Полный текст (387 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٣ - الإيمان في أن سبيل الوصول للسعادة والخير ينحصر في الزهد والبعد عن شبح الشهوة وزخارفها، ولذلك وضعت جميع الأديان مناهجها للوصول للغاية على هذه الأسس.
٤ - تدعو جميع أديان الهند إلى التسامح والعفو مما جعلها تتعايش في سلام.
٥ - يؤمن الجميع بالإلهام، وبه ظهرت جميع النصوص الدينية، وما زالت تظهر حتى الآن.
ومن الممكن اعتبار هذه العناصر مشتركة أساسًا تعتمده سائر الأديان التي ظهرت عند الهنود.
دور المذاهب في نشأة وتطور أديان الهند
المذاهب في تفسير نشأة وتطور أديان الهند:
ذهب العلماء في تفسير نشأة أديان الهند وتطورها مذاهبَ متعددةً نجملها في اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول: يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن أديان الهند جميعًا نشأت بطريق التطور الطبيعي، ويرونها في بدايتها مجموعة من العادات والتقاليد القديمة التي حولها الهنود خلال القرن الثامن قبل الميلاد إلى دين منظم شامل لألوان من العبادة والطقوس المختلفة، ويذهب هؤلاء إلى أن البداية قامت على تعدد الآلهة في صورة بدائية، حيث كان يقولون بأن الليل إله والصبح إله، وكان يتقربون إليهما بشرب الخمر، وكان يؤلهون الشمسَ ويسمونها بأسماء متعددة، ويألهون العواصفَ ويرمزون لها بالعجل، وهكذا كثرت الآلهة في الهند بصورة واضحة
стр. 317
متنقلة من صور آلهة صغيرة وضعيفة إلى آلهة قوية وكبيرة، ثم حدث رقي أكثر فظهر ثالوث الآلهة العظيم القائم على برهمة، وفشنو، وسيفا، حيث تدور حولهم الأساطير العديدة، وأخيرًا كان التطور إلى الإيمان بإله خالق متصف بصفات راقية، كما جاء في أنشودة الخلق التي تضمنها الكتاب العاشر من "الرجفيدا".
وعلى هذا تعتبر الديانة الهندوسية من صناعة الإنسان؛ حيث صارت على سنة التطور والترقي، كما تعتبر البوذية والجينية صورًا لهذا التطور وإن اتخذت اتجاهات مضادة في بعض التعاليم، وأصحاب هذا الاتجاه يرجعون جميع مصادر الأديان الهندية إلى تأليف الإنسان ووضعه، وما قداستها إلا بسبب إحاطتها بهالة من التعظيم والاحترام، وللكهنة دور رئيسي في إبراز هذا التقديس بواسطة الأساطير والمتخيلات التي يرونها عن الآلهة وآثارهم، وبواسطة هذا الاتجاه يتضح السبب في تناقض العقيدة عند الهندوس من أمثال الإيمان بالله، وإنكار النبوة، والقول بالإلهام المستمر للبراهمة الطبقة المقربة للإله برهمة، ومن أمثال الإيمان بالحساب على الأعمال بواسطة التناسخ، حيث يحمل الوزر ما لم يرتكبه.
وأصحاب هذا الرأي عديدون، وهم لا يهتمون بتحليل الأديان الهندية أو مصادرها، حيث لا فائدةَ من هذا التحليل؛ لأن أي تعارض أو تضاد مُسلَّم عندهم حيث يقتضي التطور ذلك.
الاتجاه الثاني: يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن وجود التوحيد التام المنزه من كل ريب ونقص في الهندوسية، دليلٌ على أن الدعوة الإلهية قد جاءت مباشرةً أو وصلت إليهم بطريقة ما، ويستدلون على ذلك بعجز العقل عن الوصول وحده إلى التوحيد المطلق بكل تفصيلاته وكمالاته، كما يستدلون بأن القول
стр. 318
بالتطور والترقي يقضي بظهور التوحيد في المرحلة الأخيرة من التطور، بينما التوحيد وُجِدَ في الهند منذ البداية.
يقول "ماكس مولر": أيًّا كان العصر الذي تم فيه جمع الأناشيد المستورة في الريجفيدا، فقبل ذلك العصر كان قبل الهنود مؤمنون بالله الواحد الأحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثى، ولا تحده أحوال التشخيص وقيود الطبيعة الإنسانية، وقد ارتفع شعراء الفيدا في الواقع إلى أوج سام، سام في إدراكهم لحقيقة الربوبية، إنه إدراك أرفع وأعلى مما يطيف بأذهان قوم يدعون أنفسهم بالمسيحيين، بل إن البوذية والجينية وهما تنكران الإله ولا يعترفان بالعديد من التعاليم الهندوسية، جاءت متأخرةً، مما يؤكد أن الدين في الهند كان يتردى في كثير من الحالات.
ويقول أصحاب هذا الاتجاه: بأن عقيدة التوحيد عند الهنود دخلها تحريف البشر، ولهذا نرى الكتب الهندوسية تتضمن التوحيدَ مع التعدد، وتنكر النبوة، وتحيط الآلهة بالأساطير، وتقدس نظامَ الطبقات، وكل ذلك ألوان من التحريف، كما أن البوذية والجينية لا تزيد عن هذه الاتجاهات المحرفة، ومن الممكن تفسير تناقضات موجودة في أديان الهند على هذا، بأن البعض يرجع إلى الدين الحقيقي كالإيمان بالجنة والنار، والإيمان بقوة الروح، ويرجع البعض الآخر إلى التحريف والتأليف البشري.
إن الرسالات السماوية برغم كتبها المقدسة وتعاليمها الرشيدة تظهر مع الأفكار المحرفة والاتجاهات الضالة، ولذلك لا تلبث الفرق العديدة إلا وتظهر مدعيةً تبعيتها للرسالة الإلهية، بل وتزعم أنها الوحيدة المتمسكة بالحق، إن هذا يؤكد الاتجاه الثاني، ويشير إلى أن دخول التحريف في أي دين ممكن.
стр. 319
هذا، وقد أشار بعض علماء مقارنة الأديان إلى وجود تشابه يكاد أن يتطابق بين نصوص دينية هندية وبين نصوص نصرانية موجودة في الأناجيل، الأمر الذي يضع الباحث أمام ضرورة أن أحدهما تأثر بالآخر ونقل عنه في إطار عدد من الاحتمالات العقلية والوقائع العلمية الثابتة.
وإني هنا أكتفي بذكر مختارات من هذه النصوص المتطابقة نقلًا عن كتاب (الديانات القديمة) للشيخ محمد أبي زهرة.
فالنصوص الهندية ومقابلها في النصوص النصرانية نجد الآتي:
في النصوص الهندية: قد يجد الملائكة، ويحاكي والده، كرشنا ابن الله، وقالوا: يحق للكون أن يفاخر بابن هذه الطاهرة. في النصوص النصرانية: دخل الملك على مريم العذراء والدة يسوع المسيح، وقال لها: سلام لك أيها المنعم عليها، الرب معك.
في النصوص الهندية: عرف الناس ولادةَ كرشنا من نَجمه الذي ظهر في السماء. وفي النصوص النصرانية: لما ولد يسوع المسيح ظهر نجمه في المشرق وبواسطة ظهور نجمه عرف الناس محل ولادته.
في النصوص الهندية: لما ولد كرشنا أضيء الغار بنور عظيم، وصار وجه أمه ديفاكي يرسل أشعة نور ومجد. في النصرانية: لما ولد يسوع المسيح أضيء الغار بنور عظيم، أعيا بلمعانه عيني القابلة وعيني خطيب أم يوسف النجار.
وفي النصوص الهندية: وعرفت البقرة أن كرشنا إله وسجدت له. وفي النصرانية: وعرف الرعاعُ يسوعًا وسجدوا له.
стр. 320
في الهندية: وآمن الناس بكرشنا وتعرفوا بلاهوته، وقدموا له هدايا من صندل وطيب. وفي النصوص النصرانية: وآمن الناس بيسوع، وقالوا بلاهوته، وأعطوه هدايا من طيب ومُر.
وفي الهندية: وسمع نبي الهنود نادر بمولد الطفل الإلهي كرشنا، فذهب وزَارَه في تُوكل، وفحص النجوم فتبين له من فحصها أنه مولود إلهي يُعبد. وفي النصوص النصرانية: ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك، إذ المجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود الجديد؟.
وفي النصوص الهندية: كرشنا وبرهمة العظيم القدوس وظهوره بالناسوت، سر من أسرار العجيبة الإلهية. وفي النصوص النصرانية: يسوع هو يهوه العظيم القدوس، وظهوره في الناسوت سر أسراره العظيمة الإلهية.
في النصوص الهندية: كرشنا هو المخلص، والفادي، والمعزي، والراعي الصالح، والوسيط، وابن الله، والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو الأب والابن وروح القدس. وفي النصوص النصرانية: يسوع المسيح هو المخلص، والفادي، والمعزي، والراعي الصالح، والوسيط، وابن الله، والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو الأب والابن وروح القدس. هي هي، فقط هنا كرشنا، وهنا يسوع المسيح.
стр. 321
أيضًا في نصوص الهندية: لما مات كوزا ودفن حَلت الأكفان، وفتح غطاء التابوت بقوة غير طبيعية. في نصوص نصرانية: لما مات يسوع ودفن، انحلت الأكفان، وفتح القبر بقوة إلهية.
هذه أمثلة فقط أوردها الشيخ محمد أبو زهرة من أمثال هذه المقارنات في كتابه (الديانات القديمة) مما يدل على أن أحد الديانتين متأثر بالآخر.
