← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

قال سليمان بن علي الربعي: لما كانت فتنة ابن الأشعث، إذ قاتل الحجاج بن يوسف انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الحوراء وعبد الله بن غالب في نفر من نظرائه، فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟ قال: وذكروا من فعال الحجاج. قال: فقال الحسن: أرى ألا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج! قال: وهم قوم عرب. وخرجوا مع ابن الأشعث. قال: فقتلوا جميعاً. قال أبو التياح: شهدت الحسن وسعيد بن أبي الحسن حين أقبل ابن الأشعث، فكان الحسن ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكف، وكان سعيد بن أبي الحسن يحضض. ثم قال سعيد، فيما يقول: ما ظنك بأهل الشام إذا لقيناهم غداً، فقلنا: والله ما خلعنا أمير المؤمنين، ولا نريد خلعه، ولكنا نقمنا عليه استعماله الحجاج فاعزله عنا. فلما فرغ سعيد من كلامه، تكلم الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنّه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع، وأما ما ذكرت من ظنّي بأهل الشام، فإن ظني بهم أن لو جاؤوا فألقمهم الحجاج دنياه، لم يحملهم على أمر إلا ركبوه، هذا ظني بهم. قال عمر بن عبد العزيز لعنبسة بن سعيد: أخبرني ببعض ما رأيت من عجائب الحجاج فقال: كنا جلوساً عنده ذات ليلة قال: فأتي برجل فقال: ما أخرجك في هذه الساعة؛ وقد قلت: لا آخذ فيها أحداً إلا فعلت به وفعلت؟! قال: أما والله لا أكذب الأمير، أغمي على أمي منذ ثلاث فكنت عندها، فأفاقت الساعة فقالت: يا بني، مذ كم أنت عندي فقلت لها: منذ ثلاث، قالت: أعزم عليك إلا رجعت إلى أهلك، فإنهم مغمومون بتخلفك عنهم، فكن عندهم الليلة وتعود إليّ غداً. فخرجت فأخذني الطائف. فقال: ننهاكم وتعصونا! اضربوا عنقه. ثم أتي برجل آخر فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: والله لا أكذبك، لزمني غريم لي على

стр. 2067

بابه؛ فلما كانت الساعة أغلق بابه دوني وتركني على بابه، فجاءني طائفك وأخذني. فقال: اضربوا عنقه. ثم أتي بآخر فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: كنت مع شربة أشرب، فلما سكرت خرجت فأخذني الطائف، فذهب عني السكر فزعاً. فقال: يا عنبسة، ما أراه إلا صادقاً، خليا سبيله. فقال عمر بن عبد العزيز لعنبسة: فما قلت له شيئاً؟ فقال: لا، فقال عمر لآذنه: لا تأذن لعنبسة علينا، إلا أن تكون له حاجة. قال ابن عائشة: أتي الوليد برجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبي بكر؟ قال: خيراً قال: فما تقول في عمر؟ قال: خيراً. قال: فعثمان؟ قال: خيراً. قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من خطاياه! قال علي بن مسلم الباهلي: أتي الحجاج بن يوسف بامرأة من الخوارج، فجعل يكلمها ولا تكلمه معرضة عنه، فقال بعض الشرط: الأمير يكلمك وأنت معرضة! فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت. قال العتبي: كانت امرأة من الخوارج من الأزد يقال لها فراشة، وكانت ذات نبه في رأي الخوارج، تجهّز أصحاب البصائر منهم، وكان الحجاج تطلّبها طلباً شديداً فأعجزته، ولم يظفر بها، وكان يدعو الله أن يمكنه من فراشة أو بعض من جهّزته. فمكث ما شاء الله، ثم جيء برجل: فقيل: هذا ممن جهزته فراشة، فخرّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال له: يا عدو الله؟ قال: أنت أولى بها يا حجاج. قال: أين فراشة؟ قال: مرت تطير منذ ثلاث. قال: أين تطير؟ قال: تطير ما بين السماء والأرض. قال: أعن تلك سألتك عليك لعنة الله! قال: عن تلك أخبرتك عليك غضب الله. قال: سألتك عن المرأة التي جهزتك وأصحابك. قال: وما تصنع بها؟ قال: دلنا عليها. قال: تصنع بها ماذا؟ قال: أضرب

стр. 2068

عنقها. قال: ويلك يا حجاج ما أجهلك! تريد أن أدلك وأنت عدو الله على من هي ولي الله " قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين " قال: فما رأيك في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: على ذلك الفاسق لعنة الله ولعنة اللاعنين. قال: ولم لا أم لك؟ قال: إنه أخطأ خطيئة طبقت ما بين السماء والأرض. قال: وما هي؟ قال: استعماله إياك على رقاب المسلمين. فقال الحجاج: ما رأيكم فيه؟ قالوا: نرى أن نقتله قتلة لم يقتل مثلها أحد قال: ويلك يا حجاج، جلساء أخيك كانوا أحسن مجالسة من جلسائك. قال: وأي إخوتي تريد؟ قال: فرعون، حين شاور في موسى فقالوا: " أرجه وأخاه "، وأشار عليك هؤلاء بقتلي. قال: فهل حفظت القرآن؟ قال: وهل خشيت فراره فأحفظه! قال: هل جمعت القرآن؟ قال: ما كان متفرقاً فأجمعه. قال: قرأته ظاهراً؟ قال: معاذ الله، بل قرأته وأنا إليه، قال: فكيف تراك تلقى الله إن قتلتك؟ قال: ألقاه بعملي، وتلقاه بدمي. قال: إذاً أعجلك إلى النار. قال: لو علمت أن ذلك إليك، أحسنت عبادتك، وأيقنت عذابك، ولم أبغ خلافك، ومناقضتك. قال: إني قاتلك. قال: إذاً أخاصمك لآن الحكم يومئذ إلى غيرك. قال: نقمعك عن الكلام السيئ، يا حرسي اضرب عنقه، وأومأ إلى السيّاف ألا يقتله. فجعل يأتيه من بين يديه ومن خلفه ويروعه بالسيف، فلما طال ذلك عليه رشح جبينه. قال: جزعت من الموت يا عدو الله! قال: لا، يا فاسق، ولكن أبطأت علي بما لي فيه راجية. قال: يا حرسي، أعظم جرحه. فلما أحس بالسيف قال: لا إله إلا الله، والله لقد أتمها ورأسه على الأرض. قال جعفر بن أبي المغيرة: كان حطيط صواماً قواماً، يختم في كل يوم وليلة ختمة، ويخرج من البصرة ماشياً حافياً إلى مكة في كل سنة، فوجّه الحجاج في طلبه فأخذ، فأتي به الحجاج فقال له: إيهاً، قال: قل، فإني قد عاهدت الله إن سئلت لأصدقن، ولئن ابتليت لأصبرن، ولئن عوفيت لأشكرن، ولأحمدن الله على ذلك. قال: ما تقول فيّ؟ قال: أنت عدو الله، تقتل على الظنّة. قال: فما قولك في أمير المؤمنين؟ قال: أنت شررة من شرره، وهو

стр. 2069

أعظم جرماً منك. قال خذوا ففظعوا عليه العذاب، ففعلوا، فلم يقل حساً ولا بساً، فأتوه فأخبروه، فأتوه فأخبروه، فأمر بالقصب فشقق ثم شد عليه، وصب عليه الخلّ والملح، وجعل يستل قصبة قصبة، فلم يقل حساً ولا بساً، فأتوه فأخبروه قال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه. قال جعفر: فأنا رأيته حين أخرج، فأتاه صاحب له فقال: لك حاجة؟ قال: شربة من ماء، فأتاه بماء فشرب ثم ضربت عنقه. وكان ابن ثمان عشرة سنة. قال سالم الأفطس: أتي الحجاج بسعيد بن جبير، وقد وضع رجله في الركاب فقال: لا أستوي على دابتي حتى تبوّأ مقعدك من النار. فأمر به فضربت عنقه. قال: فما برح حتى خولط. قال: قيودنا قيودنا. فأمر برجليه فقطعتا، ثم انتزعت القيود منه. قال علي بن نديمة: ختم الدنيا بقتل سعيد بن جبير، وافتتح الآخرة بقتل ماهان. قال قتادة: قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجاج. قال: إني والله ما خرجت عليه حتى كفر. حدث مبشر بن بشر أن رجلاً هرب من الحجاج، فمر بساباط فيه كلب بين جبّين يقطر عليه ماؤهما. فقال: يا ليتني كنت مثل هذا الكلب، فما لبث أن مر بالكلب في عنقه حبل، فسأل عنه فقالوا: جاء كتاب الحجاج يأمر بقتل الكلاب. قال هشام بن حسان: أحصوا ما قتل الحجاج صبراً، فبلغ مئة ألف وعشرين ألفاً. قال الهيثم بن عدي: مات الحجاج بن يوسف وفي سجنه ثمانون ألف محبوس، منهم ثلاثون ألف امرأة. ووجد في قصة رجل بال في الرحبة وخري في المسجد. فقال أعرابي: إذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلّينا بغير حساب

