Полный текст (10 576 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
هذه الساعة! ما يؤذن عليه حتى يصبح. قال: أعلمه أني إنما رجعت شوقاً إليه قبل أن أصل. قال: فدخل عليه فأعلمه كلامه وأمره. قال: ففتح الباب ثم صاح البصري: أسرجوا، فأسرجت الشمع حتى كانت بيت المقدس كأنها النهار، ثم قال: من مر بكم فاضبطوه. قال: ودخل كما هو إلى الموضع الذي يعرفه، فنظر فإذا لا يجده، فطلبه فلم يجده، فقال أصحابه: هيهات تريدون أن تقتلوا نبي الله! قد رفع إلى السماء. قال: فطلبه في شق قد كان هيأه سرياً، قال: فأدخل البصري يده في ذلك الشق فإذا بثوبه، فاجتره فأخرجه إلى خارج، ثم قال للفرغانيين: اضبطوه فربطوه، فبينا هم يسيرون به البريد إذ قال: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " الآية، فقال أهل فرغانة: أولئك العجم: " هذا كراننا فهات كرانك أنت " فسار به حتى أتى به عبد الملك.
فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت، فصلبه، وأمر بحربة، وأمر رجلاً فطعنه، فأصاب ضلعاً من أضلاعه، فكعب الحربة، فجعل الناس يصيحون: الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة، ثم مشى بها إليه، ثم أقبل يتحسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها، فأنفذها فقتله.
قال الوليد بن مسلم:
بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية دخل على عبد الملك فقال: لو حضرتك ما أمرتك بقتله. قال: ولم؟ قال: إنما كان به المذهب. فلو جوعته ذهب ذلك عنه. وقيل: إن الحارث لما حمل على البريد وجعلت في عنقه جامعة من حديد فجمعت يداه إلى عنقه، فأشرف على عقبة بيت المقدس، فتلا هذه الآية: " قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ". قال: فتقلقلت الجامعة، ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض، فوثب إليه الحرس الذين كانوا معه فأعادوها عليه، ثم
стр. 1997
ساروا به. فلما أشرف على عقبة أخرى قرأ آية لا أحفظها، فسقطت من رقبته ويده إلى الأرض، فأعادوها عليه. فلما قدموا على عبد الملك حبسه، وأمر رجالاً كانوا معه في السجن من أهل الفقه والعلم أن يعظوه، ويخوفوه الله، ويعلموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم، فأتوا عبد الملك فأخبروه بأمره، فأمر به فصلب. وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت الحربة، فقال الناس: ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل، ثم أتاه حرسي برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه، ثم هزه فأنفذه.
قال الراوي: وسمعت غير واحد ولا اثنين يقولون: إن الذي طعن الحارث بالحربة فانثنت قال له عبد الملك: أذكرت الله حين طعنته؟ قال: نسيته أو قال: لا - قال: فاذكر اسم الله ثم اطعنه. قال: فطعنه فأنفذها.
قال العلاء بن زياد العدوي: ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثاً؛ حدثت أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون، دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي. فمن قاله فاقتلوه. ومن قتل منهم أحداً فله الجنة ".
الحارث بن سليم بن عبيد بن سفيان
ابن مسعود بن سكين ويقال الحارث بن عبيد الهجيمي البصري والد خالد بن الحارث وفد على سليمان بن عبد الملك.
حدث أبو عبيدة النحوي قال: كنا نأتي رؤبة بن العجاج، فربما أعوزنا مطلبه، فطلبته مظانه، وكان للحارث بن سليم الهجيمي - وهو أبو خالد بن الحارث - غدائرلف، وكان رؤبة ربما أتاه، فطلبته
стр. 1998
يوماً فأتيت مجلس الحارث بن سليم، فتحدث القوم، وتحدث الحارث بن سليم. قال: شهدت مجلس سليمان بن عبد الملك، فأتى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أتيتك مستعدياً. قال: من بك؟ قال: موسى شهوات. قال: وماله! قال: سمّع بي واستطال في عرضي. قال: يا غلام، علي موسى. فأتي به فقال: أسمّعت به واستطلت في عرضه؟ قال: ما فعلت يا أمير المؤمنين، ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو. قال: وما ذلك؟ قال: يا أمير المؤمنين، علقت جارية لم يبلغ ثمنها جدتي فأتيته وهو صديقي فشكوت ذلك إليه، فلم أصب عنده في ذلك شيئاً، فأتيت ابن عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فشكوت إليه ما شكوت إلى هذا، قال: تعود إلي، فتركته ثلاثاً ثم أتيته، فسهل من إذني، فما استقر المجلس حتى قال: يا غلام، قل لقيّمي: وديعتي، ففتح باباً بين بابين، فإذا أنا بالجارية. فقال لي: هذه بغيتك؟ قلت: نعم، فداك أبي وأمي. قال: اجلس. يا غلام، قل لقيمي: طيّبة نفقتي، فأتى بطيبة فنثرت بين يديه، فإذا فيها مائة دينار وليس فيها غيرها، فردت في الطيبة، ثم قال: عتيدتي التي فيها طيبي، فأتي بها فقال: ملحفة فراشي، فأتي بها. فضرب الطيبة وما في العتيدة حواشي الملحفة وقال لي: شأنك فهو لك واستعن بهذا عليه. فقال سليمان فذلك حين تقول ماذا؟ فقال:
أبا خالد اعني سعيد بن خالد ... اخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنّني اعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به النّدى ... وإن مات لم يرض النّدى بعقيد
دعوه دعوه، أنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود
فقال: يا غلام، علي بسعيد بن خالد، فأتي به فقال: يا سعيد، لأحق ما وصفك به موسى! قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه فقال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين. قال: فما طوقك ذلك، قال: الكلف. قال: فما حملتك الكلف؟ قال: دين والله يا أمير
стр. 1999
المؤمنين، ثلاثون ألف دينار. قال: قد أمرت لك بمثلها وبمثلها وبمثلها، وثلاث مثلها.
فلقيت سعيد بن خالد بعد حين، فأخذت بعنان دابته فقلت: بأبي وأمي، ما فعل المال الذي أمر لك به سليمان؟ قال: ما علمك به؟ قال: أنا والله حاضر المجلس يومئذ. قال: والله ما أصبحت أملك ديناراً ولادرهماً. قال: فما اغتاله؟ قال: خلة من صديق، أو فاقة من ذي رحم.
كان خالد بن الحارث يقول: كان أبي يقول: إن الرجل ليثني لي عنان دابته فأشكرها له.
ولما هزم بنو المهلب أيام هلال بن احوز بلغ أبي ذلك فأرسل إلى وليهم بأربعة آلاف درهم كانت عنده، لكل رجل منهم مائة درهم، وكانوا بأربعين. فقال: تبلّغوا بها البصرة. وكان الحارث بن سليم من أشراف قومه ووجوههم، وفيه يقول رؤبة:
وأنت يا حارث نعم الحارث
وشهد سليم بن عبيد الهجيمي الجمل مع عائشة.
الحارث بن عبّاس
حدث الحارث قال: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحداً يحفظ على هذهالأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلمه، إلا شاب في ناحية المشرق. يعني أحمد بن حنبل.
стр. 2000
الحارث بن عبد الله
ابن أبي ربيعة ذي الرمحين واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان اسم عبد الله بجيراً، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، المخزومي القرشي المعروف بالقباع المكي كان قد استعمله ابن الزبير على البصرة، فمر بالسوق فرأى مكتالاً فقال: إن مكتالكم هذا لقباع، فسماه أهل البصرة القباع.
قال: وأم الحارث بن عبد الله بنت أبرهة حبشية.
روى عن عائشة وغيرها وولي البصرة لابن الزبير، ثم وفد على عبد الملك بنمروان.
قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال عبد الملك: ما أظن ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى، سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : إن قومك استقصروا من شأن البيت، وإني لولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه، وتعالي لأريك ما تركوا منه. فأراها قريباً من سبعة أذرع.
وفي حديث آخر: وجعل لها بابين موضوعين في الأرض شرقياً وغربياً. وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: فقلت: لا. قال: تعززاً لئلا يدخلها إلا من أرادوه، كان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها، يدعونه حتى يرتقي، حتى إذا كان يدخل، دفعوه فسقط. قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت بعصاه ساعة، ثم قال: وددت أني تركته وما تحمّل.
стр. 2001
وفي حديث بمعناه قال: لو سمعت هذا قبل أن انقصه لتركته على ما بنى ابن الزبير.
حدث عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولا عدة، فيبعث إليه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم. قال يوسف بنماهك: وأهل الشام يومئذ يتجهزون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذاالجيش.
وروى الحارث بن أبي ربيعة، عن أم المؤمنين مثل هذا الحديث، غير انه لم يذكر الجيش الذي ذكرهم عبد الله بن صفوان. قالوا: وأم المؤمنين هذه هي أم سلمة، بدليل حديث آخر.