حق التعليق:
- بالنظر في الاتجاهات المفسرة لظهور الأديان في الهند، وبمقارنتها بواقع هذه الأديان، نلحظ أن الاتجاه الثاني هو الأَولى بالقبول؛ لما يأتي:
- ظهور التوحيد في الأديان الهندية بصورة منزهة لله تعالى، مع وصفه بكل كمال يليق به، وهذه الصورة في التوحيد لا يمكن للعاقل وحده أن يصل إليها.
الثاني: عدم التسليم بالترقي والتطور في الدين الهندي؛ لأن البوذية والجينية جاءتَا متأخرتين، ومع ذلك أنكرَا الآلهة مطلقًا.
الثالث: التسليم بالحقيقة الربانية التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، حيث أخبرنا بإرسال رسول لكل أمة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) الآية. والهند أمة عريقة في الحضارة والتاريخ والفكر، فلا بد إذًا من بَعْث رسول لها بدين الله الصحيح.
стр. 322
٤ - بالنظر في الأديان المسندة تاريخيًّا إلى أشخاص معينين، نجد التناقض الواضح كإنكار الألوهية، والقول بالوحي والإلهام، مما لا يستقيم مع العقل الصحيح، وهذا يدفعنا إلى تصور أن القول بالوحي من تعاليم الدين الإلهي، وإنكار الآلهة من تحريف العقل ووضع الكهنة. وبهذا يترجح الرأي الثاني.
ويلاحظ أن الكتب الدينية الهندية في جملتها من وضع الكهنة والرهبان والحكماء؛ لِمَا فيها من اضطراب وتناقض، إنها مليئة بالأساطير والخرافات، ولا يمكن تصور وجود دعوة لعبادة البقر والصنم والأشخاص في كتاب ديني صحيح، وأن رجال الأديان الهندية يعنون بالوحي من حيث معناه اللغوي، وحينئذٍ فلا غرابةَ إن اختلف المصدر الموحَى به في تصوير المسألة الواحدة، ومن المعلوم أن الزمن فعل فعله مع أديان الهند كلها، فظهرت الفرق المتعددة، وتداخلت الاتجاهات المتباينة، وانتشرت الفكرة أحيانًا؛ بسبب تعصب الحاكم لها، وحدث تغيير وتبديل في كثير من التعاليم الدينية.
وعلى الجملة: فإن الهندوسية تُسيطر -الآن- على الهند كلها، وترى أن البوذية في صورتها القديمة حركةً هندوسيةً، أما البوذية الحديثة فلها انتشارها في سيلان والصين، وفيتنام ومنغوليا، وسيام وبورما، وكمبوديا واليابان، إلى جانب العديد من البلاد الأخرى؛ أما الجينية فلها أتباع قليلون لا يزيد عددهم عن المليون، موزعين في عدد من البلدان، ويتعرض أتباع الأديان الهندية في العصر الحديث لحركات تبشيرية عديدة، وكذا
стр. 323
لكي يتعرضون لدعاة الشيوعية. وهؤلاء وهؤلاء يصادفون نجاحًا بسبب الفراغ الموجود في الحياة الدينية عند هؤلاء الأتباع من الهنود.
وأما النصوص المتشابهة التي جاءت في مصادر النصرانية وفي مصادر الهندوسية، فإننا نرى فيها عدم مساس بالاتجاه الثاني الذي رجحناه؛ لأن ظهور الأديان الهندية كان قبل الميلاد بمئات سنين، وكل ما تدل عليه هو انتقال النصوص الهندية إلى الفكر المسيحي الحديث، وبخاصة أن كل الأناجيل لا تُنسب لله ولا للمسيح، وإنما تنسب لأشخاص آخرين، كما أن الأناجيل تعددت مع أن كتاب الله إلى المسيح واحد، مما يؤكد لنا أن المسيحية أخذت عن أديان الهند، خاصةً الهندوسية، وخاصة فكرة التثليث، وألوهية المسيح ﵇.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 324
الدرس: ١٦ أديان الصين واليابان .
стр. 325
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(أديان الصين واليابان)
دين الصينيين: "الديانة الكنفشوسية "
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الغر الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
أهم أديان الصين وكذلك اليابان متمثلةً في الديانة الكنفشوسية.
دين الصينيين:
يعود تاريخ ظهور الأديان في الصين إلى عصور موغلة في القدم، برغم أن ما اكتشفه العلماءُ من مصادر يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد وما بعده، وهو القرن الذي ظهر فيه "كنفشيوس" ولذلك كان الحديث عن أديان الصين بصورة مفصلة من واقع هذه المصادر التي تُشير في بعض نصوصها إلى الحِكم والمعتقدات القديمة، ولولا الأساطير الشعبية الكثيرة التي تدور حول الشخصيات الصينية التي لها قداستها قبل القرن السادس قبل الميلاد بوقت طويل، وتتحدث عن معتقداتهم، لولا ذلك لنسي العالم الدين الصيني القديم، ولأغفله العلماء بصورة كاملة.
إن أديان الصين خليط عجيب من العادات المحلية، والثقافات الأجنبية، والفلسفات التي وجدت مع دعاتها، وانتشرت في البلاد كلها.
أولًا: ما هي المصادر الدينية لأديان الصين؟
تتعدد المصادر الدينية في الصين وتتخذ صورًا أدبيةً كثيرةً، فبعضها منظوم، وبعضها منثور، وبعضها في صورة حوار، وبعضها على هيئة مقالة أدبية. ومن الممكن حصرها في قسمين رئيسيين:
القسم الأول: وهذا القسم يتضمن كتبًا خمسة حيث يحتوي كل كتاب على موضوع معين، ويسمى باسم أحد الملوك القدماء، ويقول المؤرخون: إن هذه
стр. 326
الكتب قديمة وليست من وضع "كنفشيوس" إلا أنها تنسب لـ"كنفشيوس" باعتبار أنه نقَّحها وشرحها، وأضاف إليها بعض الحواشي لدرجة أن القيمة الحقيقية لهذه الكتب توجد في الحواشي:
والكتاب الأول: يسمى كتاب "الملك ب" يتناول موضوعاتٍ أخلاقية، وسياسية، وروحية، وجل استخداماته يكون في الأغراض الدينية من أمثال تحديد الصفات، الرجل المثالي الذي يكون في انسجام مع السماء والأرض، والفصول الأربعة، ومن أمثال الحديث عن كيفية الخلق بواسطة الآلهة.
والكتاب الثاني: يعرف بكتاب "الملك شو" ويتضمن مجموعة من الوثائق القديمة، ولذلك اشتهر بأنه كتاب التسجيلات، ويتناول الكتابُ الإشارةَ إلى نظام حكومة فاضلة يهيمن عليها مبعوث إلهي كريم، كما يتناول العديدَ من الوصايا التي وجهها هذا المبعوث إلى ولاته وأفراد شعبه.
والكتاب الثالث: يُعرف بكتاب "الملك شي" ويتضمن الأناشيدَ والتراتيلَ والأغانيَ التي يصيح الصينيون بها عند تقديم القربان العظيم لمذبح السماء وفق نظام معين.
والكتاب الرابع: يعرف بكتاب "الملك لي" ويتضمن مجموعةً من التعاليم المحددة للواجبات الدينية في داخل أسرة، والمبينة لضرورة تقديم القرابين، وضرورة الاهتمام بالمراسم الدينية في الأعياد الواردة في الكتب المقدسة.
والكتاب الخامس: يعرف بكتاب "الملك تش" ويسمى بكتاب الربيع والخريف، ويقال: إن هذا الكتاب كله من وضع "كنفشيوس" ويرجح هذا أنه كتب بأسلوب قصصي خالي من الحواشي، وهذا ما اشتهر به "كنفشيوس" إذ كان يقول القصص متضمن الأحكام الدينية والأخلاقية التي تظهر من وراء النص على منهج الكتابة الرمزية.
стр. 327
وبهذا، فإن إسناد الكتب الخمسة للكنفشيوس ليس إسنادًا حقيقيًّا إلا في الكتاب الخامس فقط، كما أن اعتبار هذه الكتب مقدسة مجاراة للمفهوم الصيني عنها، حيث وردت تصريحات كثيرة تنسب بعضها للفلاسفة وتنسب بعضها الآخر للحكماء، وهكذا مما يجعل قداستها محل نظر وتأمل.
القسم الثاني: المختارات: ويشتمل هذا القسم على كتب أربعة من وضع "كنفشيوس" وزملائه، وأهميتها ترجعُ إلى تضمنها للنظريات الأساسية لمذهب "كنفشيوس" وفلسفته. ولذلك نجد الكتب تسمى باسم النظريات التي تحويها، وهي: "المنتخبات الأدبية الدينية"، "العلم العظيم"، "القصد والتدبير"، "المجتمع العظيم".
وسوف تتضح هذه المفاهيم حين نتناول التعاليم الدينية الصينية بصورة مفصلة واضحة.
ويلاحظ هنا أن الأديان في الصين ليس من وضع "كنفشيوس" فقط، ولكنه برز من بين جميع الحكماء والعلماء باعتبار ما أسداه لأمته من فضل، وباعتباره أنه الذي حول الأساطير والخيالات إلى واقع عملي التزم به الصينيون، وساروا به طوال عصور متتالية.
