← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ما ورد فيمن قتل من أهل الشام بصفين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أربع ملاحم في الجنة: الجمل في الجنة، وصفين في الجنة، وحرة في الجنة "، وكان يكتم الرابعة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سمع علي يوم الجمل أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول، يقول الكفرة. قال: لا تقولوا، فإنهم زعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا. وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: رأيت علياً بعد صفين، وهو آخذ بيدي ونحن نمشي في القتلى، فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ قتلى أهل الشام فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنا في أصحاب معاوية، فقال علي: إنما الحساب علي وعلى معاوية. وعن عبد الرحمن بن نافع القارئ قال: قدمت العراق فدخلت دار علي بن أبي طالب التي كان يسكن، فإذا الموالي حلقتان يتحدثون، فجلست معهم. فخرج علي وهم يذكرون قتلى علي ومعاوية، فقالوا: قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد، ونبينا واحد، فأين قتلانا وقتلاهم؟ فأقبل علي، فلما رآهم قصد إليهم فسكتوا، فقال علي: ما كنتم تقولون؟ فسكتوا. فقال علي: عزمت عليكم لتخبرني، فقالوا: ذكرنا قتلانا وقتلى معاوية، وأن قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد، وديننا واحد، فقال علي: فإني أخبركم عن ذلك، إن الحساب علي وعلى معاوية. وعن سعد بن إبراهيم قال: خرج علي بن أبي طالب ذات يوم ومعه عدي بن حاتم الطائي، فإذا رجل من طيء قتيل، قد قتله أصحاب علي، فقال عدي: يا ويح هذا، كان أمس مسلماً واليوم كافراً. فقال علي: مهلاً، كان أمس مؤمناً وهو اليوم مؤمن.

стр. 107

وعن مكحول: أن أصحاب علي سألوه عمن قتلوا من أصحاب معاوية. قال: هم المؤمنون. وعن عقبة بن علقمة اليشكري قال: شهدت مع علي صفين، فأتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه. وعن عبد الرحمن بن جندب قال: سئل علي عن قتلاه وقتلى معاوية، قال: يؤتى بي وبمعاوية يوم القيامة، فنجتمع عند ذي العرض، فأينا فلج، فلج أصحابه. وعن علي ﵁ قال: من كان يريد وجه الله منا ومنهم نجا يعني صفين. قال عبد الله بن عروة: حدثني رجل شهد صفين قال: رأيت علياً خرج في بعض تلك الليالي، فنظر إلى أهل الشام فقال: اللهم اغفر لي ولهم. قال: فأتى عمار فأخبر، فقال: جروا له الحصير ما جره لكم. وعن عبد الله بن رباح أن عماراً قال: لا تقولوا كفر أهل الشام، ولكن قولوا: فسقوا أو ظلموا. وعن رباح بن الحارث قال: قال رجل من أهل الكوفة: كفر أهل الشام ورب الكعبة، فقال عمار: لا تقل كفروا، ولكنهم قووم مفتونون، بغوا علينا، فحق علينا قتالهم. وعنه قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمس ركبته، فقال رجل: كفر أهل الشام فقال عمار: لا تقل ذلك: نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون، جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.

стр. 108

ذكر ما ورد في ذم أهل الشام عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " الجفاء والبغي في الشام ". قال: هذا حديث لا يمكن الاعتماد عليه لضعف إسناده. وعن أنس أنه سمع النبي ﷺ يقول: إذا ركب الناس الخيل ولبسوا القباطي ونزلوا الشام، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء عمهم الله بقعوبة من عنده. ذكر في إسناده عمرو بن زياد الثوبي، وقال: كان منكر الحديث، يسرق الحديث ويحدث بالبواطيل. عن أبي هريرة قال: سينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر. قال ابن أبزى: بلغ عمر أن أناساً تكلموا في القدر فقام خطيباً فقال: يا أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفسي بيده لا أسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما. قال: فأمسك الناس عنه، حتى نبغت نابغة أو نبغة بالشام. وعن الشيباني قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا زرعة هلك عبادنا وخيارنا في هذا الرأي، يعني القدر. كان المتكلم في القدر بالشام: غيلان القدري، وتبعه على ذلك أتباع، فأخذه

стр. 109

هشام بن عبد الملك فصلبه، وكفى أهل الشام أمره. وقد كانت القدرية بالبصرة أكثر، وضررهم على أهل السنة أكبر، فإنهم صنفوا في نفيه التصانيف، وألف أهل الاعتزال فيه التآليف، فأفناهم الله وأبادهم. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إن الله خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة أشياء: خلق الجدب، وأردفه الزهد، وأسكنه الحجاز، وخلق العفة، وأردفها الغفلة، وأسكنها اليمن، وخلق الزيف، وأردفه الطاعون، وأسكنه الشام، وخلق الفجور، وأردفه الدرهم، وأسكنه العراق. قال: وهذا حديث فيه مجاهيل لا يحتج به. وعن سليمان بن يسار قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: أنا معك. وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريد الشام، فقال السيف: وأنا معك. وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: وأنا معك. وقال الغني: أريد مصر، فقال الذل: وأنا معك. فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين. فلما ورود الكتاب على عمر بن الخطاب قال: فالعراق إذاً، فالعراق إذاً. ورواه بن عائشة أيضاً: قال ابن عساكر: والمحفوظ عن كعب سوء القول في العراق، وضعف هذه الأحاديث. وعن أنس بن مالك قال: لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية، فجمعتهم إلى بابل، فاجتمعوا يومئذ ينظرون، لما حشروا له إذ نادى مناد: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه، فله كلام أهل السماء. فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود: أنت هو. فكان أول من تكلم بالعربية ولم يزل المنادي ينادي: من فعل كذا وكذا فله كذا

стр. 110

وكذا، حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً. وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن، فسميت بابل. وكان اللسان يومئذ بابلياً. وهبطت ملائكة الخير والشر، وملائكة الحياء والإيمان، وملائكة الصحة والشفاء، وملائكة الغنى، وملائكة الشرف، وملائكة المروءة، وملائكة الجفاء، وملائكة الجهل، وملائكة السيف، وملائكة اليأس، حتى انتهوا إلى العراق، فقال بعضهم لبعض: افترقوا. فقال ملك الإيمان: أنا أسكن المدينة ومكة، فقال ملك الحياء: أنا معك، فأجمعت الأمة على أن الإيمان والحياء ببلد رسول الله ﷺ . وقال مالك الشقاء: أنا أسكن البادية، فقال ملك الصحة: وأنا معك، فأجمعت الأمة على أن الصحة والشقاء في الأعراب. وقال ملك الجفاء: أنا أسكن المغرب، فقال ملك الجهل: أنا معك، فأجمعت الأمة على أن الجفاء والجهل في البربر. وقال ملك السيف: أنا أسكن الشام، فقال له ملك البأس: أنا معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا، فقال له ملك المروءة: أناملك البأس: أنا معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا، فقال له ملك المروءة: أنا معك. فقال ملك الشرف: وأنا معكما، فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق. وعن حكيم بن جابر قال: أخبرت أن الإسلام قال: أنا لا حق بأرض الشام، قال الموت: وأنا معك. قال الملك: وأنا لا حق بأرض العراق قال القتل: وأنا معك. قال الجوع: وأنا لاحق بأرض العرب، قالت الصحة: وأنا معك. قال: إنما أراد بذلك كثرة ما كان بها من الطاعون، أو القتل في الجهاد، وكلاهما شهادة. وذلك مدح ليس بذم. قال الجاحظ: أشياء اتفقت ثمانية أزواج ستة عشر صنفاً، ثم اتفقت أزواجاً فصارت ثمانية أزواج: فقال الدين: أسكن الحرمين مكة والمدينة، قالت الأمانة: أنا معك. قال الغني واليسار: أسكن مصر، قال الذل: أنا معك. قال السخاء: أسكن الشام، قالت الشجاعة: وأنا معك. قال العقل: أسكن العراق، قالت المروءة: وأنا معك. قال العلم: أسكن خراسان، قال الورع: وأنا معك. قالت التجارة: أسكن خوزستان وأصبهان، قالت النذالة: وأنا معك. قال الجفاء: أسكن المغرب، قال الجهل: وأنا معك. قال الفقر: أسكن اليمن، قالت القناعة: وأنا معك. وهذا مدح ليس بذم.