стр. 2070

قال صالح بن سليمان: قال زياد بن الربيع الحارثي لأهل السجن: يموت الحجاج في مرضه هذا، في ليلة كذا وكذا. فلما كان تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحاً، جلسوا ينتظرون، حتى سمعوا الداعية. وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان. قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان يصلح لدنيا ولا آخرة. لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون من العمارة، فأخسّ به حتى صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدي إلي في عامي هذا ثمانون ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إلي ما أدي إلى عمر بن الخطاب، مئة ألف ألف، وعشرة آلاف ألف. قال مخذم: جبى عمر بن الخطاب العراق مئة ألف ألف، وتسعة وكذا وكذا ألف ألف، وجباها عمر بن عبد العزيز مئة ألف وأربعة عشر ألف ألف، وجباها الحجاج ثمانية عشر ألفألف. قال يحيى بن يحيى الغساني: قال لي عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بأبي محمد لفتناهم، فقال له رجل من آل أبي معيط: لا تقل ذلك، فوالله إن وطّأ لكم هذا الأمر الذي أصبحتم فيه غرّة فقال عمر: أتحب أن يدخلك الله مدخلك الحجاج؟ قال: إي والله، إني لأحب أن يدخلني الله مدخله ولا يدخلني مدخلك. فقال عمر: أمّنوا، اللهم أدخله مدخل الحجاج. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: بلغني أنك تستنّ بسنن الحجاج، فلا تستن بسنته، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع.

стр. 2071

قال مالك بن دينار: كنا إذا صلينا خلف الحجاج فإنا نلتفت ما بقي علينا من الشمس؟ فيقول: إلام تلتفتون أعمى الله أبصاركم! أنا لا أسجد لشمس ولا لقمر ولا لحجر ولا لوثن. قال الريان بن مسلم: بعث عمر بن عبد العزيز بآل أبي عقيل أهل الحجاج إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد، فإني بعثت بآل أبي عقيل، وهم شر بيت في العرب، ففرقهم في عملك على قدر هوانهم على الله تعالى وعلينا، وعليك السلام. وإنما نفاهم، ﵀. قال الأعمش: اختلفوا في الحجاج فقالوا: بمن ترضون؟ فقال بعضهم: بمجاهد. فأتوه فسألوه، فقال: تسألوني عن الشيخ الكافر؟! قال الأجلح: اختلفت أنا وعمر بن قيس الماصر في الحجاج فقلت أنا: الحجاج كافر، وقال عمر: الحجاج مؤمن ضال. قال: فأتينا الشعبي فقلت: يا أبا عمرو، إني قلت: إن الحجاج كافر، وقال عمر: الحجاج مؤمن ضال. قال: فقال الشعبي: يا عمرو، شمرت ثيابك، وحللت إزارك، وقلت: إن الحجاج مؤمن ضال، فقال: فكيف يجتمع في رجل إيمان وضلال؟! الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم. قال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام. قال عاصم بن أبي النجود: ما بقيت لله تعالى حرمة، إلا وقد انتهكها الحجاج. قال العيزار بن جرول: خرجت مع راذان إلى الجبال يوم العيد نصلي، وستور الحجاج ترفعها الرياح فقال: هذا والله المفلس. فقلت له: تقول مثل هذا وله مثل هذا؟! فقال: هذا المفلس من دينه.

стр. 2072

وقال طاوس: عجبت لإخواننا من أهل العراق، يسمون الحجاج مؤمناً. قال منصور: سألنا إبراهيم النخعي عن الحجاج فقال: ألم يقل الله: " ألا لعنة الله على الظالمين ". قال سلام بن أبي مطيع: لأنا أرجى للحجاج بن يوسف مني لعمرو بن عبيد، إن الحجاج بن يوسف إنما قتل الناس على الدنيا، وإن عمرو بن عبيد أحدث بدعة، فقتل الناس بعضهم بعضاً. قال الزبرقان: كنت عند أبي وائل فجعلت أسب الحجاج وأذكر مساوئه، فقال: لا تسبه وما يدريك لعله قال: اللهم اغفر لي فغفر له. قال عوف: ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين قال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئاً، وإن يلق الله بقلب سليم فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قال: فقلت لمحمد بن سيرين: وما القلب السليم؟ قال: أن تعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. قال رباح بن عبيدة: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه. قال: فنهاني عمر وقال: مهلاً يا رباح، فإنه بلغني أن الرجل يظلم بالمظلمة، ولا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه، حتى يستوفي حقه، ويبقى للظالم الفضل عليه. قال السري بن يحيى: مر الحجاج في يوم جمعة، فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل له: أهل السجون،

стр. 2073

يقولون: قتلنا الحر. قال: قولوا لهم: " اخسأوا فيها ولا تكلمون " قال: فما عاش بعد ذلك، إلا أقل من جمعة حتى مات. قال الأصمعي: ولي الحجاج العراق عشرين سنة، صار إليها في سنة خمس وسبعين، وكانت ولايته أيام عبد الملك إحدى عشرة سنة، وفي أيام الوليد تسع سنين، وبنى واسط في سنتين، وفرغ منها في السنة التي مات فيها عبد الملك سنة ست وثمانين، ومات الوليد بعد الحجاج بتسعة أشهر. قال الصلت بن دينار: مرض الحجاج فأرجف به أهل الكوفة. فلما تماثل من علته صعد المنبر وهو يتثنى على أعواده، فقال: يا أهل الشقاق والنفاق والمراق، نفخ الشيطان في مناخركم فقلتم: مات الحجاج، مات الحجاج، فمه، والله ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، وما رضي الله الخلود لأحد من خلقه إلا لأهونهم عليه إبليس، وقد قال العبد الصالح سليمان بن داود ﵇: " رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي " فكان ذلك ثم اضمحل، فكأن لم يكن يأتيها الرجل، وذلكم ذلك الرجل كأني بكل حي ميت، وبكل رطب يابس، وبكل امرئ في ثياب طهوره إلى بيت حفرته، فخد له في الأرض خمسة أذرع طولاً في ذراعين عرضاً، فأكلت الأرض من لحمه، ومصت من صديده ودمه، وانقلع الحبيبان يقاسم أحدهما صاحبه من ماله، أما إن الذين يعلمون يعلمون ما أقول، والسلام. حدث الأحوص بن حكيم العبسي عن أبيه عن جده قال: حضرت نزيع الحجاج بن يوسف، فلما حضره الموت جعل يقول: ما لي ولك يا سعيد بن جبير.

стр. 2074

قال عمر: ما حسدت الحجاج عدو الله عن شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل. قال الأصمعي: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... بأنني رجل من ساكني النار أيحلفون على عمياء وحيهم ... ما علمهم بكثير العفو غفار فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله، إن نجا فبهما. قال أحمد بن عبد الله التيمي: لما مات الحجاج بن يوسف لم يعلم بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات. ثم أنشأت تقول: اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم يأمننا من كان يخشانا قال ابن طاوس: دخل رجل على أبي فقال: مات الحجاج بن يوسف. فقال له أبي: اربعوا على أنفسكم، حبس رجل عليه لسانه، وعلم ما يقول. فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن، برح الخفاء، هذه نساء وافد بن سلمة قد نشرن أشعارهن، وحرقن ثيابهن، ينحن عليه. قال: أفعلوا؟ قال: نعم. قال: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " قال علي بن يزيد: كنت عند الحسن، فجاءه رجل فقال: مات الحجاج. فسجد الحسن.

стр. 2075

قال ابن شوذب: لما مات الحجاج قال الحسن البصري: اللهم قد أمته فأمت عنا سننه، ثم قال: إن الله قال لموسى ﵇: ذكر بني إسرائيل أيام الله، وقد كانت عليكم أيام كأيام القوم. وتوفي الحجاج لأربع وعشرين من رمضان سنة خمس وتسعين. قال ابن شوذب: ولي الحجاج العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وقيل: ابن أربع وخمسين سنة. قال علي بن المديني: مات الحجاج سنة خمس وتسعين، وفيها مات إبراهيم، وقبلها قتل سعيد بن جبير. قال سماك بن حرب: قيل لي في النوم: إياك والغيبة، إياك والنميمة، إياك وأكل أموال اليتامى، إياك والصلاة خلف الحجاج، فإني أقسمت أن أقصمه، كما قصم عبادي. قال أبو معشر: مات رجل عندنا بالمدينة، فلما وضع على مغتسله ليغسل استوى قاعداً، ثم أهوى بيده على عينيه فقال: بصر عيني، بصر عيني، بصر عيني إلى عبد الملك بن مروان، وإلى الحجاج بن يوسف يسحبان أمعاءهما في النار، ثم عاد مضطجعاً كما كان. روى الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل قتلة قتلت بها

стр. 2076

إنساناً، ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد، ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماص بظر أمه، أما سألت عن هذا عام أول! قال أبو يوسف القاص: كنت عند الرشيد، فدخل عليه رجل فقال: رأيت الحجاج البارحة في النوم. قال: في أي زي رأيته؟ قال: قلت: في زي قبيح، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه! قال: هرون صدقت، والله أنت رأيت الحجاج حقاً، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حياً وميتاً. قال أشعب المدائني: رأيت الحجاج في منامي بحال سيئة، فقلت: يا أبا محمد، ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني بها. قلت: ثم مه؟ قال: ثم أمر بي إلى النار. قلت: ثم مه؟ قال: ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال: فكان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له. قال: فبلغ ذلك الحسن. قال: فقال الحسن: أم والله ليجعلن الله رجاءه فيه. يعني: ابن سيرين. قال أبو سليمان الداراني: كان الحسن البصري لا يجلس مجلساً إلا ذكر الحجاج، فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج. قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتلة قتلة، ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه.