مَن هو كنفشيوس؟
وُلِدَ كنفشيوس في سنة ٥٥١ قبل الميلاد في مقاطعة "لَو" من أعمال ولاية "شانتنج" وكان أبوه ضابطًا حربيًّا من سلالة عريقة، وبعد إنجابه لولده بثلاث سنوات مات وتركه وحيدًا فقيرًا، وبعد أن شب الطفل انصرف إلى البحث والدرس وخصوصًا في الآداب القديمة. ولما بلغ أشده اشتغل بوظيفة التدريس، وتعلم منها
стр. 328
الصبرَ وحبَّ الخير، ومداومة النصيحة، الأمر الذي جعل شهرته تنتشر بين الناس، ثم عمل في الحكومة مدة رجع بعدها إلى التدريس مرة ثانية؛ حيث أقبل عليه بعض الشباب، فبشرهم بفلسفته الاجتماعية والسياسية، وقد أعجب تلاميذه به إعجابًا شديدًا، واعتبروه أحدَ الأبطال العظام.
وقد سمع الملك "شو" به فدعاه إلى مجلسه فلبى دعوته، وانتقل إلى عاصمة الإقليم حيث التقى بالعديد من العلماء والمصلحين، وبعد مدة تقلد منصب رئيس القضاة، ثم انتقل منها إلى رئاسة الوزراء، فكانت فرصة يطبق فيها أفكاره النظرية وقد نجح في ذلك، حيث اختفت الجرائم والسرقات، وانتشر الأمن والاطمئنان، وانمحت صور الاستغلال والظلم في كل مكان. وتبعًا لسنة الحياة أوقع حاسدوه بينه وبين الملك، وراحوا يتزلفون للحاكم بكافة الصور الخسيسة، حتى حولوا إعجابه بالرجل إلى كراهية وعدم التقدير، الأمر الذي جعل "كنفشيوس" يتنازل عن الرئاسة على الفور؛ لأنه لم يسع إليها قط، وتفرغ بعد ذلك مرة ثانية للتدريس، وكتابة الكتب، وشرح النصوص القديمة.
ويكفي "كنفشيوس" أنه يُنسب دائمًا لكل حكمة صينية راقية، ولكل نصيحة جميلة، ولم يستطع أعداؤه في القديم والحديث النيلَ منه، والحط من قدره، وقد توفي "كنفشيوس" سنة أربعمائة وثمان وسبعين قبل الميلاد، ولم يتزوج ولم ينجب ولدًا.
أركان الدين الصيني:
فقد بينت المصادرُ عقائدَ الصينيين المتعددة الجوانب، والتي من أهمها:
стр. 329
١ - الإيمان بالآلهة:
يرجع إيمان الصينيين بالآلهة إلى عصور سحيقة، فَهُم يؤمنون بإله يسمى "شنعتاي" وهو إله ثامن يعلو العديدَ من الآلهة، وهو في تصورهم إمبرطور قديم قدم لهم خدمات جليلة، والآلهة الصغرى عديدة؛ كالشمس والقمر والنجوم والغيوم والرعد، كما يتخذون من أسلافهم آلهةً، وتمتلئ دور العبادة باللوحات المعبرة عن هذا التعدد، حيث تُرسم لوحة تمثل إله "شنغتاي" وفي مقام منخفض عنها توضع لوحات أخرى تمثل بقية الآلهة التي يرمز إليها بصورة متعددة. وهم يكتفون في تأليه الأسلاف بكتابة أسماء الأشخاص على لوحات يحفظونها في دار الأسرة مدى حياة جيلًا أو جيلين، وبعد ذلك تنتقل إلى هيكل أسلاف الأسرة.
وكان الصينيون يعتبرون الإله "شنغتاي" عظيمًا يتجهون إليه بالذكر والقرابين، ومن أناشيدهم جاء قولهم: "إليك أيها الصانع العظيم، يتجه فكري وأنا أعبدك، لست إلا قصبة مردودة، ونبتة هزيلة، قلبي قلب نملة حقيرة، ومع ذلك فقد نِلت لديك شرفًا وحظوةً، هب لي أن أراعي وقارَ الشرائع والأحكام، باذلًا جهدي لأن أقوم بواجبي، بولاء وإخلاص؛ لترضَى بأن تقبل تقدماتنا، وترمقنا بعينيك حين نعبدك، يا ذا الصلاح غير المتناهي".
وقد يعرف هذا الإله العظيم باسم "تيان" أي: السماء، وهو اللقب الذي يستعمله "كنفشيوس" غالبًا، ومن حواشيه على كتاب "الملك ب" جاء الرجل العظيم هو ذلك الذي يكون في انسجام بصفاته مع السماء والأرض، وبتلألؤه مع الشمس والقمر، وبخطواته المنسقة مع الفصول الأربعة، وبصلته مع ما هو مستحب، ومع ما هو مشئوم، منسجمًا مع شبيه الروح الفعالة للإله، يسبق السماء فلا تعمل السماء ضده، يتبع السماء ولا يكون عمله إلا ما تحمل في ذلك
стр. 330
الوقت، وإذا لم تعمل السماء ضده فما أصغر الناس إيذاءَه، وما أصغرَ عملًا شبيهًا بالروح.
وبالنظر في هذه النصوص نلمح أن السماء المذكورة لا يقصد بها تلك القبة الزرقاء، بل يقصدون بها سائرَ الأفلاك ومداراتها، والقوة المسيطرة التي تسيطر عليها، وتسيرها في مداراتها، وباتصالها بالأرض وبالأمطار والرياح، تنبت الأرض من كل زوج بهيج، وكانت عبادة الصينيين للسماء؛ لأنهم يعتقدون أنها عالم حي منظم دقيق محكم، وأن كل ما في العالم من قوى مسيرة، إنما هو خاضع لسلطان السماء، وكما سمي الإله بأسماء الطبيعة فإن بعض الكهنة والأمراء سموا بأسماء تنسبهم إلى الإله الطبيعيين: ابن السماء، الأمر الذي جعل الصينيين يتجهون لتعظيم الأسلاف واتخاذهم آلهة، لدرجة أن الكثير منهم يعتقد في أن "كنفشيوس" ند للسماء يُعبد وتُقدم له القرابين.
ونظرًا لقرب الصين من الهند نجد بعض الفلاسفة الصينيين يحاول وضع مذهب صيني متأثرًا بأهم تعاليم البوذية، وبخاصة إنكارها للإله، وقولها بالتناسخ، إلا أن هذه المحاولة لم يكتب لها الانتشار وقد قام بها الفيلسوف الصيني "شوهس".
ومن العجيب في العقيدة الصينية أنها تربط بين الآلهة المتعددة برباط واحد مشترك، فالأعمال مقدرة عند السماء، والإمبراطور الكاهن ابنان للسماء يعبدان من الناس، وعليهما أن يعبدَا السماء، والعقوبة للمسيء تأتي من قبل البشر بتسليط السماء لهم بصورة مستترة. جاء في أساطير الصين: أن ملِكًا استولى على العرش بعد أن انتصر على الملك الذي قبله وقتله، ثم قال: أعطى الإله لكل إنسان ضميرًا إذا اتبعه يحفظه، ويقوده إلى الطريق السوي، والإله دائمًا يبارك الطيب، ويعاقب الرديء، وكذلك أنزل المصائب على بيت الملك السابق حتى يضع حدًّا لآلامه ومساوئه.
стр. 331
وعلى الجملة: فإن الباحث في العقيدة الصينية بالنسبة للآلهة يجد خلطًا وتداخلًا بين توحيدهم للإله وبين تعديدهم له، مما حدَا ببعض العلماء أن يتصور ذلك نتيجة تأثرهم بعقائد الدول المجاورة، الأمر الذي جعلهم يفرزون عقيدةً خاصةً بهم، جامعة للقضايا المتناقضة في المسألة الواحدة.
والذي يهمنا هو مجرد الإحاطة بعقيدة الصينيين في الآلهة، ومعرفة مدى تصورهم في هذا المجال، إنهم كان يعتقدون في الآلهة -في آلهة متعددة- وينظرون إلى إله واحد منها على أنه أعظمها جميعًا، يمنحهم البركة، ويجتهد الصيني في إرضائه، فبرضاء هذا الإله العظيم الذي هو في السماء أو الذي هو السماء ترضى جميع الآلهة؛ لأنه تستمد حاجتها منه، فالمطر إله ينزل من السماء، والسحب إله تأتي هي الأخرى من السماء، والريح إله تهب أيضًا من السماء، والرعد والبرق وقوس قزح موجودة للرائي من السماء، والأسلاف صعدت أرواحهم للسماء.
وبهذا فالسماء رب الأرباب، وإله الآلهة. ومن الأناشيد التي كانوا يناجون بها الإله العظيم، جاء قولهم: "اجعلني وقورًا، طريق السماء واضحة، وتحديداتها غير هين الاحتفاظ بها، لا تجعلني أقول إنها مرتفعة جدًّا وبعيدة عني، إنها تصعد وتنزل نحو أفعالنا، تراقبنا يوميًّا حيث تكون، لست إلا كطفل صغير بغير نباهة حتى أحترم واجباتي، سأتعلم القبض بقوة على وميض المعرفة حتى أصل إلى النباهة المنيرة، أعنِّي لاحتمال عبء منصبي، وأرني كيف أظهر بسلوك فاضل".
وهكذا، اعتقد الصينيون في آلهة أحاطوها بالتقديس والاحترام والتعظيم.
الركن الثاني: العبادة والقرابين:
تتضمن الكتب الصينية القديمة تصويرًا لبعض القرابين وألوان العبادات التي يؤديها الصيني لآلهته في احتفالات عامة، ومن أهمها القربان الذي يقدم بمذبح
стр. 332
السماء في احتفال ديني يُعلن عنه بأمر إمبراطوري، وتتم ترتيباته تحت إشراف المجلس الكهنوتي، ويحدد مجلس التنجيم التاريخَ المعين له، وقبل الاحتفال بخمسة أيام تفحص الضحايا المقدمة للقربان؛ للتأكد من سلامتها، وينقش خطاب الإمبراطور على لوحة خاصة، وفي اليوم السابق ليوم القربان يقام عرض فخم يسير إلى ساحة المعبد، ويُعرف المعبد بمذبح السماء، ويتكون من ثلاث شرفات، ترتكز الواحدة فوق الأخرى، وأعلاها يبلغ قطرها تسعين قدمًا، والوسطى قدرها مائة وخمسون قدمًا، والثالثة وهي الأدنى مائتان وعشرة أقدام.