стр. 111

وعن عبد الله بن أبي الهذيل: أن عمر ﵁ أتي برجل قد أفطر في رمضان. فلما رفع إليه عثر، فقال: على وجهك، أو بوجهك. تفطر وصبياننا صيام؟ فضربه الحد، وكان إذا غضب على إنسان سيره إلى الشام، فسيره إلى الشام. لم يكن عمر ﵁ ينفي إلى الشام لدناءة حال أهله عنده، وإنما كان ينفي إليها لكثرة ما كان بها من الطاعون رجاء أن يكفيه الطاعون أمر من يغصب عليه، فينفيه إليها ليكون الطاعون شهادة له، ومكفراً عنه ما فرط منه. وعن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبريل ﵇ بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام. فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجس على الكافر. وعن علي بن زيد بن جدعان قال: قال رجل لعمرو بن العاص: صف لي الأمصار. قال: أهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، وأهل مصر أكيسهم صغاراً، وأحمقهم كباراً، وأهل الحجاز أسرع الناس إلى الفتنة وأعجزهم فيها، وأهل العراق أطلب الناس للعلم وأبعدهم منه. قدم عبد الله بن الكواء على معاوية، فقال له معاوية: أخبرني عن أهل البصرة. قال: يقاتلون معاً، ويدبرون شتى. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة. قال: أنظر الناس في صغيرة وأوقعه في كبيرة. قال: فأخبرني عن أهل المدينة. قال: أحرص الناس على الفتنة، وأعجزه فيها. قال: فأخبرني عن أهل مصر قال: لقمة آكل. قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين مدينتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل: قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين مدينتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل: قال: قلادة وليدة، فيها من كل خرزة. قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: جند أمير المؤمنين، ولا أقول فيهم شيئاً. قال: لتقولن. قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق، ولا يحسبون للسماء ساكناً.

стр. 112

وفي حديث آخر: أطوع الناس لمخلوق في معصية الخالق، وأجرؤهم على الموت لا يدري ما بعده. دمشقيهم يشتمل ولا يدري، وحمصيهم يسمع ولا يعي. قال: والمراد في هذه الحكايات ما كان عليه أهل الشام من طاعة أئمتهم وأمرائهم، واقتدائهم في الفتن والحروب بآرائهم، من غير نظر في عواقب الفتن كما فعلوا في سالف الزمن من قتالهم علي بن أبي طالب، وهو الإمام المرتضى، وفعلهم يوم الحرة، وحصار ابن الزبير. وتلك أمور قد خلت، وفتن قد مضت، عصم الله منها. وابن الكواء لا يعتمد على ما يرويه، فكيف يعتمد على ما يقوله عن نفسه؟ قال أبو المخيس: كنت جالساً عند الأحنف، فأتاه كتاب من عبد الملك بن مروان يدعوه إلى نفسه، فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى طاعة أهل الشام؟! ولوددت أن بيننا وبينهم جبلاً من نار، من أتانا منهم احترق، ومن أتاهم منا احترق. وهذا، لما كان يجري بين أهل الشام والعراق من الحروب، وأما الآن فقد آلف الله بين القلوب. وعن الأوزاعي قال: لا نأخذ من قول أهل العراق خصلتين، ولا من قول أهل مكة خصلتين، ولا من قول أهل المدينة خصلتين، ولا من قول أهل الشام خصلتين: فأما أهل العراق فتأخير السحور وشرب النبيذ، وأما أهل مكة فالمتعة والصرف، وأما أهل المدينة فإتيان النساء في أدبارهن والسماع، وأما أهل الشام فبيع العصير وأخذ الديون. قال: وهذان الأمران قد ذهبا. أما بيع العصير فليس في الشام اليوم عالم يبيحه، وأما الديوان فقد منعهموه السلطان.

стр. 113

وعن النعمان بن المنذر الغساني قال: كنت مع مكحول بالصائفة قال: فأتاه فتيان من أهل العراق قال: فجعلوا يسألونه، قال: فجعل يخبرهم قال: فقالوا له: عمن ومن حدثك، قال: فنشط لهم مكحول، فجعل يسند لهم، قال: فلما تهيأ قيامه ضحك، ثم قال: هكذا ينبغي لكم يا أهل العراق، لا يصلحكم إلا هذا، وأما أصحابنا هؤلاء أهل الشام فيأخذون كما تيسر. قال: ثم قام. قال الأعمش: كنا إذا جاءنا الحديث وأنكرناه قلنا: شامي وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أي الحديث أصح؟ قال: حديث أهل الحجاز، قيل: ثم من؟ قال: حديث أهل البصرة، قيل: ثم من؟ قال: حديث أهل الكوفة، قالوا: فالشام؟ قال: فنفض يده. في هذه الحكاية نظر، والعدوي، بعض رواتها، كذاب، ويحتمل إن كان صحيحاً أنه إنما قال ذلك لأن الغالب على أحاديث أهل الشام أحاديث الفتن والملاحم. وأما إذا جاء الحديث مسنداً من رواية ثقاتهم، بعضهم عن بعض فهو صحيح، تلزم به الحجة كما يلزم بأحاديث غيرهم. قال حميد بن إبراهيم: سألت عمرو بن عبيد عن هذه الآية: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " قال: قلت: هم أهل الشام؟ قال نعم. عمرو هو العدوي لا يحتج بما يرويه عن غيره، فكيف بما يقوله برأيه في كتاب الله مما لا يعضده بالحجة؟ قال الأوزاعي: كانوا يستحبون أن يحدثوا أهل الشام بفضائل أهل البيت، ليرجعوا عما كانوا عليه. وقال الثوري: إذا كنت بالشام فحدث بفضائل علي، وإذا كنت بالعراق فحدث بفضائل عثمان.

стр. 114

وهذا، لما كان في أهل الشام من الانحراف عن أهل بيت الرسول، وأما الآن فقد أمن ذلك، لما وقفوا عليه من فضائلهم. حدث أبو يحيى السكري قال: دخلت مسجد دمشق فرأيت في مسجدهما حلقاً، فقلت: هذا بلد قد دخله جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وعليهم، وملت إلى حلقة في المسجد في صدرها شيخ جالس فجلست إليه، فسأله رجل ممن بين يديه فقال: يا أبا المهلب: من علي بن أبي طالب؟ قال: خناق كان بالعراق، اجتمعت إليه جمعية فقصد أمير المؤمنين يحاربه فنصره الله عليه. قال: فاستعظمت ذلك وقمت، فرأيت في جانب المسجد شيخاً يصلي إلى سارية، حسن السمت والصلاة والهيئة فقصدت إليه فقلت له: يا شيخ، أنا رجل من أهل العراق جلست إلى تلك الحلقة. وقصصت عليه القصة، فقال لي: في هذا المسجد عجائب. بلغني أن بعضهم يطعن على أبي محمد حجاج بن يوسف فعلي بن أبي طالب من هو؟ وقد روي مثل معنى هذه الحكاية عن أهل حمص. وكلتا الحكايتين ضعيف. وأما ما تحكيه العامة من تأخير معاوية صلاة الجمعة إلى يوم السبت ورضي أهل الشام بذلك فأمر مختلق لا اصل له، ومعاوية ومن كان في عصره بالشام من الصحابة والتابعين أتقى لله وأشد محافظة على أداء فريضة، وأفقه في دينه من أن يخفى عنهم أن ذلك لا يجوز. قال: ولم أجد لذلك أصلاً في شيء من الروايات. وإنا يحكى بإسناد منقطع أن بعض مغفلي أهل الشام امتحن بذكر ذلك في العراق في زمن الحجاج، فلعل بعض الناس بلغه ذلك فعزاه إلى أهل الشام. قال: كان للحجاج قاض في الكوفة من أهل الشام يقال له أبو حمير، فحضرت الجمعة فمضى يريدها فلقيه رجل من أهل العراق فقال: أبا حمير، أين تذهب؟ قال: إلى الجمعة، قال: أما بلغك أن الأمير قد أخر الجمعة اليوم؟ فانصرف راجعاً إلى بيته. فلما

стр. 115

كان من الغد قال له الحجاج: أين كنت يا أبا حمير لم تحضر معنا الجمعة؟ قال: لقيني بعض أهل العراق فأخبرني أن الأمير أخر الجمعة فانصرفت. قال: فضحك الحجاج وقال: أبا حمير أما علمت أن الجمعة لا تؤخر؟ قال: وهذه الحكاية إن صحت تدل على بطلان ما يدعى على معاوية من ذلك، لأنه لو كان تقدم ذلك من معاوية لما خفي على أبي حمير حتى كان يقول للحجاج: فقد فعل مثل هذا معاوية، ولا على الحجاج حتى يقول لأبي حمير: هذا كما قال معاوية لأهل الشام. والله يعيذنا من إشاعة الكذب في السلف، ويمن علينا بالثبات على الحق. قال: وإنما يتم من الأمر ما هذا سبيله على من اشتهر منه تغفيله. كما روي عن أبي علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري قال: سألت أبا عمرو هلالاً يعني: ابن العلاء. عن أبي بكر بن بدر قال: ذكروا أنه خرج يوم خميس قد لبس ثيابه يريد الجمعة، فمر بميمون بن مهران فقال له: أين تريد: فقال: الجمعة، فقال له ميمون: قد أخروها إلى غد، فرجع إلى أهله فقال لهم: قال لي ميمون بن مهران إنهم قد أخروا الجمعة إلى غد. فأما ما كان في عصر معاوية من الصحابة والتابعين فلا يجوز أن يلحق بهم ما لا يليق. وقد كان معاوية يأمر بحضور الجمعة أهل القرى القاصية، فكيف يظن به أنه أخرها عن حاضرتها؟! كما روي عن يونس بن حنبس قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر منبر دمشق يقول: يا أهل قردا، يا أهل زاكية، يا أداني البثنية، الجمعة الجمعة، وربما قال: يا أهل قين، يا أقاصي الغوطة، الجمعة الجمعة، لا تدعوها. أخبار ملوك الشام قبل الإسلام

