Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
أحمد بن أبي خالد يزيد
ابن عبد الرحمن الكاتب أبو العباس الأحول، مولى عاصم بن الوليد بن عتبة بن ربيعة أصله من الأردن.
وترقت به الحال إلى أن استوزره المأمون بعد الفضل بن سهل، وكان أبو خالد كاتباً لأبي عبيد الله وزير المهدي.
حدث أسد بن سالم صاحب ديوان السواد أن أحمد بن أبي خالد قال لثمامة بن أشرس: كل أحد في الدار له مغنى غيرك فإنه لا مغنى لك في دار أمير المؤمنين فقال له ثمامة: إن مغناي في الدار والحاجة إليه بينة. قال: وما الذي تصلح له؟ قال: أشاور في مثلك. هل تصلح لمن معك أو لا تصلح؟ قال: فأفحم فما رد عليه جواباً.
قال الصولي: وكان ثمامة لما قتل الفضل بن سهل قد بعث إليه المأمون في الليل فعرض عليه الوزارة وألح عليه فيها، وقال له المأمون: أريدك لكذا وكذا، فقال: إني لا أقوم بذلك يا أمير المؤمنين، وإني لأضن بموضعي وحالي أن تزول، ولم أر أحداً يعرض للخدمة والوزارة إلا لم يكد تسلم حاله، ولا تدوم منزلته، فأعفاه منها، وقال له: فأشر علي برجل يصلح لما عرفتك، فقال: أحمد بن أبي خالد الأحول يقوم بالخدمة، إلى أن ينظر أمير المؤمنين من يصلح، فدعاه المأمون، وأمره بلزوم الخدمة. فلما تمكن له الأمر واستوثقت له الحال تذمم المأمون من تنحيته عن الأمر.
قال أبو العباس أحمد بن أبي خالد: كنت يوماً عند المأمون أكلمه في بعض الأمر فحضرتني عطسة فرددتها، وفهم المأمون ذلك، وقال: يا أحمد، لم فعلت هذا؟ أما علمت أنه ربما قتل ولسنا نحمل أحداً على هذه الخطيئة، فدعوت له وقلت: يا أمير المؤمنين ما سمعت كلمةٌ لملك أشرف من هذه. قال: بلى، كلمة هشام حين أراد الأبرش الكلبي أن يسوي عليه ثوبه فقال له هشام: إنا لا نتخذ الإخوان خولاً.
стр. 1017
ومن كلام أحمد بن أبي خالد: لا يعدن شجاعاً من لم يكن جواداًن فإن من لم يقدر على نفسه بالبذل لم يقدم على عدوه بالقتل.
وذكر عن بعض أهل العلم أنه قال: كان الناس يقولون: إن الشجاع لا يكون بخيلاً، وإن الشجاعة والبخل لا يجتمعان. وذلك أن من جاد بنفسه كان بماله أجود، حتى نشأ عبد الله بن الزبير فكان من الشجاعة بحيث لا يدانيه كبير أحد وكان من البخل على مثل هذا الحد، وعلى قول من أنكر اجتماع الشجاعة والبخل قوله من البسيط
يجود بالنفس إن ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
قال أحمد بن أبي داود: لما مات أحمد بن أبي خالد وزير المأمون في آخر سنة اثنتي عشرة ومئتين صلى عليه المأمون، ووقف على قبره، فلما دلي في قبره قال: رحمك الله، أنت والله كما قال الشاعر: من الطويل
أخو الجد إن جد الرجال وشمروا ... وذو باطلٍ إن كان في القوم باطل
وقيل: مات في ذي القعدة سنة إحدى عشرة ومئتين.
أحمد بن يعقوب بن عبد الجبار
ابن بغاطر بن مصعب بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو بكر القرشي الأموي الجرجاني حدث أحمد بن يعقوب بسنده عن الزهري أنه كان عن عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، فأراد أن يقوم فأجلسه، ثم قدمت المائدة. فلما فرغوا من الأكل قدموا البطيخ، فقال الزهري: يا أمير المؤمنين، روينا عن بعض عمات النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: البطيخ قبل الطعام يغسل البطن غسلاً، ويذهب الداء أصلاً، فقال له عبد الملك لو أخبرتني يابن شهاب قبل هذا لفعلنا كذلك. ثم دعا بصاحب الخزانة فساره في أذنه، فذهب ثم رجع ومعه مئة ألف درهم فأمره فوضعها بين يدي الزهري.
стр. 1018
وحدث أحمد بن يعقوب بسنده عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : إذا أردت أن يذكرك الله عنده فأكثري من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
قال أحمد بن يعقوب: دخلت مع خالي بغداد سنة ثلاثٍ وثلاث مئة، وبغداد تغلي بالعلماء والأدباء والشعراء وأصحاب الحديث وأهل الأخبار، والمجالس عامرة وأهلها متوافرون، فأردت أن أطوف المجالس كلها، وأخبر أخبارها، فقيل لي: إن ههنا شيخاً يقال له أبو العبرطن أملح الناس، فرحلنا ولم ندخل عليه وفي القلب منه ما فيه. فلما توفي خالي وعدت إلى بغداد سألت عن أبي العبرطن فقيل: يعيش، وله مجلس، فعمدت إلى الكاغد والمحبرة، وقصدت الشيخ، فإذا الدار مملوءة من أولاد الملوك والأغنياء وأولاد الهاشميين بأيديهم الأقلام يكتبون، وإذا مستملٍ قائم في صحن الدار، وإذا شيخ في صدر الدار ذو جمال وهيئة قد وضع في رأس طاق خف مقلوب، واشتمل بفرو أسود قد جعل الجلد مما يلي بدنه، فجلست في أخريات القوم، وأخرجت الكاغد وانتظرت ما يذكر من الإسناد، فلما فرغوا قال الشيخ: حدثنا الأول عن الثاني عن الثالث أن الزنج والزط كلهم سود. وحدثني خرباق عن يناق قال: مطر الربيع ماء كله. وحدثني دريد عن رشيد قال: الضرير يمشي رويداً.
قال أبو بكر: فبقيت أتعجب من أمر الشيخ، فطلبت منه خلوة في أيام أعود إليه كل يوم فلا أصل إليه حتى كانت الليلة التي يخرج فيها الناس إلى الغدير اجتزت بباب داره، فإذا الدار ليس فيها أحد فدخلت، فإذا الشيخ وحده جالس في صدر الدار، فدنوت منه، وسلمت عليه فرحب بي، وأدناني، وجعل يسائلني، فرأيت منه من جميل المحيا والعقل والأدب والظرافة واللباقة ما تحيرت، فقال لي: هل لك من حاجة؟ قلت: نعم، قال: وما هي؟ قلت: قد تحيرت في أمر الشيخ وما هو مدفوع إليه. مما لا يليق بعقله وحسن أدبه وبيانه وفصاحته، فتنفس تنفساً شديداً ثم قال: إن السلطان أرادني على عمل لم أكن
стр. 1019
أطيقه وحبسني في المطبق أيام حياته. فلما ولي ابنه عرض علي ما عرض علي أبوه فأبيت، فحبسني وردني إلى أسوأ ما كنت فيه، وذهب من يدي ما كنت أملكه، واخترت سلامة الدين، ولم أتعرض لشيء من الدنيا بشيء من ديني، وصنت العلم عما لا يليق به، فلم أجد وجهاً لخلاصي فتحامقت ونجوت بها. وها أنذا في رغد من العيش.
أحمد بن يوسف بن خالد بن سالم بن زاوية أبو الحسن السلمي النيسابوري
المعروف بحمدان أحد الثقات الأثبات.
حدث بسنده عن عمير بن هانىء أنه سمع معاوية وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لايضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس.
وحدث بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : رفعت إلي السدرة فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فأما الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة. وأتيت بثلاثة أقداح: قدح فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبن فقيل لي: أصبت الفطرة أنت وأمتك.
مات أحمد بن يوسف السلمي سنة أربع وستين ومئتين. وقيل: سنة ثلاث وستين ومئتين.
أحمد بن يوسف بن خالد أبو عبد الله التغلبي صاحب أبي عبيد
حدث عن هشام بن عمار بسنده عن علي ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله وكاتبه، والواشمة والمستوشمة، والمستحل والمستحل له ومانع الصدقة.
стр. 1020
وفي رواية غيره: لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه.
توفي أحمد بن يوسف في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين ومئتين. وقيل: في رجب.
أحمد بن يوسف بن عبد الله
أبو نصر الشعراني العرقي الأديب حدث بأطرابلس في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: عجب ربنا ﵎ من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل.
أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح
أبو جعفر الكاتب أصله من الكوفة. ولي ديوان الرسائل للمأمون. يقال: إنه من بني عجل، وكان له أخ يقال له القاسم بن يوسف كان شاعراً كاتباً، وهما وأولادهما جميعاً أهل أدب وطلب للشعر والبلاغة.