стр. 2077

الحجاج بن يوسف بن أبي منيع عبيد الله بن أبي زياد أبو محمد الرصافي حدث عن جده عبيد الله بن أبي زياد عن الزهري عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم: اللهم، كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي الشجر، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به، فوجدتهما نائمين، فتحرجت أن أوقظهما، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فقمت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر فاستيقظا، فشربا غبوقهما. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه - قال حجاج: من هم هذه الصخرة - فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه ". قال رسول الله ﷺ : " وقال الآخر: اللهم، كانت لي ابنة عم أحب الناس إلي، فأردتها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة - قال حجاج: جهدت فيه من السنين - فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم، فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه - قال حجاج: من هم هذه الصخرة - فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ". قال رسول الله ﷺ : " ثم قال الثالث: اللهم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم إلا

стр. 2078

رجلاً واحداً منهم، ترك الذي له وذهب، فثّمرت حتى كثرت الأموال فارتعجت، فجاءني بعد حين فقال لي: يا عبد الله، أد لي أجري. فقلت: كل ما ترى من أجرتك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي. فقلت له: إني لا أستهزئ بك. فأخذ ذلك كله، فاستاقه فلم يترك منه شيئاً. اللهم، فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه - قال حجاج: من هم هذه الصخرة - فانفرجت، فخرجوا من الغار يمشون. قال هلال بن العلاء: كان الحجاج بن أبي منيع من أعلم الناس بالأرض وما أنبتت، وأعلم الناس بالفرس من ناصيته إلى حافره، وأعلم الناس بالبعير من سنامه إلى خفه، وكان مع بني هاشم في الكتاب. هو شيخ ثقة. حجر بن عدي الأدبر بن جبلة ابن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن ثور، وهو كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد ابن كهلان بن سبأ وسمي أبوه الأدبر لأنه طعن مولياً فسمي الأدبر أبو عبد الرحمن الكندي من أهل الكوفة، وفد على النبي ﷺ ، وغزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عذراء، وشهد صفين مع علي أميراً، وقتل بعذراء من قرى دمشق، ومسجد قبره بها معروف. حدث حجر بن عدي قال: سمعت شراحيل بن مرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " أبشر يا علي حياتك وموتك معي ".

стр. 2079

وقال حجر بن عدي: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: الوضوء نصف الإيمان. وفي رواية: الطهور نصف الإيمان. شهد حجر القادسية، وهو الذي افتتح مرج عذراء وشهد الجمل وصفين مع علي ﵇، وكان في ألفين وخمس مئة من العطاء، وقتله معاوية بن أبي سفيان وأصحابه بمرج عذراء، وابناه عبيد الله وعبد الرحمن ابنا حجر قتلهما مصعب بن الزبير صبراً، وكانا يتشيعان. وكان حجر ثقة معروفاً، وكان مع علي بصفين حجر الخير وحجر الشر، فأما حجر الخير فهذا، وأما حجر الشر فهو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة. قال أبو معشر: كان حجر بن عدي رجلاً من كندة، وكان عابداً. قال: ولم يحدث قط إلا توضأ، ولم يهرق ماء إلا توضأ، وما توضأ إلا صلى. قال عبد الكريم بن رشيد: كان حجر بن عدي يلمس فراش أمه بيده، فيتهم غلظ يده، فينقلب على ظهره، فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها. قال يونس بن عبيد: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: إني قد احتجت إلى مال فأمدني، قال: فجهز المغيرة إليه عيراً تحمل المال؛ فلما فصلت العير بلغ حجراً وأصحابه، فجاء حتى أخذ بالقطار فحبس العير. قال: لا والله، حتى يوفى كل ذي حق حقه، فبلغ المغيرة ذلك أنه قد رد العير معه. فقال شباب ثقيف: ائذن لنا أصلحك الله فيه فنأتيك برأسه الساعة. قال: لا والله، ما كنت لأركب هذا من حجر أبداً، فبلغ معاوية فاستعمل زياداً وعزل المغيرة. قال أبو معشر: فتعترف به معاوية وأمره على العراقين - يعني زياداً - فلما قدم الكوفة، دعا حجر بن الأدبر فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تعلم حبي لعلي؟ قال: شديداً. قال:

стр. 2080

فإن ذلك قد انسلخ أجمع فصار بغضاً، فلا تكلمني بشيء أكرهه، فإني أحذرك. فكان إذا جاء إبان العطاء قال حجر لزياد: أخرج العطاء فقد جاء إبانه، فكان يخرجه، وكان لا ينكر حجر بن زياد شيئاً إلا رآه عليه، فخرج زياد إلى البصرة واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، فصنع عمرو شيئاً كرهه حجر، فناداه وهو على المنبر، فرد عليه ما صنعه، وحصبه هو وأصحابه. قال: فأبرد عمرو مكانه بريداً إلى زياد، وكتب إليه بما صنع حجر؛ فلما قدم البريد على زياد، ندم عمرو بن حريث وخشي أن يكون من سطواته ما يكره، وخرج زياد من البصرة إلى الكوفة، فتلقاه عمرو بن حريث في بعض الطريق فقال: إنه لم يك شيء يكرهه، وجعل يسكنه، فقال زياد: كلا والذي نفسي بيده، حتى آتي الكوفة فأنظر ماذا أصنع، فلما قدم الكوفة سأل عمراً عن البينة، وسأل أهل الكوفة، فشهد شريح في رجال معه على أنه حصب عمراً وردّ عليه، فاجتمع حجر وثلاثة آلاف من أهل الكوفة فلبسوا السلاح، وجلسوا في المسجد، فخطب زياد الناس وقال: يا أهل الكوفة، ليقم كل رجل منكم إلى سفيهه فليأخذه، فجعل الرجل يأتي ابن أخيه وابن عمه وقريبه فيقول: قم يا فلان، قم يا فلان، حتى بقي حجر في ثلاثين رجلاً. فدعاه زياد فقال: أبا عبد الرحمن، قد نهيتك أن تكلمني، وإن لك عهد الله ألاّ تراب بشيء حتى تأتي أمير المؤمنين فتكلمه، فرضي بذلك حجر وخرج إلى معاوية. وفي حديث ابن سيرين قال: لما قدم زياد الكوفة لم يكن له هم إلا حجراً، وأصحابه، فتكلم يوماً زياد وهو على المنبر فقال: إن من حق أمير المؤمنين، إن من حق أمير المؤمنين؛ مراراً. فقال: كذبت ليس كذلك، فسكت زياد ونظر إليه، ثم عاد في كلامه فقال: إن من حق أمير المؤمنين، إن من حق أمير المؤمنين. مراراً. قال حجر: كذبت ليس كذلك، فسكت زياد ونظر إليه، ثم عاد في كلامه فقال: إن من حق أمير المؤمنين، إن من حق أمير المؤمنين. مراراً. نحواً من كلامه. فأخذ حجر كفاً من حصى فحصبه وقال: كذبت، عليك لعنة الله. قال: فانحدر زياد من المنبر فصلى، ثم دخل الدار، وانصرف حجر فبعث إليه زياد الخيل والرجال، أجب، قال حجر: إني والله ما أنا بالذي يخاف، ولا آتيه أخاف على نفسي.

