Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، وإليها انتهت فتوح حذيفة.
وقال أبو عبيدة: فتوح حذيفة هذه كلها في سنة اثنتين وعشرين.
ويقال: همذان، افتتحها المغيرة بن شعبة سنة أربع وعشرين، ويقال: جرير بن عبد الله افتتحها بأمر المغيرة.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: جمعت مع حذيفة المدائن، فسمعته يقول: إن الله يقول: " إقتربت الساعة وانشق القمر " ألا إن القمر انشق على عهد رسول الله ﷺ ، ألا إن الساعة قد اقتربت، ألا إن المضمار اليوم والسبق غداً، قال: فقلت لأبي: غداً مجرى الخيل. قال: إنك لغافل، حتى سمعته يقول: السابق من سبق إلى الجنة، والغاية النار.
قال أبو هريرة: قال حذيفة بن اليمان: لأقومن الليلة، فلأمجدن ربي . قال: فسمعت صوتاً ورائي لم اسمع صوتاً قط أحسن منه. قال: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، اغفر لي ما سلف مني، واعصمني فيما بقي من أجلي.
وعن حذيفة بن اليمان أنه قال: إن أقر أيامي لعيني يوم أرجع فيه إلى أهلي، فيشكون إلي الحاجة، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: عن الله ليتعاهد عبده بالبلاء، كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن الدنيا، كما يحمي المريض أهله الطعام.
وعن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله ، وبحسبه من الكذب أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ثم يعود.
стр. 2102
قال أبو البحتري: قال حذيفة: لو حدثتكم بحديث لكذبني ثلاثة أثلاثكم، فقال: ففطن له شاب فقال: من يصدقك إذا كذبك ثلاثة أثلاثنا! فقال: إن أصحاب محمد ﷺ كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر. قال: فقيل له: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنه من اعترف بالشر، وقع في الخير.
قال قتادة: قال حذيفة: لو كنت على شاطئ نهر، وقد مددت يدي لأغرف، فحدثتكم بكل ما أعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتى أقتل.
وعن حذيفة أنه قال: خذوا عنا، فإنا لكم ثقة، ثم خذوا عن الذين يأخذون عنا، فإنهم لكم ثقة، ولا تأخذوا عن الذين يلونهم. قالوا: لم؟ قال: لأنهم يأخذون حلو الحديث، ويدعون مره، ولا يصلح حلوه إلا بمره.
وقال حذيفة بن اليمان: عن الحق ثقيل، وهو مع ثقله مريء، وإن الباطل خفيف، وهو مع خفته وبيء، وترك الخطيئة خير من طلب التوبة، ورب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال لنا حذيفة: إنا حملنا هذا العلم، وإنا نؤديه عليكم، وإن كنا لا نعمل به.
قال البيهقي: قوله: وإن كنا لا نعمل به، يريد والله أعلم فيما يكون ندباً واستحباباً، فلا يظن بهم أنهم كانوا يتركون الواجب عليهم ولا يعملون به، إذ كانوا أعمل الناس بما وجب عليهم، ويحتمل أن يكون ذهب مذهب التواضع في ترك التزكية.
وعن أبي الطفيل قال: قال حذيفة:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
стр. 2103
فقيل له: يا أبا عبد الله، وما ميت الأحياء؟ قال: الذي لا يعرف المعروف بقلبه، ولا ينكر المنكر بقلبه.
عن حذيفة، أنه سئل عن ميت الأحياء قال: هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه.
قال حذيفة لأبي هريرة: إني أراك إذا دخلت الكنيف أبطأت في مشيك، وإذا خرجت أسرعت. قال: إني أدخل وأنا على وضوء، وأخرج وأنا على غير وضوء، فأخاف أن يدركني الموت قبل أن أتوضأ. قال له حذيفة: إنك لطويل الأمل، لكني أرفع قدمي، فأخاف ألا أضع الأخرى حتى أموت.
وعن حذيفة قال: لوددت أن لي من يصلح لي في مالي، فأغلق علي بابي فلا يدخل علي أحد، حتى ألحق بالله .
قال فضيل بن عياض: قيل لحذيفة: مالك لا تتكلم؟ قال: إن لساني سبع، أتخوف إن تركته يأكلني.
قال حذيفة: ليس خياركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا خياركم من ترك الآخرة للدنيا، ولكن خياركم من أخذ من كل.
وعن حذيفة بن اليمان أنه قال لرجل: أيسرك أن تغلب شر الناس؟ قال: إنك إن تغلبه تكن شراً منه.
قال ابن سيرين: سئل حذيفة عن شيء فقال: إنما يفتي أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ، أو رجل ولي سلطاناً فلا يجد من ذلك بداً، أو متكلف.
قال النزال بن سبرة: كنا مع حذيفة في البيت فقال له عثمان: يا أبا عبد الله، ما هذا الذي بلغني عنك؟
стр. 2104
قال: ما قلته. فقال عثمان: أنت أصدقهم وأبرهم، فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله، ألم تقل ما قلته؟ قال: بلى، ولكني أشتري ديني ببعضه: مخاف أن يذهب كله.
قال بلال بن يحيى: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدراك هذا الأمر أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا قد اشترى بعض دينه ببعض، قالوا: فأنت؟ قال: وأنا، والله إني لأدخل على أحدهم وليس أحد إلا وفيه محاسن ومساوئ، فأذكر من محاسنه وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء فأقول: إني صائم ولست بصائم.
قال ربعي بن خراش: لما كانت الليلة التي حضر فيها حذيفة، جعل يقول، أي الليل هذا؟ قال: فقلنا له وجه السحر. فاستوى جالساً ثم قال: اللهم، إني أبرأ إليك من دم عثمان، والله ما شهدت ولا قتلت ولا مالأت على قتله.
وعن خالد بن ربيع العبسي قال: سمعنا توجع حذيفة، فركب إليه أبو مسعود الأنصاري في نفر أنا فيهم إلى المدائن، قال: فأتيناه في بعض الليل فقال: أي الليل ساعة هذه؟ قلنا: بعض الليل. لوجود الليل. قال: هل جئتم بأكفاني؟ قلنا: نعم. قال: فلا تغالوا بكفني، فإن يكن لصاحبكم عند الله خير يبدل خيراً من كسوتكم، وإلا تسلب سلباً سريعاً. قال: ثم ذكر عثمان فقال: اللهم لم أشهد، ولم أقتل، ولم أرض.
