، قد سمى أفلاطون هذا الموجود الحقيقي بالخير الأسمى أو مثال الخير، وإذا تتبعنا أقواله عن هذا الوجود الحقيقي نجده يشير إلى الله، ويعبر عنه أحيانًا بصيغة المفرد، وأحيانًا أخرى بصيغة الجمع، ويقول: إن هناك خالقًا أعلى يدبر العالم ويحكمه، وبعد أفلاطون صار الفلاسفة على نمطه في تجريد التفكير فيما وراء الطبيعة أو الحقيقة الإلهية، وما يحيط بها من غيب؛ حيث نجد أرسطو يقول: إن الله هو الموجود حقًّا؛ لأن له أتم صورة، كلما قارب الشيء من كمال الصورة كان أقرب إلى الحقيقة، وهي العلة الصورية والغائية والمحركة لهذا العالم، وإذا كان الله هو العلة الصورية كان الله مثلًا أو فكرة أو عقلًا، وإذا كان هو العلة الغائية كان هو غاية الغايات، وهو الذي يسعى إليه ويقصد نحوه كل موجود، وإذا كان هو العلة المحركة كان هو المحرك الأول، وهو مصدر كل حركة، وإن كان هو ليس متحركًا.
وحديث أرسطو، وإن كان ذا تركيب عقلي، فإنه غامض مبهم يوقع القارئ في البحث من جديد عن الإله الذي دعا إليه أرسطو، ويسأل: هل الله مشخص موجود أم لا وجود له في الحقيقة؟ وتساهم آراء أرسطو في تأييد هذا وذاك، الأمر الذي يؤكد غموض الفكرة وخفاءها، يستمر الفلاسفة في مسيرتهم حتى تظهر الأفلاطونية الحديثة في مدرسة الإسكندرية، وتحاول تفسير غموض الفكر اليوناني الفلسفي، فتقول بالواحد غير المتعدد فوق المادة وفوق الروح، قائم بنفسه، ولا يمكن وصفه إلا بصفات سلبية، وهو ليس مادة، وليس حركة، وليس صفة، ولا نهاية له وهكذا، ومن هذا الواحد انبثق العقل ليفكر في الله وفي نفسه، وقد خلع أفلوطين على هذا العقل خصائص المثال الموجود الحقيقي عند أفلاطون.
стр. 379
ومن العقل انبثقت النفس، ولها نيلان تعلو إلى الواحد، وتهبط إلى الطبيعة، إن النفس الكلية أقل مرتبةً من العقل، ومن النفس انبثقت نفس ثانية هي الطبيعة، وهي نفس جزئية وسعادتها في اقترابها إلى أصلها أي: النفس الكلية، وشقاؤها في الهبوط إلى الدرجة التي تليها، وهي المادة.
إذن، فهناك الواحد والعقل، والنفس الكلية، والنفس الجزئية، وبعد ذلك نسأل: هل هذا توضيح أم إخفاء؟ إنه إخفاء بلا شك، ولا لوم على الفلاسفة في هذا، فهم بشر تحركوا على قدر طاقاتهم، ويلاحظ أن الأفلاطونية الحديثة وجدت في أوائل القرن الثالث الميلادي، لدرجة أن من العلماء من يرى أن الغموض الذي دخل في المسيحية في تفسيرها للتوحيد حيث تقول: إن الأب والابن والروح القدس أقانيم ثلاثة، تعني واحدًا هو الله، وتقول: إن الابن انبثق من الأب، والروح القدس انبثق من الأب أو منه ومن الابن، وإذا علم أن الأقنوم يعني ذاتًا مستقلة بصفات إلهية مستقلة؛ لظهر أمامنا الغموض الذي دخل في المسيحية من خلال فلسفة الإغريق، وفكر أفلوطين.