стр. 2081

قال ابن سيرين: لو مال لما أهل الكوفة معه، ولكن كان رجلاً ورعاً فأبى زياد أن تقلع عنه الخيل والرجال، حتى اصطلحا أن يقيده بسلسلة، ويرسله في ثلاثين من أصحابه إلى معاوية؛ فلما خرج أتبعه زياد برداً بالكتب بالركض إلى معاوية، إن كان لك في سلطانك حاجة أو في الكوفة حاجة فاكفني حجراً، وجعل يرفع الكتب إلى معاوية حتى ألهفه عليه، فقدم فدخل عليه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: وأمير المؤمنين أنا! قال: نعم ثلاثاً. فأمر بحجر وبخمسة عشر رجلاً من أصحابه قد كتب زياد فيهم وسمّاهم، وأخرج حجراً وأصحابه الخمسة عشر، وأمر بضرب أعناقهم. فال حجر للذي أمر بقتله: دعني فلأصل ركعتين. قال: صله. قال: فصلى ركعتين خفيفتين، فلما سلم أقبل على الناس فقال: لولا أن تقولوا جزع من القتل لأحببت أن تكون ركعتان أنفس ما كانتا، وايم الله لئن لم تكن صلاتي فيما مضى تنفعني ما هاتان بنافعيّ شيئاً. ثم أخذ برده فتحزم به، ثم قال لمن يليه من قومه: لا تحلوا قيودي، ولا تغسلوا عني الدم، فإني أجتمع أنا ومعاوية غداً على المحجّة. وفي حديث فيل مولى زياد قال: لما قدم زياد الكوفة أميراً أكرم حجر بن الأدبر وأدناه، فلما أراد الانحدار إلى البصرة دعاه فقال: يا حجر، إنك قد رأيت ما صنعت بك، وإني أريد البصرة فأحب أن تشخص معي، فإني أكره أن تخلف بعدي، فعسى أن أبلغ عنك شيئاً فيقع في نفسي، فإذا كنت معي، لم يقع في نفسي من ذلك شيء، فقد علمت رأيك في علي بن أبي طالب، وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل رأيك. فلما رأيت الله صرف ذلك الأمر عنه إلى معاوية لم أتهم الله ورضيت به، وقد رأيت إلى ما صار أمر عليّ وأصحابه، وإني أحذر كأن تركب أعجاز أمور هلك من ركب صدورها. فقال له حجر: إني مريض ولا أستطيع الشخوص معك. قال: صدقت والله إنك لمريض، مريض الدين، مريض القلب، مريض العقل، وايم الله إن بلغني عنك شيء أكرهه لأحرضن على قتلك، فانظر لنفسك أو دع. فخرج زياد فلحق بالبصرة. واجتمع إلى حجر قرّاء أهل الكوفة، فجعل عامل زياد لا ينفذ الأمر ولا يريد شيئاً إلى منعوه إياه، فكتب إلى زياد: إني والله ما أنا في شيء، وقد منعني حجر

стр. 2082

وأصحابه كل شيء، فأنت أعلم. فركب زياد بعماله حتى اقتحم الكوفة، فلما قدمها تغيب حجر، فجعل يطلبه فلا يقدر عليه، فبينا هو جالس يوماً وأصحاب الكراسي حوله، فيهم الأشعث بن قيس، إذ أتى الأشعث ابنه محمد فناجاه، وأخبره أن حجراً قد لجأ إلى منزله. فقال له زياد: ما قال لك ابنك؟ قال: لا شيء. قال: والله لتخبرني ما قال لك حتى اعلم أنك قد صدقت، أو لا تبرح مجلسك حتى أقتلك. فلما عرف الأشعث أخبره. فقال لرجل من أهل الكوفة من أشرافهم: قم فأتني به. قال: اعفني من ذلك، ابعث غيري. قال: لعنة الله عليك خبيثاً مخبثاً، والله لتأتيني به أو لأقتلنك. فخرج الرجل حتى دخل عليه، فأخذه وأخبر حجراً الخبر، فقال له: ابعث إلى جرير بن عبد فليكلمه فيك، فإني أخاف أن يعجل عليك. فدخل جرير على زياد فكلمه فقال: هو أمن من أن أقتله، ولكن أخرجه، فأبعث به إلى معاوية، فجاءه على ذلك، فأخرجه من الكوفة ورهطاً معه، وكتب إلى معاوية أن اغن عني حجراً، إن كان لك فيما قبلي حاجة، فبعث معاوية فتلقاه بعذراء، فقتل هو وأصحابه. وملك زياد العراق خمس سنين، ثم مات سنة ثلاث وخمسين. وفي حديث آخر، أن عائشة ﵂ بلغها الخبر، فبعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي إلى معاوية، تسأله أن يخلي سبيل حجر وأصحابه. فقال عبد الرحمن بن عثمان الثقفي: يا أمير المؤمنين، جذاذها جذاذها لاتعنّ بعد العام أبراً. فقال معاوية: لا أحب أن أراهم، ولكن اعرضوا علي كتاب زياد، فقرئ عليه الكتاب، وجاء الشهود فشهدوا. فقال معاوية: أخرجوهم إلى عذراء فاقتلوهم هنالك. قال: فحملوهم إلى عذراء. فقال حجر: ما هذه القرية؟ قالوا: عذراء. قال: الحمد لله، أما والله إني لأول مسلم نبح كلابها في سبيل الله، ثم آتي إليها اليوم مصفوداً. وقد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على معاوية برسالة عن عائشة وقد قتلوا قال: يا أمير المؤمنين، أين غرب عنك حلم أبي سفيان؟ فقال: غيبة مثلك عني من قومي.

стр. 2083

وقد كانت هند ابنة زيد من مخرّبة الأنصارية قالت حين سير حجراً إلى معاوية: ترفع أيها القمر المنير ... ترفّع هل ترى حجراً يسير يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الخبير تجبّرت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولاً ... كأن لم يحيها يوم مطير ألا يا حجر حجر بن عدي ... تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عدياً ... وشيخاً في دمشق له زئير فإن تهلك فكل عبيد قوم ... إلى هلك من الدنيا يصير وقد رويت هذه الأبيات لهند أخت حجر بن عدي، وزيد فيها بيت قبل البيت الأخير وهو: يرى قتل الخيار عليه حقاً ... له من شرّ أمته وزير وفي شعر أخته: يسير إلى معاوية بن حرب ... فيقتله كما زعم الأمير وكان حجر بن عدي عند زياد وهو يومئذ على الكوفة، إذ جاءه قوم قد قتل منهم رجل، فجاء أولياء القتيل وأولياء المقتول فقالوا: هذا قتل صاحبنا. فقال أولياء القاتل: صدقوا، ولكن هذا نبطي وصاحبنا عربي، ولا يقتل عربي بنبطي. فقال زياد: صدقتم، ولكن أعطوهم الدية. فقالوا: لا حاجة لنا في الدية، إنا كنا نرى أن الناس فيه سواء. فقام حجر بن عدي فقال: نعطيك كتاب الله ، أو سنة نبيه ﷺ ، وأنا حجر، لتقتلنه أو لأضربن بسيفي حتى أموت والإسلام عزيز. قال: فوالله ما برح حتى وضع السكين على حلقه. وكان يقال: أول ذلّ دخل على الكوفة قتل حجر بن عدي.

стр. 2084

قال أبو معشر: وركب إليهم معاوية إلى مرج العذراء، حتى أتاهم فسلّم عليهم وسألهم: من أنت؟ من أنت؟ حتى انتهى إلى حجر فقال: من أنت؟ قال: حجر بن عدي. قال: كم مر بك من السنين؟ قال: كذا وكذا. قال: كيف أنت والشتاء اليوم؟ فأخبره. قال: كيف أنت والطعام اليوم؟ فاخبره. ثم انصرف وأرسل إليهم رجلاً أعور، معه عشرون كفناً، فلما رآه حجر تفاءل وقال: يقتل نصفكم ويترك نصفكم، فجعل الرسول يعرض عليهم التوبة والبراءة من علي، فأبى عدة وتبرأ عدة فقتل الذين أبوا، وترك الذين تبرأوا، وحفر لهم قبوراً، فجعل يقتلهم ويدفنهم. فلما انتهى إلى الحجر جعل حجر يرعد فقال له أراد قتله: مالك ترعد! قال: قبر محفور وكفن منشور وسيف مشهور. قال: تبرأ مني علي؟ قال: لا أتبرأ منه. فضرب عنقه ودفنه. ولما حج معاوية دخل على عائشة فقالت له: يا معاوية، قتلت حجر بن الأدبر. قال: أقتل حجراً، أحب إلي من أن أقتل معه مئة ألف. وفي حديث: أنه استأذن عليها فأبت أن تأذن له، فلم يزل حتى أذنت له، فلما دخل عليها قالت: أنت الذي قتلت حجراً! قال: لم يكن عندي أحد ينهاني. قال أبو الأسود: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء، حجر وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم صلاحاً للأمة، وأن بقاءهم فساد للأمة. فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء. وعن علي بن أبي طالب قال: يا أهل الكوفة، سيقتل منكم سبعة نفر خياركم، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، منهم حجر بن الأدبر وأصحابه. قتلهم معاوية بالعذراء من دمشق كلهم من أهل الكوفة. وروي أن الحسن بن علي أتاه ناس من أهل الكوفة من السبعة، فشكوا إليه ما صنع

стр. 2085

زياد بحجر وأصحابه، وجعلوا يبكون عنده، وقالوا: نسأل الله أن يجعل قتله بأيدينا. فقال: مه، إن في القتل كفارات، ولكن نسأل الله أن يميته على فراشه. قال مروان بن الحكم: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة فقالت: يا معاوية: قالت حجراً وأصحابه، وفعلت الذي فعلت، أما خشيت أن أخبأ لك رجلاً فيقتلك! فقال: لا، إني في بيت أمان، سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإيمان قيد الفتك. لا يفتك مؤمن يا أم المؤمنين، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحجراً حتى نلتقي عند ربنا . قال سفيان الثوري: قال معاوية: ما قتلت أحداً إلا وأنا اعلم فيم قتلته، وما أردت به، إلا حجر بن عدي، فإني لا أعرف فيم قتلته. وكان قتل حجر بن عدي سنة إحدى وخمسين، وقيل: قتل سنة ثلاث وخمسين، وفيها مات زياد بن أبي سفيان. قال أبو بكر بن عياش: دخل عبد الله بن يزيد بن أسد على معاوية وهو في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جزعاً فقال: ما يجزعك يا أمير المؤمنين إن مت؟ قال: الجنة. وإن عشت، فقد علم الله حاجة الناس إليك. قال: رحم الله أباك إن كان لناصحاً، نهاني عن قتل ابن الأدبر يعني حجراً، ثم عاده عبد الله بن يزيد فعاد معاوية مثل ذلك القول. وقد تقدم في ترجمة أرقم بن عبد الله الكندي حديث طويل في ترجمة حجر وأصحابه.