وأمام الشرفات ما لا يقل عن ثلاثمائة وستين لوحة، وللشرفات سلالم أربعة، في كل جهة واحد، وحول المعبد فناء دائري وآخر أبعد من الأول مربع محاط بسور أحمر، ويتكون المعبد من داخله من فرن كبير لحرق الأضاحي، ومناضد تجمع منها الهيئات، ومخازن متعددة، وأماكن المرتلين وكبار الرسميين والكهنة، ويمتاز المعبد بالروعة والجمال والنظافة، لدرجة أن مبشرًا أمريكيًّا ذهب لزيارته منذ سنوات فخلع حذاءه من قدميه؛ محافظةً على نظافته رغم النظام لا يقضي بذلك، وقد امتلأ المعبد بالعديد من التحف النادرة التي أُهديت له في مختلف العصور.
فهذه صورة المعبد الذي يقام فيه العرض، والذي يتقدمه الإمبراطور؛ لأنه رئيس الكهنة، وبصحبة الحرس والموسيقيين، والراقصين والقواد، وأصحاب الأعلام، والمظلات والضحايا، ويظل هذا الجمع سائرًا طوال الليل حتى يأتيَ يوم الاحتفال وفيه تُحرق الضحايا، ويغسل المعبد، وتقام الدعوات والصلوات، وتلقى الأناشيد بصحبة المزامير، وذلك كله للإله العظيم السماء الذي سمي المذبح باسمه.
стр. 333
إن الصينيين يعتقدون في أن إشعال النار ورفع الصوت واللغو بالأناشيد والرقص، تبلغ الإله، وتحمل معها فحوى الرسالة التي يريدون بلوغها إليه، ومع اعتقاد الصينيين في الآلهة، ومع تقديمهم للقرابين وأدائهم للعبادات، مع ذلك لم يكونوا يؤمنون بجنة أو بنار، وإنما كانوا يرون أن الهدف هو إصلاح معايشهم وحياتهم التي يحبونها، ولذلك نجدهم يركزون في شعائرهم ونظمهم على الأخلاق الفاضلة، وأسس الخير والشر، وقواعد السلوك العملي الممتازة.
ولقد بلغت الأخلاق عند الصينيين درجةً من السمو أدهشت العلماءَ عندما تعرفوها، الأمر الذي جعلهم يقفون في تصور السر وراءها مواقف كثيرة.
إن المدهش في فلسفة الأخلاق عند الصينيين ارتباطها بالدين برغم ما في تدينهم من خيالات وأساطير لا صلةَ لها بالواقع، وهنا يرى الشيخ محمد أبو زهرة أن لا دهشةَ في هذا؛ لأن الأخلاق الصينية اعتمدت على العقل المطلق وفكر الحكماء، بينما الدين اعتمد على النقل، وكل منهما رضي لنفسه طريقه، وإن تشابكَا معًا في المسيرة كطبيعة الصينيين في كثير من حياتهم وآرائهم.
ثالثًا: الأخلاق الصينية:
آمن الصينيون منذ القديم بأن جميع الأحداث تتبع الأخلاق، فكلما كان الاعتدال والانسجام والفضائل تسوده المعاملة بين الناس، فالكون سائر في فلكه من غير أي اضطراب، لكن إذا حاد الإنسان عن الحق والفضيلة اضطرب بعض ما في الكون، وما الزلازل والكسوف والخسوف إلا أمارات لفساد أخلاقي. وقد اهتم جميع الفلاسفة والحكماء بهذا الجانب الهام، ومن أقوال "كنفشيوس": "إن الناس قد ولدوا صالحين ويجب أن يبقوا صالحين ما داموا أحياءً، إن الطريق
стр. 334
إلى البقاء صالحين طريق الحياة الصالحة، هو طريق المعرفة، وعبادة الأسلاف، ووفاء الآباء والأبناء، ووفاء المواطنين لحكامهم، وقبل كل شيء العدالة، وللعدالة، ويقول "مو" وهو فيلسوف صيني ولد بعد "كنفشيوس" وقد عرف أتباعه نظام الجماعة المنسقة، حيث يعقدون اجتماعات دورية بأمر مختارين مِن بينهم، وله كتابه المعروف بكتاب (مو) يقول: تريد السماء من الناس أن يحبوا، وأن ينفع بعضهم بعضًا، ولا تريد من الناس أن يكرهوا ويسيء بعضهم إلى بعض، وكيف يعرف هذا؛ لأن السماء تشمل الجميعَ بحبها لهم، وتشمل الجميعَ بنفعها لهم، لا وجودَ لشباب أو لمسنيين أو لأشراف أو لسوقة، فالكل راعية السماء.
هذا وقد وضعت الأخلاق الصينية في نظم مفصلة منها نظام صلاح الفرد والمجتمع، ويقوم على حسن أداء الفرد لواجبه، ومحافظة على حقه، كما أنهم يحددون العلاقات الرئيسية في المجتمع وهي علاقة الأمير بالرعية، وعلاقة الأب بالابن، وعلاقة الأخ بإخواته، وعلاقة الزوج بزوجته، وعلاقة الصديق بالصديق، فإن روعيت الأخلاق الفاضلة في هذه العلاقات حسن حال الفرد والمجتمع، ويسمون هذا النظام بالتبادل الحسن.
ثانيًا: نظام الفضيلة القانوني:
ويقوم على اعتبار أن الفضيلة وسط بين طرفين ولا تتحقق إلا بالاعتدال والاقتصاد في جميع الأفعال، فالقناعة مع الجد من غير استسلام فضيلة، واللين من غير ضعف فضيلة، والرحمة مع العدل مع المسيء فضيلة. وهكذا. وغاية الفضائل تحقيق الكمال الإنساني، والسعادة الدنيوية، وإقامة المجتمع على التواد والتآلف والإخلاص والإلفة.
стр. 335
حاجة الأخلاق للمعرفة:
ترتبط الأخلاق بالمعرفة الصحيحة ويرى "كنفشيوس": أن الشخص الكامل يكون على تمام المعرفة بنفسه وبحقائق الأشياء، ويرى أن المعرفة الصحيحة جزء غير قابل الانفصام من منهجه الخلقي، ويتميز "كنفشيوس" في هذا عن كثير من الفلاسفة بأنه ربط بين المعرفة والسلوك، فقال: مَن يعلم الحق دون من يولع بطلبه، ومَن يُولَع بطلبه دون من يطمئن إليه دائمًا، ويقسم الناس بالنسبة للمعرفة إلى أربع درجات:
الدرجة الأولى: درجة رجل وهبته السماء المعرفة وأوتي الإلهام.
والدرجة الثانية: رجل لم يؤتَ إلهامًا ولكن فيه ذكاء.
والدرجة الثالثة: رجل لم يؤتَ إلهامًا ولا ذكاء.
والدرجة الرابعة: رجل حائر به بلادة لا يعرف ولا يحاول المعرفة.
والمعرفة في هذا التقسيم تشمل العلمَ والسلوكَ.
دور الأمراء في نشر الفضيلة:
لا بد من قيام السياسة على الأخلاق، ويرى "كنفشيوس" أن الملوك والقادة يؤثرون بأخلاقهم أكثر مما يؤثرون بقوانينهم وسلطاتهم، ولذلك اهتم بإصلاح القادة؛ لتصلح الرعية، ولتنشأ الثقة بين الحاكم والمحكوم، سأله أحد تلاميذه: عن ضروريات السياسة؟ فقال: مِن ضروريات السياسة الأقوات الكافية، وذخائر الحرب الواقية، وثقة الرعية، فقال التلميذ: لو اضطررنا إلى حذف واحد من هذه الثلاثة، فبأيها نبتدئ بالحذف؟ فقال: احذفوا ذخائرَ الحرب، فقال: لو
стр. 336
اضطررنا إلى حذف أحد هذين الأمرين، فأيهما يُحذف، وأيهما يبقى؟ فقال: احذفوا الأقوات، فإن الموت حظ الإنسان منذ الغابر من الأزمان، ولكن السياسة لا تقوم إلا بثقة الرعية.
ومن أشد الأمور جذبًا لثقة الرعية التزام الحاكم بالسلوك القويم، والتزام أعوانه بالفضائل والأخلاق، ولقد سأل أمير المقاطعة "كنفشيوس" قائلًا: كيف تكتسب طاعة الرعية؟ فأجابه بقوله: إذا أُعلِيَ الصالحون وأبعد الطالحون، فولاية أهل الصلاح تجذب الناسَ إلى الحاكم، وكان يقول: لو تداولت أيدي الصالحين شئونَ الدولة لمدة قرن واحد، لتهذب الظالمون جميعًا، ولاستغنى الحاكم عن العقوبة، وما دام الصلاح لازمًا لاستتباب الأمر في الدولة، فعلى الصالحين الأكفاء أن يطلبوا الولاية لأنفسهم، وإذا نالوها وشعروا أن الحكومة ظالمة، عليهم أن يتركوا عملهم فورًا، إن الدولة تقوَى بالأخلاق والشجاعة وتعتني بالثقة، وتعيش بالأمن والهدوء.
ولعل أسلوب الحوار الذي سجل به "كنفشيوس" كتابه، وجعله بين أستاذ وتلميذ، ووضع فيه كل آرائه الأخلاقية، لدليل عملي على منهج الأستاذ في ربط العلم بالسلوك.
