Полный текст (10 576 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ما جاء في أن دمشق فسطاط المسلمين
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ ".
وعن إبراهيم بن الجنيد قال: سمعت يحيى بن معين وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال يحيى: ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي ﷺ : " معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق ".
وعن عوف بن مالك قال:
أتيت رسول الله ﷺ وهو في بناء له، فسلمت عليه، فقال لي: " عوف؟ فقلت: نعم، فقال لي: ادخل. فقلت: أكلي أم بعضي؟ قال: بل كلك، فقال لي: يا عوف، اعدد ستاً بين يدي الساعة: أولهن موتي، فاستبكيت حتى جعل يسكنني، ثم قال لي: قل إحدى، قلت إحدى. قال: والثانية فتح بيت المقدس، قل ثنتان، فقلت: ثنتان. قال: والثالثة: موتان يكون في أمتي يأخذهم مثل قعاص الغنم، قل ثلاث. فقلت: ثلاث. قال: والرابعة فتنة تكون في أمتي وعظمها، ثم قال: قل أربع، فقلت: أربع، قال: والخامسة يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطي المئة دينار فيتسخطها، قل خمس، فقلت: خمس. قال: والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيسيرون إليكم على ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً. ففساط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها دمشق ".
стр. 72
وفي رواية أخرى: راية في الموضعين.
وفي رواية عند ذكر الروم: فيغدرون فيوافونكم على ثمانين غياية.
وفي رواية: غابة.
والغاية: الراية، والغياية بياءين: السحابة. والغابة ينقطة واحدة: السحابة.
وعن النبي ﷺ قال: " ستفتح عليكم الشام، فإذا خيرتم المنازل منها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطهم منها بأرض يقال لها الغوطة ".
وعن سعيد بن عبد العزيز أن من أدرك من علمائنا كانوا يقولون: يخرج أهل مصر من مصرهم إلى ما يلي المدينة، ويخرج أهل فلسطين والأردن إلى مشارف البلقاء وإلى دمشق، ويخرج أهل الجزيرة وقنسرين وحمص إلى دمشق. وذلك لما كان حدثنا به سعيد عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال: فسطاط المؤمنين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة مدينة يقال لها: دمشق.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : إنها ستفتح الشام، فعليكم بمدينة يقال لها: دمشق، فإنها خير مدائن الشام، وهي معقل المسلمين من الملاحم، وفسطاط المسلمين بأرض منها يقال لها: الغوطة، ومعقلهم من الدجال: بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج: الطور ".
وعن الأوزاعي قال: قدمت المدينة في خلافة هشام، فقلت: من هاهنا من العلماء؟ قالوا: هاهنا
стр. 73
محمد بن المنكدر، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ومحمد بن علي بن الحسين بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فقلت: والله لأبدأن بهذا قبلهم، قال: فدخلت المسجد، فسلمت فأخذ بيدي فأدناني فقال: من أي إخواننا أنت؟ فقلت له: رجل من أهل الشام. قال: من أي أهل الشام؟ قلت: رجل من أهل دمشق. قال: نعم، أخبرني أبي عن جدي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " للناس ثلاث معاقل، فمعقلهم من الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية: دمشق، ومعقلهم من الدجال: بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج: طور سيناء ".
وعن حسان بن عطية قال: ذكر رسول الله ﷺ " كيف يحوز الأعداء أمته من بلد إلى بلد ". فقال: يا رسول الله، فهل من شيء؟ قال: " نعم، الغوطة، مدينة يقال لها دمشق، هي فسطاطهم ومعقلهم من الملاحم، لا ينالها عدو إلا منها ".
قال حفص، أحد رواة الحديث: يقول لا ينالهم عدو لهم إلا منها من الأمة.
قال: وهو يوم دخلها عبد الله بن علي بجنوده.
وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي سالم الجيشاني قال: انطلقت إلى المدينة أسأل عن علم الأحداث، فقيل لي: أين أنت عن عبد الله بن عمرو بن العاص؟ فإنه كان صعلوكاً فرغه أبوه لذلك. قال: فقدمت فأخبرت عبد الله بن عمرو بذلك، قال: نعم: فسلوني عما شئتم أخبركم به، فوا لله لو شئت لأخبرتكم بالسنة التي يخرجون فيها من مصر. قلت: يا أبا محمد، أخبرني وخر لي. قال: نعم، إنك لن تبرح مؤاماً بك ما لم يأت أهل المشرق أهل المغرب، فإذا كان ذلك خفق الدين وخفقت السنة، ووقعت بين العرب البغضاء، فأقل المؤمنين من يحجزه إيمانه، وأقل المعاهدين من يكفه ساعيه، فإن استطعت أن تسكن السروات فكن بها، وإن عجزت
стр. 74
فالإسكندرية، فإن عجزت فالطور أو سوق مازن فإذا أقشعت شيئاً أبيت اللعن وأصاب المأمومة، وذات الأصابع ذناباتها، فعليك بالفحص.
قال عبد الرحمن بن شريح: سمعت أبا قبيل يزعم أن المأمومة أبيت الأشاعر بدمشق يوماً بها، وذا الأصابع حرلان.
ثم رجع الحديث إلى يزيد بن أبي حبيب في الفحص. قال: وهي الغوطة. قال: فإنها فسطاط المسلمين، فإذا أمتعت الحمراء والبيضاء، وظن الأولياء عن الأولياء فعليك بمدينة الأسباط، فإن العافية تحوزها كما يحوز السيل الدمن. لو أرى أني أدرك ذلك لسبق رحيلي خبري، ولا أنت تدركه.
يعني بمدينة الأسباط: بانياس.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما أود أن لي مصر وكورها بعد الخمسين والمئة أسكنها، ولدمشق خير لو كنتم تعلمون.
وعن نافع بن كيسان الدمشقي قال: لقيت يزيد بن شجرة الرهاوي فقلت: إني أردت أن آتي فلسطين. قال: لا تفعل، فإني أحدثك في دمشق أحاديث ليشت في غيرها، إن حبل الناس إذا اضطرب كانت عصمتهم، وإن أهلها مدفوع عنهم، وإنه لا ينزل بأرض جوع، ولا بلاء ولا فتنة إلا خفف ذلك عنهم.
وعن عمرو بن جابر الحضرمي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: من سكن دمشق نجا، فقلت: أعن رسول الله ﷺ ؟ قال: فعن رأيي أحدثك؟!.
وعن ابن محيريز قال: قال رويفع بن ثابت الأنصاري، وكان من أصحاب الشجرة: اسكن فلسطين ما استقامت العرب. فإذا نادوا بشعار الجاهلية فاسكن دمشق، وشرقها خير من غربها.
стр. 75
وعن عقبة بن نافع بن عبد الحارث: أنه أوصى بنيه حين حضرته الوفاة قال: يا بني احفظوا ما أوصيكم به تنتفعوا: ألا تدانوا وإن لبستم العباء، ولا يدخل أحد منكم في بيعة الرايات السود طائعاً إن أدركتموها، ولا تدعن حظكم من دمشق وإن لم تصيبوا البيت إلا بدية.
وعن كعب قال: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال نهر أبي فطرس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور.
وعنه أيضاً قال: معاقل المسلمين ثلاثة: فمعقلهم من الروم دمشق، ومعقلهم من الدجال الأردن، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور.
وعن مكحول قال: لتمخرن الروم الشام أربعين صباحاً، لا يمتنع منها إلا دمشق وعمان.