قال أحمد بن يوسف الكاتب: رآني عبد الحميد بن يحيى أكتب خطاً رديئاً، فقال لي: إن أردت أن يجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها ثم قال: من الطويل
إذا جرح الكتاب كان قسيهم ... دوايا وأقلام الدوي لهم نبلا
والجلفة: فتحة رأس القلم.
قال رجل لأحمد بن يوسف كاتب المأمون: والله ما أدري أيك أحسن: أما وليه من خلقك أم ما وليته من أخلاقك؟
стр. 1021
ومن شعر أحمد بن يوسف: من البسيط
يزين الشعر أفواهاً إذا نطقت ... بالشعر يوماً وقد يزري بأفواه
قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
ما مسني من غنى يوماً ولا عدمٍ ... إلا وقولي عليه: الحمد لله
ومن شعر أحمد بن يوسف أيضاً: من الطويل
إذا قلت في شيء نعم فأتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل: لا، واسترح وأرح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب
ومن شعره في إفشاء السر: من الطويل
إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي استودعته السر أضيق
كان لأحمد بن يوسف جاريةٌ مغنيةٌ شاعرةٌ يقال لها: نسيم، وكان لها من قلبه مكان، فقالت وقد غضب عليها: من الطويل
غضبت بلا جرمٍ علي تجرماً ... وأنت الذي تجفو وتهفو وتغدر
سطوت بعز الملك في نفس خاضعٍ ... ولولا خضوع الرق ما كنت أصبر
فإن تتأمل ما فعلت تقم به ال ... معاذير أو تظلم فإنك تقدر
فرضي عنها، واعتذر إليها، وقالت ترثيه: من البسيط
نفسي فداؤك لو بالناس كلهم ... ما بي عليك تمنوا أنهم ماتوا
وللورى موتةٌ في الدهر واحدةٌ ... ولي من الهم والأحزان موتات
ومن شعره: مجزوء الكامل
قلبي يحبك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبك
لأكون فرداً في هوا ... ك فليت شعري كيف قلبك
كان أحمد بن يوسف من أفاضل كتاب المأمون، وأذكاهم، وأفطنهم، وأجمعهم
стр. 1022
للمجالس، وكان جيد الكلام، فصيح اللسان، حسن اللفظ، مليح الخط. يقول الشعر في الغزل، والمديح، والهجاء.
أشرف أحمد بن يوسف وهو في الموت على بستان له على شاطىء دجلة فجعل يتأمله؛ ويتأمل دجلة، ثم تنفس وقال متمثلاً: من البسيط
ما أطيب العيش لولا موت صاحبه ... ففيه ما شئت من عيبٍ لعائبه
فما أنزلوه حتى مات.
ومات في سنة ثلاث عشرة. وقيل: أربع عشرة ومئتين.
وهو في سخطةٍ من المأمون.
أحمد بن يونس بن المسيب بن زهير
ابن عمرو بن حميل بن الأعرج بن عاصم بن ربيعة بن مسعود بن منقذ بن كوز بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، أبو العباس الضبي كوفي الأصل سكن بغداد، وانتقل إلى أصبهان وسمع بدمشق.
حدث عن محاضر بن الموزع بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر كلام. قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا أحداً من أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.
توفي سنة ثمان وستين ومئتين، وكتب أهل بغداد بأمانته وعدالته، وكان محله الصدق.
قال أحمد بن يونس الضبي: قدمني أبي إلى الفضيل بن عياض فمسح رأسي فسمعته يقول: اللهم حسن خلقه وخلقه.
стр. 1023
من اسمه أبان
أبان بن سعيد أبي أحيحة بن العاص
ابن أمية بن عبد شمس أبو الوليد الأموي له صحبة واستعمله النبي ﷺ على بعض سراياه، ثم ولاه البحرين، وقدم الشام مجاهداً فقتل يوم أجنادين. وقيل: يوم اليرموك. وقيل: مات سنة تسع وعشرين.
لما توفي رسول الله ﷺ بعث أبو بكر أبان بن سعيد بن العاص إلى اليمن، فكلمه فيروز في دم داذويه فقال: إن قيساً قتل عمي غدراً على عدائه، وقد كان دخل في الإسلام، وشرك في قتل الكذاب، فأرسل أبان يعلى بن أمية إلى قيس فقال: اذهب فل له. أجب أبان بن سعيد فإن تردد فاضربه بسيفك، فقدم عليه يعلى، فقال: أجب الأمير أبان، فقال له قيس: أنت ابن عمي فأخبرني لم أرسل إلي؟ فقال له: إن ابن الديلمي كلمه فيك أنك قتلت عمه رجلاً مسلماً على عدائك، قال قيس: ما كان مسلماً لا هو ولا أنا، وكنت طالب ذحل قد قتل أبي وقتل عمي عبيدة وقتل أخي الأسود، فأقبل مع يعلى، فقال أبان لقيس: أقتلت رجلاً قد دخل في الإسلام، وشرك في قتل الكذاب؟ قال: قدرت أيها الأمير، فاسمع مني: أما الإسلام فلم يسلم لا هو ولا أنا، وكنت رجلاً طالب ذحل. وأما الإسلام فتقبل مني وأبايعك عليه، وأما يميني فهذه هي لك بكل حدث يحدثه كل إنسان من مذحج. قال: قد قبلنا منك، فأمر أبان المؤذن أن ينادي بالصلاة وصلى أبان بالناس صلاة خفيفة، ثم خطب فقال: إن رسول الله ﷺ قد وضع كل دم كان في الجاهلية فمن أحدث في الإسلام حدثاً أخذناه به ثم جلس، فقال: يابن الديلمي، تعال خاصم صاحبك واختصما فقال أبان: هذا دم قد وضعه رسول الله ﷺ فلا نتكلم فيه، وقال أبان لقيس: الحق بأمير المؤمنين يعني عمرو أنا أكتب لك أني قضيت بينكما، فكتب إلى عمر أن فيروز وقيساً اختصما عندي في دم داذويه فأقام قيس عندي البينة أنه كان في الجاهلية فقضيت بينهما.
стр. 1024
قال سعيد بن العاص: لما قتل أبي يوم بدر كنت في حجر عمي أبان بن سعيد، وكان ولي صدق، وإنه خرج تاجراً إلى الشام فمكث هنالك سنة، ثم قدم علينا، وكان شديد السب لرسول الله ﷺ شديد الحرد عليه، فلما بلغني قدومه خرجت حتى جئته، فكان أول ما سأل عنه أن قال: ما فعل محمد؟ فقال عمي عبد الله بن سعيد: هو والله أعز ما كان قط، وأعلاه أمراً، والله فاعلٌ به وفاعل، فسكت ولم يسبه كما كان يفعل، وقام القوم فمكث ليالي، ثم أرسل إلى سراة بني أمية وقد صنع لهم طعاماً. فلما أكلوا قال: ما فعل رسول الله محمد؟ قالوا: فعل الله به وفعل، وقد أكثرت من السؤال عنه فما شأنك؟ فقال: شأني والله أني ما أرى شراً دخلتم إلا دخلت فيه، ولا شراً وخيراً تركتموه إلا تركته ولم أره خيراً، تعلمون أني كنت بقرية يقال لها بامردى وكان بها راهب لم ير له وجه مذ أربعين سنة.
فبينا أنا ذات ليلة هنالك إذا النصارى يطيبون المصانع والكنائس ويصنعون الأطعمة ويلبسون الثياب فأنكرت ذلك منهم فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: هذا راهب يقال له: بكا، لم ينزل إلى الأرض ولم ير فيها منذ أربعين سنة، وهو نازل اليوم، فيمكث أربعين ليلة يأتي المصانع والكنائس وينزل على الناس. فلما كان الغد نزل فخرجوا، واجتمعوا، وخرجت فنظرت إليه فإذا شيخ كبير، فخرجوا وخرج معهم يطوف فيهم، فمكث أياماً، وإني قلت لصاحب منزلي: اذهب معي إلى هذا الراهب، فإني أريد أن أسأله عن شيء فخرج معي حتى دخلنا عليه فقلت: لي إليك حاجة فاخلني فقام من عنده فقلت: إني رجل من قريش، وإن رجلاً منا خرج فينا يزعم أن الله أرسله مثلما أرسل موسى وعيسى، فقال: ممن هو؟ فقلت: من قريش، قال: وأين بلدكم؟ قلت: تهامة ثم مكة قال: لعلكم تجار العرب أهل بيتهم، قلت: نعم، قال: ما اسم صاحبك؟ قلت: محمد، قال: ألا أصفه لك ثم أخبرك عنه؟ قلت: بلى، قال: مذ كم خرج فيكم؟ قلت: منذ عشرين سنة أو دون ذلك بقليل، قال: فهو يومئذٍ ابن أربعين سنة! قلت: أجل،
стр. 1025
قال: وهو رجل سبط الرأس، حسن الوجه، قصد الطول شئن اليدين، في عينه حمرة، لا يقاتل ببلده ما كان فيه، فإذا خرج منه قاتل فظفر، وظهر عليه، يكثر أصحابه، ويقل عدوه، قلت: والله ما أخطأت من صفته ولا أمره واحدةً، فأخبرني عنه، قال: ما اسمك؟ قلت: أبان، قال: كيف أنت أصدقته أم كذبته؟ قلت: بل كذبته، فرفع يده فضرب ظهري بكفٍ لينة واحدة ثم قال: أيخط بيده؟ قلت: لا، قال: هو والله نبي هذه الأمة، والله ليظهرن عليكم، ثم ليظهرن على العرب، ثم ليظهرن على الأرض، لو قد خرج. فخرج مكانه، فدخل صومعته، وتشبث الناس به وما أدخله صومعته غير حديثي، فقال: اقرأ على الرجل الصالح السلام، يا قوم ما ترون؟ قالوا: والله ما كنا نحسب أن تتكلم بهذا أبداً ولا تذكره.