قال عبيد الله بن القبطية: دخلت أنا والحارث بن أبي ربيعة ورجل آخر إلى أم سلمة، فقال لها الحارث: يا أم المؤمنين، حدثينا بحديث الجيش الذي خسف به. فقالت: قال رسول ﷺ : يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم. فقلت: كيف بمن كان كارهاً أو مكرهاً؟ قال: يبعث على ما كان في نفسه. قال عبد العزيز: فقلت لأبي جعفر: إنها قالت ببيداء من الأرض؟ قال: والله إنها لبيداء المدينة.
حدث ابن شهاب: أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ذكر أن معاوية قضى أنه أيّما رجل وهب امرأته لأهلها، وجعل أمرها بيدها أو يد وليّها، فطلقت نفسها ثلاث تطليقات فقد برئت.
حدث المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال: سبى عبد الله بن أبي ربيعة سبحاء الحبشية وكانت نصرانية، وسبى معها ست مائة من الحبش، وهو عامل على اليمن لعثمان بن عفان، فقالت: لي إليك ثلاث حوائج. قال: ما هي؟ قالت: تعتق هؤلاء الضعفاء الذين معك. قال: ذلك لك. فأعتق لها ست مائة
стр. 2002
من الجيش. فقالت: ولا تمسني حتى تصير إلى بلدك ودارك. ففعل. قالت: ولا تحملني على أن أغير ديني. قال: وذلك لك. فقدم بها. فولدت الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. فلما ماتت حضر القرشيون وغيرهم من الناس لشهودها، فقال: أدى الله الحق عنكم، إن لها أهل ملّة هم أولى بها منكم، فانصرفوا عنها.
وقال مصعب بن عبد الله: لم يكن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يدري أن أمه على النصرانية حتى ماتت، وحضر لها الناس، فخرجت إليه موالاة له، فسارته وقالت: اعلم أنا وجدنا الصليب في رقبة أمك حين جردناها لغسلها. فقال للناس: انصرفوا أدى الله عنكم، فإن لها أهل ملة هم أولى بها منكم. فانصرف الناس، وكبر الحارث بما فعل من ذلك عند الناس.
قالوا: أول من وضع وزن سبعة الحارث بن أبي ربيعة، يعني العشرة عدداً، سبعة وزناً.
الحارث بن عبدة
ويقال عبيدة بن رباح الغساني حدث الحارث بن عبيدة عن أبيه عبيدة - وقال الطبراني: حدث عبدة بن رباح، عن منيب بن عبد الله - قال: تلا رسول الله ﷺ علينا هذه الآية: " كل يوم هو في شأن " قلنا: يا رسول الله، ما ذلك؟ قال: أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين.
стр. 2003
الحارث بن عميرة الزبيدي الحارثي
حدث الحارث بن عميرة عن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ".
وعن الحارث بن عميرة قال: قدمت إلى سلمان إلى المدائن، فوجدته في مدبغة له يعرك إهاباً بكفيه، فلما سلمت عليه قال: مكانك حتى أخرج إليك. قال الحارث: والله ما أراك تعرفني، أنا عبد الله. قال: بلى، قد عرفت روحي روحك، قبل أن أعرفك، فإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها في الله ائتلف، وما كان في غير الله اختلف.
حدث عبد الرحمن بن غنم، عن حديث الحارث بن عميرة الحارثي:
انه قدم مع معاذ من اليمن، فبت معه في داره وفي منزله، فأصابهم الطاعون، فطعن معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وأبو مالك، جميعاً في يوم واحد، وكان عمرو بن العاص حين أحس بالطاعون فرق فرفقاً شديداً فقال: يا أيها الناس، تبددوا في هذه الشعاب وتفرقوا، فإنه قد نزل بكم أمر من الله لا أراه إلا رجزاً أو الطوفان. قال شرحبيل بن حسنة: قد صاحبنا رسول الله ﷺ ، وأنت أضل من حمار أهلك قال: عمرو: صدقت. قال معاذ بن جبل لعمرو بن العاص: كذبت. ليس بالطوفان ولا بالرجز، ولكنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم ﷺ ، وقبض الصالحين قبلكم، اللهم ائت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة، فما أمسى حتى طعن عبد الرحمن ابنه الذي كان يكنى به بكره وأحب الخلق إليه، فرجع معاذ من المسجد فوجده مكروباً. فقال: يا عبد الرحمن، كيف أنت؟ فاستجاب له فقال: يا أبه، الحق من ربك فلا تكن من الممترين فقال معاذ: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين. فأمسكه ليلته ثم دفنه من الغد. فأخذ بامرأتيه جميعاً فأراد أن يقرع بينهما أيهما تجيء قبل الأخرى فقال الحارث بن عميرة: جهزهما جميعاً أبا عبد الرحمن ونحفر لهما قبراً واحداً، فشق لإحداهما والحد للأخرى. فما عدا أن فرغ
стр. 2004
منهما، فطعن، فأخذ معاذ يرسل الحارث بن عميرة إلى أبي عبيدة بن الجراح، يسأله كيف هو؟ فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت من كفه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث، وفرق منها حين رآها، فأقسم له أبو عبيدة: ما يحب أن له مكانها حمر النعم، فرجع الحارث إلى معاذ فوجده مغشياً عليه، فبكى الحارث واشتكى عليه ساعة، ثم إن معاذاً أفاق فقال: يا بن الحميرية لم تبكي علي! أعوذ بالله منك أن تبكي علي. فقال الحارث: والله ما عليك أبكي. قال معاذ: فعلام تبكي؟ قال: أبكي على ما فاتني منك العصرين الغدو والرواح. قال معاذ: أجلسني، فأجلسه الحارث في حجره. قال: اسمع مني فإني أوصيك بوصية؛ إن الذي تبكي علي زعمت من غدوك ورواحك إلي، فإن العلم مكانه لمن أراد بين لوحي المصحف، فإن أعيا عليك تفسيره فاطلبه بعدي عند ثلاثة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود بن أم عبد - وفي رواية: وابن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هو عاشر عشرة في الجنة " - وأحذرك زلة العالم، وجدال المنافق، واحذر طلبة القرآن.
قال: سمعته يحدث أن معاذاً اشتد عليه النزع نزع الموت فنزع نزعاً لم ينزعه أحد، فكان كلما أفاق من غمرة فتح طرفه ثم قال: اخنقي خنقك، فوعزتك ربي إنك لتعلم أن قلبي يحبك.
فلما أن قضى نحبه انطلق الحارث حتى أتى أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث، ثم قال الحارث: إن أخي معاذاً قد أوصاني بك وبسلمان الفارسي وبابن أم عبد، فلا أراني إلا منطلقاً قبل العراق. فقدم الحارث الكوفة ثم أخذ يحضر مجلس ابن أم عبد بكرة وعشياً، فبينما هو كذلك في المجلس يوماً قال ابن أم عبد: ممن أنت بابن أخي؟ قال الحارث: امرؤ من أهل الشام. فقال ابن أم عبد: نعم الحي أهل الشام لولا واحدة. فقال الحارث: وما تلك الواحدة؟ فقال: لولا أنهم يشهدون على أنفسهم أنهم من أهل الجنة. فاسترجع الحارث مرتين أو ثلاثاً ثم قال: صدق معاذ ما قاله لي. قال ابن أم عبد: ما قال لك معاذ يابن أخ؟ قال: حذرني زلة العالم، قال: والله ما أنت يابن مسعود إلا أحد رجلين، إما رجل أصبح علي يقين من الله ويشهد أن لا إله ألا الله فأنت من أهل الجنة، أم رجل مرتاب لا تدري أين منزلك. قال ابن مسعود صدقت يابن أخي إنها زلة
стр. 2005
مني فلا تؤاخذني بها. فأخذ ابن مسعود بيد الحارث فانطلق به إلى رحله، فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث.
ثم قال الحارث: لابد لي من أطلع أبا عبد الله سلمان إلى المدائن، فانطلق الحارث حتى قدم على سلمان في المدائن، فوجده في مدبغة له يعرك الأهب بكفيه. فلما أن سلم عليه قال: مكانك حتى أخرج إليك. قال الحارث: والله ما أراك تعرفني يا عبد الله. قال: بلى، قد عرفت روحي روحك قبل أن أعرفك، فإن الأرواح عند الله جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما كان في غير الله اختلف. فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث ثم رجع إلى الشام.
فأولئك الذين كانوا يتعارفون في الله ويتزاورون فيه، اللهم اجعلنا منهم برحمتك.
مات الحارث بن عميرة زمن يزيد بن معاوية.
الحارث بن عمير الأزدي
له صحبة. بعثه النبي ﷺ رسولاً إلى صاحب بصرى، فقتل بمؤتة، فوجه النبي ﷺ إلى أهل مؤتة جيشاً.
