Полный текст (387 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى *وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَ ى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. (طه: ١٢٣ - ١٢٥).
فقام آدم ﵇ بنقل ما تلقاه من ربه إلى بنيه، وتعريفهم بإسلامه وعقيدته وتلقى بنوه هذه التعاليم بالقبول حتى عندما وقع الخلاف بينهم أو بين هابيل وقابيل رأينا أثر هذه التعاليم واضحة فيما وقعوا فيه من معصية أو خلاف قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٢٧ - ٢٩) الآيات.
وظلت تعاليم التوحيد في أبناء آدم وأحفاده، وتوارثوها جيلًا بعد جيل وظلت أجيال عدة بعد آدم ﵇ لا تعرف إلا توحيد الله تعالى عقيدة مع إسلام الوجه لله تعالى دينًا، فعن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" والقرن قد يراد به المدة، وهي مائة سنة، قد يراد به الجيل من الناس أو المدة المتطاولة من الزمن، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ (الإسراء: ١٧).
كذا في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (مريم: ٧٤) وفي قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ (المؤمنون: ٤٢) وفي قوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٨) فالتوحيد أصل في البشرية به بدأت وعليه نشأت، وأما الشرك والانحراف فهو شيء طارئ عليها ولا عجب فقد أخذ الله العهد والميثاق على ذرية آدم منذ بدأهم، وهم لا يزالون في عالم الذر كما في الآية: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
стр. 72
قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (الأعراف: ١٧٢) وكما في الحديث الصحيح فيما رواه ابن جرير وغيره بإسناده، عن ابن عباس ﵄ قال: ((مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى)).
وذكر الإمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ إنه قال: ((يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به، قال: فيقول: نعم، قال: فيقول الله: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي)) فأول الأنبياء الجد الأكبر للأسرة الإنسانية هو آدم ﵇ وقد سبق الدليل على نبوته من القرآن باصطفاء الله له واجتبائه إياه، وإضافة إلى ذلك ما صرح به القرآن من مخاطبة الله له بلا واسطة فقال له: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ (البقرة: ٣٣) الآية وهذا الخطاب أحد أنواع الوحي كما قال : ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: ٥١).
وفي السنة ما يشير إلى هذا أيضًا أو يصرح به، كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض)) فقوله: ((وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي)) دل على نبوة آدم، ومن جاءوا بعده.
وفي الحديث: وإن كان في سنده كلام: روى الإمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قلت: ((يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم، قلت: أو نبيٌّ كان؟
стр. 73
قال: نعم نبي مكلف، قال: قلت: يا رسول الله؟ كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضع عشرة، جمًّا غفيرًا، وقال: مرة ثلاثمائة وخمسة عشر، قلت: يا رسول الله آدم نبي قال: نعم نبي مكلف)).
وإذا كان آدم ﵇ هو أول الأنبياء؛ فإن نوحًا ﵇ هو أول الرسل دل على ذلك القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء: ١٦٣).
ومن السنة ما جاء في أحاديث الشفاعة في (الصحيحين): ((وفيها فيأتون نوحًا ﵇ فيقولون: يا نوح أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورا)) وقد علم: أن هناك فارقًا بين النبي والرسول؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أََرْسَلْنا مِنْ قبلِك مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلاَّ إذَا تَمَنَّى﴾ (الحج: ٥٢) الآية.
وهذا العطف يقتضي المغايرة، وإن كان بينهما اشتراك في مهمة التبشير والإنذار، وقد قيل في الفارق بين النبي والرسول: إن النبي من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وهذا لا نطمئن إليه؛ فكيف لا يؤمر النبي بالتبليغ؟.
وقال الآلوسي: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، فالرسول هو الذي يأتي بشرع جديد، أو بأحكام وتشريعات مفصلة، والنبي هو الذي لم يأت بشرع جديد، وإنما بنى على شرع من سبقه، أو جاء بدعوةٍ مجملةٍ تدعو إلى أصول الإيمان بالله تعالى، وقواعد الخلق الذكي، وليس من اللازم أن تحوي شرائع وأحكامًا جديدة.
أو أن النبي من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وأما الرسول: فهو من بعثه الله إلى
стр. 74
قوم، وأنزل عليه كتابًا أو لم ينزل عليه كتابًا، لكن أوحي إليه بحكمٍ لم يكن في شريعة من قبله، وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس العكس -وهذا هو الراجح والله أعلم.
نشأة العقيدة الإلهية، والرد على من قال بتطور العقيدة
بقي لنا أن نقف وقفة حول نشأة العقيدة الإلهية؛ لنرد على المزاعم في تلك القضية، ونقصد بنشأة العقيدة الصورة التي ظهر فيها الدين أول ما ظهر، أي: الأولية التاريخية المطلقة التي لا تتقيد بزمنٍ معين منذ أن دبت قدمً الإنسان على ذلك الكوكب، ولتقرير هذه البداية نجد أن العلماء ينقسمون إلى قسمين متعاكسين.
وقبل أن نعرض هذين الرأيين علينا أن نفرق بين أمرين، وهما فطرية التدين، وفطرية التوحيد؛ أما فطرية التدين: فقد اتفق علماء الأديان إلا من شذ منهم على أن التدين أمر فطري في الإنسان مركوز فيه، أي: أن الخضوع والتذلل والخوف من كائن أعلى موجود في النفس، ومحاولة إرضاء هذا الكائن، والتذلل له أمر غريزي يلبي نداء الفطرة، وكذا الإحساس الفطري على الحياة الآخرة، وأنها دار الجزاء لما قدم الإنسان من أعمال، كما أن الإنسان مدني بطبعه، فلا يستطيع أن يعيش بمعزل عن بني جنسه، بل لا بد من التعاون مع الجماعة.
وأما عن موضوع هذا التدين أي: المعبود الذي تعلق به هذا التدين هل تعلق أول ما تعلق بالإله الواحد الموجد لهذا الكون، أم تعلقت هذه الغريزة
стр. 75
بآلهة شتى؟ الطبيعة وما حوته من جمادات وحيوانات وأرواح، ثم تطورت إلى أن وصلت للإله الواحد، لقد ذكرت: أن العلماء في هذه المسألة لهم رأيان هما:
الرأي الأول: المذهب التقدمي أو التصاعدي، ويتزعمه فريق من علماء الأديان والمقارنة، ومن علماء الاجتماع الدين أمثال: "سبنسر" و"فرويد" و"دوركايم" وغيرهم من علماء الغرب مسيحيين ويهود، وتبعهم قليل من المسلمين مثل العقاد في كتابه (الله) وطه الهاشمي في كتابه (تاريخ الأديان) وفلسفتها يرى هذا الفريق أن التدين بدأ بالخرافة والأوهام، ثم انتقل إلى الوثنية والشرك، وأخذ الإنسان يتطور في دينه، وعقيدته على مدى الأجيال حتى وصل إلى التوحيد والتوحيد في نظرهم هو آخر مرحلة في التصور والتدرج، وأن الاعتراف بالإله الواحد مسبوق بعبادة الشمس.
يقول العقاد: "ترقى الإنسان في العقائد، كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه، وصناعته، فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى".
فيرى أصحاب هذا الرأي أن عقيدة التوحيد ظهرت متأخرة بالقياس إلى ظهور الوثنية، والشرك ظهرت عقيدة التوحيد بعد أن توسعت مدارك الإنسان، فشعر أن ما كان يتصوره من وجود قوى روحانية عليا في الأشياء التي عبدها لم تكن سوى وهم وخداع، وصار يقتصد في الشرك إلى أن وصل إلى التوحيد، وهم يعتبرون أن إخناتون أقدم الموحدين لأنه دعا إلى عبادة الشمس وحدها دون بقية المعبودات عند المصريين، ثم يتحدثون عن التوحيد كآخر طور من أطوار العقيدة، كما جاء في الإسلام.
стр. 76
وقد كتب العقاد كتابًا عن نشأة العقيدة أسماه (الله) تفاجئك وتَفْجَئُكَ مقدمته بهذه العبارة: موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية منذ أن اتخذ الإنسان ربًا إلى أن عرف الله الواحد، واهتدى إلى نزاهة التوحيد، ثم قال: "الرجوع إلى أصول الأديان في العصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين، ولا على أنها تبحث عن محال، فكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة شاملة في عصرٍ واحدٍ، وأن الناس يستعدون لعرفانها عصرًا بعد عصر وطورًا بعد طور، وأسلوبًا بعد أسلوب، كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى على نحو أصعب، وأعجب من استعدادهم، لعرفان هذه الحقائق التي يحيط بها العقل، ويتناولها الحس والعيان".