стр. 116

ذكر ما جاء من أخبار ملوك الشام قبل الإسلام عن ابن عباس قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثان. فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : " أما إنهم سيظهرون ". فذكر أبو بكر لهم ذلك فقالوا: اجعل بيننا وبينكم أجلاً، إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، فجعل بينهم أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فقال: ألا جعلته أراه قال: دون العشرة قال: فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله: " ألم غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بعضع سنين " قال: فغلبت الروم ثم غلبت بعد: " لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ". قال سفيان: وسمعت أنهم ظهروا يوم بدر. وعن عبد الله بن عباس. أنه سمع عمر بن الخطاب يسأل الهرمزان عظيم الأهواز، وكان نزل على حكم عمر

стр. 117

فأسلم فعفا عنه، فسأل عمر عن جيوش فارس التي بعث كسرى مع شهربراز، وما الذي كشف فارس عنهم فقال الهرمزان: كان كسرى بعث شهربراز وبعث معه جنود فارس، فملك الشام ومصر وخرب عامة حصون الروم، وطال زمانه بالشام ومصر وتلك الأرض، فطفق كسرى يستبطئه ويكتب إليه: إنك لو أردت أن تفتح مدينة الروم فتحتها، ولكنك رضيت بمكانك فأردت طول السلطان، فأكثر إليه كسرى من الكتب في ذلك وأكثر شهربراز مراجعته واعتذارا إليه، فلما طال ذلك على كسرى كتب إلى عظيم من عظماء فارس مع شهربراز يأمره بقتل شهربراز ويلي أمر الجنود، فكتب إليه ذلك العظيم يذكر أن شهربراز جاهد ناصح وأنه هو أنبل، وهو أمثل بالحرب منه، فكتب إليه كسرى يعزم عيه ليقتلنه، فكتب أيضاً يراجعه، ويقول إنه ليس لك عبد مثل شهربراز، وإنك لو تعلم ما يوازي من مكابدة الروم عذرته. فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنه وليلين أمر الجنود، فكتب إليه يراجعه أيضاً فغضب كسرى، فكتب إلى شهربراز يعزم عليه ليقتلن ذلك العظيم، فأرسل شهربراز إلى ذلك العظيم من فارس فأقرأه كتاب كسرى فقال له: راجع في، فقال له: قد علمت أن كسرى لا يراجع وقد علمت محبتي إياك، ولكنه قد جاءني مالاً أستطيع تركه، فقال له ذلك الرجل: أفلا تدعني أرجع إلى أهلي فآمرهم بأمري، وأعهد إليهم عهدي؟ فقال بلى، وذلك الذي أملك لك فانطلق إلى أهله، فأخذ صحائف كسرى الثلاث التي كتب إليه، فجعلهن في كمه، ثم جاء حتى دخل على شهربراز ودفع إليه الصحيفة الأولى فاقترأها شهربراز فقال له شهربراز: أنت خير مني، ثم دفع إليه الصحيفة الثالثة فاقترأها. فلما فرغ شهربراز من قراءته قال: أقسم بالله لأسوأن كسرى. فأجمع شهربراز المكر بكسرى، وكاتب هرقل وذكر له أن كسرى قد أفسد فارس، وجهز بعوثها، وابتليت بملكه، وسأله أن يلقاه بمكان نصف يحكمان فيه الأمر ويتعاهدان، ثم يكشف عنه شهربراز جنود فارس ويخلي بينه وبين السير إلى كسرى. فلما جاء كتاب شهربراز دعا رهطاً من عظماء الروم فقال لهم حين جلسوا؛ أنا اليوم أحزم الناس، أو أعجز الناس، وقد أتاني أمر لا تحسبونه، وسأعرض عليكم فأشيروا

стр. 118

علي فيه، ثم قرأ عليهم كتاب شهربراز، فاختلفوا عليه في الرأي، فقال بعضهم: هذا مكر من كسرى، وقال بعضهم: أراد هذا العبد أن يلقاك كسرى فيشمت بك ثم لا يبالي ما لقي. فقال هرق: إن الرأي ليس حيث ذهبتم، إنه لعمري ما طابت نفس كسرى بأن يشتم هذا الشتم الذي أجد في كتاب شهربراز، وما كان شهربراز ليكتب بهذا الكتاب وهو ظاهر على عامة ملكي إلا لأمر حدث بينه وبين كسرى، وإني والله لألقينه، فكتب إليه هرقل إنه قد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وإني لاقيك، فموعدك كان كذا وكذا، فاخرج بأربعة آلاف من أصحابك فإني خارج في مثلهم، فإذا بلغت مكان كذا وكذا فضع ممن معك خمس مئة، فإني سأضع بمكان كذا وكذا مثلهم، ثم ضع بمكان كذا خمس مئة، فإني سأضع بمكان كذا مثلهم، حتى نلتقي أنا وأنت في خمس مئة. وبعث هرقل الرسل من عنده إلى شهربراز فأمرهم أن يقوموا على ذلك، فإن فعل شهربراز لم يرسلوا إليه، وإن أبى ذلك عجلوا إليه بكتاب، فرأى رأيه، فافعل ذلك شهربراز. وسار هرقل في أربعة آلاف ومع شهربراز خمس مئة، فلما رآهم شهربراز أرسل إلى هرقل: أغدرت؟ فأرسل إليه هرقل: لم أغدر ولكن خفت الغدر من قبلك، وأمر هرقل بقبة ديباج فضربت لهما بين الصفين، فنزل هرقل فدخلها وأدخل ترجمانه، وأقبل شهربراز حتى دخل عليه، فانتحيا ومعهما ترجمان حتى أحكما أمرهما، واستوثق كل واحد منهما بالعهد والمواثيق، حتى إذا فرغا من أمرهم خرج هرقل، فأشار إلى شهربراز أن يقتل الترجمان لكي يخفى أمرهم وسرهما، فقتله شهربراز ثم انكشف شهربراز فجيش الجنود، وسار جيش هرقل إلى كسرى حتى أغاروا على كسرى ومن بقي معه، فكان ذلك أول هلكة كسرى، ووفى هرقل لشهربراز بما أعطاه من ترك أرض فارس وسببها، فانكشف حين ولى، وقتلت فارس كسرى، ولحق شهربراز بفارس والجنود التي معه. حدث محمد بن مهاجر الأنصاري، وذكر مسير هرقل إلى بيت المقدس فقال: إن كسرى وفارساً ظهرت على الروم بالشام وما دون خليج القسطنطينية، وسار

стр. 119

بجنوده حتى نزل بخليجها وأخذ في كبسه بالحجارة والكلس ليتخذوا طريقاً يبساً، فبينما هو على ذلك إذ بلغه أن ملك الهند الخزر قد خلفاه في بلاده من العراق. فانصرف عن القسطنطينية وخلف على ما ظهر عليه من مدائن الشام عاملاً في حكمه من أساورته وخيولهم فنزل ذلك العامل حمص وضبط له ما خلفه عليه، ومضى كسرى إلى عراقه، فإذا الحرب قد نشبت بني ملك الهند وبين ملك الخزر، فكتبا إليه كلاهما يسألانه النصرة على كل واحد منهما على أن يرد من والاه على صاحبه جميع ما استباح وسبى من بلاده ويزيده كذا وكذا، فرأى كسرى وأساورته أن يظاهر ملك خزر على ملك الهند لجواره ملك خزر، ومقارعته إياه في كل يوم، ولجرأة ملك الهند عليه، وتناوله الفرصة منه إذا أمكنته من بعد. فوالى كسرى ملك خزر على ملك الهند وقهراه، واستنقذا ما كان أصاب من بلاده من سبي أو غير ذلك. وزاده هدية ثلاثين ألف مملوك، وانصرف عنه جنوده فملك كسرى على الثلاثين ألف مملوك الذين خلفهم ملك خزر عنده، رجلاً، وسيرهم إلى ما خلف القسطنطينية، وأسكنهم تلك البلاد وهي يومئذ خراب. قال محمد بن مهاجر: فهم اليوم برجان. وعن العلاء بن الزبير الكلابي عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارساً، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم بالشام والعراق، وكل ذلك في خمس عشرة سنة.

