← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

غضبت، فجثوت على ركبتيّ، واستقبلت القبلة، ورفعت يديّ، فقلت: اللهم إنّا نشكوهم إليك، إنّا ننفق نفقاتنا، وننصب أبداننا، ونرحل مطايانا ابتغاء العلم، فإذا لقيناهم تجهّمونا وقالوا لنا؛ قال: فبكى أبيّ، وجعل يترضّاني، وقال: ويحك، لم أذهب هناك؛ ثم قال: إنّي أعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلمنّ بما سمعت من رسول الله ﷺ ولا أخاف فيه لومة لائم؛ ثم أراه قام، فلّما قال ذلك انصرفت عنه وجعلت أنتظر الجمعة لأسمع كلامه؛ قال: فلّما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجاتي فإذا السّكك غاصّةمنالنّاس، لا آخذ في سكّة إلاّ تلقّاني النّاس، قلت: ما شأن النّاس؟ قالوا: نحسبك غريباً؛ قلت: أجل؛ قالوا: مات سيّد المسلمين أبيّ بن كعب. قال: فلقيت أبا موسى بالعراق فحدّثته بالحديث، فقال: والهفاه! ألا كان بقي حتى يبلغنا مقالة رسول الله ﷺ . وعن عمران بن عبد الله قال: قال أبيّ بن كعب لعمر بن الخطّاب: مالك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يدنس دينك. وعن أبي المهلب، عن أبيّ بن كعب قال: أمّا أنا فأقرأ القرآن في ثمان ليال. وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطّاب: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا؛ قال: فخرجنا، فكنت أنا وأبيّ بن كعب في مؤخّر النّاس، فهاجت سحابة، فقال أبيّ: اللهم اصرف عنّا أذاها، فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقال عمر: أما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا الله أن يصرف عنّا أذاها؛ فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم! قال معمر: عامّة علم ابن عباس من ثلاثة: عمر، وعليّ، وأبيّ بن كعب، ﵃ أجمعين. وعن مسروق، قال: سألت أبيّ بن كعب عن شيء، فقال: أكان بعد؟ قلت: لا؛ قال: فأجمّنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. وعن أبي العالية، قال: كان أبيّ بن كعب صاحب عبادة، فلّما احتاج إليه النّاس ترك العبادة، وجلس للقوم.

стр. 1262

وعن عبد الله بن أبي نصير، قال: عدنا أبيّ بن كعب في مرضه، فسمع المنادي بالأذان، فقال: الإقامة هذه أو الأذان؟ فقلنا: الإقامة؛ فقال: ما تنتظرون؟ ألا تنهضون إلى الصّلاة؟ فقلنا: ما بنا إلاّ مكانك؛ قال: فلا تفعلوا، قوموا، إن رسول الله ﷺ صلّى بنا صلاة الفجر، فلّما سلّم أقبل على القوم بوجهه، فقال: أشاهد فلان، أشاهد فلان حتى دعا بثلاثة كلّهم في منازلهم لم يحضروا الصّلاة، فقال: إن أثقل الصّلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأوهما ولو حبوا، واعلم أن صلاتك مع رجل أفضل من صلاتك وحدك، وأن صلاتك مع رجلين أفضل من صلاتك مع رجل، وما أكثرتم فهو أحبّ إلى الله، وإن الصّفّ المقدّم على مثل صفّ الملائكة، ولو يعلمون فضيلته لابتدروه، ألا وإن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرّجل وحده أربعاً وعشرين أو خمساً وعشرين. قال الهيثم ين عدّي: أبيّ بن كعب توفي سنة تسع عشرة. وقال المدائنيّ: سنة عشرين، فيها مات أبيّ بن كعب. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: مات أبيّ بن كعب في خلافة عمر سنة اثنتين وعشرين. وقال الواقدي: اختلف في موت أبيّ بن كعب، وأثبت الأقاويل عندنا أنه مات سنة ثلاثين. وقال ابن سعد: سنة ثلاثين، وهو أثبت هذه الأقاويل عندنا، وذلك أن عثمان بن عفّان أمره أن يجمع القرآن. أتسنر بن أوق بن الخوارزميّ التّركيّ ولي دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمئة، بعد حصاره إيّاها دفعات، وأقام بها الدّعوة لبني العبّاس، وتغلّب على اكثر الشّام، وقصد مصر ليأخذها، فلم يتّم له

стр. 1263

ذلك، ثم رجع إلى دمشق، ووجّه المصريّون إليه عسكراً ثقيلاً، فلّما خاف من ظفرهم به راسل تنش بن ألب أرسلان يستنجد به، فقدم دمشق سنة إحدى وسبعين وأربعمئة، فغلب على البلد، وقتل أتسنر لإحدى عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السّنة، واستقام الأمر لتتش. وكان أتسنر لمّا دخل البلد أنزل جنده آدر الدّمشقيين، واعتقل من وجوههم جماعةً، وشمّسهم بمرج راهط، حتى افتدوا نفوسهم منه بمال أدّوه إليه، ورحل جماعة منهم عن البلد إلى أطرابلس، إلى أن أريحوا منه بعد. أجلح بن منصور الكنديّ شاعر فارس، شهد صفّين مع معاوية، وقتل يومئذ. عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن الحارث بن أدهم وصعصعة بن صوحان، وأحدهما يزيد على الآخر: قالا: فقتل الأشتر في تلك المعركة بيده سبعة مبارزةً، منهم صالح بن فيروز العكّي، ومالك بن أدهم السّلامانيّ، ورياح بن عتيك الغسّانيّ، والأجلح بن منصور الكنديّ وإبراهيم بن الوضاح الجمحيّ، وزامل بن عتيك الجذامي، ومحمد بن روضة الجمحيّ. قالا: وقتل الأشعث فيها خمسة. وقال جابر: خرج الأجلح بن منصور وكان من فرسانهم، فلّما رآه الأشتر كره لقاءه فحمل عليه وهو يقول: من الرجز بليت بالأشتر ذاك المذحجيّ ... بفارس في حلق مدجّج كاللّيث ليث الغابة المهيّج ... إذا دعاه القرن لم يعرّج فضربه الأشتر فقتله.

стр. 1264

أحمر بن سالم المرّيّ شاعر وفد على عبد الملك بن مروان. عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: دخل الأحمر بن سالم المرّيّ على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا أحمر، كيف قلت: من الطويل مقلّ رأى الإقلال عاراً فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتى تموّلا فأنشده، فأصغى إليه مطرقاً، فلّما فرغ قال: حاجتك؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين أعلى بالجميل غنياً، فافعل ما أنت أهله، فإني لمّا أوليتني غير كافر. فأمر له عبد الملك بعشرة آلاف درهم، وألحقه في الشّرف، فخرج من عبد عبد الملك وهو يقول: من الطويل بكفّ ابن مروان حييت وناشني ... إلهي من دهر كثير العجائب فلّما أنشد عبد الملك قال: أحسنت، ويحك، يا ابن سالم، هل كنت هيأت شيئاً ممّا قلت قبل اليوم؟ قال: لا، قال: ويحك، قد أمكنك القول فلا تكثر، وقليل كاف خير من كثير غير شاف؛ ثم أمر له بخلعة وأربعة آلاف درهم وحمله، وقال: الزم بابي، وإيّاك وأعراض النّاس، فإني أرى لك لساناً لا يدعك حتى يوقعك في ورطة يوماً، فاحذر أن يوردك شعرك مورد سوء يصيّرك تحت كلكل هزبر أبي أشبل يضغمك ضغماً لا بقيّة بعد ضغمه فيك. فلم يلبث الأحمر بن سالم أن قدم العراق فهجا الحجّاج بن يوسف، وقال في هجائه: من الطويل ثقيف بقايا من ثمود ومالهم ... أب ماجد من قيس عيلان ينسب

стр. 1265

إذا انتسبوا في قيس عيلان كذّبوا ... وقالوا: ثمود جدّكم والمغيّب هم ولدوكم غير شكّ فيّمموا ... بلاد ثمود حيث كانوا وعذّبوا وأنت دعيّ يا ابن يوسف فيهم ... زنيم إذا ما حصّلوا تتذبذب فطلبه الحجّاج، وأجعل فيه، وتقدّم إلى سائر عمّاله أن لا يفلتهم؛ فأخذه صاحب هيت، ووجّه به مقيّداً؛ فلّما دخل الحجّاج بن يوسف، قال: ما جزاؤك عندي إلاّ أن أعذّبك بما اختاره الله لأعدائه من أليم عقابه؛ فأحرقه بالنّار! أحنف الكلبيّ أحد من دعا إلى بيعة يزيد بن الوليد النّاقص. أحوص بن حكيم بن عمير وهو عمرو ابن الأسود العنسيّ، ويقال: الهمدانيّ قيل: إنه دمشقيّ، والصحيح أنه حمصيّ. رأى أنس بن مالك، وعبد الله بن بسر، وحدّث عن جماعة. روى عن راشد بن سعد، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصابه الصّداع ممّا ينزل عليه من الوحي غلّف رأسه بالحنّاء، وكان يأمر بتغيير الشّيب ومخالفة الأعاجم. وعن عبد الله بن عابر، عن عتبة بن عبد السّلمي، عن أبي أمامة الباهليّ، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان يقول: " من صلّى صلاة الصّبح وهو في الجماعة، ثم ثبت حتى يسبّح فيه سبحة الضّحى، فصلّى ركعتين أو أربعاً كان له مثل أجر حاجّ ومعتمر. تام له حجّه وعمرته ".