وعن ربعي بن خراش أنه حدثهم أن أخته وهي امرأة حذيفة قالت: لما كان ليلة توفي حذيفة، جعل يسألنا أي الليل هو؟ فنخبره، حتى كان السحر. قالت: فقال: أجلسوني. فأجلسناه، قال: وجهوني. فوجهناه، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح النار ومن مسائها.
قال ربعي بن خراش: قال حذيفة عند الموت: رب يوم أتاني الموت لم أسأل، أما اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري علام أنا فيها؟ قال: وأوصى أبا مسعود فقال: عليك بما تعرف ولا تلون في أمر الله .
стр. 2105
وعن صالح بن حسان، أن حذيفة لما نزل به الموت قال: هذه آخر ساعة من الدنيا، اللهم، إنك تعلم أني أحبك، فبارك لي في لقائك. ثم مات.
قال أسد بن وداعة: لما مرض حذيفة مرضه الذي مات فيه قيل له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: فما تشتكي؟ قال: الذنوب. قالوا: أفلا ندعو لك الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، لقد عشت فيكم على خلال ثلاث: الفقر فيكم أحب إلي من الغنى. والضعة فيكم أحب إلي من الشرف، وإن من حمدني منكم ولامني في الحق سواء. ثم قال: أصبحنا؟ أصبحنا؟ قالوا: نعم. قال: اللهم، إني أعوذ بك من صباح النار، حبيب جاء على فاقة، فلا أفلح من ندم.
حدث جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال حذيفة حين حضره الموت: مرحباً بالموت وأهلاً، مرحباً بحبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إني لم أحب الدنيا لحفر الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لسهر الليل وظمأ الهواجر، وكثرة الركوع والسجود، والذكر لله كثيراً، والجهاد في سبيله، ومزاحمة العلماء بالركب.
وعن زياد مولى ابن عياش عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: دخلت على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال: اللهم، إنك تعلم لولا أني أرى أن هذا اليوم أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا لم أتكلم بما أتكلم به، اللهم، إنك تعلم أني كنت أختار الفقر على الغنى، وأختار الذلة على العز، وأختار الموت على الحياة، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. ثم مات.
وتوفي حذيفة بعد عثمان بأربعين يوماً. وقيل: مات سنة ست وثلاثين. وقيل: قبل عثمان بأربعين ليلة.
قال حفص بن غياث: رأيت أبا حنيفة في المنام فقلت له: أي الآراء وجدت أفضل أو أحسن؟ قال: نعم الرأي رأي عبد الله، ووجدت حذيفة بن اليمان شحيحاً على دينه.
стр. 2106
وقيل: إنه مات سنة خمس وثلاثين. وقولهم: قبل قتل عثمان خطأ، لأن عثمان قتل في آخر سنة خمس وثلاثين.
حرام بن حكيم بن خالد بن سعد
ابن حكم الأنصاري ويقال: حرام بن معاوية من أهل دمشق.
حدث حرام عن عمه عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد. فقال: " لقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، ولأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة.
وحدث عنه أيضاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤّاله، كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤّاله، قليل معطوه، العلم فيه خير من العمل.
وحدث حرام بن حكيم، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، في يوم الجمعة والفطر: من كان خارجاً من المدينة فبدا له فليركب، فإذا جاء المدينة فليمش إلى المصلى، فإنه أعظم أجراً، وقدّموا قبل خروجكم زكاة الفطر، فإن على كل نفس مدّين من قمح أو دقيق.
وعن حرام بن حكيم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حدثوا عني كما سمعتم ولا حرج، إلا من افترى علي كذباً متعمداً بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار.
وفي حديث آخر بمعناه: إلا من افترى علي كذباً متعمداً ليضل به الناس، فليتبوأ مقعده من النار.
стр. 2107
حدث عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يجيز على رؤية الهلال إلا رجلين عدلين. كان بلغه أنّ محمدا بن سويد الفهري ضحّى بدمشق قبل الناس بيوم، فكتب إليه عمر: ما حملك أن خالفت المسلمين؟ فكتب إليه محمد بن سويد يذكر: إنما فعلته من أجل حرام بن حكيم، شهد عندي بذلك. فكتب إليه عمر: حرام بن حكيم أذو اليدين هو! إنكاراً يعني أنّ تجاز شهادته وحده، دون أن يكونا رجلين.
قال القاسم: لعله أراد ذو الشهادتين!
حرب بن إسماعيل بن محمد الكرماني
سمع بدمشق حدث أبو محمد حرب بن إسماعيل بسنده عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر ذبح قبل الصلاة يوم العيد، فأمره النبي ﷺ أن يعيد.
حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية
ابن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية كان جواداً ممدحاً ذا قدر ونبل، وأمه أم ولد.
وعن حرب بن خالد قال: قال معاوية لابن عباس: يا عجباً من وفاة الحسن، شرب عسلاً بماء رومة فقضى نحبه، لا يحزنك الله ولا يسؤك في الحسن. فقال: لا يسوءني الله ما أبقاك، فأمر له بمائة ألف وكسوة.
стр. 2108
قال: ويقال إنّ معاوية قال لابن عباس يوماً: أصبحت سيد قومك. قال: ما بقي أبو عبد الله فلا.
وعن حرب بن خالد قال: قال معاوية يوماً لحسين: يا حسين؛ فقال عبد الله بن الزبير: يا أبا عبد الله إياك يريد. فقال له معاوية: أردت أن تغريه في أني سميته وأنك كنيته؛ أما والله ما أولع شيخ قوما قط بالرتاج إلا مات بينهما. قال: الرتاج: الغلق والباب.
قال حرب بن خالد: سألت زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب: وفي كم كان علي بن أبي طالب؟ قال: في مائة الف. يعني يوم صفين.