واستدلوا على رأيهم بما يلي: أن الإنسان أخذ يتطور حضاريًا واجتماعيًا من سكنى الكهوف وأغوار الجبال إلى السكنى في البيوت المتخذة من الوبر والشعر، ثم البيوت المصنوعة من الطين، ثم القصور الضخمة، ومتع الحياة إلى آخره، فإذا كان كذلك، فلابد وأن يكون الإنسان قد تطور في العقيدة كذلك من عبادة الطبيعة، والأرواح إلى الإله الوحي.
الدليل الثاني: وجود بعض القبائل المتخلفة في استراليا ووسط أفريقيا، وبعض سكان أفريقيا، وبعض سكان أمريكا ما زالوا يعبدون الأصنام والأوثان، وهم مع ذلك متخلفون اجتماعيًّا، فهناك ارتباط بين هذا التخلف الاجتماعي وبين العقائد الدينية الباطلة المبنية على الأوهام والأساطير.
الثالث: كما يستدلون بالقرآن الكريم، وهو ما ورد في سورة الأنعام في قصة إبراهيم ﵇ في الآيات الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ
стр. 77
وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٧٥ - ٧٩) الآيات.
ذلك أنهم يستنتجون من هذه الآية أن إبراهيم ﵇ قد تدرج في عقيدته وتدينه من الإيمان بالكواكب المتعددة إلى الإيمان بالقمر ثم الشمس، وهي أكبر ما تقع عليه العين، ثم انتهى إلى عقيدة التوحيد، ونفي الشرك هذه أدلتهم، وآخر ما في جعبتهم.
وللرد عليهم نقول:
أما عن الدليل الأول، وهو تطور العقيدة تابع للتطور الاجتماعي والحضاري فهذه شبهة واهية ذلك أنه قياس مع الفارق، فالتقدم الحضاري والاجتماعي والصناعي تقدم في الأمور المادية، والدين لا يتعلق بالأمور المادية، وإنما يتعلق بالأمور الروحية المعنوية التجريدية تلك الأمور المتعلقة بالنفس والروح؛ فالجامع بين المقيس عليه معدوم، فيبطل هذا القياس بالإضافة إلى أن التطور تطورت فيه الأمور من الأشياء البسيطة إلى المعقدة المركبة، وليست الأديان كذلك.
أما عن الدليل الثاني: الذي يفيد أن هناك ارتباطًا بين التخلف الاجتماعي، والعقائد الباطلة فهي شبهةٌ واهيةٌ كَذِلَكَ، فليس هناك ارتباط بين الحضارة والمدنية، وبين التدين والعبادة.
стр. 78
فالهند مثلًا بلغت شأنًا كبيرًا في الحضارة والمدنية، وشأوًا بعيدًا، ولا زال أغلب سكانها إلى الآن يعبدون الأبقار، وروسيا والصين مبلغًا مبلغًا عظيمًا من الرقي الحضاري، والاكتشاف التكنولوجي، ومع ذلك فجمهور السكان لا يؤمنون بالله، ولا يعترفون بوجود الخالق؛ إذًا فليس هناك جامع مشترك في الارتباط بين التخلف والأساطير الخرافية.
وأما عن الدليل الثالث: وهو الفهم الخاطئ للآيات من سورة الأنعام في قصة محاجة إبراهيم ﵇ لعبدة الكواكب؛ فهي أوهى من سابقيها وأبسط من أن يرد عليها؛ إذ ليس المقصود من الآيات.
كما ذهب العقاد والهاشمي وغيرهم من المستشرقين: أن إبراهيم ﵇ وهو النبي المعصوم كان شاكًّا في عقيدته، أو تطور من عبادة الكواكب إلى التوحيد، وإنما وجد إبراهيم ﵇ قومًا يعبدون هذه الأشياء ويقدسونها، فأراد أن يقيم الأدلة الحسية على بطلانها بطريقة التدرج إلى الإيمان، وبأسلوب المجاراة الذي يوهم الخصم بأنه معه فيما يعتقد بشرط مسبق، وهو أن الإله الذي يجب الإيمان به إذا ظهر لا يأفل، ولا يغيب، فلم يتحقق هذا الشرط في شيء من آلهتهم التي يعبدونها؛ فتوجه بهم بعد ذلك إلى الإيمان الحق بالخالق المبدع؛ لهذا الكون بعد أن أبطل عقيدة الإيمان بالكواكب، والقمر والشمس؛ لأنها أشياء تغيب، وتزول، ولا يصح للإله أن يغيب، أو يزول؛ فإبراهيم ﵇ لم يكن ينظر، ويبحث ليصل إلى التوحيد، وإنما كان يناظر، وفرق بين النظر والمناظرة.
وتلك حجة الله على لسان إبراهيم، كما جاء ذلك واضحًا في أول الآيات وآخرها: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: ٧٥). وفي آخرها: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ
стр. 79
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ٨٣) إبراهيم ﵇ صاحب رايةِ التوحيدِ، كيف يشك في الأمر، كيف يتدرج من الشرك إلى التوحيد.
إن الله أثنى على إبراهيم ﵇ فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠ - ١٢٣).
والحق يقال: إن عقيدة التوحيد كانت منذ منشأ الإنسان إلى دعوة محمد ﷺ فهي البداية والخاتمة، ونصوص القرآن الكريم تؤكد بما لا يدع مقالة لقائل: إن البشرية صاحبتها عقيدة التوحيد من أول خطوة دبت بها على وجه الأرض، وما يقوله علماء مقارنة الأديان الغربيون: هذا يؤدي إلى إنكار الوحي والنبوة حيث اعتبر ظهور العقائد الدينية، وتطورها مجهودًا بشريًا نتيجة للارتقاء العقلي والثقافي؛ فأين إذًا هدي الله الذي تنزل على آدم ﵇: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ (طه: ١٢٣).
والحق: أن آدم ﵇ هو الذي عرف بنيه بربهم وبالإسلام ثم توالى موكب الإيمان بعد ذلك يتعهد البشرية أولًا بأول، ويعيدها إلى ربها إذا ضلت طريقه، أو أخطأت هداه، وكان نوح ﵇ الذي جدد الدعوة إلى التوحيد، وأعاد إليه نقاءه وصفاءه، وحاول جاهدًا بكل ما يملك من طاقة النبي المرسل أن يخرج الناس مما انتكسوا فيه من ضلال، وكفران، وكانت النتيجة أن نجا الله نوحًا، ومن آمن معه، وأغرق من عداهم من عبدة الأصنام والأوثان، ثم استمر موكب الهداية يتجدد حينًا بعد آخر حتى جاء خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ فبنى على نهج إخوانه في الدعوة، وأكمل الله به الدين، وأتم به النعمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣).
стр. 80
فالعقائد لا شأن لها بالتطور، والدين بدأ وحيًا من عند الله يدعو إلى التوحيد منذ بدأ الحياة، وإذا كان انحراف قد حدث عن أصل التوحيد في تاريخ البشرية فذلك على حين فترة من الرسل، وكل الذي يمكن أن يقال هنا: إنه إن كان حدث تطور أو اختلاف بين الرسالات؛ فإنما ذلك في الشرائع والأحكام التي قد تناسب أمة، ولا تناسب أخرى؛ لذلك قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨).
أما القواعد فهي واحدة، وإنما تختلف الأحكام والفروع رحمة، وشفقة بالأمم، فالصلاة مثلا والصيام كانا في الأمم السابقة، لكن طريقة الأداء، وكيفيته قد تختلف من أمة إلى أخرى، وإن بلغ كله حد الكمال والتمام في خاتمة الشرائع والرسالات التي هيمنت على السابق، ونسخت ما لا يتفق والتطور الإنساني على نحو ما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٠٦).
وكذا يقال في الرد على مذهب التطور في الأديان: لقد كان مقتضى الوضع السليم في تعرف ما كانت عليه بداية الأديان فيها قبل التاريخ أن يسترشد في مقارنتها لا بسير الفنون والصناعات، بل بسير الديانات المعروفة منذ طفولة التاريخ إلى اليوم، وإننا لا نعرف بالاستقراء أن كل واحدة من هذه الديانات بدأت بعقيدة التوحيد النقية، ثم خالطتها الشوائب والأباطيل على طول العهد.
فالأشبه أن تكون هذه سنة التطور في الديانات كلها، وهي أن تكون بدايتها خيرًا من نهايتها، ويشهد لذلك القول قول الرسول ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)) ومن هنا فإن الكتب السماوية
стр. 81
تتفق على أن الجماعة الأولى لم تترك وشأنها تستلهم غرائزها وحدها بغير مرشد ومذكر، بل تعهدتها رعاية السماء بنور الوحي من أول يوم؛ فكان أبو البشر آدم ﵇ وأول الأفذاذ المخلصين، وأول المؤمنين الموحدين، وأول المتضرعين الأوابين، هكذا.