إن الذي يقارن بين الأقانيم الثلاثة، وبين الواحد والعقل والنفس في الأفلوطونية -يرى وحدة الفكر والتصور بلا فرق، إلا في أن المسيحية ترى أن الأقانيم متساوية في الجوهر والرتبة، بينما الأفلاطونية لا تساوي بين الواحد والعقل والنفس؛ ترى أنها منبثقة عن بعضها كما ذكرنا، وإنها تمثل ثلاث درجات روحية متفاوتة، لا يمكن القول بأن العقل البشري، وهو صانع أديان اليونان كان يتحرك للأمام ويتطور إلى العلا؛ لأن الآلهة يومًا كانت في زيوس وأسرته، كانت تزداد عددًا وتقل قدرًا، ولم يحط بها رقي أو سمو إلا في جانب التصوير الأدبي.
стр. 380
ولما انتقلت قيادة الفكر إلى فلاسفة الإغريق لم يحققوا تطورًا؛ لأنهم أخذوا يبحثون في الأصل الواحد للكائنات، وأخذ كل منهم يهدم ما قال به غيره؛ فطاليس قال بالماء، وقال إنكسمينث بالهواء، والفيثاغوريون قالوا بالعدد، واستمر الأمر على هذا حتى جاء أفلاطون وأرسطو فزادوا الأمر تعقيدًا وغموضًا، بل إن أفلوطين قال بالتعدد والكثرة في الآلهة، وهذا يدل على عجز العقل البشري في مجال الدين، وعدم تمكنه أن يتطور به، وفي نفس الوقت يكون حقًّا.
إن تخبط رجال اليونان في البحث الديني في الوقت الذي وصلوا فيه إلى القمة في علوم الفلسفة والمنطق والشعر والفن -لدليلٌ على عجز العقل في المجال الديني، واحتمال بعث رسولٍ إلى اليونانيين غير وارد؛ لأن ما وصلنا عن أديان اليونان لا يُوجد هذا الاحتمال؛ ففكرة التوحيد الخالص أو الشذرات الباقية منها لا وجود لها، هذا في الوقت الذي نسلم تسليمًا عقليًّا بأن إرسال رسل إليهم في الزمن القديم ليس مستحيلًا أبدًا.
هذا ومن خلال الحديث عن دين اليونان يستبين لنا الآتي:
تعدّ بلاد اليونان مهدًا من مهود الحضارات القديمة الخصيبة بأنواع العلوم والفنون والآداب، وجميع فروع المعارف الأخرى، التي بلغت فيها مكانة راقية تسامق الذرا، حتى لقد ظل مؤرخو الغرب يعتقدون طويلًا أن مهد المدنية الغربية كان اليونان، إلى أن تبين لهم سبق بلاد النيل ودجلة، إلا أن هذه البلاد لم تحظ برقي مماثل في العقيدة؛ لاعتمادهم في هذا الشأن على العقل الإنساني وحده، والفكر المستقل عن الوحي، وإنسان هذا شأنه لا يمكن أن يصل إلا إلى المستوى البشري العاجز الذي يحاول أن يرضي فطرته المتطلعة إلى الإيمان بمدبر لهذا الكون، بأمور
стр. 381
حسية أو خيالية ساذجة هي كل ما يمكن أن يصل إليها عقله المستقل، وهي أمور قد ترضي الفطرة إلى حين، ولكنها لا تقنع العقل إلا زمنًا يسيرًا؛ لهذا سرعان ما تتطور مثل هذه العقائد وتتغير، ولكن كل تطور وتغير يبقى ساذجًا طالما بقي الوحي بعيدًا عنها، أو بمعنى أصح طالما بقي الإنسان بعيدًا عن استمداد عقيدته من الوحي الإلهي الصحيح.