стр. 120

باب تبشير النبي أمته بافتتاح الشام عن سفيان بن أبي زهير قال: قال رسول الله ﷺ : " يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهاليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون ثم تفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم من لو كانوا يعلمون ". وعن بسر بن سعيد أنه سمع في مجلس الشنئيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم: أن فرسه أعيت عليه بالعقيق، وهم في بعث رسول الله ﷺ فرجع إليه يسحتمله، فزعم سفيان كما ذكروا أن رسول الله ﷺ خرج يبتغي له بعيرا. فلم يجده إلا عند أبي جهم بن حذيفة العدوي فسامه: فقال أبو جهم: لا أبيعكه يا سول الله، ولكن خذه فاحمل عليه من شئت. فزعم أنه أخذه منه، ثم خرج حتى إذا بلغ بئر الإهاب زعم أن رسول الله ﷺ قال: " يوشك البنيان أن يبلغ هذا المكان، ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من أهل هذا البلد، ويعجبهم ريفه ورخاؤه، فيسيرون والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون، إن إبراهيم ﵇ دعا لأهل مكة، وإني أسأل الله أن يبارك لنا في صاعنا ومدنا، وأن يبارك لنا في مدينتنا بما بارك لأهل مكة ". وعن أبي ذر قال: استعيذوا بالله من زمن التباغي وزمن التلاعن. قالوا: وما ذاك؟ قال: لا تقوم الساعة حتى يكون قتال قوم دعوتهم دعوى جاهلية، فيقتل بعضهم بعضاً، ولا تقوم

стр. 121

الساعة حتى توقف العربية التي تنسب إلى سبعة أباء، بالأسواق، لا يمنع الرجل أن يبتاعها إلا حموشة ساقيها، وكان يقال: المحروم من حرم غنيمة كلب. قال: وقال رسول الله ﷺ : " أول الناس هلاكاً قريش، وأول قريش هلاكاً أهل بيتي ". قال: ويقال: اشتكي إليه وباء المدينة فقال: اللهم انقل وباءها إلى مهيعة، اللهم حببنها إلينا ضعف ما حببت إلينا مكة. قال: ويقال: استقبل الشام فقال: يفتح ما هاهنا فيبس الناس إليه بساً، ويفتح المشرق فيبس الناس إليه بساً، والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون، وبورك لهم في صاعهم ومدهم. وقال: من صبر على لأوائها وشدتها له شهيداً يوم القيامة. وعن أبي زغب الإيادي قال: نزل بي عبد الله بن حوالة صاحب النبي ﷺ وقد بلغنا أنه فرض له في المئتين فأبى إلا مئة. قال: قلت: أحق ما بلغنا أنه فرض لك في مئتين فأبيت إلا مئة؟ فوا لله ما منعه وهو نازل علي أن يقول: لا أم لك، أو لا تكفي ابن حوالة مئة في كل عام؟ ثم أنشأ يحدثنا عن رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ بعثنا على أقدامنا حول المدينة لنغنم، فقدمنا ولم نغتم شيئاً. فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بنا من الجهد قال رسول الله ﷺ : اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى الناس فيهونوا عليهم ويستأثروا عليهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولكن توحد بأرزاقهم، ثم قال: لتفتحن لكم الشام، ثم لتقسمن لكم كنوز فارس والروم، وليكونن لأحدكم من المال كذا وكذا، وحتى إن أحدكم ليعطى مئة دينار فيتسخطها، ثم وضع يده على رأسي فقال: يا بن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت

стр. 122

الأرض المقدسة فقد أتت الزلازل والبلابل والأمور العظام. والساعة أقرب إلى الناس من يدي هذه إلى رأسك. وعن البراء بن عازب قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ فجاء رسول الله ﷺ فلما رآها ألقى ثوبه وأخذ المعول فقال: بسم الله ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء في كاني هذا الساعة. وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله استقبل بي الشام، وولى ظهري اليمن فقال لي: يا محمد: إني جعلت ما وراءك مدداً لك، وجعلت ما تجاهك عصمة لك ورزقاً، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يزال الله يزيد الإسلام وأهله، وينقص الشرك وأهله حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى إلا جوراً، يعني جور السلطان. قيل: يا رسول الله، وما النطفتان؟ فقال: بحر المشرق والمغرب. قال: فقال النبي ﷺ والذي نفسي بيده، والذي نفسي بيده ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل. وعن عبد الله بن بسر قال: أهديت للنبي ﷺ شاة والطعام يومئذ قليل، فقال لأهله: اطبخوا هذه الشاة، وانظروا إلى هذا الدقيق فاخبزوه، واطبخوا واثردوا عليه. قال: وكانت للنبي ﷺ قصعة يقال لها: الغراء، يحملها أربعة رجال، فلما أصبح وسبح الضحى أتى بتلك القصعة والتقوا عليها، فإذا كثر الناس جثا رسول الله ﷺ فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة! فقال النبي ﷺ إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً، ثم قال: كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك الله فيها. ثم قال: خذوا فكلوا، فو الذي نفس محمد بيده لتفتحن عليكم أرض فارس والروم حتى يكثر الطعام. ولا يذكر اسم الله تعالى عليه.

стр. 123

وعن سليمان قال: كنت جالساً مع رسول الله ﷺ في عصابة من أصحابه فجاءت عصابة فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا قريب عهد بالجاهلية، كنا نصيب من الزنى فائذن لنا في الخصاء، فكره رسول الله ﷺ مسألتهم، حتى عرف ذلك في وجهه، ثم جاءت عصابة أخرى فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا قريب عهد بالجاهلية كنا نصيب من الآثام، فائذن لنا في الجلوس في البيوت نصوم ونقوم حتى يدركنا الموت، فسر رسول الله ﷺ بمسألتهم حتى عرف البشر في وجهه وقال: إنكم ستجندون أجناداً، وستكون لكم ذمة وخراج وأرض يفتحها الله لكم، منها ما يكون على شفير البحر، ومدائن وقصور، فمن أدرك ذلك منكم، فاستطاع منكم أن يحبس نفسه في مدينة من تلك المدائن أو قصر من تلك القصور حتى يدركه الموت فليفعل. وعن عوف بن مالك أن النبي ﷺ قال لأصحابه: الفقر تخافون أو العوز أو تهمكم الدنيا؟ إن الله فاتح لكم أرض فارس والروم، ويصب عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغكم إلا هي. وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنها ستفتح عليكم الشام وتجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمامات، وهي حرام على رجال أمتي إلا بأزر، وعلى نساء أمتي إلا نفساء أو سقيمة ". وعن معاذ بن جبل سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ستهاجرون إلى الشام فتفتح لكم، ويكون فيكم داء كالدمل أو كالحرة يأخذ بمراق الرجل يستشهد الله به أنفسهم، ويزكي به أعمالهم ". وعن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ قال: " سيفتح عليكم الشام، وستضرب عليكم بعوث يكره الرجال فيها البعث، ثم يتخلف عن قومه ثم يتبع القبائل فيقول: من أكفيه من أكفيه؟ ألا وذاك الأجير إلى آخر قطرة من دمه ".

стр. 124

وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : " تنزلون منزلاً يقال له الجابية أو الجويبة يصيبكم فيه داء مصل غدة الجمل يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم ويزكي به أموالكم ". وعن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: " اتقوا الله يا عباد الله، فإنكم إن اتقيتم الله أشبعكم من خير الشام وزيت الشام ". وعن علي وابن عباس ﵄ في قوله : " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها " إلى قوله: على كل شيء قديراً " المغانم: فتوح من لدن خيبر. " تأخذونها " تلونها وتغنمون ما فيها. عجل لكم من ذلك خيبر " وكف أيدي الناس ": قريش، " عنكم " بالصلح يوم الحديبة، " ولتكون آية للمؤمنين " شاهداً على ما بعدها، ودليلاً على إنجازها، " وأخرى لم تقدروا عليها ": على علم وقتها، أفيئها عليكم، فارس والروم، " قد أحاط الله بها " قضى الله بها أنها لكم، منها الأيام والقوادس والواقوصة والمدائن والحمر بالشام ومصر والضواحي. فاجتمعت هذا الصفات فيمن قاتل فارس والروم وسائر أعاجم ذلك الزمان. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: " وأثابهم فتحاً قريباً " قال: خيبر، قال: " وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها " قال: فارس والروم. وعن الواقدي: قال: ويقال: مكة.

стр. 125

وعن ابن عباس في هذه الآية: " وأخرى لم تقدروا عليها " قال: ما فتح الله من هذه الفتوح. وعن مجاهد في قوله: " أولي بأس شديد " قال: هم فارس والروم.