وأما الرأي الثاني: والذي يقول به علماء المسلمين، وبالأخص جمهور أهل السنة والجماعة، والعقلاء من علماء أوربا، وأن عقيدة التوحيد فطرية في النفس البشرية أن الإنسان الأول عرف الإله الواحد الأحد، وآمن به منذ البداية، وأن الشرك والوثنية أمور طارئة وعارضة، وانحراف طرأ على العقيدة، وممن يؤيد هذا الرأي من الغرب؛ "لان" و"بروكلمان" و"شريده" و"شميدس" وغيرهم.
والأدلة التي تؤكد أن الناس كانوا على التوحيد، ثم انحرفوا عنه ما قاله الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ٢١٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (يونس: ١٩).
يقول الأستاذ الدكتور/ نوح الغزالي ﵀: "إنه الإعجاز القرآني دون شك يلخص القصة الإنسانية في آية واحدة في نشأتها الأولى على الإيمان الحق، وفيما طرأ عليها من أهواء البشر، ونزغات الشيطان، وهو تلخيص في نفس الآية لكل مراحل الإنسانية، وهي تتكرر فيها العودة إلى الفطرة الأصيلة عن طريق نبي
стр. 82
يتفضل المولى بإرساله، ثم تنتكس لتعيد الجاهلية الأولى بصورة، أو بأخرى حتى كانت النبوة الخاتمة ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢١٣).
والطرف العقلي: فقط هو الذي حِدَا بقلة من المفسرين أن يذهبوا إلى أن الآية لم تقرر على الإيمان، أو على الكفر أمة واحدة حتى إذا ما طولبوا بالدليل عجزوا عنه والنص القرآني السابق يؤكد أن الناس كانوا أمة واحدة على الإيمان في أول نشأة الإنسان، وأن الكفر هو الذي طرأ عليه فبعث الله تعالى له النبيين.
ويؤكد الرازي والقفال هذا بأدلة واضحة منها: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: ٢١٣) أن هذا يدل على أن الأنبياء ﵈ إنما بعثوا حين الاختلاف، ويؤكد ذلك قراءة ابن مسعود "كان الناس أمة واحدة؛ فاختلفوا فبعث الله النبيين" فالفاء في قوله: "فبعث" تدل على الترتيب السببي، وتقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف، ولو كان قبل ذلك أمة واحدة على الكفر لكانت بعثة الرسل قبل هذا الاختلاف أولى؛ لأنهم بعثوا عندما كان بعضهم محقًّا، وبعضهم مبطلًا، ولن يبعثوا عندما يكونون كلهم مصرين على الكفر فهذا أولى.
دليل آخر أن الله تعالى حكم بأن الناس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ثم درجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل، وقراءة ابن مسعود والظاهر أنه الاتفاق والحاصل المشار إليه بقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ كان قبل الاختلاف الذي حدث بسبب العداوة والبغي والحسد، دليل ثالث آدم ﵇ لما بعثه الله رسولًا لأولاده الكل كانوا مسلمين مطيعين لله، ولم يحدث الاختلاف إلا بسبب البغي والحسد عندما قتل قابيل هابيل، كما هو ثابت في الآية الكريمة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ (المائدة: ٢٧).
стр. 83
هذا الصراع الذي انتهى إلى جريمة القتل أنهما كانا يتنافسان على القربى إلى الله تعالى، ويغمط أحدهما أخاه؛ لأنه تقبل من أخيه دونما يتقبل منه، وهنا ينتهز الشيطان تلك الفرصة وقعد لابن آدم بكل طريق؛ فدفعه إلى الحسد والحقد عليه حتى إذا ما سولت له نفسه قتل أخيه لم يعرف كيف يقتله ويتخلص منه، فتمثل له إبليس يضرب بالحجر رجلًا فقلده، ولم يعرف كيف يدفنه فعلمه الغراب دفن الموتى؛ فالحوار بين الأخوين يدل على معرفتهما بالله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٢٧) ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: ٢٨) ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (المائدة: ٢٩) دلالة واضحة على الإيمان بالله واليوم الآخر.
دليل رابع: أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح ثم اختلفوا بعد ذلك كما قال ابن عباس ﵄ كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة الحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، ومن الأدلة الآية الكريمة ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (الأعراف: ١٧٢).
وقد كانت بعد خلق آدم ﵇ والحديث: ((كل مولود يولد على الفطرة)) مما يؤكد أن الإنسان كان على التوحيد من البداية، وأن الشرك والوثنية أمر عارض على الإنسانية، وأن المقصود بآية البقرة ويونس بأن كون الكفر باطلًا، وتزييف طريق عبادة الأصنام، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل؛ فوجب أن يكون المراد بقوله: كان الناس، وأنهم كانوا أمة واحدة على الإسلام؛ فلما وقع الناس في الشرك بعث الله الرسل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) فالآية صريحة الدلالة على أن الله
стр. 84
تعالى بعث في كل أمة، وفي كل جماعة رسولًا يأمرهم بعبادة الخالق وهي عقيدة التوحيد ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: ٣٠).
وكما في الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء؛ فَاجْتَالَتْهُم الشياطين عن دينهم)) فالمعنى: أن الله تعالى خلق عباده يدينون بالتوحيد، فجاءتهم الشياطين وحولتهم عن التوحيد إلى الشرك والوثنية؛ فهذا هو الحق الذي ندين لله به؛ والحمد لله على نعمة التوحيد، وعلى نعمة الإسلام والإيمان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 85
الدرس: ٥ اليهودية؛ تسميتها ونشأتها، والمصدر الأول لها: التوراة .
стр. 86
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(اليهودية؛ تسميتها ونشأتها، والمصدر الأول لها: التوراة)
الحديث عن اليهودية من حيث التسمية والنشأة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
ننتقل إلى نبذة تاريخية عن أهم الرسالات السماوية، ونعني بها هنا اليهودية والنصرانية في حديث يعطي فكرة عن هاتين الديانتين، بإذن الله ﵎ ثم بعد نظرة إجمالية لبعض الأديان القديمة أو الوضعية.
إذن درسنا هذه المرة حول اليهودية، والحديث عن اليهودية من حيث التسمية والمصادر والنشأة، ثم بعد ذلك بيان أهم المعتقدات اليهودية، والرد على ذلك مع دراسة عن بروتوكولات حكماء صهيون، هذه أهم العناصر التي نريد أن نتناولها، ونبدأ بالكلام عن اليهودية من حيث التسمية والمصادر والنشأة، نعني: الكلام عن اليهودية من حيث التعريف لغةً واصطلاحًا.
لغةً اليهودية مأخوذة من كلمة "هود " والهود في اللغة العربية يعني: التوبة يقال: هاد يهود هودًا وتهوَّد: تاب، ورجع إلى الحق فهو هائد، وفي كتاب الله تعالى ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦) أي: تبنا إليك، وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم.
قال ابن سيده: عدَّاهُ بـ"إلى" يعني: لم يقل هدنا فقط، ويقال: هدنا إليك فهو متعدٍّ، فعداه بـ"إلى"؛ لأن فيه رجعنا، وقيل: معناه تبنا إليك، ورجعنا، وقَرُبْنَا من المغفرة، والتهود: التوبة، والعمل الصالح.
قال ابن الأعرابي: "هاد إذا رجع من خير إلى شر أو من شر إلى خير، وهَادَ إذا عقل، ويهود اسم للقبيلة، وقيل: إنما اسم هذه القبيلة يهوذ؛ فعرِّب بقلب الذال دالًّا.
وقال ابن سيده: وليس هذا بقوي، وقالوا: اليهود فأدخلوا الألف واللام فيها على إرادة النسب يريدون اليهوديين، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا
стр. 87
حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ (الأنعام: ١٤٦) معناه: دخلوا في اليهودية، وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (البقرة: ١١١) قال: يريد يهودًا، فحذفت الياء الزائدة، ورجع إلى الفعل من اليهودية.
وفي قراءة أُبَيٍّ "إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا" قال: قد يجوز أن يجعل هودًا جمعًا.
١ - هائد مثل حائل، وعائط من النُّوق، والجمع حول وعُوط، وجمع اليهودي يهود، كما يقول في المجوسي مجوس، وفي العجمي والعربي: عجم وعرب، وهَوَّد الرجل: حوَّله إلى ملة يهود، والتَهوُّد أن يصير الإنسان يهوديًّا، وهاد وتهود: إذا صار يهوديًّا هكذا باختصار من معاجم اللغة، ومن (لسان العرب) بصفة خاصة.