стр. 1266

قال ابن عديّ: وللأحوص بن حكيم روايات، وهو ممّن يكتب حديثه، وقد حدّث عنه جماعةمن الثّقات، وليس فيما يرويه شيء منكر، إلاّ أنه يأتي بأسانيد لا يتابع عليها. وقال ابن حميد: قدم الرّيّ مع المهديّ الأحوص بن حكيم، وكان قدوم المهديّ الرّيّ سنة ثمان وستين ومئة. أحوص بن عبد الله ويقال: عبد الله بن الأحوص القرشيّ، الأمويّ من بني أميّة الأصغر بن عبد شمس، أخو أميّة الأكبر، ولاّه معاوية البحرين. عن سليمان بن يسار: أن الأحوص رجل من أشراف أهل الشّام، طلّق امرأته تطليقةً أو تطليقتين، فمات، وهي في الحيضة الثالثة، في الدم، فرفع ذلك إلى معاوية، فلم يوجد عنده بها علم، فسأل عنها فضالة بن عبيد ومن هناك من أصحاب رسول الله ﷺ فلم يجد عندهم بها علماً، فبعث فيها راكباً إلى زيد بن ثابت، فقال: لا ترثه، ولو ماتت لم يرثها. أخضر القيسيّ والد مخارق بن الأخضر وفد على عبد الملك، وحكى عن جرير بن الخطفي الشاعر حدّث أبو الأخضر المخارق بن الأخضر القيسيّ، قال: قال أبي: كنت والله الذي لا إله إلا هو أخصّ النّاس بجرير، وكان ينزل إذا قدم على الوليد بن عبد الملك عند سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان عديّ بن الرّقاع خاصّاً بالوليد مدّاحاً له. فكان جرير يجيء إلى باب الوليد فلا يجالس أحداً من النّزاريّة، ولا يجلس إلاّ إلى

стр. 1267

رجل من اليمن؛ بحيث يقرب من مجلس ابن الرّقاع، إلى أن يأذن الوليد للنّاس فيدخل. فقلت له: يا أبا حزرة، اختصصت عدوّك بمجلسك؟ فقال: إنّي والله ما أجلس غلي إلاّ لأنشده أشعاراً تخزيه وتخزي قومه. قال: ولم يكن ينشد شيئاً من شعره، إنّما كان ينشد من شعر غيره ليذلّه ويخوّفه نفسه؛ فأذن الوليد للنّاس ذات عشية، فدخلوا ودخلنا، فاخذ النّاس مجالسهم، وتخلّف جرير، فلم يدخل حتى دخل النّاس، وأخذوا مجالسهم، واطمأنوا فيها؛ فبينما هم كذلك إذا بجرير قد مثل بين السّماطين، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، إن رأى المؤمنين أن يأذن لي في ابن الرّقاع المتفرّقة أؤلف بعضها إلى بعض! قال: وأنا جالس اسمع؛ فقال الوليد: والله لقد هممت أن أخرجه على ظهرك للنّاس! فقال جرير وهو قائم كما هو: من الطويل فإن تنهني عنه فسمعاً وطاعةً ... وإلاّ فإني عرضةً للمراجم قال: فقال له الوليد: لا كثّر الله في النّاس أمثالك؛ فقال جرير: يا أمير المؤمنين، إنما أنا واحد قد سعرت الأمّة، فلو كثر أمثالي لأكلوا النّاس أكلاً. قال: فنظرت والله إلى الوليد تبسّم حتى بدت ثناياه تعجباً من جرير وجلده. قال: ثم أمره فجلس. أخطل بن الحكم بن جابر ويقال ابن معمر أبو القاسم القرشيّ سمع وأسمع. روى عن محمد بن يوسف القريابيّ، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " تستأمر اليتيمة في نفسها، وصمتها إقرارها ".

стр. 1268

وعن الفريابيّ، بسنده عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أتستأمر النّساء في أبضاعهنّ؟ قال: إن البكر لتستأمر فتستحيي فتسكت، وإذنها سكوتها. وعن الوليد بن مسلم، بسنده عن أبي الدّرداء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، وإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدّ الحر، وما فينا صائم إلاّ رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. قال ابن زبر: مات سنة أربع وستين ومئتين. وقال ابن منده: مات سنة ستين ومئتين. أخطل بن المؤمل أبو سعيد الجبيلي روى عن مسلم بن عبيد، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية، من بني عبد الأشهل، أنها أتت النّبيّ ﷺ وهو بين أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النّساء إليك، واعلم نفسي لك الفداء أنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع، إلاّ وهي على مثل رأيي؛ إن الله بعثك إلى الرّجال والنّساء كافّةً فآمنا بك وبإلهك، وإنّا معشر النّساء محصورات، مقصورات، قواعد بيتوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرّجال فضّلتم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحجّ بعد الحجّ، وأفضل من ذلك، الجهاد في سبيل الله، وإن الرّجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مرابطاً، حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربّينا لكم أولادكم؛ فما نشاركم في هذا الخير يا رسول الله؟ فالتفت النّبيّ ﷺ بوجهه كلّه، ثم قال: " سمعتم مقالة امرأة قطّ أحسن

стр. 1269

من مساءلتها عن أمر دينها من هذه؟ "؟ قالوا: يا رسول الله، ما ظنّنا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا! فالتفت النّبيّ ﷺ إليها، ثم قال: " انصرفي أيّتها المرأة، واعلمي من وراءك من النّساء، أن حسن تبعّل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، وأتباعها موافقته، يعدل ذلك كله ". قال: فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً. أخيج بن خالد بن عقبة بن أبي معيط واسمه: أبان، ويقال: أجيج كان من صحابة الوليد بن عبد الملك. عن ابن الأعرابي، قال: كان عبد الله بن الحجّاج قد خرج مع نجدة بن عامر الحنفيّ الشّاريّ، فلما انقضى أمره هرب، وضاقت عليه الأرض من شدّة الطلب، فقال في ذلك: من الطويل رأيت بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطرود كفّة حابل تؤدّي إليه أن كلّ ثنيّة ... تيّممها ترمي إليه بقاتل قال: ثم لجأ إلى أخيج بن خالد بن عقبة بن أبي معيط، فسعى به إلى الوليد بن عبد الملك، فبعث إليه بالشّرط، فأخذ من دار أخيج، فأتي به الوليد، فحبسه، فقال وهو في الحبس: من الوافر أقول وذاك فرط الشّوق منّي ... لعيني إذ نأت ظمياء فيضي فما للقلب صبر يوم بانت ... وما للدّمع يسفح من مغيض كأن معتّقاً من أذرعات ... بماء سحابة خصر بضيض

стр. 1270

بفيها إذ تخافتني حياءً ... بسر، لا تبوح به، خفيض يقول فيها: فإن يعرض أبو العبّاس عنّي ... ويركب بي عروضاً عن عروض ويجعل غرفه يوماً لغيري ... ويبغضني فإني من بغيض فإنّي ذو غنىً وكريم قوم ... وفي الأكفاء ذو وجه عريض غلبت بني أبي العاصي سماحاً ... وفي الحرب المذكّرة العضوض خرجت عليهم في كلّ يوم ... خروج القدح من كفّ المفيض فذلك من إذا ما جئت يوماً ... تلقّاني بجامعة ربوض على جنب الخوان وذاك لؤم ... وبئست تحفة الشّيخ المريض كأنّي إذا فزعت إلى أخيج ... فزعت إلى مقرقبة بيوض إوزّة غيضة لقحت كشافاً ... لقحقها إذا درجت نقيض قال: فدخل أخيج على الوليد بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن الحجّاج قد هجاك؛ قال: بماذا؟ فأنشده قوله: فإن يعرض أبو العباس عنّي ... ويركب بي عروضاً عن عروض ويجعل عرفه يوماً لغيري ... ويبغضني فإني من بغيض فقال الوليد: وأيّ هجاء في هذا؟ هو من بغيض إن أعرضت عنه أو أقبلت عليه، أو أحببته أو أبغضته، ثم ماذا؟ فانشده: كأني إذا فزعت إلى أخيج ... فزعت إلى مقرقبة بيوض فضحك الوليد، وقال: ما أراه هجا غيرك؛ فلّما خرج من عنده أمر بتخلية سبيل عبد الله بن الحجّاج.