стр. 2086

حجوة بن مدرك الغساني أصله من الكوفة، سكن دمشق، وروى عن جماعة. حدث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : الجار أحق بشفعة جاره ينتظر به وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً. وحدث حجوة بن مدرك أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله ﷺ . ولو كان خبيثاً لم يعطه. حديج خصي كان لمعاوية بن أبي سفيان. قال عوانة: حدثني حديج خصي لمعاوية، رأيته في زمن يزيد بن عبد الملك في ألفين من العطاء قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها ويقول: هذا المتاع لو كان له متاع! اذهب بها إلى يزيد بن معاوية. ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي وكان فقيهاً، فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذلك وذلك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنها لا تصلح له. قال: نعم ما رأيت. ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته - وكان آدم شديد الأدمة - فقال: دونك هذه بيض بها ولدك. وهو عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن بدر. قال عوانة: وكان في سبي فزارة، فوهبه النبي ﷺ لابنته فاطمة، فأعتقه، كان غلاماً ربته فاطمة وعلي ﵉ وأعتقته، وكان بعد ذلك مع معاوية، أشد الناس على علي.

стр. 2087

حدير أبو فوزة وقيل أبو فروة الأسلمي ويقال السلمي مولاهم يقال: إن له صحبة. سكن حمص. قال عثمان بن أبي العاتكة: حدث أخ لي يقال له زياد أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: " اللهم، بارك لنا في شهرنا هذا الداخل ". فذكر الحديث وقال: توالى على هذا الدعاء ستة من أصحاب النبي ﷺ سمعوه منه، والسابع صاحب الفرس الجرموز والرمح الثقيل حدير أبو فوزة السلمي. قال أبو نصر بن ماكولا: أما أبو فروة بتقديم الراء فجماعة، وأما بتقديم الواو فهو أبو فوزة حدير السلمي. قال بكر بن سوادة: دخل حدير الأسلمي على أبي الدرداء يعوده وعليه جبة من صوف، وقد عرق فيها وهو نائم على حصير، فقال: يا أبا الدرداء، ما يمنعك أن تلبس من الثياب التي يكسوك معاوية، وتتخذ فراشاً! قال: إن لنا داراً لها نعمل، وإليها نظعن، والمخف فيها خير من المثقل. قال أبو فوزة حدير السلمي: خرج بعث الصائفة فاكتتب فيه كعب، فلما نفر البعث خرج كعب وهو مريض، وقال: لأن أموت بحرستا أحب إلي من أن أموت بدمشق، ولأن أموت بدومة أحب إلي من أن أموت بحرستا، هكذا قدماً في سبيل الله. قال: فمضى. فلما كان بفج معلولا قلت: أخبرني. قال: شغلتني نفسي. قلت: أخبرني. قال: سيقتل رجل يضيء دمه لأهل السماء. ومضينا حتى إذا كنا بحمص توفي بها. فدفناه هنالك بين ربيويات بأرض حمص. ومضى البعث، فلم يقفل حتى قتل عثمان.

стр. 2088

قال الجريري: حدثت أن أبا الدرداء ترك الغزو عاماً، فأعطى رجلاً صرة فيها دراهم فقال: انطلق فإذا رأيت رجلاً يسير من القوم، في هيئة بذاذة، فادفعها إليه. قال: ففعل. فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم لم تنس حديراً لا ينساك. قال: فرجع إلى أبي الدرداء فأخبره، فقال: ولي النعمة ربها. حدير بن كريب أبو الزاهرية الحميري ويقال الحضرمي الحمصي قال أبو الزاهرية: كنت مع عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ ، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: " اجلس فقد آنيت وآذيت ". روى أبو الزاهرية، عن جبيربن نفير، عن ثوبان قال: ذبح رسول الله ﷺ أضحيته ثم قال: " يا ثوبان أصلح لهم هذه الأضحية ". فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة. قال حدير بن كريب وابن عبد الله بن بسر: إنهما رأيا عبد الله بن بسر وأبا أمامة وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ يصبغون لحاهم. حدث أبو الزاهرية قال: أغفيت في صخرة بيت المقدس، فجاءت السدنة فأغلقوا علي الباب، فما انتبهت إلا بتسبيح الملائكة، قال: فوثبت مذعوراً، فإذا البيت صفوف، فدخلت معهم في الصف، فإذا رجل قائم على الصخرة يقول: سبحان الدائم القائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الله وبحمده، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، سبحان ربي العلي الأعلى، سبحانه

стр. 2089

وتعالى، قال: فيجيبه أسفل منه. قال: ثم ترتج الصفوف بهذا التسبيح. فنظر إلي الذي يليني فقال: آدمي أنت! فقصصت عليه قصتي. فلما استأنست إليه قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته، من القائم على الصخرة؟ قال: ذاك جبريل. قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته، من الذي يرد عليه؟ قال: ذلك ميكائيل ﵇. قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته فمن أنتم؟ قال: نحن ملائكة الله . قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته فما لمن يقولها؟ قال: من قالها سنة في كل يوم مرة، أو في يوم بعدد أيام السنة، لم يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له. قال الحافظ: رواه غيره عن شهاب بن خراش، فأسنده إلى النبي ﷺ ، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال كل يوم مرة سبحان القائم الدائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الله العظيم وبحمده. سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحان ربي العلي الأعلى، ، لم يمت حتى يرى مكانه من الجنة، أو يرى له ". وكان أبو الزاهرية أمياً لا يكتب؛ وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال أبو الزاهرية: ما رأيت قوماً أعجب من أصحاب الحديث، يأتون من غير أن يدعوا، ويزورون من غير شوق، ويبرمون بالمساءلة، ويملون بطول الجلوس. قال أبو عبيد: توفي أبو الزاهرية سنة مئة بالشام، وقيل: توفي سنة سبع وعشرين ومئة، وقيل: سنة تسع وعشرين في خلافة مروان بن محمد. وكان ثقة كثير الحديث؛ وكذا قال أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري.

стр. 2090

حدير بن جعفر بن محمد أبو نصر الأنباري الرماني روى عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدة القرشي، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن لله ﵎ تسعة وتسعين اسماً، مئة غير واحد، الله وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة ". حذيفة بن أسيد ويقال ابن أمية بن أسيد أبو سريحة الغفاري صاحب سيدنا رسول الله ﷺ . ممن بايع تحت الشجرة، وهو أول مشهد شهده مع النبي ﷺ ، فشهد فتح دمشق مع خالد بن الوليد، وأغار على عذراء، واستوطن الكوفة بعد ذلك. قال حذيفة بن أسيد الغفاري: قال رسول الله ﷺ : يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب، ذكر أو أنثى؟ قال: فيقول الله ويكتب الملك. قال: فيقول: أي رب، أشقي أو سعيد؟ قال: فيقول له ويكتب. قال: ثم يكتب عملاه ورزقه وأجله وأثره، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص. وقيل: إن أول مشاهد حذيفة بن أسيد مع النبي ﷺ الحديبية. أسيد السين مكسور، والياء ساكنة. وهو حذيفة بن أسيد بن خالد بن الأعوس ين الوقيعة بن حرام بن غفار. وقيل: حذيفة بن أسيد بن الأعور بن واقعة بن حرام بن غفار بن مليل، وقيل: حذيفة بن أمية بن أسيد بن الأعوز.