وعن أبي الأعيس عبد الرحمن بن سلمان الخولاني قال: سيأتي ملك من ملوك العجم يظهر على المدائن كلها إلا دمشق.
وعن يزيد بن شريح التيمي عن كعب قال: يهلك ما بين حمص وثنية العقاب سبعون ألفاً، من الوغى. قلت: ما الوغى؟ قال: العطش.
وعن كعب قال: لن تزالوا بخير ما لم يركب أهل الجزيرة أهل قنسرين، وأهل قنسرين أهل حمص، فيومئذ تكون الجفلة ويفزع الناس إلى دمشق.
стр. 76
باب في أن البركة في دمشق مضعّفة
عن عثمان بن عفان ﵁: النفقة في أرض الهجرة مضاعفة بسبع مئة ضعف، وأنتم المهاجرون أهل الشام لو أن رجلاً اشترى بدرهم لحماً من السوق فأكله وأطعم أهله كان له بسبع مئة.
وعن سعيد بن سفيان القاري قال: توفي أخي وأوصى بمئة دينار في سبيل الله، فوافق ذلك صلح ابن فرعون فلم يكن عامئذ غازية، فقدمت المدينة في حج أو عمرة، فدخلت على عثمان بن عفان، وعنده رجل قاعد، وعلي قباء من بزيون وكان أصاب من الغنيمة بأرض الروم وكان جيبه وفروجه مكفوفة بحرير. فلما رآني ذلك الرجل أقبل علي يجاذبني قبائي ليخرقه. فلما رأى ذلك عثمان قال: دع الرجل فتركني ثم قال: لقد عجلتم. فسألت عثمان فقلت: يا أمير المؤمنين، توفي أخي وأوصى بمئة دينار في سبيل الله فوافق ذلك صلح ابن فرعون فلم تجئنا غازية، فما تأمرني؟ قال: هل سألت أحداً قبلي؟ قلت: لا. قال: لئن استفتيت أحداً قبلي فأفتاك غير الذي أفتيتك به ضربت عنقه. إن الله أمرنا بالإسلام فأسلمنا كلنا فنحن المسلمون. وأمرنا بالهجرة فهاجرنا فنحن المهاجرون أهل المدينة، ثم أمرنا بالجهاد فجاهدتم. فأنتم المجاهدون أهل الشام. أنفقها على نفسك، أو على أهلك وعلى ذوي الحاجة ممن حولك فإنك لو خرجت بدرهم ثم اشتريت به لحماً فأكلت أنت وأهلك كتب لك بسبع مئة درهم.
فخرجت من عنده فسألت عن الرجل الذي جاذبني، فقيل: هو علي بن أبي طالب
стр. 77
عليه السلام. فأتيته في منزله، فقلت: ما رأيت مني؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير "، وهذا أول حرير رأيت على أحد من المسلمين، فخرجت من عنده فبعته من الخياط.
وعن عبد الرحمن بن ساباط الجمحي قال:
قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن لي رحماً وقرابة، وإن منزلي قد نبا بي بالعراق والحجاز. قال: أرضى لك ما أرضى به لنفسي ولولدي، عليك دمشق، عليك دمشق، ثم عليك بمدينة الأسباط بانياس، فإنها مباركة السهل والجبل، يعيش أهلها بغير الحجرين: الذهب والفضة، نقل الله عنها أهلها حين بدلوا، تطهيراً لها، وإن البركة عشر بركات خص الله بانياس من ذلك ببركتين، لا يعيل ساكنها، يعيش من برها وبحرها، وإذا وقعت الفتن كانت بها أخف منها في غيرها، فاتخذها وارتد بها، فوا لله لفدان بها أحب إلي من عشرين بالوهط. والوهط بالطائف.
قال عبد الوهاب بن نجدة الحوطي: أتيت صدقة بن حبيب، شيخاً كان عندنا، فسمعته يقول: سمعت أبا الكوثر يقول: كنت بدار يوحنا بحمص، وقد بسط فيها لمعاوية بن أبي سفيان، فإذا رجل قد جاء من نحو زقاق اللقانق، فسلم على معاوية فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له: ادن يا أبا إسحاق، ما ترى في حمص وطيبها؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، لموضع من دمشق صغير أحب إلي من دار بحمص. قال: ولم ذاك يا أبا إسحاق؟ قال: لأنها معقل الناس في الملاحم. قال معاوية: لا جرم، لا تركت بها حرمة.
وعن ربيعة بن عبد الهدير قال: منزل في دمشق خير من عشرة منازل في غيرها من أرض حمص، ومنزل داخل دمشق خير من عشرة منازل بالفراديس، وإياك وأرباضها، فإن في سكناها الهلاك.
стр. 78
وعن يونس بن ميسرة بن حلبس أن رجلاً سكن طبرية بعياله شهراً فكفاهم بها عشرة أمداد من قمح، ثم تحول إلى دمشق فكفاهم خمسة أمداد قمح.
وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت لأبي سلام الأسود: ما نقلك من حمص إلى دمشق قال: ما سألني عن هذا عربي قبلك. قال: لأن البركة فيها مضاعفة.
وفي رواية قال: بلغني أن البركة تضعف بها ضعفين.
وعن مكحول: أنه سأل رجلاً: أين تسكن؟ قال: الغوطة. قال له مكحول: ما يمنعك أن تسكن دمشق، فإن البركة فيها مضعفة.
وحدث يحيى بن يحيى قال: قال لي عبيد بن يعلى وهو رجل من أهل بيت المقدس، كان بعسقلان وكان عالماً ارحل من فلسطين، والحق بدمشق، فإن بركات الشام كلها مسوقات إلى دمشق.
وعن كعب الأحبار قال: كل بناء بناه العبد يحاسب عليه إلا بناء دمشق.
حدث أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري قال: وجدت عملاً لما كان يحمل إلى بيت المال بمدينة السلام من جميع النواحي، فمن ذلك من دمشق أربع مئة ألف وعشرون ألف دينار.
وذكر المدائني أن وظيفة دمشق التي وظفها معاوية أربع مئة ألف دينار، وهذا بعد صرف ما لا بد من صرفه في ديوان الجند والولاة، وأرزاق الفقهاء والمؤذنين والقضاة. وهذا يدل على كثرة دخلها وعظم البركة في مستغلها. والله أعلم.
стр. 79
ما جاء في أن أهل دمشق لا يزالون على الحق
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق، إلى يوم القيامة ".
ومن حديث آخر: أنه قال: " لا يزال بدمشق عصابة يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون ".
وعن أبي هريرة: عن رسول الله ﷺ قال: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها ظاهرين على الحق، لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم حتى يخرج الله كنزه من الطالقان، فيحيي به دينه كما أميت من قبل ".
قال: وهذا الإسناد غريب، وألفاظ غريبة جداً.
وعن أبي هريرة: عن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال لهذا الأمر أو على هذا الأمر عصابة على الحق، لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله ".
وروي أن أبا هريرة وابن السمط كانا يقولان: لا يزال المسلمون في الأرض حتى تقوم الساعة، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: لا تزال من أمتي عصابة قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها، تقاتل أعداء الله، كلما
стр. 80
ذهب حرب نشب حرب قوم آخرين، يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منه، حتى تأتيهم الساعة كأنهم قطع الليل المظلم، فيفزعون لذلك حتى يلبسوا له أبدان الدروع.