قال سعيد: وبلغنا مكانه وسيره يريد باقي غزوة الحديبية. فلما رجع تبعه عمي فأسلم.
كان خالد بن سعيد وعمرو بن سعيد قد أسلما وهاجرا إلى أرض الحبشة، وأقام غيرهما من ولد أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية على ما هم عليه، ولم يسلموا حتى كان نفير بدر، فلم يتخلف منهم أحد، خرجوا جميعاً في النفير إلى بدر، فقتل العاص بن سعيد على كفره، قتله علي بن أبي طالب، ﵁ وعبيدة بن سعيد قتله الزبير بن العوام، وأفلت أبان بن سعيد فجعل خالد وعمرو يكتبان إلى أبان بن سعيد ويقولان: نذكرك الله أن تموت على ما مات عليه أبوك وعلى ما قتل عليه أخواك، فيغضب من ذلك ويقول: لا أفارق دين آبائي أبداً. وكان أبو أحيحة قد مات بمال له بالظريبة نحو الطائف وهو كافر، فأنشأ أبان بن سعيد يقول: من الطويل
ألا ليت ميتاً بالظريبة شاهدٌ ... لما يفتري في الدين عمرٌو وخالد
أطاعا بنا أمر النساء فأصبحا ... يعينان من أعدائنا من نكابد
стр. 1026
فأجابه خالد بن سعيد: من الطويل
أخي ما أخي لا شاتم أنا عرضه ... ولا هو عن سوء المقالة مقصر
يقول إذا اشتدت عليه أموره ... ألا ليت ميتاً بالظريبة ينشر
فدع عنك ميتاً قد مضى لسبيله ... وأقبل على الحي الذي هو أفقر
قال: فأقام أبان بن سعيد على ما كان عليه بمكة على دين الشرك حتى قدم رسول الله ﷺ الحديبية، وبعث عثمان بن عفان إلى أهل مكة، فتلقاه أبان بن سعيد فأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ وانصرف عثمان إلى رسول الله ﷺ وكانت هدنة الحديبية، فأقبل خالد وعمرو ابنا سعيد بن العاص من أرض الحبشة في السفينتين، وكانا آخر من خرج منها ومع خالد وعمرو أهلهما وأولادهما فلما كانا بالشعيبة أرسلا إلى أخيهما أبان بن سعيد وهو بمكة رسولاً وكتبا إليه يدعوانه إلى الله وحده وإلى الإسلام فأجابهما، وخرج في إثرهما حتى وافاهما بالمدينة مسلماً، ثم خرجوا جميعاً حتى قدموا على رسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع من الهجرة.
فلما صدر الناس من الحج سنة تسع بعث رسول الله ﷺ أبان بن سعيد إلى البحرين عاملاً عليها، فسأله أبان أن يحالف عبد القيس فأذن له في ذلك وقال: يا رسول الله، اعهد إلي عهداً في صدقاتهم وجزيتهم وما تجروا به فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ من المسلمين ربع العشر مما تجروا به، ومن كل حالم من يهودي أو نصراني أو مجوسي ديناراً الذكر والأنثى، وكتب رسول الله ﷺ إلى مجوسي هجر يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا عرض عليهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم وكتب لهم صدقات الإبل والبقر والغنم على فرضها وسنتها كتاباً منشوراً مختوماً في أسفله.
قال الحسن: لما قدم أبان بن سعيد بن العاص على رسول الله ﷺ فقال: يا أبان، كيف تركت
стр. 1027
أهل مكة؟ قال: تركتهم وقد جهدوا يعني المطر وتركت الإذخر وقد أعذق وتركت الثماد وقد حاص قال: فاغرورقت عينا النبي ﷺ وقال: أنا أنصحكم ثم أبان بعدي.
قال الحسن: وكان أبان يقرأ هذا الحرف " وقالوا أإذا ضللنا في الأرض " أي نتنا.
حدث عنبسة بن سعيد بن العاص أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص أن رسول الله ﷺ بعث أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على رسول الله ﷺ بخيبر وإن حزمهم الليف، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، فقال أبو هريرة: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال له أبان: أنت هذا يا وبر كلاماً نحو هذا، فقال النبي ﷺ : اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم رسول الله ﷺ .
لما جاء عثمان بن عفان مكة عام الحديبية برسالة رسول الله ﷺ إلى قريش قالت له قريش: شمر إزارك، فقال له أبان بن سعيد: من المنسرح
أسبل وأقبل ولا تخف أحداً ... بنو سعيد أعزة الحرم
فقال عثمان: إن التشمير من أخلاقنا.
قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي جهم: خرج أبان بن سعيد بن العاص بلواء معقود أبيض وراية سوداء، يحمل لواءه رافع مولى رسول الله ﷺ فلما أشرف على البحرين تلقته عبد القيس حتى قدم على المنذر بن ساوى بالبحرين. قال جعفر بن محمود بن محمد: استقبله المنذر بن ساوى على ليلة من منزله معه ثلاث مئة من قومه، فاعتنقا ورحب به وسأل عن رسول الله ﷺ فأخفى المسألة فأخبره
стр. 1028
أبان بذكر رسول الله ﷺ أياه، وأنه قد شفعه في قومه، وأقام أبان بن سعيد بالبحرين يأخذ صدقات المسلمين وجزية معاهديهم، وكتب إلى رسول الله ﷺ يخبره بما اجتمع عنده من المال فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين فحمل ذلك المال.
قال عيسى بن طلحة: لما توفي رسول الله ﷺ وارتدت العرب ارتد أهل هجر عن الإسلام فقال أبان بن سعيد لعبد القيس أبلغوني مأمني قالوا: بل أقم فلنجاهد معك في سبيل الله، فإن الله معز دينه ومظهره على ما سواه وعبد القيس لم ترجع عن الإسلام قال: بل أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله ﷺ فليس مثلي يغيب عنهم، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم، فقالوا، لا نفعل، أنت أعز الناس وهذا عليك وعلينا فيه مقالة، يقول قائل: فر من القتال.
قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي جهم: ومشى إليه الجارود العبدي فقال: أنشدك الله أن تخرج من بين أظهرنا فإن دارنا منيعة ونحن سامعون مطيعون ولو كنت اليوم بالمدينة لوجهك أبو بكر إلينا لمحالفتك إيانا، فلا تفعل فإنك إن قدمت على أبي بكر لامك وفيل رأيك، وقال: تخرج من عند قوم أهل سمع وطاعة ثم رجعك إلينا قال: إذاً لا أرجع أبداً ولا أعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ فلما أبى عليهم إلا كلمة واحدة قال أبان: إن معي مالاً قد اجتمع قالوا: احمله فحمل مئة ألف درهم وخرج معه ثلاث مئة من عبد القيس خفراً حتى قدم المدينة على أبي بكر فلامه أبو بكر، وقال: ألا تثبت مع قوم لم يرتدوا ولم يبدلوا. قال أبان: هم على ذلك ما أرغبهم في الإسلام وأحسن نياتهم، ولكن لا أعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ .
قال عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع:
قال عمر بن الخطاب لأبان بن سعيد حين قدم المدينة: ما كان حقك أن تقدم، وتترك عملك بغير إذن إمامك ثم على هذه الحال، ولكنك أمنته فقال: أبان: إني والله، ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ ولو كنت عاملاً لأحد بعد رسول الله ﷺ كنت عاملاً لأبي بكر في فضله وسابقته وقديم إسلامه، ولكن لا أعمل بعد رسول الله ﷺ وشاور
стр. 1029
أبو بكر أصحابه فيمن يبعث إلى البحرين فقال له عثمان بن عفان: ابعث رجلاً قد بعثه رسول الله ﷺ إليهم فقدم عليهم بإسلامهم وطاعتهم، وقد عرفوه وعرفهم، وعرف بلادهم يعني: العلاء بن الحضرمي فأبى ذلك عمر عليه وقال: أكره أبان بن سعيد فإنه رجل قد حالفهم فأبى أبو بكر أن يكرهه، وقال: لا أفعل، لا أكره رجلاً يقول: لا أعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ وأجمع أبو بكر بعثة العلاء بن الحضرمي إلى البحرين.