стр. 126

باب سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه وهي غزوة دومة الجندل وذات أطلاح وغزوة مؤتة وذات السلاسل ذكر الواقدي: أن غزوة دومة الجندل أول غزوات الشام، وهي من المدينة على ثلاث عشرة مرحلة، ومن الكوفة على عشر مراحل في برية مرث، ومن دمشق على عشر مراحل، وهي أرض مخل وزرع، يسقون على النواضح، وحولها عيون قليلة، وزرعهم الشعير وهي مدينة عليها سور، ولها حصن عادي مشهور في العرب يدعى مارد. والثانية مؤتة، والغزوة الثالثة تبوك، والغزوة الرابعة غزوة أسامة بن زيد يبنى من أرض فلسطين في سنة عشر، والغزوة الخامسة غزوة أسامة ابن زيد آبل الزيت في سنة إحدى عشرة، وهي التي أمره عليها ﷺ وهو مريض، فغزاها بعد وفاته ﷺ . قال: ولم يفرق أحد بين غزوة يبنى وبين غزوة آبل الزيت غير الواقدي. وعندي أنهما غزوة واحدة أغار فيها على الموضعين جميعاً. والله أعلم. عن ابن عمر قال: دعا رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف قال: تجهز فإني باعثك في سرية من يومك هذا أو من غد إن شاء الله. قال ابن عمر: فسمعت ذلك فقلت: لأدخلن فلأصلين مع النبي ﷺ الغداة فلأسمعن وصيته لعبد الرحمن بن عوف. قال: فغدوت فصليت فإذا أبو بكر

стр. 127

وعمر وناس من المهاجرين، فيهم عبد الرحمن، وإذا رسول الله ﷺ قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل، فيدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن: ما خلفك عن أصحابك؟ قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه في السفر، فهم معسكرون بالجرف، وكانوا سبع مئة رجل فقال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعلي ثياب سفري. قال: وعلى عبد الرحمن بن عوف عمامة قد لفها على رأسه. قال ابن عمر: فدعاه النبي ﷺ فأقعده بين يديه فنفض عمامته بيده ثم عممه بعمامة سوداء، فأرخى بين كتفيه منها ثم قال: هكذا فاعتم يا بن عوف، قال: وعلى ابن عوف السيف متوشحة، ثم قال رسول الله ﷺ : " اغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليداً ". قال ابن عمر: ثم بسط يده فقال: أيها الناس، اتقوا خمساً قبل أن يحل بكم، ما نقص مكيال قوم إلا أخذهم الله بالسنين، ونقص من الثمرات لعلهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما منع قوم الزكاة إلا أمسك الله عنهم، قطر السماء. ولولا البهائم لم يسقوا، وما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط عليهم الطاعون، وما حكم قوم بغير آي القرآن إلا ألبسهم الله شيعاً، وأذاق بعضهم بأس بعض. قال: فخرج عبد الرحمن حتى لحق أصحابه، فسار حتى قدم دومة الجندل، فلما حل بها دعاهم إلى الإسلام، فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أول ما قدم يعطونه إلا السيف، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانياً وكان رأسهم، فكتب عبد الرحمن إلى النبي ﷺ يخبره بذلك، وبعث رجلاً من جهينة يقال له: رافع بن مكيث، وكتب يخبر النبي ﷺ أنه قد أراد أن يتزوج فيهم فكتب إليه النبي ﷺ أن تزوج ابنة الأصبغ تماضر، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها ثم أقبل بها. وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وأما سرية ذات أطلاح فروي عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعاً من جمعهم كبيراً، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبيل. فلما رأى ذلك أصحاب النبي ﷺ قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا فأفلت منهم رجل كان جريحاً في

стр. 128

القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشق ذلك على رسول الله ﷺ وهم بالبعثة إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم. وأما غزوة مؤتة فكان سببها فيما روى عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي، ثم أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال: الشام قال: لعلك من رسل محمد، قال: نعم، أنا رسول رسول الله ﷺ ، فأوثق رباطاً ثم قدمه فضرب عنقه صبراً، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فبلغ رسول الله ﷺ الخبر، فاشتد عليه، وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجرف، ولم يبين رسول الله ﷺ الأمراء، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر جلس، وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف على رسول الله ﷺ مع الناس، فقال رسول الله ﷺ : " زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فليجعلوه عليهم "، فقال النعمان بن مهض: أبا القاسم، إن كنت نبياً فسميت من سميت قليلاً أو كثيراً أصيبوا جميعاً، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا: إن أصيب فلان، فلو سمى مئة أصيبوا جميعاً، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة، اعهد، فلا ترجع إلى محمد أبداً إن كان نبياً، فقال زيد: فأشهد أنه نبي صادق بار. فلما أجمعوا المسير وقد عقد رسول الله ﷺ لهم اللواء ودفعه إلى زيد بن حارثة لواء أبيض مشى الناس إلى أمراء رسول الله ﷺ يودعونهم ويدعون لهم، وجعل المسلمون يودع بعضهم بعضاً، والمسلمون ثلاثة آلاف، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون؛ دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين. قال البيهقي: فلما ودعوا عبد الله بن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟ قال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة إليها، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: " وإن منكم

стр. 129

إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً " فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورد. ثم خرج القوم حتى نزلوا معان، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب في مئة ألف من الروم ومئة ألف من المستعربة، فأقاموا بمعان يومين. وقالوا: نبعث إلى رسول الله ﷺ فنخبره بكثيرة عدونا. فإما أن يمدنا، وإما أن يأمرنا أمراً، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، قال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم لها، إياها تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإن يظهرنا الله به فربما فعل، وإن تكن الأخرى فهي الشهادة، وليست بشر المنزلتين، فقال الناس: والله لقد صدق ابن رواحة، فانشمر الناس وهم ثلاثة آلاف حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها: شراف ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة، قرية فوق أحساء. وقيل: كانوا ستة آلاف من المهاجرين والأنصار وغيرهم. قال عطاف بن خالد المخزومي: وخرج رسول الله ﷺ مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف ووقفوا حوله، فقال: اغزوا باسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون بها رجالاً في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين، للشياطين في رؤوسهم مفاحيص، فافلقوا هامهم بالسيوف، ولا تقتلن امرأة ولا صغيراً ضرعاً، ولا كبيراً فانياً، ولا تعزقن نخلاً، ولا تقطعن شجراً ولا تهدموا بناء. وعن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة. فلما رأينا المشركين رابنا ما لا قبل لنا به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، مالك، كأنك ترى جموعاً كثيرة! قلت: نعم، قال: لم تشهدنا ببدر أنا لم ننصر.

стр. 130

وعن عبد الله بن أبي بكر قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال رسول الله ﷺ : " أخذ الراية زيد بن حارثة فجاءه الشيطان فحبب إيه الحياة وكره إليه الموت، وحبب إليه الدنيا " فقال: الآن؟ أحين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين، تحبب إلي الدنيا؟! فمضى قدماً حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله ﷺ وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فمناه الحياة، وكره إليه الموت، ومناه الدنيا فقال: الآن؟ حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا! ثم مضى قدماً حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ودعا له. ثم قال رسول الله ﷺ : " استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة، فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة ". ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضاً، فشق ذلك على الأنصار، قيل: يا رسول الله، ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فشجع فاستشهد فدخل الجنة، فسري عن قومه. وروي أنه لما قتل عبد الله بن رواحة انهزم القوم أسوأ هزيمة رأيتها قط، في كل وجه، ثم إن المسلمين تراجعوا فأقبل رجل من الأنصار، يقال له ثابت بن أقرم فأخذ اللواء وجعل يصيح بالأنصار، فجعل الناس يثوبون إليه من كل وجه، وهم قليل، وهو يقول: إلي أيها الناس، فاجتمعوا إليه، قال: فنظر ثابت إلى خالد بن الوليد فقال: خذ اللواء يا أبا سليمان فقال: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن وقد شهدت بدراً، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوا لله ما أخذته إلا لك فأخذه خالد، فحمله ساعة وجعل المشركون يحملون عليه فتثبت حتى تكركر المشركون، وحمل بأصحابه، ففض جمعاً من جمعهم، ثم دهمه منهم بشر كثير وانحاش بالمسلمين فانكشفوا راجعين. قال عطاف بن خالد: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدوا، وقد جعل مقدمته