وقال رسول الله ﷺ : " هم أهل الشام "، ونكت رسول الله ﷺ بإصبعه، يومئ بها إلى الشام، حتى أوجعها.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا، لا يضرهم من خذلهم من الناس حتى يأتي أمر الله، أكثرهم أهل الشام ".
وفي رواية: " لن تبرح هذه الأمة منصورة تقذف كل مقذف، منصورين أينما توجهوا لا يضرهم من خذلهم من الناس، هم أهل الشام ".
وفي رواية: لا يبالون من خالفهم حتى ينزل عيسى بن مريم ﵇.
قال أبو عمرو يفصل فيه: فحدثت بهذا الحديث قتادة فقال: لا أعلم أولئك إلا أهل الشام.
عن عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. فقام مالك بن يخامر السكسكي فقال: يا أمير المؤمنين، سمعت معاذ بن جبل يقول: وهم أهل الشام، فقال معاوية ورفع صوته: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول: وهم أهل الشام.
وفي رواية مسلم بن هرمز: أنه سمع معاوية يقول في خطبته وذكر الحديث وقال في آخره: وأنا أرجوا أن تكونوا أنتم يا أهل الشام.
стр. 81
وفي رواية يونس بن حلبس الجندي: ثم نزع بهذه الآية: " يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك " يا محمد " فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ".
وعن عبد الله بن عمر: عن رسول الله ﷺ قال: " إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي " وذكر باقي الحديث.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، يقذف الله بهم كل مقذف، يقاتلون فضول الضلالة، لا يضرهم من خالفهم حتى يقاتلوا الأعور الدجال، وأكثرهم أهل الشام ".
وعن ثوبان أن نبي الله ﷺ قال: " إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها. وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكهم بسنة، ولا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يفني بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً. وإنه سترجع قبائل من أمتي إلى الشرك وعبادة الأوثان، وإن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون، وإنهم إذا وضعوا السيف فيهم لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة. وإنه سيخرج من أمتي دجالون كذابون قريب من ثلاثين، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله ".
وعن ابن عون الأنصاري: أن النعمان بن بشير خطب يوماً على المنبر فقال: قال رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتى يأتي أمر الله ". قال النعمان: فمن قال: إني أقول عن رسول الله ﷺ ما لم يقل فإن تصديق ذلك في كتاب الله. إن الله يقول: " يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ".
стр. 82
باب غناء أهل دمشق في الملاحم
وتقديمهم في الحروب
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا كانت الملاحم خرج من دمشق بعث من الموالي هم خيار عباد الله، أبعثهم فرساً وأجودهم سلاحاً ".
وفي رواية أخرى: إذا وقعت الملاحم بعث الله من دمشق بعثاً من الموالي، هم أكرم العرب فرساً، وأجوده سلاحاً، يؤيد الله بهم الدين.
وفي رواية عطية بن قيس: خرج بعث من دمشق، هم خيار عباد الله الأولين والآخرين.
وعن ابن محيريز قال: خير فوارس تظل السماء فوارس من قيس، يخرجون من غوطة دمشق، يقاتلون الدجال.
قال الوليد: أخبرني إسماعيل وغيره أنه كان في كتاب معاوية إلى عبد الله بن قرط: بلغني كتابك في مواضع رايات الأجناد المعلومة، فهي على مواضعها الأولى. فإذا حضر أهل الشام جميعاً فأهل دمشق وحمص ميمنة الإمام.
قال الوليد بن مسلم.
وحدثني شيخ من قدماء الجند ممن كان يلزم الجهاد في الزمان الأول أن
стр. 83
أهل الشام كانوا إذا غزوا الصوائف كانوا ينزلون أجناداً، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ في مسيرهم، إذا ساروا إلى الشام ينزلون أرباعاً. قال الشيخ: وكما كانت بنو إسرائيل مع موسى ﵇ ثم بعده تنزل في عساكرها أسباطاً. وكان بين كل جندين فرجة، وطريق للعامة، ومجال للخيل، ومركز لها، إن كانت فزعة من ليل أو نهار. قلت: فأين كان ينزل والي الصائفة؟ وفيمن؟ قال: كان ينزل بخاصته ورهطه في القلب، في أهل دمشق، ثم ينزل أجناد الشام يمنة ويسرة.
قال: وحدثني شيخ من قدماء المشيخة ممن كان يلزم الجهاد أنهم كانوا إذا كان اللقاء تقدم ربع قريش من أهل دمشق حتى يكونوا عند راية الأمير والجماعة، ثم ربع كندة من جند دمشق عن يمنتهم.
قال الوليد: وقالوا يريد المشيخة لأن دمشق كانت عند سير أصحاب رسول الله ﷺ إلى الشام وجه الشام، إليها ساروا، وبها بدؤوا، فلما فتحوا كان غيرها من مدائن الشام لها تبعاً. قال: فاتخذها أصحاب رسول الله ﷺ داراً وفسطاطاً ومجتمعاً، وفيها منزل واليهم الأعظم وبيت مالهم.
قال سليمان بن أبي شيخ: سألت أبا سفيان الحميري: كم كان جند بني أمية؟ قال: ثلاث مئة ألف، وخمسون ألفاً من أهل الشام. ومئة وخمسون ألفاً من أهل العراق.
стр. 84
ما جاء في أن أهل دمشق يعرفون في الجنة بالثياب الخضر
عن عروة بن رويم أن رجلاً لقي كعب الأحبار فسلم عليه ودعا له، فسأله كعب: ممن هو؟ قال: من أهل الشام. قال: لعلك من الجند الذين يدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل حمص. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين يعرفون في الجنة بالثياب الخضر؛ قال: ومن هم؟ قال: أهل دمشق. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين هم تحت ظل عرش الرحمن؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل أردن، قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم في كل يوم مرتين؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل فلسطين. قال: نعم، أنا منهم.
وفي رواية: في أهل حمص الذين يشفع شهيدهم بسبعين.
стр. 85
دعاء النبي لأهل الشام أن يهديهم الله ويقبل بقلوبهم إلى الإسلام
عن أنس أن رسول الله ﷺ نظر نحو الشام فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر نحو اليمن فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر نحو العراق فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم قال: اللهم بارك لنا في ثمرة أرضنا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا ".
وعنه أن النبي ﷺ نظر قبل العراق والشام واليمن، قال: لا أدري بأيتهن بدأ ثم قال: " اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعتك، وأحط من ورائهم ".
وعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يوماً وهو على المنبر نظر قبل الشام فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم، اللهم أقبل بقلوبهم ". ونظر قبل العراق فقال نحو ذلك، " وقبل كل أفق فقال مثل ذلك ". وقال: " اللهم ارزقنا من ثمرات الأرض، وبارك لنا في مدنا وصاعنا. وقال: مثل المؤمن كمثل السنبلة تخر مرة وتستقيم مرة، ومثل الكافر كمثل الأرزة لا تزال تستقيم حتى تخر ولا تشعر ".
стр. 86
ما روي أن أهل الشام مرابطون
وأنهم جند الله الغالبون
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة فهو في رباط. ومن احتل منها ثغراً من الثغور فهو في جهاد ".
وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " سيفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكاًن فإذا فتحها فاحتلها فأهل الشام مرابطون إلى منتهى الجزيرة، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم وعبيدهم، فمن احتل سلاحاً من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط ".