ولما استعمل رسول الله ﷺ أبان بن سعيد على البحرين قالوا: يا رسول الله، أوصه بنا. قال: فوصاه بهم. وقال أبان بن سعيد: يا رسول الله، أوصهم بي فأوصاهم به، قال خالد: فهم يعدون هذا حلفاً بيننا وبينهم.
وأبان بن سعيد روى عن النبي ﷺ : الناس معادن.
استشهد يوم أجنادين. ويقال يوم مرج الصفر. واليومان جميعاً سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر. ويقال: يوم اليرموك سنة خمس عشرة في خلافة عمر بن الخطاب.
وقيل مات سنة سبع وعشرين. وهو وهم وتوفي رسول الله ﷺ وأبان بن سعيد عامل على البحرين لرسول الله ﷺ .
أبان بن صالح بن عمير بن عبيد
أبو بكر القرشي مولاهم أصله من العرب وأصابه سباء.
حدث عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : بخروا بيوتكم باللبان والمر والصعتر.
стр. 1030
وحدث أبان عن نافع قال: خرجت مع طاوس إلى ابن رافع فسألته عن كرى الأرض، فحدثنا عن أبيه قال: كنا نعطي الأرض على النصف وما على الربيع، فنهانا النبي ﷺ عن ذلك. فلما انصرف ضرب طاوس على يدي وقال: إن كان للأرض فاكرها.
دخل أبان بن صالح على عمر بن عبد العزيز فقال له: أفي ديوان أنت؟ قال: قد كنت أكره ذلك مع غيرك فأما معك فلا أبالي قال: ففرض له.
وكان أبان بن صالح ثقة.
قال محمد بن سعد: في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة أبان بن صالح بن عمير بن عبيد يقولون: إن أبا عبيد من سبي خزاعة الذين أغار عليهم رسول الله ﷺ يوم بني المصطلق، فوقع إلى أسيد بن أبي العيص بن أمية، فصار بعد إلى عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية فأعتقه.
وقتل صالح بن عمير بالري بيتتهم الأزارقة فقتلوا في عسكرهم زمن الحجاج.
وولد أبان بن صالح سنة ستين. ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومئة وهو ابن خمس وستين سنة.
وحدث أبان عن الحسن بن مسلم بن نياق عن صفية بنت شيبة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب عام الفتح يقول: إن الله حرم مكة.
стр. 1031
أبان بن عثمان بن عفان
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو سعيد القرشي الأموي أمه أم عمرو بنت خندف بن عمرو الدوسي حدث نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير الحاج وهما محرمان: إني قد أردت أن أنكح طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير، وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان وقال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : لا ينكح المحرم ولا يخطب ولا ينكح.
حدث أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : من قال إذا أصبح أو أمسى ثلاث مرات: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يصبه شيء. فأصبح أبان قد ضربه الفالج فنظر إليه بعض جلسائه فقال: والله ما كذبت ولا كذبت ولا زلت أقولها ثلاثين سنة حتى كانت هذه الليلة فأنسيتها وكان ذلك القضاء والقدر.
توفي أبان بن عثمان بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك. وكان ثقة، وكان به صمم، ووضح كثير وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة وكان يخضب مواضع الوضح في يده ولا يخضبه في وجهه وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يتعلم القضاء من أبان بن عثمان. وكان أبان بن عثمان قد علم أشياء من القضاء من أبيه عثمان بن عفان.
قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أحداً أعلم بحديثٍ ولا فقهٍ من أبان بن عثمان. وكان من كبار التابعين.
حج عثمان بن أبان على الناس سنة ست وسبعين، وحج عليهم سنة سبع وسبعين، وحج عليهم سنة تسع وسبعين، وحج عليهم سنة ثمانين، وحج سنة اثنتين وثمانين، وحج على الناس سنة ثلاث وثمانين، ونزع عن المدينة في جمادى الآخرة.
стр. 1032
قال المدائني: حج معاوية بن أبي سفيان فأوصى مروان بن الحكم أبان بن عثمان بن عفان، ثم قدم فسأل أبان عن مروان فقال: أساء إذني، وباعد مجلسي، فقال معاوية: تقول ذلك في وجهه قال: نعم، فلما أخذ معاوية مجلسه وعنده مروان قال لأبان: كيف رأيت أبا عبد الملك؟ قال: قرب مجلسي وأحسن إذني. فلما قام مروان قال: ألم تقل في مروان غير هذا؟! قال: بلى، ولكن ميزت بين حلمك وجهله فرأيت أن أعلى حلمك أحب إلي من أن أتعرض لجهله. فسر بذلك معاوية، وجزاه خيراً ولم يزل يشكر قوله.
أبان بن علي الدمشقي
قال أبان بن علي: قال صالح بن خليفة قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إن فجار القراء اتخذوا سلماً إلى الدنيا فقالوا: ندخل على الأمراء، نفرج عن المكروب، ونكلم في محبوس.
أبان بن مروان بن الحكم
ابن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي أخو عبد الملك كان أميراً على البلقاء، وكان له ابن اسمه عبد العزيز، أعقب جماعة أولاد. له ذكر، وإليه تنسب أرض أبان التي بحذاء الداودية شام الأرزة من إقليم بيت لهيا.
قال الزبير بن بكار في تسمية ولد مروان قال: أمهم أم أبان بنت عثمان، وهي التي شبب بها عبد الرحمن بن الحكم فقال: من الطويل
واكبدا من غير جوعٍ ولا ظما ... وواكبدا من حب أم أبان
стр. 1033
أبان بن الوليد بن عقبة
ابن أبي معيط أبو يحيى القرشي قال أبان: قدم عبد الله بن عباس على معاوية وأنا حاضر، فأجازه، فأحسن جائزته ثم قال: يا أبا العباس، هل يكون لكم دولة؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتخبرني قال: نعم، قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان ولبني أمية من بني هاشم نطحات.
وفي سنة ست وسبعين غزا محمد بن مروان الصائفة، وخرجت فيه الروم إلى الأعماق في جمادى الأولى، فلقيهم أبان بن الوليد بن عقبة ودينار بن دينار فهزمهم الله.
стр. 1034
ذكر من اسمه إبراهيم
إبراهيم الخليل ﵇
إبراهيم بن آزر وهو تارخ بن ناحور بن شاروغ بن ارغو بن فالع بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن خنوخ، وهو إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. خليل الرحمن، يكنى أبا الضيفان. قيل: إن أمه كانت تخبؤه في كهف في جبل بقرية برزة في الموضع الذي يعرف بمقام إبراهيم إلى اليوم.
روي عن ابن عباس أنه ولد إبراهيم بغوطة دمشق في برزة في جبل قاسيون. قال: والصحيح أن إبراهيم ولد بكوثى من إقليم بابل من العراق، وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء مغيثاً للوط النبي ﷺ .
قال الكلبي: أول نبي إدريس ثم إبراهيم.
وروي عن مجاهد أنه قال: آزر صنم ليس بأبيه. والصحيح ما تقدم. وهو إبراهيم بن آزر في القرآن، وفي التوراة إبراهيم بن تارخ، وبعضهم يقول. آزر بن تارخ.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فاي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله: إني حرمت الجنة
стр. 1035
على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال:
ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة فتقتطعه النار، يريد أن يدخله الجنة. قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك. قال: فيقول: أي رب، أبي. قال: فيحول في صورة قبيحة وريح منتنة. قال: فيتركه.
قال: فكان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه إبراهيم، ولم يزدهم إبراهيم على هذا.
قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشي: وكان من قصة إبراهيم ونمروذ، أن نمروذ لما أحكم أمر ملكه، وساس أمر الناس وأذعن له الناس أخبر أنه يولد في مملكته مولود ينازعك في ملكك، ويكون سلب ملكك على يديه. قال: فدعا خيار قومه ستة رهط، فلم يترك في الرئاسة والعظم أحداً إلا اختار منهم أفضلهم، وكان سادسهم آزر أبو إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم، ثم ولى كل رجل منهم خصلة من الخصال التي كان أسس أمر ملكه عليها، وضمنها إياه، وارتهن بها رقبته إن هي ضاعت أو فسدت أو تغيرت، وقال لأولئك الرهط: أنتم خيار قومي وعظماؤهم، ولم أزل منذ سست أمر ملكي أعدكم وأختاركم، ولم يزدد في ذلك رأيي إلا قوة وفضلاً على من سواكم، وقد دعاني إلى أن أستعين بكم وأشاوركم، وإني سست أمر الملك والناس على سبع خصال، وقد وليت كل واحد منكم خصلة من تلك الخصال، نفسه بها مرتهنة عندي إن هو لم يحكمها أو يحكم أمر أهلها، فانطلقوا، فاقترعوا عليهن، فما صار لكل رجل منكم في قرعته فهو واليها وولي أهلها، وأنا له عليها وعلى أهلها عون.