وأما اليهود اصطلاحًا: فهم قوم موسى ﵇ جاءهم برسالته، ونزلت فيهم التوراة من عند الله تعالى، وذلك قبل ميلاد عيسى ﵇ بثلاثة عشر قرنًا تقريبًا؛ فهذا هو المشهور وأذكر هنا أمرًا لابد منه أن اليهود، وإن كانوا قوم موسى ﵇ لكن اليهودية ليست دين موسى ﵇ فموسى ﵇ ما جاء إلا بالإسلام -كما أسلفنا- من قبل، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ* الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (يونس: ٨٤: ٨٦) واشتد إيذاء فرعون لأتباع موسى ﵇ فقالوا له: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٦).
стр. 88
لكن هؤلاء القوم عرفوا بعد باسم اليهود، قلنا إن نسبة إلى قبيلة يهوذ التي عربت بقلب الذال دالًّا؛ فصارت يهودا أو من قولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦) لكن أن يقال دين نزل من السماء يسمى اليهودية فلا؛ ولذلك فاليهود إنما هو اسم من أسماء هؤلاء القوم، وكذا يسمون بأسماء أخرى، كبني إسرائيل، والعبريين، والعبرانيين، وحديثًا عرفوا باسم الصهاينة، ويمكن أن يقال عنهم: الماسون، ويشار إلى فرق منهم فيقال: الصهاينة أو الأصوليون، وغير ذلك.
فأنتقل بعد تعريفهم لغةً واصطلاحًا إلى تسميتهم، أو أسمائهم:
يذكر العلماء أسماء معدودة لقوم موسى هؤلاء، فهم يعرفون قديمًا بالعبريين، أو العبرانيين نسبة إلى عابر بن سام أكبر أبناء نوح ﵇ أو إلى جنس بشري يسمى عبيرو، ومنه اشتق الاسم أو ربما كان نسبة إلى حادثة العبور من مصر إلى الشام، أو الانتقال من مكان إلى آخر باعتبارهم من الأمم البدوية التي دأبت على الرحلة، وبهذا كانوا يعبرون الأماكن وينتقلون في البوادي، فارتبط بهم الاسم الذي يدل على ذلك.
وعلى الجملة فكل هذه العلل واردة وممكنة، وليس بالمستطاع إلغاء بعضها أو إثباته على وجه القطع، والشيء الذي يمكن القطع به هو أن من الممكن إطلاق اسم العبريين والعبرانيين على اليهود، وأن هذه التسمية من أقدم ما عرفوا بها، ومن أسماء هؤلاء القوم اليهود، وسبب هذه التسمية كما يرى بعض العلماء يرجع إلى نسبة القوم إلى أحد أبناء يعقوب ﵇ وهو يهوذا أكبر أبنائه، وأحبهم إليه، وهو غير مسلَّم به؛ لأنهم من نسل "لاوي" لا من نسل يهوذا؛ فكيف ينسبون إلى غير أبيهم.
стр. 89
وقد ظهرت هذه التسمية بعد موسى ﵇ فكيف نرجعها إلى عصور ما قبل موسى ﵇ ولعل الراجح في هذه التسمية أنها بسبب توبتهم مع موسى ﵇ مأخوذة من قولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦) لأن هذه التسمية عرفت مع أيام موسى ﵇.
ومن الأسماء التي اشتهر بها القوم بنو إسرائيل، وكلمة إسرائيل مركبة من جزأين "إسرا" ومعناها عبد، وإئيل ومعناها الله، فمعنى الكلمة عبد الله، والمراد به يعقوب ﵇ حفيد إبراهيم، وابن إسحاق ﵈ فقد جاء في التوراة: "وظهر الله ليعقوب فباركه، وقال له: اسمك يعقوب لا يكون من بعد اسمك يعقوب، بل إسرائيل يكون اسمًا فسماه إسرائيل، ولا بأس فجل الأنبياء والرسل وصفوا بهذا الوصف عبد الله عباد الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٤١) أو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (ص: ٤٥) كذا ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ (ص: ١٧) ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ (الجن: ١٩) يراد به النبي محمد ﵊، فكذا سمي يعقوب بعبد الله، لكن أن يقال سماه الله كذلك بسبب ما جاء في التلمود: "أنه قام يصارع الرب، وكاد أن يغلب الرب؛ فمنحه الرب هذا النيشان، وذلك الوسام، وقال له: دعني يا يعقوب، وأنت من الآن إسرائيل" فهذا من كفر اليهود، ومن تخريفاتهم التي اشتملت عليها كتبهم المحرفة.
وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن تسمية يعقوب بإسرائيل من قبل الله تعالى، وهي حقيقة مسلمة؛ لأن الإنسان عبد الله منذ خلقه سمي بذلك أم لم يسمَ، فإذا سمي بذلك كان تشريفًا وتعظيمًا، ومن الأٍسماء التي عرف بها القوم حديثًا الصهيونية، وليس لهذه التسمية أصل قديم، وإنما أخذت لتدل على مفهوم معين؛ لأنها تفيد لغويًّا
стр. 90
الصيام، والتحصن، وهذا طبع اليهود قديمًا وحديثًا؛ فإنهم يعيشون وراء حصون حصونًا من أعدائهم، ولقد سمي أحد التلال المحيطة بالقدس القديمة باسم جبل صهيون، رمزًا من اليهود إلى الحصن، ودعوة إلى تحقيق فكرة عودة اليهود إلى فلسطين لإقامة دولة تجمع شملهم، ومن أجل إنجاح هذه الفكرة قامت الحركة الصهيونية، ونشطت في الدعوة لأهدافها؛ ومما يذكر: أن الصهاينة هم غلاة اليهود في العالم كله؛ لذلك فإن اسم الصهيونية من الأسماء الخاصة التي تسمى بها البعض دون البعض الآخر.
وقفة مع هذه المسميات:
اشتهر بنو إسرائيل بالأسماء التي أشرت إليها إلا أن أحبها إليهم بنو إسرائيل؛ لأنه يذكرهم بمنزلتهم التي يتمنونها لأنفسهم عند الله تعالى؛ ولذلك نجدهم يسمون دولتهم الحديثة بهذا الاسم المحبب إليهم والقرآن الكريم حينما يريد مخاطبتهم بالهداية، ودعوتهم إلى الحق يناديهم بهذا الاسم المحبب، وكأنه يريد أن يقول لهم: أنتم أولاد الأنبياء ونسل الرسل، وجدير بكم بمقتضى هذه الصفة أن تستقيموا على الجادة، وأن تتبعوا الطريق المستقيم، ولا تحيدوا عنه، وأن تكونوا أول المؤمنين.
وحين يريد القرآن الكريم الإشارة إلى كفرهم، وجحودهم يذكر اسم اليهود.
ويرتبط اسم الصهيونية بالفكر العنصري المتزمت الذي يدعو إلى الاغتصاب والاستيلاء على حقوق الغير، كما أن اسم العبرانيين يذكرهم بعنصر الضعف والبداوة؛ ولذا كره الإسرائيليون أن يشتهروا بهذين الاسمين.
стр. 91
ومن حيث نشأة اليهود:
إن اليهود أمة منعزلة عن سائر الأمم تكره الاختلاط بغيرها، فهم عاشروا المصريين، ومع ذلك لم يأتلفوا معهم حتى جاءهم موسى ﵇ وأخرجهم من مصر برغم أنهم سادوا أيام يوسف ﵇ وكان يمكنهم أن يمتزجوا مع أبناء الشعب بصورة كاملة، وعلى مر العصور لازمتهم جبلتهم، فلقد عاشوا في بلدان عديدة مددًا طويلة، ومع ذلك خرجوا منها مطرودين، أو محاطين بالكراهية والمكر.
وقد عُرِفَ اليهودي المعاصر بأوصافه الخاصة القائمة على حب الذات والتعصب، ومحاولة فرض السيادة على العالم كله بمنهج مرحلي؛ معتمدًا في مسلكه على تعاليم اليهود الأوائل الذين تركوا له كتبًا تحدد له المنهج الواجب الاتباع، فاليهود بقايا متحجرة أي: أنها مجتمعات استثنائية منعزلة قد بقيت من عصر سابق، كما أن المتحجرات سجل باقٍ لأشكال الحياة التي وجدت في الأعصر الخالية.
يقول الأستاذ عباس العقاد: "إن إصبعًا من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية، وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإنساني في جميع الأزمان؛ فاليهودي "كارل ماركس" وراء الشيوعية التي تهدم الأخلاق والأديان؛ واليهودي "دور كايم" وراء علم الاجتماع الذي يحلق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة، ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب، واليهودي "جان بول سارتر" وراء الوجودية التي نشأت معززة لكرامة الفرد مجنحًا بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة، ومن الخير أن ندرس المذاهب الفكرية، كلما شاع منها مذهب جديد،
стр. 92
ولكن من الشر أن تدرس بعناوينها وظواهرها دونما، وراءها من عوامل المصادفة العارضة، والتدبير المقصود".