وعن أرطاة بن المنذر
أن عمر قال لجلسائه: أي الناس أعظم أجراً؟ قال: فجعلوا يذكرون له الصوم والصلاة. قال: ويقولون: فلان وفلان بعد أمير المؤمنين. فقال: ألا أخيركم بأعظم الناس أجراً ممن ذكرتم، ومن أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى. قال: رويجل بالشام آخذ بلجام فرسه، يكلأ من وراء، بيضة المسلمين، لا يدري أسبع يفترسه، أم هامة تلدغه، أو عدو يغشاه؟ فذلك أعظم أجراً ممن ذكرتم، ومن أمير المؤمنين.
وعن إبراهيم اليماني قال: قدمت من اليمن فأتيت سفيان الثوري فقلت: يا أبا عبد الله، إني جعلت في نفسي أن أنزل جدة فأرابط بها كل سنة، واعتمر في كل شهر عمرة، وأحج في كل سنة
стр. 87
حجة، وأقرب من أهلي، أحب إليك أم آتي الشام؟ فقال لي: يا أخا أهل اليمن. عليك بسواحل الشام، عليك بسواحل الشام. فإن هذا البيت يحجة في كل عام مائة ألف، ومئة ألف وثلاث مئة ألف، وما شاء الله من التضعيف، لك مثل حجهم وعمرهم ومناسكهم.
وعن مالك بن أنس قال: قال لي أبو جعفر المنصور يوماً: ما على ظهرها أحد أعلم منك؟ قلت: بلى. قال: فسمهم لي. قلت: لا أحفظ أسماءهم. قال: قد طلبت هذا الشأن في زمان بني أمية فقد عرفته. أما أهل العراق فأهل إفك وباطل وزور. وأما أهل الشام فأهل جهاد وليس فيهم كثير علم. وأما أهل الحجاز ففيهم بقية العلم، وأنت عالم الحجاز.
وعن خريم بن فاتك الأسدي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أهل الشام سوط الله ﵎ في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، حرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم، ولا يموتون إلا غماً وهماً.
وعن عطاء بن السائب قال: سمعت عبد الرحمن الحضرمي، أيام ابن الأشعث يخطب، وهو يقول: يا أهل الشام، أبشروا فإن فلاناً أخبرني أن رسول الله ﷺ قال: يكون قوم من آخر أمتي يعطون من الأجر مثل ما يعطى أولهم، ويقاتلون أهل الفتن، ينكرون المنكر، وأنتم هم.
وعن قتادة في قوله تعالى: " وإن جندنا لهم الغالبون " قال: هم أهل الشام.
وعن كعب قال: أهل الشام سيف من سيوف الله، ينتقم الله بهم ممن عصاه في أرضه.
وعن عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله على بعض الأنبياء أن الله يقول: أهل الشام كنانتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم.
وعن
стр. 88
أبي كبر النهشلي قال: كنت في الجمع يعني جمع الكوفة يوم جاء أهل الشام يقاتلون أهل الكوفة، فإذا شيخ حسن الخضاب، حسن الهيئة، على دابة له، وهو يقول: اللهم لا تنصرنا عليهم، اللهم فرق بيننا وبينهم، اللهم، اللهم. قال: قلت: يا عبد الله، ألا تتقي الله؟ ألا تخرج ترى قوماً قد جاؤوا يريدون يقاتلون مقاتلتنا ويسبون ذرارينا، وأنت تقول: اللهم لا تنصرنا عليهم، اللهم، اللهم. قال: ويحك، إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يغلب أهل الشام إلا شرار الخلق.
وعن زيد بن واقد قال: سمعت مكحولاً يقول: الحمد لله الذي أطعمنا الطعام، وأسقانا الشراب، وجعلنا من أهل الشام، ويا رب لا تبقني بعد هشام.
стр. 89
ما جاء أن بالشام تكون الأبدال
عن شريح بن عبيد قال: ذكر الشام عند علي بن أبي طالب وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين. قال: لا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ألأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، فيسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب ".
وعن شهر بن حوشب قال: لما فتحت مصر سبوا أهل الشام، فأخرج عوف بن مالك رأسه من برنسه ثم قال: يا أهل مصر، أنا عوف بن مالك، لا تسبوا أهل الشام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: فيهم الأبدال، وبهم تنصرون، وبهم ترزقون.
وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " البدلاء أربعون: اثنان وعشرون بالشام، وثمانية عشر بالعراق. كلما مات منهم واحد أبدل الله ﵎ مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم، فعند ذلك تقوم الساعة ".
وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " دعائم أمتي عصائب اليمن، وأربعون رجلاً من الأبدال بالشام، كلما مات رجل أبدل الله مكانه، أما إنهم لن يبلغوا ذلك بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصيحة للمسلمين ".
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: " يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل
стр. 90
الشام، وعصائب أهل العراق فيبايعونه. ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثاً فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل فيهم بسنة نبيهم ﷺ ، ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيمكث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون.
وفي رواية تسع سنين.
وعن ابن عباس يرفعه قال: قال رسول الله ﷺ : " مكة آية الشرف، والمدينة معدن الدين، والكوفة فسطاط الإسلام، والبصرة فخر العابدين، والشام معدن الأبرار، ومصر عش إبليس وكهفه ومستقره، والسند مداد إبليس، والزاني في الزنج، والصدق في النوبة، والبحرين منزل مبارك، والجزيرة معدن القتل، وأهل اليمن أفئدتهم رقيقة، ولا يعدمهم الرزق، والأئمة من قريش، وسادة الناس بنو هاشم.
وعن علي ﵁ قال: قبة الإسلام بالكوفة، والهجرة بالمدينة، والنجباء بمصر، والأبدال بالشام، وهم قليل.
قال كعب: الأبدال ثلاثون.
وفي حديث آخر: الأبدال بالشام، والنجباء بالكوفة.
وفي آخر: والأخيار من أهل العراق.
وعن علي ﵇ قال: إذا قام قائم آل محمد جمع الله له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام.
стр. 91
وعن علي أنه قال وهو بالكوفة: ما أشد بلايا الكوفة، لا تسبوا أهل الكوفة، فوا لله إن فيهم لمصابيح الهدى، وأوتاد ذكر، ومتاعاً إلى حين، والله ليذقن الله بهم جناح كفر لا ينجبر أبداً. إن مكة حرم إبراهيم، والمدينة حرم رسول الله ﷺ والكوفة حرمي. وما من مؤمن إلا وهو من أهل الكوفة، أو هواه لينزع إليها. إلا إن الأوتاد من أبناء الكوفة، وفي مصر من الأمصار، وفي أهل الشام أبدال.
وعن الحسن البصري قال: لن تخلو الأرض من سبعين صديقاً، وهم الأبدال، لا يهلك منهم رجل إلا أخلف مكانه مثله، أربعون بالشام، وثلاثون في سائر الأرضين.
وعن أم عبد الله بنة خالد بن معدان عن أبيها قالت: قالت الأرض للرب ﵎: كيف تدعني وليس علي نبي؟ قال: سوف أدع عليك أربعين صديقاً بالشام.
وقال الفضيل بن فضالة: الأبدال بالشام: في حمص خمسة وعشرون رجلاً، وفي دمشق ثلاثة عشر، وببيسان اثنان.
وقال الحسن بن يحيى: بدمشق من الأبدال سبعة عشر نفساً، وببيسان أربعة.
وعن ابن شوذب قال: الأبدال سبعون: فستون بالشام، وعشرة بسائر الأرضين.