إني سست أمر الملك ووطنت الناس على أنه لا نعبد إلا إلهي، وعلى أنه لا سنة إلا سنتي، وعلى أنه لا أحد أولى بنفسه وماله مني، وعلى أنه لا أحد أخوف فيهم ولا أطوع عندهم مني، وعلى أنهم يد واحدة على عدوهم، وعلى أنهم خولي وعبيدي أحكم فيهم برأيي، وعلى أنه قد بلغني أنه يولد في هذا الزمان مولود فيكاثرني ويخلعني، ويرغب عن ملتي، ويقهرني، فأنا سابقكم في هذه الخصلة، وأنا وأنتم وجميع أهل مملكتي كنفس واحدة في طلبه وهلاكه ومحاربته، فمن ظفر به فله على ما احتكم، فانطلقوا فاقترعوا ثم
стр. 1036
أعلموني ماذا صار في قرعة كل رجل منكم لكي أعرفه باسمه، وأعرف ما صار إليه. فلما اقترعوا لطف الله لما أراد من كرامة خليله وإظهاره، فصار في قرعة أبيه الآلهة التي يعبدها الناس فلا يعبد أحد من الناس صنماً لا الملك ولا غيره إلا صنماً عليه طابع آزر أبي إبراهيم، فأحكم ذلك، وقوي عليه، وصار أمينهم في أنفسهم على ذلك، لا يعدلون به ولا يتهمونه ولا يرون منه خلفاً إن هو هلك، وكان ذلك لطفاً من الله بخليله إبراهيم. فلما حملت به أمه وكانت تسمى أميلة قالت لأبيه آزر: وددت أني لو وضعت ما في بطني، فكان غلاماً فحملته أنا وأنت حتى نضعه بين يدي الملك، وهو يرى فنتولى ذبحه أنا وأنت، فإن الملك أهل ذلك منا لإحسانه إلينا وائتمانه لنا، ومتى يرك تفعل ذلك قدامه تزدد عنده رفعة وقربة ومنزلة، وكان ذلك من أم إبراهيم مكيدة وحيلة خدعت بها زوجها، لما قام في نفسها من كتمان إبراهيم إذا هي ولدته فصدقها آزر وأمنها، وظن الأمر على ما قالت. فلما حضر شهرها الذي تلد فيه قالت لزوجها: إني قد أشفقت من حملي هذا إشفاقاً لم أشفقه من حمل قبله وقد خشيت أن تكون فيه منيتي، ووطنت نفسي على الموت ولست أدري متى يبغتني، وأنا أرغب إليك بحق صحبتي إياك وتعظيمي لحقك أن تنطلق إلى الإله الأعظم الذي يعبده الملك وعظماء قومه، فتشفع لي بالسلامة والخلاص، وتعتكف عليه حتى يبلغك أني قد سلمت وتخلصت، فإن الرسل تجري فيما بيني وبينك، فإذا بلغتك السلامة رجعت إلى أهلك، وهم سالمون، وأنت محمود. قال لها آزر: لقد طلبت أمراً جميلاً واجباً لك حقه علي، وإنه فيما بيني وبينك وحق خدمتك وصحبتك يسير، وكانت أم إبراهيم تريد حين تلده وزوجها غائب أن تحفر له نفقاً تحت الأرض تغيبه فيه، فإذا رجع زوجها من عكافته أخبرته أنه قد مات، ودفن. وكانت عنده أمينة مصدقة لا يتهمها، ولا يكذبها. فانطلق الرجل حيث أمرته فاعتكف أربعين ليلة، وولد إبراهيم ﵇ ساعة قفا أبوه، وكتمته أمه وتمكنت في أربعين ليلة من الذي أرادت من حاجتها كلها لطفاً من الله لإبراهيم، ونجاة مما أريد به حتى إذا فرغت مما أرادت، وانصرف إليها زوجها فأخبرته أنها ولدت غلاماً به عاهة شديدة ومات، واستحت أن تطلع الناس على ما به، وقبرته فصدقها زوجها، وجعلت تختلف إلى إبراهيم فتدخل إليه بالعشية، وكان جل ما يعيش به اللبن لأنه كان لا يكون مولود ذكر إلا ذبح، فسقته الألبان حولين كاملين، توجره إياه، فعاش بذلك عيشاً حسناً، وصلح عليه جسمه. فلما بلغ الفطام فصلته من ذلك اللبن، وكان إبراهيم سريع الشباب، فلما كان
стр. 1037
ابن ثلاثة عشرة سنة وهو في السرب أخرجته أمه، فلم يشعر به أبوه حتى نظر إليه فقال لامرأته: من هذا الغلام الذي أخطأه الذبح وكيف خفي مكان هذا الغلام على الطلب والحفظة حتى بلغ مبلغه هذا؟ فلما هم أن يبطش به قالت له امرأته: على رسلك حتى أخبرك خبر هذا الغلام، اعلم أنه ابنك الذي ولد ليالي كنت معتكفاً فكتمته عنك في نفق تحت الأرض حتى بلغ هذا المبلغ، فقال لها زوجها وما الذي حملك على أن خنتني، وخنت نفسك، وخنت الملك، وأنزلت بنا من البلاء ما لا قبل لنا به بعد العافية والكرامة ورفع المنزلة على جميع قومنا؟ قالت: لا يهمنك هذا فعندي المخرج من ذلك وأنا ضامنة لك أن تزداد به عند الملك كرامة ورفعة وأمانة ونصيحة، وإنما فعلت هذا الذي فعلت نظراً لي ولك ولابنك ولعامة الناس ما أضمرت في نفسي يوم كتمت هذا الغلام وقلت: أكتمه حتى يكون رجلاً، فإن كان هو عدو الملك وبغيته التي يطلب قدناه حتى نضعه في يده، وقلنا له: دونك عدوك قد أمكنك الله منه، وقطع عنك الهم والحزن، فارحم الناس في أولادهم فقد أفنيت خولك وأهل مملكتك وإن لم يكن هو بغية الملك وعدوه فلم أذبح ابني باطلاً
مع ما قد ذبح من الولدان. قال لها أبوه: ما أظنك إلا قد أصبت الرأي، فكيف لنا أن نعلم أهو عدو الملك أو غيره؟ قالت: تحبسه وتكتمه وتعرض عليه دين الملك وملته، فإن هو أجابك إلى ذلك كان رجلاً من الناس ليس عليه قتل، وإن عصانا، ولم يدخل في ملتنا علمنا علمه فأسلمناه للقتل، فلما قالت له هذا رضي به، وألقى الله في نفسه الرحمة والمحبة لإبراهيم. وكان لا يعدل به أحداً من ولده، وإذا ذكر أنه يصير للقتل يشتد وجده عليه. ما قد ذبح من الولدان. قال لها أبوه: ما أظنك إلا قد أصبت الرأي، فكيف لنا أن نعلم أهو عدو الملك أو غيره؟ قالت: تحبسه وتكتمه وتعرض عليه دين الملك وملته، فإن هو أجابك إلى ذلك كان رجلاً من الناس ليس عليه قتل، وإن عصانا، ولم يدخل في ملتنا علمنا علمه فأسلمناه للقتل، فلما قالت له هذا رضي به، وألقى الله في نفسه الرحمة والمحبة لإبراهيم. وكان لا يعدل به أحداً من ولده، وإذا ذكر أنه يصير للقتل يشتد وجده عليه.
وكانت أم إبراهيم واثقة بأنه إن كان هو عدو القوم فليس أحد من أهل الأرض يطيقه ولا يقتله، ورأت أنه متى ما ينصر عليهم يكن في ذلك نجاتها ونجاة من كان من إبراهيم بسبيل، فشجعها ما كانت ترجو لإبراهيم من نصرة الله له على خلاف نمروذ ومعصيته، وذلك أوثق الأمر في نفسها، وكان نمروذ يخبر الناس قبل أن يولد إبراهيم أنه سيأتي نبي يغلبه ويظهر عليه، ويرغب عن دينه ويخلع دينه وسلطانه فذلك الذي شد لأم إبراهيم رأيها فيما ارتكبت من خلاف نمروذ وأهل ملته. وكان أبوه من شدة ما يجده من الرحمة يكتمه جهده، ويوصي بذلك أمه ويقول لها: ارفقي بابنك، ولا تعرضيه لشيء من
стр. 1038
أمر الملك يومه هذا، فإنه غلام حدث السن لم يجتمع له رأيه ولا عقله بعد، فإذا بلغ السن واحتنك فحينئذ نفتشه وذلك منه تربص رجاء أن يحدث حادث يكون فيه لإبراهيم عافية أو مخرج لما يجد أبوه من الرحمة والمحبة والزينة التي زينه الله بها في عينه. ثم خلع إبراهيم ذلك كله ونابذهم في الله على سواء ولم يراقب شيئاً ولم يأخذه في الله هوادة ولم يخف في الله لومة لائم.