كيفية نشر الأخلاق؟
وضع "كنفشيوس" منهجًا لنشر فلسفته الأخلاقية طبقه على نفسه، وهو منهج مفيد لنشر الأفكار والمعتقدات، يعتمد هذا المنهج على الوسائل التالية:
أ- دعوة الأشخاص الملازمين كالأهل والأصدقاء والجيران، ولذلك كان دعوة الأبناء لآبائهم واحترامهم لهم من أولى اهتمامات "كنفشيوس".
стр. 337
ب- التدرج في الدعوة؛ ليكون البدء بالأمور السهلة المسلمة، ثم يكون الانتقال برفق ولين إلى بقية القضايا؛ حتى لا يسأم المدعو ولا يفر ممن يدعوه.
ج- مراعاة حال المستمع، وذلك لمخاطبة كل إنسان على قدر طاقته، فمن الناس من يستطيع محادثته في العلم ولا يمكن أن نحمله على السير معنا بمقتضى الفطرة، ومن الناس من نستطيع أن نسير بهم على الفطرة من غير أن يكونوا ذوي قدم ثابتة فيها، ومنهم من يكون ذا خلق قويم شديد التمسك بالفطرة والكمال الإنساني، ولكن لا يمكننا مشاورته في تقدير الشئون، وعلى هذا فكل إنسان له خط من الإصلاح يعالج به، ويحمل على الجادة.
د- القدوة، وذلك بتقديم الصورة العملية مع الدعوة النظرية؛ لأن الناس أكثر إلفًا بالعمل، وأسرع طاعة لصاحبه، ومن أقوال "كنفشيوس": أتظنون أني أخفي عليكم شيئًا؟ ما من أمر أعمله إلا فيه إرشاده، وهذه هي طريقتي في التربية.
الاختلاط والمعايشة: وذلك يكون بالعيش شبه الدائم مع المدعوين؛ لأن العزلة تؤدي إلى التنافر، والتعالي يحقق عدم الثقة. ومن أقوال "كنفشيوس": لا يمكن أن أعاشر الطيور والوحوش فلو لم أعاشر هذه الأمة، فمن الذي أعاشره؟ إذا كان واجب كل شخص من آحاد الأمة أن يعتزل في كهف من الكهوف، فمن الذي يبقَى في المدن يعمرها؟ وفي الأرض يفلحها ويزرعها؟ وفي الصنائع يمهر فيها؟ ومَن الذي ينسل ويعمل ليبقى الكون عامرًا ببني الإنسان؟ وإذا كان الاعتزال مقصورًا على الحكماء والفضلاء، فَمَن الذي يربي الإنسان ويؤدبه؟ أم يُترك الناس حائرين لا هادي ولا مرشد. وكان يتجه إلى الجماعات يصلحها ويؤدبها ويعظها، ولا يعتزل ويترك الناس في غيهم يعمهون.
стр. 338
وتدعيم الثقة والألفة، وذلك بتقوية العلاقات الكريمة بكل ما يمكن من سبل؛ إثراءً للتربية، وتأكيدًا للفضائل، يقول أحد أتباع "كنفشيوس": آراء أستاذي تملأ نفسي تحيط بي، تستغرق كل حسي، توسع مجال فكري، وتضبط سلوكي، حتى إني إذا رغبت في ترك آرائه ما طاوعتني نفسي.
ز- معاقبة المسيء حتى لا يتحول الأمر إلى الفوضى، وذلك إذا تعمد البعض الإساءةَ فلا بد من معاقبته بالعدل، وعلى قدر إساءته.
إن الباحث في العصر الحديث يقف معجبًا بهذه الفلسفة الأخلاقية؛ لتوافقها مع أحدث النظريات التربوية التي اكتُشفت في العصر الحديث، وفي الأخير.
رأي العلماء في نشأة وتطور أديان الصين
يقف علماء الأديان في موضوع نشأة الدين عند الصينيين مختلفين، حيث يشاهدون فكرة الألوهية مبهمة ومجردة من أهم الصفات التي يجب أن تحاط بها، وفي نفس الوقت يجدون أنفسهم أمام مجموعة من النظريات الأخلاقية التي يلهث العالم في العصر الحديث من أجل تطبيقها في السلوك الفردي والعام.
فيذهب العلماء في تفسير نشأة الدين الصيني ثلاثة آراء هي:
الرأي الأول: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الدين نشأ في الصين من اختراع العقل البشري، حيث مَر بمجموعة من التطورات، ويؤيدون رأيهم بما لوحظ في الفكر الديني عند الصينيين، حيث يجدونه مركزًا بصورة رئيسة على الجانب
стр. 339
العملي الأخلاقي، مع سكوته التام عن تناول أحد أركان العقيدة الدينية، اللهم إلا في الألوهية، فلقد تناوله بإيجاز وتصور يدل على الاختراع البشري والتأليف العقلي، فالإله العظيم هو السماء، أو الروح السائدة فيها، وكل الآلهة الأصغر متصلة بالسماء إيجابًا وسلبًا، وحتى العبادات الواردة عبارة عن ألوان من المراسيم الإمبراطورية في العصور القديمة ألبسوها ثوب الدين، وأسسوا لها البنايات الشاهقة؛ لتكون دورًا للعبادة.
ويبدو أن الأمراء والحكام بالغوا في تدعيم هذا؛ تقويةً لسلطانهم؛ لأن الإمبراطور كان كبير الكهنة في نفس الوقت، ولهذا اشتهر تعظيم الأسلاف حتى عُدُّوا من آلهة الصينيين، ووصل الأمر ببعض هؤلاء العلماء إلى جعل الصينيين من الأمم التي لم تظهر فيها رسالة صحيحة، ويقارنها بالهنود والمصريين الذين جاءتهم رسالات سماوية، ويستنتج هؤلاء العلماء من عجز الصينيين عن الوصول إلى التوحيد الخالص، عجز العقل مجرد عن معرفة الله، والإحاطة بصفاته؛ لأنه لو لم يعجز لتمكن الصينيون من معرفة الله، وأصحاب هذا الرأي فريقان:
فريق يبني رأيه على مبدأ التطور والترقي، حيث يتتبع الفكر الصيني ويستخرج منه ما يدل على هذا.
والفريق الثاني: لا يقول بنظرية التطور أساسًا، ولذلك نجده يبني رأيه على أساس التداخل العقل في إيجاد الدين الصيني على فترات التاريخ صعودًا أو هبوطًا بلا تطور نحو الأرقى، وإلا لتمكن الصينيون من الوصول بعقولهم إلى التوحيد الخالص، مع أن ذلك لم يحدث، والذي حدث أن العقول كانت تتقهقر بالفكر والدين في الصين إلى الوراء. يقول "ولز": حدث في الصين أن أفسد التعليم
стр. 340
معلميهم سواء كان "كنفشيوس" أو "لاهتوس" أو غيرهما، وتغشتها الأساطير. وقد ضمت إليها أشد الطقوس والفكرات الخرافية تعقيدًا وخروجًا عن المألوف، فلقد نشطت أفكار السحر البدائية، وتحركت الأساطير البشعة التي ظهرت في ماضي طفولة جنسنا تكافح ضد التفكير الجديد في العالم، ونجحت في أن تسدل عليه ستارًا من طقوس غريبة مضحكة، وغير معقولة، وعتيقة بالية.
وعلى الجملة: فإن أصحاب الرأي الأول لا يقولون برسالة سماوية ظهرت عند الصينيين.
الرأي الثاني: يذهب أصحاب الرأي الثاني إلى القول بظهور رسالة صادقة في بلاد الصين، تضمنت دعوتهم إلى دين صحيح، والقائلون بهذا الرأي يستدلون بما في التراث الصيني من روائع أخلاقية وحكم ووصايا، لم تقف عند حد الفكر النظري، بل وصلت إلى قمة السلوك التطبيقي.
إن العديد من علماء مقارنة الأديان يقفون معجبين بما كان عند الصينيين القدماء، وكثيرًا ما يحاولون مقارنتَه بما في الكتب السماوية المقدسة؛ لاستخراج ما بينهما من تماثل في القضايا والحكم؛ تأييدًا لرأيهم في إرجاع ما عند الصينيين لرسالة صحيحة، وهؤلاء العلماء يرون أن السماء التي اتخذها الصينيون إلهًا عظيمًا لهم ورمزًا لسمو الإله وقداسته، وكل خلق من صناعته وهم إليه منتسبون، وتبعًا لطول الزمان وبُعد الرسالة، اتخذ الصينيون مظاهر الطبيعة والأسلاف والأرواح آلهةً صغرى يعبدونها ويقدمون لها القرابين؛ خضوعًا للتحريف وتداخل التأليف البشري.
وعلى هذا، فأديان الصين عبارة عن بقايا رسالة سماوية مع تآليف بشرية خيالية من وضع الكهنة والأباطرة، ويرجع السبب في رقي الجانب الأخلاقي في نظر
стр. 341
هؤلاء العلماء إلى اهتمام الرسالة الإلهية بهذا الجانب، وتأثر العامة بها، مما جعل التحريف يعجز عن تغيير هذا الجانب الذي امتثله الناس في حياتهم، كما أن ظهور علماء مخلصين يزكون الأخلاق، ويدعون إليها، ساعد على استمرارية السمو الأخلاقي حتى اشتهرت الصين بين الأمم جميعًا بسمو الأخلاق نظريًّا وعمليًّا. ويبدو أن النظريات أسرع في النسيان من الأعمال؛ لأن الأعمال المكررة تتحول إلى عادة وتقليد، وقد تنسى فلسفتها وتبقَى صورتها، وهذا ما جعل الصينيين أصحابَ ذوق خاص، وسلوك منظم بعد ظهور الاشتراكية وإعلان الشيوعية مذهبًا تسير عليه الصين، برغم ما في الشيوعية من تعسف وإذلال.