وعن عثمان بن عطاء عن أبيه عطاء قال: الأبدال أربعون إنساناً. قال: قلت له: أربعون رجلاً؟ قال: لا تقل أربعين رجلاً، ولكن قل أربعين إنساناً، لعل فيهم نساء.
стр. 92
وقال أبو سليمان: المجتهدون بالبصرة، والفقهاء بالعراق، والزهاد بخراسان، والبدلاء بالشام.
وقال الكتاني: النقباء ثلاث مئة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد. فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة. فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة، ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد. فإن أجيبوا، وإلا ابتهل الغوث، فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته.
حديث شيخ من أهل صنعاء من جلساء وهب بن منبه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، أين بدلاء أمتك؟ فأومأ بيده نحو الشام. قال: قلت: يا رسول الله، أما بالعراق منهم أحد؟ قال: بلى، محمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، ومالك بن دينار الذي يمشي في الناس بمثل زهد أبي ذر في زمانه.
وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: خيار أمتي خمس مئة، والأبدال أربعون. كلما مات بديل أدخل الله مكانه من الخمس مئة، وأدخل في الأربعين مكانهم، فلا الخمس مئة ينقصون، ولا الأربعون ينقصون.
قالوا: يا رسول الله، دلنا على أعمال هؤلاء. قال: يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويواسون فيما آتاهم الله، وتصديق ذلك في كتاب الله : " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ".
وفي رواية آخرى: خيار أمتي في كل قرن.
وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله في الخلق ثلاث مئة، قلوبهم على قلب آدم ﵇، ولله تعالى في
стр. 93
الخلق أربعون، قلوبهم على قلب موسى ﵇. ولله في الخلق سبعة، قلوبهم على قلب إبراهيم ﵇، ولله تعالى في الخلق خمسة، قلوبهم على قلب جبريل ﵇، ولله تعالى في الخلق ثلاثة، قلوبهم على قلب ميكائيل ﵇، ولله في الخلق واحد، قلبه على قلب إسرافيل ﵇. فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثة مئة، فإذا مات من الثلاثة مئة أبدل الله مكانه من العامة. فبهم يحيي ويميت ويمطر ويقيت، ويدفع البلاء.
قيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحيي ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض، ويدعون فتدفع بهم أنواع البلاء.
وعن أبي الزناد قال: لما ذهبت النبوة، وكانوا أوتاد الأرض أخلف الله مكانهم أربعين رجلاً من أمة محمد ﷺ يقال لهم الأبدال، لا يموت الرجل منهم حتى ينشئ الله مكانه آخر يخلفه، وهم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم على مثل يقين إبراهيم، لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة ولا بكثرة الصيام، ولا بحسن التخشع، ولا بحسن الحلية، ولكن بصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلوب، والنصيحة لجميع المسلمين، ابتغاء مرضاة الله، بصبر دجير، ولب حليم، وتواضع في غير مذلة. واعلم أنهم لا يلعنون شيئاً، ولا يؤذون أحداً، ولا يتطاولون على أحد تحتهم، ولا يحقرونه، ولا يحسدون أحداً فوقهم، ليسوا بمتخشعين ولا متماوتين، ولا معجبين، لا يحيون لدنيا، ولا يحبون الدنيا، ليسوا اليوم في وحشة، وغداً في غفلة.
نفي الخير عند فساد أهل الشام
стр. 94
ما جاء في نفي الخير عند فساد أهل الشام
عن معاوية بن قمرة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال.
وفي رواية عنه: إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة.
وعن الحسن أنه قال: خيار أهل الشام خير من خياركم، وشرار أهل الشام خير من شراركم. قالوا: لم تقول هذا يا أبا سعيد؟ قال: لأن الله تعالى قال: " ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ".
стр. 95
ما جاء من أن بالشام تكون بقايا العرب
عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل معاذ بن جبل أو سعد بن معاذ فقال رسول الله ﷺ حين رآه: إني لأرى في وجهه لأحيى طالع. قال: فجاء حتى سلم على رسول الله ﷺ فقال: أبشر يا رسول الله، فقد قتل الله كسرى. فقال رسول الله ﷺ : " لعن الله كسرى، ثلاثاً، ثم قال: إن أول الناس فناء، أو هلاكاً، فارس، ثم العرب من ورائها، ثم أشار بيده قبل الشام، إلا بقية هاهنا ".
وفي رواية: أول الناس هلاكاً فارس، ثم العرب، إلا بقايا هاهنا يعني الشام.
стр. 96
باب انحياز بقية المؤمنين آخر الزمان إلى الشام
عن القاسم بن عبد الرحمن قال: مد الفرات على عهد عبد الله بن مسعود، فكره الناس ذلك، فقال عبد الله: يا أيها الناس لا تكرهوا مده فإنه يوشك أن يلتمس فيه ملء طست من ماء فلا يوجد، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره. ويكون الماء وبقية المؤمنين بالشام.
وعن عبد الله بن عمرو قال: يأتي على الناس زمان، لا يبقى على الأرض مؤمن إلا لحق بالشام.
وعن أبي أمامة قال: لا تقوم الساعة حتى يتحول أشرار الناس إلى العراق، وخيار أهل العراق إلى الشام، حتى تكون الشام شاماً والعراق عراقاً.
وعن شرحبيل بن مسلم عن أبيه قال: بلغنا أنه لن تقوم الساعة حتى يخرج خيار أهل العراق إلى الشام، ويخرج شرار أهل الشام من الشام إلى العراق، فأكره أن يدركني أجلي وأنا بالعراق.
стр. 97
ما ذكر من تمسك أهل الشام بالطاعة
عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بساق، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقريه.
وفي رواية: حتى بلغ جبل بساق.
وعن ابن عمر قال: نزل الشيطان بالمشرق فقضى قضاء، ثم خرج يريد الأرض المقدسة الشام، فمنع، فخرج على بساق، حتى جاء المغرب فباض بيضة، وبسط بها عبقريه.
وعن محرز أبي حارثة القيني وأبي عثمان الغساني يعني: يزيد بن أسيد قالا: لما قدم كتاب عثمان إلى أهل الشام في القراءة قالوا: سمعنا وأطعنا، وما اختلف في ذلك اثنان. انتهوا إلى ما اجتمعت عليه الأمة، وعرفوا فضله.
وعنهما: أن معاوية قال لابن الكواء: أخبرني عن أهل الأحداث من أهل الأمصار. فذكره إلى أن قال: وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاهم لمغويهم.
وعن أم الدرداء قالت: قدم أبو الدرداء على عثمان حاجاً، فقال له عثمان: يا أبا الدرداء، إني قد استنكرت من يليني، ولم أسأل أحداً من أهل الآفاق عمن يليه إلا وقد وجدته استنكر من
стр. 98
يليه، فما أعرف شيئاً، فكيف بكم؟ فقال: ما يعصينا أهل بلادنا ولا يستبدون علينا.
قال: فلزمها، فوا لله لنقلن الله الأمر إليكم، فقد استنكرت الأشياء، فما تعرف إلا الصلاة يا أبا الدرداء، وإنها من آخر ما ينكر من هذا الأمر.
وعن عبد الملك بن عمير قال: كان عامة خطبة يزيد بن أبي سفيان وهو على الشام: عليكم بالطاعة والجماعة، فمن ثم لا يعرف أهل الشام إلا الطاعة.