وحدث الكلبي قال: كان أبو إبراهيم من أهل حران فأصابته سنة فأتى هرمزجرد ومعه امرأته أم إبراهيم واسمها يونا بنت كرينا بن كوثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: اسمها ايبونا من ولد افرايم بن أرغو بن فالع بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح وولد إبراهيم بهرمزجرد. ولما بلغ إبراهيم وخالف قومه ودعاهم إلى عبادة الله بلغ ذلك الملك نمروذ فحبسه في السجن سبع سنين ثم بنى له الحير بحصى وأوقده بالحطب الجزل، وألقى إبراهيم فيه فقال: حسبي الله ونعم الوكيل. فخرج منها سليماً لم يكلم.
وعن قتادة في قوله تعالى " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال: خشي إبراهيم من جبار من الجبابرة فجعل الله ﵎ له رزقاً في أصابعه، فكان إذا مص أصابعه وجد فيها رزقاً. فلما خرج أراه الله ﵎ ملكوت السموات والأرض، فكان ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار.
وقال محمد بن عمر الواقدي: يقول الله " وقروناً بين ذلك كثيراً " فكان بين نوح وآدم عشرة قرون، وبين إبراهيم ونوح عشرة قرون. فولد إبراهيم خليل الرحمن على رأس ألفي سنة من خلق آدم.
قال أيوب بن عتبة قاضي اليمامة: كان بين آدم ونوح عشرة آباء وذلك ألف سنة، وكان بين نوح وإبراهيم عشرة آباء
стр. 1039
وذلك ألف سنة، وكان بين إبراهيم وموسى سبعة آباء ولم يسم السنين، وكان بين موسى وعيسى ألف وخمس مئة سنة، وكان بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم جميعاً ست مئة سنة. وهي الفترة.
وكان إبراهيم يكنى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد.
قال مجاهد: كنت جالساً عند ابن عباس فذكروا الدجال، فقال: ما يقولون؟ قال: يقولون إنه مكتوب بين عينيه ك ف ر قال: لم أسمع، ولكنه قال: يعني النبي ﷺ أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة، كأني أنظر إليه قد انحدر في الوادي يلبي.
وفي حديث آخر عن أبي هريرة وأما عيسى فرجل أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس يعني الحمام، تخال رأسه يقطر ماء، وأشبه من رأيت به عروة بن مسعود.
قال يعقوب بن محمد بن طحلا: كنا نبيع البز فيمر بنا إسحاق بن يسار مولى قيس بن مخرمة فيقول لنا: الزموا تجارتكم فإن أباكم إبراهيم ﵇ كان بزازاً.
وعن ابن عباس في قوله " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض " يعني به الشمس والقمر والنجوم. لما رأى كوكباً " قال: هذا ربي " حتى غاب، فلما غاب " قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي " حتى غاب، فلما غاب " قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي، هذا أكبر " حتى غابت " قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض " الآية.
стр. 1040
قال أبو سعيد الخدري: قال: رسول الله ﷺ : إن داود سأل ربه فقال: يا رب، إنه يقال: رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني رابعهم، حتى يقال: رب داود فقال: يا داود إنك لن تبلغ ذلك، وإن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط إلا آثرني عليه إذ يقول: إنكم وما تعبدون " أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " يا داود، وأما إسحاق فإنه جاد بنفسه لي في الذبح، وأما يعقوب فإني ابتليته ثمانين سنة فلم يسىء بي الظن ساعة قط. فلن تبلغ ذلك يا داود.
حدث زيد بن أسلم أن إبراهيم النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم فيما بلغه مر على ناس يمتارون طعاماً، فانطلق معهم حتى قدم على ملك من الملوك يقال له نمروذ. كلما مر عليه رجل منهم يقول له نمروذ: من ربك؟ فيقول، أنت ويسجد له ويأمر له بالطعام، حتى مر عليه إبراهيم فقال له: من ربك؟ فقال: الذي يحيي ويميت " قال: أنا أحيي وأميت " إن شئت أحييك وإن شئت أمتك " قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر " وأمرهم ألا يعطوه شيئاً، فانطلق، وانطلق أصحابه الذين كانوا معه قد أعطوا الطعام غيره، حتى إذا كان قريباً من أهله قال: والله، إن دخلت على أهلي وليس معي شيء ليهلكن بي وليموتن، فانطلق إلى كثيب أعفر فملأ منه غرارتيه، ثم انطلق حتى دخل على أهله فقال لهم: انظروا ألا تمسوا من هاتين الغرارتين شيئاً، ثم أمر امرأته أن تفلي رأسه فطفقت امرأته تفلي رأسه حتى رقد، فقالت امرأته: والله ما عندي شيء أصنعه لإبراهيم ولقد قدم نصباً، ولأسرقن من الغرارتين فلأصنعن حريرة، ففتحت الغرارتين فإذا هو أجود طعام ودقيق رئي قط، فصنعت له حريرة. فلما استيقظ قربته إليه فقال لها: من أين هذا؟ قالت: سرقته من الغرارة. فضحك.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لم يكذب إبراهيم ﵇ قط إلا ثلاث مرات: قوله في آلهتهم فلعه كبيرهم هذا، وحين دعوه إلى أن يحج إلى آلهتهم فقال: إني سقيم، وقوله: إن سارة أختي.
стр. 1041
وعن النبي ﷺ قال: قول إبراهيم " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " في كذباته الثلاث قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إن سارة أختي. ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله.
وعن أبي هريرة من حديث قال: قال رسول الله ﷺ : خرج إبراهيم يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه سارة وكانت من أجمل النساء، فبلغ ذلك الجبار أن في عملك رجلاً معه امرأة ما رأى الراؤون أجمل منها، فأرسل إليه فأتاه فسأله عن المرأة التي معك قال: أختي. قال: فابعث بها إلي فبعث معه رسولاً فأتاها فقال: إن هذا الجبار سألني عنك فأخبرته أنك أختي وأنت أختي في الإسلام، وسألني أن أرسلك إليه فاذهبي إليه، فإن الله سيمنعه منك. قال: فذهبت إليه مع رسوله، ولما أدخلها عليه وثب إليها فحبس عنها، فقال لها: ادعي إلهك الذي تعبدين أن يطلقني ولا أعود فيما تكرهين، فدعت الله فأطلقه، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم قال للذي جاء بها: أخرجها عني فإنك لم تأتني بأنسية إنما أتيتني بشيطانة، فأخدمها هاجر، فرجعت إلى إبراهيم فاستوهبها منها فوهبتها له. قال محمد بن سيرين: فهي أمكم يا بني ماء السماء يعني: العرب.
وروي عن سلمان قال: جوع لإبراهيم أسدان ثم أرسلا عليه، فجعلا يلحسانه ويسجدان له.
حدث أبو الأحوص عن عبد الله قال:
خرج قوم إبراهيم إلى عيد لهم، فمروا عليه فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا قال " إني سقيم " وقد كان قال قبل ذلك " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " فسمعه إنسان منهم. فلما خرجوا إلى عيدهم انطلق إلى أهله فأخذ طعاماً، ثم انطلقوا إلى آلهتهم فقربه إليهم " فقال: ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً
стр. 1042
باليمين " فكسرها إلا كبيراً لهم ثم ربط في يده الذي كسر به آلهتهم فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا هم بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الفأس الذي كسر به الأصنام " فقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين " فقال الذين سمعوا إبراهيم بالأمس يقول: " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " إلى قوله ما لكم لا تنطقون، فجاهرهم إبراهيم عند ذلك فقال: " أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم " إلى قوله " إن كنتم فاعلين " قال: فجمعوا له الحطب، ثم طرحوه وسطه، ثم أشعلوا النار عليه، فقال الله " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " قال أبو إسحاق: فسمعت سليمان بن صرد يقول: لما جاؤوا ينظرون إليه إذا النار لم تصبه شيئاً قال أبو لوط عند ذلك وهو عمه: أنا صرفتها عنه، فأرسل الله عتقاً منها فأحرقته فتركته حممةً.
قال مقاتل وسعيد: أول من اتخذ المنجنيق نمروذ، وذلك أن إبليس جاءهم لما لم يستطيعوا أن يدنوا من النار قال: أنا أدلكم، فاتخذوا لهم المنجنيق وجيء بإبراهيم فخلعوا ثيابه، وشدوا قماطه، فوضع في المنجنيق، فبكت السموات والأرض والجبال والشمس والقمر والعرش والكرسي والسحاب والريح والملائكة كل يقول: يا رب إبراهيم، عبدك بالنار يحرق فأذن لنا في نصرته، فقالت النار، وبكت: يا رب، سخرتني لبني آدم وعبدك يحرق بي، فأوحى الله إليهم: إن عبدي إياي عبد، وفي حبي أوذي، إن دعاني أجبته، وإن استنصركم فانصروه، فلما رمي استقبله جبريل بين المنجنيق والنار فقال: السلام عليك يا إبراهيم، أنا جبريل ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حاجتي إلى الله ربي، فلما أن قذف سبقه
стр. 1043
إسرافيل فسلط على قماطه وقال الله " يا نار كوني برداً وسلاماً " فلو لم يخلط بالسلام لكز فيها برداً ودخل جبريل وأنبت الله حوله روضة خضراء وبسط له بساط من درنوك الجنة، وأتي بقميص من حلل جنة عدن فألبس وأجري عليه الرزق غدوة وعشياً، إسرافيل عن يمينه وجبريل عن يساره حتى رأى الملك الرؤيا، ورأى الناس فأكثروا القول فيه.