стр. 131

ساقة، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا، فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وروي أن زيد بن حارثة سار بهم على حبال بين الشراة والبلقاء على ريفها وعمارتها فمر بقرية من قرى حبال يقال لها اكبث، فشد أهلها على ساقة المسلمين، فأصابوهم بجراحة، وقتلوا رجلاً من المسلمين فبلغ ذلك جماعة الجيش، فاستأذنوا زيد بن حارثة في الرجعة إليهم والانتقام منهم، فقال زيد: لا أرى ذلك، لأن عدوكم أمامكم قد جمعوا لكم، ودنوا منكم، فأكره أن يفلوا حدكم ونشاطكم بقتال غيرهم، ثم لا آمن أن يجمعوا لكم فيكونوا من ورائكم، فتكونوا بين عسكرين، فمضى زيد ومن معه حتى لقوا عدوهم بين قريات ثلاث: بين مؤتة، والعمقة، وزقوقين فصافوهم هنالك. وروي أن خالداً لما أخذ الراية قاتلهم قتالاً شديداً ثم انحاز الفريقان كل عن كل قافلاً عن غير هزيمة، فقفل المسلمون على طريقهم التي أبدوا منها حتى مروا بتلك القرية والحصن الذين كانوا شدوا على ساقتهم، وقتلوا رجلاً منهم، فحاصروهم في حصنهم حتى فتحه الله عليهم عنوة، فقتل خالد بن الوليد مقاتلتهم في نقيع إلى جانب حصنهم صبراً. فبها سمي ذلك النقيع نقيع الدم إلى اليوم، وهدموا صنهم هدماً لم يعمر بعده إلى اليوم. وفي حديث أبي قتادة: ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء. قال: فرفع رسول الله ﷺ أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانتصر به. قال: فيومئذ سمي خالد: سيف الله. ثم قال رسول الله ﷺ : انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد. قال: فنفر الناس في حر شديد مشاة وركباناً. قال عوف بن مالك الأشجعي " خرجت مع زيد بن حارثة في عزوة مؤتة فوافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزوراً، فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه،

стр. 132

فاتخذ كهيئة الدرقة، ومضينا، فلقينا جموع الروم. قال: وفيهم رجل على فرس له، أشقر، عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر، وعلاه فقتله فحاز فرسه وسلاحه. فلما فتح الله على المسلمين بعث خالد بن الوليد فأخذ من السلب. قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته، قال عوف: فقلت: لتردنه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يرده عليه، قال عوف: فاجتمعنا فقصصت عليه قصة المددي وما فعله خالد، فقال رسول الله ﷺ : يا خالد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، استكثرته، فقال رسول الله ﷺ : رد عليه ما أخذت منه، فقلت: دونك يا خالد. ألم أقل لك! فقال رسول الله ﷺ : ما ذاك؟ فأخبرته، فغضب رسول الله ﷺ وقال: يا خالد، لا ترد عليه، هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمركم وعليهم كدره. وأما غزوة ذات السلاسل فهي بعد غزوة مؤتة، وقال ابن إسحاق: إنها قبل غزوة مؤتة. روي أنه بلغ رسول الله ﷺ أن جمعاً من بلي وقضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في سراة المهاجرين والأنصار في ثلاث مئة عامر بن ربيعة وصهيب بن سنان وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسعد بن أبي وقاص، ومن الأنصار: أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، وسلمة بن سلامة، وسعد بن عبادة، وأمره أن يستعين بمن مر به من العرب، وهي بلاد بلي وعذرة وبلقين. وذلك أن عمرو بن العاص كان ذا رحم بهم: كانت أم العاص بن وائل بلوية، فأراد رسول الله ﷺ يتألفهم بعمرو، فسار، وكان يكمن النهار، ويسير الليل، وكانت معه ثلاثون فرساً. فلما دنا من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً، فنزل قريباً منه عشاء، وهم شاتون، فجمع أصحابه الحطب يريدون أن يصطلوا، وهي أرض باردة، فمنعهم فشق ذلك عليهم حتى كلمه في ذلك بعض المهاجرين فغالظه، فقال عمرو: قد أمرت أن تسمع لي

стр. 133

وتطيع، قال: نعم، قال: فافعل، وبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يخبره أن لهم جمعاً كبيراً، ويستمده بالرجال، فبعث أبا عبيدة بن الجراح وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين: أبو بكر وعمر، والأنصار وأمره رسول الله ﷺ أن يلحق عمرو بن العاص فخرج أبو عبيدة في مئتين وأمره أن يكونا جميعاً ولا يختلفا، فساروا حتى لحقوا بعمرو بن العاص، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمراً، فقال له عمرو: إنما قدمت مدداً لي، وليس أن تؤمني وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي ﷺ إلي مدداً، فقال المهاجرون: كلا بل أنت أمير أصحابك، وهو أمير أصحابه، فقال عمرو: لا بل أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف وكان حسن الخلق لين الشيمة قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، فآب إلى عمرو جمع فصاروا خمس مئة، فسار الليل والنهار حتى وطئوا بلاد بلي ودوخها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع، فلما سمعوا به تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين، في آخر ذلك جمعاً ليس بالكثير، فتقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه، وحمل المسمون عليهم فهربوا وأعجزوا هرباً في بالبلاد وتفرقوا، ودوخ عمرو ما هناك، وأقام أياماً لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، فلم يكن في ذلك أثر من ذلك. لم يكن غنائم تقسم إلا ما لا ذكر له. وفي بعض روايات هذا الخبر: حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال لها السلاسل، فبذلك سميت هذه الغزوة: ذات السلاسل. وفي هذه الرواية أن رسول الله ﷺ قال: إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه، لأنه أيقظ عيناً، وأبصر بالحرب. وفي رواية: أن أبا عبيدة لما أطاع عمرو بن العاص وجد عمر من ذلك وقال: أتطيع ابن

стр. 134

النابغة وتؤمره على نفسك وعلى أبي بكر وعلينا؟! ما هذا الرأي. فقال أبو عبيدة لعمر: يا بن أم، إن رسول الله ﷺ عهد إلي وإليه ألا نتعاصيا، فخشيت إن لم أطعه أن أعصي عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ ، فيدخل بيني وبين الناس، وإني والله لأطيعنه حتى أقفل. ففما قفلوا كلم عمر نب الخطاب رسول الله ﷺ وشكا إليه ذلك، فقال رسول الله ﷺ : لن أؤمر عليكم بعدها إلا منكم يريد المهاجرين. فكانت تلك غزوة ذات السلاسل، أسر فيها ناس كثير من العرب وسبوا. قال عمرو بن العاص: بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذات السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه، وقلت: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قلت: إني لست أسألك عن أهلك. قال: فأبوها. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. قلت: ثم من؟ حتى عدد رهطاً. قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا. ولما بعث عمرو بن العاص في ذات السلاسل سأله أصحابه أن يأذن لهم أن يوقدوا ناراً ليلاً فمنعهم. فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك فأباه. فقال: قد أرسلوك إلي! لا يوقد أحد منهم ناراً إلا ألقيته فيها. قال: فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم. فلما انصرف ذلك الجيش ذكر ذلك للنبي ﷺ وشكوه إليه، فقال: يا رسول الله إني كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فأحمد رسول الله ﷺ أمره. قال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: لم؟ قال: لأحب من تحب. قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر.

стр. 135

باب غزوة تبوك قال ابن عباس: لبث رسول الله ﷺ بعد خروجه من الطائف ستة أشهر، ثم أمره الله بغزوة تبوك، وهي التي ذكر الله ساعة العسرة، وذلك في حر شديد، وقد كثر النفاق، وكثر أصحاب الصفة، والصفة بيت كان لأهل الفاقة يجتمعون فيه فتأتيهم صدقة النبي ﷺ والمسلمين، وإذا حضر غزو عمد المسلمون إليهم فاحتمل الرجل الرجل أو ما شاء الله بشبعة فجهزوهم وغزوا معهم واحتسبوا عليهم، فأمر رسول الله ﷺ المسلمين بالنفقة في سبيل الله والحسبة، فأنفقوا احتساباً، وأنفق رجال غير محتسبين، وحمل رجال من فقراء المسلمين، وبقي أناس. وأفضل ما تصدق به يومئذ أحد عبد الرحمن بن عوف، تصدق بمئتي أوقية، وتصدق عمر بن الخطاب بمئة أوقية، وتصدق عاصم الأنصاري بتسعين وسقاً من تمر. وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إني لا أرى عبد الرحمن إلا قد اترب، ما ترك لأهله شيئاً، فسأله رسول الله ﷺ هل تركت لأهلك شيئاً؟ قال: نعم، أكثر مما أنفقته وأطيب، قال: كم؟ قال: ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير. وجاء رجل من الأنصار يقال له أبو عقيل بصاع من تمر فتصدق. وعمد المنافقون حين رأوا الصدقات، فإذا كانت صدقة الرجل كثيرة تغامزوا به وقالوا: مراء، وإذا تصدق الرجل بيسير طاقته من تمر، قالوا: هذا أحوج إلى ما جاء به، فلما جاء أبو عقيل بصاعه من تمر قال: بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين والله ما كان عندي من شيء غيرهما وهو يعتذر ويستحي، فأتيت بأحدهما وتركت الآخر لأهلي، فقال