стр. 1271

إدريس بن إبراهيم أبو الحسين البغداديّ الواعظ صنّف كتاباً سمّاه: أنس الجليس، ومسرّة الأنيس: روى فيه عن جماعة، ولم يقع إليّمنروى عنه ولا ذكره أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد. إدريس بن أبي إدريس عايذ الله ابن عبد الله بن إدريس بن عايذ بن عبد الله بن عتبة بن غيلان بن مكين الخولانيّ قال المنذر بن نافع: سمعت إدريس بن أبي إدريس يقول: قال لي أبي: أتكتب شيئاً ممّا تسمع منّي؟ فقلت: نعم؛ قال: فائتني به، قال: فأتيته به فحرّقه. وعن يحيى بن الحارث قال: رأيت أبا إدريس الخولانيّ، وإدريس بن أبي إدريس يسجدان في الحجّ سجدتين. وروى عن أبيه قال: ليعقبنّ الله الذين يمشون إلى المساجد في الظّلم نوراً تامّاً يوم القيامة. وقال لأبيه: يا أبه، أما يعجبك طول صمت مسلم بن يسار؟ قال: يا بنيّ، تكلّم بالحق خير من سكوت عنه! فذهبت إلى مسلم بن يسار فأخبرته، فقال؛ يا ابن أخي، سكوت عن الباطل خير من التكلّم به. إدريس بن عبيد الله ويقال ابن عبد الله بن إدريس أبو القاسم الدّمشقيّ التّاجر سمع بمصر.

стр. 1272

إدريس بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس، الأمويّ حدّث عن أبيه. روى أن عمر بن عبد العزيز قال لجرير بن الخطفي: ما أجد لك في هذا المال حقاً، ولكن هذه فضلة من عطائي ثلاثون ديناراً، فخذها واعذر؛ قال: بل أعذرك يا أمير المؤمنين. إدريس بن محمد بن أحمد بن أبي خالد أبو عيسى الأزديّ الصّوريّ، الحلال روى عن محمد بن عبد الوهاب، بسنده عن أنس بن مالك، عن النّبيّ ﷺ أن أصحابه شكوا إليه: أنا نصيب من الذنوب؛ فقال لهم: " لولا أنكم تذنبون لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ". إدريس بن يزيد أبو سليمان النّابلسيّ سكن العراق، وكان أديباً شاعراً. قال أبو بكر الصّوليّ: لقيني يوماً أبو سليمان النّابلسيّ في مربد البصرة؛ فقلت له: من أين؟ قال: من عند أميركم الفضل بن العبّاس، حجبني، فقلت أبياتاً ما سمعها أحد بعد؛ فقلت: أنشدينها، فأنشدني: من مخلع البسيط لمّا تفكرت في احتجابك ... عاتبت نفسي على عتابك فما أراها تميل طوعاً ... إلا إلى اليأس من ثوابك قد وقع اليأس فاستوينا ... فكن كما شئت في احتجابك

стр. 1273

فإن تزرني أزرك وإن ... تقف ببابي أقف ببابك والله ما أنت في حسابي ... إلاّ إذا كنت في حسابك قال: وحدّثني إدريس هذا، قال: حجبني الحسن بن يوسف اليزيدي، فكتبت إليه: من الطويل سأترككم جتى يلين حجابكم ... على أنه لا بدّ أن سيلين خذوا حذركم من نوبة الدّهر إنّها ... وإن لم تكن حانت فسوف تحين فلّما قرأ البيتين ردّني وقضى حاجتي. آدم نبيّ الله ﷺ يكنى: أبا محمد، ويقال: أبو البشر جاء في بعض الآثار أنه كان يسكن بيت أبيات، ومسجدها إليه ينسب. عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وسوى ذلك، والسّهل والحزن، والخبيث والطيّب ". وعن ابن عبّاس، قال: إن الله خلق آدم يوم الجمعة بعد العصر، من أديم الأرض، فسمّي آدم، ألا ترى أن من ولده الأبيض والأسود، والطّيب والخبيث، ثم عهد إليه فنسي، فسميّ الإنسان، قال: فوالله ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى أهبط. وعن عبد الله بن مسعود، قال: لمّا فرغ الله من خلق ما أحبّ استوى على العرش، وقال للملائكة: " إنّي جاعل في

стр. 1274

الأرض خليفةً " إلى قوله " إنّي أعلم ما لا تعلمون "، من شأن إبليس، فبعث جبريل ﵇ إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إنّي أعوذ بالله منك أن تنقص منّي أو تشينني، فرجع، ولم يأخذ، فقال: يا رب إنّها عادت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فقالت مثل ذلك، فرجع، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبّل ترابه حتى عاد طيناً لازباً واللاّزب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض ثم لم يزل حتى أنتن وتغيّر، فذلك حين يقول: من حمأ مسنون، قال: منتن؛ ثم قال للملائكة: " إني خالق بشراً من طين فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين "، فخلقه الله بيديه لكي لا يتكبّر إبليس عنه، ليقول له: تتكبّر عمّا عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه؛ فخلقه بشراً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمّرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعاً منه إبليس، كان يمّر به فيضربه، فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخّار، فيكون له صلصلة، فذلك حين يقول: من صلصال كالفخّار، ويقول: لأمر ما خلقت. ودخل في فيه وخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنّه؛ فلّما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الرّوح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلّما نفخ فيه الرّوح فدخل الرّوح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله: رحمك ربّك؛ فلّما دخل الرّوح في عينيه نظر إلى ثمار الجنّة؛ فلّما دخل في جوفه اشتهى الطّعام، فوثب قبل أن يبلغ الرّوح في رجليه عجلان إلى ثمار الجنّة، فذلك حين يقول: " خلق الإنسان من عجل "، فسجد الملائكة كلّهم أجمعون، إلاّ إبليس أبى واستكبر، قال الله : ما منعك أن تسجد إذا أمرتك لما

стр. 1275

خلقت بيدي، فقال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين. وفي حديث سعيد بن جبير، أنه قال: خلق الله آدم من دحنا، وفي حديث آخر: ومسح ظهره بنعمان السّحاب، ونعمان: جبل بالقرب من عرفة، وبلغني أنه يتوصّل بوادي القرى ونواحيه، وهما جبلا نعمان، ونسبه إلى السّحاب لأنه يشرف عليهما ويعلوهما بالسّحاب، يركز عليهما ويعلوهما، قال الشاعر: منالطويل أيا جبلي نعمان بالله خلّيا ... سبيل الصّبا يخلص إليّ نسيمها وفي حديث آخر للحسن: انه خلق جؤجؤه من نقا ضرية، أي خلق صدره من رمل ضرية. وعن عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ : " أكرموا عمّتكم النّخلة، فإنها خلقت من الطّين التي خلق منها آدم، وليس من الشّجر شيء يلقح غيرها، وأطعموا نساءكم الولد الرّطب، فإن لم يكن رطب فالتمر، وليس من الشّجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران ﵉ ". وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: سألنا رسول الله ﷺ : ممّا ذا خلقت النّخلة؟ قال: " خلقت النّخلة والرّمان والعنب من فضلة طينة آدم ". وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم ". وعن شعيب، قال: لمّا خلق الله آدم ﵇، خلقه خلقاً عظيماً؛ قال: فنفخ فيه الرّوح وأجرأه في رجليه تحرّك، فقال الله : " خلق الإنسان

стр. 1276

عجولاً "، ثم جرى الرّوح فيه حتى عطس فقال: الحمد له ربّ العالمين، فقال الله : يرحمك ربّك، آدم من أنا؟ قال: أنت الله لا إله إلاّ أنت؛ قال: صدقت. قال: فلّما أصاب المعصية، قال: يا رب، رحمتني قبل أن تعذّبني، وصدّقتني قبل أن تكذّبني فتب عليّ فتاب الله عليه؛ قال: فذلك قوله: " فتلّقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه، إنّه هو التّواب الرّحيم ". وعن سعد بن عبادة، أن رجلاً من الأنصار أتى النّبيّ ﷺ فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة، ماذا فيه من الخير؟ قال: فيه خمس خلال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفّى الله آدم، وفيه ساعةً لا يسال عبد شيئاً إلاّ آتاه الله إيّاه ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم، وفيه تقوم السّاعة؛ ما من ملك مقرّب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلاّ وهو يشفق من يوم الجمعة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له؛ قال: فجلس فعطس فقال: الحمد الله، فقال له ربّه: يرحمك ربّك، إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل: السّلام عليكم؛ فأتاهم فسلّم عليهم فقالوا: وعليك ورحمة الله؛ ثم رجع إلى ربّه ﵎، فقال: هذه تحيتّك وتحيّة ذريتك بينهم، ثم قبض له يديه، فقال له: خذ أو اختر؛ فقال اخترت يمين ربّي، وكلتا يديه يمين، ففتحها له، فإذا فيها صورة آدم وذريتّه كلّهم، وإذا كلّ رجل منهم مكتوب عند رأسه أجله، قال: فإذا آدم ﵇ قد كتب له ألف سنة، وإذا قوم عليهم النّور، قال: يا رب من هؤلاء الذين عليهم النّور؟ قال: هؤلاء الأنبياء والرّسل الذين أرسل إلى عبادي أو خلقي، وإذا فيهم رجل من أضواهم نوراً، لم يكتب له من عمره إلا أربعين سنة، قال: يا رب، ما بال هذا، هو من أضواهم نوراً لم يكتب له من عمره إلاّ أربعين سنة؟ قال: ذلك ما كتبت له؛ قال: يا رب، زده من عمري ستين سنة ".