المصدر الثاني من مصادر اليهودية: التوراة
تلك إشارة حول اليهودية من حيث التسمية والنشأة، فماذا عن المصادر مما شاع عند الناس، أو ما هو معروف أن التوراة هي كتاب اليهود، أو المصدر الأساسي لهذه الديانة؟
ينبغي أن نعلم جيدًا أن التوراة، أو العهد القديم كما يسمونها ليست وحدها هي المصدر المقدس عند اليهود، بل هناك مصادر أخرى لا تقل قداسة عن التوراة، بل تزيد عنها كثيرا، وخاصة في العصر الحديث، وهذه المصادر هي:
أولًا: العهد القديم أو التوراة، ثانيًا: التلمود، ثالثًا: بروتوكولات حكماء صهيون، وهي من حيث القداسة أهمها، وأقدسها عند اليهود المعاصرين بروتوكولات حكماء صهيون. وثانيًا: التلمود، وأخيرًا: العهد القديم.
وقد ساد الظن أمدًا طويلًا في أن الأسفار التي دونت قبل ميلاد المسيح هي وحدها الكتب، أو كتب اليهود المقدسة؛ لأنها الكتب المعروفة والمدونة، وهي التي ورد ذكرها على ألسنة المسلمين والمسيحيين إلا أن الظن لم يدُم طويلًا بعدما ظهرت كتب أخرى من أهمها التلمود والبروتوكولات مع عدد من الشروح المتعلقة بهما.
وقد عرف بعدُ أن اليهود قصدوا إخفاء هذه الكتب عن العالم؛ لما فيها من تعاليم تسيء إلى غير اليهود بل ليست مجرد إساءة فقط، ولكنها كيفية التخلص من هذا
стр. 93
العالم؛ ليبقى اليهود وحدهم، وإن كان لابد من بقاء العالم، فليكن خدمًا وحميرًا لشعب الله المختار.
نتعرف على هذه المصادر واحدًا تلو الآخر، أولًا: العهد القديم:
يذكر العهد، ويراد به الميثاق العهد هو الميثاق الذي أخذه الله على عباده؛ ليلتزموا بما عاهدهم عليه. وينقسم العهد في الاصطلاح الديني إلى قديم وحديث؛ باعتبار بعثة المسيح ﵇ فما كان قبله يعرف بالعهد القديم، ويسمى التوراة، وما كان بعده يعرف بالعهد الجديد، ويسمى الإنجيل، وأول من أطلق اسم العهد القديم بولس الرسول كما يزعم النصارى في رسالته الثانية إلى أهل "كورنثوس" إذ قال: "بل أغلظت أذهانهم؛ لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه، عند قراءة العهد العتيق باقٍ غير منكشف" الرسالة الثانية إصحاح ٣ فقرة ١٤.
وتشير الفقرة إلى عادة يهودية، وهي وضع برقع على الوجه عند قراءة شيء من العهد القديم لغلظةِ قلوبهم. هذا من حيث معنى العهد.
أما العهد اصطلاحًا: فالعهد القديم كتاب اليهودية الرئيسي حيث يحتوي على الشريعة والتعاليم الإلهية، كما يتضمن تفصيلات التاريخ اليهودي، ويحتوي كذلك على ألوان من الآداب، والأشعار الإرشادية، وأيضًا ففيه تصوير للعقيدة، وسير لأنبياء بني إسرائيل، هذا ويزعم اليهود أنهم يعتمدون في عبادتهم وتشريعاتهم، وآرائهم، ومعاملاتهم على ما جاء في التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ﵇ والتوراة كلمة عبرية معناها الشريعة، أو التعاليم الدينية.
стр. 94
فقد اعتمد اليهود تسعة وثلاثين سفرًا أطلق عليها اسم العهد القديم، ويعتبرونها أسفارًا مقدسة أي: موصى بها، ويطلقون على خمسة منها إطلاقًا حقيقيًا اسم التوراة، أو كتب موسى؛ لأنها في زعمهم أنزل الله على موسى ﵇ وكتبها موسى بنفسه، وهذه الأسفار الخمسة هي سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر التثنية، وسفر اللاويين، وسفر العدد.
أما الأربعة والثلاثون سفرا الباقية؛ فمنسوبة إلى أشخاص كتبوها بعد موسى ﵇ بأزمانٍ متفاوتة في الطول والقصر، وهي: يشوع، والقضاة، وراعون، وصموئيل الأول، وصموئيل الثاني، والملوك الأول، والملوك الثاني، وأخبار الأيام الأول، وأخبار الأيام الثاني، و"عزرا" و"نحميا" و"إستير" و"أيوب" و"المزامير والأمثال والجامعة ونشيد الإنشاد و"إشعياء" و"إرمياء" و"مراثي" "إرمياء" و"حزقيال" و"دانيال" و"هوشع" و"يوئيل" و"عاموس" و"عويديا" و"يونان" و"ميخا" و"ناحوم" و"حبقوق" و"صفنيا" و"حجا" وزكريا وملاخ.
وهذه الأسفار الأربعة والثلاثون مقدسة أيضًا عند اليهود، ويطلق عليها تجوزًا مع الأسفار الخمسة السابقة اسم التوراة من باب إطلاق الجزء على الكل.
والأسفار في جملتها صبغتها دينية إلا أن منها ما يغلب عليه الطابع التاريخي كأسفار التكوين والخروج، ويشوع، والقضاة، وأخبار الأيام و"عزرا" و"نحميا" ومنها ما يغلب عليه الطابع التشريعي، والأخلاقي، والتوجيهي كأسفار اللاويين، والمزامير، والجامعة، و"إشعياء" و"مراثي إرمياء" كذلك منها ما هو طويل كسفر التكوين، والمزامير، و"إشعياء" و"إرمياء" ومنها ما هو قصير كسفر "عويديا" و"حجى" و"حبقوق".
بعد هذا التعريف الموجز للأسفار المقدسة عند اليهود، والتي يطلقون عليها اسم التوراة نسأل هل هذه الأسفار المقدسة عندهم هي التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇؟
стр. 95
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن الذي ينظر في هذه الأسفار يجد فيها من التناقض والافتراء والانحراف عن الحق، وسوء التعبير ما يجعله يحكم عليها بأنها في مجموعها ليست هي التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ﵇ وهذه بعض الأدلة على ذلك.
أولًا: اعترف القرآن الكريم بالتوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ﵇ ومدحها في آيات كثيرة من ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: ٢ - ٤) وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (المائدة: ٤٤).
وقد أخبرنا القرآن الكريم بأن اليهود قد امتدت أيديهم إلى التوراة فحرفوها، وبدلوها وأخفوا منها ما لا يتفق مع أهوائهم وشهواتهم كما قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٥ - ٧٩).
كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائدة: ١٥) كما قال تعالى أيضًا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا
стр. 96
قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة: ١٣).
بل إن التوراة ذاتها قد ذكرت هذا التحريف بصريح العبارة في كثير من نصوصها ومنه: "ماذا يصنع بي البشر اليوم كله يحرفون كلامي" سفر المزامير إصحاح ٥٦ الفقرة ٤، ٥، وفيها أيضًا كيف تقولون: نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب" سفر إرميا إصحاح ٨ فقرة ٨، وفيها: "أما وحي الرب فلا تذكروه؛ لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه؛ إذ قد حرفتم كلام الإله الحي" سفر إرميا إصحاح ٢٣ فقرة ٣٦.
وفيها أيضًا: "اجمعوا إلي كل شيوخ أسباطكم، وعرفائكم لأنطق في مسامعهم بهذه الكلمات، وأشهد عليهم السماء والأرض؛ لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون، وتزيغون عن الطريق الذي أوصيتكم به، ويصيبكم الشر في آخر الأيام؛ لأنكم تعملون الشر أمام الرب حتى تغيظوه بأعمال أيديكم" سفر التثنية إصحاح ٣١ فقرة ٢٨ و٢٩.
وفيها كذلك: "ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب، فتصير أعمالهم في الظلمة، ويقولون: من يبصرنا، ومن يعرفنا يا لتحريفكم" سفر إشعياء إصحاح ٢٩ الفقرة ١٥، ١٦.