قال عمرو بن الحكم: بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي ثم أحد بني لهب، إلى ملك بصرى بكتاب. فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال الشام. قال: لعلك من رسل محمد! قال: نعم، أنا رسول رسول الله ﷺ . فأمر به فأوثق رباطاً، ثم قدمه فضرب عنقه صبراً، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره.
فبلغ رسول الله ﷺ الخبر فاشتد عليه وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجرف. وكان ذلك سبب خروجهم إلى غزوة مؤتة. ومؤتة بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق.
стр. 2006
الحارث بن عمير أبو الجودي
الأسدي الشامي سكن واسط.
حدث أبو الجودي بواسط أيام الحجاج عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي ﷺ أن أنظر من هو أسفل مني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحب المساكين، وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي وإن قطعوني وجفوني، وأن أقول الحق وإن كان مراً، وألا أخاف في الله لومة لائم، وألا أسأل أحداً شيئاً، وأن أستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنز الجنة.
روى أبو الجودي عن بلج، عن أبي شيبة المهري قال: قلنا لثوبان: حدثنا عن رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ قاء فأفطر.
حدث أبو الجودي الأسدي قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: نعم الذخيرة للمرء المسلم عند الله يوم القيامة اصطناع المعروف. قال: فقال لي عمر: يا أبا الجودي اغتنم الدمعة تسبلها على خدك لله .
الحارث بن محمد بن الحارث بن خسرو
أبو الليث الهروي الصياد العابد حدث أبو الليث بدمشق عن عمرو بن عثمان بسنده عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي أبو القاسم ألا أترك صلاة الضحى في حضر ولا سفر، ولا أنام إلا على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وحدث أبو الليث عن يحيى بن عثمان بسنده عن بهز قال: كان النبي ﷺ يستاك عرضا، ويشرب مصاً، ويتنفس ثلاثاً. ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ.
стр. 2007
الحارث بن مخمر أبو حبيب الظهري الحمصي
قاضي عمان وحمص. وولي قضاء دمشق للوليد بن يزيد.
حدث أبو حبيب عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ما من مؤمن يصيبه صداع في رأسه، أو شوكة فتؤذيه، أو ما سوى ذلك من الأذى، إلا رفع الله له.
وفي رواية: إلا رفعه الله بها يوم القيامة درجة، وكفر عنه بها خطيئة.
وحدث الحارث عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينتقص.
قال صفوان بن عمرو: كتب عبد الملك بن مروان إلى أبي حبيب قاضي حمص يسأله: كم عقوبة اللوطي؟ فكتب إليه: أن يرمى بالحجارة، كما رجم قوم لوط. قال الله تعالى: " وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ". فقبل عبد الملك ذلك منه، وحسنه من رأيه.
هو أبو حبيب بالحاء المهملة. والظهري: قبيلة من حمير. توفي في أيام يزيد بن الوليد.
стр. 2008
الحارث بن مسلم بن الحارث
ويقال مسلم بن الحارث وهو الصحيح حدث الحارث بن مسلم التميمي عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فلما هجمنا على القوم تقدمت أصحابي على فرس، فاستقبلنا النساء والصبيان يعجون، فقلنا لهم: تريدون أن تحرزوا منهم؟ قالوا: نعم. قلت: قولوا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فقالوها، فجاء أصحابي فلاموني وقالوا: أشرفنا على الغنيمة فمنعتنا! ثم انصرفنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه بالذي صنعت. فقال: أتدرون ما صنع! لقد كتب الله له بكل إنسان كذا وكذا من الأجر. ثم أدناني منه فقال: إذا صليت صلاة الغداة فقل قبل أن تكلم: اللهم أجرني من النار، سبع مرات، فإنك إن مت من يومك ذاك كتب لك جوار من النار. فإذا صليت المغرب قبل أن تكلم أحداً، فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك تلك، كتب الله تعالى لك بها جوازاً من النار.
وفي حديث آخر ثم قال: أكتب لك كتاباً أوصي به أئمة المسلمين بعدي. قال: فكتب لي كتاباً، وختمه. فلما قبض النبي ﷺ أتيت أبا بكر بالكتاب، ففضه وأعطاني شيئاً ثم ختمه. فلما قبض أبو بكر أتيت عمر بن الخطاب بالكتاب، ففضه وأعطاني شيئاً ثم خنمه. فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب، ففضه فقرأه فأعطاني شيئاً ثم ختمه. فلما استخلف عمر بن عبد العزيز بعث إلى الحارث بن مسلم فأتاه، فأعطاه شيئاً وقال: لو أردت لوصلت إليك، ولكنني أردت أن تحدثني بحديثك عن أبيك عن النبي ﷺ ، فحدثه به.
سئل أبو زرعة عن مسلم بن الحارث أو الحارث بن مسلم؟ فقال: الصحيح: الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه.
توفي الحارث بن مسلم في خلافة عثمان بن عفان. فالوافد إذاً على عمر بن عبد العزيز مسلم بن الحارث.
стр. 2009
الحارث بن معاوية الكندي الأعرج
أي بلال بن رباح بدمشق وروى عن عمر بن الخطاب.
حدث الحارث بن معاوية أنه قدم على عمر بن الخطاب فقال: إني قدمت أسألك عن الوتر في أول الليل أو في وسطه أو في آخره؟ فقال عمر: كل ذلك قد عمل به رسول الله ﷺ .
حدث الحارث الكندي، أنه ركب إلى عمر بن الخطاب فسأله عن ثلاث خلال قال: فقدم المدينة فسأله عمر: ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث. قال: وما هن؟ قال: ربما كنت أنا والمرأة في بناء ضيق، فتحضر الصلاة، فإن صليت أنا وهي كانت بحذائي، وإن صلت خلفي خرجت من البناء. فقال عمر: تستر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي بحذائك. فقال عمر: تستر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي بحذائك إن شئت. وعن الركعتين بعد العصر. فقال: نهاني عنهما رسول الله ﷺ . وعن القصص فإنهم أرادوني على القصص فقال: ما شئت. كأنه كره أن يمنعه. قال: إنما أردت أن أنتهي إلى قولك. قال: أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك.
حدث الحارث بن معاوية الكندي قال: كنت أتوضأ أنا وأبو جندل بن سهيل على المطهرة فذكرنا نزع الخفين، ومر بنا بلال مؤذن رسول الله ﷺ فقلنا: يا أبا عبد الرحمن، كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في نزع الخفين؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " امسحوا على الموق والخمار "، فرد أبو جندل عقبه في الخف، بعد أن كان أخرجه. وذكر مكحول أن المطهرة عند الجب في مسجد دمشق.
وحدث الحارث عن بلال قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تمسحوا على الأمواق والنصف ". والنصيف: الخمار.
стр. 2010
وحدث الحارث عن بلال قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والعمامة.
وفي حديث آخر فقال بلال: كان رسول الله ﷺ يمسح على الخفين والخمار.
قدم الحارث بن معاوية على عمر بن الخطاب فقال له: كيف تركت أهل الشام؟ فأخبره عن حالهم، فحمد الله ثم قال: لعلكم تجالسون أهل الشرك. فقال: لا يا أمير المؤمنين. قال: إنكم إن جالستموهم أكلتم وشربتم معهم، ولن تزالوا بخير ما لم تفعلوا ذلك.
قال مسلم بن مشكم: قال الحارث بن معاوية الكندي: إن شئتم لأحلفن لكم أن أبا الدرداء لم يحمله شغل أن يؤخر الصلاة.
الحارث بن أبي وجرة
واسم أبي وجرة تميم بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي قدم الشام مع عمر بن الخطاب، وشهد خطبته بالجابية. ووجرة بالجيم والراء.
حدث إسماعيل بن عبيد الله قال: لما سار عمر إلى الشام قال: لأعرفن ما مدحتم خالد بن الوليد، فإنه رجل يهتز عند المدح، وأنت يا بن أبي وجرة فلأعرفن ما مدحته. قال: فلما قدموا الشام أقبل ابن أبي وجرة وعمر في مجلسه، وعنده خالد بن الوليد متقنع بردائه، فسلم ابن أبي وجرة وقال: أفيكم خالد بن الوليد هو والله ما علمت أجملكم وجهاً، وأجرأكم مقدماً، وأبذلكم يداً، فلما انصرف خالد بن الوليد بعث إلى ابن أبي وجرة بمئة دينار وراحلة. فلما انصرف عمر قال: يابن أبي وجرة ألم أنهك عن مدح خالد بن الوليد! قال ابن أبي وجرة: من أعطانا منكم مدحناه، ومن منعنا سببناه سباب العبد سيده. قال: وكيف يسب العبد سيده؟ قال: حيث لا يسمع. فضحك عمر.
وقيل: إن المادح لخالد هو أبو وجرة. وسيذكر في موضعه.
وعاش أبو وجرة ثمانين ومئتي سنة، حتى أقعد عن رجليه.