وهكذا كان شأن اليونانيين القدامى كما يبدو مما نقل عنهم في همجيتهم، ومنذ بداية تحضرهم، وتصورهم للألوهية تصورٌ عجيب؛ فهذه أرباب الأولمب الذين قلدوا في أشعار هوميروس في الملحمتين العظيمتين الإلياذة والأوديسا، وشاعت عبادتهم بين الإغريق يقول عنهم العقاد: كان من الواضح أنها أرباب مستعارة من الأمم التي سبقتهم إلى الحضارة وتنظيم العبادات؛ فالإله زيوس أكبر أرباب الأولمب، والإله ديوس المعروف في الديانة الهندية الآرية القديمة، واسمه متداول في العبادات الأوربية جميعًا، مع قليل من التصحيف بين اللغات واللهجات، والربة أرتميس، ومثلها الربة أفروديت أو فينوس هي الربة عشتار اليمانية البابلية، ومنها كلمة ستار التي تدل على النجم في بعض اللغات الأوربية الحديثة، والربة دمنس هي أيزيس المصرية كما قال هيرودت المؤرخ اليوناني المشهور، وهي واحدة من أرباب كثيرة تشابهت عبادتها في بلاد الإغريق، وأضيف إلى هذه الأرباب أدونيس من أدوناي العبرية بمعنى السيد أو الإله، كما أضيفت إليها عبادة ديونسيس في أطوارها المتتابعة التي تلبست أخيرًا بعبادة مترا في الديانة الأورفية السرية.
стр. 382
ثم رسم لهم الخيال صورًا لآلهتهم الكثيرة عللوا بها سر الكائنات، وما يقع لها من أحداث، فما سطع نجم، ولا تجمعت سحابة، ولا هبت نسمة إلا وصور لهم خيالهم وراءها إلهًا موكّلا بها، وقد عبروا عن كل هذا بتماثيل ورسوم أوحى بها خيالهم أيضًا، فالموكل بالليل عندهم إله في صورة امرأة متراخية الأعضاء يداعب النعاس جفونها، وفي يدها مشعل مقلوب ويكسوها رداء قد زُين بالنجوم، وكان يعتقدون أن كبار آلهتهم يقيمون فوق جبال الإلمب أو أولمبس، وأن كبيرهم زيوس له فوقه قصرٌ وعرش، وأن من حوله أحد عشر من كبار الآلهة يدينون له بالطاعة، وينفذون أوامره ونواهيه، وكانوا يتصورون أرباب الألمب يقترفون ما يقترفه البشر من آثام، ويجرون وراء شهواتهم الشرهة.
فمثلًا قتل زيوس أباه رينوس وضاجع بنته، وهاجر سماءه؛ ليطارد عرائس البحر، ويغازل بنات الرعاة في الفلوات، وغار من ذرية الإنسان فأضمر له الشر والهلاك، وضنّ عليهم بسر النار، وعاقب المارد برموسيتوس؛ لأنه أتى للإنسان بقبس من النار من السماء، ولم يستطع خياله حتى ذلك الحين تصور الإله زيوس خالقًا للدنيا وخالقا للأرباب التي تحيطه بعرش في جبل الإلمب، فهو على الأكثر والد لبعضها، ومنافس لأنداده منها، وتعوذه أحيانًا رحمة الآباء ونبل العداوة بين الأنداد، فتصيبه بدلًا منها القوة والعذر، يتصورون القدر فوق الجميع حتى زيوس نفسه يخضع لهذا القدر، ويتقيد بقيوده ويعجز عن الفكاك مما يقضيه.
وإليك صورة مفصلة بعض الشيء عن بعض الآلهة نذكرها فيما يلي:
١ - زيوس: كان زيوس حسب اعتقاد اليونانيين القدامى ابن بكرونس، أو إله الزمن ولترا آلهة الأرض، كان أبوه قاسيًا يخشى على سلطانه حتى من أبنائه، كان يقتل من يولد له، فقررت أمه إبعاده عنه، فوكّلت إلى بعض الرعاة رعايته
стр. 383
وحمايته وتنشئته، فأخذوا يغذونه بلبان الماعز حتى شب وترعرع، ولما أصبح شابّا نحى والده عن الرياسة ثم تبوأ مكانه لكنه لم يصل إلى هدفه هذا إلا بعد معارك وقتال مرير مع أشرار المردة الذين كان من دأبهم عجم الآلهة بكتل الصخر الهائلة، تلك الكتل التي اعتقدوا بأنها كونت عند سقوطها من السماء الجزر والجبال، ثم تزوج زيوس بهيرا ملكة السماء، ودانت له الأمور، وجلس فوق عرشه وفي يمينه الرعد والبرق وعلى رأسه صولجان على هيئة النسر، أما زوجته هيرا فراحت تشرف على الزيجات والولادة، وكانوا يمثلونها بهيئة سيدة مهابة على رأسها تاج، وبجوارها طاوس.