стр. 1277

قال رسول الله ﷺ : فلّما أسكنه الله الجنّة، وأهبطه إلى الأرض، كما ذكر في القرآن، أتاه ملك الموت، فقال له آدم: عجلت عليّ! قال: ما فعلت؛ قال: بلى، بقي من عمري ستّون سنة؛ قال: ما بقي من عمرك شيء، سألت ربّك أن يكتبه لابنك داود، قال آدم: ما فعلت؛ قال: بلى. قال رسول الله ﷺ : " فنسي فنسيت ذرّيّته، وجحد فجحدت ذرّيّته، فمن يومئذ وضع الله الكتاب وأمر بالشهود؛ قال: فلقيه موسى بن عمران، فقال: أنت آدم، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة أن يسجدوا لك، وأسكنك الجنّة، فأخرجت النّاس من الجنّة بذنبك، أو بخطيئتك؟ فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأنزل عليك التّوراة فيها تبيان كلّ شيء، فبكم وجدت الله كتب التّوارة قبل أن يخلقني؟ قال: بأربعين عاماً؛ قال: فوجدت فيها وعصى آدم ربّه فغوى؟ قال: نعم؛ قال: فتلومني على أن أعمل عملاً كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟!. قال رسول الله ﷺ : " فحجّ آدم موسى ". وعن أبيّ بن كعب، في قول الله : " وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّاتهم " إلى قوله: " المبطلون " قال ": فجمعهم فجعلهم أزواجاً، ثم صوّرهم، ثم استيقظهم ليتكلّموا، فأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم؟ قالوا: بلى الآية، قال: فإني اشهد عليكم السموات السّبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا؛ اعلموا أنه لا إله غيري، فلا تشركوا بي شيئاً، فإني سأرسل إليكم رسلاً يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي؛ فقالوا: شهدنا أنك ربّنا وإلهنا لا ربّ لنا غيرك؛ فأقروا يومئذ بالطاعة، ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغنّي والفقير، وحسن الصّورة وغير ذلك؛ فقال: يا ربّ، لو سوّيت بين عبادك؟ فقال: إني أحببت أن أشكر؛ ورأى فيهم الأنبياء مثل السّراج عليهم

стр. 1278

النّور، وخصّوا بميثاق في الرّسالة والنّبوّة، وهو الذي يقول: " وإذ أخذنا من النّبيّين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً "، وهو الذي يقول: " فأقم وجهك للدّين حنيفاً " الآية. قال: فكان روح عيسى في تلك الأرواح التي أخذ الله عليها العهد والميثاق؟ قال: نعم، أرسل ذلك الرّوح إلى مريم، قال الله تعالى: " فأرسلنا إليها روحنا ". وعن أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ قال: " خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمن فأخرج ذرّيّة بيضاء كأنّهم الذّرّ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج منه ذرّيّةً سوداً كأنهم الحمم؛ فقال للذّي في يمينه: إلى الجنّة ولا أبالي، وقال للّذي في كفّه اليسرى: إلى النّار ولا أبالي. وقيل لأبي إبراهيم المزني ﵀: أسجدت الملائكة لآدم؟ فقال: إنّ الله تعالى جعل آدم كالكعبة فأمر الملائكة أن يسجدوا نحوه تعبّداً، كما أمر عباده أن يسجدوا إلى الكعبة. وعن قتادة، قال: قوله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً " قال: سخّر لكم ما في الأرض جميعاً كرامةً من الله، ونعمة لابن آدم، متاعاً وبلغةً ومنفعةً، إلى قوله: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء "، قال قتادة: قد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدّم والفساد في الأرض، قال الله: " إني أعلم ما لا تعلمون "، قال: قد كان من علم الله انه سيكون من تلك الخليقة رسل وأنبياء وقوم صالحون، وساكن الجنّة؛ وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة حتى بلغ يا آدم أنبئهم بأسمائهم، قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لا تعلم الملائكة، فسمّى كلّ شيء باسمه، وألجأ كلّ شيء إلى جنسه، قال الله : "

стр. 1279

ألم أقل لكم إني أعلم غيب السّموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "، قال: وذكر لنا: أن الله لمّا اخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله بخالق خلقاً هو أعلم منّا، ولا أكرم على الله منّا، قال: فابتليت الملائكة بخلق آدم. قال: ويتبلى الله عباده بما شاء ليعلم من يطيعه ومن يعصيه. قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر "، قال: وكانت السّجدة لآدم والطّاعة لله، وحسده عدوّ الله إبليس على ما أعطاه اللهمنالكرامة، فقال: أنا ناريّ وهو طينيّ. قوله : " قلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغداً حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشّجرة فتكونا من الظّالمين "، قال: ابتلى الله آدم كما ابتلى الملائكة قبله، وكلّ شيء خلق مبتلىً، ولم يدع الله شيئاً من خلقه إلاّ ابتلاه بالطّاعة، وكما ابتلى السّماء والأرض بالطّاعة، فقال لهما: " ائتيا طوعاً أو كرهاً، قالتا، أتينا طائعين "، قال: ابتلى الله آدم فأسكنه الجنّة يأكل منها رغداً حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، وقدّم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، فبدت له سوءته عند ذلك، وكان لا يراها، فأهبط من الجنّة. قوله : " فتلّقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه "، قال: ذكر لنا أنه قال: يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال: فإنّي إذا أرجعك إلى الجنّة، قال: " قالا: ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين "، فاستغفر آدم ربّه وتاب إليه، فتاب عليه " إنه هو التوّاب الرّحيم " وأما عدوّ الله إبليس فوالله ما تنصّل من ذنبه ولا سأل التّوبة حين وقع بما وقع، ولكنه سأل النّظرة إلى يوم الدّين، فأعطى الله كلّ واحد منهما ما سأل.

стр. 1280

وعن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النّبيّ ﷺ ، قالوا: أخرج إبليس من الجنّة ولعن، وأسكن آدم حين قال له: " اسكن أنت وزوجك الجنّة "، فكان يمشي فيها وحشيّاً، ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومةً، فاستيقظ وإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة؛ قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ؛ فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حوّاء؛ قالوا: لم سمّيت حوّاء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ؛ فقال الله : " اسكن أنت وزوجك الجنّة فكلا منها رغداً حيث شئتما " والرّغد: الهنيء " ولا تقربا هذه الشّجرة فتكونا من الظّالمين "، ثم إن إبليس حلف لهما بالله: إني لكما من النّاصحين، و" قال: يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى "، وعلم أن لهما سوءة، وإنّما أراد أن يبدي لهما سوءاتهما، ما توارى عنهما، ويهتك لباسهما، فتقدّمت حوّاء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كل، فإني أكلت فلم يضرّني؛ فلّما أكل آدم " بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة، وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشّجرة وأقل لكما: إن الشيطان لكما عدوّ مبين "، فقال آدم: إنه حلف لي بك، ولم أكن أظنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً، " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين، قال: اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ فأهبطهم إلى الأرض، آدم وحوّاء وإبليس والحيّة، " ولكم في الأرض مستقّر ومتاع إلى حين ". وعن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : " إنّ أباكم آدم كان كالنخلة السّحوق ستّين ذراعاً، كثير الشّعر، موارى العورة؛ فلّما أصاب الخطيئة بدت له سوءته، فخرج من الجنّة؛ قال: فلقيته شجرة فأخذت بناصيته، فناداه ربّه: أفراراً منّي يا آدم! قال: بل حياءً منك والله يا ربّ مما جئت به ". وعن خالد، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، آدم خلق للأرض أمّ للسّماء؟ فقال: ما هذا يا أبا مبارك؟ قال: فقال: خلق للأرض؛ قال: فقلت: أرأيت لو أنه

стр. 1281

استعصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن له بدّ من أن يأكل منها، لأنه خلق للأرض. وعن ابن عبّاس: إن آدم كان لغته في الجنّة العربيّة، فلّما عصى ربّه سلبه الله العربيّة فتكلّم بالسّريانيّة، فلّما تاب الله عليه ردّ عليه العربيّة. وعنه في قوله " إنّ عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ". فلم تقبلها الملائكة، فلّما خلق الله آدم عرضها عليه، فقال: يا ربّ ما هي؟ قال: إن أحسنت جزيتك، وإن أسأت عذّبتك؛ قال: فقد تحمّلتها يا رب. قال: فما كان بين أن تحمّلها إلى أن أخرج من الجنّة إلاّ قدر ما بين الظّهر والعصر. قال جويبر: فقلت للضحّاك: وما الأمانة؟ قال: الفرائض على كل مؤمن، وحق على كلّ مؤمن أن لا يغشّ مؤمناً ولا معاهداً في قليل ولا كثير، فمن انتقص شيئاً من الفرائض فقد خان أمانته. وعن عطاء: إن آدم لمّا أهبط إلى الأرض كانت قدماه في الأرض ورأسه في السّماء، وكان يسمع تسبيح الملائكة وأصواتهم، وكانت الملائكة تهابه، فشكت ذلك إلى ربّها، فقيل له: يعني تواضع؛ فلّما فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم شكا ذلك لرّبه ؛ فقيل له: خطيئتك فعلت بك ذاك، غير أني سأهبط معك بيتاً تحفّ حوله، فطف كما رأيت الملائكة تطوف حول العرش، فكانت موضع كلّ قدم قرية، وما بينهما مفازة، فأتاه فطاف وصلّى عنده، فلم يزل كذلك حتى كان زمن الطّوفان حين غرّق الله قوم نوح، فرفع البيت حتى بوّأه الله لإبراهيم، فوضعه على أساسه. وعن ابن عبّاس: إن آدم ﵇ حجّ على رجليه من الهند أربعين حجّة. وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " لمّا أهبط الله آدم طاف بالبيت سبعاً، ثم صلّى حيال المقام ركعتين ثم قال: اللهم إنك تعلم سرّي وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي

стр. 1282

فاغفر لي ذنبي؛ أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضىً بقضائك لي؛ فأوحى الله إليه: يا آدم إنك قد دعوتني بدعاء استجبت لك فيه، ولن يدعوني أحد من ذرّيّتك من بعدك إلاّ استجبت له، وغفرت ذنبه، وفرّجت همومه وغمومه، ونزعت الفقر من بين عينيه، وأنجزت له من وراء كلّ تاجر، وأتته الدّنيا وهي كارهةً وإن كان لا يريدها. وعن وهب بن منبّه، قال: لمّا أهبط الله آدم ﵇ إلى الأرض، ونقص من قامته، استوحش لفقد أصوات الملائكة، فهبط عليه جبريل فقال: يا آدم ألا أعلّمك شيئاً تنتفع به للدّنيا والآخرة؟ قال: بلى؛ قال: قل، اللهم تمّم لي النّعمة حتى تهنئني المعيشة، اللهم اختم لي بخير، حتى لا تضرّني ذنوبي، اللهم اكفني مؤونة الدّنيا وكلّ هول في القيامة حتى تدخلني الجنّة في عافية. وعن أنس في قوله : فتلّقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنّه هو التّوّاب الرّحيم "؛ قال: سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك خير الغافرين، لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فارحمني إنك أنت أرحم الرّاحمين، لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فتب عليّ إنك التّوّاب الرّحيم، وذكر أنه عن النّبيّ ﷺ ، ولكن شكّ فيه. وقال عليّ بن أبي طالب: أطيب ريح الأرض الهند، هبط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنّة. وعن الحسن، قال: أوحى الله ﵎ إلى آدم بأربع، فهن جماع الأمر لك ولولدك، قال: يا آدم واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين النّاس؛ فأمّا التي لي: تعبدني ولا تشرك بي شيئاً؛ وأمّا التي لك: فعملك أجزيك به أفقر ما تكون إليه؛ وأمّا التي بيني وبينك: فعليك الدّعاء وعليّ الإجابة؛ وأمّا التي بينك وبين النّاس: فتصحبهم بالذي تحبّ أن يصحبوك به.

стр. 1283

وعن الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: " إنّ آدم قبل أن يصيب الذّنب كان أجله بين عينيه وأمله خلفه، فلّما أصاب الذّنب جعل الله أمله بين عينيه وأجله خلفه، فلا يزال يأمل حتى يموت ". وعن حمّاد رجل من أهل مكة، قال: لمّا أهبط آدم ﵇ إلى الأرض، أتاه جبريل بثلاثة أشياء: بالدّين والعقل وحسن الخلق؛ فقال: إنّ الله يخيّرك واحداً من الثلاثة؛ فقال: يا جبريل، ما رأيت أحسن من هؤلاء إلاّ في الجنّة، فمدّ يده إلى العقل فضمّه إلى نفسه، فقال لذيناك: اصعدا؛ قالا: لا نفعل؛ قال: أتعصياني؟ قالا: لا نعصيك، ولكنّا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان؛ فصارت الثلاثة إلى آدم. عن أبي أمامة، قال: إن رجلاً قال: يا رسول الله، أنبيّاً كان آدم؟ قال: نعم: قال كم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون؛ قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون؛ قال: يا رسول الله، كم كانت الرّسل؟ قال: ثلاثمئة وخمسة عشر. عن عقبة بن عامر الجهني، عن النّبيّ ﷺ ، أنه قال: " إذا جمع الله الأوّلين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربّنا تعالى، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم فإنه أبونا، وخلقه الله بيده، وكلّمه؛ فيأتونه فيكلّمونه أن يشفع لهم، فيقول لهم آدم: عليكم بنوح؛ فيأتون نوحاً، فيدلّهم على إبراهيم، ثم يأتون إبراهيم فيدلّهم على موسى، ثم يأتون موسى فيدلّهم على عيسى، ثم يأتون عيسى، فيقول لهم: أدلّكم على النّبيّ الأمّيّ ﷺ ، فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيفوز مجلسي من أطيب ريح يشمّها أحد قطّ، حتى آتي ربّي ، فيشفّعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي؛ ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلاّ إبليس، هو الذي أضلّنا، فيفوز مجلسهمنأنتن ريح شمها أحد قطّ؛ ثم يعظّم لجهّنم. ويقول الشيطان لمّا قضي الأمر: إن الله وعدكم وعد الحقّ، ووعدتكم فأخلفتكم إلى آخر الآية.

стр. 1284

وعن الحسن قال: يعتذر الله ﵎ إلى آدم يوم القيامة: يا آدم أنت اليوم عدل بيني وبين ذرّيّتك، قم عند الميزان فانظر ما رفع إليك من أعمالهم، فمن رجح خيره على شرّه مثقال ذرّة فله الجنّة حتى تعلم أني لا أعذّب إلاّ كلّ ظالم. وعن أبيّ بن كعب، قال: إن آدم لمّا حضره الموت، قال لبنيه: أي بنيّ، إني أشتهي من ثمار الجنّة، فذهبوا يطلبونه له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل؛ فقالوا لهم: يا بني آدم، ما تريدون وما تطلبون؟ أو: ما تريدون وأين تذهبون؟ فقالوا: أبونا مريض فاشتهى من ثمار الجنّة؛ فقالوا لهم: ارجعوا، فقد قضاء أبيكم؛ فجاؤوا، فلّما رأتهم حواء عرفتهم، فلاذت بآدم، فقال: إليك عنّي، فإني إنّما أتيت من قبلك، خلّي بيني وبين ملائكة ربّي ؛ فقبضوه، وغسّلوه، وكفّنوه وحنّطوه، وحفروا له وألحدوا له، وصلّوا عليه، ثم دخلوا قبره، فوضعوه في قبره، ووضعوا عليه اللّبن، ثم خرجوا من القبر، ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا: يا بني آدم، هذه سنتّكم. وعن ابن عمر، قال: صلّى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم وكبّر عليه أربعاً، وصلّى على السّوداء فكبّر عليها أربعاً، وصلّى على النّجاشيّ فكبّر عليه أربعاً، وصلّى أبو بكر على فاطمة بنت رسول الله ﷺ فكبّر أربعاً عليها، وصلّى عمر على أبي بكر وكبّر عليه أربعاً، وكبّرت الملائكة على آدم أربعاً. وعن عطاء الخراساني قال: بكت الخلائق على آدم حين توفّي سبعة أيّام. آدم بن عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عمر الأمويّ وأمّه أمّ عاصم بنت سفيان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم كان بالشّام حين ذهب ملك أهل بيته، وأراد عبد الله بن عليّ قتله فيمن قتل منهم

стр. 1285

بنهر أبي فطرس، فاستعطفه فتركه، وسكن العراق بعد ذلك، وكان شاعراً ماجناً، ثم تنسّك بعد. أنشد أبو العيناء لآدم بن عبد العزيز في البراغيث ببغداد: من الطويل هنيئاً لأهل الرّيّ طيب بلادهم ... وواليهم الفضل بن يحيى بن خالد تطاول في بغداد ليلي ومن يبت ... ببغداد يلبث ليله غير راقد بلاد إذا زال النّهار تقافزت ... براغيثها من بين مثنى وواحد ديازجة شهب البطون كأنّها ... بغال بريد سرح في موارد وقال أبو بكر الخطيب: كان شاعراً خليعاً، ثم نسك بعد ذلك، وكان ببغداد في صحابة أمير المؤمنين المهديّ. وعن المدائنيّ، قال: قال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: من الوافر فإن قالت رجال: قد تولّى ... زمانكم وذا زمن جديد فما ذهب الزّمان لنا بمجد ... ولا حسب إذا ذكر الجدود وما كنّا لنخلد لو ملكنا ... وأيّ النّاس دام له الخلود؟ وعن إسحاق، قال: كان مع المهديّ رجل من أهل الموصل، يقال له: سليمان بن المختار، وكانت له لحيةً عظية عظيمة طويلة، فذهب يوماً ليركب، فوقعت لحيته تحت قدمه في الرّكاب، فذهب عامّتها، فقال آدم بن عبد العزيز في ذلك: من الهزج قد استوجب في الحكم ... سليمان بن مختار بما طوّل من لحي ... ته جزاً بمنشار أو النتف أو الحلق ... أو التحريق بالنار فقد صار بها أش ... هر من راية بيطار