стр. 2091

حذيفة بن اليمان وهو حذيفة بن حسيل، ويقال: حسل بن جابر بن أسيد بن عمرو بن مالك ويقال: اليمان بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث، أبو عبد الله العبسي حليف بني عبد الأشهل، صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، وصاحب سره من المهاجرين. وحسل كان يقال له اليمان. حدث حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل، يشوص فاه بالسواك. حدث زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم قال: سمعت عمر بن الخطاب بالمدينة وهو يقول: تقاتلون الروم باليرموك وذكر اهتمامه بخبرهم وأمرهم والله إني لأقوم إلى الصلاة فما أدري، أفي أول السورة أنا أم في آخرها، ولأن لا تفتح قرية في الشام، أحب إلي من أن يهلك أحد من المسلمين بمضيعة. قال أسلم: فبينا أنا ذات يوم مقابل الثنية بالمدينة إذ أشرف منها ركب من المسلمين فيهم حذيفة بن اليمان، فقام إليهم من يليهم من المسلمين، فاستخبروهم فأسمعهم يقولون: أبشروا معشر المسلمين بفتح الله ونصره. قال أسلم: فانطلقت أسعى حتى أتيت عمر بن الخطاب فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله وبنصره. فخر عمر ساجداً. قال الوليد: فذاكرت عبد الله بن المبارك سجدة الفتح، وحدثته بهذا الحديث، فقال عبد الله بن المبارك: بهذا حدثك عبد الرحمن بن زيد؟ فقلت: نعم. فقال: ما سمعت في سجدة الشكر والفتح بحديث أثبت من هذا. وفي نسبه اختلاف، وقيل فيه: جروة بن اليمان، من ولده حذيفة، وإنما قيل اليمان لأنّ جروة أصاب دماً في قومه، فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية.

стр. 2092

وأم حذيفة الرّباب بنت كعب بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل. لم يشهد بدراً وشهد أحداً. وقتل أبوه يومئذ، قتله المسلمون ولا يعرفونه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، وجاءه نعي عمار وه بالمدائن، وتوفي بها سنة ست وثلاثين. وحضر حذيفة ما بعد أحد من الوقائع، وكان صاحب سرّ رسول الله ﷺ ، لقربه منه وثقته به، وعلو منزلته عنده. وولاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب المدائن، فأقام بها إلى حين وفاته. قال حذيفة بن اليمان: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي الحسيل، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمداً فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا النبي ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليم. وعن حذيفة قال: خيّرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة، فاخترت النصرة. ومن حديث آخر: أن أبا حذيفة قتل مع النبي ﷺ يوم أحد، أخطأ به المسلمون، فجعل حذيفة يقول لهم: أبي، أبي، فلم يفهموا حتى قتلوه. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فزادت حذيفة عند رسول الله ﷺ خيراً، وأمر به فأوري، أو قال: فأودي. قال حذيفة: سألت النبي ﷺ عن كل شيء، حتى عن مسح الحصا فقال: واحدة أو دع. قال حذيفة: لقد حدثني رسول الله ﷺ بما يكون حتى تقوم الساعة، غير أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها.

стр. 2093

قال حذيفة: أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله ﷺ أسرّ إلي شيئاً لم يحدّث به غيري، وكان ذكر الفتن في مجلس أنا فيه، فذكر ثلاثاً لا يذرن شيئاً، فما بقي من أهل ذلك المجلس غيري. قال حذيفة: قام فينا رسول الله ﷺ مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنهليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره. وفي رواية: فأذكر كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. وعن حذيفة قال: كنتم تسألون عن الرخاء، وكنت أسأله عن الشدة لأتقيها، ولقد رأيتني وما من يوم أحب إلي من يوم يشكو إلي فيه أهل الحاجة، إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، يا موت، غظ غيظك وشدّ شدك، أبى قلبي إلا حبك. قال حذيفة بن اليمان: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي ﷺ ؟ قال: فقلت لها: منذ كذا كذا. قال: فنالت مني وسبتني. قال: فقلت لها: دعيني حتى آتي النبي ﷺ فأصلي معه المغرب، ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك. قال: فأتيت النبي ﷺ ، فصليت معه المغرب، فصلى النبي ﷺ العشاء، ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته، فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة. فقال: ما لك؟ فحدثته بالأمر. فقال: غفر الله لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت: بلى. قال: فهو ملك من الملائكة، لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم عليّ، ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.

стр. 2094

وعن حذيفة قال: أتيت رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفاه الله فيه فقلت: يا رسول الله، كيف أصبحت بأبي أنت وأمي؟ قال: فرد عليّ بما شاء الله، ثم قال: يا حذيفة، ادن مني. قال: فدنوت من تلقاء وجهه. قال: يا حذيفة، إنه من ختم الله به بصوم يوم، أراد به الله تعالى أدخله الله الجنة، ومن أطعم جائعاً، أراد به الله أدخله الله الجنة، ومن كسا عارياً، أراد به الله أدخله الله الجنة. قال: قلت: يا رسول الله، أسرّ هذا الحديث أم أعلنه؟ قال: بل أعلنه. قال: فهذا آخر شيء سمعته من رسول الله ﷺ . وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نبي إلا قد أعطي سبعة نجباء رفقاء، وأعطيت أنا أربعة عشر: سبعة من قريش؛ علي، والحسن، والحسين، وحمزة، وجعفر، وأبو بكر، وعمر، وسبعة من المهاجرين: عبد الله بن مسعود، وسلمان، وأبو ذر، وحذيفة، وعمار، والمقدار، وبلال، رضوان الله عليهم. ومن حديث آخر، عن علي بن أبي طالب قال: قام إليه رجل فقبّل رأسه وقال: أخبرني عن قول رسول الله ﷺ في نجباء أمته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل نبيّ من أمته نجباء، ونجبائي من أمتي: الحسن، والحسين، وحمزة، وجعفر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وسلمان، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وحذيفة، وعبد الله بن مسعود وبلال. وعن حذيفة قال: قالوا: يا رسول الله، ألا تستخلف لنا؟ قال: إني إن أستخلف عليكم فعصيتموه نزل عليكم العذاب، ولكن ما أقرأكم ابن مسعود فاقرؤوه، وما حدثكم حذيفة فاقبلوه. قال علقمة: قدمت الشام فسألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فجلست إلى أبي الدرداء. فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أو ليس فيكم صاحب سواد رسول الله ﷺ يعني عبد الله بن مسعود - أو ليس فيكم صاحب سرّ رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - أليس فيكم من أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ -

стр. 2095

يعني عمّار بن ياسر - ثم قال: كيف سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ " والليل إذا يغشى "؟ فقلت " والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى " فقال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرأها فأراد هؤلاء أن يستزلوني. قال خيثمة بن أبي سبرة الجعفي: أتيت المدينة، فسألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فيسّر لي أبو هريرة، فجلست إليه فقلت: إني سألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوقعت لي. فقال: من أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس العلم والخير. قال: أو ليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة؟ وعبد الله بن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ ونعليه وحذيفة بن اليمان صاحب سرّ رسول الله ﷺ ؟ وعمار بن ياسر الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ ؟ وسلمان صاحب الكتابين! قال قتادة: والكتابان الإنجيل والفرقان. وعن قيس بن أبي حازم قال: سئل علي بن أي طالب عن عبد الله بن مسعود فقال: قرأ القرآن، فوقف عند متشابهه، فأحل حلاله، وحرم حرامه. وسئل عن عمار بن ياسر فقال: مؤمن نسي، وإذا ذكر ذَكر، قد حشي ما بين فيه إلى كعبه إيماناً. وسئل عن حذيفة فقال: أعلم الناس بالمنافقين. فقالوا: أخبرنا عن سلمان. قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر، منا أهل البيت. قالوا: أخبرنا عن أبي ذر. قال: وعى علماً. قالوا: أخبرنا عن نفسك. قال: إيّاها أردتم، كنت إذا سكت ابتديت، وإذا سألت أعطيت، وإن بين دفتيّ علماً جماً. قلت لإسماعيل بن خالد: ما بين دفتيه؟ قال: جنبيه. وفي حديث، عن النزال بن سبرة الهلالي قال: وافقنا من علي بن أبي طالب ذات يوم طيب نفس ومراح، فقلنا: يا أمير المؤمنين، حدثنا عن أصحابك. وذكر الحديث وفيه قلنا: فحدثنا عن حذيفة. قال: ذاك امرؤ علم المعضلات والمفصّلات، وعلم أسماء المنافقين، إن تسألوه عنها تجدوه بها عالماً.