وهكذا، ألغِيَ الدين من نظامهم، ولكنهم حافظوا على تقاليدهم الأخلاقية وعاداتهم النبيلة.
الرأي الثالث: يرى أصحاب هذا الرأي ما رآه أصحاب الرأي الثاني، ويزيدون عليه القول: بأن "كنفشيوس" كان هو الرسول المبعوث من الله تعالى إلى الصينيين، مستدلين بسمو دعوته وأصالة مبادئه، ويذكرون أن هذا المستوى الممتاز في تعاليم هذا الحكيم الصيني يرجع سببها إلى منبعها الإلهي الذي هو أصلها ومصدره.
وبهذا يكون الرأي الثالث متفقًا مع الرأي الثاني إلى حد بعيد، حيث يشتركان في إرجاع الدين وأديان الصين إلى أصول رسالة سماوية، وهذا يستتبع بالضرورة إغفال فكرة التطور الديني، وعدم التسليم بقدرة العقل للوصول وحده إلى عقيدة التوحيد الخالص.
стр. 342
الخاتمة والتعليق:
بالنظر في كل ما ذُكر عند الديانة الصينية، يُلاحظ ارتباط النصوص في أغلبها بالجانب الأخلاقي، السمة الغالبة على الفكر الصيني كله، الأمر الذي يعطي عذرًا للعلماء الذين لا يرون للصينيين إلا أصحاب حكمة وفلسفة، ولولا ربط الأخلاق الصينية بالدين لرجحنا هذا الاتجاه. لقد ارتبطت الأخلاق بالدين على اعتبار أن الدين يدعو إلى حسن المعاملة، كل ما تتطلبه الآلهة هو السلوك القويم، وبالنسبة للكتب الدينية نلاحظ فيها إنها دُونت على فترات زمانية طويلة، كما أضيف إليها الحواشي والشروح العديدة التي اعتبرت أجزاءً منها، وهذا يؤكد أن قداستها اعتبارية، وأن تعظيمها جاء بسبب موقف الكهان منها، وأن نسبتها إلى أصحابها محل نظر ونقد.
وقد دخلت تطورات عديدة على أديان الصين -وبخاصة في العصر الحديث- فلقد حدث عقب ثورة ١٩١١ ميلادية أن أُعلنت الجمهورية وأعلن دستورها الذي لم يتضمن سوى فقرات قصيرة متصلة بالدين، وقد سارع رجال الدين الصيني إلى تكوين جمعية الكنفشوسية؛ للدفاع عن دينهم، الأمر الذي كان له أثره في اتخاذ أسس الفضائل الدينية مبادئ لحركة الحياة الجديدة التي أسست سنة ألف تسعمائة وأربع وثلاثين.
وأخيرًا أعلنت الشيوعية في الصين، فعمدت إلى تغيير كافة الأوضاع في المجتمع الصيني كله، والشيوعيون يعتبرون الفكر الصيني القديم نتاجَ صراع بين الطبقات وبين أفكارهم، وبأسلوب الشيوعية المعتمدة على الظلم والقهر يحاولون نشر مبادئهم الباطلة بكافة الوسائل الظالمة.
стр. 343
ولكن ما هو الرأي الأرجح في تفسير نشأة الدين الصيني؟
الأرجح هو الرأي الثاني؛ جَرْيًا على ما سلمنا به، وسرنا عليه، وهو أنه ما من أمة إلا وأرسل الله لها مَن يبلغها بدينه، ويهديها إلى الحق والصواب. وإن الصين أمة كبيرة يبلغ عدد سكانها ربع العالم، ولا بد أن يُبعث فيهم رسول يدعوهم إلى الدين الصحيح. ومع الترجيح لهذا الرأي لا نسلم بأن "كنفشيوس" كان رسولًا مبعوثًا من قبل الله تعالى؛ لأن الكتب الإلهية تحدثت عن الرسل وصفاتهم ومعجزاتهم ودعواتهم، وليس "كنفشيوس" على نمطهم، لقد دَعَا إلى الإيمان بالأديان الصينية القديمة مع ما فيها من خرافات وأساطير، وأقصى ما يمكن التسليم به هو أن "كنفشيوس" أحد المؤمنين برسالة سماوية سابقة، وأنه التزم بالدعوة إلى بعض جوانبها التي تحمس لها وتصور صلاحيتها لأمته.
إن الأديان السماوية لا تمنع وجود رسالات إلهية في الصين، فلقد أخبر الله تعالى أن الرسل ورسالاتهم لم يُذكروا جميعًا على وجه الحصر، فمنهم من ورد ذكره وجاءت قصته، منهم من سكت الله عنه ولم ينزل في شأنه قرآنًا هم الجم الغفير من رسل الله تعالى، وفي نفس الوقت وضع قاعدةً تقوم على العدل الإلهي المطلق، وهي أن الرسل جاءوا إلى جميع الأمم على وجه الحصر؛ لأن الإنسان بلا رسول لا يصل إلى الحق وحده، وما دام الإنسان مسئولًا ومحاسبًا بعد الموت ليعيش في النعيم المقيم أو الشقاء الدائم، ما دام الأمر كذلك، فإن العدل يقتضي إرسال الرسل إلى جميع البشر، وهذا ما أخبر الله عنه في القرآن الكريم، حيث قال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (النحل: ٣٦).
стр. 344
وعلى هذا، فلا معارضة في ظهور رسالة ورسالات في الصين، بل إن المعارضة تكون في القول بغير هذا.
وهنا ملاحظة تتعلق بما حدث في العصر الحديث في الصين وفي أماكن عديدة، وهي أن الشيوعية داء خطير يتجه بالهدم نحو أي عقيدة أو فكرة سامية، في محاولة لإفراغ الإنسان من داخله؛ ليمتلئ بعد ذلك بالفكر المركسي والعقيدة الشيوعية الباطلة، كما أن الشيوعية تحاول دائمًا هدمَ التاريخ بصورة عامة شاملة، فما الأديان القديمة إلا حركات وصراع مستمرة، وما الدول والجماعات إلا نتاج للصراع.
وهكذا، فإن الشيوعية تهدم وتشوه ما عداها بلا منطق ولا علم، وما دارت أنها بذلك تهدم نفسها، وتضع بذور الكفر بها وبتعاليمها، وإن غدًا لناظره قريب في الصين وفي العالم كله.
وفي نهاية المطاف ألخص ما ذكرته حول دين الصين واليابان:
وحيث إن أمة الصين من أمم الحضارات القديمة كان لها مدنية وعلم، وبالضرورة كان لها دين تدين به، وتلتزم تعاليمه وتمارس طقوسه، ولقد جربت الصين جميعَ أنواع العبادات من الخرافة إلى الأسطورة إلى الحكمة إلى الأخلاق، ودانوا بالقيم الوضعية والقيم الرفيعة على السواء، وأخذوا من دين كل الأمم واعتقادات كل الشعوب، وما يعتقدون أنه لم يكن في البداية إلا إله "بانكو" الذي كان قويًّا شديدًا رهيبًا، له رأس تنين وجسد أفعى، طال عمره إلى آلاف السنين، ولما كان الموت تجمعت أنفاسه فكانت الريح والسحب، وكانت أناته الرعد، ودمه الأنهار، ولحمه الأرض، وعرقه المطر، وعظامه الصخور، وأسنانه
стр. 345
المعادن، وشعره الغابات والأشجار، وعينه اليسرى الشمس واليمنى القمر، أما الحشرات التي تعلقت بجسمه فهم الآدميون.
وتوالى ملوك السماء من بعده يحاولون أن يمدينوا هؤلاء الآدميين، ويهذبوهم، ويوجهوهم الوجه الصحيحة؛ حتى لا يبقوا كما خلقوا حشرات دنيئة ضارة وضالة، وعبدوا المطر والرياح والسحاب، والرعد والبرق، وكل مظاهر الطبيعة. وجعلوا السماء هي الإله الأكبر، باعتبار أن معظم الخير يأتي منها، وعبدوها بجانب الشمس والقمر والمطر، والرعد والأنهار، وأطلقوا عليها اسم الإله الأعظم "تيان" كما عبدوا أرواح أسلافهم وأجدادهم، وهذه الديانة لا تعترف بالرسل والأنبياء، وإنما يقوم بأمور الدين رجال مربون ومعلمون، ولقد دانت اليابان أيضًا بالكنفشوسية، واعتقدت مبادئها كما اعتقدت مبادئ البوذية، وديانة الشننتو القديمة، وأبرز تعاليم كنفشيوس حب العلم، ولا تزال للكنفشوسية المكانة الجليلة في اليابان.
الكنفشوسية: لقد اتصلت الفلسفة الصينية بالدين وامتزجت به امتزاجًا تامًّا، فالفسلفة في الصين لم تتجاف عن الدين ولم تنأ عنه، ولم يكن "كنفشيوس" مدعيًا للرسالة ولم يكن هو رسولًا مبعوثًا، بل كان حكيمًا فيلسوفًا يبشر بمذهب الأخلاق، وأما عقيدته فهي ما كان يعتقده الصينيون القدماء، وأساس هذه العقيدة أنهم يعبدون ثلاثة أشياء: السماء، والأرواح المسيطرة على ظواهر الأشياء الملائكة، وأرواح الآباء، ومن عقائد الصينيين أن أرواح الأموات تنفصل عنهم بعد موتهم وتبقى في الدنيا مع أسرهم، ولذلك يعبدون أرواحَ الآباء؛ تقديسًا لهم ووفاءً لعهودهم.