стр. 2011
الحارث بن وداعة الحميري
ممن شهد صفين مع معاوية، وبارز علي بن أبي طالب ﵇ فقتله علي يومئذ.
روى مجالد عن عامر الشعبي قال: سئل عن أهل الجمل وأهل صفين فقال: أهل الجنة لقي بعضهم بعضاً، فاستحيوا أن يفر بعضهم من بعض.
الحارث بن هانئ بن مدلج
ابن المقداد بن زمل بن عمرو العذري حدث أبو الحارث محمد بن الحارث بن هانئ بن الحارث بن هانئ بن مدلج بن المقداد بن زمل بن عمرو العذري قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبيه عن جده عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة صنم يقال له: حمام، وكانوا يعظمونه، وكان في بني هند بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة، وكان سادنه رجل يقال له طارق، وكان يعترون عنده فلما ظهر النبي ﷺ سمعنا صوتاً: يا بني هند بن حرام، ظهر الحق وأودى حمام، ودفع الشرك الإسلام قال: ففزعنا لذلك وهالنا، فمكثنا أياماً، ثم سمعنا صوتاً وهو يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، قال زمل: فوقع الصنم لوجهه. قال زمل: فاتبعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي ﷺ مع نفر من قومي، وأنشدته شعراً قلته:
إليك رسول الله أعملت نصها ... أكلفها حزناً وفوراً من الرمل
لأنصر خير الناس نصراً مؤزراً ... وأعقد حبلاً من حبالك في حبلي
وأشهد أن الله لا شيء غيره ... أدين له ما أثقلت قدمي نعلي
стр. 2012
قال: فأسلمت وبايعته وأخبرناه بما سمعنا فقال: ذلك من كلام الجن ثم قال: يا معشر العرب، إني رسول الله إلى الأنام كافة، أدعوهم إلى عبادة الله وحده، وأني رسوله وعبده، وأن يحجوا البيت، ويصوموا شهراً من اثني عشر شهراً، وهو شهر رمضان، فمن أجابني فله الجنة نزلاً وثواباً، ومن عصاني فله النار منقلباً. قال: فأسلمنا وعقد لنا لواء وكتب لنا كتاباً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة، إني بعثته إلى قومه عامة، فمن أسلم ففي حزب الله ورسوله، ومن أبى فله أمان شهرين. شهد علي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلمة الأنصاري.
قال: غريب جداً.
الحارث بن هشام بن المغيرة
ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عبد الرحمن المخزومي له صحبة. أسلم يوم الفتح، ثم حسن إسلامه. وخرج إلى الشام مجاهداً وحبس نفسه في الجهاد. ولم يزل بالشام إلى أن قتل باليرموك. ويقال: مات بطاعون عمواس.
حدث عبد الرحمن بن سعد المقعد عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. قال: املك عليك هذا. وأشار إلى لسانه. قال عبد الرحمن: فرأيت ذلك يسيراً، وكنت قليل الكلام، فلم أفطن له، وإذا ليس شيء أشد منه.
حدث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته، وهو واقف على راحلته، وهو يقول: " والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ". قال: فقلت ولم أبين: يا ليتنا لم نفعل فارجع إليها، فإنها منبتك ومولدك. فقال رسول الله ﷺ : " إني سألت ربي فقلت: اللهم إنك أخرجتني من أحب أرضك إلي، فأنزلني أحب أرضك إليك، فأنزلني المدينة ".
стр. 2013
وشهد الحارث بن هشام بدراً مع المشركين، وكان فيمن انهزم فعيره حسان بن ثابت فقال:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
فقال الحارث يعتذر من فراره يومئذ:
القوم اعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبد
فعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل، ولا ينكي عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد
ثم غزا أحداً مع المشركين، ولم يزل متمسكاً بالشرك حتى أسلم يوم فتح مكة.
روى سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد:
" اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث، اللهم العن صفوان بن أمية ". فنزلت: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " فتاب عليهم وأسلموا وحسن إسلامهم.
وعن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله ﷺ بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف، وإلى أبي سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام قال عمر: فقلت قد أمكن الله منهم، أعرفهم ما صنعوا، حتى قال رسول الله ﷺ : " مثلي ومثلكم كما قال يوسف لأخوته: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " قال عمر: فانتضحت حياء من رسول الله ﷺ ، كراهية أن يكون قد بدر مني شيء، وقال لهم رسول الله ﷺ ما قال.
стр. 2014
قال عبد الله بن عكرمة: لما كان يوم الفتح دخل الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة على أم هانئ بنت أبي طالب فاستجارا بها، وقالا: نحن في جوارك. فأجارتهما فدخل علي بن أبي طالب فنظر إليهما، فشهر عليهما السيف. قالت: فألقيت عليهما واعتنقته وقلت: تصنع هذا بي من بين الناس! لتبدأن بي قبلهما. قال: تجيرين المشركين! فخرج ولم يكد، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ما لقيت من ابن أمي علي، ما كدت أفلت منه، أجرت حموين لي من المشركين، فتفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله ﷺ : " ما كان ذلك له، قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت ". فرجعت إليهما فأخبرتهما، فانصرفا إلى منزلهما. فقيل لرسول الله ﷺ : الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة جالسان في ناديهما يتفضلان في الملاء المزعفر. فقال رسول الله ﷺ : " لا سبيل إليهما قد أمناهما " قال الحارث بن هشام: وجعلت أستحيي أن تركت رسول الله ﷺ وأذكر رؤيته إياي في كل موطن موضعاً مع المشركين، بما ذكر بره ورحمته وصلته، فألقاه وهو داخل المسجد فيلقاني بالبشر، ووقف حتى جئته وسلمت عليه وشهدت شهادة الحق. فقال: الحمد لله الذي هداك، م كان مثلك يجهل الإسلام. قال الحارث بن هشام: فوالله ما رأيت مثل الإسلام جهل.
وشهد الحارث بن هشام مع سيدنا رسول الله ﷺ حنيناً، وأعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حنين مائة من الإبل، ولم يزل الحارث بن هشام مقيماً بمكة بعد أن أسلم، حتى توفي رسول الله ﷺ وهو غير مغموص عليه في إسلامه، فلما جاء كتاب أبي بكر الصديق ﵁ يستنفر المسلمين إلى غزوة الروم، قدم الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو على أبي بكر الصديق ﵁ المدينة، فأتاهم في منازلهم فرحب بهم وسلم عليهم وسر بمكانهم، ثم خرجوا مع المسلمين غزاة إلى الشام. فشهد الحارث بن هشام فحل وأجنادين، ومات بالشام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، فتزوج عمر بن الخطاب ابنته أم حكيم بنت الحارث، وهي أخت عبد الرحمن بن الحارث. فكان عبد الرحمن بن الحارث يقول: ما رأيت ربيباً خيراً من عمر بن الخطاب.
стр. 2015
وقيل: إن الحارث بن هشام استشهد يوم اليرموك، وقيل: إنه كان عمي قبل وفاته.
ولما خرج الحارث بن هشام من مكة جزع أهل مكة جزعاً شديداً، فلم يبق أحد يطعم إلا خرج يشيعه، حتى إذا كان بأعلى البطحاء، أو حيث شاء الله من ذلك وقف، ووقف الناس حوله يبكون، ولما رأى جزع الناس قال: يا أيها الناس إني والله ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيار بلد عن بلدكم، ولكن كان هذا الأمر فخرجت فيه رجال من قريش، والله ما كانوا من ذوي أنسابها ولا في بيوتاتها، فأصبحنا والله لو أن جبال مكة ذهباً فأنفقناها في سبيل الله ما أدركنا يوماً من أيامهم، والله لئن فاتونا به في الدنيا لنلنمسن أن نشاركهم في الآخرة فاتقى الله امرؤ. فتوجه غازياً إلى الشام، واتبعه ثقله فأصيب شهيداً.
قال معمر بن المثنى: نزل هشام بن المغيرة بحران، وبها أسماء بنت مخربة النهشلي، نهشل بن دارم، قد هلك عنها زوج لها، وكانت امرأة لبيبة عاقلة ذات جمال. فقيل له: يا أبا عثمان، إن هاهنا امرأة من قومك، وأثنوا عليها، فأتاها فلما رآها رغب فيها، فقال: هل لك أن أتزوجك، وأنقلك إلى مكة؟ قالت: ومن أنت؟ قال: أنا هشام بن المغيرة. قالت: فإني لا أعرفك، ولكني أنكحك نفسي، وتحملني إلى مكة، فإن كنت هشاماً فأنا امرأتك. فعجب من عقلها، وازداد رغبة فيها، فحملها فلما قدمت مكة أعلمت أنه هو هشام، فنكحها فولدت له عمراً، الذي كناه رسول الله ﷺ أبا جهل، والحارث بن هشام، ثم فارقها فخلف عليها أخوه أبو ربيعة بن المغيرة.