стр. 1286

فأنشدها عمر بن بزيع المهديّ، فضحك، وسارت الأبيات، فقال أسيد بن أسيد وكان وافر اللّحية: ينبغي لأمير المؤمنين أن يكفّ هذا الماجن عن النّاس، فبلغت آدم، فقال: من الرمل لحية تّمت وطالت ... لأسيد بن أسيد يعجب النّاظر منها ... من قريب أو بعيد هي إن زادت قليلاً ... قطعت حبل الوريد قال: وكان المهديّ يدني آدم ويحبّه ويقرّبه، وهو الذي قال لعبد الله بن عليّ لمّا أمر بقتله بنهر أبي فطرس: إن أبي لم يكن كآبائهم، وقد علمت مذهبه فيكم؛ فقال: صدقت، وأطلقه؛ وكان طلق النّفس، متصوّناً، ومات على توبة ومذهب جميل. وعن الزّبير، قال: وكان آدم بن عبد العزيز كلباً على الفدّام والسّؤّال، وكان بطّالاً، فجاء أعرابيّ إلى فيئة فقال: هل تعرفنّ أحداً يصنع المعروف ويرغب فيه؟ فدلّوه على آدم، وقالوا: ذاك ابن الخليفة عمر بن عبد العزيز، فجاءه وهو جالس في فتية من بني عمّه، فقال: يا آدم، إنّ السّماء حبست قطرها، والأرض نبتها، وإن البادية أجحفت بنا، وإن عيالي قد هلكوا جوعاً، ووقع النقار في غنمي، فانظر في أمري؛ فقال آدم: يا ابن الخبيثة، والله لوددت أن السّماء صارت عليك طبق نحاس، لا تبضّ بقطرة، وأن الأرض ضنّت عليك فلا تنبت سنبلةً، وأن عيالك ماتوا قبل أن تأتيني بخمسمئة سنةً؛ يا بليق خذه، فوثب الكلب عليه فشقّ فروه وعقره؛ فتنحّى الأعرابيّ غير بعيد ثم قال: يا آدم، لقد خلقك اله فشوّه خلقك، ورزقك العظيمة في صرفك، فأعضّك الله ببظر أمك وبظر أمهّات هؤلاء الذين حولكّ.

стр. 1287

وعن الزّبير بن بكار، قال: قال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: من الرمل يا أمين الله إنّي قائل ... قول ذي دين وبر وحسب عبد شمس لا تهنها إنّما ... عبد شمس عمّ عبد المطّلب عبد شمس كان يتلو هاشماً ... وهما بعد لأم ولأب وعن الأصمعيّ، قال: كان آدم بن عبد العزيز وهو ابن عمر بن عبد العزيز، في أيّام حداثته، يشرب الخمر ويفرط في المجون والخلاعة، ويقول الشّعر، فرفع إلى المهديّ أنه زنديق، وأنشد شعراً له كان قاله في أيّام الحداثة على طريق المجون، فأخذه وضربه ثلاثمئة سوط يقرّره بالزّندقة، فقال: والله لا أقرّ على نفسي بباطل أبداً، ولو قطعت عضواً عضواً، والله ما أشركت بالله طرفة عين قطّ؛ فقال المهديّ: فأين قولك؟ من الرمل اسقني واسق خليلي ... في مدى اللّيل الطّويل قهوةً صهباء صرفاً ... سبيت من نهر بيل قل لمن يلحاك فيها ... من فقيه أو نبيل أنت دعها وارج أخرى ... من رحيق السّلسبيل قال: يا أمير المؤمنين، كنتمنفتيان قريش أشرب النّبيذ، وأتمجّن مع الشّباب، واعتقادي مع ذلك الإيمان بالله وتوحيده، فلا تؤاخذني بما أسلفت من قولي. قال: فخلّى سبيله. قال: ومن قوله أيضاً شعراً: من الرمل اسقني واسق غصينا ... لا نرد بالنّقد ديناً أسقنيها مزّة الطّع ... م تريك الشّين زيناً

стр. 1288

قال: ثم أناب وأقلع، وقال في ذلك أشعاراً، منها قوله: من الطويل ألا هل فتىً عن شربه الرّاح صابر ... ليجزيه يوماً بذلك قادر شربت فلّما قيل ليس بمقلع ... نزعت وثوبي من أذى اللّوم طاهر أدهم بن محرز بن أسيد بن أخنس ابن رياح بن أبي خالد بن زمعة بن زيد بن عمرو بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك ن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، الباهليّ، الحمصيّ أحد أمراء الجيش الذين وجّهوا مع عبيد الله بن زياد لقتال التّوّابين الذين قتلوا عند عين الوردة، وكان قد شهد صفّين مع معاوية، وكان من قوّاد الحجّاج بن يوسف. حدّث، قال: إنّ أول راية دخلت أرض حمص وركزت حول مدينتها لراية ميسرة بن مسروق العنسي، ولقد كانت لأبي أمامة، ولأبي: محرز بن أسيد راية، وأول رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين لأبي: محرز بن أسيد، إلاّ أن يكون رجلاً من حمير، فإنه حمل وأبي جميعاً، فقتل كلّ واحد منهما في حملته تلك رجلاً من المشركين؛ فكان أبي يقول: أنا أول رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين بحمص، إلاّ الحميري، فإني أنا وهو قتلنا في حملتنا رجلين. قال أدهم بن محرز الباهليّ: وإني لأوّل مولود ولد في الإسلام بحمص، وأوّل مولود فوض له بها، وأوّل مولود رؤي في كتف يختلف بها إلى الكتّاب أتعلّم الكتاب، ولقد شهدت مشهداً ما أحبّ أنّ لي بذلك المشهد حمر النّعم. قال خالد بن سعيد: دخل أدهم بن محرز الباهليّ أبو مالك بن أدهم على

стр. 1289

عبد الملك، ورأسه كالثغامة، فقال: لو غيّرت هذا الشّيب؟ فذهب فاختضب بسواد ثم دخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، قلت بيتاً لم أقل قبله ولا أراني أقول بعده؛ قال: هات؛ فقال: من الطويل ولمّا رأيت الشّيب شيناً لأهله ... تفتّيت وابتعت الشّباب بدرهم وعن أدهم بن محرز الباهليّ؛ أنه أتى عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح؛ قال: فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنة ورأس ضلالة سليمان بن صرّد، ألا وإن السيّوف تركت رأس المسيّب بن نجبة خذاريف، ألا وقد قتل الله من رؤوسهم رأسين عظيمين ضالّين مضلّين: عبد الله بن سعد، أخا الأزد، وعبد الله بن وال، أخا بكر بن وائل؛ فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاع أو امتناع. وعن عبد الملك بن عمير، قال: خرجت بوماً من منزلي نصف النّهار، والحجّاج جالس وبين يديه رجل موقف، عليه كمّةً من ديباج، والحجّاج يقول: أنت همدان مولى عليّ، تعال سبّه؛ قال: إن أمرتني فعلت، وما ذاك جزاؤه، ربّاني صغيراً، وأعتقني كبيراً؛ قال: فما كنت تسمعه يقرأ من القرآن؟ قال: كنت أسمعه في قيامه وقعوده، وذهابه ومجيئه يتلو: " فلّما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله ربّ العالمين "؛ وقال: فابرأ منه؛ قال: أمّا هذه فلا، سمعته يقول: تعرضون على سبّي فسّبوني، وتعرضون على البراءة منّي فلا تبرؤوا منّي، فإنّي على الإسلام. وقال: أما ليقومنّ إليك رجل يتبرأ منك ومن مولاك، يا أدهم بن محرز، قم إليه فاضرب عنقه؛ فقام إليه يتدحرج كأنه جعل، وهو يقول: يا ثارات عثمان.

стр. 1290

قال: فما رأيت رجلاً كان أطيب نفساً بالموت منه، ما زاد على أن وضع القلنسوة عن رأسه، وضربه فندر رأسه، رحمه الله تعالى. أدهم مولى عمر بن عبد العزيز حدّث، قال: كنّا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيدين: تقبّل الله منّا ومنك يا أمير المؤمنين، فيردّ علينا ولا ينكر ذلك علينا. أرتاش بن تتش بن ألب رسلان ويقال: ألتاش كان أخوه الملك دقاق قد نفده إلى بعلبك، فاعتقل بها، فلّما هلك دقاق في سنة سبع وتسعين راسل طغتكين أتابك، كبشتكين التّاجي الخادم والي بعلبك في إطلاق أرتاش، فوصل إلى دمشق، فأقامه في منصب أخيه يوم السّبت لخمس بقين من ذي الحجّة أو ذي القعدة سنة سبع وتسعين وأربعمئة. فأقام بها إلى أن خرج منها سراً في صفر سنة ثمان وتسعين لاستشعار استشعره من طغتكين وزوجته أمّ الملك دقاق، ومضى إلى بغدوين ملك الفرنج، طمعاً في أن يكون له ناصراً، فلم يحصل منه على ما أمّل، فتوجّه عند اليأس منه إلى ناحية الرّحبة، ومضى إلى الشّرق فهلك. أرطاة بن زفر بن عبد الله بن مالك ابن شدّاد بن ضمرة بن عقفان بن أبي حارثة بن مرّة بن نشبة بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، ويقال: ابن زفر بن جزء بن شدّاد ويعرف بابن سهيّة، وهي أمّه، وهي بنت زامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن

стр. 1291

خديج بن أبي جشم بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف بن شيبة بن كلب، وكانت لضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل فجاءت بأرطاة على فراش زفر. عن المرزبانيّ، قال: وأرطاة يكنى أبا الوليد، وكان في صدر الإسلام، أدركه عبد الملك بن مروان شيخاً كبيراً، يقال: أتت عليه ثلاثون ومئة سنة، فأنشد عبد الملك: من الوافر رأيت المرء تأكله اللّيالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبغي المنيّة حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكرّ حتى ... توفّي نذرها بأبي الوليد فارتاع عبد الملك وتغيّر وجهه، وقدّر أنه أراده، لأن عبد الملك يكنى أبا الوليد، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّما عنيت نفسي. وفي رواية الزّبير، قال: سرق أزطاة البيت الثاني من زبّان بن منظور بن سيّار، قال زبّان: من الوافر لئن فجعت بالقرناء يوماً ... لقد متّعت بالأمل البعيد وما تجد المصيبة فوق نفسي ... ولا نفس الأحبّة من مريد خلقنا أنفساً وبني نفوس ... ولسنا بالسّلام ولا الحديد فبلغت عبد الملك كلمة أرطاة، فأشخصه إليه، وقال له: ما أنت وذكري في شعرك! فقال: إنّي عنيت نفسي، أنا أبو الوليد، فسل عن ذلك؛ فأفلت منه فانصرف إلى أهله، وقال: من الطويل إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف ... فبشّر رجالاً يكرهون إبابي وأخبرهم أن قد رجعت بغبطة ... أحدّد أظفاري وأصرف نابي وأني ابن حرب لا تزال تهرّني ... كلاب عدو أو تهرّ كلابي

стр. 1292

وعن إسماعيل بن سيّار، قال: مات ابن لأرطاة بن سهية المّريّ، مرّة غطفان، فأقام على قبره حوله، يأتيه كلّ غداة فيقول: يا عمرو إن أقمت حتى أمسي، هل أنت رائح معي؟ ويبكي وينصرف؛ ويأتي القبر عبد المساء فيقول: يا عمرو إن أقمت حتى أصبح هل أنت غاد معي؟ ويبكي وينصرف؛ فلّما كان عند رأس الحول تمثّل بشعر لبيد، فقال: من الطويل إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر ثم ترك قبره ومضى، وقال: من الطويل وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكن ... وقوفي عليه غير مبكى ومجزع هل أنت ابن ليلى إن نظرتك رائح ... مع القوم أو غاد غداة غد معي فما كنت إلاّ والهاً بعد زفرة ... على شجوها بعد الحنين المرجّع متى لا تجده تنصرف لطياتها ... من الأرض أو ترجع لإلف فتربع على الدّهر فاعتب إنه غير متعب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع قال الزّبير بن بكّار: حدّثني عمّي مصعب بن عبد الله: أنشدني أبي لأرطاة بن سهيّة المّريّ أبياتاً مدح فيها ثابت بن عبد الله بن الزّبير، على الدّال؛ فقلت لعمّي: ما أعدّ أحداً يتقدّمني في معرفة شعر أرطاة بن سهيّة، ولا أعرف هذه الأبيات؛ ثم وجدت بعد ذلك في كتب إبراهيم بن موسى بن حديق، وكان من الفقهاء العبّاد الفصحاء، الرّواة للآثار والأخبار والشعر؛ قال أرطاة بن سهيّة المّريّ يمدح ثابت بن عبد الله بن الزّبير، فقال: من الطويل رأيت مخاضي أنكرت عبداتها ... محل أولي الخيمات من بطن أرثدا إذا راعياها أورداها شريعةً ... أعاما على دمن الحياض وصرّدا ولو جارها ابن المازنيّة ثابت ... لرّوح راعيها وندّى وأوردا

стр. 1293

وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابيّ لأرطاة بن سهيّة المّريّ: من الطويل وإني لقوّام لدى الضّيف موهناً ... إذا غدر السير النجيل المواكل دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة منّي بأني فاعل وما دون ضيفي من تلاد تحوزه ... لي النّفس إلاّ أن تصان الحلائل أرطاة بن المنذر بن الأسود بن ثابت أبو عديّ السّكوني الحمصيّ حدّث عن جماعة وحدّث عنه جماعة. روى عن غيلان بن معشر، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: لقد توفي رجل على عهد رسول الله ﷺ فلم يجدوا له كفناً، فقالوا: يا نبيّ الله، إنّا لم نجد له كفتناً؛ قال: " التمسوا في مئزره " فوجدوا دينارين، فقال النّبيّ ﷺ : " كيتّان، صلّوا على صاحبكم ". وعن ضمرة بن حبيب، قال: سمعت سلمة بن نفيل يقول: كنّا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذ قال قائل: يا رسول الله، هل أتيت بطعام من السّماء؟ قال: نعم قال: وبماذا؟ قال: بمسخنة قال: فهل كان فيها فضل؟ قال: نعم قال: فما فعل به؟ قال: رفع، وهو يوحي إليّ أني مكفوت غير لابث فيكم، ولستم بلابثين بعدي إلاّ قليلاً، بل تلبثون حتى تقولوا: متى، وتأتون أفناداً يتبع بعضكم بعضاً، وبين يدي السّاعة موتان شديد، وبعده سنوات الزّلازل. قال أرطاة: لمّا فرض لي عمر بن عبد العزيز في جبلة، قال: يا فتى، إني أحدّثك بحديث كان عندنا من المخزون: إذا توضأت عند البحر، فالتفت إليه وقل: يا واسع المغفرة اغفر لي، فإنه لا يرتّد إليك طرفك حتى يغفر الله ذنوبك.

стр. 1294

قال احمد بن حنبل: أرطاة بن المنذر ثقة ثقة. وعن أبي عبد الرحمن الأعرج قال: لم أر أرطاة بن المنذر قطّ يسعل ولا يعطس ولا يبزق، ولا يحكّ شيئاً من جسده، ولا يضحك، قال: وإنما عرف موته حين حضره الموت، أنه حكّ هذا عند أنفه؛ قال: فقال أصحابه: حكّ أبو عديّ! قال: فكأن جلساءه أيسوا منه حين حكّ. وعن أبي مطيع معاوية بن يحيى: أن شيخاً من أهل حمص خرج يريد المسجد، وهو يرى أنه قد أصبح، فإذا عليه ليبل طويل، فلّما صار تحت القبّة سمع صوت جرس الخيل على البلاط، فإذا فوارس قد لقي بعضهم بعضاً. قال بعضهم لبعض: من أين قدمتم؟ قالوا: ولم تكونوا معنا؟ قالوا: لا؛ قالوا: قدمنا من جنازة البديل خالد بن معدان؛ قالوا: وقد مات؟ ما علمنا بموته؛ قال: فمن استخلفتم بعده؟ قالوا: أرطاة بن المنذر. فلّما أصبح الشّيخ حدّث أصحابه، فقالوا: ما علمنا بموت خالد بن معدان؛ فلّما كان نصف النّهار قدم البريد من أنطرطوس يخبر بموته. وعن أرطاة بن المنذر، وكان من الحكماء، قال: لا يزال العبد متعلماً ما كان في الدّنيا، فإذا قال: قد اكتفيت، فهو أجهل ما يكون بأمر الدّنيا. وقال: آية المتكلّف ثلاث: يتكلّم فيما لا يعلم، وينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال. وقال: احذروا الدّنيا لا تسحركم، فهي والله أسحر من هاروت وماروت. مات سنة ثلاث وستين ومئة، وفي خبر آخر، أنه مات سنة ست وخمسين ومئة.

стр. 1295

أرطاة الفزاري والد عديّ بن أرطاة، وزيد بن أرطاة دمشقي. حكى عنه ابنه عديّ بن أرطاة، أن أباه حدّثه: أنه كان من قومه رجل يشتم، فسكت ونفض ثوبه. أرقم بن أرقم السّلميّ عن أبي عبيد الله، قال: دخلت المسجد يوماً فإذا برجلين جالسين، فمشيت نحوهما، فأشار إليّ أحدهما فجلست بين أيديهما، فإذا هما قد تقنّعا برداء أحدهما، وقد بكيا حتى كادت أعينهما أن تخرج، فقالا: لا ترق على ما ترى من بكائنا، ألا إنّما أبكانا أنا كنّا في قوم أصبحنا اليوم في غيرهم؛ وذلك على عهد معاوية بن أبي سفيان، ﵄، وإذا هما أرقم بن أرقم السّلميّ وأبو مسلم الجليليّ. أرقم بن شرحبيل الأوديّ الكوفيّ أخو هذيل بن شرحبيل، سمع ابن مسعود، وابن عبّاس وصحبه إلى الشّام. قال: سافرت مع ابن عبّاس من المدينة إلى الشّام، فسألته: أوصى رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنّ النّبيّ ﷺ لمّا مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: " ليصلّ بالنّاس أبو بكر " فتقدّم أبو بكر فصلّى بالنّاس، ووجد رسول الله ﷺ من نفسه خفّةً، فانطلق يهادى بين رجلين، فلما أحسّ أبو بكر به سبّحوا، فذهب أبو بكر يتأخر، فأشار النّبيّ ﷺ : مكانك فاستفتح رسول الله ﷺ من حيث انتهى أبو بكر