стр. 346
وعبادات الصينيين لا تعدو إلا أن تكون غناءً ورقصًا وموسيقى، ولم يكن الصينيون القدماء يؤمنون بجنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب، ولقد أخذ "كنفشيوس" بكل هذه العقائد ولم يزد عليها، فلم يؤمن باليوم الآخر ولم يفكر في حياته بعد الموت، بل كان كل همه في إصلاح الحياة الدنيا. هذا والفيلسوف الحكيم الذي لا تزال الصين تجله على اختلاف مللها ونحلها وشيوعيتها أيضًا، وله آراؤه الخلقية التي لا تزال في الصين نبراسًا يهتدى به.
ويجدر بنا أن نقول: إن ذلك الحكيم لم تكن عنايته الكبرى متجهة إلى تأليف كتب، ولكن عنايته اتجهت إلى تكوين نفوس.
وكما كانت الصين كانت اليابان في اتخاذها للكنفشوسية دينًا ومذهبًا، وما اختلط بها من الأساطير، ثم ما داهمها بعد ذلك من شيوعية وإلحاد.
وفي الأخير نذكر الصين كمثال لمسألة عدم تطور الأديان، حيث يقال: بأنها ليس من أمم الرسالات الدينية، ولم تحظَ في تاريخها القديم شيئًا من ذلك، فكيف كانت معتقداتها؟ وهل تصبح دليلًا يؤيد قضيتنا في عدم تطور الدين أم ينقضها؟
فلقد اصطلح علماء مقارنة الأديان على أن الصين على اتساع رقعتها وكثرة شعوبها، قد اختبرت جميعَ أنواع العبادات، ولكنها على الرغم من ذلك لم تحظ برسالة دينية واحدة تنشأ فيها، فلم تخرج للعالم قيمًا دينيةً تصدر منها، ولكنها أرضت العقلَ الفطري الباحث عن الألوهية بمعتقدات وردت إليها من الخارج قديمًا وحديثًا كعقائد البوذية، والمجوسية، والمسيحية، والإسلام، ولم تعط أمة عقيدتها باستثناء اليونان التي أخذت عنها رحلة "كنفشيوس" الحكيم المشهور.
ومن الجائز جدًّا كما يقول "ولز": إن أقدم حضارات الصين كانت حضارة سمراء كما كانت مماثلة في طبيعتها لأقدم الحضارات المصرية والسومارية، ومهما يكن
стр. 347
الأمر فإنا نجد أنه لما وافت ألف سبعمائة وخمسين قبل الميلاد كانت الصين مكونة فعلًا من مجموعة هائلة من الممالك الصغيرة ودول المدن، وكلها تعترف بولاء المفكك العُرى وتدفع رسومًا إقطاعية لإمبراطور كاهن واحد هو ابن السماء الكاهن الأعظم، وانتهى حكم أسرة "شانج" في سنة ١٠٢٥ قبل الميلاد، وخلفتها أسرة "تشاو" الطويل، وانحدرت إلى البلاد شعوب من "الهون" وأنشأت الإمارات، وقطَع الحكام المحليون الجزيةَ، وأصبحوا مستقلين.
ويقول أحد الثقات الصينيين: إن البلاد كان بها في القرن السادس قبل الميلاد خمسة أو ستة آلاف مقاطعة مستقلة تقريبًا، وهذا العصر هو الذي يسميه الصينيون في سجلاتهم باسم عصر الفوضى، ويهمنا جدًّا أن ندرك أن عصر الفوضى هذا كان مليئًا بكثير من النشاط الفكري، وبوجود كثير من مجالات الفن المحلية، والعيش المرفه والمتحضر، ومع ذلك لا نجد للدين صورة راقية تدل على التوافق بين الرقي الفكري والرقي الديني، أو بين التحضر وتطور المعتقدات الدينية. فكل ما استطاع أن يصل إليه الإنسان الصيني في هذا العصر أن وجد "كنفشيوس" الذي بشر بالحلم والصبر، والبر بالوالدين، والعطف على الأقربين والغرباء، وأوصى أن تقابل السيئة بالعدل، أو وأن يقابل الإحسان بالإحسان، وقد أحزنه كثيرًا ما يغشَى الصين من فوضى وخروج على القانون، فاختط لنفسه صورة مثل أعلى لحكومة أحسن وحياة أفضل، وأخذ يتنقل من ولاية إلى أخرى؛ باحثًا عن أمير يؤخذ بنظرياته في التشريع والتعليم وينفذها، ولكنه لم يعثر قط على ذلك الأمير، وحين عثُر عليه أحاطت به مؤامرات رجال البلاط، فقوضت سلطان "كنفشيوس" عن الأمير، وتغلبت في النهاية على مشروعاته الإصلاحية.
стр. 348
ويتلخص مذهب "كنفشيوس" في منهج عيش الرجل النبيل أو الاستقراطي أو المثل الأعلى، أي: أنه شُغل بسلوك الشخص وأفعاله، فاهتم بالشئون العامة ورفى لاضطراب العالم وتعاسته، وأراد أن يجعل الناس نبلاءً -أي: فضلاء- رغبةً في إيجاد عالم فاضل، لذلك حاول أن ينظم السلوكَ إلى درجة تفوق كلَّ مألوف، وأن يدبر القواعد السليمة لكل مناسبة من مناسبات الحياة، وكانت صورة السيد المهذب الذي يهتم بالشئون العامة، والذي يأخذ نفسه بالتأديب الصارم هي المثل الأعلى.
ومات "كنفشيوس" محطم الآمال وهو يقول: لَمْ ينهض حاكم ذكي الفؤاد ليتخذني أستاذًا له، وها قد حانت منيتي. بيد أنه لما مات في سنة ٤٧٨ قبل الميلاد، أقاموا له الهياكل، وعبدوه على سنتهم في عبادة أرواح الأسلاف الصالحين، وأوشكوا أن يتخذوا عبادته عبادةً رسميةً -أي: حكومية- على عهد أسرة "هان" في القرن الثاني قبل الميلاد، وأوجبوا تقديم القرابين والضحايا لذكراه في المدارس ومعاهد التعليم، وكانت هياكله في الواقع بمثابة مدارس يؤمها الناس لسماع الدروس كما يؤمونها لأداء الصلاة، ولم تزل عبادته قائمة إلى أوائل القرن العشرين، فخصوه في سنة ١٩٠٦ بمراسم الإله الأكبر "شانجتي" إله السماء؛ لأنه في عرفهم ند السماء، ومن لم يؤمن اليوم بربوبيته من الصينيين المتعلمين فله في نفسه توقير يقرب من التأليه، وقد جعلوا يوم ميلاده عيدًا قوميًّا، يحجون فيه إلى مسقط رأسه.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 349
الدرس: ١٧ أديان الفرس .
стр. 350
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(أديان الفرس)
مصادر أديان الفرس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
لا يزال حديثنا موصولًا عن نظرة إجمالية لبعض الأديان القديمة، تناولنا منها أديان المصريين القدماء، ودين الهند الكبرى، والصين، واليابان، ونحن مع أديان الفرس، والرومان، واليونان إن شاء الله ﵎.
أديان الفرس، نقول وبالله التوفيق:
الفرس من الأمم ذات الحضارات العريقة الموغلة في القدم، وقد اهتم بدراسة آثار الفرس العديد من العلماء المتخصصين في العلوم المختلفة، وبخاصة علماء الأديان الذين يجدون أنفسهم أمام دينٍ متكامل الجوانب شامل للعقيدة والشريعة والسلوك، الأمر الذي يُعطي لهذا الاهتمام ضرورةً معينة من أجل المعرفة.
ومن خلال بحثنا في أديان الفرس سنتناول القضايا التالية إن شاء الله تعالى:
- التعريف بمصادر أديان الفرس.
- التعريف بزرادشت.
- التعريف بجوانب الدين، كما وضّحتها المصادر.
- ومناقشة آراء العلماء واتجاهاتهم في نشأة الدين عند الفرس وتطوره.
- وذلك كله في إيجاز وتركيز، مع المحافظة على إعطاء صورة متكاملة عن أديان الفرس.
أولًا: مصادر أديان الفرس:
برغم أن أديان الفرس ذاتُ تاريخٍ قديم فإن كتبها المقدسة التي توضح الدين وتفصّل جوانبه لم تعرف إلا على يد زرادشت؛ فلقد أحياها وشرحها، ودعا
стр. 351
الناس إليها، ولذلك نجدها لا تعرف إلا به، ووصل الأمر ببعض العلماء أن جعلوه مؤسس الدين الفارسي، وبدءوا بحثهم في أديان الفرس من زمن هذا الحكيم الكبير، والمصادر الدينية عند الفرس مجموعة من الكتب يضمها كتابٌ واحد يعرف بالفستا.
الفستا: وهو الكتاب الرئيسي للدين الفارسي، ومعناه في العربية: النص الأصلي، ويطلق عليه العرب اسم الأبستاق، وقد ظل هذا الكتاب يتداول شفويًا طيلة قرون عديدة باللغة الفهلوية القديمة، والكتاب في الجملة يؤرّخ للفرس ودينهم وأدبهم بلا ترتيب زمني، ويشتمل الكتاب الموجود في العصر الحديث على ثلاثة أقسام أو فصول هي:
القسم الأول: ويتناول حديث الإله أهورامزدا إلى زرادشت؛ حيث يعلمه أوامر الشريعة تفصيلًا كما يتناول قصة خلق العالم وتكوينه، ويبين بعض النظم الاجتماعية، ويسمى هذا القسم الفنديداد.
القسم الثاني: ويتناول توضيح الطقوس الدينية، وهو عبارة عن تراتيل وصلوات خاصة برجال الدين الفارسي، وتلاوة هذا القَسم لا تحتاج إلى جمهور يسمعها، ويُعرف هذا القسم بالفاسبرد.