стр. 2096

وعن حذيفة قال: مر بي عمر بن الخطاب وأنا جالس في المسجد فقال لي: يا حذيفة، إن فلاناً قد مات فاشهده. قال: ثم مضى حتى إذا كاد أن يخرج من المسجد التفت إلي فرآني وأنا جالس فعرف، فرجع إليّ فقال: يا حذيفة، أنشدك الله أمن القوم أنا؟ قال: قلت: اللهم لا، ولن أبرئ أحداً بعدك. قال: فرأيت عيني عمر جاءتا. وعن نافع بن جبير بن مطعم قال: لم يخبر رسول الله ﷺ بأسماء المنافقين الذين بخسوا به ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي، وكلهم من الأنصار، أو من حلفائهم. وعن حذيفة بن اليمان قال: صليت ليلة مع النبي ﷺ في رمضان، فقام يغتسل وسترته، ففضلت منه فضلة في الإناء فقال: إن شئت فأرقه، وإن شئت فصبّ عليه. قال: قلت: يا رسول الله، هذه الفضلة أحب إلي مما أصب عليه. قال: فاغتسلت به وسترني قال: قلت: لا تسترني. قال: بل لأسترنك كما سترتني. حدث إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ لقاتلت معه وأبليت معه، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك! لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة، وقرّ فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة. قال: فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة. قال: فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال: فسكتنا. فقال: قم يا حذيفة - أراه قال: فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم - قال: اذهب فائتنا بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد القوس فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله ﷺ لا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته خبر القوم وفرغت قررت، فألبسني رسول الله ﷺ فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قم يانومان.

стр. 2097

وفي حديث آخر بمعناه، عن حذيفة قال: فقمت وإن جنبيّ ليضربان من البرد فمسح رأسي ووجهي ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تحدثن حدثاً حتى ترجع، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته حتى يرجع. قال: فلأن يكون أرسلها كان أحب إلي من الدنيا وما فيها. الحديث. وعن حذيفة قال: بعثني رسول الله ﷺ سرية وحدي. وعن زيد بن أسلم قال: قال رجل لحذيفة: أشكو إلى الله صحبتكم رسول الله ﷺ ، فإنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره. قال حذيفة: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه. والله ماتدري لو أنك أدركته كيف كنت تكون! لقد رئينا مع رسول الله ﷺ ليلة الخندق، ليلة باردة مطيرة، إذ قال رسول الله ﷺ : هل من رجل يذهب فيعلم لنا علم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة؟ فما قام منا أحد. ثم قال: هل من رجل يذهب فيعلم لنا علم القوم، أدخله الله الجنة؟ قال: فوالله ما قام منا أحد. قال: هل من رجل يذهب، فيعلم لنا علم القوم جعله الله رفيقي في الجنة؟ فما قام منا أحد. فقال أبو بكر: يا رسول الله، ابعث حذيفة. قال حذيفة: فقلت: دونك، فوالله ما قال رسول الله ﷺ : يا حذيفة، حتى قلت: يا رسول الله بأبي وأمي أنت، والله ما بي أن أقتل، ولكني أخشى أن أؤسر. فقال رسول الله ﷺ : إنك لن تؤسر. فقلت: يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال: اذهب حتى تدخل في القوم، فتأتي قريشاً فتقول: يا معشر قريش، إنما يريد الناس أن يقولوا غداً: أين قريش؟ أين قادة الناس؟ أين رؤوس الناس؟ تقدموا، فتقدموا، فتضلوا بالقتال، فيكون القتل بكم، ثم ائت كنانة فقل: يا معشر كنانة، إنما يريد الناس غداً أن يقولوا: أين كنانة؟ أين رماة الحدق؟ تقدموا، فتقدموا فتضلوا

стр. 2098

بالقتال، فيكون القتل بكم. ثم ائت قيساً فقل: يا معشر قيس، إنما يريد الناس غداً أن يقولوا: أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ أين فرسان الناس؟ تقدموا، فتقدموا فتضلوا بالقتال، ويكون القتل بكم. ثم قال لي: ولا تحدث في سلاحك شيئاً. قال حذيفة: فذهبت فكنت بين ظهراني القوم أصطلي معهم على نيرانهم، وأذكر لهم القول الذي قال لي رسول الله ﷺ : أين قريش؟ أين كنانة؟ أين قيس؟ حتى إذا كان وجه السحر، قام أبو سفيان يدعو باللات والعزى ويشرك، ثم قال: نظر رجل من جليسه؟ قال: ومعي رجل يصطلي، قال: فوثبت عليه مخافة أن يأخذني فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان. قلت: أولى. فلما رأى أبو سفيان الصبح، قال أبو سفيان: نادوا: أين قريش؟ أين رؤوس الناس؟ أين قادة الناس؟ تقدموا. قالوا هذه المقالة التي أتينا بها البارحة. ثم قال: أين كنانة؟ أين رماة الحدق؟ تقدموا. فقالوا: هذه المقالة التي أتينا بها البارحة. ثم قال: أين قيس: أين فرسان الناس؟ أين أحلاس الخيل؟ تقدموا فقالوا: هذه المقالة التي أتينا بها البارحة. قال: فخافوا فتخاذلوا، وبعث الله عليهم الريح، فما تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفته، وتنادوا بالرحيل. قال حذيفة: حتى رأيت أبا سفيان وثب على جمل له معقول، فجعل يستحثه للقيام ولا يستطيع القيام لعقاله. قال حذيفة: فوالله لولا ما قال لي رسول الله ﷺ ولا تحدث في سلاحك شيئاً لرميته من قريب. قال: وسار القوم، وجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فضحك حتى رأيت أنيابه. وفي حديث آخر بمعناه، عن حذيفة: ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت المعسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر، الرحيل الرحيل لا مقام لكم، وإذا الريح في معسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي ﷺ ، فلما انتصف الطريق أو نحو ذلك إذا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك معتّمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو

стр. 2099

مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما غدا أن رجعت راجعني القر، وجعلت أقرقف، فأوحى إلي رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل علي شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم يترحلون، فأنزل الله : " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها " الآية. وعن حذيفة قال: تعودوا الصبر - وفي رواية: تعودوا البلاء - فيوشك أن ينزل بكم البلاء، مع أنه لا يصيبكم أشد مما أصابنا، ونحن مع رسول الله ﷺ . وعن مسلم بن مخراق قال: قال النبي ﷺ : " من هذا؟ قال: أنا عمار بن ياسر قال: ونظر خلفه قال: من هذا؟ قال: أنا حذيفة. قال: بل أنت كيسان ". وعن بريدة أن النبي ﷺ استعمل حذيفة بن اليمان على بعض الصدقة. فلما قدم قال: " يا حذيفة، هل رزئ من الصدقة شيء؟ قال: لا يا رسول الله، أنفقنا بقدر إلا أن ابنة لي أخذت جدياً من الصدقة. قال: كيف بك يا حذيفة إذا ألقي في النار وقيل لك ائتنا به! فبكى حذيفة، ثم بعث إليها فجيء بها فألقاها في الصدقة ". قال محمد بن سيرين: كان عمر بن الخطاب إذا بعث عاملاً كتب في عهده: أن اسمعوا له، وأطيعوا ما عدل فيكم. قال: فلما استعمل حذيفة على المدائن كتب في عهده: أن اسمعوا له وأطيعوا، وأعطوه ما سألكم. قال: فخرج حذيفة من عند عمر على حمار موكف، وعلى الحمار زاده. فلما قدم المدائن استقبله أهل الأرض والدهاقين، وبيده رغيف وعرق من لحم على حمار

стр. 2100

على إكاف. قال: فقرأ عهده عليهم، فقالوا: سلنا ما شئت. قال: أسألكم طعاماً آكله وعلف حماري هذا ما دمت فيكم، مرتين. قال: فأقام فيهم ما شاء، ثم كتب إليه عمر أن اقدم. فلما بلغ عمر قدومه كمن له على الطريق في مكان لا يراه. فلما رآه عمر على الحال التي خرج من عنده عليها، أتاه فأكرمه وقال: أنت أخي، وأنا أخوك. وفي حديث آخر عنه قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث أميراً كتب إليهم: إني قد بعثت إليكم فلاناً وأمرته بكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا، فلما بعث حذيفة إلى المدائن كتب إليهم: إني قد بعثت إليكم فلاناً فأطيعوه، فقالوا: هذا رجل له شأن، فركبوا ليتلقوه، فلقوه على بغل تحته إكاف، وهو معترض عليه، رجلاه من جانب واحد، فلم يعرفوه فأجازوه، فلقيهم الناس فقالوا: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لقيتم. قال: فركضوا في أثره، فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عرق وهو يأكل، فسلموا عليه، فنظر إلى عظيم منهم فناوله العرق والرغيف. قال: فلما عقل ألقاه. أو قال: أعطاه خادمه. قال أبو عبيدة: ومضى حذيفة بن اليمان - يعني سنة اثنتين وعشرين. بعد نهاوند إلى مدينة نهاوند، فصالحه دينار على ثماني مئة ألف درهم كل سنة. وغزا حذيفة مدينة الدينور فافتتحها عنوة، وقد كانت فتحت لسعد، ثم انتقضت، ثم غزا حذيفة ما سبذان فافتتحها عنوة، وقد كانت فتحت لسعد، فانتقضت. قال خليفة: وقد قيل في ماه غير هذا: يقال: أبو موسى فتح ماه دينار، ويقال: السائب بن الأقرع. قال أبو عبيدة: ثم غزا حذيفة همذان، فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، ثم غزا الري