وعن زهير بن الأرقم قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: ألا إن بسراً قد طلع من قبل معاوية، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون عليكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبطاعتهم أميرهم ومعصيتكم أميركم، وبأدائهم الأمانة وبخيانتكم. استعملت فلاناً فغل وغدر، وحمل المال إلى معاوية، واستعملت فلاناً فخان وغدر، وحمل المال إلى معاوية حتى لو ائتمنت أحدكم على قدح خشيت على علاقته. اللهم إني قد أبغضتهم وأبغضوني، فأرحهم مني، وأرحني منهم.
وعن خباب بن عبد الله.
أن معاوية بعث خيلاً فأغارت على هيت والأنبار، فاستنفر علي الناس، فأبطؤوا وتثاقلوا، فخطبهم فقال: أيها الناس، المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، فإذا دعوتكم إلى المسير أبطأتم وتثاقلتم، وقلتم: كيت وكيت، أعاليل أباطيل. سألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول، حيدي حياد، لا يمنع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد والصدق، فأي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، أصبحتم والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم. فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم، وأعقبكم مني من هو شر لكم مني
стр. 99
أما إنكم ستلقون بعدي ثلاثاً: ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وأثرة قبيحة، يتخذها فيكم الظالمون سنة، فتبكي لذلك أعينكم ويدخل الفقر بيوتكم. وستذكرون عند تلك المواطن، فتودون أنكم رأيتموني، وهرقتم دماءكم دوني، فلا يبعد الله إلا من ظلم. والله لوددت أني أقدر أن أصرفكم صرف الدينار بالدراهم، عشرة منكم برجل من أهل الشام.
فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنا وإياك كما قال الأعشى: البسيط.
علقتها غرضاً وعلقت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
علقنا بحبلك، وعلقت أنت بأهل الشام، وعلق أهل الشام معاوية.
وعن دغفل قال: قال المال: أنا أسكن العراق، فقال الغدر: أنا أسكن معك. وقالت الطاعة: أنا أسكن الشام، قال الجفاء: أن أسكن معك. قال العيش: أنا أسكن مصر، قال الموت: أنا أسكن معك. وقالت المروءة: أنا أسكن الحجاز، فقال الفقر: وأنا أسكن معك.
قال أبو زكريا - يعني يحيى بن عثمان بن صالح: وسمعت أنه كان مكتوباً على صخرة بباب العريش يقرؤه من دخل مصر: ادخل إلى بلد وفي، وعيش رخي، وموت وحي.
وعن إسماعيل بن يسار قال:
لو أنزل أخوان من حصن، فسكن أحدهما الشام، وسكن الآخر العراق، ثم لقيت الشامي لوجدته يذكر الطاعة وأمر الطاعة والجهاد، ولو لقيت الآخر لوجدته يسأل عن السنة، يقول: كيف سنة كذا وكذا؟ وكيف الأمر في كذا وكذا؟ قال أبو هانئ المكتب: سئل عامر عن قتال أهل العراق وأهل الشام، فقال عامر: لا يزالون يظهرون علينا
стр. 100
أهل الشام لأنهم جهلوا الحق واجتمعوا، وعلمتم وتفرقتم. فلم يكن الله ليظهر أهل فرقة على جماعة أبداً.
وعن سليمان بن موسى قال: إذا كان علم الرجل حجازياً، وخلقه عراقياً، وطاعته شامية فقد كمل.
وعن سليمان بن موسى قال: إذا وجدت الرجل علمه علم حجازي، وسخاؤه سخاء عراقي، واستقامته استقامة شامي فهو رجل.
وعن عبد الله بن الربيع قال: قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله: صف لي الناس، فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب، وأهل العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين، وأهل الشام حصن الأمة وأبنية الأئمة، وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجاء، والترك منابت الحصون وأبناء المغازي، وأهل الهند حكماء، استغنوا ببلادهم فاكتفوا بها عما سواها، والروم أهل كتاب وتدين نحاهم من القرب إلى البعد، والأنباط كان ملكهم قديماً فهم لكل قوم عبيد. قال: فأي الولاة أفضل؟ قال: الباذل للعطاء، والمعرض عن السيئة. قال فأيهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية، وأتعبهم لها بالخرق والعقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: يا أمير المؤمنين، الطاعة عند الخوف تسر الغدر، وتتابع عند المعاينة. والطاعة على المحبة تضر الاجتهاد، وتنابع عند الغفلة. قال: فأي الناس أولاهم بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرة والمنفعة، قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة وبذل النفس. قال: فمن ينبغي للملك أن يتخذه وزيراً؟ قال: أسلمهم قلباً، وأبعدهم من الهوى.
قال أبو الحسن الميموني: ذكر أبو عبد الله كورة من نحو الشام، فقال: قدرية، ويتكلمون به في مساجدهم، ويتعرضون للناس. ولكن أهل دمشق وأهل حمص خاصة أصحاب سنة، وهم إن رأوا الرجل يخالف السنة أخرجوه من بينهم. كانت حمص مسكن ثور بن يزيد. فلما عرفوه بالقدر أخرجوه من بينهم، فسكن بيت المقدس.
стр. 101
ذكر توثيق أهل الشام بالرواية وعلمهم
قال جبير بن نفير: دخلنا على عبد الله بن عمر نسأله ونسمع منه، فقال لنا: إن الله بعث محمداً ﷺ بشيراً ونذيراً، فاتبعته ناصية من الناس. كان الرجل يخرج من بين أبويه فيبايعه، فقاتلوا على الدين حتى أمن الله الناس، وحتى لزموا كلمة الحق. فلما مات النبي ﷺ تشايع الناس وتحزبوا، فقامت تلك الناصية، فقاتلوا الناس حتى ردوا الناس إلى كلمة الإسلام، وحتى قالوا: لا إله إلا الله وإن نبيكم ﷺ حق. فلما اجتمعوا انطلق تلك الناصية براية محمد ﷺ ومعهم الشرائع التي جاء بها النبي ﷺ والهجرة، مهاجرين حتى نزلوا الشام وتركوا الناس أعراباً. فمن رآهم فلم يتعلم من هديهم وينتهي إليه، وعمي عنه ثم ابتغاه من الأعراب فهو أقل علماً وأشد عمى.
وعن الزهري قال: قالت عائشة: يا أهل العراق، أهل الشام خير منكم، خرج إليهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ كثير، فحدثونا بما نعرف، وخرج إليكم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ قليل فحدثتمونا بما نعرف وما لا نعرف.
قال: وقال الزهري: إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به، ثم اردده.
وقال البيهقي: فأرود به، ثم أرود به. وهو الصواب.
قال الوليد بن مسلم: دخلت الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله ﷺ .
стр. 102
وعن إبراهيم قال: لقيني شامي فقال: إن مصحفنا ومصحف أهل البصرة أثبت من مصحف أهل الكوفة. قال: قلنا: لم؟ قال: لأن أهل الكوفة عوجلوا، ويقرؤون على قراءة عبد الله فعوجل مصحفهم قبل أن يعرض ومصحفنا ومصحف أهل البصرة لم يبعث به حتى عرض.
وعن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم قال: قال لي أبو الدرداء:
اعدد من يقرأ عندنا، يعني في مجلسنا هذا، قال أبو عبيد الله: فعددت ألفاً وست مئة ونيفاً، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، لكل عشرة منهم مقرئ. وكان أبو الدرداء قائماً يستفتونه في حروف القرآن يعني المقرئين فإذا أحكم الرجل من العشرة القراءة تحول إلى أبي الدرداء. وكان أبو الدرداء يبتدئ في كل غداة إذا انفتل من الصلاة، فيقرأ جزاً من القرآن، وأصحابه محدقون به يسمعون ألفاظه، فإذا فرغ من قراءته جلس كل رجل منهم في موضعه، وأخذ على العشرة الذين أضيفوا إليه، وكان ابن عامر مقدماً فيهم.