قال وهب بن حسن مولى الربيع بن يونس، وكان عالماً فاضلاً عاقلاً قال: خرج داود بن سلم حتى قدم على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما نزل به قام غلمانه إلى متاعه، فأدخلوه وحطوا على راحلته، ثم دخل عليه فأنشده قوله:
ولمّا دفعت لأبوابهم ... ولاقيت حرباً لقيت النجاحا
وجدناه يحمده المجتدون ... ويأبى على العسر إلا سماحا
ويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا
فأنزله وأكرمه، وأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه للخروج فأذن له، وأعطاه ألف دينار وقال: لا إذن لك علي، فودعه وخرج من عنده وغلمانه جلوس، فلم يقم إليه منهم أحد ولم يعنه، فظن أن حرب بن خالد ساخط عليه فرجع إليه، فقال له: إنك على موجدة؟ قال: لا، وما ذاك؟ فأخبره أن غلمانه لم يعينوه على رحله. فقال له: ارجع إليهم فسلهم، فرجع إليهم فسألهم فقالوا: إنا ننزل من جاءنا، ولا نرحل من خرج من عندنا. فلما قدم المدينة سمع الغاضري بحديثه وجاءه فقال: إني أحب أن أسمع الحديث من فيك، فحدثه به وأنشده الأبيات. فقال: هو يهودي، وهو نصراني إن لم يكن الذي فعل الغلمان أحسن من شعرك.
стр. 2109
حرب بن محمد بن حرب بن عامر
أبو الفوارس السلمي الحراني حدث بدمشق، عن أبي القاسم الخضر بن أحمد الحراني بسنده عن عبد الله بن قيس قال: قال رسول ﷺ : ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله ، يجعلون له نداً، ويجعلون له ولداً، وهو مع ذلك يرزقهم ويعطيهم.
حرب بن محمد بن علي بن حيان
ابن مازن بن الغضوبة الطائي الموصلي والد علي بن حرب، استقدمه المأمون إلى دمشق لأجل المساحة.
روى عن المعافى بن عمران، بسنده عن النعمان بن بشير قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد منا ظهره، حتى نرى النبي ﷺ قد سجد.
وروى عن محمد بن الحسن، بسنده عن فضالة بن عبيد قال: كان النبي ﷺ لا يقسم للمملوكين.
وروى عن المعافى بن عمران، بسنده عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: يقول الله : " حسنة ابن آدم عشر وأزيد، والسيئة واحدة أو أغفرها، ومن لقيني بقراب الأرض خطايا لقيته بمثلها مغفرة، ما لم يشرك بي شيئاً.
كان حرب بن محمد رجلاً نبيلاً ذا همة رحل في طلب العلم، وكتب عن مالك بن أنس ونظرائه. وتوفي سنة ست وعشرين ومئتين.
стр. 2110
قال علي بن حرب الموصلي: في سنة أربع عشرة ومائتين قدم عبد الله المأمون دمشق، ففرق المعدلين يعني المساح في أجناد الشام في تعديلها يعني مساحتها ووجه في ذلك إلى رؤساء أهل الجزيرة والموصل والرقة، فقدم عليه جماعة، منهم حرب بن عبد الله الطائي وسفيان بن عبد الملك الخولاني، فاستعفوه من التعديل فأعفاهم وصرفهم، واجتلب لتعديل الشام المساح من العراق والأهواز والري، وأقام بدمشق تلك الشتوة على التعديل.
حرملة بن المنذر بن معد يكرب
ابن حنظلة بن النعمان بن حية بن سعنة ويقال ابن سعد بن الغوث بن الحارث، ويقال ابن الحويرث بن ربيعة بن مالك بن صقر بن هنيء بن عمرو بن الغوث بن الحارث بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أبو زبيد الطائي: شاعر مشهور مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام ولم يسلم وكان نصرانياً، وفد على الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان ينزل بنواحي دمشق.
وكان أبو زبيد من زوار الملوك ولملوك العجم خاصة، وكان عالما بسيرهم، وكان عثمان بن عفان يقربه على ذلك ويدني مجلسه، وكان نصرانياً، فحضر ذات يوم عثمان وعنده المهاجرون والأنصار فتذاكروا مآثر العرب وأشعارها، فالتفت عثمان إلى أبي زبيد، فقال: يا أخا تبع المسيح، أسمعنا بعض قولك فقد أنبئت أنك تجيد، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
من مبلغ قومنا النائين إذ شحطوا ... أن الفؤاد إليهم شيق ولع
ووصف فيها الأسد، فقال عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت! والله إني
стр. 2111
لأحسبك جباناً هدانا، قال: كل يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظراً وشهدت منه مشهداً لا يبرح ذكره يتجدد في قلبي، ومعذور أنا بذلك يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال له عثمان: وأنى كان ذلك؟ قال: خرجت في صيابة أشراف من أفناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهاري بأكسائها، والقيروانات على قنو البغال تسوقها العبدان، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروط بنا السير في حمارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيهد وصر الجندب وضاف العصفور الضب في جحره أو قال في وجاره وقال قائلنا: أيها الركب، غوروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدغل دائم الغلل، شجراؤه مغنة وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات، فأصبنا من فضالات المزاود، واتبعناها الماء البارد، فإنا لنصف حر يومنا ذلك ومماطلته إذ صر أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه، فوالله، ما لبث أن جال، ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الذي يليه واحد فواحد، فتضعضعت الخيل
стр. 2112
وتكعكعت الإبل وتقهقرت البغال، فمن ناد بشكاله وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا وأنه السبع، ففزع كل امرئ منا إلى سيفه، فاستله من جربانه، ثم وقفنا زردقا. فأقبل يتظالع من بغيه كأنه مجنوب أو في هجار مسحوب، لصدره نحيط، ولبلاعيمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيماً، أو يطأ صريماً، وإذا هامة كالمجن، وخد كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربلة ولهزمة رهلة، وكتد مغبط، وزور مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيديه فأرهج، وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول، مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق كالغار
стр. 2113
الأخوق، ثم تمطى فأشرع بيديه، وحفز وركيه برجليه حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى فاقشعر ثم تميل فاكفهر، ثم جهز فازبأر. فلا والذي بيته في السماء ما اتقينا بأول أخ لنا من بني فزارة كان ضخم الجزارة، فوقصه ثم نفضه نفضة فقضقض متنيه، وجعل يلغ في دمه، فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا، فهجهجنا به فكر مقشعراً بزبرته، كأن به شيهماً حولياً، فاختلج رجلاً أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت مفاصله، ثم نهم ففرفر، ثم زفر فبربر ثم زار فجرجر ثم لحظ، فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت الأضلاع، وأرتجت الأسماع وحمجت العيون،
стр. 2114
وألحقت الظهور بالبطون، وانخزلت المتون، وساءت الظنون.
فقال عثمان: اسكت، قطع الله لسانك! فقد رعبت قلوب المؤمنين.