قال إسحاق بن بشر: ثم إن عمر قسم الأموال بين الناس، فآثر أهل بدر على غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان آثر الناس عنده في القسم بعد أهل بدر أزواج النبي ﷺ ، ثم من قتل أبوه مع رسول الله ﷺ شهيداً، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، وكان ذلك القسم أول فيء قدم على عمر. فلما بلغ القسم سهيل بن عمرو والحارث هشام بن المغيرة ولم يبلغ بهما عمر في القسم ما بلغ بأصحاب رسول الله ﷺ فقالا: يا عمر لا تؤثرن علينا أحدا، فإنا قد آمنا بالله ورسوله
стр. 2016
وشهدنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فقال لهما عمر: إني لم أوثر عليكما من آثرت من أصحاب رسول الله ﷺ ، إلا أنهم سبقوكم بالهجرة ولو كنتما من المهاجرين الأولين لم أوثر عليكما أحدا قال: وإن كنا سبقنا بالهجرة فإنا لم نسبق بالجهاد في سبيل الله .
قال: ثم تكلم الحارث بن هشام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم صلى على النبي ﷺ ، ثم قال: يا أمير المؤمنين، حق على كل مسلم النصيحة لك والاجتهاد في أداء حقك، لما أفضى إليك من أمر هذه الأمة التي وليت، فعليك بتقوى الله في أمرك كله سره وعلانيته، والاعتصام بما تعرف من أمر الله الذي شرع لك وهداك له، فإن كل راع مسؤول عن رعيته، وكل مؤتمن مسؤول عن أمانته، والحاكم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه، فتسأل الله لمن ولك التقوى وللعامة، وتمام النعمة في الدنيا والآخرة، ونستودعك الله. فقال عمر: هداك الله وأعانك وصحبك، عليكما بتقوى الله في أمركما كله، ف " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ". فأمر عمر لكل واحد منهم بأربعة آلاف عونا على جهازهما. فخرجا إلى الشام فلم ير إلا مجاهدين، فقتل الحارث بن هشام يوم اليرموك شهيدا، وتوفي سهيل بن عمرو في طاعون عمواس من أرض فلسطين.
حدث حبيب بن أبي ثابت: أن الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة ارتثوا يوم اليرموك، فدعا الحارث بماء ليشربه، فنظر غليه عكرمة فقال الحارث: ادفعوه إلى عكرمة، فنظر إليه عياش بن أبي ربيعة فقال عكرمة: ادفعوه إلى عياش، فما وصل إلى عياش ولا إلى أحد منهم حتى ماتوا وما ذاقوه.
وروى جماعة من أهل العلم والسيرة: أن عكرمة بن أبي جهل قتل يوم أجنادين، شهيداً في خلافة أبي بكر الصديق والاختلاف بينهم في ذلك. وأما عياش بن أبي ربيعة فمات بمكة، وأما الحارث بن هشام فمات بالشام في طاعون عمواس، سنة ثمان عشرة، وقيل: إن الحارث بن هشام استشهد في
стр. 2017
أجنادين ومرج الصفر، سنة ثلاث عشرة، وقيل: إنه بقي إلى زمن عثمان.
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن، أن الحارث بن هشام كاتب عبداً له، في كل أجل شيء مسمى. فلما فرغ من كتابته أتاه العبد بماله كله، فأبى الحارث أن يأخذه وقال: لي شرطي ثم إنه رفع ذلك إلى عثمان بن عفان ﵇ فقال عثمان: هلم المال اجعله في بيت المال، ونعطيه في كل أجل ما يحل، وأعتق العبد قال أبو موسى: هذا قول مالك وأهل المدينة.
الحارث بن يمجد الأشعري القاضي
ولي القضاء بدمشق في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك. يمجد أوله ياء مضمومة والميم ساكنة وبعدها جيم مكسورة ودال.
حدث الحارث بن يمجد عن عبد الله بن عمرو قال:
الناس في الغزو جزآن، فجزء خرجوا يكثرون ذكر الله والتذكر به، ويجتنبون الفساد في المسير، ويواسون الصاحب، وينفقون كرام أموالهم؛ فهم أشد اغتباطاً بما أنفقوا من أموالهم منهم بما استفادوا من دنياهم. فإذا كانوا في مواطن القتال استحيوا من الله في تلك المواطن أن يطلع على ريبة في قلوبهم، أو خذلان للمسلمين. فإذا وردوا على الغلول طهروا منه قلوبهم وأعمالهم، فلم يستطع الشيطان أن يفتنهم ولا يكلم قلوبهم. فبهم يعز الله دينه ويكيد عدوه. وأما الجزء الآخر، فخرجوا فلم يكثروا ذكر الله ولا التذكر به، ولم يجتنبوا الفساد، ولم ينفقوا أموالهم إلا وهم كارهون، وما أنفقوا من أموالهم رأوه مغرماً، وحدثهم به الشيطان. فإذا كانوا عند مواطن القتال كانوا مع الآخر الآخر، والخاذل الخاذل، واعتصموا برؤوس الجبال ينظرون ما يصنع الناس، فإذا فتح الله
стр. 2018
عز وجل للمسلمين كانوا أشدهم تخاطباً بالكذب، فإذا قدروا على الغلول اجترؤوا فيه على الله ، وحدثهم الشيطان أنها غنيمة، إن أصابهم رخاء بطروا، وإن أصابهم خدش فتنهم الشيطان بالعرض. فليس لهم من أجر المؤمنين شيء غير أن أجسادهم مع أجسادهم ومسيرهم مع مسيرهم، دنياهم وأعمالهم شتى حتى يجمعهم الله يوم القيامة، ثم يفرق بينهم.
قال عبد الحكيم بن سليمان بن أبي غيلان: بعث عمرو بن عبد العزيز يزيد بن أبي مالك الدمشقي والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس في البدو، وأجرى عليهما رزقا، فأما يزيد فقبل، وأما الحارث فأبى أن يقبل، فكتب إلى عمرو بن عبد العزيز بذلك، فكتب عمر: إنا لا نعلم بما صنع يزيد بأساً، وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد.
حازم بن مالك بن بسطام الدمشقي
حدث حازم عن عبد العزيز بن الحصين قال: بلغني أن عيسى بن مريم قال: من كثر كذبه ذهب جماله، ومن لاحى الرجال سقطت كرامته، ومن كثر همه سقط جسده، ومن ساء خلقه عذب نفسه.
حامد بن أحمد بن محمد بن أحمد
أبو أحمد المروزي ويعرف بالزيدي الحافظ عرف بذلك لأنه كان يجمع حديث زيد بن أبي أنيسة.
حدث عن محمد بن عمران بن موسى بسنده عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: الوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة.
стр. 2019
وحدث عن أبي العباس محمد بن نصر بسنده عن انس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى يقول كل يوم: أنا ربكم العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز.
توفي أبو احمد اليزيدي الحافظ سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وقيل: كان مولده سنة اثنتين وثمانين.
حامد بن سهل بن الحارث أبو محمد البخاري
سمع بدمشق وغيرها.
حدث حامد بن سهل الثغري عن هشام بن عمار بسنده عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً فقال النبي ﷺ : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم ذكر الحديث بطوله.
توفي حامد بن سهل سنة سبع وتسعين ومائتين.
حامد بن محمد بن حامد بن بحر
أبو العباس النسوي سكن دمشق وحدث بها.
حدث عن أبي نصر أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن الليث الخطيب بشيراز بسنده عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: من يتواضع لله تعالى درجة يرفعه الله تعالى درجة، ومن يتكبر على الله تعالى درجة يضعه الله تعالى درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين.
وحدث أبو العباس النسوي عن أبي نصر الواعظ بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " رضى الله في رضى الوالد، وسخط الله في سخط الوالد ".
стр. 2020
توفي أبو العباس حامد النسوي في ربيع الأول سنة أربع وستين وأربع مائة، ودفن بباب الصغير.
حامد بن يوسف بن الحسين
أبو احمد التغلبي قدم دمشق زائراً لبيت المقدس، وحدث بدمشق وحلب سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة.
روى عن أبي حكيم عبد الله بن إبراهيم الفرضي بسنده عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أحب فلاناً في الله قال: فأخبرته؟ قال: لا. قال: قم فأخبره. قال: فلقيه فقال: إني أحبك في الله يا فلان. فقال له: أحبك الذي أحببتني له.
حبان بن موسى بن حبان بن موسى
أبو محمد الكلابي
حدث عن زكريا بن يحيى السجزي بسنده عن سعد: أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين.
حبان بكسر الحاء، الدمشقي، متأخر. توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة في ربيع الأول.
стр. 2021
حبيب بن أوس بن الحارث
ابن الأشج بن يحيى بن مزينا بن سهم بن خلجان الكاتب بن مروان، بن رفافة بن موسى بن سعد بن كاهل بن عامر - ويقال: ابن عمرو - ابن عدي بن عمرو بن طيء، أبو تمام الطائي الشاعر من أهل قرية جاسم من حوران. وكان أبوه أوس نصرانياً. مدح الخلفاء والأمراء فأحسن، وحدث عن جماعة، وكان أسمر طويلا فصيحاً حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة. ولد سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل: سنة تسعين ومائة.