القسم الثالث: ويتناول تمجيد الملائكة، ويتحدث عنهم كآلهة صغار، كما يتناول بيان صلوات وشعائر دينية، وهذا القسم له اهتمام خاص لدرجة أن البعض يعتبره الجزء الذي لم يحرّف من الفستا، ويعرف هذا القسم بالياستا.
وقد دارت حول الفستا أساطير كثيرة، نقلها بعض العلماء على أنها حقائق مسلمة؛ من هذه الروايات: إنه كُتب في اثني عشر ألف مجلد من جلود البقر والثيران والماعز، وإنه كُتب حفرًا على الجلد ونقشًا بالذهب، وإنه حفظ في
стр. 352
حوافظ الموابذة، الذين هم كبار رجال الدين الفارسي، مع كتابته على النحو المذكور، والذي يجعلنا نلحق هذه المعلومات بالأساطير شبه الإجماع عند علماء الأديان على أن الفستا لم تدوّن طيلة عدة قرون، كما أن التسليم بهذه الروايات يؤدي إلى عدم ضياعها وتحريفها، بينما المعروف أن أكثر من ثلاثة أربعها .. إن أي: كتاب ينال هذا الاهتمام حفظًا وتدوينًا كفيلٌ باستمراره مع الزمان، وبخاصة أنه وجد بين دولة تقدستة وأمة تدين به، لكن الثابت عدم استمراره، مما يؤكد أن الروايات المذكورة مبالغٌ فيها وبعيدة عن الواقع.
وقد اهتم علماء الدين الفارسي بشرح الفستا، وإحاطته بالحواشي التي تشرحه وتشرح شرحه وتبين شرح شرحه؛ وذلك واضح من الزِّند، وهو كتاب يشرح الفستا، وقد ألف بعد الفستا بمدة طويلة، والباذند وهو شرح للزند، والإياردا وهو شرح للبازند، وهذه الشروح كُتبت باللغة الفهلوية بلغة الفرس القديمة، وترجمها العلماء في العصر الحديث إلى عددٍ من اللغات الحية مع ترجمة الفستا، والعلماء المحدثون يرون أن أهم ما يوضّح العقيدة الدينية للفرس هو كتاب التراتيل المعروف باسم الياسنا، وهو القسم الثالث من الفستا، ويرون أنه يتضمن العناصر القديمة للزرادشتية، ويحتوي على أقوال زرادشت؛ ولهذا نجد العلماء يهتمون بدارسة هذا القسم وتحليله أكثر من غيره.
التعريف بزرادشت
ثانيا: التعريف بزرادشت:
اختلف علماء الدين في حقيقة شخصية زرادشت؛ فمنهم من يرى أنها شخصية أسطورية لا وجود لها في الحقيقة، صنعها الكهنة ورجال الدين الفارسي، من
стр. 353
أجل تدعيم عملهم وتحقيق مكاسب لهم ولذويهم، وكل ما روي عن الإنسان اختلاق، وتأليف سواء كان منبعه دين قديم أو وضع بشري محدد، والقائلون بهذا لا يجدون دليلًا حقيقيًّا، وكل ما يستدلون به ما يروى عن نشأة زرادشت وحياته؛ حيث يرون تشابهًا بين ذلك وبين أحداث تعرّض لها رُسل الله من أمثال إبراهيم وعيسى، ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- وهذا الرأي لا يصح التسليم به لقيامه على الفرض المجرد من الدليل، بينما الموضوع له أهميته التي لا بد لها من البراهين القوية والأدلة الساطعة.
وأيضًا فإن المكتشفات العلمية الحديثة تؤكد بطلان هذا الرأي، ومن العلماء من يرى أن زرادشت شخصية حقيقية، وأنه هو إبراهيم ﵇ الذي ورد ذكره في الكتب السماوية التوراة القرآن الكريم، يستدل هذا البعض بما ورد في سيرة زرادشت من أحداث تشبه بعض معجزات إبراهيم ﵇ وبعض أحداثه التي حدثت معه مثل نجاته ﵇ من النار بعد أن ألقي فيها، ومثل تأمله في الكواكب والنجوم، ومثل دعوته إلى الإيمان بالواحد الخالق بكل هذه الظواهر ولجميع المخلوقات، وهذه الأدلة لا تَثبت مدعاها؛ لأن التشابه في بعض الأحداث في حياة شخصين أمرٌ ممكن، كما أن من أحداث سيرة زرادشت ما يشبه بعض ما جاء، وما حدث مع موسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- مثل البَشريات والإرهاصات العديدة التي جاءت لأمه أثناء مولده، ومثل نجاته بصورة معجزة من محاولات قتله المتكررة، ومثل انتصاره على السحرة وإعجازهم، ومثل هذا التشابه جائز من غير أن يكون الشخصان شخصًا واحدًا.
وأيضًا فإن الأدلة الثابتة تؤكد أن زرادشت ليس هو إبراهيم ﵇؛ لأن إبراهيم ﵇ نشأ في بلدة أور ببلاد الكلدان، بينما زرادشت ولد بأذربيجان؛
стр. 354
ولأن إبراهيم رحل إلى مكة بينما زرادشت لم يرحل إلى بلاد الحجاز، ولم تكن له بها صلة؛ ولأن إبراهيم تزوج من سارة وهاجر، بينما زرادشت تزوج من امرأة واحدة هي هفويه، ولأن إبراهيم ﵇ ظهر في القرن السابع عشر قبل الميلاد بينما ظهر زرادشت في القرن السابع قبل الميلاد، وكل هذا يؤكد أن زرادشت شخصية حقيقية، وليس هو سيدنا إبراهيم ﵇.
وإذا ثبت هذا، فمن يكون زرادشت؟
ولد زرادشت في مدينة أذربيجان الواقعة غربي بحر القزوين في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ويروى أن أباه كان يرعى ماشيته ذات يوم إذ تراءى له شبحان نورانيان، اقتربا منه وقد ناله وقدما له غصنًا مقدسًا، وأمراه أن يحمل الغصن ويقدّمه لزوجته؛ لأنه يحمل في كيانه الطفل الروحاني، وصدع أبوه بالأمر، فحملت زوجته لليلته، وبعد خمسة شهور من الحمل أتت لأمه البشارات المتتالية، وعندما ولد لم يبكِ كسائر الأطفال، وإنما فَهِق بصوتٍ عالٍ اهتزت له أركان البيت، وهربت الأرواح الشريرة، وارتعد كبير السحرة فرقًا؛ لأنه يعلم أن هذا الوليد سيقدر على السحرة والكهان ويخرجهم من البلاد.
وقد تعرض زرادشت لمحاولات متعددة من السحرة لقتله بأن ألقي في طريق قطيع كبير من الماشية لتدوسه، لكن بقرةً أسرعت نحو الطفل ووقفت فوقه تحرسه حتى مر القطيع، وألقي في وكرَ الذئاب لتأكله أو ليموت جوعًا لكن الذئاب تسمّرت وأقبلت عنزتان، ودخلتا الوكر معه لترضعاه، ولما بلغ زرادشت السابعة من عمره أرسله أبوه إلى حكماء الفرس؛ ليتعلم منهم، ويتلقى الحكمة، واستمرت هذه الفترة ثمانية أعوام تزوج خلالها، وعاشق مهنة خدمة المرضى وعلاجهم،
стр. 355
ولم تكن مصاحبة آلام الناس وأحزانهم النهاية في نشاط زرادشت، بل إنها كانت البداية؛ حيث أخذ يتساءل ويبحث عن مصدر الشرور والمتاعب، ويعجب من عدم سيطرة الخير على كل شيء، وقرر هجر زوجته والانقطاع للتأمل والبحث فوق جبل سابلا.
وذات يومٍ أدرك من تأمله في الليل والنهار أن العالم يضم الخير والشر كما يضم اليوم الليل والنهار، هكذا في صورة مستمرة من غير طغيان أحدهما على الآخر، ومع اكتشاف لهذه الحقيقة سأل نفسه: لماذا خلق الخير والشر معًا؟! ولم يدم به التساؤل طويلًا، فلقد أتاه كبير الملائكة، وقاده إلى الله تعالى أهورامزدا إله النور الأعظم، الذي يحيط به ضياء عظيم؛ حيث تلقى كلمات الحق والحقيقة وتعلم أسرار الوحي المقدسة، واستمع إلهه للنبوة.
ونزل زرادشت للجبل حاملًا رسالة الله للإيرانيين، ومعه كتاب الوحي، لكنه قوبل بالإعراض والصدود من قومه، ومن عشيرته الأقربين، وقضى في دعوته عشر سنوات متحملًا الأهوال صابرًا على الأذى محتسبًا ذلك عند أهورامزدا، الذي ظل يؤيده ويقوِّي عزيمته، ويثبّت عقيدته بالوحي المتوالي، ويقال: إن الله كلامه شفاهة وظهر له كبار الملائكة، وبعد أن جاوز عمره الأربعين آمن أخوه بدعوته، وأخبره بأنه يدعوه بأفكار صعبة لا يفهمها إلا المتعلمون والخاصة، فبدأ زرادشت لساعته يدعو المتعلمين والخاصة مبتدئًا بالملك كشتسيب والملكة والأمراء المقيمين في بلخ، وعقد الملك مناظرة بين حاشيته وبين زرادشت حتى تبين له صدق الدعوة، فآمن بالزرادشت واتبعه.
لكن الكهنة دبّروا مؤامرة كاذبة لزرادشت أدت بالملك أن يسجنه بتهمة السحر والشعوذة، وحدث أن جواد الملك أصيب بمرض غريب أدى إلى تقلص قوائمه
следующие страницы →