وقال يصف الأسد:
فباتوا يذلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هاد هموس
إلى أن عرسوا وأغب عنهم ... قريباً ما يحس له حسيس
خلا أن العتاق من المطايا ... حسن به فهن إليه شوس
فلما أن رآهم قد تدانوا ... أتاهم وسط أرجلهم يميس
فثار الزاجرون فزاد منهم ... تقراباً وواجهه ضبيس
بنصل السيف ليس له مجن ... فصد ولم يصادفه جسيس
فيضرب بالشمال إلى حشاه ... وقد نادى فأخلفه الأنيس
يشمر كالمحالق في قنوت ... تقيه قضة الرض الدخيس
فخر السيف واختلفت يداه ... وكان بنفسه وقيت نفوس
فطار القوم شتى والمطايا ... وغودر في مكرهم الرسيس
وجال كأنه فرس صنيع ... يجر جلاله ذيل شموس
كأن بنحره وبساعديه ... عبيراً بات تعبؤه عروس
فذلك إن تلاقوه نفادوا ... ويحدث بينكم أمر شكيس
وكان أبو زبيد الطائي منقطعاً إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان الوليد يكنى بوهب. فقال أبو زبيد:
من يرى العيس لابن أروى على ظه ... ر المرورى حداهن عجال
стр. 2115
مصعدات والبيت بيت أبو وه ... ب خلاء تحن فيه الشمال
يعرف الجاهل المضلل أن الده ... ر فيه النكراء والزلزال
بعدما تعلمين يا أم وهب ... كان فيهم عيش لنا وجمال
ووجوه تودنا مشرقات ... ونوال إذا يراد النوال
فلعمر الإله لو كان للسي ... ف مصال أو للسان مقال
ما تناسيتك الصفاء ولا الو ... د ولا حال دونك الأشغال
ولحرمت لحمك المتعصي ... ضلة ضل حلمهم ما اقتالوا
أصبح البيت قد تبدل بالحي ... وجوهاً كأنها الأقتال
غير ما طالبين ذحلاً ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا
قولهم بشرب الحرام وقد كا ... ن شراب سوى الحرام حلال
وأبى ظاهر العداوة إلا ... طغياناً وقول ما لا يقال
من يخنك الصفاء أو يتبدل ... أو يزل مثلما تزول الظلال
فاعلمن أنني أخوك أخو الود ... حياتي حتى تزول الجبال
كان أبو زبيد جاهلياً إسلامياً، وأقام في الإسلام علة النصرانية وعاش مائة وخمسين سنة، وكان يحمل في كل يوم أحد إلى البيعة مع النصارى فيظل يومه يشرب، فبينا هو في بعض تلك الآحاد يشرب، وحوله النصارى وفي يده الكأس إذ وقع بصره إلى السماء فنظر نظراً شديداً طويلاً، ثم رمى بالكأس من يده وقال:
إذا جعل المرء الذي كان حازماً ... يحل به حل الحوار ويحمل
فليس له في العيش خير يريده ... وتكفينه ميتا أعف وأجمل
ثم مات.
стр. 2116
وزاد في رواية بيتاً آخر:
أتاني رسول الموت يا مرحباً به ... لآتيه وسوف والله أفعل
ثم مات.
حريث بن أبي حريث
ويقال زيد بن جارية القرشي، مولاهم: من أهل دمشق.
حدث حريث بن أبي حريث أنه سأل ابن عمر قلت: رجل أراد أن يأتي مصر فقال لصاحبه: أعطني مائة دينار تجوز بمصر، وأعطيك مائة مما يجوز هاهنا وزناً، فوضعاها في الميزان حتى استوت، فكانت الدنانير التي أخذ مائة دينار عدداً، وكانت الدنانير التي أعطى دينارين ومائة. فقال عبد الله: وزناً بوزن؟ قلت: نعم: قال: فإذا اختلف العدد فقد فسدا، رباً خبيث فلا تقربها.
قال البخاري: حريث بن أبي حريث؛ سمع ابن عمر، روى عنه ابن حليس في الصرف، قاله أبو المغيرة عن الأوزاعي، لا يتابع على حديثه. وأدخل البخاري حديث ابن أبي حريث في كتاب الضعفاء فقال: تحول اسمه من هناك، يكتب حديثه ولا يحتج به.
стр. 2117
حريث بن زيد الخيل الطائي
وفد على النبي ﷺ ، ثم تنصر وهرب إلى أرض الروم.
كتب رسول الله ﷺ إلى يوحنا بن رؤبة وسروات أهل أيلة: سلم أنتم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإني لم أكن لأقاتلكم حتى أكتب إليكم، فأسلم أو أعط الجزية، وأطع الله ورسوله ورسل رسوله وأكرمهم، واكسهم كسوة حسنة غير كسوة الغزاء، واكس زيداً كسوة حسنة، فمهما رضيت رسلي فإني قد رضيت، وقد علم الجزية، فإن أردتم أن يأمن البحر والبر فأطع الله ورسوله، ويمنع عنكم كل حق كان للعرب والعجم، إلا حق الله وحق رسوله، وإنك إن رددتهم ولم ترضهم لا آخذ منكم شيئا حتى أقاتلكم، فأسبي الصغير وأقتل الكبير، فإني رسول الله بالحق، أومن بالله وكتبه ورسله والمسيح بن مريم أنه كلمة الله، وإني أومن به أنه رسول الله، وائت قبل أن يمسكم الشر، فإني قد أوصيت رسلي بكم، وأعط حرملة ثلاثة أوسق شعيراً، وإن حرملة شفع لكم، وإني لولا الله وذلك لم أراسلكم شيئاً حتى ترى الخميس، وإنكم إن أطعتم رسلي فإن الله لكم جار ومحمد، وإن رسلي شرحبيل وأبي وحرملة وحريث بن زيد الطائي، فإنهم مهما قاضوك عليه فقد رضيته، وإن لكم ذمة الله وذمة محمد رسول الله ﷺ . والسلام عليكم إن أطعتم، وجهزوا أهل مقنا إلى أرضهم.
وكان لزيد من الولد مكنف بن زيد الخيل، وبه كان يكنى، وقد أسلم وصحب النبي ﷺ ، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، وكان له بلاء. وحريث بن زيد وكان فارساً، وقد صحب النبي ﷺ ، وشهد الردة مع خالد بن الوليد وكان شاعراً. وعروة بن زيد شهد القادسية.
стр. 2118
حريث بن ظهير الكوفي
قدم الشام.