стр. 136

المنافقون: هذا أفقر إلى صاعه من غيره، وهم في ذلك ينتظرون يصيبون من الصدقات غنيهم وفقيرهم، فلما أزف خروج رسول الله ﷺ أكثروا الاستئذان وشكوا شدة الحر وخافوا، زعموا الفتنة إن غزوا، ويحلفون بالله على الكذب، فجعل رسول الله ﷺ يأذن لهم لا يدري ما في أنفسهم، وبنى طائفة منهم مسجد النفاق يرصدون به الفاسق أبا عامر، وهو عند هرقل قد لحق به، وكنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة العامري، وسورة براءة تنزل في ذلك أرسالاً. ونزلت فيها آية ليست فيها رخصة لقاعد. فلما أنزل الله : " انفروا خفافاً وثقالاً ". اشتكى الضعيف الناصح لله ورسوله والمريض والفقير إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا: هذا أمر لا رخصة فيه. وفي المنافقين ذنوب مستورة لم تظهر حتى كان بعد ذلك، وتخلف رجال غير مستيقنين ولا ذوي علة ونزلت هذه السورة بالبيان والتفصيل في شأن رسول اله ﷺ فسار بمن اتبعه حتى بلغ تبوك، فبعث منها علقمة بن مجزز المدلجي إلى فلسطين، وبعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل، فقال: أسرع لعلك أن تجده خارجاً يتقنص فتأخذه، فوجده فأخذه وأرجف المنافقون في المدينة بكل خبر سوء. فإذا بلغهم أن المسلمين أصابهم جهد وبلاء تباشروا به وفرحوا، وقالوا: قد كنا نعلم ذلك ونحذر منه، وإذا أخبروا بسلامة منهم وخير أصابوه حزنوا وعرف ذلك منهم فيهم كل عدو لهم بالمدينة، فلم يبق أحد من المنافقين أعرابي ولا غيره إلا استخفى بعمل خبيث ومنزلة خبيثة واستعلن، ولم يبق ذو علة إلا هو ينتظر الفرج فيما ينزل الله في كتابه، ولم تزل سورة براءة تنزل حتى ظن المؤمنون الظنون، وأشفقوا أن لا ينفلت منهم كبير أحد أذنب في شأن التوبة قط ذنباً إلا أنزل فيه أمر بلاء حتى انقضت، وقد وقع بكل عامل تبيان منزله من الهدى والضلالة. وعن كعب بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد المسير في الغزاة أذن في المسلمين بالجهاز، وكتمهم أين يجاهدون مكيدة للعدو، وما كان رسول الله ﷺ يؤذن بالجهاز إلا وعندي بعير فأقوى به على الخروج معه حتى كانت تبوك، فكانت في حر شديد وحين أقبلت الثمرة، فأذن رسول الله ﷺ بالجهاز

стр. 137

إلى تبوك وبينها للمسلمين ووافق ذلك عندي بعيرين، فرأيت أني قوي على الخروج، فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون، وأغدو أنا لأتجهز، فوا لله لكأنما أربط فأرجع وما قطعت شعرة وعندي بعيران، وأنا أرى أني قوي على الخروج إذا أردت. فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون، ثم ذهبت أنظر، فإذا ما أرى رجلاً تخلف إلا رجلاً مغموصاً عليه في دينه، غير أني قد رأيت رجلين من الأنصار صحيحين كدت أسكن إليهما: هلال بن أمية الواقفي ومرارة العمري، حتى إذا أيست من الخروج قلت: أعتذر إلى رسول الله ﷺ إذا رجع. قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ يوم الخميس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. فلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع، ومعه زيادة على ثلاثين ألفاً من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله على ذي حدة عسكراً أسفل منه نحواً من كذا وكذا، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين. فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وخلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵇ على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه، فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب ﵁ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني. فقال رسول الله ﷺ : كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فأخلفني في أهلي وأهلك، ألا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي، فرجع إلى المدينة، ومضى رسول الله ﷺ لسفره. وعن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في عزوة غزاها، حتى كانت غزوة تبوك إلا بدراً ولم يعاتب النبي ﷺ أحداً تخلف عن بدر، إنما خرج يريد العير فخرجت قريش مغوثين لعيرهم، فالتقوا عن غير موعد كما قال الله . ولعمري إن أشرف مشاهد

стр. 138

رسول الله ﷺ في الناس لبدر، وما كنت أحب أني شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث توافقنا على الإسلام، ولم أتخلف بعد عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها، فأذن رسول الله ﷺ الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة عدوهم، وذلك حين طاب الظلال وظابت الثمار، فكان قلما أراد غزوة إلا ورى بغيرها، وكان يقول: الحرب خدعة، فأراد النبي ﷺ في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبته، وأنا أيسر ما كنت، قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحاذ، وأنا في ذلك أصغوا إلى الظلال وطيب الثمار. فلم أزل كذلك حتى قام النبي ﷺ غادياً بالغداة، وذلك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس. وعن محمد بن مسلم الزهري قال: ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وهو يريد الروم وكفار العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة، فصالحهم رسول الله ﷺ على الجزية، ثم قفل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يجاوزها. وفي حديث غيره فبينما رسول الله ﷺ ذات يوم في جهازه في غزوة تبوك إذ قال للجد بن قيس: يا جد، هل لك في بنات بني الأصفر؟ قال: يا رسول الله ﷺ لقد علم قومي أنه ليس من أحد أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتني، فائذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت، فأنزل الله تعالى " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا " يقول: ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " يقول لمن وراءه. وقال رجل من جملة المنافقين: لا تنفروا في الحر. فأنزل الله : " قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا

стр. 139

يفقهون " ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره، وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى وأحسنوا، وأنفق عثمان ﵁ في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مئتي بعير. ومما جمع من أحاديث تبوك قالوا: كانت الضافطة وهم الأنباط يقدمون المدينة بالدرمك والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإسلام، فإنما كانت أخبار الشام عند المسلمين كل يوم لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط. فقدمت منهم قادمة، وذكروا أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجليت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص. ولم يكن ذلك، وإنما ذلك شيء قيل لهم فقالوه، ولم يكن عدو أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوا منهم، إذ كانوا يقدمون عليهم تجاراً، من العدد والعدة والكراع، وكان رسول الله ﷺ لا يغزو غزوة إلا ورى بغيرها لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا وكذا: حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً، واستقبل غزواً وعدداً كبيراً، فجلا للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبة عدوهم وأخبرهم بالوجه الذي يريد. وبعث رسول الله ﷺ إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم فبعث إلى أسلم بريدة بن الحصيب، وأمره أن يبلغ الفرع، وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه أن يطلبهم ببلادهم. وخرج أبو واقد الليثي في قومه، وخرج أبو جعد الضمري في قومه بالساحل، وبعث رافع بن مكيث وجندب بن مكيث في جهينة، وبعث نعيم بن مسعود في أشجع، وبعث في بني كعب بن عمرو عدة: بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وبسر بن سفيان، وبعث في سليم عدة منهم العباس بن مرداس. وحض رسول الله ﷺ المسلمين على الجهاد، ورغبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كبيرة، فكان أول من حمل أبو بكر الصديق جاء بماله كله أربعة آلاف درهم فقال له

стр. 140

رسول الله ﷺ : هل أبقيت لأهلك شيئاً قال: الله ورسوله أعلم، وجاء عمر ﵁ بنصف ماله فقال له رسول الله ﷺ : هل أبقيت شيئاً؟ قال: نعم نصف ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر الصديق فقال: ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقني إليه، وحمل العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ مالا، وحمل طلحة بن عبيد الله إلى النبي ﷺ مالاً، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مالاً مئتي أوقية، وحمل سعد بن عبادة إليه مالاً وحمل محمد بن مسلمة إليه مالاً، وتصدق عاصم بن عدي بتسعين وسقاً تمراً، وهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، وكان من أكرمهم نفقة حتى كفى ثلث ذلك الجيش مؤونتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم فيقال: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا. ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف. واحتسبوا في ذلك الخير وقوى ناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إن كان النساء ليعن بكل ما قدرن عليه. لقد قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوباً مبسوطاً بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة فيه مسكة ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم وخدمات مما يبعث به النساء يعن به المسلمين في جهازهم، والناس في عسرة شديدة، وحين طابت الثمار وأحبت الظلال، فالناس يحبون المقام ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه. وأخذ رسول الله ﷺ الناس بالانكماش والجد، وضرب رسول الله ﷺ عسكره بثنية الوداع، والناس كثير لا يجمعهم كتاب قل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله . فلما استمر برسول الله ﷺ سفره، وأجمع المسير استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، ويقال محمد بن مسلمة، لم يتخلف عنه في غزوة غيرها، ويقال ابن أم مكتوم وأثبتهم محمد بن مسلمة. وقال رسول الله ﷺ : استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكباً ما دام منتعلاً. فلما سار رسول الله ﷺ تخلف ابن أبي عن