وفيها أيضًا: "حتى من يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب بل هم أنبياء خداع قلبهم أي: طبيعته معوجة ملآنة من الشر والحماقة كما هو في قاموس الكتاب المقدس، بل هم أنبياء خداع قلبهم الذين يفكرون أن ينسوا شعبي اسمي بأحلامهم التي يقصونها الرجل على صاحبه كما نسي آباؤهم اسمي لأجل البعث النبي الذي معه حلم فليقص حلمًا، والذي معه كلمتي فليتكلم بكلمة الحق، ما للتين مع الحنطة".
стр. 97
يقول الرب: سفر إرميا إصحاح ٢٣ الفقرة ٢٦ إلى ٢٨ وفيها أيضًا: "فلا تسمعوا لكلام الأنبياء، والذين يكلمونكم قائلين: لا تخدموا ملك بابل؛ لأنهم إنما يتنبئون لكم بالكذب؛ لأني لم أرسلهم يقول الرب بل هم يتنبئون باسمي بالكذب؛ لكي أطردكم فتهلكوا أنتم والأنبياء الذين يتنبئون لكم" سفر إرمياء إصحاح ٢٧ فقرة ١٤، و١٥. فتلك شهادة التوراة على نفسها نستأنس بها مع ما جاء في القرآن الكريم، ومع ما سنفصل القول فيه -إن شاء الله.
ثانيًا: نثبت انقطاع سند التوراة؛ فإن التوراة الموجودة حاليًا ليس لها سند متصل إلى موسى ﵇ بل هي على النقيض من ذلك؛ إذ يوجد فيها ما يدل دلالة قاطعة على أنها كتبت بعده بزمن طويل؛ فمثلًا جاء في سفر التثنية بخصوص وفاة موسى ﵇ نص يقول: "فمات موسى عبد الرب في أرض "موآب"، ولا يعرف شخص قبره حتى يومنا هذا" سفر التثنية إصحاح ٣٤ الفقرة ٥ و٦ بتصرف، فهذا النص هل يحتمل أن يكون كتبه موسى ﵇ وأنه من التوراة التي نزلت عليه، كما جاء فيها أيضًا: "ولم يكن بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى" سفر التثنية إصحاح ٣٤ الفقرة ١٠.
فهل هذا مما أملاه الله لموسى أيضًا، لقد قرأتُ التوراة وتصفحتُهَا، وأمعنت النظر فيها، فوجدتها لا تزيد عن كتاب سيرة يحكي حال موسى ﵇ مع أتباعه، وحال بني إسرائيل من قبل ذلك ومن بعده، بل يحمل في طياته من التناقضات والمخالفات، والاتهامات الشيء الكثير، كما يمكن أن نذكر طرفًا من ذلك بعد إن شاء الله.
ومن الواضح: أن مثل هذا الكلام مكتوب بعد وفاة موسى ﵇ هذا وقد أقام الشيخ رحمة الله الهندي أدلة متعددة على انقطاع سند التوراة، فقال ما ملخصه: "اعلم -أرشدك الله تعالى- أنه لابد لكون الكتاب، أو السفر سماويًّا واجب
стр. 98
التسليم أن يثبت أولًا بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بواسطة النبي الفلاني، ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل بلا تغيير، ولا تبديل والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن، والوهم لا يكفي في إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص، وكذلك مجرد ادعاء فرقة أو فرق لا يكفي، ثم برهن على ذلك بالأسفار، وأنه لا سند لكون هذه التوراة المنسوبة إلى موسى ﵇ من تصنيفاته، ويدل عليها أمور منها أن تواتر هذه التوراة منقطع قبل زمان يوشيا بن آمون.
والنسخة التي وُجِدَت بعد ثماني عشرة سنة من جلوسه على سرير السلطة لا اعتماد عليها يقينًا، ومع كونها غير معتمدة ضاعت هذه النسخة أيضًا غالبًا قبل حادثة بنوخذ ناصر، أو المعروف باسم بختنصر.
وفي حادثته انعدمت التوراة، وسائر كتب العهد القديم عن صفحة العالم رأسًا، ولما كتب عزرا هذه الكتب -على زعمهم- ضاعت نسخها، وأكثر نقولها في حادثة "أنتيوكس".
جمهور أهل الكتاب يقولون: إن السفر الأول والثاني من أخبار الأيام صنفهما عزرا ﵇ بإعانة حجي، وزكريا الرسولين ﵉ وهذان السفران في الحقيقة من تصنيف هؤلاء الأنبياء الثلاثة، وتناقض كلامهم في الإصحاح السابع والثامن من السفر الأول في بيان أولاد بنيامين، وهكذا خالفوا في هذا البيان هذه التوراة المشهورة من وجهين: الأول: في الأسماء والثاني: في العدد حيث يفهم من الإصحاح السابع أن أبناء بنيامين ثلاثة.
ومن الإصحاح الخامس: أنهم خمسة، ومن التوراة أنهم عشرة،
стр. 99
واتفق علماء أهل الكتاب: أن ما وقع في السفر الأول غلط، وبينوا سبب وقوع الغلط، ومن قابل الإصحاح الخامس والأربعين والسادس والأربعين من سفر حزقيال بالإصحاح الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر العدد وجد مخالفات صريحة في الأحكام.
ومعروف أن حزقيال ﵇ كان منبع التوراة، فلو كانت التوراة في زمانه مثل التوراة المشهورة لما خالفها في الأحكام، وكذلك وقع في التوراة في مواضع عديدة أن الأبناء يؤخذون بذنوب الآباء إلى ثلاثة أجيال، ووقع في الآية العشرين من الإصحاح الثامن عشر من سفر حزقيل "النفس التي تخطئ هي تموت الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن".
وَمَن طَالَعَ الزبور، وسفر نحميا، وسفر أرميا، وسفر حزقيال؛ جزم يقينًا أن طريق التصنيف في سالف الزمان كان مثل الطريق المروج الآن في أهل الإسلام إذ من المعروف أن المصنف لو كان يكتب حالات نفسه والمعاملات التي رآها بعينيه يعبر عن نفسه، وهذا الأمر لا يظهر في موضوع من مواضيع التوراة، بل تشهد عباراته أن كاتبه غير موسى ﵇ وهذا الذي هو غير موسى جمع هذا الكتاب من الروايات، والقصص المشتهرة بين اليهود، ثم نسبها إلى الله مرة، وإلى موسى أخرى، وعبر عنه بضمير الغائب لا يقدر أحد أن يدعي بالنسبة إلى بعض الآيات، وبعض الإصحاحات أنها من كلام موسى، بل بعض الآيات تدل دلالة بينة على أن مؤلف هذا الكتاب لا يمكن أن يكون قبل داود ﵇ بل يكون إما معاصرًا له، أو بعده.
وعلماء المسيحية يقولون ظنًّا ورجمًا بالغيب: إنها من ملحقات نبي من الأنبياء، وهذا القول مردود؛ لأنه مجردُ ادعاء منهم بلا برهان. ويقول الدكتور/ سكندر
стр. 100
كدس من فضلاء المسيحية المعتمدين في ديباجة الإنجيل الجديد: ثبت لي بظهور الأدلة الخفية ثلاثة أمور جزمًا؛ الأول: أن التوراة الموجودة ليست من تصنيف موسى، والثاني: أنها كتبت في كنعان، وأورشليم، يعني: ما كتبت في عهد موسى الذي كان بنو إسرائيل فيه في الصحارى، والثالث: لا يثبت تأليفها قبل سلطنة داود، ولا بعد زمان حزقيال، بل أنسب تأليفها إلى زمان سليمان ﵇ بمعنى قبل ألف سنة من ميلاد المسيح، أو إلى زمان قريب منه، وليس قبل خمسمائة سنة من وفاة موسى ﵇.
وقال غيرهم من علماء المسيحية ومنهم "نورتن": "إنه لا يوجد فرق معتد به في محاورة التوراة، ومحاورات سائر الكتب من العهد العتيق الذي كتب في زمان أطلق فيه بنو إسرائيل من أسر بابل مع أن بين هذين الزمانين تسعمائة عام".
ويتحدث الدكتور علي عبد الواحد وافي عن الأزمنة التي كتبت فيها الأسفار المنسوبة إلى موسى ﵇ فيقول: "هذا وأهم أسفار العهد القديم هي أسفار التكوين والخروج والتثنية واللاويين، والعدد التي ينسبها اليهود إلى موسى ﵇ ويعتقدون أنها بوحي من الله، وأنها تتضمن التوراة، ولكن ظهر للمحدثين من الباحثين من ملاحظة اللغات، والأساليب التي كتبت بها هذه الأسفار، وما يشتمل عليه من موضوعات، وأحكام، وتشاريع، والبيئات الاجتماعية، والسياسية التي تنعكس فيها؛ ظهر لهم من ملاحظة هذا كله أنها قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى بأمدٍ غير قصير، وعصر موسى يقع على الأرجح حوالي القرن الرابع عشر، أو الثالث عشر قبل الميلاد.