روى عن عبد الله بن مسعود قال: لا يموت مسلم إلا في الإسلام ثلمة لا تجبر بعده أبداً.
وعن حريث بن ظهير قال: قال عبد الله بن مسعود: أيها الناس، قد أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله ، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به رسول الله ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به رسول الله ﷺ ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه. ولا يقولن أحدكم: إني أخاف، وإني أرى، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لايريبك.
حريث مولى معاوية بن أبي سفيان
كان فارساً بطلاً، وكان معاوية يعتمد عليه في حربه، وشهد معه صفين، وقتل يومئذ، وكان فارسه الذي يعده للمبارزة، وكان يلبس سلاح معاوية متشبهاً به، فإذا قاتل قال الناس: ذاك معاوية. وإن معاوية قال له: يا حريث، اتق علياً، ثم ضع رمحك حيث شئت. فقال له عمرو بن العاص: إنك والله يا حريث لو كنت قرشياً لأحب معاوية أن تقتل علياً، ولكن كره أن يكون لك حظها، فإن رأيت منه فرصة فاقتحم عليه، فلما خرج الناس إلى القتال وتصافوا خرج علي أمام أصحابه قالوا: وخرج حريث مولى معاوية يوم صفين، فدعا علياً إلى المبارزة فقال: هلم يا أبا الحسن إلى المبارزة، فخرج إليه علي وهو يقول:
أنا علي وابن عبد المطلب ... أنا وبيت الله أولى بالكتب
стр. 2119
أهل اللواء والمقام والحجب ... نحن نصرناه على جل العرب
ثم حمل عليه علي ﵇، فطعنه فدق ظهره.
وجزع معاوية على حريث جزعاً شديداً، وعاتب عمراً فيما أشار عليه من لقاء علي فأنشأ يقول:
حريث ألم تعلم وعلمك ضائر ... بأن علياً للفوارس قاهر
وأن علياً لم يبارزه فارس ... من الناس إلا قصدته الأظافر
أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر
حريز بن عثمان بن جبر بن أحمد
ابن أسعد أبو عثمان، ويقال: أبو عون الرحبي الحمصي: وفد على عمر بن عبد العزيز.
قال حريز: سألت عبد الله بن بسر: أشاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم. وأومأ إلى عنفقته.
وقال حريز: قلت لعبد الله بن بسر: هل كان في رأس رسول الله ﷺ من شيب؟ قال: كان في رأس رسول الله ﷺ شعرات بيض، كان إذا ادهن تتغير.
وحدث حريز بن عثمان قال:
رأيت عبد الله بن بسر المازني صاحب رسوا الله ﷺ بحمص، والناس يسألونه، فدنوت منه وأنا غلام. قال: قلت: رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. فقلت له: شيخاً كان رسول الله ﷺ أم شاباً؟ فتبسم وقال: رأيت هاهنا وأشار بيده إلى ذقنه شعرات بيض.
стр. 2120
قال حريز بن عثمان: رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلمون عليه في الصلاة، السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة قد تقاربت.
وحدث حريز قال: صليت مع عمر بن عبد العزيز العيدين، فكان يكبر فيهما سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة، يبدأ فيكبر ثم يقرأ، ويركع ثم يقوم. فيكبر، ثم يقرأ ويركع.
وحدث حريز قال: صليت خلف عمر بن عبد العزيز فسلم تسليمة.
توفي حريز سنة ثلاث وستين ومائة، ومولده سنة ثمانين، وتوفي وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وكان قدم بغداد وسمع بها منه العراقيون، وكان ابيض الرأس واللحية، وكان له جمة إلى شحمة أذنيه.
وقال معاوية بن عبد الرحمن الرحبي الحمصي: سمعت حريز بن عثمان يقول: لا تعاد أحداً حتى تعلم ما بينه وبين الله، فإن يكن محسناً، فإن الله لا يسلمه لعداوتك إياه، وإن يكن مسيئاً فأوشك بعلمه أن يكفيكه.
وكان حريز بن عثمان ينتقص علياً وينال منه.
قال أبو اليمان: كان حريز يتناول من رجل يعني علياً ثم ترك.
قال الخطيب: ولم يكن لحريز كتاب، وكان يحفظ حديثه، وكان ثقة ثبتاً، وحكي عنه من سوء المذهب وفساد الاعتقاد ما لم يثبت عليه.
قال معاذ: ولا أعلمني رأيت شامياً أفضل منه.
وقال أحمد: ليس بالشام أثبت من حريز. وقال في أثناء الحديث: لم يكن يرى القدر.
стр. 2121
ويقال في حريز مع ثبته: إنه كان سفيانياً.
وقال أبو حفص: حريز بن عثمان ثبت شديد التحامل على علي ﵇، وكان يشتم علياً على المنابر، وكان يقول: لا أحبه قتل آبائي. يعني علياً.
قال الحسن بن علي: قلت ليزيد بن هارون: هل سمعت من حريز بن عثمان شيئاً تنكره عليه من هذا الباب؟ قال: إني سألته ألا يذكر لي شيئاً من هذا، مخافة أن أسمع منه شيئاً يضيق على الرواية عنه. قال: فأشد شيء سمعته يقول: لنا أمير ولكم أمير. يعني لنا معاوية ولكم علي. فقلت ليزيد: فقد آثرنا على نفسه. قال: نعم.
قال إسماعيل بن عياش: عادلت حريز بن عياش من مصر إلى مكة، فجعل يسب علياً ويلعنه.
وقال يزيد بن هارون: قال حريز بن عثمان: لا أحب من قتل لي جدين.
حدث عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش قال: سمعت حريز بن عثمان قال: هذا الذي يرونه الناس عن النبي ﷺ ، قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى حق، ولكن أخطأ السامع. قلت: فما هو؟ فقال: إنما هو أنت مني بمكان قارون من موسى. قلت: عمن ترويه؟ قال: سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر.
قال الخطيب: عبد الوهاب بن الضحاك كان معروفاً بالكذب في الرواية، فلا يصح الاحتجاج بقوله.
قال يحيى بن صالح الوحاظي وقيل: لم لم تكتب عن حريز بن عثمان؟ قال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين، فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن علياً سبعين لعنة كل يوم.
قال أحمد بن سنان: سمعت يزيد بن هارون يقول: رأيت رب العزة ﵎ فقال لي: يا يزيد تكتب من حريز بن عثمان!
стр. 2122
فقلت: يا رب، ما علمت منه إلا خيراً. فقال لي: يا يزيد، لا تكتب منه شيئاً، فإنه يسب علياً.