стр. 1296

من القراءة، وأبو بكر قائم، ورسول الله جالس، فأئتمّ أبو بكر بالنّبيّ ﷺ وائتم النّاس بأبي بكر، فما قضي رسول الله ﷺ حتى ثقل جداً، فخرج يهادي بين رجليه لتخطان في الأرض، فمات رسول الله ﷺ ولم يوص. قال محمد بن سعد: وكان ثقة قليل الحديث. أرقم بن عبد الله الكندي رجل من تابعي أهل الكوفة. كان ممن قدم به مع حجر بن عدي الكندي إلى عذراء في أثني عشر رجلاً، فشفع فيه وائل بن حجر إلى معاوية فأطلقه. قال أبو محنف: تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية: حجر بن عدي بن جبلة الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثمعي من بني عامر بن شهران ثم من بني قحافة، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بني هميم، ومحرز بن شهاب التميمي من بني منقر، وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم، فمضوا بهم حتى نزلوا مرج عذراء، فحبسوا بها. ثم إن زياداً أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الأسود العجلي، بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسعيد بن نمران الهمداني ثم الناعطي، فتموا أربعة عشر رجلاً. تسمية من قتل أصحاب حجر ﵀: حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المنقري، وكدام بن حيان

стр. 1297

العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي، بعث به إلى زياد فدفن حياً بقس الناطف، فهم سبعة قتلوا ودفنوا وصلى عليهم. قال: وزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حجر وأصحابه، قال: صلوا عليهم، وكفنوهم، واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم؛ قال: حجوهم ورب الكعبة. تسمية من نجا منهم: كريم بن عفيف الخثعمي، وعبد الله بن حوية التميمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وعتبة بن الأخنس، من بني سعد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمذاني، فهم سبعة. قال الطبري: ومقتل حجر بن عديّ وأصحابه في سنة إحدى وخمسين. إرميا بن حلقيّا من سبط لاوي ابن يعقوب من أنبياء بني إسرائيل. ويقال: إنه الخضر ﵇. جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريّا ﵇ بدمشق وهو يفور، فقال: أيّها الدّم دم يحيى بن زكريّا، فتنت بنو إسرائيل والنّاس فيك؛ فسكن الدّم، ورسب حتى غاب. عن الحسن، قال: إن إرميا كان غلاماً من أبناء الملوك، وكان زاهداً، ولم يكن لأبيه ابن غيره، وكان أبوه يعرض عليه النّكاح فكان يأبى مخافة أن يشغله عن عبادة ربّه، فألحّ عليه أبوه، فكره أن يعصي أباه، فزوّجه في أهل بيت من عظماء أهل مملكته، فلّما أن دخلت عليه امرأته قال لها: يا هذه إني أسرّ إليك أمراً، فإن كتمتيه عليّ وسترتيه سترك الله في الدّنيا والآخرة، وإن أنت أفشيتيه فضحك الله في الدّنيا والآخرة، قالت: فإني سأكتمه عليك؛ قال: فإني لا أريد النّساء. قال: فأقامت معه سنةً، ثم إن أباه أنكر ذلك، فسأله، فقال: يا أبه ما طال ذلك

стр. 1298

بعد؛ فدعا امرأته فسألها، فقالت مثل ذلك ففرّق بينهما، وزوّجه امرأة في بيت أشرافهم، فأدخلت عليه، فاستكتمها أمره مثل ما استكتم الأولى؛ فلّما مضت سنة، فسأله أبوه مثل ما سأل، فقال: ما طال ذلك يا أبه؛ فسأل المرأة فقالت: كيف تحمل المرأة من غير زوج؟ ما مسني! فغضب أبوه، فهرب منه حتى بعثه الله نبيّاً مع ناشية الملك وجاءه الوحي. وعن وهب بن منبه: إنّ الله تعالى لمّا بعث إرميا إلى بني إسرائيل، وذلك حين عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وعملوا بالمعاصي فقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصّر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدّث نفسه بالمسير إليهم لمّا أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى إرميا: إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم، فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي؛ فقام إرميا فشقّ ثيابه وجعل الرّماد على رأسه وخرّ ساجداً، وقال: يا ربّ، وددت أن أميّ لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل، فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي. فقيل له: ارفع رأسك؛ فرفع رأسه؛ قال: فبكى، ثم قال: يا رب، من تسلّط عليهم؟ قال: عبدة النّيران، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي، قم يا إرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل: من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أمّك قدّستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهّرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك، فقم مع الملك ناشية تسدّده وترشده. فكان معه يرشده ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث، ونسوا ما نجّاهم الله من عدوّهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله تعالى إلى إرميا: قم فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكّرهم نعمتي، وعرّفهم أحداثهم. فقال إرميا: يا ربّ إني ضعيف إن لم تقوّني، عاجز إن لم تبلّغني، مخطئ إن لم تسدّدني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تعزّني. فقال الله له: أو لم تعلم أنّ الأمور كلّها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلق والأمر كلّه

стр. 1299

لي، وأن القلوب والألسنة كلّها بيدي أقلّبها كيف شئت فتطيعني؟ فأنا الله الذي ليس شيء مثلي، قامت السّموات والأرض وما فيهنّ بكلمتي، وأنه لا يخلص التّوحيد ولا تتمّ القدرة إلاّ لي، ولا يعلم ما عندي، وأنا الذي كلّمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحدّدت حدوداً فلا تعدو وحدّي، وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدّي ألبستها مذلةً لطاعتي، وخوفاً واعترافاً لأمري، وأني معك، ولن يصل إليك شيء معي، وأني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلّغهم رسالاتي، فتستوجب بذلك أجر من اتّبعك ولا ينقص من أجورهم شيئاً، وإن تقصّر عنها تستحق بذلك منّي وزر من تركته في عماية، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً، انطلق إلى قومك فقمّ فيهم، وقل لهم: إن الله ذكّركم بصلاح آبائكم، فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء، وتسألهم كيف وجد آباؤهم مغبّة طاعتي، وكيف وجدوا مغبّة معصيتي؛ وهل وجدوا أحداً عصاني فسعد بمعصيتي؟ وهل علموا أحداً أطاعني فشقي بطاعتي؟ إنّ الدّواب إذا ذكرت أوطانها الصّالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها. أمّا أحبارهم ورهبانهم فاتّخذوا عبادي خولاً يتعبّدونهم ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وانسوهم ذكري وسنّتي، وغرّوهم عني، فدان لهم عبادي بالطّاعة التي لا تنبغي إلاّ لي، فهم يطيعونهم في معصيتي. وأمّا ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرّتهم الدّنيا حتى نبذوا كتابي، ونسوا عهدي، فهم يحرّفون كتابي ويفترون على رسلي جراةً منهم عليّ، وغرّة بي. فسبحان جلالي وعلّو مكاني وعظمة شأني، هل ينبغي لي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟ وهل ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً ن دوني؟ أو آذن لأحد بالطّاعة لأحد؟ لا ينبغي إلاّ لي. وأمّا قراؤهم وفقهاؤهم فيدسون ما يتخيّرون، فينقادون للملوك، فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود النّاقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعلمون، لا ينتفعون بشيء ممّا علموا من كتابي.

стр. 1300

وأمّ أولاد النبيّين، فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنّون مثل نصري آباءهم، والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم ولا تفكّر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري، حتى اغترّ المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا، حتى عزّ أمري وظهر ديني. فتأنّيت هؤلاء القوم لعلّهم يستحيون منّي ويرجعون، فتطوّلت عليهم، وصفحت عنهم فأكثرت، ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلّهم يتذكّرون، وكلّ ذلك أمطر عليهم السّماء، وأنبت لهم الأرض، فألبسهم العافية، وأظهرهم على العدوّ، ولا يزدادون إلاّ طغياناً وبعداً منّي! فحتى متى هذا؟ أبي يسخرون؟ أم بي يتمرّسون؟ أم إيّاي يخادعون؟ أم عليّ يجترئون؟. فإني أقسم بعزتي لأتيحنّ لهم فتنةً يتحير فيها الحليم، ويضل فيها رأي ذوي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لا سلّطنّ عليهم جبّاراً قاسياً عاتياً، ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرّأفة والرّحمة، وآليت أن يتبعه عدد سود مثل اللّيل المظلم، له فيه عساكره مثل قطع السّحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيران النّسور، وحمل فرسانه كصوت العقبان، يعيدون العمران خراباً، والقرى وحشاً، ويعيثون في الأرض فساداً، ويتبّرون ما علوا تبتيراً، قاسية قلوبهم، لا يكترثون ولا يرقّون ولا يرحمون، ولا يبصرون ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل رهيب الأسد، يقشعر من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام، بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهرة عليها المنكر لا يعرفونها، فوعزّتي لأعطلّنّ بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأخلينّ مجالسهم من حديثها، ولأوحشنّ مساجدهم من عمّارها وزوّارها الذين كانوا يتزيّنون بعمارتها لغيري، ويتهجّدون فيها ويتعبّدون لكسب الدّنيا بالدّين، ويتفقّهون فيها لغير الدّين، ويتعلّمون فيها لغير العمل. لأبدّلنّ ملوكها بالعزّ الذّل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنّعمة الجوع، وبطول العافية والرّخاء ألوان البلاء، وبلباس الدّيباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالأزواج الطيّبة والأدهان جيف القتلى، وبلباس التّيجان أطواق الحديد والسّلاسل
следующие страницы →