وعن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: كان أبو الدرداء يأتي المسجد ثم يصلي الغداة ثم يقرأ في الحلقة ويقرئ، حتى إذا أراد القيام قال لأصحابه: هل من وليمة نشهدها أو عقيقة أو فطرة؟ فإن قالوا: نعم قام إليها، وإن قالوا لا قال: اللهم إني أشهدك أني صائم.
وإن أبا الدرداء هو الذي سن هذه الحلق يقرأ فيها.
وقال الشيخ، وهو أبو عمرو الكلبي: عهدت المسجد الجامع يعني بدمشق وإن عند كل عمود شيخاً، وعليه الناس يكتبون العلم.
وقال الأوزاعي: كانت الخلفاء بالشام، فإذا كانت بلية سألوا عنها علماء أهل الشام وأهل المدينة، وكانت أحاديث العراق لا تجاوز جدر بيوتهم.
وقال سفيان بن عيينة: من أراد المناسك فعليه بأهل مكة، ومن أراد مواقيت الصلاة فعليه بأهل المدينة،
стр. 103
ومن أراد السير فعليه بأهل الشام، ومن أراد شيئاً لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق.
وفي حديث آخر عنه قال: من أراد الإسناد والحديث الذي يسكن إليه فعليه بأهل المدينة، ومن أراد المناسك والعلم بها والمواقيت فعليه بأهل مكة، ومن أراد المقاسم وأمر الغزو فعليه بأهل الشام، ومن أراد شيئاً لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق.
وقال الشافعي: إن أردت الصلاة يعني فعليك بأهل المدينة، وإن أردت المناسك فعليك بأهل مكة، وأن أردت الملاحم فعليك بأهل الشام، والراي عن أهل الكوفة.
وقال ابن المبارك: ما دخلت الشام إلا لاستغني عن حديث أهل الكوفة.
وقال موسى بن هارون: أهل البصرة يكتبون لعشر سنين، وأهل الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين.
وقال أبو عبد الله الزبيري: نسخت كتب الحديث في العشرين لأنها مجتمع العقل. قال: وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض.
وقال عطاء الخراساني: ما رأيت فقيهاً أفقه إذا وجدته من شامي.
قال صدقة بن خالد: قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كان يقال: من أراد العلم فلينزل بداريّا بين عنس وخولان.
زاد غيره عن يزيد بن محمد، قال يزيد: عنس وخولان قريتان بدمشق، فيهما مسجدان. يتجمع في واحد عنس وفي واحد خولان. فإذا كان هذا في أهل داريّا وهي قرية من قرى دمشق فما ظنك بأهل البلد الكبير الذي يحوي الخلق؟.
стр. 104
باب صفة أهل الشام بالدين والثقة
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: باعت امرأة طستاً في سوق الصفر بدمشق، فوجده المشتري ذهباً فقال لها: أما إني لم أشتره إلا على أنه صفر وهو ذهب، فهو لك. فقالت: ما ورثناه إلا على أنه صفر، فإن كان ذهباً فهو لك. قال: فاختصما إلى الوليد بن عبد الملك، فاحضر رجاء بن حيوة فقال: انظر فيما بينهما. فعرضه رجاء على المرأة فأبت أن تقبله، وعرضه على الرجل فأبى أن يقبله. فقال: يا أمير المؤمنين، أعطها ثمنه واطرحه في بيت مال المسلمين.
وعن يزيد بن جابر قال: رأيت سواراً من ذهب، وزنه ثلاثون مثقالاً، معلقاً في قنديل من قناديل مسجد دمشق أكثر من شهر، لا يأتيه أحد فيأخذه.
وعن جعفر بن محمد، قال: كنت مع أبي، محمد بن علي بمكة في ليالي العشر قبل التروية بيوم أو يومين، وأبي قائم يصلي في الحجر وأنا جالس وراءه، فجاءه رجل أبيض الراس واللحية، جليل العظام، بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، عليه ثوبان غليظان، في هيئة المحرم، فجلس إلى جنبه، فعلم أبي أنه يريد أن يخفف الصلاة، فسلم ثم أقبل عليه فقال له الرجل: يا أبا جعفر، أخبرني عن بدء خلق هذا البيت كيف كان؟ فقال له أبو جعفر محمد بن علي ممن أنت؟ قال: رجل من أهل الشام، فقال له محمد بن علي: إن أحاديثنا إذا سقطت إلى الشام جاءتنا صحاحاً، وإذا سقطت إلى العراق جاءتنا وقد زيد فيها ونقص ثم قال له: بدء خلق هذا البيت. وذكر الحديث.
стр. 105
باب النهي عن سب أهل الشام
عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: تكون في آخر الزمان فتنة، يحصل فيها الناس كما يحصل الذهب في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام، ولكن سبوا شرارهم، فإن فيهم الأبدال. يوشك أن يرسل على أهل الشام سيب من السماء فيفرق جماعتهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، فعند ذلك يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات، المكثر يقول: هم خمسة عشر ألفاً، والمقل يقول: هم اثنا عشر ألفاً، أمارتهم: أمت أمت، يلقون سبع رايات تحت كل راية منها رجل يطلب الملك، فيقتلهم الله جميعاً، ويرد الله إلى المسلمين ألفتهم ونعمتهم، وقاصيهم ودانيهم.
وعنه أيضاً قال: يا أهل العراق لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم الأبدال.
قال رجاء بن حيوة: اذكر لي رجلين من أهل بيسان، فإنه بلغني أنه اختص بيسان برجلين من الأبدال، لا يقبض الله رجلاً منهم إلا بعث الله مكانه رجلاً. ولا تذكر لي متماوتاً ولا طعاناً على الأئمة، فإنه لا يكون منهم الأبدال.
وعن صفوان بن عبد الله بن صفوان: أن رجلاً قال يوم صفين: اللهم العلن أهل الشام، فقال علي: لا تسبوا أهل الشام جماً غفيراً، فإن فهيم قوماً كارهين لما يرون، وإن فيهم يكون الأبدال.
وعن أبي هريرة قال: لا تسبوا أهل الشام، فإنهم جند الله المقدم.
من قتل من أهل الشام بصفين
стр. 106
ما ورد فيمن قتل من أهل الشام بصفين
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أربع ملاحم في الجنة: الجمل في الجنة، وصفين في الجنة، وحرة في الجنة "، وكان يكتم الرابعة.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سمع علي يوم الجمل أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول، يقول الكفرة. قال: لا تقولوا، فإنهم زعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا.
وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: رأيت علياً بعد صفين، وهو آخذ بيدي ونحن نمشي في القتلى، فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ قتلى أهل الشام فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنا في أصحاب معاوية، فقال علي: إنما الحساب علي وعلى معاوية.
وعن عبد الرحمن بن نافع القارئ قال: قدمت العراق فدخلت دار علي بن أبي طالب التي كان يسكن، فإذا الموالي حلقتان يتحدثون، فجلست معهم. فخرج علي وهم يذكرون قتلى علي ومعاوية، فقالوا: قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد، ونبينا واحد، فأين قتلانا وقتلاهم؟ فأقبل علي، فلما رآهم قصد إليهم فسكتوا، فقال علي: ما كنتم تقولون؟ فسكتوا. فقال علي: عزمت عليكم لتخبرني، فقالوا: ذكرنا قتلانا وقتلى معاوية، وأن قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد، وديننا واحد، فقال علي: فإني أخبركم عن ذلك، إن الحساب علي وعلى معاوية.