قال حوثرة بن محمد المنقري البصري: رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ووهب لي التبعات. قلت: وما فعل بك بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم، غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت الذي نلت؟ قال: بمجالس الذكر، وقولي الحق، وصدقي الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر. قلت: منكر ونكير حق؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وسألاني، فقالا لي: من ربك؟ وما ذنبك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، فقلت: مثلي يسأل! أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس. قال أحدهما: صدق، هو يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم. قال أحدهما: أكتبت عن حريز بن عثمان؟ قال: نعم. وكان ثقة في الحديث. قال: ثقة، ولكنه كان يبغض علياً، ابغضه الله.
وقد روي أنه قد رجع عن ذلك.
قال علي بن عياش، وسأله رجل من أهل خراسان ن حريز، هل كان يتناول علياً؟ فقال علي بن عياش: أنا سمعته يقول: إن أقواماً يزعمون أني أتناول علياً، معاذ الله أن أفعل ذلك، خيبهم الله.
قال علي بن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول لرجل: ويحك، أما خفت الله ، حكيت عني أني أسب علياً، والله ما أسبه وما سببته قط.
стр. 2123
الحر بن سليمان بن حيدرة
أبو شعيب الأطرابلسي حدث عن سعد بن عبد الله بن الحكم، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة.
الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم
ابن أبي العاص بن أمية أمره هشام بن عبد الملك على مصر سنة ست ومائة، فلم يزل عليها إلى أن وفد عليه سنة ثمان ومائة، فعزله عنها، ويقال: وفد عليه في شوال سنة سبع ومائة.
حدث موسى بن أيوب: أن الحر بن يوسف أمير مصر سأل عبد الرحمن بن عتبة عن أمة اشتراها رجلان، فوطئاها في طهر واحد، فحملت. فقال: سلا ابن خدام يعني عبد الله بن يزيد وهو قاضي المصر. فسأله، فقال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في مثل ذلك فكتب إلي عمر قال: يرثهما الولد ويرثانه. وعاقبهما.
стр. 2124
حزام بن هشام بن حبيش ين خالد
ابن الأشعر الخزاعي القديدي من أهل الرقم بادية بالحجاز، وفد على عمر بن عبد العزيز مع أبيه.
حدث حزام بن هشام صاحب رسول الله ﷺ قتيل البطحاء يوم الفتح، عن أبيه عن جده حبيش بن خالد وهو أخو عاتكة بنت خالد، وكنيتها أن معبد أن رسول الله ﷺ حين خرج من مكة خرج منها مهاجراً إلى المدينة، هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة دليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط، فنزلوا خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة قال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: هل من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي، نعم إن رأيت بها حلباً فاحلبها. فدعا بها رسول الله ﷺ ، فمسح بيده ضرعها، وسمّى الله، ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرّت واجترت ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجّاً حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانياً بعد بدء، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها، فارتحلوا عنها.
فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزاً عجافاً يتساوكن هزلاً، فلما أن رأى عند أم معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاء عازب، ولا خلوف في البيت؟! قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا،
стр. 2125
فقال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به سفلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هذر، كأنما منطقه خرزات نظم يتحدّرن، لا تشنؤوه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون، إن قال أنصتوا له، وإن أمر بادروا إلى أمره، محفود محشود.
قال أبو معبد: هو الله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، فأصبح صوت بمكة عالياً يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجاري وسؤدد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... عليه صريحاً ضرّة الشاة مزبد
стр. 2126
فغادرها رهناً لديها لحالب ... يردّدها في مصدر ثم مورد
فلما سمع حسان بن ثابت الأنصاري الهاتف يهتف، أنشد يجاوب الهاتف ويقول:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيّهم ... وقدّس من يسري إليهم ويغتدي
ترحّل عن قوم فضلت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدد
هداهم به الضلالة ربهم ... وأرشدهم. من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمايتهم هاد به كل مهتدي
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قال حزان: أرسل عمر بن عبد العزيز إلى أبي يوماً، فدعا أبي براحلة له فركب عليه، وأنا إذ ذاك غلام أعقل الكلام، فدعاني أبي فحملني خلف رجله، فخرجنا حتى إذا نحن بعمر بن عبد العزيز في جماعة من أصحابه. فسلم عليه أبي بالخلافة، فرد عليه عمر السلام. ثم قال له عمر: يا أبا حزام، أين نحن من القوم؟ فقال له أبي: كل يعمل على شاكلته، أشهد يا عمر بن عبد العزيز، لأرسل إلي عمر بن الخطاب في منزلك هذا، فرأيته في جماعة من أصحابه نزل عن راحلته، ثم حط رحله، ثم قيد راحلته كرجل من أصحابه، ثم حس ركاب القوم فوجد فيها راحلة مقارباً لها من قيدها، فأرخى لها عمر بن الخطاب، ثم أقبل يتغيظ، قال: بئس الغيظ في وجهه فقال: أيكم صاحب الراحلة، فقال رجل من القوم: أنا أمير المؤمنين. قال: بئس ما صنعت، تبيت على فؤاده تضرب صدره، حتى إذا حان رزقه جمعت بين عظمين من عظامه، فهلا كنت فاعلاً هذا يا عمر بن عبد العزيز! فبكى عند ذلك عمر بن عبد العزيز بكاء شديداً.
стр. 2127
وحدث حزام أيضا قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي، فانطلقت معه إليه، فقال له عمر: أين ترانا من القوم؟ قال: كل يعمل على شاكلته. قال: فأخبرنا عن القوم؟ قال: شهدت عمر بن الخطاب، وأتاه صاحب الصدقة فقال: إن إبل الصدقة قد كثرت، فقام عمر بناس معه، فنادى عمر على فريضة فيمن مر يزيد، وأخذ عقلها فشد به حقوه، ثم مر على المساكين، فجعل يتصدق به عليهم.
وكان حزام ينزل قديداً.
وأسلم خالد الأشعر قبل فتح مكة، وشهد مع رسول الله ﷺ الفتح، فسلك هو وكرز بن جابر غير طريق رسول الله ﷺ التي دخل منها مكة، فأخطأ الطريق، ولقيتهم خيل المشركين فقتلا شهيدين. وكان الذي قتل خالد الأشعر، ابن أبي الجذع الجمحي.
