Полный текст (10 576 стр.). Показаны 10571–10576 · переход к 10576.
стр. 10571
أم ولد لهشام بن عبد الملك
شاعرة. بصرت بأولادها فرأتهم على غاية البهاء، وكانت شاعرة أديبة، فأنشأت تقول: من الرجز
إذا خلطنا ماءنا بمائهم ... جاؤوك كالياقوت في صفائهم
وحمدوا في فعلهم ورأيهم ... ونسبوا بعد إلى آبائهم
فهذه الصفوة من أنبائهم
امرأة متعبدة
قال ذو النون المصري: كنت بجبل لبنان أتعبد، فبينا أنا يومئذ جالس أبكي إذا براهبة عليها المسوح، فأقبلت، فجعلت تبكي معي، ثم انصرفت، ومر الدهر زماناً وقد نزلت عن الجبل، فأنا جالس عند بعض إخواني من البزازين إذ أقبلت الراهبة بعينها، فوقفت علي فقالت: أيا شيخ، برئت قرحتك؟ فأبكتني، فما انتفعت بنفسي زماناً.
امرأة متعبدة
قال أحمد بن أبي الحواري: بينا أنا ذات يوم جالس بالشام في قبة ليس عليها باب إلا كساء مسبل، إذا أنا بامرأة تدق علي الحائط، فقلت: من هذا؟ فقالت: امرأة ضالة، دلني على الطريق رحمك الله. فقلت: عن أي الطريقين تسألين؟ فبكت ثم قالت: عن طريق النجاة. فقلت: هيهات هيهات! لا يقطع ذاك الطريق إلا بالسير الحثيث في الجد وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة من أمر الدنيا والآخرة. فبكت، ثم قالت: أما علائق الدنيا ففهمتها، فما علائق الآخرة؟ فقلت: لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبياً لم يكن لك إلا ما كتب لك في اللوح المحفوظ، وإن لجهنم زفرة يوم القيامة لو كان معك عمل سبعين نبياً ما كان بد من أن
стр. 10572
ترديها. قال: فصرخت صرخة، ثم قالت: سبحان من صان عليك جوارحك فلم تقطع، وسبحان من أمسك عليك قلبك فلم يتصدع. ثم سقطت مغشياً عليها.
قال ابن أبي الحواري: كانت عندنا جارية من المتعبدات، فقلنا: اخرجي فانظري ما قصة هذه المرأة. فخرجت، فإذا هي قد فارقت الدنيا، وإذا في جيبها رقعة فيها مكتوب: كفنوني في أثوابي، فإن يك لي عند ربي خير فسيبدلني ما هو خير منها، وإن يك غير ذلك فبعداً لنفسي وسحقاً.
قال ابن أبي الحواري: وإذا قوم قد أحاطوا بالجارية، فقلت لبعضهم: ما قصة هذه الجارية؟ فقالوا: هذه جارية كان يظهر بها شيء نظن أنها مصابة بعقلها، وكان الذي بها يمنعها من المطعم والمشرب وكانت تشكو إلينا وجعاً بجوفها، فكنا نعرض عليها الأطباء، فكانت تقول: أريد متطبباً أشكو إليه بعض ما أجد من دائي عسى أن يكون عنده شفائي.
امرأة متعبدة
قال أبو علي الحسن بن حبيب الإمام: كان في باب الجابية امرأة من المتعبدات فلما جاء ابن رائق وأحرق البلد، كان الحريق في بيتها يعمل وهي قائمة تصلي. فجاء إليها زوجها فقال: قد أكربتيني بصلاتك هذه، إن كان ولا بد فادعي عليهم. فقالت: يا هذا، كيف يجوز لي أن أدعو على قوم ألحقوني بدرجة الفقراء؟!
عجوز
حكى عنها أبو علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك الحصائري قال: لقيتني عجوز على رأس زقاق عطاف، فقالت: يا شيخ، أنشد فيك وفي عصاك بيتين من الشعر؟ فقال: نعم. فقالت: من البسيط
стр. 10573
ما زلت أرقب حبل الدهر منتظراً ... حتى بليت وحبل الدهر ممدود
أقدم العود قدامي وأتبعه ... وكنت أمشي ولا يمشي بي العود
شاعرة من كلب
تزوجها خالد بن يزيد بن معاوية، وحملها إلى دمشق. قيل: إن خالداً خرج حاجاً، فلما رجع إذا هو بشيخ على ماء لكلب أورد إبله، ومعه ابنة له، كأنها ظبية عيطاء تعينه على سقي الإبل، من أتم النساء ما بين قرن إلى قدم، وهي في بردتين لها، قد اتزرت بواحدة، وتدرعت الأخرى. فرأى شيئاً لم ير مثله، فقال لمولى له: انطلق إلى هذا الأعرابي فاخطب علي ابنته، وأعطه ما سأل. فتزوج إياها على مئة من الإبل، وأهديت إليه في البردتين كما رآها، فلم يزدد إلا سروراً، فكانت تسامره، وتنشده أشعار قومها وتفتخر، فلما أغاظته قال: أنسيت البردتين؟ فأعرضت عنه طويلاً، ثم أنشأت تقول: من الطويل
أخالد مهلاً لا يعير بالفقر ... فكم من فتى نذل الخليقة ذي وفر
وآخر محمود الخليقة معوزٍ ... من المال لا يزري به لازم الفقر
ومن ذات بعل في حلي مظاهر ... وترفل في بز العراق وفي العطر
مذممة الأخلاق والغدر همة ... وإن مزجت منها البشاشة بالبشر
حصان لها خلق ودل مبتل ... هضيم الحشا حوراء آلفة الخدر
فلما قدم الشام تلقله عبد الملك بن مروان، فسأله عن سفره فأخبره، وحدثه بحديث الأعرابية وبردتيها، فانصرف عبد الملك إلى نسائه فحدثهن بذلك فقلن: يا أمير المؤمنين أن لو بعثت إلينا ببردتيها حتى ننظر إليهما. فسرح رسولاً، فلما أتى خالداً الرسول قالت: ما كنت لأفعل حتى أوجه إليه بأبيات، فإن استحسن أن ينظر إليهما فهو أعلم. فسرحت إليه: من الكامل
стр. 10574
يا ابن الذوائب من أمية والذي ... أفضت إليه خلافة الجبار
فيم استفزك خالد بحديثه ... حتى هممت بأن ترى أطماري
مهلاً أمير المؤمنين فما الذي ... أحببت من ذاكم علي بعار
فلئن رأيت سحيق شملي بالياً ... إني لمن قوم ذوي أخطار
صبر على ريب الزمان أعزة ... لا يخفرون بذمة وجوار
غلب إذا حمي الوطيس وجدتهم ... صبراً لدى الهيجا بني أحرار
فاترك مقالة خالد وحديثه ... واحفظ مقالة معشر أخيار
فوجه إليها عبد الملك بألف دينار، وقال: إنما أردنا استخراج هذا الشعر منك.