стр. 141

رسول الله ﷺ فيمن تخلف من المنافقين وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به! يحسب محمد أن قتال بني الأصفر العب؟! ونافق ممن هو معه على مثل رأيه ثم قال ابن أبي: والله لكأني أنظر إلى أصحابه غداً مقرنين في الحبال، إرجافاً برسول الله ﷺ وأصحابه. فلما رحل رسول الله ﷺ من ثنية الوداع إلى تبوك وعقد الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر، ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال إلى الحباب بن المنذر بن الجموح. قال: ومضى رسول الله ﷺ من المدينة فصبح ذا خشب فنزل تحت الدومة، وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي، فقال رسول الله ﷺ تحت الدومة، فراح منها ممسياً حيث أبرد، وكان في حر شديد. قالوا: وكان الناس مع رسول الله ﷺ ثلاثين ألفاً. ومن الخيل عشرة آلاف فرس، وأمر رسول الله ﷺ كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواء أو راية. والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية، وكان رسول الله ﷺ قد دفع راية بني مالك بن النجار إلى عمارة بن حزم. فأدرك رسول الله ﷺ زيد بن ثابت فأعطاه الراية. قال عمارة: يا رسول الله، لعلك وجدت علي، قال: لا والله، ولكن قدموا القرآن. وكان زيد أكثر أخذاً للقرآن منك. والقرآن مقدم، وإن كان عبداً أسود مجدعاً، وأمر في الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرهم أخذاً للقرآن. وكان أبو زيد يحمل راية بني عمرو بن عوف، وكان معاذ بن جبل يحمل راية بني سلمة. قال: وكان هرقل قد بعث رجلاً من غسان إلى النبي ﷺ ينظر إلى صفته وإلى علاماته، إلى حمرة في عينيه وإلى خاتم النبوة بين كتفيه. وسأل فإذا هو لا يقبل الصدقة، فوعى أشياء من حال النبي ﷺ ثم انصرف إلى هرقل يذكر ذلك له، فدعا قومه إلى التصديق به فأبوا حتى خافهم على ملكه وهو في موضعه لم يتحرك ولم يزحف.

стр. 142

وكان الذي خبر النبي ﷺ من تعبئة أصحابه ودنوه إلى أدنى الشام باطلاً لم يرد ذلك ولم يهم به، وشاور رسول الله ﷺ أصحابه في التقدم، فقال عمر بن الخطاب: إن كنت أمرت بالمسير فسر، قال رسول الله ﷺ : لو أمرت به ما استشرتكم فيه، قال: يا رسول الله. فإن للروم جموعاً كثيرة وليس بها أحد من أهل الشام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله تعالى لك في ذلك أمراً. وعن معاذ بن جبل قال: إنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً. ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً ثم قال: إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك. وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي، قال: فجئناك وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك، تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله ﷺ : هل مسستما من مائها شيئاً قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين بأيديهم قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﷺ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس. ثم قال رسول الله ﷺ : يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جناناً. وعن سعيد بن أبي راشد مولى لآل معاوية قال: قدمت الشام فقيل لي: في هذه الكنيسة رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ قال: فدخلنا الكنيسة فإذا أنا بشيخ كبير: فقلت له: أنت رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. قلت: حدثني عن ذلك. قال: إنه لما غزا تبوكاً كتب إلى قيصر كتاباً وبعث به مع رجل يقال له دحية بن خليفة. فلما قرأ كتابه وضعه معه على سريره، وبعث إلى بطارقته ورؤوس أصحابه فقال: إن هذا الرجل ق بعث إليكم رسولاً، وكتب إليكم كتاباً يخيركم إحدى ثلاث: إما أن تتبعوه على دينه، أو تقروا له بخراج يجري عليكم ويقركم على هيئتكم في بلادكم، أو أن تلقوا إليه بالحرب. قال فنخروا نخرة حتى خرج بعضهم من برانسهم وقالوا: لا نتبعه على دينه، وندع ديننا ودين آبائنا، ولا نقر له

стр. 143

بخراج يجري له علينا، ولكن نلقي إليه الحرب. فقال: قد كان ذاك ولكني كرهت أن أفتات دونكم بأمر، قال عباد: فقلت لابن خثيم: أوليس قد كان قارب وهم بالإسلام فيما بلغنا؟ قال: بلى لولا أنه رأى منهم. قال: فقال: ابغوني رجلاً من العرب أكتب معه إليه جواب كتابه. قال: فأتيت وأنا شاب وانطلق بي إليه فكتب جوابه وقال لي،: مهما نسيت من شيء فاحفظ عني ثلاث خلال: انظر إذا هو قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل والنهار، وهل يذكر كتابه إلي، وانظر هل ترى في ظهره علماً، قال: فأقبلت حتى أتيته وهو بتبوك في حلقة من أصحابه منتحين. فسألت فأخبرت به فدفعت إليه الكتاب، فدعا معاوية فقرأ عليه الكتاب. فلما أتى على قوله: دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ قال رسول الله ﷺ : إذا جاء الليل فأين النهار؟ قال: فقال: إني كتبت إلى النجاشي فحرقه، فحرقه الله محرق الملك. قال عباد: فقلت لابن خثيم أليس قد أسلم النجاشي ونعاه رسول الله ﷺ بالمدينة إلى أصحابه فصلى عليه؟ قال: بلى. ذاك فلا بن فلا وهذا فلان بن فلان قد ذكرهما ابن خثيم جميعاً ونسيتهما وكتبت إلى كسرى كتاباً فمزقه، فمزقه الله، ممزق الملك. وكتبت إلى قيصر كتاباً فأجابني فيه، فلن يزال الناس يخشون منهم بأساً ما كان في العيش خير. ثم قال لي: ممن أنت؟ قلت: من تنوخ. قال: يا أخا تنوخ، هل لك في الإسلام؟ قلت: لا، إني أقبلت من قبل قوم وأنا فيهم على دين، ولست مستبدلاً بدينهم حتى أرجع إليهم فضحك رسول الله ﷺ أو تبسم. فلما قضيت حاجتي قمت، فلما وليت دعاني فقال: يا أخا تنوخ، هلم فامض للذي أمرت به، قال: وكنت نسيتها فاستدرت من وراء الحلقة وألقى بردة كانت عليه عن ظهره، فرأيت على غضروف كتفه مثل المحجم الضخم. وفي رواية: فضحك رسول الله ﷺ يعني حين دعاه إلى الإسلام، فأبى أن يسلم، وتلا هذه الآية: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " ثم قال رسو

стр. 144

الله ﷺ إنك رسول قوم وإن لك حقاً، ولكن جئتنا ونحن مرملون، فقال عثمان بن عفان: أنا أكسوه حلة صفورية وقال رجل من الأنصار: علي ضيافته. قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب رسول الله ﷺ لهم كتاباً فهو عندهم. فكتب ليحنة بن رؤبة: بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبي ورسوله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وكتب لأهل جرباء وأذرح: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح: إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وإن عليهم مئة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان إلى المسلمين. ومن لجأ إليهم من المسلمين. وذكر باقي الحديث. وأعطى رسول الله ﷺ أهل أيلة برده مع كتابه الذي كتب لهم أماناً لهم، فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاث مئة دينار. ثم إن رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة. وعن قيس بن النعمان السكوني قال: خرجت خيل لرسول الله ﷺ فسمع بها أكيدر دومة الجندل فانطلق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 145

فقال: يا رسول الله، إنه بلغنا أن خيلك انطلقت، وإني خفت على أرضي ومالي فاكتب كتاباً لا يعرضوا من شيء لي، فإني مقر بالذي علي من الحق، فكتب له رسول الله ﷺ . ثم إن أكيدر أخرج قباء من ديباج منسوج مما كان كسرى يكسوهم فقال: يا رسول الله، أقبل عني هذا فإني أهديته لك. فقال له رسول الله ﷺ : ارجع بقبائك فإنه ليس يلبس هذا في الدنيا إلا حرمة يعني في الآخرة فرجع به حتى أتى منزله، وإنه وجد في نفسه أن يرد عيه هديته فقال: يا رسول الله، إنا أهل بيت يشق علينا أن ترد علينا هديتنا، فاقبل مني هديتي فقال رسول الله ﷺ : انطلق فادفعه إلى عمر بن الخطاب قال: وقد كان عمر قد سمع ما قال رسول الله فبكى، فدمعت عيناه. وظن أنه قد لحقه شيء. فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أحدث في أمر؟ قلت في هذا القباء ما قلت ثم بعثت به إلي، فضحك رسول الله ﷺ حتى وضع يده أو ثوبه على فيه. ثم قال: ما بعثت به إليك لتلبسه. ولكن تبيعه وتستعين بثمنه.
следующие страницы →