стр. 101
وأن معظم سفري التكوين والخروج قد أُلِّفَ حوالي القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وأن سفر التثنية قد ألف في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، وأن سفري العدد واللاويين قد أُلِّفَا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وأنها جميعًا مكتوبة بأقلام اليهود، وتتمثل في هذه الأسفار عقائد وشرائع مختلفة تعكس الأفكار والنظم المتعددة التي كانت سائدة لديهم في مختلف أدوار تاريخهم الطويل، فهي إذن تختلف كل الاختلاف عن التوراة التي يذكر القرآن أنها كتاب سماوي مقدس أنزله الله تعالى على موسى ﵇.
وبهذا نرى أن سند التوراة الحالية منقطع، وأنها كتبت بعد موسى ﵇ بأزمنة مختلفة وبأياد متعددة، ورحم الله الشيخ رحمة الله الهندي فقد تناول في الكلام على أسفار العهدين العتيق والجديد، أي: التوراة والإنجيل كل باب من أبوابها، واستشهد من كلام مؤرخيهم وعلمائهم على تبيان المطعون فيه من الأبواب والآيات، وبين بالحجج الدامغة: أنه لا يوجد لدى علمائهم سند متصل لأيِّ كتابٍ من كتب العهدين ثم تناول بعد ذلك ما في الكتابين من الاختلاف والأغلاط، ثم عقد بابًا خاصًّا؛ لإثبات التحريف في كتب العهدين القديم والجديد مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (النساء: ٤٦).
وأثبت أن بعض هذا التحريف كان عن عمد، وكان يأتي التحريف أحيانًا بالزيادة وأحيانًا بالنقصان وأحيانًا بالتبديل اللفظي، وساق على التحريف بالزيادة خمسة وأربعين شاهدًا، كما ساق على التبديل اللفظي خمسة وثلاثين شاهدًا.
أما التحريف: بالنقصان فقد ساق عليه عشرين شاهدًا مما يدل على سعة اطلاع، وتتبع حريص لإقامة الحجة عليهم من كتبهم، فمن أراد معرفة المزيد من تناقض التوراة التي بأيدي اليهود الآن وتحريفها، فليرجع إلى كتاب (إظهار الحق) للشيخ
стр. 102
رحمة الله الهندي يجد فيه ما يشفي الغليل، ويداوي العليل، فليس المقام مقام توسع في نقد التوراة وإظهار تحريفها، ولكنه جاء عرضًا في الموضوع حيث نتحدث عن مصادر اليهود، والتي أولها التوراة.
وأذكر ثالثًا: أننا إذا نظرنا إلى التوراة الحالية من حيث المتن نجدها محشوة بالقصص والعبارات المتناقضة التي تتنزل الكتب السماوية الصحيحة عن ذكرها، فإذا تحدثت التوراة عن الله فكأنهم يتحدثون عن إنسان أو يبدو فيها الإله أشبه بالإنسان في أحوال ضعفه وقوته، وفي ضلاله ورشده، وفي حلمه وجهله حتى لكأن الإله قد اتخذ له خيمة مع اليهود وعاش بينهم؛ ولهذا أمثلة كثيرة قَلَّ أن تخلو منها صفحة من صفحات العهد القديم، وإذا تحدثت عن نبي من الأنبياء، فكأنها تتحدث عن رعاع الناس وسفهاء الخلق، وعن أعتى الناس إجرامًا، وأحط البشرية في ارتكاب الجرائم وانتهاك الحرمات؛ لاسيما الزنا والقتل، والمكر والخداع إلى آخر تلك الصفات والموبقات.
وتتحدث في كثير من مواضعها عن الغزل والحب، وتفصيل القول في الجنس والمفاتن مما يعف اللسان عن ذكره، ويتنزه بعض الفساق أحيانًا عن قوله فضلًا عن فعله؛ فإذا وقفت على هذا، فكأنك أمام كتاب جنسٍ فاضحٍ لو لم يكن توراة مقدسة عند اليهود؛ لكان محظورًا دوليًّا ومحرمًا قانونيًّا، هذا وناهيك عن الأغلاط، والتحريفات والمتناقضات، والركاكة وسوء التعبير والتكرار من غير فائدة ولا حكمة.
فالتوراة مليئة بهذا التحريف، وهي تحدثنا عن الله تنسب إليه الجهل، والتعب، والخوف والطيش، وما إلى ذلك، وتنسب إلى نوح ﵇ أنه سكر
стр. 103
وتعرى، وإلى لوط أنه زنى بابنتيه وأنجب منهما "موآب" و"عامون"، وأن إبراهيم سجد للناس، وأنه ضحى بسارة، وتنسب إلى يعقوب أنه كذب على أبيه، وعيسو احتال عليه، وتنسب إلى هارون أنه صنع العجل لبني إسرائيل، وتنسب إلى داود أنه زنا، وقتل بطريقة ماكرة خبيثة لا تصدر إلا من أفسق الفاسقين في الأرض، ولم يتورع كتبتها عن ذكرها في كتاب ينسبونه زورًا وبهتانًا إلى الله تعالى الذي يختار رسله من صفوة خلقه.
وأما عن النبي محمد ﵊: فقد ذكر في التوراة، ومع ذلك أنكروا نبوته وحذفوا الكثير من البشارات بالنبي ﷺ جيلًا من بعد جيل، وقبيلًا من بعد قبيل، أفلا يدل كل ذلك على تحريف التوراة؟ بلى فنحن أمام أقدم المصادر ألا وهو التوراة، أو المسمى بالعهد القديم، وهذا حاله من حيث تحريفه، وبيان أنه ليس كتابًا من عند الله ﵎ على ما هو عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 104
الدرس: ٦ المصدر الثاني لليهودية: التلمود .
стр. 105
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(المصدر الثاني لليهودية: التلمود)
تعريف التلمود، ونشأته، ولغته، ومحتواه، ومنزلته عند اليهود
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أما بعد:
وقفتنا هذه حول المصدر الثاني من مصادر اليهودية ألا وهو التلمود:
فما هو التلمود؟ وما اشتمل عليه، وهل هو تلمود واحد أم أكثر؟ نشير إلى بعض الحقائق حول هذا التلمود الذي كان مخفيًّا حينًا من الزمان، والذي لا يعرفه كثير من الناس.
فأقول بادئ ذي بدء: قد علمت أن الأسفار المقدسة عند اليهود ليست هي التوراة وحدها، بل هذا التلمود كتاب مقدس آخر يعتبرونه في منزلة لا تقل عن منزلة التوراة، بل على العكس من ذلك هو أرقى، وأقدس في نظر اليهود من التوراة.
هذا الكتاب هو التلمود، والتلمود اسم مأخوذ من كلمة لامود العبرية، ومعناها تعاليم، وبهذا كان التلمود هو الكتاب الذي يحتوي على التعاليم اليهودية، وهو الذي يفسرها ويبسطها، التلمود لغة؟ كلمة عبرية مأخوذة من كلمة لامود، والتي تعني في العربية تعاليم، واصطلاحًا هو الكتاب الذي يحتوي على التعاليم اليهودية، وهو الذي يفسرها ويبَسَّطُهَا.
стр. 106
ويرى اليهود: أن نص التلمود مقدس، وموحى به من عند الله تعالى، ويذكرون أن الله تعالى قد خاطب به موسى ﵇ ويستدلون على هذا بما جاء في سفر الخروج حيث جاء: "وقال الرب لموسى: "اصعد به إلى الجبل وكن هناك، فأعطيك لوحي الحجارة، والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم" سفر الخروج الإصحاح الرابع والعشرون الفقرة ١٢.
يقول "سيمون بن لاكيس": هو حاخام يهودي وضع تفسيرًا للتوراة في تفسير هذا النص: إن المراد من الألواح الوصايا العشر، والشريعة هي القانون المكتوب المنسوب إلى الأنبياء والوصايا هي التلمود، أو المشناة أي: أصل التلمود قبل شرحه، ويتشهد بلفظة كتبتها على قداسة نص التلمود، وأنه من كتابات موسى المقدسة، وأما لفظة لتعليمهم، فتفيد قداسة شروح التلمود المسماة بالجمارة؛ لأن الشروح تأتي أثناء التعليم، وسواء صح هذا التفسير أم لم يصح؛ فإنه يدل على إيمان اليهود بقداسة التلمود".