امرأة شاعرة
كان رجل من أهل الشام مع الحجاج، وكان يحضر طعامه، فكتب إلى أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب وأنه قد سمن، فكتبت إليه امرأته: من الطويل
أتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطين
إذا غبت لم تذكر صديقاً وإن تقم ... فأنت على ما في يديك صنين
وأنت ككلب السوء في جوع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمين
امرأة عنسية
شاعرة، من أهل داريا. قتل لها ابن اسمه عمرو بداريا في حرب أبي الهيذام، فقالت ترثيه، وقد قتلته قيس يوم داريا: من الخفيف
عين بالدمع فاستهلي لعمرو ... بدموع غزيرة الهملان
قتلته قيس فقرت بقتلى ... قيس عيلان مني العينان
стр. 10575
قتلوه مثل الهلال جواداً ... بالعطايا، يبر بالإخوان
قتلوه مثل القناة طريراً ... مائد الأصل، طيب الأردان
وبعمرو فجعت، لهفي عليه ... أبداً أو ألف في الأكفان
فقدته عنس الكرام وخولا ... ن، ومن مثل عنس أو خولان
ليت شعري فذاك أكبر همي ... هل يقدني الزمان من عيلان
عامراً عامراً فلا يغلبنكم ... عامر الغي يا بني قحطان
إن يفتكم يكن معاير فيكم ... فاضحات للشيب والولدان
البسوا الحلي والمجاسد يا قو ... م إذن واجلسوا مع النسوان
امرأة شاعرة
من نصارى بصرى قال المازني: نزلت بدير بصرى فرأيت في رهبانه فصاحة، وهم عرب منتصرة، وهم أفصح من رأيت، فقلت: ما فيكم شاعر؟ فقالوا: ما فينا إلا امرأة كبيرة السن. فقلت: جيئوني بها، فجاءت، واستنشدتها فأنشدتني لنفسها: من الطويل
أيا رفقة من دير بصرى تحملت ... تؤم الحمى حييت من رفقة رشدا
إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا ... تحية من قد ظن ألا يرى نجدا
وقولوا: تركنا العامري مكبلاً ... لكل هوىً من حبه مضمراً وجدا
فيا ليت شعري هل أرى جانب الحمى ... وقد أنبتت أجراعه أثلاً صعدا
وهل أردن الدهر ماءً وتلعةً ... كأن الصبا تجلو على متنه بردا
стр. 10576
أخت رابعة
زوج أحمد بن أبي الحواري. حدثت رابعة وكانت من متعبدات النساء قالت: دخلت على أخت لي عاتق تقرأ في المصحف، فقالت لي: يا أختي بلغني أن زوجك قد تزوج عليك. قلت: كان ذلك. قالت: لقد بلغني عنه عقل، فكيف رضي مع عقله بشغل قلبه عن الله بامرأتين؟ أما بلغك تفسير هذه الآية " إلا من أتى الله بقلب سليم "؟ قلت: لا. قالت: بلى، القلب السليم الذي يلقى الله وليس فيه غيره. قال أحمد بن أبي الحواري: فحدثت به أبا سليمان فقال لي: يا أحمد، لي ثلاثون سنة مذ قدمت الشام ما سمعت بحديث أرفع من هذا. والله أعلم قال عبد الله محمد بن المكرم: هذا آخر مختصر تاريخ الشام، وحكاية أخت رابعة كانت قبل هذه الترجمة بعدة أسماء، وإنما أخرتها رجاء بركة قوله تعالى " إلا من أتى الله بقلب سليم " والله تعالى لا يجعل في قلوبنا غيره، ولا يحرمنا خيره، وأن يرزقنا القدوم عليه بقلب سليم، إنه هو الرؤوف الحكيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
نجز الجزء التاسع والعشرون من مختصر تاريخ دمشق وهو آخر الكتاب علقه وما قبله عبد الله بن محمد بن المكرم بن أبي الحسن بن أحمد الأنصاري الكاتب عفا الله عنه وفرغ منه في الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وست مئة الحمد لله رب العالمين كما هو أهله، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل.