← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

من القراءة، وأبو بكر قائم، ورسول الله جالس، فأئتمّ أبو بكر بالنّبيّ ﷺ وائتم النّاس بأبي بكر، فما قضي رسول الله ﷺ حتى ثقل جداً، فخرج يهادي بين رجليه لتخطان في الأرض، فمات رسول الله ﷺ ولم يوص. قال محمد بن سعد: وكان ثقة قليل الحديث. أرقم بن عبد الله الكندي رجل من تابعي أهل الكوفة. كان ممن قدم به مع حجر بن عدي الكندي إلى عذراء في أثني عشر رجلاً، فشفع فيه وائل بن حجر إلى معاوية فأطلقه. قال أبو محنف: تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية: حجر بن عدي بن جبلة الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثمعي من بني عامر بن شهران ثم من بني قحافة، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بني هميم، ومحرز بن شهاب التميمي من بني منقر، وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم، فمضوا بهم حتى نزلوا مرج عذراء، فحبسوا بها. ثم إن زياداً أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الأسود العجلي، بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسعيد بن نمران الهمداني ثم الناعطي، فتموا أربعة عشر رجلاً. تسمية من قتل أصحاب حجر ﵀: حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المنقري، وكدام بن حيان

стр. 1297

العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي، بعث به إلى زياد فدفن حياً بقس الناطف، فهم سبعة قتلوا ودفنوا وصلى عليهم. قال: وزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حجر وأصحابه، قال: صلوا عليهم، وكفنوهم، واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم؛ قال: حجوهم ورب الكعبة. تسمية من نجا منهم: كريم بن عفيف الخثعمي، وعبد الله بن حوية التميمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وعتبة بن الأخنس، من بني سعد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمذاني، فهم سبعة. قال الطبري: ومقتل حجر بن عديّ وأصحابه في سنة إحدى وخمسين. إرميا بن حلقيّا من سبط لاوي ابن يعقوب من أنبياء بني إسرائيل. ويقال: إنه الخضر ﵇. جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريّا ﵇ بدمشق وهو يفور، فقال: أيّها الدّم دم يحيى بن زكريّا، فتنت بنو إسرائيل والنّاس فيك؛ فسكن الدّم، ورسب حتى غاب. عن الحسن، قال: إن إرميا كان غلاماً من أبناء الملوك، وكان زاهداً، ولم يكن لأبيه ابن غيره، وكان أبوه يعرض عليه النّكاح فكان يأبى مخافة أن يشغله عن عبادة ربّه، فألحّ عليه أبوه، فكره أن يعصي أباه، فزوّجه في أهل بيت من عظماء أهل مملكته، فلّما أن دخلت عليه امرأته قال لها: يا هذه إني أسرّ إليك أمراً، فإن كتمتيه عليّ وسترتيه سترك الله في الدّنيا والآخرة، وإن أنت أفشيتيه فضحك الله في الدّنيا والآخرة، قالت: فإني سأكتمه عليك؛ قال: فإني لا أريد النّساء. قال: فأقامت معه سنةً، ثم إن أباه أنكر ذلك، فسأله، فقال: يا أبه ما طال ذلك

стр. 1298

بعد؛ فدعا امرأته فسألها، فقالت مثل ذلك ففرّق بينهما، وزوّجه امرأة في بيت أشرافهم، فأدخلت عليه، فاستكتمها أمره مثل ما استكتم الأولى؛ فلّما مضت سنة، فسأله أبوه مثل ما سأل، فقال: ما طال ذلك يا أبه؛ فسأل المرأة فقالت: كيف تحمل المرأة من غير زوج؟ ما مسني! فغضب أبوه، فهرب منه حتى بعثه الله نبيّاً مع ناشية الملك وجاءه الوحي. وعن وهب بن منبه: إنّ الله تعالى لمّا بعث إرميا إلى بني إسرائيل، وذلك حين عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وعملوا بالمعاصي فقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصّر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدّث نفسه بالمسير إليهم لمّا أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى إرميا: إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم، فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي؛ فقام إرميا فشقّ ثيابه وجعل الرّماد على رأسه وخرّ ساجداً، وقال: يا ربّ، وددت أن أميّ لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل، فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي. فقيل له: ارفع رأسك؛ فرفع رأسه؛ قال: فبكى، ثم قال: يا رب، من تسلّط عليهم؟ قال: عبدة النّيران، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي، قم يا إرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل: من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أمّك قدّستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهّرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك، فقم مع الملك ناشية تسدّده وترشده. فكان معه يرشده ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث، ونسوا ما نجّاهم الله من عدوّهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله تعالى إلى إرميا: قم فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكّرهم نعمتي، وعرّفهم أحداثهم. فقال إرميا: يا ربّ إني ضعيف إن لم تقوّني، عاجز إن لم تبلّغني، مخطئ إن لم تسدّدني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تعزّني. فقال الله له: أو لم تعلم أنّ الأمور كلّها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلق والأمر كلّه

стр. 1299

لي، وأن القلوب والألسنة كلّها بيدي أقلّبها كيف شئت فتطيعني؟ فأنا الله الذي ليس شيء مثلي، قامت السّموات والأرض وما فيهنّ بكلمتي، وأنه لا يخلص التّوحيد ولا تتمّ القدرة إلاّ لي، ولا يعلم ما عندي، وأنا الذي كلّمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحدّدت حدوداً فلا تعدو وحدّي، وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدّي ألبستها مذلةً لطاعتي، وخوفاً واعترافاً لأمري، وأني معك، ولن يصل إليك شيء معي، وأني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلّغهم رسالاتي، فتستوجب بذلك أجر من اتّبعك ولا ينقص من أجورهم شيئاً، وإن تقصّر عنها تستحق بذلك منّي وزر من تركته في عماية، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً، انطلق إلى قومك فقمّ فيهم، وقل لهم: إن الله ذكّركم بصلاح آبائكم، فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء، وتسألهم كيف وجد آباؤهم مغبّة طاعتي، وكيف وجدوا مغبّة معصيتي؛ وهل وجدوا أحداً عصاني فسعد بمعصيتي؟ وهل علموا أحداً أطاعني فشقي بطاعتي؟ إنّ الدّواب إذا ذكرت أوطانها الصّالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها. أمّا أحبارهم ورهبانهم فاتّخذوا عبادي خولاً يتعبّدونهم ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وانسوهم ذكري وسنّتي، وغرّوهم عني، فدان لهم عبادي بالطّاعة التي لا تنبغي إلاّ لي، فهم يطيعونهم في معصيتي. وأمّا ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرّتهم الدّنيا حتى نبذوا كتابي، ونسوا عهدي، فهم يحرّفون كتابي ويفترون على رسلي جراةً منهم عليّ، وغرّة بي. فسبحان جلالي وعلّو مكاني وعظمة شأني، هل ينبغي لي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟ وهل ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً ن دوني؟ أو آذن لأحد بالطّاعة لأحد؟ لا ينبغي إلاّ لي. وأمّا قراؤهم وفقهاؤهم فيدسون ما يتخيّرون، فينقادون للملوك، فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود النّاقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعلمون، لا ينتفعون بشيء ممّا علموا من كتابي.

стр. 1300

وأمّ أولاد النبيّين، فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنّون مثل نصري آباءهم، والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم ولا تفكّر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري، حتى اغترّ المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا، حتى عزّ أمري وظهر ديني. فتأنّيت هؤلاء القوم لعلّهم يستحيون منّي ويرجعون، فتطوّلت عليهم، وصفحت عنهم فأكثرت، ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلّهم يتذكّرون، وكلّ ذلك أمطر عليهم السّماء، وأنبت لهم الأرض، فألبسهم العافية، وأظهرهم على العدوّ، ولا يزدادون إلاّ طغياناً وبعداً منّي! فحتى متى هذا؟ أبي يسخرون؟ أم بي يتمرّسون؟ أم إيّاي يخادعون؟ أم عليّ يجترئون؟. فإني أقسم بعزتي لأتيحنّ لهم فتنةً يتحير فيها الحليم، ويضل فيها رأي ذوي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لا سلّطنّ عليهم جبّاراً قاسياً عاتياً، ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرّأفة والرّحمة، وآليت أن يتبعه عدد سود مثل اللّيل المظلم، له فيه عساكره مثل قطع السّحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيران النّسور، وحمل فرسانه كصوت العقبان، يعيدون العمران خراباً، والقرى وحشاً، ويعيثون في الأرض فساداً، ويتبّرون ما علوا تبتيراً، قاسية قلوبهم، لا يكترثون ولا يرقّون ولا يرحمون، ولا يبصرون ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل رهيب الأسد، يقشعر من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام، بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهرة عليها المنكر لا يعرفونها، فوعزّتي لأعطلّنّ بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأخلينّ مجالسهم من حديثها، ولأوحشنّ مساجدهم من عمّارها وزوّارها الذين كانوا يتزيّنون بعمارتها لغيري، ويتهجّدون فيها ويتعبّدون لكسب الدّنيا بالدّين، ويتفقّهون فيها لغير الدّين، ويتعلّمون فيها لغير العمل. لأبدّلنّ ملوكها بالعزّ الذّل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنّعمة الجوع، وبطول العافية والرّخاء ألوان البلاء، وبلباس الدّيباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالأزواج الطيّبة والأدهان جيف القتلى، وبلباس التّيجان أطواق الحديد والسّلاسل

стр. 1301

والأغلال، ثم لأعيدنّ فيهم بعد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيّدة مساكن السّباع، وبعد صهيل الخيل عواء الذّئاب، وبعد ضوء السّراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار. ثم لأبدّلنّ نساءها بالأسورة الأغلال، وبقلائد الدّرّ والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطّيب والأدهان النّقع والغبار، وبالمشي على الزّرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى اللّيل في بطون الأسواق، وبالخدور والسّتور الحسور عن الوجوه والسّوق والأسفار والأرواح السّموم. ثم لأدوسنّهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق لوصل ذلك إليه، إني إنّما اكرم من أكرمني، وإنّما أهين من هان عليه أمري، ثم لآمرن السّماء خلال ذلك فلتكوننّ طبقاً من حديد، ولآمرنّ الأرض فلتكوننّ سبيكةً من نحاس، فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت، فإن أمطرت خلال ذلك شيئاً سلّطت عليه الآفة، فإن خلص لهم منه شيء نزعت منه البركة، وإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوني لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرّعوا إليّ صرفت وجهي عنهم. وإن قالوا: اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنك اخترتنا لنفسك، وجعلت فينا نبوّتك وكتابك ومساجدك، ثم مكّنت لنا في البلاد واستخلفتنا فيها، وربّيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغاراً، وحفظتنا وإيّاهم برحمتك كباراً، فأنت أولى المنعمين أن لا تغّير وإن غيّرنا، ولا تبدّل وإن بدّلنا، وأن يتّم نعمته وفضله ومنّه وطوله وإحسانه. فإن قالوا ذلك، قلت لهم: إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإناستزادوا زدت، وإن شكروا أضاعف، وإن بدّلوا غيّرت، وإن غيّروا غضبت، وإذا غضبت عذّبت، وليس يقوم شيء لغضبي. قال كعب: قال إرميا: برحمتك أصبحت أتكلم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذلّ وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلّم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحقّ أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد منّي بما رضيت به منّي طولاً والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير تنكير ولا تغيير منّي، فإن تعذّبني فبذنبي، وإنترحمني فذلك ظنّي بك.

стр. 1302

ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربّنا وتعاليت لمهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك؛ يا ربّ سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت لذكرك؛ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتك هذه الأمة وعذابك إيّاهم وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمّة موسى نجيّك، وقوم داود صفّيك، أيّ القرى تأمن عقوبتك بعد أورشلم؟ وأيّ العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأمة نجّيك موسى وقوم خليفتك داود؟ تسلّط عليهم عبدة النّيران؟ قال الله تعالى: يا إرميا، من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إنّما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلاّ أن أتداركهم برحمتي. قال إرميا: يا ربّ، اتخذت إبراهيم خليلاً وحفظتنا به، وموسى قرّبته نجيّاً، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطّفنا، ولا تسلّط علينا عدوّنا. فأوحى الله إليه: يا إرميا إني قدّستك في بطن أمّك، وأخرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السّبيل لكنت الدّاعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنّة ناعم شجرها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثمارها ولا تنقطع، ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل: إني كنت بمنزلة الرّاعي الشّفيق أجنّبهم كلّ قحط وكلّ غرّة، وأتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشاً ينطح بعضها بعضاً، فياويلهم ثم يا ويلهم، إنّما أكرم من أكرمني، وأهين من هان عليه أمري، إنّ من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرّعون معصيتي تبرّعاً، فيظهرونها في المساجد والأسواق، وعلى رؤوس الجبال وظلال الشّجر، حتى عجّت السّماء إليّ منها، وعجّت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كلّ لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب. وقال إسحاق: هؤلاء المسمّون بإسنادهم، لمّا بلّغهم إرميا رسالة ربّهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذّبوه واتهموه، قالوا: كذبت وعظّمت على الله الفرية،

стр. 1303

فتزعم أن الله معطّل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده، حتى لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب؟ لقد أعظمت على الله الفرية، ولقد اعتراك الجنون؛ فأخذوه وقيّدوه وسجنوه؛ فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصّر، فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، ثم حاصرهم فكان كما قال الله تعالى: " فجاسوا خلال الدّيار ". قال: فلّما طال بهم الحصر، نزلوا على حكمه، فتحوا الأبواب، فتخلّلوا الأزقّة، فذلك قوله تعالى: " فجاسوا خلال الدّيار " وحكم فيها حكم الجاهليّة وبطش الجبّارين، فقتل منهم الثلث، وسبى الثلث، وترك الزّمني والشّيوخ والعجائز، ثم وطئهم بالخيل، وهدّم بيت المقدس، وساق الصّبيان، وأوقف النّسار في الأسواق محسّرات، وقتل المقاتلة، وخرّب الحصون، وهدم المساجد، وحرّق التّوراة، وسأل عن دانيال الذي كان كتب له الكتاب فوجده قد مات، وأخرج أهل بيته الكتاب إليه، وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر، وبنشايل، وعزرايل، وميخايل، فأمضى لهم ذلك الكتاب، وكان دانيال بن حزقيل خلفاً من دانيال الأكبر. ودخل بخت نصّر بجنوده بيت المقدس ووطئ الشّام كلّها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، فلّما بلغ منها انصرف راجعاً، وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السّبايا معه، فبلغ عدّة صبيانهممنأبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير؛ فكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحد عشر ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط أشير بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط زبالون ونفتالي بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط دان بن يعقوب، ويمانية آلاف من سبط يسياخير بن يعقوب، ألفين من سبط رالون بن يعقوب، ورابعة آلاف من سبط روبيل ولاوي، واثنا عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل؛ فانطلق بهم حتى قدم أرض بابل.

стр. 1304

قال وهب: لمّ فعل بخت نصّر ما فعل، قيل له: كان لهم صاحب يحذّرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، وتهدم مساجدهم، وتحرّق كتابهم، فكذبوه واتّهموه وضربوه وقيّدوه وحبسوه؛ فأمر بخت نصّر فأخرج إرميا من السّجن، فقال له: أكنت تحذّر هؤلاء القوم ما أصابهم؟ قال: نعم: قال: فإني علمت ذلك؛ قال: أرسلني الله إليهم فكذّبوني؛ قال: كذّبوك وضربوك وسجنوك؟ قال: نعم؛ قال: بئس القوم قوم كذّبوا نبّيّهم رسالة ربّهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك؟ وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمّنتك؛ قال إرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت، ولم أخرج منه ساعة قطّ، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك، ولم يكن لك عليهم سلطان. فلّما سمع بخت نصّر هذا القول منه تركه؛ فأقام إرميا مكانه بأرض إيليا. أزرق بن قرّة السّبيعيّ من جند خراسان، وفد على الوليد بن يزيد قبل أن يستخلف، وأخبره بمنام رآه له. ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه قال: قدم السّبيعيّ من التّرمذ أيّام هشام على نصر بن سيّار، فقال لنصر: إني رأيت الوليد بن يزيد في المنام وهو وليّ عهد شبه الهارب من هشام، ورأيته على سرير يشرب عسلاً، وسقاني بعضه. فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار، وبعث به إلى الوليد، وكتب إليه نصر، فأتى الأزرق الوليد فدفع إليه المال والكسوة، فسّر بذلك الوليد، وألطف الأزرق، وجزّى نصراً خيراً، وانصرف الأزرق، فبلغه ققبل أن ينصرف إلى نصر موت هشام، ونصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فأخبره.

стр. 1305

أزنم الفزاريّ كان بدمشق حين مات معاوية بن يزيد. قال محمد بن سعد: لمّا دفن معاوية بن يزيد، قام مروان على قبره، فقال: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: معاوية بن يزيد، فقال: هذا أبو ليلى! فقال أزنم الفزاريّ: من البسيط إني أرى فتناً تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا أزهر بن الوليد الحمصيّ سمع أمّ الدّرداء، واجتاز بدمشق إلى بيت المقدس. أزهر بن يزيد المراديّ الحمصيّ حدّث عن عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبل، وشهد اليرموك في خلافة عمر، وشهد الجابية. قال كثير بن مرّة: وقال الأزهر وكان رجلاً يرمى بالفقه لمعاذ بن جبل، ونحن بالجابية: من المؤمنون؟ قال معاذ أميرهم: والكعبة إن كنت لأظنّك أفقه مما أنت! هم الذين أسلموا وصاموا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة. أزهر الكوفيّ بياع الخمر وفد على عمر بن عبد العزيز، وحكى عنه، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يخطب النّاس وقميصه مرقوع.

стр. 1306

أسامة بن الحسن بن عبد الله ابن سلمان حدّث بعرفة من أعمال أطرابلس ن ساحل دمشق، عن علي بن معبد بن نوح البغداديّ نزيل مصر، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من حفظ على أمتّي أربعين من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ". أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل ابن عبد العزّي بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عبد ودّ بن كنانة بن عوف بن عذرة ابن عديّ بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب أبو زيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حارثة، ويقال: أبو يزيد حبّ رسول الله ﷺ وابن حبّه، استعمله رسول الله ﷺ على جيش فيه أبو بكر وعمر، فلم ينفذ حتى توفي رسول الله ﷺ ، فبعثه أبو بكر إلى الشّام، فأغار على أبنى من ناحية البلقاء؛ وشهد مع أبيه غزوة مؤتة، وقدم دمشق، وسكن المزّة مدّة، ثم انتقل إلى المدينة فمات بها، ويقال: بوادي القرى. روى عن النّبيّ ﷺ ، وروى عنه جماعة من الصّحابة والتّابعين. عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: " ما تركت بعدي فتنةً أضرّ على الرّجال من النّساء ". وعنه، قال: كان النّبيّ ﷺ يأخذني والحسن فيقول: " اللهم إني أحبّهما فأحبّهما ". وعنه، أن رسول اله صلى اله عليه وسلم قال: " إنّما الرّبا في النّسيئة ".

стр. 1307

قال محمد بن سعد: قبض النّبيّ ﷺ وهو ابن عشرين سنة، وكان قد نزل وادي القرى، ومات بالمدينة في آخر خلافة معاوية، وأمّه أمّ أيمن، واسمها بركة، وكانت حاضنة النبي ﷺ ومولاته. وكان زيد بن حارثة في رواية بعض أهل العلم أوّل النّاس إسلاماً، ولم يفارق رسول الله ﷺ ، وولد له أسامة بمكّة، ونشأ حتى أدرك لم يعرف إلاّ الإسلام، ولم يدن بغيره، وهاجر مع أبيه، وكان رسول اله ﷺ يحبّه حبّاً شديداً، وكان عنده كبعض أهله. عن عائشة، قالت: دخل مجزّر المدلجي على رسول الله ﷺ ، فرأى أسامة وزيداً، وعليهما قطيفةً، قد غطيّا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؛ فدخل عليّ رسول الله ﷺ مسروراً. وعن أسامة، قال: جاء العبّاس وعليّ يستأذنان على رسول الله ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : " هل تدري ما جاء بهما "؟ فقلت: لا؛ قال: " لكنّي أدري، إيذن لهما " فدخلا، فقال عليّ: يا رسول الله، من أحبّ أهلك إليك؟ قال: فاطمة قال: إنّما أعني من الرّجال؛ قال: " من أنعم الله عليه، وأنعمت عليه، أسامة "؛ قال: ثم من؟ قال: ثم أنت؛ قال العبّاس: يا رسول الله، جعلت عمّك آخرهم! قال: " إنّ علياً سبقك بالهجرة ". قالت عائشة: لا ينبغي لأحد أن ينتقص أسامة بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كان يحب الله ورسوله فليحبّ أسامة ". عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلّقها ألبتّة، وهو غائب بالشّام، فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخّطته، فقال: والله، مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك

стр. 1308

له، فقال: ليس لك عليه نفقة فأمرها أن تعتدّ في بيت أمّ شريك، ثم قال: تلك المرأة يغشاها أصحابي، اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني قالت: فلّما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة فنكحته، فجعل الله فيه خيراً واغتبطت به. وعن ابن عمر، قال: لمّا استعمل النّبيّ ﷺ أسامة، قالوا فيه، فبلغ النّبيّ ﷺ ، فقال: " قد بلغني ما قلتم في أسامة وقد قلتم ذلك في أبيه من قبل، وإنه لخليق للإمارة، وإنه لأحبّ النّاس إليّ ". قال ابن عمر: ما استثنى فاطمة ولا غيرها. عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أمّر رسول الله ﷺ أسامة بن زيد، وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر، قال هشام: وكان رسول الله ﷺ إذا أمّر الرّجل أعلمه وندب النّاس؛ قال: فخرج معه سروات النّاس وخيارهم ومعه عمر؛ قال: فطعن النّاس في تأمير أسامة، قال: فخطب رسول الله ﷺ فقال: إن أناساً طعنوا في تأميري أسامة كما طعنوا في تأميري أباه، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان لأحبّ إليّ، وإن ابنه لأحبّ النّاس إليّ بعد أبيه، وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيراً. قال: ومرض رسول الله ﷺ ، فجعل يقول في مرضه " أنفذوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة ". قال: فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس فقالت: لا تعجل فإن رسول الله ﷺ ثقيل؛ فلم يبرح حتى قبض رسول الله ﷺ .

стр. 1309

فلما قبض رسول الله ﷺ رجع إلى أبي بكر فقال: إن رسول الله ﷺ بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب، فإن كفرت كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر مضيت، فإن معي سروات الناس وخيارهم. قال: فخطب أبو بكر الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: والله لئن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله ﷺ . قال: فبعثه أبو بكر إلى أبنى، واستأذن لعمر أن يتركه عنده، قال: فأذن أسامة لعمر. قال: فأمره أبو بكر أن يجزر في القوم؛ قال هشام: يقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال حتى يفزع القوم. قال: فمضى حتى أغار عليهم، ثم أمرهم أن يعظموا الجراحة حتى يرهبوهم؛ قال: ثم رجعوا وقد سلموا، وقد غنموا. قال: فكان عمر يقول: ما كنت لأحيي أحداً بالإمارة غير أسامة لأن رسول الله ﷺ قبض وهو أمير. قال: فساروا، فلما دنوا من الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسترهم الله بها حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم. قال: فقدم بنعي رسول الله ﷺ على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبراً واحداً، فقالت الروم: ما بالي هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا! قال عروة: فما رؤي جيش كان أسلم من ذلك الجيش. وعن عائشة، قالت: دخل أسامة على النبي ﷺ فأصابته عتبة الباب فشج في وجهه، فقال النبي ﷺ : " يا بنت أبي بكر، قومي فامسحي عنه الأذى " قالت: فتقذرته؛ فقام إليه النبي ﷺ فجعل يمصه ويمجه، ويقول: " لو كان أسامة جاريةً لحليته بكل شيء وزينته حتى أنفقه للرجال ".

стр. 1310

وعن عبد الله بن دينار، قال: كان عمر بن الخطاب إذا رأى أسامة بن زيد يقول: السلام عليك أيها الأمير، فيقول أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، تقول لي هذا؟ قال: فكان يقول له: لا أزال أدعوك ما عشت الأمير، مات رسول الله ﷺ وأنت علي أمير. وعن ابن عمر، قال: فرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فقلت: إنما هجرتي وهجرة أسامة واحدة؛ فقال: إن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وإنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وإنما هاجر بك أبواك. وعن قيس بن أبي حازم: أن النبي ﷺ حين بلغه أن الراية صارت إلى خالد بن الوليد، قال النبي ﷺ : " فهلا إلى رجل قتل أبوه " يعني أسامة بن زيد. وعن يزيد بن عياض. قال: أهدى حكيم بن حزام للنبي ﷺ في الهدنة التي كانت بين النبي ﷺ وبين قريش حلة ذي يزن اشتراها بثلاثمئة دينار فردها عليه رسول الله ﷺ وقال: " إني لا أقبل هدية مشرك " فباعها حكيم، وأمر رسول الله ﷺ من اشتراها له، فلبسها رسول الله ﷺ ، فلما رآه حكيم فيها قال: من الطويل ما تنظر الحكام بالفضل بعدما ... بدا سابق ذو غرة وحجول فكساها رسول الله ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة فرآها عليه حكيم، فقال: بخ بخ يا أسامة، عليك حلة ذي يزن! فقال له رسول الله ﷺ : " قل له: وما يمنعني وأنا خير منه وأبي خير من أبيه؟ ". وعن عبد الله بن عباس، ومحمد بن علي بن أبي طالب، قالا: دخل أسامة بن زيد على النبي ﷺ فأقبل النبي ﷺ بوجهه، ثم قال: " يا أسامة بن زيد عليك بطريق الجنة، وإياك أن تحيد عنه فتختلج دونها " فقال أسامة: يا رسول الله دلني على ما أسرع به قطع ذلك الطريق،؛ قال: " عليك بالظمأ في

стр. 1311

الهواجر، وقصر النفس عن لذاتها ولذة الدنيا، والكف عن محارم الله، يا أسامة إن أهل الجنة يتلذذون بريح فم الصائم، وإن الصوم جنةٌ من النار، فعليك بذلك، وتقرب إلى الله بكثرة التهجد والسجود، فإن أشرف الشرف قيام الليل، وأقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، وإن الله يباهي به ملائكته، ويقبل إليه بوجهه، يا أسامة بن زيد إياك وكل كبدٍ جائعةٍ تخاصمك عند الله يوم القيامة، يا أسامة بن زيد، إياك أن تعد عيناك عن عباد الله الذين أذابوا لحومهم بالرياح والسمائم، وأظمأوا الأكباد حتى غشيت أبصارهم الظلم، أسهروا ليلهم خشعاً ركعاً " يبتغون فضلاً من الله تعالى ورضواناً سيماهم في وجوههم من آثر السجود " تعرفهم بقاع الأرض تحف بهم الملائكة تحوم حواليهم الطير تذل لهم السباع كذل الكلب لأهله يابن زيد إن الله إذا نظر إليهم سر بهم، تصرف بهم الزلازل والفتن ". ثم بكى رسول الله ﷺ بكاء شديداً حتى اشتد بكاؤه، وخاف القوم أن يكلموه، وحتى ظن القوم أن أمراً نزل من السماء، ثم تكلم ﷺ وهو حزين، قال: " ويح هذه الأمة ما يلقى فيها من أطاع الله كيف يكذبونه ويضربونه ويحبسونه من أجل أنه أطاع الله "، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، والناس يومئذٍ على الإسلام؟ قال: " نعم " قال: ففيم إذاً يعصون من أطاع الله؟ قال: " إنما يعصونهم حيث أمروهم بطاعة الله، ترك القوم الطريق ولبسوا اللين من الثياب، وخدمتهم أبناء فارس، وتزين الرجل بزينة المرأة، وتزينت المرأة منهم بزينة الرجل، دينهم دين كسرى وقيصر، همتهم جمع الدنانير والدراهم، فهي دينهم، وسنتهم القتل، تباهوا بالجمال واللباس، فإذا تكلم ولي الله، الغني من التعفف، المنحنية أصلابهم من العبادة، قد ذبحوا أنفسهم من العطش لأجل رضاء الله ، كذبوا وأوذوا وطردوا وحبسوا، وقيل لهم: قرناء الشيطان ورؤوس الضلال، تكذبون بالكتاب وتحرمون زينة الله والطيبات من الرزق التي أخرج لعباده. يا أسامة بن زيد، تأولوا الكتاب على غير تأويله، وتركوا الدين، فهم على غير دين، واستبدلوا بما تأولوا أولياء الله. يا أسامة بن زيد، إن أقرب

стр. 1312

الناس من الله يوم القيامة من طال حزنه وظمؤه وسهره وفكرته، أولئك هم الأخيار الأبرار، لا أنبئك بصفتهم؟ قال: بلى يا رسول الله؛ قال: " هم الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يحضروا، وإذا نظر الناس إليهم قالوا: مجانين أو موسوسين، وما بالقوم جنون ولا وسواس، ولكنهم شغلوا أنفسهم بحب الله وطلب مرضاته " يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " " يبيتون لربهم سجداً وقياماً " " يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " فيقلون على ذلك. يا أسامة بن زيد، أكل الناس من كل نوع، أكلوا من حشيش الأرض وثمارها، وتوسد الناس الوسائد والنمارق، توسدوا اللبن والحجارة، نعم الناس بلذاتهم وشهواتهم، نعموا بجوعهم والعطش، افترش الناس لين الفرش، افترشوا الجنوب والركب، ضحك الناس من الفرح، بكوا هم من الأحزان، تطيب الناس بالطيب، تطيبوا بالماء والتراب، بنوا الناس المنازل والقصور، واتخذوا الخراب والفلوات وظلال الشجر منازل ومساجد ومقيلاً، اتخذ الناس الأندية والمجالس متحدثاً تلذذاً وتلهياً وبطراً واتخذوا المحاريب وحلق الذكر والخلوة تخشعاً وخوفاً وتفكيراً وتذكيراً وتشريفاً، أنس الناس بالحديث والاجتماع، أنسوا بذكر الله ومناجاته والوحدة والفرار بدينهم من الناس، وهب الناس أنفسهم للدنيا، وهبوا هم أنفساً هو وهبها لهم فباعوا قليلاً زائلاً واشتروا كثيراً دائماً. يا أسامة بن زيد، لا يجمع الله عليهم الشدة في الدنيا والآخرة، بل لهم الجنة، أولئك هم أحباء الله، يا ليت أني قد رأيتهم، الأرض بهم رحيمة، والجبار منهم راض، ضيع الناس أفعال النبيين وأخلاقهم، حفظوها هم وتمسكوا بها. يا أسامة بن زيد، الراغب من رغب إلى مثل رغبتهم، والمغتر المغبون من لم يلق الله بمثل رغبتهم وأدبهم، والخاسر من خسر تقواهم وضيع أفعالهم. يا أسامة بن زيد، هم لكل أرضٍ أمان، تبكي الأرض إذا فقدتهم، ويسخط الجبار على بلدٍ ليس فيه منهم، ولا تزال الأرض باكيةً حتى يبدل الله مثله. يا أسامة بن زيد، اتخذهم لنفسك أصدقاء وأصحاباً عسى أن تنجو بهم، وإياك أن تدع ما هم عليه فتزل قدمك فتهوي في

стр. 1313

النار، يا أسامة بن زيد، زهدوا في الحلال فحرموه على أنفسهم وقد أحل لهم، طلباً للفضل فتركوه لينالوا به الزلفى والكرامات عند الله ، ولم يتكابوا على الدنيا تكاب الكلاب على الجيف؛ شغل الناس بالدنيا، شغلوا هم أنفسهم بطاعة الله ، ولم يكن ذلك إلا بتوفيق من الله لهم، أكلوا حلو الطعام وحامضه، شعثاً غبراً هزلاً، يراهم الناس فيظنون أن فيهم داء، ويقال: قد خولطوا، وما بالقوم داء ولا خولطوا، ويقال: قد ذهبت عقولهم، وما ذهبت عقولهم، ولكنهم نظروا بقلوبهم إلى من أذهلهم عن الدنيا وما فيها، فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول حين ذهبت عقول الناس في سكرتهم بحب الدنيا ورفض الآخرة. أولئك لهم البشرى والكرامة برفضهم لهواهم وإيثارهم حق الله على حقوق من عاشروا. فقال أسامة: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أللهم اجعله منهم " أو قال: " أنت منهم ". وعن محمد بن سيرين، قال: بلغت النخلة على عهد عثمان ألف درهم؛ قال: فعمد أسامة إلى نخلة فعقرها وأخرج جمارها وأطعمها أمه، فقالوا له: ما يحملك على هذا، وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتني ولا تسألني شيئاً أقدر عليه إلا أعطيتها. وعن الزهري، قال: قد حمل سعد بن أبي وقاص من العقيق إلى المدينة، وحمل أسامة بن زيد من الجرف. وقد تقدم أنه مات في خلافة معاوية، ومات معاوية سنة ستين. أسامة بن زيد بن عدي أبو عيسى التنوخي الكاتب، ويقال: الكلبي مولاهم مولى سليح، ولي كتابة الوليد بن عبد الملك، ثم قدم دمشق على يزيد بن عبد الملك، ثم ولي الخراج لهشام بن عبد الملك.

стр. 1314

ذكر أبو الحسين الرازي في تسمية كتاب أمراء دمشق، أن أسامة بن زيد بن عدي صاحب قصر أسامة من أهل دمشق كان على ديوان الجند بدمشق في زمان الوليد بن عبد الملك، وتولى خراج مصر للوليد بن عبد الملك فاستخرج مالها اثني عشر ألف ألف دينار، وهو أول من اتخذ صاحب حمالة. قال ابن يونس: وهو الذي بنى مقياس النيل العتيق بجزيرة فسطاط مصر. قال الليث بن سعد: فيها يعني سنة سبع أو ست وتسعين دخل أسامة بن زيد مصر أميراً على أرض مصر، دخل يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. وفيها يعني سنة تسع وتسعين نزع أسامة بن زيد من مصر في شهر ربيع الآخر، وأمر حيان بن شريح سنة اثنتين؛ قال: وفيها يعني سنة أربع ومئة خرج أسامة بن زيد إلى الشام فجعل على الدواوين، وأمر يزيد بن أبي يزيد على مصر. قال إسماعيل بن أبي الحكم: لما بعث سليمان بن عبد الملك أسامة بن زيد الكلبي على مصر، دخل أسامة على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا حفص، إنه والله ما على ظهر الأرض من رجل بعد أمير المؤمنين أحب إلي رضاء منك ولا أعز علي سخطاً منك، وإن أمير المؤمنين قد وجهني إلى مصر، فأوصني بما شئت، واكتب إلي فيما شئت، فإنك لن تأمر بأمر إلا نفذ إن شاء الله. قال: ويحك يا أسامة، إنك تأتي قوماً قد ألح عليهم البلاء منذ دهر طويل، فإن قدرت على أن تنعشهم فأنعشهم؛ قال: يا أبا حفص، إنك قد علمت نهمة أمير المؤمنين في المال، وإنه لن يرضيه إلا المال؛ قال: إنك إن تطلب رضاء أمير المؤمنين بسخط الله يكون الله قادراً على أن يسخط أمير المؤمنين عليك. قال: إني سأودع أمير المؤمنين وأنت حاضر إن شاء الله فتسمع وصاته. فلما كان في اليوم الذي أراد أن يسير فيه غدا على سليمان متقلداً بسيف، متوشحاً عمامته، يتحين دخول عمر فلما عرف أن عمر قد استقر فقعد مقعده عند سليمان استأذن ودخل وسلم، ثم مثل قائماً، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا وجهي وأردت أن أحدث عهداً بأمير المؤمنين، وأن يعهد إلي أمير المؤمنين.

стр. 1315

قال: احلب حتى ينفيك الدم، فإذا أنفاك فاحلب حتى ينفيك القيح لا تنفيها لأحدٍ بعدي. قال: فخرج، فلم يزل واقفاً حتى خرج عمر من عند سليمان، فسار معه قبل منزل عمر، فقال: يا أبا حفص قد سمعت وصاة أمير المؤمنين؛ قال: وأنت قد سمعت وصاتي؛ قلت: أوصني في خاصتك؛ قال: ما أنا بموصيك مني في خاصتي إلا أوصيك به في العامة. فسار إلى مصر، فعمل فيها عملاً، والله ما عمله فرعون، فقد قص علينا ما عمل فرعون. فقلت له: فما صنعتم به حين وليتم؟ قال: عزلناه، ووقفناه بمصر في العسكر، فوالله ما جاء أحد من الناس يطلب قبله ديناراً ولا درهماً إلا وجدناه مثبتاً في بيت المال، كان أميناً في الأرض. أسامة بن سلمان النخعي ويقال: العنسي، من أهل دمشق روى عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: " إن الله ليغفر للعبد ما لم يقع الحجاب " قالوا: يا رسول الله، وما وقوع الحجاب؟ قال: " أن تموت يعني النفس وهي مشركة ". أسامة بن سلام القرشي من أهل صهيا.

стр. 1316

أسامة بن مرشد بن علي ابن المقلد بن نصر بن منقذ بن نصر بن هاشم أبو المظفر الكناني، الملقب بمؤيد الدولة له يد بيضاء في الأدب والكتابة والشعر. ذكر لي أنه ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، وقدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وخمسمئة، وخدم بها السلطان وقرب منه؛ وكان فارساً شجاعاً، ثم خرج إلى مصر فأقام بها مدة، ثم رجع إلى الشام وسكن حماة؛ واجتمعت به بدمشق، وأنشدني قصائد من شعره سنة ثمان وخمسين وخمسمئة. قال لي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الملحي: الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن منقذ شاعر أهل الدهر، مالك عنان النظم والنثر، متصرف في معانيه، لاحق بطبقة أبيه، ليس يستقصى وصفه بمعان، ولا يعبر عن شرحها بلسان، فقصائده الطوال لا يفرق بينها وبين شعر ابن الوليد، ولا ينكر على منشدها نسبتها إلى لبيد، وهي على طرف لسانه، بحسن بيانه، غير محتفل في طولها، ولا يتعثر لفظه العالي في شيء من فضولها؛ والمقطعات فأحلى من الشهد، وألذ من النوم بعد طول السهد، في كل معنى غريب وشرح عجيب. كتب على حائط دار سكنها بالموصل: من البسيط دار سكنت بها كرها وما سكنت ... روحي إلى شجن فيها ولا سكن والقبر أستر لي منها وأجمل بي ... إن صدني الدهر عن عودي إلى وطني وكتب إلى أخيه: من الخفيف

стр. 1317

عجمتني الخطوب حيناً فلما ... عجزت أن تطيق مساغا لفظتني وسالمتني فقد عا ... د حذاري أمناً وشغلي فراغا وأخو الصبر في الحوادث إن لم ... يلقه الحين مدرك ما أراغا وكتب على حائط جامع: من الكامل هذا كتاب فتى أحلته النوى ... أوطانها ونبت به أوطانه شطت به عمن يحب دياره ... وتفرقت أيدي سبا إخوانه متتابع الزفرات بين ضلوعه ... قلب يبوح ببثه خفقانه تأوي إليه مع الظلام همومه ... وتذوده عن نومه أشجانه لكنه لا يستكين لحادث ... خوف الحمام ولا يراع جنانه ألفت مقارعة الكماة جياده ... وسرى الهواجر لا يني ذملانه يومان أجمع دهره إما سرى ... أو يوم حرب تلتظي نيرانه أنشدنا أبو المظفر: من البسيط نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل ... طلق وقلبي كئيب مكمد باكي وراحة القلب في الشكوى ولذتها ... لو أمكنت لا تساوي ذلة الشاكي وأنشدني أيضاً: من الكامل أصبحت لا أشكو الخطوب وإنما ... أشكو زماناً لم يدع لي مشتكى أفنى أخلائي وأهل مودتي ... وأباد إخوان الصفاء وأهلكا عاشوا براحتهم ومت لفقدهم ... فعلي يبكي لا عليهم من بكى وبقيت بعدهم كأني حائر ... بمفازة لم يلق فيها مسلكا وأنشدني أيضاً: من الكامل

стр. 1318

أحبابنا كيف اللقاء ودونكم ... خوض المهالك والفيافي الفيح أبكيتم عيني دماً فكأنما ... إنسانها بيد الفراق جريح فكأن قلبي حين يخطر ذكركم ... لهب الضرام تعاورته الريح وأنشدني أيضاً: من البسيط يا مؤيسي بتجنيه وهجرته ... هل حرم الحب تسويفي وتعليلي يبدي لي اليأس تصريحاً فتكذبه ... طماعي وأرى والآمال تملي لي وقد رضيت قليلاتً منك تبذله ... فما احتيالي إذا استكثرت تقليلي وأنشدني ما قاله في ضرس له قلعه: من البسيط وصاحب لا تمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم يبد لي مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد وأنشدني: من الكامل ومماذق رجع النداء جوابه ... فإذا عرا خطب فأبعد من دعي مثل الصدى يخفى علي مكانه ... أبداً ويملا بالإجابة مسمعي وأنشدني مما عمله بقيسارية: من الطويل أراني نهار الشيب قصدي وطالما ... تجاوز بي ليل الشباب سبيلي وقد كان عذري أن أضلني الدجى ... فهل لي عذر والنهار دليلي وأنشد: من الطويل إذا ما عدا دهر من الخطب فاصطبر ... فإن الليالي بالخطوب حوامل

стр. 1319

وكل الذي يأتي به الدهر زائل ... سريعاً فلا تجزع لما هو زائل وأنشدني: من البسيط لا تخدعن بأطماع تزخرفها ... لك المنى بحديث المين والخدع فلو كشفت عن الهلكى بأجمعهم ... وجدت هلكهم في الحرص والطمع وأنشدني من الكامل لا در درك من رجاء كاذب ... يعترنا بورود لامع لال أبداً يسوفنا بنصرة خاذلٍ ... ووفاء خوان وعطفة قال ويري سبيل الرشد لكن ما لنا ... عزم مع الأهواء والآمال وأنشدني مما قاله بمصر: من البسيط أنظر إلى صرف دهري كيف عودني ... بعد المشيب سوى عاداتي الأول تغاير من صروف الدهر معتبرٌ ... وأي حال على الأيام لم يحل قد كنت مسعر حرب كلما خمدت ... أضرمتها باقتداح البيض في القلل همي منازلة الأقران أحسبهم ... فرائسي فهم مني على وجل أمضى على الهول من ليل وأهجم من ... سيل وأقدم في الهيجاء من أجل فصرت كالغادة المكسال مضجعها ... على الحشايا وراء السجف والكلل قد كدت أعفن من طول الثواء كما ... يصدي المهند طول اللبث في الخلل أروح بعد دروع الحرب في حللٍ ... من الدبيقي فبؤساً لي وللحلل وما الرفاهة من رأيي ولا وطري ... ولا التنعم من همي ولا شغلي ولست أرضى بلوغ المجد في رفهٍ ... ولا العلا دون حطم البيض والأسل وأنشدني بعد ما قاله في خروجه من مصر، قال: من الطويل

стр. 1320

إليك فما تثني شؤونك شاني ... ولا تملك العين الحسان عناني ولا تجزعي من بغتة البين واصبري ... لعل التنائي معقب لتداني فللأسد غيل حيث حلت وإنما ... يهاب التنائي قلب كل هدان ولا تحملي هم اغترابي فلم أزل ... غريب وفاء في الورى وبيان وفياً إذا ما خان جفن لناظر ... ولم يرع كف صحبة لبنان أرى الغدر عاراً يكتب الدهر وصمةً ... ويقراه ما بين الملا الملوان ولا تسأليني عن زماني فإنني ... أنزه عن شكوى الخطوب لساني ولكن سلي عني الزمان فإنه ... يحدث عن صبري على الحدثان رمتني الليالي بالخطوب جهالةً ... بصبري على ما نابني وعراني فما أوهنت عزمي الرزايا ولا لها ... بحسن اصطباري في الملم يدان وكم نكبةٍ ظن العدى أنها الردى ... سمت بي وأعلت في البرية شاني وما أنا ممن يستكين لحادث ... ولا يملأ الهول المخوف جناني وإن كان دهري غال وفري فلم يغل ... ثنائي ولا ذكري بكل مكان وما كان إلا للنوال وللقرى ... وغوثاً لملهوفٍ وفدية عان حمدت على حالي يسار وعسرةٍ ... وبرزت في يومي ندى وطعان ولم أدخر للدهر إن راب أو نبا ... وللخطب إلا صارمي وسناني لأن جميل الذكر يبقى لأهله ... وكل الذي فوق البسيطة فان أسباط بن واصل الشيباني والد يوسف بن أسباط الزاهد شاعر مدح يزيد بن الوليد، وكان قدرياً حكى ذلك ابنه يوسف. قال يوسف: كان أبي صديقاً ليزيد بن الوليد الناقص، فلما صارت إليه الخلافة دخل عليه ومعه عشرة من الشعراء، فسلم عليه بالخلافة، وقال له: من المتقارب

стр. 1321

أتتك تزف زفاف العروس ... عن المسلمين فخذها هنيا في قصيدة له، فأمر لهم بكذا وكذا فرق بينهم؛ ثم عاش أبي حتى أدرك أبا جعفر، فأتاه بقصيدته التي قالها في يزيد، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فاستقلها أبي، وقال: عهد أمير المؤمنين بالفقر قريب. قال يوسف بن أسباط: مات أبي وترك مئة ألف ما أخذت منها شيئاً، إلا هذا المصحف، وليس في نفسي منه شيء. وقال يوسف: كان أبي قدرياً، وأخوالي روافض، فأنقذني الله تعالى بسيفين. قال أسباط يذكر غيبته عن قتل الوليد، وأنه لم يحضره، وقد كان قبل ذلك وبعد من المجلبين والداعين إلى قتاله وقتله؛ من المتقارب مررت بحيث قضى نحبه ... فكاد يشيب مني القذالا لذكري وقيعته إذ مضت ... ولم أك باشرت فيها قتالا ولكنني كنت في غيبةٍ ... أجل من القول عني عيالا أعرف ذا الجهل شراته ... وأذكر للناس منه خلالا ولأسباط بن واصل، مما ذكره محمد بن داود بن الجراح: من المتقارب دعاني أناجي إلهي قليلا ... إذا الليل ألقى علي السدولا إليك تيممت قولاً أصيلا ... أرجي به رب منك الفضولا لأنك تعطي على قدرةٍ ... وأنك لست بشيء بخيلا إسحاق بن أحمد روى عن جعفر بن محمد الفريابي، بسنده عن أنس، قال: دخلت على البراء بن مالك، وقد قال برجله على الحائط، وهو يترنم بالشعر، فقلت: بعد الإسلام والقرآن؟ قال: يا أخي، الشعر ديوان العرب.

стр. 1322

إسحاق بن أحمد أبو يعقوب الطائي حدث عن أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، عن محمد بن القاسم الأنباري، عن أبي القاسم العبدي قال: قال المأمون: بينما أدور في بلاد الروم وقفت على قصر عادي مبني من رخام أبيض، كأن أيدي المخلوقين رفعت عنه تلك الساعة، عليه مصراعان مردومان، عليهما كتاب بالحميرية، فطلبت من قرأه، فإذا هو مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم: من الخفيف ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفانٍ ولا بمشترك قال: فأمرت بفتح المصراعين، فدخلت، فإذا أنا بقبةٍ من رخام أبيض مكتوبٍ حواليها مثل تلك الكتابة، فقرئ فإذا هو مكتوب: من الرجز لهفي على مختلس ... في قبره محتبس قد عاش دهراً ملكاً ... منعماً بالأنس لم ينتفع لما أتي ... بجنده والحرس وإذا داخل القبة سرير من ذهب عليه رجل مسجى، حواليه ألواح من فضة، مكتوب على لوح منها عند رأسه بمثل الكتابة: من البسيط الموت أخرجني من دار مملكتي ... فاخترت مضطجعي من بعد تتريف لله عبد رأى قبري فأحزنه ... وخاف من دهره ريب التصاريف أستغفر الله من ذنبي ومن زللي ... وأسأل الله عفواً يوم توقيفي

стр. 1323

إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد ابن عطية بن زياد بن مزيد بن بلال بن عبد الله أبو يعقوب البغدادي أخو أبي بكر بن الحداد، سمع بدمشق ببيت لهيا، وببغداد، واستوطن مصر. إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن راشد ابن سليم الثقفي، يعرف بالضامدي روى عن عمر بن عبد الواحد، بسنده عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، كما أمركم الله، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ". إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل أبو محمد السبتي القاضي سمع بدمشق وبغيرها من جماعة، وروى عنه جماعة. روى قتيبة بن سعيد، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". مات سنة سبع وثلاثمئة. إسحاق بن إبراهيم بن بنان ويقال: بيان أبو يعقوب الجوهري مصري الأصل، سكن دمشق وحدث عن جماعة، وروى عنه جماعة.

стр. 1324

روى عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، بسنده عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ". وعن أبي داود الحراني، بسنده عن البراء أن النبي ﷺ مر بقوم جلوس على ظهر الطريق، فقال: " إن كنتم لا بد فاعلين فأفشوا السلام، واهدوا الضال، وأغيثوا الملهوف ". قال أبو سليمان بن زبر: سنة سبع وعشرين وثلاثمئة، فيها توفي ابن بنان الجوهري في شعبان. إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان أبو يعقوب البغدادي الأنماطي سمع بدمشق وأسمع. روى عن هشام بن عمار، بسنده عن عائشة. أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: " اللهم اجعله صيباً هنياً ". قال عنه الدارقطني: ثقة، وهو بغدادي. مات سنة اثنتين وثلاثمئة، يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم. إسحاق بن إبراهيم بن صالح بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي الصالحي ولي دمشق نيابة عن أبيه إبراهيم في خلافة الرشيد، وفي ولايته وقعت عصبية أبي الهيذام، حتى تفانى فيها جماعة من المسلمين وتفاقم أمرهم.

стр. 1325

عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم بدمشق، يقول على منبر دمشق: من آثره الله آثره، فرحم الله عبداً استعان بنعمته على طاعته، ولم يستعن بنعمته على معصيته، فإنه لا يأتي على صاحب الجنة ساعةً، إلا وهو مزداد صنفاً من النعيم لم يكن يعرفه، ولا يأتي على صاحب النار ساعة إلا وهو مستنكر لشيء من العذاب لم يكن يعرفه. وعن علي بن محمد المدائني، قال: ولما خرج إبراهيم من دمشق مع الوفد الذين قدم بهم على أمير المؤمنين الرشيد، استخلف ابنه إسحاق على دمشق، وضم إليه رجلاً من كندة، يقال له: الهيثم بن عوف، فغضب الناس، وحبس رؤوساً من قيس، وأخذ أربعين رجلاً من محارب فضربهم وحلق رؤوسهم ولحاهم، ضرب كل رجلٍ ثلاثمئة، فنفر الناس بدمشق فتداعوا إلى العصبية، ونشب الحرب، ورجعوا إلى ما كانوا عليه من القتل والنهب، فلم يزالوا على ذلك أشهراً، ثم خرج إلى حمص. إسحاق بن إبراهيم بن عبد الواحد ابن إبراهيم بن عبد الله بن عمران العبسي روى عن إسماعيل بن عبد الرحمن الخولاني، بسنده عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " إن الجنة لتزخرف لشهر رمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش فتفتقت ورق الجنة عن الحور العين يقلن: أللهم اجعل لنا من أوليائك أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا ". إسحاق بن إبراهيم بن العلاء ابن زبريق بن الضحاك بن مهاجر بن عبد الرحمن بن زيد أبو يعقوب بن أبي إسحاق الزبيدي، الحمصي وقيل: إنه دمشقي. سمع وأسمع.

стр. 1326

روى عن عمرو بن الحارث، بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي يحلون عن الحوض، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقول: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ". قال ابن أبي حاتم: كتب أبي عنه، وسمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن معين، وأثنى على إسحاق بن الزبريق خيراً، وقال: الفتى لا بأس به، ولكنهم يحسدونه. قال ابن يونس في تاريخ الغرباء: توفي بمصر سنة ثمان وثلاثين ومئتين، يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان. إسحاق بن إبراهيم بن القاسم بن مخلد أبو يعقوب النيسابوري سكن دمشق وحدث بها عن جماعة، وروي عنه. روى عن يوسف بن موسى المروروذي، بسنده عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أشدهم عذاباً للناس في الدنيا ". إسحاق بن إبراهيم بن أبي كامل أبو الفضل، ويقال: أبو يعقوب الحنفي المروروذي، ويقال الباوردي سكن بغداد، وحدث عن جماعة، وحدث بمصر ودمشق. روى عن الحسن بن الأشيب، بسنده عن أبي هريرة، أنه قال: يا نبي الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل، وابدأ بمن تعول ".

стр. 1327

قال أبو زرعة: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن أبي كامل، ثقة حافظ، من أهل مروروذ، قدم علينا طالب علم، عن بكر بن بكار، بسنده عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: " يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون ويبقى واحد ". روى عن عبد الرزاق، بسنده عن عبد الله بن عدي الأنصاري، قال: بينما رسول الله ﷺ في أصحابه، إذ جاءه رجل فساره في قتل رجلٍ من المنافقين، فجهر النبي ﷺ في كلامه، قال: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له؛ قال: " أليس يصلي؟ " قال: بلى، ولا صلاة له؛ قال: " أولئك الذين نهيت عن قتلهم ". وقال ابن أبي حاتم: وهو صدوق. إسحاق بن إبراهيم بن محمد ابن خازم بن سنين أبو القاسم الختلي، البغدادي سمع بدمشق وبغيرها من جماعة، وروي عنه. روى عن محمد بن أبي السري العسقلاني، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها ". مات في سنة ثلاث وثمانين ومئتين، يوم الجمعة ليومين مضيا من شوال، وقيل: إنه مات وقد بلغ ثمانين سنة. وقال ابن قانع: مات سنة أربعٍ وثمانين ومئتين، في أولها.

стр. 1328

إسحاق بن إبراهيم بن محمد ابن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء أبو يعقوب، ويقال: أبو الأصبغ الأنصاري روى عن أبي الجماهر محمد بن عثمان التنوخي، بسنده عن جابر أن عمر بن الخطاب تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب على أربعين ألف درهم. قال إسحاق: حج سالم الخواص فلقي ابن عيينة في السوق، فقال: كنت أحب لقيك وما كنت أحب أن ألقاك في هذا الموضع؛ قال: فأنشأ ابن عيينة يقول: من البسيط خذ بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك عملي ولا يضررك تقصيري إسحاق بن إبراهيم بن محمد ابن عرعرة بن البرند أبو عبيد الله الشامي البصري قدم دمشق سنة إحدى وستين ومئتين، وحدث بها وبحمص. روى عن سليمان بن داود، بسنده عن أم سلمة. أن النبي ﷺ رأى عندها جارية بوجهها سفعة، فقال: " بها نظرة فاسترقوا لها ". وعن إبراهيم بن بشار الرمادي، بسنده عن أنس أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه بتمرٍ وسويق.

стр. 1329

إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ابن إبراهيم بن عبد الله بن بكر، ويقال مطر بدل بكر بن عبد الله بن غالب ابن عبد الوارث، ويقال: ابن الوارث بن عبد الله بن عطية بن مرة ابن كعب بن همام بن أسمر، ويقال: أسد بدل أسمر بن مرة ابن عمرو بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم أبو يعقوب التميمي الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه أحد أئمة الإسلام، وأعلام الدين. سمع بدمشق والشام، والري والكوفة والبصرة ومكة واليمن وخراسان. روى عن عيسى بن يونس، بسنده عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها في أيام منى وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفين، ورسول الله ﷺ مسجى بثوبٍ على وجهه، لا يأمرهن ولا ينهاهن، فنهاهن أبو بكر، فكشف رسول لله ﷺ عن وجهه الثوب، وقال: " دعهن يا أبا بكر، فإنها أيام عيد ". وعن المعتمر بن سليمان، بسنده عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن كسر سكة المسلمين الجائزة، إلا من بأس. وعن يحيى بن سعيد، بسنده عن ابن عباس. أنه كان يكبر من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق. قال محمد بن رافع: فلقيت إسحاق بن إبراهيم، فقلت: إن يحيى بن آدم حدثني عنك، عن يحيى بن سعيد، فذكرت له هذا الحديث، فحدثني كما حدثني يحيى بن آدم. قال أبو العباس: فقلت لإسحاق: كم كتب عنك يحيى بن آدم؟ قال إسحاق: نحو ألفي حديث.

стр. 1330

قال محمد بن إسحاق بن راهويه: ولد أبي ﵀ سنة ثلاث وستين ومئة؛ توفي رحمه الله تعالى في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومئتين. قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قال لي عبد الله بن طاهر، لم قيل لك: ابن راهويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ قال: قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق، فقالت المراوزة: راهويه، بأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكرهه. وعن علي بن إسحاق بن راهويه قال: ولد أبي من بطن أمه مثقوب الأذنين، قال: فمضى جدي راهويه إلى الفضل بن موسى فسأله عن ذلك، فقال: ولد لي ولد خرج من بطن أمه مثقوب الأذنين؛ فقال: يكون ابنك رأساً إما في الخير وإما في الشر. قال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه، وصدقة، ومعمر، عن الإسلام خيراً، أحيوا السنة بأرض المشرق. وعن يحيى بن يحيى قال: قالت لي امرأتي فاطمة: كيف تقدم إسحاق بين يديك إذا خرجت من الطارمة، وأنت أكبر منه؟ فقال: إسحاق أكثر علماً مني، وأنا أسن منه. وعن أحمد بن حفص السعدي قال: ذكر لأحمد بن حنبل، وأنا حاضر، إسحاق بن راهويه، فكره أحمد أن يقال: راهويه؛ وقال: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ وقال: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً. قال إسحاق بن إبراهيم: سألني أحمد بن حنبل عن حديث الفضل بن موسى حديث ابن عباس: كان النبي ﷺ يلحظ في صلاته ولا يلوي عنقه خلف ظهره قال: فحدثتهن فقال له رجل: يا أبا يعقوب، رواه وكيع بخلاف هذا؛ فقال له أحمد بن حنبل: اسكت، إذا حدثك أبو يعقوب، أمير المؤمنين، فتمسك به.