قال سفيان: لما وضع إبراهيم في المنجنيق جاءه جبريل ﵇ فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، ليس لي حاجة إلا إلى الله فأوحى الله إلى النار لئن نلت من إبراهيم أكثر من حل وثاقه لأعذبنك عذاباً لا أعذبه أحداً من خلقي.
قال معتمر بن سليمان: قالت السموات: يا رب، خليلك يلقى في النار فيك، قال: قد أرى، وإن استغاثك فأغيثيه. فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال: فمر به جبريل فقال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
قال بكر بن عبد الله المزني: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار ضجت عامة الخليقة إلى ربها فقالوا: يا رب، خليلك يلقى في النار ائذن لنا فنطفىء عنه، فقال جل وعز: خليلي! ليس لي خليل غيره في الأرض، وأنا إلهه ليس له غيري، فإن استعان بكم فأعينوه وإلا فدعوه. قال: وجاء ملك القطر فقال: يا رب خليلك يلقى في النار فأذن لي فأطفىء عنه بقطرة واحدة، فقال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بك فأغثه، وإلا فدعه. قال: فلما ألقي في النار قال الله تعالى " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " قال: فبردت النار يومئذٍ على أهل الشرق والغرب فلم ينضج بها كراع.
стр. 1044
وقال عكرمة:
إن نار الدنيا كلها خمدت لم ينتفع بها أحد من أهلها. ولما أخرج الله إبراهيم من النار زاده الله في حسنه وجماله سبعين ضعفاً. ولما ألقي في النار قالت أمه: لقد كان ابني يقول: إن له رباً يمنعه، وأراه يلقى في النار فما ينفعه، وإني مطلعة على هذه النار أنظر إلى ابني ما فعل. قال عكرمة: فعملت لها سلماً ثم اطلعت على السلم حتى إذا هي أشرفت أبصرت إبراهيم في وسط النار، فنادته أمه: يا إبراهيم. فلما رآها قال لها: يا أمه، ألا ترين ما صنع الله بي؟ قالت: يا بني، لولا أني أخاف النار لمشيت إليك قال: يا أمه انزلي وتعالي فقالت: يا بني فادع إلهك أن يجعل لي طريقاً فدعا ربه فجعل لها طريقاً ثم نزلت فقالت: إني أخاف، فقال: يا أمه لا تخافي هل تجدين من حر النار شيئاً قالت: لا. فسارت إليه حتى إذا دنت منه ضمت إبراهيم ﵇ إلى صدرها، وجعلت تقبله فقال لها: يا أمه، فارجعي مما أنت عليه، فالتفتت لترجع فإذا بالنار على ممرها، فقالت: أسألك بحق إلهك إلا دعوت ربك أن يبعد النار من طريقي فدعا ربه فمرت حتى إذا كانت على رأس الحائط، وأرادت أن تنزل نادت: يا إبراهيم ابني عليك السلام. فذهبت.
وروي عن علي بن أبي طالب قال: كانت البغال تتناسل، وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لتحرق إبراهيم فدعا عليها، فقطع الله أرحامها ونسلها. وكانت الضفادع مساكنها النفقان فجعلت تطفىء النار على إبراهيم فدعا لها فأنزلها الماء، وكانت الأوزاغ تنفخ عليه النار وكانت أحسن الدواب فلعنها فصارت ملعونة. فمن قتل منها شيئاً أجر.
روى نافع أن امرأة دخلت على عائشة ﵂، فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح؟ قالت: نقتل به الأوزاغ، ثم حدثت عن رسول الله ﷺ أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفىء عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه.
قال اسم المرأة التي دخلت على عائشة سائبة.
стр. 1045
وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: أما قوله " إني سقيم " فمطعون، وأما قوله " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً " قال: لما ألقي إبراهيم في النار أتاه جبريل ﵇ ومعه طنفسة من طنافس الجنة، وقميص من قمص الجنة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد يحدثه. قال: فرأى أبو إبراهيم سبع ليال كأن إبراهيم قد خرج من الحائط قال: فأتى نمروذ الجبار فقالت له: ائذن لي في عظام إبراهيم أدفنها. قال: فركب نمروذ الجبار ومعه أهل مملكته. قال: فأتى الحائط فنقبه. قال: فخرج جبريل في وجوههم فولوا هاربين. قال: وتبلبلوا عند ذلك. قال: فمن ذلك اليوم سميت الأرض بابل. قال: وكانت الألسن كلها بالسريانية. قال: فتفرقوا فصارت اثنتين وسبعين لغة. قال: فلم يعرف الرجل كلام صاحبه.
وفي حديث آخر: فنقب الحائط فإذا إبراهيم في روضة تهتز، وثيابه تندى على طنفسة من طنافس الجنة، عليه قميص من قمص الجنة. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم غير وثاقه.
قال ابن عباس: لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل. قال: وكذلك قال محمد ﷺ " إن الناس قد جمعوالكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض عبدك. وقيل: أعبدك.
قال المنهال بن عمرو: أخبرت أن إبراهيم لما ألقي في النار كان فيها ما أدري إما خمسين وإما أربعين يوماً.
стр. 1046
قال: ما كنت أياماً قط وليالي قط أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها. ووددت أن عيشي كله مثل عيشي إذ كنت فيها.
قال أبو يعقوب النهرجوري: التوكل على كمال الحقيقة وقع لإبراهيم خليل الرحمن في تلك الحال التي قال لجبريل ﵇، أما إليك فلا. لأنه غابت نفسه بالله، فلم ير مع الله غير الله. فكان ذهابه بالله من الله إلى الله بلا واسطة، وهو من عليات التوحيد وإظهار القدرة لنبيه أو لخليله إبراهيم ﵇.
قال ابن عباس:
لما هرب إبراهيم من كوثى وخرج من النار ولسانه يومئذٍ سرياني. فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه. فقيل عبراني حيث عبر الفرات، وبعث نمروذ في إثره وقال: لا تدعوا أحداً يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به، فلقوا إبراهيم فتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته.
قال أبو رجاء قلت للحسن: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال: فابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالنار فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان.
وفي حديث آخر: فأثنى عليه فأتمهن قال: يقول: فعلهن.
قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم. ابتلاه الله بكلماته فأتمهن فأداهن " قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " وقال أبو صالح مولى أم هانىء: في قوله " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال: منهن إني
стр. 1047
جاعلك للناس إماماً، ومنهن آيات النسك " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ".
وكان الحسن يقول: ابتلاه بما مر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما كان من المشركين، ابتلاه بالهجرة فخرج عن قومه وبلاده حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك، وابتلاه الله بذبح ابنه، والختان، فصبر على ذلك كله.
وقال قتادة: في قوله تعالى " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال: هذا عبد الله يوم القيامة، لا ينال عهده ظالماً، وأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين وعازوهم وناكحوهم، فإذا كان يوم القيامة قضى الله عهده وكرامته على أوليائه.
وقال قتادة: " إني جاعلك للناس إماماً " قال: يهتدي بهداك وسنتك.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اختتن إبراهيم بعد ما مرت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم.
قال ابن مشكان: قال عبد الرزاق: القدوم اسم القرية وفي رواية يحيى بن سعيد، قال: قلت ليحيى: ما القدوم؟ قال: الفأس.
стр. 1048
روى موسى بن علي عن أبيه قال: أمر إبراهيم فاختتن بقدوم، فاشتد عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن نأمرك بآلته قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك.
وعن أبي هريرة قال: أول من اختتن إبراهيم خليل الرحمن، اختتن وهو ابن عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.
قال سعيد: كان إبراهيم أول من اختتن، وأول من رأى الشيب فقال: يا رب ما هذا الشيب؟ قال: الوقار، قال: رب زدني وقاراً، وكان أول من أضاف الضيف، وأول من جز شاربه، وأول من قص أظفاره، وأول من استحد.
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ربط إبراهيم ﵇ غرلته وجمعها إليه فحد قدومه وضرب قدومه بعود معه فندرت بين يديه بلا ألم ولا دم.
وختن إسماعيل ﵇ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام.