حزوّر ويقال نافع
ويقال سعيد ابن الحزوّر أبو غالب البصري مولى عبد الرحمن بن الخضرمي ويقال مولى خالد بن عبد الله القسري ويقال مولى بني أسد سمع بدمشق أبا أمامة الباهلي وغيره قال أبو غالب: كان أبو أمامة يسكن حمص، وكان لي صديقاً، وكان مسكني دمشق، وكان إذا جاء لحاجة بدأ فصلى في المسجد ركعتين إلى جنبي، ثم أخذ بيدي فخرجنا من المسجد، فتلقانا ستة وعشرون رأساً من رؤوس الخوارج، فيهم رأس عبد رب الصغير، ففاضت عبرته فقال: كلاب النار، وكلاب النار، شر قتلى تحت ظل السماء. ثلاث مرات.
стр. 2128
خير قتلى من قتلهم هؤلاء. ثلاثاً. قلت: فاضت عبرتك قال: رحمة لهم، إنهم كانوا مؤمنين. قلت: أكانوا مؤمنين؟؟؟! قال: نعم، أما تعلم الآية التي في آل عمران، إن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ وفتنة فزيغ بهم، ألا تعلم التي بعد المائة " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم " فهم هؤلاء؟ قال: نعم. قلت: أشيء من رأيك أم عن رسول الله ﷺ ؟ قال: إني إذاً لجريء. ثلاث مرات. سمعت رسول الله ﷺ يقول: " تفترق هذه الأمة على اثنتين أو ثلاث وسبعين فرقة شك أبو غالب كلها في النار، ليست سواد الأعظم. قلت: فقد ترى ما في سواد الأعظم؟ قال: عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. قال: الجماعة خير من الفرقة، إن هؤلاء يغضبون عليكم فيقتلونكم، أما إنكم من أهل بلدهم، فأعاذك الله أن تكون منهم.
وروى أبو غالب عن أبي أمامة قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع حتى بدن وكثر لحمه أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما ب " إذا زلزلت " و" قل يا أيها الكافرون ".
وكان أبو غالب صاحب أبي أمامة يعرف بصاحب المحجن، وهو أبو حزور، بفتح الحاء المهملة والزاي وتشديد الواو.
قال أبو غالب: كنت أختلف إلى الشام في تجارة، وعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة، فإذا فيها رجل من قيس من خيار الناس، فكنت أنزل عليه، ومعنا ابن أخ له مخالف لأمره ينهاه ويضربه، فلا يطيعه، فمرض الفتى، فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتينا به حتى أدخلته عليه، فأقبل يشتمه ويقول: أي عدو الله الخبيث، ألم تفعل كذا؟! ألم تفعل
стр. 2129
كذا؟! قال: أفرغت أي عم؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذاً والله كانت تدخلك الجنة. قال: فوالله لله أرحم بي من والدتي. فقبض الفتى. فخرج عليه عبد الملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه، فخطوا له خطاً ولم يلحدوه. قال: فقلنا باللبن فسوينا. قال: فسقطت منها لبنة، فوثب عمه متأخر، قلت ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نوراً، وفسح له مد البصر.
وحدث أبو غالب قال: خرجت من الشام في ناس، فنزلنا منزلاً بحضرة قرية عظيمة خربة، فدخلتها لأنظر فيها، فرأيت بيتاً مسقفاً، فيه روزنة، في الروزنة سلة، ورأيت جرة فيها ماء، ورأيت أثر وضوء. قلت لتفسي: إن لهذا البيت عامراً، هذا رجل يكون بالنهار في الجبل، ويأوي بالليل إلى هذا البيت. فقلت لأصحابي: إن لي حاجة أحب أن تبيتوني الليلة في هذا المكان. قالوا: نعم. فتأهبت حتى إذا صليت مع أصحابي المغرب. قال: فقمت وجئت حتى دخلت ذلك البيت، وجلست في ناحية البيت، حتى اختلط الظلام، فإذا أنا بشخص إنسان يجيء من نحو الجبل، فجعل يدنو حتى قام على باب البيت، فوضع يديه على عضادتي البيت، فحمد الله بمحامد حسنة، ثم سلم ودخل، فجلس ثم تناول السلة فأخذها، فوضعها بين يديه، ففتحها وأخرج منها شيئا، فوضع، ثم سمى فأكل، وجعل يحمد الله ويأكل، حتى فرغ. فلما فرغ أعاد السلة مكانها، ثم قام فأذن، ثم أقام، ثم صلى، وصليت بصلاته. فلما قضى صلاته وضع رأسه فنام غير كثير، ثم قام فخرج يتباعد، ثم رجع فاخذ الجرة فحلها، ثم جاء فأعادها مكانها، ثم توضأ، ثم جاء فقام في المسجد فكبر، ثم استعاد فقرأ، وقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة قراءة لم أسمع مثلها قط من أحد أحزن، ولا يمر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله الجنة، ولا يمر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وبكى وتعوذ بالله من النار، ثم أوتر وأصبح. لما أصبح إذ ركع ركعتي الغداة، وركعت أنا، ثم أقام وصلى الغداة، وصليت بصلاته.
قال أبو غالب: ثم قمت رويداً فخرجت لم يشعر بي، ثم جئت وسلمت، فرد علي السلام قال: قلت
стр. 2130
أدخل؟ قال: أدخل. قال: فدخلت. فقلت له: أجنيّ أنت أم أنسي؟ قال: سبحان الله بل إنسي. قلت: فما أنزلك هاهنا؟ قال: ما لك ولذلك؟ قال: كلمته وقلبته، فجعل يكتمني أمره. قال: قلت إني بت الليلة معك في بيتك. قال: خنتني. قلت: ما خنتك. قال: قد فعلت. قلت: يرحمك الله، إني لم أصنع ذلك لبأس، إني أخوك، وإني طاب خير، وليس عليك من بأس، قال: فسكن. قلت: حدثني ممن أنت؟ قال: أنا من أهل الكوفة. قلت: مذ كم مكثت هنا؟ قال: من سبع سنين. قلت: فما عيشك؟ قال: الله يرزقني. قلت: على ذلك ما عيشك؟ قال: لا أشتهي شيئاً بالنهار إلا وجدته في سلتي. قلت: والطري؟ يعني السمك قال: والطري. قلت: كيف تصنع؟ قال: أكون في النهار في الجبل، فإذا كان الليل أويت إلى هذا البيت من السباع ومن القر. قلت: فرضيت بهذا العيش؟! قال: فكأنه غضب وقال: إن كنت لأحسبك أفقه مما أرى، ومن أعطي أفضل مما أعطيت؟! قد كفاني مؤنتي هذه، ثم أقبل علي فقال: يسرك أن لك بيديك مئة ألف؟ قلت: لا. قال: يسرك أن لك برجليك مئة ألف؟ قال: قلت: لا. قال: يسرك أن لك بعينيك مئة ألف؟ قلت: لا. قال: يسرك أن لك بسمعك مئة ألف؟ قلت: لا. قال: فمن أعطي أفضل مما أعطيت؟! قال: إن مكانك هذا منقطع من الناس، أخاف لو مرضت أو مت أن تضيع، وقد مررت بجبل كذا وكذا فرأيت فيه غاراً، وعند الغار عين تجري، وهو من القرى قريب نحو من فرسخين، فلو تحولت إليهما احب لك من مكانك هذا، وكنت تجمع بين المسلمين، ولو مرضت لم تضع، ولو مت لم تضع، قلت له: فإن عندي جبة مدرعة أحب أن تأخذها فتلبسها. قال: ما شئت. فجئت بالجبة فدفعتها إليه، فأخذها. قال: فتحول إلى المكان الذي نعته. قال: وكاتبني سبع سنين، ثم انقطع كتابه.