٢ - أثينا: أثينا إلهة الحكمة والعلوم والفنون، كانت مقربة إلى كبير الآلهة زيوس؛ ولذا كان يستجيب لجميع مطالبها، ولقد أقام لها أهالي مدينة أثينا معبدًا تكريمًا لها، وأقاموا بداخله تمثالًا صنعه "فيدياس" من الذهب والعاج، وهو من أبدع ما نفذته يد إنسان، ويسمى هذا المعبد اليرسيتون.
٣ - هستيا: إلهة النار عندهم، ولقد كان من وسائل التقرب إليها مداومة إشعال النار داخل معبدها، وكانوا يرمزون لها بتمثال على هيئة امرأة وفي يدها مصباح، وعليها رداء أبيض اللون ومن فوقه وشاح أحمر.
٤ - أبوللو: وهو أحد أبناء زيوس، وقد خصه أبوه بالضوء، يقول: لأنه هو الذي يقود عربة الشمس وقد منحه أبوه كذلك الشباب وطول العمر، كما جعله يهيمن على الموسيقى والفنون والشعر والطب، وكانوا يمثلونه بشاب جميل، وبيده القوس وعددا من السهام رمزًا لأشعة للشمس.
стр. 384
٥ - أرتيميس: وهي ابنة زيوس وكانت توءمًا لأخيها أبوللو، وهي عندهم في الأرض آلهة الغابات والصيد، وفي السماء آلهة القمر، ويشبهونها بامرأة مكشوفة القدمين في ثياب الصيد، وفوق جبينها هلال.
٦ - دميترا: وكانوا يعتقدون أنها هي التي علّمت الإنسان حرث الأرض، وبذر الحبوب، وحصاد الزرع، كما علمته عمل الخبز، وكانوا يشبهونه بأمراة تجري بحثًا عن ابنتها برثوبينا، وأحيانا يمثلونها امرأة، وعلى رأسها أكليل من نبات القمح.
٧ - إفيسيس: وهو من أبناء زيوس، وكان قبيح الخلقة أعرج، ولكنه كان أعظم اجتهادًا، وقد وكِّل إليه القيام الكثير من الأعمال، فهو الذي يصنع اللآلئ والحلي كما يصنع الأسلحة لإكليز بطل الإغريق، وهو كذلك عندهم إله الحديد والنحاس والفضة والذهب، ويرمزون له برجل في يمناه مطرقة، وفي يسراه ملقة.
٨ - عارس أو مارس: وهو عندهم إله الحرب، ويرمزون له برجل قوي في لباس الحرب من درع وخوذة، ورمح وترس.
٩ - أفروديت أو فَينوس: آلهة الجمال والحب وكان ابنها كيوبيد يساعدها في إتمام الزيجات والولادة، وفي كل ما كان له بالحب، ويمثلونها دائما مبتسمة ابتسامة تكشف عن ثناياها راكبة عربة تجرها بجعتان.
١٠ - ديونيس: وكان الإغريق يعتقدون أنه هو الذي علّم الناس زراعة الكروم، وقد مثلوه برجل يركب برميلًا، وفوق رأسه إكليل من أوراق العنب، وله قرنان دلالة على القوة.
стр. 385
١١ - تيميس: وهي عندهم آلهة العدالة والقانون والسلام، ويمثلونها، وهي تقبض بإحدى يديها على السيف وترفع بالأخرى الميزان، وقد وضعت عصابة فوق عينيها رمزًا لعدم التحيز لأحد المتخاصمين.
١٢ - أيروس أو كيبيود: كان رمز الحب، قد علم أبوه وقت ولادته أنه سيكون مبعث المتاعب والشقاء، وأراد التخلص منه، ولكن أمه فينوس أخفته عن أبيه في الغابات وأرضعته بلبان الماعز، ويمثلونه بطفل جميل له جناحان، وفي يده قوس وبجعبته سهام، وهو يصيب بها الناس خبط عشواء.