حدث عن صهيب بن أبي الصهباء الشاعر، عن الفرزدق همام بن غالب الشاعر، عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الشاعر، عن حسان بن ثابت الشاعر قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا حسان، اهجهم وجبريل معك. وقال: إن من الشعر حكمة. وقال: إذا حارب أصحابي بالسلاح، فحارب أنت باللسان.
قال أبو بكر الخطيب: حبيب بن أوس شامي الأصل، كان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء وأخذ منهم، وكان فطناً فهماً، وكان يحب الشعر، فلم يزل يعاينه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه، وهو بسر من رأى، فعمل أبو تمام فيه قصائد عدة، وأجازه المعتصم وقدمه على شعراء وقته، وقدم بغداد فجالس بها الأدباء وعاشر العلماء، وكان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس.
قال يحيى بن صالح أبو الوليد: رأيت أبا تمام الطائي بدمشق غلاماً يعمل مع قزاز، وكان أبوه خماراً بها، وقيل إن أبا تمام هو حبيب بن تدوس النصراني، فغير فصير أوساً.
стр. 2022
قال علي بن الجهم: كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة، يتناشدون الشعر، يعرض كل واحد منهم على صاحبه ما أحدث بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها، فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع ودعبل وأبو الشيص وابن أبي فنن مجتمعون، والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضاً، أبصرت شاباً في أخريات الناس جالساً في زي الأعراب وهيئتهم، فلما قطعنا الإنشاد قال لنا: قد سمعت إنشادكم منذ اليوم فاسمعوا إنشادي. قلنا: هات، فأنشدنا:
فحواك عين على نجواك يا مذل ... حتام لا يتقضى قولك الخطل
فإن أسمج من تشكو إليه هوى ... كمن كان أحسن شيء عنده العذل
ما أقبلت أوجه اللذات سافرة ... مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول
إن شئت ألا ترى صبراً لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل
ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره، ثم مر فيها إلى آخرها فقلنا: زدنا، فأنشدنا بمدح المأمون:
دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام
فأنشدها إلى آخرها، فاستزدناه، فأنشدنا:
قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي
إلى آخرها. فقلنا له: لمن هذا الشعر؟ قال: لمن أنشدكموه. قلنا: ومن تكون؟ قال: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي. فقال له أبو الشيص: تزعم أن هذا الشعر لك وتقول:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
قال: نعم، لأني سهرت في مدح ملك، ولم أسهر في مدح سوقة، فرفعناه حتى
стр. 2023
صار معنا في موضعنا، ولم نزل نتهاداه بيننا، وجعلناه كأحدنا، واشتد إعجابنا به لدماثته وظرفه وكرمه وحسن طبعه وجودة شعره، وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه، ثم تراقت حاله حتى كان من أمره ما كان.
قال الحسين بن إسحاق: قلت للبحتري: الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام. قال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكني والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: حدثت إبراهيم بن المدبر - ورأيته يستجيد شعر أبي تمام ولا يوفيه حقه - بحديث حدثنيه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي وجعلته مثلاً له، قال: بعثني أبي إلى ابن الأعرابي لأقرأ عليه أشعاراً، وكنت معجباً بشعر أبي تمام، فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثم قرأت عليه أرجوزة أبي تمام على أنها لبعض شعراء هذيل:
وعاذل عذلته في عذله ... فظن أني جاهل لجهله
حتى أتممتها فقال: اكتب لي هذه: فكتبتها له ثم قلت له: أحسنة هي؟ قال: ما سمعت بأحسن منها. قلت: إنها لأبي تمام. قال: خرق خرق.
قال ابن المعتز: وهذا الفعل من العلماء مفرط القبح، لأنه يجب ألا يدفع إحسان محسن عدواً كان أو صديقاً، وأن تؤخذ الفائدة من الرفيع والوضيع، فإنه يروى عن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قال: الحكمة ضالة المؤمن، فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك. ويروى عن بزرجمهر قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى انتهيت إلى الكلب والهر والخنزير والغراب. فقيل له: وما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله وذبه عن حريمه، قيل: فمن الهر؟ قال: حسن مرفقها عند المسألة ولين صياحها. قيل له: فمن الخنزير؟
стр. 2024
قال: بكوره في إرادته. قيل له: فمن الغراب؟ قال: شدة حذره.
قدم عمارة بن عقيل إلى بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طراً، ويزعم غيرهم أنه ضد ذلك. فقال: أنشدوني، فأنشدوه:
غدت تستجير الدمع خوف نوى عد ... وعاد قتاداً عندها كل مرقد
وأنقذها من عمرة الموت أنه ... صدود فراق لا صدود تعمد
فأجرى لها الإشفاق دمعاً مورداً ... من الدم يجري فوق خد مورد
هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد
ثم قطع المنشد. فقال له عمارة: زدنا من هذا. فوصل نشيده وقال:
ولكنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبدد
ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشرد
فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم في هذا المعنى جميع من سبقه، على كثرة القول فيه حتى تحبب الاغتراب، هيه، فأنشده:
وطول مقام المرء بالحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
فقال عمارة: كمل، والله إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني واطراد المراد، واستواء الكلام فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري.
قال موسى بن حماد: سمعت علي بن الجهم وقد ذكر دعبلاً فكفره ولعنه، وقال: كان قد أغري بالطعن على أبي تمام، وهو خير منه ديناً وشعراً، فقال له رجل: لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على كثرة وصفك له، فقال: إلا يكن أخاً بالنسب، فإنه أخ بالأدب والدين والمروءة، أو ما سمعت قوله في طيئ:
стр. 2025
إن يكد مطرف الإخاء فأننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه فقام الوالد
ومن شعر أبي تمام حبيب:
رددت إفرند وجهي في صفحتيه ... رد الصقال بماء الصارم الخذم
وما أبالي وحر القول أصدقه ... حقنت من ماء وجهي أو حقنت دمي
ولد أبو تمام سنة ثمان وثمانين ومئة، ومات سنة إحدى وثلاثين ومئتين ودفن بالموصل، وقيل: ولد سنة تسعين ومئة، ومات سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وقيل: مات سنة ثمان وعشرين ومئتين بسر من رأى.
وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه، وهو حينئذ وزير:
نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لما ألم مقلقل الأحشاء
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم ... ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
وقال الحسن بن وهب يرثيه:
فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معاً فتجاورا في حفرة ... وكذلك كانا قبل في الأحياء
حبيب بن أبي حبيب من أهل دمشق
حدث عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: وبلغها أن ابن عمر يحدث عن أبيه: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: يرحم الله ابن عمر وعمر، والله ما هما بكاذبين ولا متزايدين، ولكنهما وهما، إنما مر
стр. 2026
النبي ﷺ على رجل من اليهود وهم يبكون على قبره، فقال: إنهم ليبكون عليه، وإن الله يعذبه في قبره.
وحدث حبيب بن أبي حبيب الدمشقي عن يزيد الخراساني قال: بينما أنا ومكحول، إذ قال مكحول: يا وهب بن منبه، ما شيء بلغني عنك في القدر؟ قال: والذي اكرم محمداً بالنبوة، لقد اقترأت من الله اثنين وسبعين كتاباً منه ما يسر وما يعلن، ما فيه كتاب إلا وجدت فيه: من أضاف إلى نفسه شيئاً من قدر الله فهو كافر بالله. قال مكحول: الله اكبر.
حبيب بن الشهيد
أبو مرزوق التجيبي ثم القتيري المصري حدث عن فضالة بن عبيد: أن النبي ﷺ دعا ذات يوم بشربة، فقيل: يا رسول الله، عن هذا يوم كنت تصومه. فقال: أجل، ولكن قئت فأفطرت.
وحدث أبو مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعاني قال: غزونا مر رويفع الأنصاري فافتتحنا قرية يقال لها جربة، فقام خطيباً فقال: إني لا أقول إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم خيبر، قام فينا رسول الله ﷺ فقال: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره يعني إتيان الحبالى من الفيء ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي ثيباً حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يبيع مغنماً حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوباً من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه.
стр. 2027
وحدث محمد بن القاسم المرادي عن أبي مرزوق حبيب بن الشهيد أنه قال لامرأته: لست مني بسبيل البتة. فاختلف عليه العلماء في ذلك، فركب إلى عمر بن عبد العزيز فدينه في ذلك.
قال فتيان بن أبي السمح: كان أبو مرزوق حبيب مولى عقبة بن بحرة يفتي أهل أنطابلس وهي برقة، كما يفتي يزيد بن أبي حبيب بمصر.