وهم يرون: أنه ظل يتنقل شفاهةً منذ عهد موسى ﵇ جيلًا بعد جيل حتى عرف بالقانون الشخصي المتداول مع العهد القديم القانون المكتوبـ، ويدعي اليهود أن التعاليم الشفوية انتقلت من موسى ﵇ إلى "جوشو وهذا نقله إلى الشيوخ السبعين، وهم نقلوه بدورهم إلى الرسل الذين نقلوه إلى كبير اليهود، وأخذ يتنقل بين عدد من الرابيين مشافهة حتى تمت كتابتها.
وفي خلال القرن الثاني الميلادي لوحظ أن معرفة اليهود بدأت تتناقص كما أن التلمود القانون الشفهي أخذ يندثر، ويدخل في عالم النسيان، وأيضًا فإن الشعب اليهودي نفسه أخذ يتشتت في الأرض في هذا القرن ظهر الرابي "جيهوزا" الملقب بالقديس والأمير، ولاحظ هذا الوضع فسعى إلى معالجتها للحفاظ على
стр. 107
القانون الشفهي بمبادرته إلى جميع اللوائح المشار إليها في كتاب سماه (مشناة) أي: القانون الثاني، أو القانون المساعد.
وقد احتوى هذا الكتاب على ستة أجزاء رئيسة، وعلى هذا يكون التلمود هو القانون الشفهي، و (المشناة) هي الكتاب التلمودي المدون، وقد اعتمد اليهود المشناة على أساس أنه المرجع الرسمي الموثوق به، والتعبير الصادق عن قانونهم؛ ولذلك تم توزيعه مكتوبًا على الأكاديميات اليهودية في كل مكان فيه أقليات يهودية، واهتمامًا بكتاب المشناة أخذ رجال القانون اليهودي في شرحه، وإقامة المناظرات حوله، والاجتهاد في استخراج أحكام جديدة منه، وحتى لا يضيع هذا الجهد كان يكتب، ويدون مع المشناة، وسمي المكتوب بالجمارة.
وعلى هذا فقد كونت المشناة، والجمارة كتابًا واحدًا هو التلمود على اعتبار أن المشناة هي القانون الثاني المكتوب والجمارة هي تحرير لآراء اليهود وشروحهم المتصلة بالمشناة، وإن لم تتناول كل المشناة لكنها اعتبرت جزءًا من التلمود؛ لأنها صدرت من مدارس يهودية لا من فرد واحد، وقد اشتهرت مدرستا بابل والقدس مع الجمارة حتى ظهر التلمود بنسختين، هما: تلمود بابل، وتلمود القدس أورشليم، كما ضم شروحًا أخرى، وتعليقات كذلك للرابي "أشعيا" و"أشير" و"البيسك توسيفوث".
ماذا عن تلمود القدس وتلمود بابل؟
أدى اهتمام مدرسة القدس، ومدرسة بابل بالمشناة إلى وضع شرحين لها؛ وبالتالي ظهر تلمود القدس، وتلمود بابل،
стр. 108
ويعرف تلمود القدس بتلمود فلسطين أو أورشليم، وقد تم جمعه سنة أربعمائة ميلادية بعد تعرض اليهود للاضطهاد والتشريد، ولا تعني تسمية التلمود أنه من وضع علماء القدس.
بل إن الواقع يؤكد أن علماء قيسارية هم الذين قاموا بتدوينه بشكل رئيسي، وكان الحاخام "يوحنان" على رأس القائمين بأمر تدوين هذا التلمود، وقد أسهم عدد قليل من علماء القدس مع علماء قيسارية؛ لذلك كانت نسبة التلمود إلى القدس نسبة مجازية، وقد طبع تلمود القدس لأول مرة في البندقية سنة ألف وخمسمائة وثلاثة وعشرين من الميلاد، وتوالت بعد ذلك الطبعات المتعددة بلغات كثيرة، ولغة التلمود هي العبرية، وتشغل القصص والحكايات الخرافية ما يقرب من ربع التلمود.
أما تلمود بابل: فقد تم تدوينه خلال مدة طويلة بدأت سنة أربعمائة من الميلاد حيث قام الرابي "آشي" بتدوين تلمود بابل، واستمر التدوين إلى القرن الثامن الميلادي حيث أتم الأحبار هذا التلمود، ووضعوا له الصورة النهائية، وقد تعرض تلمود بابل للحرق والتحريف من أعداء اليهود، وبخاصة في العصور الوسطى يوم أن كان المسيحيون يشعلون النيران أحيانًا في العربات المحملة بالتلمود المطبوع والمخطوط.
وقد طبع تلمود بابل عدة مرات، وترجم إلى اللغات العالمية الرئيسية، وفي هذا التلمود من القصص والحكايات ما يشغل ثلثه هذا، ويفترق تلمود بابل عن
стр. 109
تلمود القدس في الكم والكيف، فتلمود القدس يبلغ ثلث تلمود بابل، وينقصه العمق المنطقي، والشمول الجامع اللذين يمتاز بهما تلمود بابل، وتلمود القدس دون بالعبرية، وتلمود بابل لغته آرامية شرقية.
كان هذا تعريفًا عن التلمود لغة واصطلاحًا، ومن حيث نشأته ولغته، ونوعيه تلمود القدس وتلمود بابل، ما هو محتوى التلمود؟ وما هي منزلته عند اليهود؟
أشير إلى منزلة التلمود في نظر اليهود قبل الكلام عن محتواه؛ فأقول: تزعم اليهود أن التلمود كتاب منزل من عند الله مثل التوراة، ومنهم من يفضله عليها، وقد ورد في صحيفةٍ من التلمود أن من درس التوراة فعل فضيلة لا يستحق عليها مكافأة.
ومن درس التلمود: استحق أحسن الجزاء، ومن احتقر أقوال التوراة؛ فلا جناح عليه، ومن احتقر التلمود استحق الموت، وجاء في التلمود: أن الله قد أعطى الشريعة، وهي التوراة على طور سيناء، وأعطى على يد موسى الكليم التلمود شفهيًّا حتى إذا حصل فيما بعد تسلط أمة أخرى على اليهود يوجد بينهم وبين الوثنيين.
وقال أحد الحاخامات: "التفت يا بني إلى أقوال الحاخامات أكثر من التفاتك إلى شريعة موسى". وقال الرابي مناحم: "إن الله يستشير الحاخامات على الأرض عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها في السماء".
وفي كتاب اليهودي "كرافت" المطبوع سنة ألف وخمسمائة وتسعين من الميلاد ما يأتي: "اعلم أن أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء فهي كالشريعة، وهي مثل قول الله الحي، فمن يجادل حاخامه؛ فكأنه يجادل العزة الإلهية" وقد أمر مؤلفو التلمود بما يأتي.
стр. 110
إن الحاخامات الذين ألفوا التلمود يأمرون بالطاعة العمياء لهم، فيخطئ من يجادلهم وهم لا يخطئون أبدًا وإن تناقضت أقوالهم، وقد قيل: إن حمار الحاخام لا يأكل شيئًا محرمًا، والحاخام معصوم من كل خطأ؛ فيجب على اليهود تصديقه، والعمل بأوامره مهما كانت.
اليهود يصفون التلمود أنه فوق التوراة، والحاخام فوق الله، والله يقرأ وهو واقف على قدميه، وما يقوله الحاخام يفعله الله، إن تعاليم اللاهوتيين في التلمود لهي أطيب من كلام الله أي: الشريعة والخطايا المقترفة ضد التلمود لهي أعظم من المقترفة ضد التوراة، ويقولون أيضًا نعترف جهارًا بسمو التلمود أكثر من كتاب الشريعة الموسوية يعني: التوراة. راجع في هذا (بروتوكولات حكماء صهيون) لعجاج نويهض و (همجية التعاليم الصهيونية) لبولس حنا سعد و (اليهود بين القرآن والتلمود) أستاذ عادل هاشم مرسي.
نماذج مما اشتمل عليه التلمود
وبعد هذه النظرة حول أهمية التلمود عند اليهود نأتي إلى نماذج مما اشتمل عليه التلمود فنقول وبالله التوفيق: ماذا يقول التلمود عن الله وعقيدة اليهود في الله حسبما جاءت في التلمود.
جاء في التلمود: أن النهار اثنتا عشرة ساعة في الثلاث الأولى يجلس الله ويطالع الشريعة، وفي الثلاث الثانية يحكم، وفي الثلاث الثالثة يطعم العالم، وفي الثلاث الأخيرة يجلس، ويلعب مع الحوت ملك الأسماك، هذا هو رأي التلمود.
وعقيدة اليهود في الله خالق الوجود، ثم انظروا إلى عقلية اليهود أو خبثهم ومكرهم يقولون: الله أخطأ -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا في رأي التلمود، وخطيئة الله هي تركه
следующие страницы →