стр. 1331

أنشد أحمد بن سعيد الرباطي في إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: من السريع قربى إلى الله دعاني إلى ... حب أبي يعقوب إسحاق لم يجعل القرآن خلقاً كما ... قد قاله زنديق فساق جماعة السنة آدابه ... يقيم من شذ على ساق يا حجة الله على خلقه ... في سنة الماضين للباقي أبوك إبراهيم محض التقى ... سباق مجدٍ وابن سباق قال محمد بن إسحاق: ولما مات إسحاق بن إبراهيم، وقف رجلٌ على قبره، وقال: من الطويل فكيف احتمالي للسحاب صنيعه ... بإسقائه قبراً وفي لحده بحر وعن أبي سعيد الحسن بن عبد الصمد القهندزي، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: أحفظ سبعين ألف حديث، كأنها نصب عيني. قال أبو بكر الخطيب: كان أحد أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين، اجتمع له الحديث والفقه، والحفظ والصدق، والورع والزهد، ورحل إلى العراق والحجاز واليمن والشام، وورد بغداد غير مرة، وجالس حفاظ أهلها، وذاكرهم، وعاد إلى خراسان، واستوطن نيسابور، إلى أن توفي بها، وانتشر علمه عند الخراسانيين، ولم أر في أحاديث البغداديين شيئاً أستدل به على أنه حدث ببغداد، إلا أن يكون على سبيل المذاكرة، والله أعلم. إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي، المعروف أبوه بالموصلي روى عن جماعة، وروي عنه؛ وقدم دمشق مع المأمون.

стр. 1332

عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: قال لي أبي: قلت ليحيى بن خالد، أريد أن تكلم لي سفيان بن عيينة ليحدثني بأحاديث؛ فقال: نعم، إذا جاءنا فأذكرني. قال: فجاءه سفيان، فلما جلس أومأت إلى يحيى، فقال: يا أبا محمد، إسحاق بن إبراهيم من أهل العلم والأدب، وهو مكره على ما تعلمه منه. فقال سفيان: وما تريد بهذا الكلام؟ قال: تحدثه بأحاديث؛ قال: فكره ذلك، فقال يحيى: أقسمت عليك إلا فعلت؛ قال: نعم، فليبكر إلي. قال: فقلت ليحيى: افرض لي عليه شيئاً؛ فقال له: يا أبا محمد، افرض له شيئاً؛ قال: قد جعلت له خمسة أحاديث؛ قال: زده؛ قال: قد جعلتها سبعة؛ قال: هل لك أن تجعلها عشرة؟ قال: نعم. قال إسحاق: فبكرت إليه، واستأذنت ودخلت وجلست بين يديه، فأخرج كتابه فأملى علي عشرة أحاديث، فلما فرغ قلت له: يا أبا محمد، إن المحدث يسهو ويغفل وإن المحدث أيضاً كذلك، فإن رأيت أقرأ عليك ما سمعته منك؛ قال: اقرأ فديتك؛ فقرأت عليه. وقلت له أيضاً: إن القارئ ربما أغفل طرفه الحرف، والمقروء عليه ربما ذهب عنه الحرف، فأنا في حل أن أروي جميع ما سمعته منك؟ قال: نعم، فديتك، أنت والله فوق أن تستشفع أو يشفع لك، فتعال كل يوم، فلوددت أن أصحاب الحديث كانوا مثلك. وعن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: جئت أبا معاوية الضرير، ومعي مئة حديث أريد أن أقرأها عليه، فوجدت في دهليزه رجلاً ضريراً، فقال: إنه قد جعل الإذن عليه اليوم إلي لينفعني، وأنا رجل جليل؛ فقلت له: معي مئة حديثٍ، وأنا أهب لك مئة درهم؛ فقال: قد رضيت.

стр. 1333

ودخل فاستأذن لي، فدخلت وقرأت المئة حديث؛ فقال لي أبو معاوية: الذي ضمنته لهذا يأخذه من أذناب الناس، وأنت من رؤسائهم، وهو ضعيف معيل، وأنا أحب منفعته؛ قلت قد جعلتها له مئة دينار؛ فقال: أحسن الله جزاءك؛ فدفعتها إليه فأغنيته. قال أبو بكر الخطيب: يقال: إنه ولد في سنة خمس ومئة، وقيل: ولد بعد ذلك، وكتب الحديث عن سفيان بن عيينة وهشيم بن بشير، وأبي معاوية الضرير، وطبقتهم؛ وأخذ الأدب عن أبي سعيد الأصمعي، وأبي عبيدة، ونحوهما؛ وبرع في علم الغناء، وغلب عليه فنسب إليه، وكان حسن المعرفة، حلو النادرة، مليح المحاضرة، جيد الشعر، مذكوراً في السخاء، معظماً عند الخلفاء، وهو صاحب كتاب الأغاني الذي يرويه عنه ابنه حماد. قال إسحاق: بقيت دهراً من دهري أغلس كل يوم إلى هشيم أو غيره من المحديثن وأسمع منه، ثم أصير إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزاءاً من القرآن، ثم آتي منصور زلزل فيضاربني طريقتين أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتاً أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدثهما وأستفيد منهما، ثم أصير إلى أبي فأعلمه بما صنعت، ومن لقيت، وما أخذت، وأتغدى معه؛ فإذا كان العشي رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد. وحدث محمد بن عطية العطوي الشاعر، أنه كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع الناس فيه، فوافى إسحاق بن إبراهيم فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر؛ فأقبل على يحيى، فقال: أعز الله القاضي، أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا؛ قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطوي: فالتفت إلي يحيى بن أكثم، فقال: جوابه في هذا عليك وكان العطوي من أهل الجدل فقلت: نعم أعز الله القاضي الجواب علي. ثم أقبلت على إسحاق، فقلت: يا أبا محمد، أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ قال:

стр. 1334

لا؛ قلت: أفأنت في اللغة وعلم الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: لا، قلت: أفأنت في الأنساب كالكلبي وأبي اليقظان؟ قال: لا؛ قلت: أفأنت في الكلام كأبي الهذيل والنظام؟ قال: لا؛ قلت: أفأنت في الفقه كالقاضي؟ قال: لا؛ قلت: فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا؛ قلت: فمن هاهنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه ولا شبيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله. فضحك وقام فانصرف؛ فقال لي يحيى بن أكثم: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق، وإنه لممن يقل في الزمان نظيره. وعن محمد بن عبد الله بن الحزنبل، قال: ما سمعت ابن الأعرابي يصف أحداث بمثل ما يصف به إسحاق من العلم والصدق والحفظ، وكان كثيراً ما يقول: أسمتم بأحسن من ابتدائه في قوله: من الخفيف هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل؟ هل تعرفون من شكا نومه بمثل هذا اللفظ الحسن؟ وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان إسحاق الموصلي ثقة صدوقاً عالماً، وما سمعت منه شيئاً، ولوددت أني سمعت، وما كان يفوتني منه شيء لو أردته. وعن يزيد بن محمد المهلبي، قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة. قال لي الأصمعي: كم حملت معك من كتبك؟ قلت: تخففت فحملت ثمانية أحمال ستة عشر صندوقاً؛ قال: فعجب، فقلت: كم معك من كتبك يا أبا سعيد؟ قال: ما معي إلا صندوقٌ واحد! قلت: ليس إلا؟ قال: وتستقل صندوقاً من حق!. وعنه قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: رأيت في منامي كأن جريراً ناولني كبة من شعر فأدخلتها في فمي، فقال بعض المعبرين: هذا رجل يقول من الشعر ما شاء. قال: وجاء مروان بن أبي حفصة يوماً إلي فاستنشدني من شعري فأنشدته: من الطويل

стр. 1335

إذا كانت الأحرار أهلي ومنصبي ... ودافع ضيمي خازم وابن خازم عطست بأنف شامخٍ وتناولت ... يداي السما قاعداً غير قائم قال: فجعل مروان يستحسن ذلك ويقول لأبي: إنك لا تدري ما يقول هذا الغلام!. قال إسحاق: دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: يا إسحاق أنشدني شيئاً من شعر؛ فأنشدته: من الطويل وآمرة بالبخل قلت لها: اقصدي ... فذلك شيء ما إليه سبيل قال الخطيب: كذا رأيته بخط ابن حيويه اقصدي بالدال. أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال: بخيل ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يكون ينيل عطائي عطاء المكثرين تكرماً ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل فقال: لا، كيف؟ إن شاء الله، يا فضل أعطه مئة ألف درهم، ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها يا إسحاق ما أجود أصولها، وأحسن فصولها؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كلامك أحسن من شعري؛ فقال: يا فضل أعطه مئة ألفٍ أخرى. قال إسحاق: فكان ذلك أول مالٍ اعتقدته. عن أبي العيناء قال: قال لي الأصمعي يوماً: لقيني إسحاق الموصلي، فقال لي: ما تقول في قول الشاعر: من الخفيف هل إلى نظرة إليك سبيل ... يرو منها الصدى ويشفي الغليل إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير من المحب القليل فقلت له: هذا والله الديباج الخسرواني، وأعجبت به؛ فقال لي: إنه ابن ليلته، أي أنا قلته البارحة؛ فخجلت وقلت له: لا جرم، إن أثر التوليد فيه؛ قال: لا جرم، إن أثر الحسد فيك.
следующие страницы →