وعن سعد بن إبراهيم قال: خرج علي بن أبي طالب ذات يوم ومعه عدي بن حاتم الطائي، فإذا رجل من طيء قتيل، قد قتله أصحاب علي، فقال عدي: يا ويح هذا، كان أمس مسلماً واليوم كافراً. فقال علي: مهلاً، كان أمس مؤمناً وهو اليوم مؤمن.
стр. 107
وعن مكحول: أن أصحاب علي سألوه عمن قتلوا من أصحاب معاوية. قال: هم المؤمنون.
وعن عقبة بن علقمة اليشكري قال: شهدت مع علي صفين، فأتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه.
وعن عبد الرحمن بن جندب قال: سئل علي عن قتلاه وقتلى معاوية، قال: يؤتى بي وبمعاوية يوم القيامة، فنجتمع عند ذي العرض، فأينا فلج، فلج أصحابه.
وعن علي ﵁ قال: من كان يريد وجه الله منا ومنهم نجا يعني صفين.
قال عبد الله بن عروة: حدثني رجل شهد صفين قال: رأيت علياً خرج في بعض تلك الليالي، فنظر إلى أهل الشام فقال: اللهم اغفر لي ولهم. قال: فأتى عمار فأخبر، فقال: جروا له الحصير ما جره لكم.
وعن عبد الله بن رباح أن عماراً قال: لا تقولوا كفر أهل الشام، ولكن قولوا: فسقوا أو ظلموا.
وعن رباح بن الحارث قال: قال رجل من أهل الكوفة: كفر أهل الشام ورب الكعبة، فقال عمار: لا تقل كفروا، ولكنهم قووم مفتونون، بغوا علينا، فحق علينا قتالهم.
وعنه قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمس ركبته، فقال رجل: كفر أهل الشام فقال عمار: لا تقل ذلك: نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون، جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.
стр. 108
ذكر ما ورد في ذم أهل الشام
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " الجفاء والبغي في الشام ".
قال: هذا حديث لا يمكن الاعتماد عليه لضعف إسناده.
وعن أنس أنه سمع النبي ﷺ يقول: إذا ركب الناس الخيل ولبسوا القباطي ونزلوا الشام، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء عمهم الله بقعوبة من عنده.
ذكر في إسناده عمرو بن زياد الثوبي، وقال: كان منكر الحديث، يسرق الحديث ويحدث بالبواطيل.
عن أبي هريرة قال: سينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر.
قال ابن أبزى: بلغ عمر أن أناساً تكلموا في القدر فقام خطيباً فقال: يا أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفسي بيده لا أسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما. قال: فأمسك الناس عنه، حتى نبغت نابغة أو نبغة بالشام.
وعن الشيباني قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا زرعة هلك عبادنا وخيارنا في هذا الرأي، يعني القدر.
كان المتكلم في القدر بالشام: غيلان القدري، وتبعه على ذلك أتباع، فأخذه
стр. 109
هشام بن عبد الملك فصلبه، وكفى أهل الشام أمره. وقد كانت القدرية بالبصرة أكثر، وضررهم على أهل السنة أكبر، فإنهم صنفوا في نفيه التصانيف، وألف أهل الاعتزال فيه التآليف، فأفناهم الله وأبادهم.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إن الله خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة أشياء: خلق الجدب، وأردفه الزهد، وأسكنه الحجاز، وخلق العفة، وأردفها الغفلة، وأسكنها اليمن، وخلق الزيف، وأردفه الطاعون، وأسكنه الشام، وخلق الفجور، وأردفه الدرهم، وأسكنه العراق.
قال: وهذا حديث فيه مجاهيل لا يحتج به.
وعن سليمان بن يسار قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: أنا معك. وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريد الشام، فقال السيف: وأنا معك. وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: وأنا معك. وقال الغني: أريد مصر، فقال الذل: وأنا معك. فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين.
فلما ورود الكتاب على عمر بن الخطاب قال: فالعراق إذاً، فالعراق إذاً.
ورواه بن عائشة أيضاً: قال ابن عساكر: والمحفوظ عن كعب سوء القول في العراق، وضعف هذه الأحاديث.
وعن أنس بن مالك قال: لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية، فجمعتهم إلى بابل، فاجتمعوا يومئذ ينظرون، لما حشروا له إذ نادى مناد: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه، فله كلام أهل السماء. فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود: أنت هو. فكان أول من تكلم بالعربية ولم يزل المنادي ينادي: من فعل كذا وكذا فله كذا
стр. 110
وكذا، حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً. وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن، فسميت بابل. وكان اللسان يومئذ بابلياً. وهبطت ملائكة الخير والشر، وملائكة الحياء والإيمان، وملائكة الصحة والشفاء، وملائكة الغنى، وملائكة الشرف، وملائكة المروءة، وملائكة الجفاء، وملائكة الجهل، وملائكة السيف، وملائكة اليأس، حتى انتهوا إلى العراق، فقال بعضهم لبعض: افترقوا. فقال ملك الإيمان: أنا أسكن المدينة ومكة، فقال ملك الحياء: أنا معك، فأجمعت الأمة على أن الإيمان والحياء ببلد رسول الله ﷺ . وقال مالك الشقاء: أنا أسكن البادية، فقال ملك الصحة: وأنا معك، فأجمعت الأمة على أن الصحة والشقاء في الأعراب. وقال ملك الجفاء: أنا أسكن المغرب، فقال ملك الجهل: أنا معك، فأجمعت الأمة على أن الجفاء والجهل في البربر. وقال ملك السيف: أنا أسكن الشام، فقال له ملك البأس: أنا معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا، فقال له ملك المروءة: أناملك البأس: أنا معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا، فقال له ملك المروءة: أنا معك. فقال ملك الشرف: وأنا معكما، فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق.
وعن حكيم بن جابر قال:
أخبرت أن الإسلام قال: أنا لا حق بأرض الشام، قال الموت: وأنا معك. قال الملك: وأنا لا حق بأرض العراق قال القتل: وأنا معك. قال الجوع: وأنا لاحق بأرض العرب، قالت الصحة: وأنا معك.
قال: إنما أراد بذلك كثرة ما كان بها من الطاعون، أو القتل في الجهاد، وكلاهما شهادة. وذلك مدح ليس بذم.
قال الجاحظ: أشياء اتفقت ثمانية أزواج ستة عشر صنفاً، ثم اتفقت أزواجاً فصارت ثمانية أزواج: فقال الدين: أسكن الحرمين مكة والمدينة، قالت الأمانة: أنا معك. قال الغني واليسار: أسكن مصر، قال الذل: أنا معك. قال السخاء: أسكن الشام، قالت الشجاعة: وأنا معك. قال العقل: أسكن العراق، قالت المروءة: وأنا معك. قال العلم: أسكن خراسان، قال الورع: وأنا معك. قالت التجارة: أسكن خوزستان وأصبهان، قالت النذالة: وأنا معك. قال الجفاء: أسكن المغرب، قال الجهل: وأنا معك. قال الفقر: أسكن اليمن، قالت القناعة: وأنا معك.
وهذا مدح ليس بذم.
следующие страницы →