قال ابن الوزير: توفي أبو مرزوق سنة تسع ومئة، وله وفادة على عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً، وكان ينزل أطرابلس المغرب.
حبيب بن عبد الرحمن بن سلمان
ابن أبي الأعيس الخولاني حدث عن أبيه أبي الأعيس قال: الجن والإنس عشرة أجزاء، فالإنس من ذلك جزء، والجن تسعة أجزاء.
حبيب بن عبد الملك بن حبيب
والد الحسن بن حبيب قال حبيب بن عبد الملك: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: كان أبو سليمان زميلي إلى مكة، فذهبت منا الإداوة في طريق مكة، فقلت له: ذهبت الإداوة، فأخرج يده من الخربست، ثم قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، يا هادي كل ضال ويا راد الضلال، رد علينا ضالتنا، وصل على محمد وعلى آل محمد. فما
стр. 2028
أدخل يده إلى الخربست إذا إنسان يصيح: يا صاحب الإداوة. فقال لي: خذها يا أحمد، إذا سألت الله حاجة فابدأ بالصلاة على النبي ﷺ ، وسل حاجتك، ثم اختم بالصلاة على النبي ﷺ ، فإنهما دعوتان لا يردهما، ولم يكن ليرد ما بينهما.
حبيب بن قليع
ويقال عمر بن حبيب بن قليع المدني حدث عبد الله بن جعفر عن حبيب بن قليع قال: ضقت بالمدينة ضيقاً شديداً، فكنت أخرج من منزلي بسحر، ولا أرجع إلا بعد ليل، من الدين، فجلست مع ابن المسيب يوماً، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد، إني رأيت في النوم كأني أخذت عبد الملك بن مروان فوتدت في ظهره أربعة أوتاد. قال: ما أنت رأيت ذلك، أخبرني من رآها: قال: أرسلني إليك ابن الزبير بهذه الرؤيا، رآها في عبد الملك. قال: إن صدقت رؤياه قتل عبد الملك ابن الزبير، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة.
فركبت إلى عبد الملك فدخلت عليه في الخضراء، فأخبرته الخبر، فسر وسألني عن ابن المسيب وعن حاله، وسألني عن ديني فقلت أربع مئة، فأمر بها لي من ساعته، وأمر لي بمئة دينار، وحماني طعاماً وزيتاً وكساً، فانصرفت بذلك راجعاً إلى المدينة.
وقد روي هذا عن عمر بن حبيب بن قليع.
حبيب بن محمد أبو محمد العجمي
بصري من الزهاد. قدم الشام، وبها لقي الفرزدق.
حدث عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر قال: إن الله يقول: " يا جبريل، انسخ من قلب عبدي المؤمن الحلاوة التي كان يجدها، فيصير العبد المؤمن والهاً، طالباً للذي كان يعهد من نفسه، نزلت به مصيبة لم
стр. 2029
تنزل به مثلها، فإذا نظر الله إليه على تلك الحال قال: يا جبريل ردّ إلى قلب عبدي ما نسخت منه فقد ابتليته فوجدته صادقاً، وسأمدّه من قبلي بزيادة. وإذا كان عبداً كذاباً لم يكترث ولم يبال ".
حدث أبو محمد حبيب، أنه سمع الحسن قال: الأوّاه الذي قلبه معلق عند الله.
قال حبيب أبو محمد: رأيت الفرزدق بالشام فقال: قال لي أبو هريرة: إنه سيأتيك قوم يوئسونك من رحمة الله فلا تيأس.
قال أبو جعفر السائح: كان حبيب تاجراً يعير الدراهم، فمر ذات يوم بصبيان يلصّون، فقال بعضهم: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه وقال: يا رب، أفشيت سرّي إلى الصبيان، فرجع فلبس مدرعة من شعر، وغل يده، ووضع ماله بين يديه، وجعل يقول: يا رب، غني أشتري نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال كله وأخذ في العبادة، فلم ير إلا صائماً أو قائماً أو ذاكراً أو مصلياً، فمر ذات يوم بأولئك الصبيان الذين كانوا عيّروه بأكل الربا، فلما نظروا إلى حبيب قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى وقال: يا رب، أنت تذم مرة وتحمد مرة، فكل من عندك.
وبلغ من فضله أنه كان يقال: إنه مستجاب الدعاء. وأتاه الحسن هارباً من الحجاج فقال الحسن: يا أبا محمد، احفظني من الشرط على إثري، فقال: استحييت لك يا أبا سعيد، ليس بينك وبين ربك من الثقة ما تدعو فيسترك من هؤلاء، ادخل البيت فدخل، ودخل الشرط على إثره فقالوا: يا أبا محمد، دخل الحسن هاهنا؟ قال: هذا بيتي فادخلوا، فدخلوا فلم يروا الحسن في البيت. وذكروا ذلك للحجاج، فقال: بلى، كان في بيته، ولكن الله طمس على أعينكم فلم تروه.
قال عبد الواحد بن زيد: كان في حبيب العجمي خصلتان من خصال الأنبياء: النصيحة والرحمة.
стр. 2030
قال عبد الواحد بن زيد: كنا عند مالك بن دينار ومعنا محمد بن واسع وحبيب أبو محمد، فجاء رجل فكلم مالكاً فأغلظ له في قسمة قسمها، وقال: وضعتها في غير حقها، وتتبعت بها أهل مجلسك ومن يغشاك، لتكثر غاشيتك وتصرف وجوه الناس إليك. قال: فبكى مالك وقال: والله ما أردت هذا. قال: بلى، والله لقد أردته، فجعل مالك يبكي والرجل يغلظ له، فلما كثر ذلك عليهم رفع حبيب يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك، فأرحنا منه كيف شئت. قال: فسقط والله الرجل على وجهه ميتاً فحمل إلى أهله على سرير. وكان يقال: إن أبا محمد مجاب الدعوة.
قال الحسن بن أبي جعفر: مرّ الأمير يوماً، فصاحوا: الطريق. ففرج الناس، وبقيت عجوز كبيرة لا تقدر أن تمشي،، فجاء بعض الجلاوزة فضربها بسوط ضربة. فقال حبيب أبو محمد: اللهم اقطع يده. فما لبثنا إلا ثلاثاً حتى مرّ بالرجل قد أخذ في سرقة، فقطعت يده.
حدث مسلم أن رجلاً أتى حبيباً أبا محمد فقال: إن لي عليك ثلاث مائة درهم. قال: من أين صارت لك عليّ؟ قال: لي عليك ثلاث مائة درهم. قال حبيب: اذهب إلى غد، فلما كان من الليل توضأ وصلى وقال: اللهم إن كان هذا صادقاً فأدّ إليه، وإن كان كاذباً فابتله في يده، قال: فجيء بالرجل من غد قد حمل، وقد ضرب شقّه الفالج فقال: مالك؟ قال أنا الذي جئتك أمس لم يكن لي عليك شيء، وإنما قلت: يستحي من الناس فيعطيني فقال له: تعود؟ قال: لا. قال: اللهم إن كان صادقاً فألبسه العافية. فقام الرجل على الأرض كأن لم يكن به شيء.
قال حبيب: أتانا سائل وقد عجنت عمرة، وذهبت تجيء بنار تخبزه. فقلت للسائل: خذ
стр. 2031
العجين. قال: فاحتمله. فجاءت عمرة فقالت: أين العجين؟ فقلت: ذهبوا يخبزونه. فلما أكثرت عليّ أخبرتها، فقالت: سبحان الله، لا بد لنا من شيء نأكله، قال: فإذا رجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزاً ولحماً. فقالت عمرة: ما أسرع ما ردوه عليك، قد خبزوه وجعلوا معه لحماً.
قال ابن المبارك: كان حبيب العجمي يضع كيسه خالياً، فيجده ملآن.
قال السّري بن يحيى: كان حبيب أبو محمد يرى بالبصرة عشية التروية، ويرى بعرفات عشية عرفات.
قال جعفر بن سليمان: سمعت حبيباً يقول: أتى زوّر لنا وقد طبخنا سمكاً وكنا نريد أن نأكله، فأبطأ الزوّر في القعود، فلما قام قلت لعمرة: هاتي حتى نأكله، قال: فجاءت به فإذا هو دم عبيط، فألقيناه في الحشّ.
قال عبد العزيز بن محمد: مرّ حبيب بمصلوب بالبصرة، فوقف عنده فقال: بأبي ذلك اللسان الذي كنت تقول: لا إله إلا الله، اللهم هب لي دينه. قال: وكان صلب ووجهه إلى الشرق، فأصبحت خشبته قد استدارت إلى القبلة.
قال داود بن رشيد: قيل لحبيب الفارسي في مرضه الذي مات فيه: ما هذا الجزع الذي ما كنا نعرفه منك! فقال: سفري بعيد بلا زاد، وينزل بي في حفرة من الأرض موحشة بلا مؤنس وأقدم على ملك جبار قد قدم إلى العذر.