١٣ - جوفيتيس: وهي ساقية الآلهة، ورمزوا لها بامرأة توجت رأسها بالأزهار وفي يدها قدح، وقد زعموا أنها عندما تزوجت خلفها في عملها جنياميد، وكان أمير الطلعة فاختارته الآلهة ليكون لهم ساقيًا، فحمله نسر وطار إلى جبل الألمب.
وهكذا، ما من شيء إلا نسبوه إلى إلهٍ من آلهتهم العديدة، التي ذكرنا بعضها، والتي قدّسها اليونانيون، وجعلوها آلهة وعبدوها، وقدموا لها قرابين خشية بطشها أو تزلفًا إليها ابتغاء مرضاتها، وتصوّرها على هذه الصورة الساذجة البلهاء التي تدل على طفولة فكرية، وبدائية عقائدية في وقت نمت فيه حضارتهم العلمية والمادية والأدبية إلى مستوى راقٍ يُحسدون عليه، وهذا يؤكد لنا عدم تطور الدين من الشرك إلى التوحيد كما زعم أصحاب هذه النظرية، كما يؤكد لنا الفصل الكامل بين التطور في الحضارة، والتطور في الناحية الدينية؛ ففي الوقت الذي نجد فيه تطورًا في الحضارة نجد انحدارًا في الدين من التوحيد إلى الشرك، ومن أرباب قليلة إلى أرباب كثيرة، وهذا هو واقع اليونان بما وصلت إليه من وثنية، بل وما آل إليه الأمر من إلحاد.
стр. 386
دين الرومان
وأنتقل من وثنية اليونان إلى وثنية الرومان، أو من أديان اليونان إلى أديان الرومان، فأقول:
اعتقد الرومان -كما اعتقد اليونان من قبل- بأن كل ما يحدث في هذا العالم هو مما قضت به إرادة خالقٍ له، لكنهم لم يعتقدوا بوحدانية الخالق، بل عددوا أربابهم بتعدد مظاهر الطبيعة؛ فهناك رب ينبت البذر، وآخر يحمي الحقل، وثالث يحرث الثمار، ولكل رب اسمه وجنسه وعمله، فالأرباب قد تعددت عند الرومان، فلكل مظهر من مظاهر الحياة رب، فعندما يولد الطفل يأتيه رب يعلمه النطق، وربة تعلمه الشرب، وأخرى تقوي عظامه، وربانِ يرافقانه إلى المدرسة، وآخران يرجعان به، ولقد أتى عهد على الرومان كان يعبدون فيه تلك الآلهة من غير أن يتخذوا لها تماثيل، بل كانوا يعبدونها من غير تماثيل خالصة لكل إله، ثم اتخذوا بعد ذلك الأصنام وكانت من الخشب في بادئ الأمر، ثم اتخذوها من الرخام.
ولقد كان الرومان يؤمنون بالطيرة أو الفأل، فيذهبون إلى أن الأرباب يعرفون ويُرسلون للناس آيات يدركونها، فيستنصح الروماني الأرباب قبل أن يشرع في عملٍ، فإذا أراد الحاكم عملًا يجمع لديهم مجلسًا ينظر إلى الطيور السائرة، فإذا كانت فيها إشارة موافقة يدركون أن الأرباب استحسنت المشروع، وإلا كان معناه أنهم غير راضين عنه، ولقد كان الرومان يقدّسون الأباطرة أيضًا، ويقيمون المحاريب.
وراجع في هذا (الديانات القديمة) لأبي زهرة،
стр. 387
وبذلك نجد هذه الوثنيات المتمثلة في الأديان القديمة سواء أكانت ديانة المصريين القدماء أو أديان الهند والصين واليابان أو اليونان والرومان- إنما أردت أن أذكر لك ملخّصًا لهذه الأديان وللتعريف بها، وللوقوف عليها، دون التعمق فيها أو الاستطراد والتوسع؛ لأن هذا مما يتنافى مع طبيعة المنهج الذي هو تحت عنوان "نظرة إجمالية لبعض الأديان القديمة"، والحمد لله رب العالمين.
صل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.