стр. 2101

فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، وإليها انتهت فتوح حذيفة. وقال أبو عبيدة: فتوح حذيفة هذه كلها في سنة اثنتين وعشرين. ويقال: همذان، افتتحها المغيرة بن شعبة سنة أربع وعشرين، ويقال: جرير بن عبد الله افتتحها بأمر المغيرة. قال أبو عبد الرحمن السلمي: جمعت مع حذيفة المدائن، فسمعته يقول: إن الله يقول: " إقتربت الساعة وانشق القمر " ألا إن القمر انشق على عهد رسول الله ﷺ ، ألا إن الساعة قد اقتربت، ألا إن المضمار اليوم والسبق غداً، قال: فقلت لأبي: غداً مجرى الخيل. قال: إنك لغافل، حتى سمعته يقول: السابق من سبق إلى الجنة، والغاية النار. قال أبو هريرة: قال حذيفة بن اليمان: لأقومن الليلة، فلأمجدن ربي . قال: فسمعت صوتاً ورائي لم اسمع صوتاً قط أحسن منه. قال: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، اغفر لي ما سلف مني، واعصمني فيما بقي من أجلي. وعن حذيفة بن اليمان أنه قال: إن أقر أيامي لعيني يوم أرجع فيه إلى أهلي، فيشكون إلي الحاجة، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: عن الله ليتعاهد عبده بالبلاء، كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن الدنيا، كما يحمي المريض أهله الطعام. وعن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله ، وبحسبه من الكذب أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ثم يعود.

стр. 2102

قال أبو البحتري: قال حذيفة: لو حدثتكم بحديث لكذبني ثلاثة أثلاثكم، فقال: ففطن له شاب فقال: من يصدقك إذا كذبك ثلاثة أثلاثنا! فقال: إن أصحاب محمد ﷺ كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر. قال: فقيل له: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنه من اعترف بالشر، وقع في الخير. قال قتادة: قال حذيفة: لو كنت على شاطئ نهر، وقد مددت يدي لأغرف، فحدثتكم بكل ما أعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتى أقتل. وعن حذيفة أنه قال: خذوا عنا، فإنا لكم ثقة، ثم خذوا عن الذين يأخذون عنا، فإنهم لكم ثقة، ولا تأخذوا عن الذين يلونهم. قالوا: لم؟ قال: لأنهم يأخذون حلو الحديث، ويدعون مره، ولا يصلح حلوه إلا بمره. وقال حذيفة بن اليمان: عن الحق ثقيل، وهو مع ثقله مريء، وإن الباطل خفيف، وهو مع خفته وبيء، وترك الخطيئة خير من طلب التوبة، ورب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً. وعن جابر بن عبد الله قال: قال لنا حذيفة: إنا حملنا هذا العلم، وإنا نؤديه عليكم، وإن كنا لا نعمل به. قال البيهقي: قوله: وإن كنا لا نعمل به، يريد والله أعلم فيما يكون ندباً واستحباباً، فلا يظن بهم أنهم كانوا يتركون الواجب عليهم ولا يعملون به، إذ كانوا أعمل الناس بما وجب عليهم، ويحتمل أن يكون ذهب مذهب التواضع في ترك التزكية. وعن أبي الطفيل قال: قال حذيفة: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء

стр. 2103

فقيل له: يا أبا عبد الله، وما ميت الأحياء؟ قال: الذي لا يعرف المعروف بقلبه، ولا ينكر المنكر بقلبه. عن حذيفة، أنه سئل عن ميت الأحياء قال: هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه. قال حذيفة لأبي هريرة: إني أراك إذا دخلت الكنيف أبطأت في مشيك، وإذا خرجت أسرعت. قال: إني أدخل وأنا على وضوء، وأخرج وأنا على غير وضوء، فأخاف أن يدركني الموت قبل أن أتوضأ. قال له حذيفة: إنك لطويل الأمل، لكني أرفع قدمي، فأخاف ألا أضع الأخرى حتى أموت. وعن حذيفة قال: لوددت أن لي من يصلح لي في مالي، فأغلق علي بابي فلا يدخل علي أحد، حتى ألحق بالله . قال فضيل بن عياض: قيل لحذيفة: مالك لا تتكلم؟ قال: إن لساني سبع، أتخوف إن تركته يأكلني. قال حذيفة: ليس خياركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا خياركم من ترك الآخرة للدنيا، ولكن خياركم من أخذ من كل. وعن حذيفة بن اليمان أنه قال لرجل: أيسرك أن تغلب شر الناس؟ قال: إنك إن تغلبه تكن شراً منه. قال ابن سيرين: سئل حذيفة عن شيء فقال: إنما يفتي أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ، أو رجل ولي سلطاناً فلا يجد من ذلك بداً، أو متكلف. قال النزال بن سبرة: كنا مع حذيفة في البيت فقال له عثمان: يا أبا عبد الله، ما هذا الذي بلغني عنك؟

стр. 2104

قال: ما قلته. فقال عثمان: أنت أصدقهم وأبرهم، فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله، ألم تقل ما قلته؟ قال: بلى، ولكني أشتري ديني ببعضه: مخاف أن يذهب كله. قال بلال بن يحيى: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدراك هذا الأمر أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا قد اشترى بعض دينه ببعض، قالوا: فأنت؟ قال: وأنا، والله إني لأدخل على أحدهم وليس أحد إلا وفيه محاسن ومساوئ، فأذكر من محاسنه وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء فأقول: إني صائم ولست بصائم. قال ربعي بن خراش: لما كانت الليلة التي حضر فيها حذيفة، جعل يقول، أي الليل هذا؟ قال: فقلنا له وجه السحر. فاستوى جالساً ثم قال: اللهم، إني أبرأ إليك من دم عثمان، والله ما شهدت ولا قتلت ولا مالأت على قتله. وعن خالد بن ربيع العبسي قال: سمعنا توجع حذيفة، فركب إليه أبو مسعود الأنصاري في نفر أنا فيهم إلى المدائن، قال: فأتيناه في بعض الليل فقال: أي الليل ساعة هذه؟ قلنا: بعض الليل. لوجود الليل. قال: هل جئتم بأكفاني؟ قلنا: نعم. قال: فلا تغالوا بكفني، فإن يكن لصاحبكم عند الله خير يبدل خيراً من كسوتكم، وإلا تسلب سلباً سريعاً. قال: ثم ذكر عثمان فقال: اللهم لم أشهد، ولم أقتل، ولم أرض. وعن ربعي بن خراش أنه حدثهم أن أخته وهي امرأة حذيفة قالت: لما كان ليلة توفي حذيفة، جعل يسألنا أي الليل هو؟ فنخبره، حتى كان السحر. قالت: فقال: أجلسوني. فأجلسناه، قال: وجهوني. فوجهناه، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح النار ومن مسائها. قال ربعي بن خراش: قال حذيفة عند الموت: رب يوم أتاني الموت لم أسأل، أما اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري علام أنا فيها؟ قال: وأوصى أبا مسعود فقال: عليك بما تعرف ولا تلون في أمر الله .

стр. 2105

وعن صالح بن حسان، أن حذيفة لما نزل به الموت قال: هذه آخر ساعة من الدنيا، اللهم، إنك تعلم أني أحبك، فبارك لي في لقائك. ثم مات. قال أسد بن وداعة: لما مرض حذيفة مرضه الذي مات فيه قيل له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: فما تشتكي؟ قال: الذنوب. قالوا: أفلا ندعو لك الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، لقد عشت فيكم على خلال ثلاث: الفقر فيكم أحب إلي من الغنى. والضعة فيكم أحب إلي من الشرف، وإن من حمدني منكم ولامني في الحق سواء. ثم قال: أصبحنا؟ أصبحنا؟ قالوا: نعم. قال: اللهم، إني أعوذ بك من صباح النار، حبيب جاء على فاقة، فلا أفلح من ندم. حدث جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال حذيفة حين حضره الموت: مرحباً بالموت وأهلاً، مرحباً بحبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إني لم أحب الدنيا لحفر الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لسهر الليل وظمأ الهواجر، وكثرة الركوع والسجود، والذكر لله كثيراً، والجهاد في سبيله، ومزاحمة العلماء بالركب. وعن زياد مولى ابن عياش عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: دخلت على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال: اللهم، إنك تعلم لولا أني أرى أن هذا اليوم أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا لم أتكلم بما أتكلم به، اللهم، إنك تعلم أني كنت أختار الفقر على الغنى، وأختار الذلة على العز، وأختار الموت على الحياة، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. ثم مات. وتوفي حذيفة بعد عثمان بأربعين يوماً. وقيل: مات سنة ست وثلاثين. وقيل: قبل عثمان بأربعين ليلة. قال حفص بن غياث: رأيت أبا حنيفة في المنام فقلت له: أي الآراء وجدت أفضل أو أحسن؟ قال: نعم الرأي رأي عبد الله، ووجدت حذيفة بن اليمان شحيحاً على دينه.
следующие страницы →