قال عبد الواحد بن زيد: إن حبيباً أبا محمد جزع جزعاً شديداً عند الموت، فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفراً ما سافرته قط، أريد أن أسلك طريقاً ما سلكته قط، أريد أن أزور سيّدي ومولاي ما رأيته قط، أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قط، أريد أن أدخل تحت التراب، فأبقى إلى يوم القيامة، ثم أوقف بين يدي الله ، فأخاف أن يقول
стр. 2032
لي: يا حبيب، هات تسبيحة واحدة سبحتني في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء. فماذا أقول وليس لي حيلة؟ أقول: يا رب هو ذا، قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي. قال عبد الواحد: هذا عبد الله ستين سنة مشتغلاً به، ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط. فأي شيء يكون حالنا! واغوثاه يا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر
ابن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن أبو عبد الرحمن ويقال أبو مسلمة ويقال أبو سلمة الفهري صحب النبي ﷺ ، وشهد صفين مع معاوية.
قال حبيب بن مسلمة: شهدت رسول الله ﷺ نفل الربع في البداءة، والثلث في الرجعة.
وأنكر بعض العلماء أن يكون حبيب بن مسلمة غزا مع رسول الله ﷺ . ويقولون: إنه كان في غزاة تبوك، وهي آخر غزاة غزاها رسول الله ﷺ ، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وتوفي رسول الله ﷺ وحبيب بن مسلمة ابن اثنتي عشرة سنة.
وعن حبيب بن مسلمة: أنه أتى النبي ﷺ وهو بالمدينة، فأدركه أبوه فقال: يا نبي الله، يدي ورجلي. فقال له النبي ﷺ : ارجع معه فإنه يوشك أن يهلك. قال: فهلك في تلك السنة.
روى عبد الله بن أبي مليكة: أن حبيب بن مسلمة قدم على النبي ﷺ المدينة غازياً، وأن أباه أدركه بالمدينة، فقال مسلمة للنبي ﷺ : يا نبي الله، إني ليس لي ولد غيره، يقوم في مالي وضيعتي وعلى أهل بيتي، وأن النبي ﷺ رده معه. وقال: لعلك أن يخلو لك وجهك في عامك، فارجع يا حبيب مع أبيك. فرجع، فمات مسلمة في ذلك العام، وغزا حبيب فيه.
стр. 2033
وكان يقال له: حبيب الروم لكثرة دخوله عليهم وجهاده لهم، ومات بالشام، ويقال بأرمينية، سنة اثنتين وأربعين، وكان يجول، ونزل بالشام، ولم يزل مع معاوية بن أبي سفيان في حروبه في صفين وغيرها، ووجهه إلى أرمينية والياً عليها، فمات بها سنة اثنتين وأربعين، ولم يبلغ خمسين سنة.
قال مكحول: سألت الفقهاء: هل كانت لحبيب صحبة؟ فلم يثبتوا ذلك. وسألت قومه، فأخبروني أنه قد كانت له صحبة.
حدث سعيد بن عبد العزيز: أن حبيب بن مسلمة كان يلي الصوائف في خلافة عمر بن الخطاب، ويبلغ عمر عنه ما يحب، فلم يكن عمر يثبته معرفة، حتى قدم عليه حبيب في حجة، فسلم عليه، فقال له عمر: إنك لفي قناة رجل، قال: إني والله وفي سنانه. قال عمر: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، قال: ففتحوها له، فعدل عن الأموال وأخذ السلاح.
حدث سعيد بن عبد العزيز: أن حبيب بن مسلمة كان يلي الصوائف في خلافة عمر بن الخطاب، ويبلغ عمر عنه ما يحب، فلم يكن عمر يثبته معرفة، حتى قدم عليه حبيب في حجة، فسلم عليه، فقال له عمر: إنك لفي قناة رجل، قال: إني والله وفي سنانه. قال عمر: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، قال: ففتحوها له، فعدل عن الأموال وأخذ السلاح.
حدث سعيد بن عبد العزيز: أنه بلغ الروم مكان حبيب بن مسلمة والمسلمين بإرمينية الرابعة في ستة آلاف من المسلمين، فوجهوا إليهم موريان الرومي في ثمانين ألفاً، فبلغ ذلك حبيباً، فكتب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى عثمان، فكتب عثمان إلى صاحب الكوفة يمده، فأمده بسلمان الباهلي في ستة آلاف، وأبطأ على حبيب المدد، ودنا منه موريان الرومي، فخرج مغتماً بلقاه ومكيدته، فغشي عسكره وهم يتحدثون على نيرانهم، إذ سمع قائلاً يقول لأصحابه: لو كنت ممن يسمع حبيب مشورته لأشرت عليه بأمر، يجعل الله لنا ولدينه نصراً وفرجاً إن شاء الله، فاستمع حبيب لقوله فقال أصحابه: وما مشورتك؟ قال: كنت مشيراً عليه ينادي في الخيول يتقدمها، ثم يرتحل بعسكره يتبع خيله فتوافيهم الخيل في جوف الليل، وينشب القتال، ويأتيهم حبيب بسواد عسكره مع الفجر، فيظنون أن المدد قد جاءهم فيرعبهم الله، فيهزمهم بالرعب. فانصرف ونادى في الخيول فوجهها في ليلة مقمرة
стр. 2034
مطيرة، فقال: اللهم خل لنا قمرها، واحبس عنا مطرها، واحقن لي دماء أصحابي، واكتبهم عندك شهداء. قال سعيد: فحبس الله عنهم مطرها، وخلى لهم قمرها، ووافقهم من السحر. قال سعيد: وتواعد عتبة بن جحدم والجلندح العبسي حجرة موريان، فشدا ووجدا قتيلين على باب حجرة موريان.
وفي حديث آخر: أن المدد ساروا يريدون غياث حبيب مع سلمان بن ربيعة الباهلي، فلم يبلغوهم حتى لقي حبيب وأصحابه العدو، ففتح الله لهم، فلما قدم سلمان وأصحابه على حبيب، سألوهم أن يشركوهم في الغنيمة، وقالوا: قد أمددناكم، وقال أهل الشام: لم يشهدوا القتال، فليس لكم معنا شيء، فأبى حبيب أن يشركهم، وحوى هو وأصحابه على غنيمتهم، فتنازع أهل الشام وأهل العراق، حتى كاد يكون بينهم في ذلك كون، فقال بعض أهل العراق:
إن تقتلوا سلمان تقتل حبيبكم ... وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل
قال أبو بكر بن أبي فهم: سمعت من يقول: فهي أول عداوة وقعت بين أهل الشام وبين أهل العراق.
وكان حبيب بن مسلمة يستحب إذا لقي عدواً أو ناهض حصناً قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وإنه ناهض يوماً حصناً فانهزم الروم، فقالها المسلمون، فانصدع الحصن.
وعن حبيب بن مسلمة الفهري، وكان مستجاباً أنه أمر على جيش بدرب الدروب. فلما لقي العدو قال للناس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله. ثم إنه حمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: اللهم أحقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء. فبيناهم على ذلك إذ نزل الهنباط، أمير العدو فدخل على حبيب سرادقه.
قال الطبراني: الهنباط بالرومية: صاحب الجيش.
وكان حبيب رجلاً تام البدن.
стр. 2035
قال الأسود بن قيس: لقي الحسن بن علي حبيب بن مسلمة فقال له: يا حبيب، رب مسير لك في غير طاعة الله. فقال: أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك. قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة، فلئن كان قام بك في دنياك، لقد قعد بك في دينك، ولو كنت إذ فعلت سراً قلت خيراً، كان ذلك كما قال الله : " خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً "، ولكنك كما قال الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ".
دخل الضحاك بن قيس على حبيب بن مسلمة في مرضه الذي قبض فيه، فقال: ما كان بدء مرضك؟ قال: دخلت الحمام فأوتيت غفلة، فجعلت على نفسي ألا أخرج منه حتى أذكر الله كذا وكذا مرة، فمرضت.
ومات حبيب هو وعمرو بن العاص في عام واحد، فقال معاوية لامرأته قرظة وغيرها: قد كفاني الله مؤنة رجلين، أما أحدهما فكان يقول الإمرة الإمرة، وأما الآخر فكان يقول السنة السنة يعني حبيب بن سلمة.
حبيب الأعور
مولى عروة بن الزبير الأسدي حدث عن مولاه عروة بن الزبير، عن أبي مراوح الغفاري عن أبي ذر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال إيمان بالله وجهاد في سبيله. قال: فأي العتاقة أفضل قال أنفسها. قال: أفرأيت إن لم أجد؟ قال: فتعين الضائع أو تصنع لأخرق. قال: أفرأيت إن لم أستطع؟ قال: فدع الناس من شرك، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك.
قال حبيب: أراني عروة قاتل عبد الله بن الزبير في عسكر الوليد، قتله واحتز رأسه، فجاء إلى
следующие страницы →