وعن نبيط بن شريط عن النبي ﷺ قال: أول من أضاف الضيف إبراهيم، وأول من لبس السراويل إبراهيم، وأول من اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أنزلت الصحف على إبراهيم في ليلتين من شهر رمضان، وأنزل الزبور على داود في ست رمضان، وأنزلت التوراة على موسى لثمان عشرة من رمضان، وأنزل القرآن على محمد ﷺ لأربع وعشرين من رمضان.
وفي حديث واثلة بن الأسقع وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان.
стр. 1049
روي عن أبي هريرة أنه قال لكعب الأحبار: إن نبي الله ﷺ قال: لكل نبيٍّ دعوةٌ يدعو بها، وأنا أريد إن شاء الله أن أخبىء دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة.
قال كعب لأبي هريرة:
أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال كعب لأبي هريرة: بأبي وأمي ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي ﷺ ؟ قال أبو هريرة:: بلى. قال كعب: لما رأى إبراهيم النبي ﷺ ذبحاً قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عبده هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحداً أبداً، فتمثل الشيطان لهم رجلاً يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه، دخل على سارة امرأة إبراهيم فقال لها: أين أصبح إبراهيم غادياً بإسحاق؟ قالت سارة: غدا به ليقضي حاجته. قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به. قالت سارة: فلم غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه. قالت سارة: وليس في ذلك شيء لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله. قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قالت سارة: فقد أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك، فخرج الشيطان من عند سارة حتى إدرك إسحاق وهو يمشي على إثر أبيه، قال له: أين أصبح أبوك غادياً بك؟ قال غدا بي لبعض حاجته. قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ليذبحك. قال إسحاق: ما كان ليذبحني، قال: بلى، قال لم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال إسحاق: فوالله إن أمره بذلك ليطيعنه، فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم فقال: أين أصبحت غادياً بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه. قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك. قال: فوالله لئن كان أمرني به ربي لأفعلن. قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلم إسحاق أعفاه الله وفداه بذبح عظيم. قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بني فإن الله قد أعفاك، وأوحى الله إلى إسحاق: إني أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق: اللهم فإني أدعوك أن تستجيب لي: أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة.
стр. 1050
وذهب جماعة أن الذي أمر إبراهيم ﵇ بذبحه إسماعيل. وسياق القرآن يدل عليه ويدل عليه قول النبي ﷺ أنا ابن الذبيحين.
وعن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: رب قد فرغت. فقال: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. قال: رب، كيف أقول؟ قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج، حج البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض. ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون؟.
وعن ابن عباس قال: أن جبريل ﵇ ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، فساخ، ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، فساخ، ثم أتى به الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ. فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق قال لأبيه: يا أبه، أوثقني لا أضطرب، فينضح عليك دمي إذا ذبحتني، فشده فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.
وعن علي بن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ قال: إن الله ﵎ حين أوحى إلى إبراهيم أن أذن في الناس بالحج فقام على الحجر. فمنهم من قال: ارتفع حتى بلغ الهواء، فقال: يا أيها الناس إن الله يأمركم بالحج، فأجابه من كان مخلوقاً في الأرض يومئذٍ، ومن كان في أرحام النساء، ومن كان في أصلاب الرجال، ومن كان في البحور، فقالوا: لبيك اللهم، لبيك. فمن أبى اليوم فهو ممن أبى يومئذٍ وممن أجاب يومئذٍ.
وفي حديث مجاهد فقالوا: لبيك اللهم لبيك، وكان هذا أول التلبية.
стр. 1051
وعن عبد الله بن عمرو قال: لما أفاض جبريل ﵇ بإبراهيم ﷺ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم غدا من منى إلى عرفات فصلى بها الصلاتين، ثم وقف حتى غابت الشمس، ثم أتى به المزدلفة، فنزل بها، فبات، ثم صلى بها يعني الصبح كأعجل ما يصلي أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين، ثم دفع إلى منى فرمى، وذبح، وحلق، ثم أوحى الله إلى محمد ﷺ " أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين " وفي رواية أخرى: ثم أفاض حتى أتى به الجمرة فرماها، ثم ذبح وحلق، ثم أتى به البيت فطاف به. قال: ثم رجع إلى منى، فأقام بها تلك الأيام، ثم أوحى الله إلى محمد ﷺ " أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ".
وعن مجاهد
أن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حجا ماشيين.
وعن معاذ عن النبي ﷺ في قوله " وإبراهيم الذي وفى " قال: كان ﵇ يقول إذا أصبح وإذا أمسى " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون " قال محمد بن واسع: من قال حين يصبح ثلاث مرات " سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " إلى قوله " وكذلك تخرجون " لم يفته خيرٌ كان قبله من الليل. ولم يدركه يومئذٍ شر. ومن
стр. 1052
قال حين يمسي لم يفته خير كان قبله، ولم يدركه ليلته شر. وكان إبراهيم خليل الرحمن يقولها ثلاث مرات إذا أصبح وثلاث مرات إذا أمسى.
وعن أبي أمامة أن النبي ﷺ ذكر هذه الآية " وإبراهيم الذي وفى " قال: هل تدرون ما وفى؟ وفى عمل يومه بأربع ركعات الضحى.
وفي رواية أخرى: وفى عمل يومه أربع ركعات من أول النهار.
قال مكي: وهي عندنا صلاة الضحى.
وعن الحسن " وإبراهيم الذي وفى " قال: وفى الله فرائضه.
وعن مجاهد قال: بلغ وأدى.
وعن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره حتى جاء إبراهيم فقال الله " وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى " وعن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمداً ﷺ بالرؤية.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لإطعامه الطعام، يا محمد.
стр. 1053
وعن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: إن الله بعث حبيبي جبريل ﵇ إلى إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم، إني لم أتخذك خليلاً على أنك أعبد عبادي لي، ولكني اطلعت على قلوب الآدميين فلم أجد قلباً أسخى من قلبك فلذلك اتخذتك خليلاً.
وعن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب التي أنزلت من السماء أن الله قال لإبراهيم ﵇: أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ قال: لا يا رب. قال: لذل مقامك بين يدي في الصلاة.
وقال وهب: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً كان يسمع خفقان قلبه من بعد خوفاً من الله .
وعن وهيب بن الورد قال: بلغنا أن الضيف لما جاؤوا إلى إبراهيم ﵇ قرب إليهم العجل. قال " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه " قال: لم لا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمنه. قال: فقال لهم: أو ليس معكم ثمنه؟ قالوا: وأنى لنا بثمنه؟ قال: تسموا الله ﵎ إذا أكلتم، وتحمدونه إذا فرغتم، فقالوا: سبحان الله لو كان ينبغي لله أن يتخذ من خلقة خليلاً لاتخذك يا إبراهيم خليلاً. قال: فاتخذ الله إبراهيم خليلاً.
وعن ابن عباس قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً وتنبأه، وله يومئذٍ مئة عبد أعتقهم وأسلموا، فكانوا يقاتلون معه بالعصي. قال: فهم أول موالٍ قاتلوا مع مولاهم.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لما أراد الله أن يتخذ إبراهيم خليلاً قال ذلك للملائكة. قال: فقال ملك الموت: أنا الذي أبشره، فإني أنا الذي أقبض روحه. قال: فولاه الله ذلك.
стр. 1054
وعن أنس بن مالك قال: قال رجل للنبي ﷺ : يا خير البشر، قال: ذاك إبراهيم ﵇. وفي رواية: يا خير البرية.
وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي، أحسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، فإن رحمتي وسعت من حسن خلقه: أن أظله في ظل عرشي، وأن أسقيه من حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري يوم لا يجاورني من عصاني.
وعن عائشة عن النبي ﷺ قال: كان إبراهيم من أغير الناس، وإنه من غيرته جعل لإسحاق مشربة فوق بيته تفتح إلى غير بيته الذي هو فيه.
وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر. صام الدهر، وأفطر الدهر.
وعن سلمان قال: لما أن أري إبراهيم ملكوت السماوات فرأى رجلاً على فاحشة فدعا عليه فأهلك، ثم
стр. 1055
رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فأهلك، ثم رأى آخر فأراد أن يدعو عليه فقال الله ﵎: أنزلوا عبدي لا يهلك عبادي.
وعن قسامة بن زهر أن إبراهيم خليل الرحمن حدث نفسه أنه أرحم الخلق، فرفع حتى أشرف على أهل الأرض. فلما رآهم وما يصنعون قال: دمر عليهم، فقال له ربه: أنا أرحم الراحمين، لعلهم يتوبون ويرجعون.
وعن عطاء قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السموات رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فقيل: على رسلك يا إبراهيم، إنك عبد يستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة تعبدني، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فإن جهنم من ورائه.
قال زيد بن علي: " فلما جن عليه الليل رأى كوكباً " قال: الزهرة.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي.
وعن ابن عباس في قوله " قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " قال: اعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.
وقال القاضي إسماعيل: كان يعلم بقلبه أن الله يحيي الموتى، ولكن أحب أن يرى معاينةً.
следующие страницы →