حسان بن أبان البعلبكي
شاعر.
قال حسان بن أبان: لما قدم سعد بن أبي وقاص القادسية أميراً أتته حرقة بنت النعمان بن المنذر في جوار
стр. 2131
كلهن في مثل زيها تطلب صلته. فلما وقفن بين يديه قال: أيتكن حرقة؟ قلن: هذه. فقال لها: أنت حرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك استفهامي، إن الدنيا دار زوال، وإنها لا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالاً، إنا كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى غلينا خرجه، ويطيعنا أهله، مدى المدة وزمان الدولة. فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا، وشتت ملأنا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس من قوم عبرة إلا والدهر معقبهم عبرة. ثم أنشأت تقول:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم سرورها ... تقلب تارات بنا وتصرف
فقال سعد ﵁: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه كان ينظر إليهما حيث يقول:
إن للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الشرورا
قد يبيت الفتى معافى فيرزا ... ولقد كان آمناً مسرورا
وأكرمها سعد، وأحسن جائزتها. فلما أرادت فراقه قالت له: حتى أحييك بتحية أملاكنا بعضهم بعضاً، لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت لكريم عندك حاجة، ولا نزع من عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه. فلما خرجت من عنده تلقاها نساء المصر فقلن لها: ما صنع بك الأمير؟ قالت:
حاط لي ذمتي وأكرم وجهي ... إنما يكرم الكريم الكريم
وقد روي أن المغيرة بن شعبة خطب حرقة هذه، فقالت له: إنما أردت أن يقال: تزوج ابنة النعمان بن المنذر، وإلا فأي حظ لأعور في عمياء؟! ولحسان بن أبان يفخر:
نهضنا سمواً إلى المكرمات ... فصرنا سناءً بها للسناء
وأدنى مواقع أقدامنا ... إذا ما وطئنا عنان السماء
فإن شئت فاغد بنا للقراع ... وإن شئت فاغد بنا للحباء
стр. 2132
حسان بن تميم بن نصر
أبو الندى الصيرفي ويعرف أبوه بتميم الزيات. وكان قد ترك الصرف قبل أن يموت بمدة، وحج وحسنت طريقته، ولازم صلاة الجماعة.
حدث أبو الندى بسنده عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر أنه قال: صليت خلف أبي هريرة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال: آمين. فقال الناس: آمين، يقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، فإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ .
توفي حسان ودفن في العشرين من رجب، سنة ستين وخمس مئة.
حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام
ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، أبو الوليد، ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو الحسام الأنصاري الخزرجي النجاري.
شاعر سيدنا رسول الله ﷺ ، وفد على عمرو بن الحارث بن أبي شمر، ووفد على جبلة بن الأيهم، ووفد على معاوية حين بويع سنة أربعين.
وأم حسان الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبد ود بن
стр. 2133
زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة، وكان حسان يعرف بابن الفريعة، وهي أمه.
حكى محمد بن سعد قال: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ومات في خلافة معاوية، وهو ابن عشرين ومئة سنة.
وكان حسان بن ثابت قديم الإسلام، ولم يشهد مع النبي ﷺ مشهدا، وكان يجبن. وقال بعض الناس: توفي قبل الأربعين.
عن حسان بن ثابت قال: إني والله لغلام يفعة، ابن سبع سنين أو ثمان سنين، أعقل كل ما سمعت يعني إذ سمعت يهودياً يصرخ على أطم يثرب: يا معشر يهود، إذ اجتمعوا إليه قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي به ولد.
قال ابن إسحق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله ﷺ المدينة؟ قال: ابن ستين. وقدمها رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبعين.
حدث سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب مر على حسان، وهو ينشد في مسجد رسول الله ﷺ ، فانتهره عمر، فأقبل حسان فقال: كنت أنشد فيه من هو خير منك، فانطلق عمر حينئذ، وقال حسان لأبي هريرة: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا حسان، أجب عن رسول الله ﷺ ، اللهم أيده بروح القدس؟ قال: اللهم، نعم.
روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: اهجهم وهاجهم وجبريل معك.
стр. 2134
وفي رواية عنه قال: قال رسول الله ﷺ لحسان: إن روح القدس معك ما هاجيتهم.
وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان بن ثابت منبراً في المسجد، ينشد عليه قائماً، ينافح عن رسول الله ﷺ ، ثم يقول رسول الله ﷺ : إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ .
قال جابر بن عبد الله: لما كان يوم الأحزاب، وردّ الله المشركين بغيظهم لم ينالوا خيراً قال رسول الله ﷺ : من يحمي أعراض المسلمين؟ قال كعب بن مالك: أنا. وقال ابن رواحة: أنا يا رسول الله. قال: إنك لحسن الشعر. وقال حسان بن ثابت: أنا، يا رسول الله. قال: نعم، اهجهم أنت، وسيعينك عليهم روح القدس.
وعن عروة قال: سببت ابن فريعة عند عائشة فقالت: يا ابن أخي، لأقسم عليك لما كففت عنه، فإنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ .
قال عطاء بن أبي رباح: دخل حسان بن ثابت على عائشة بعدما عمي، فوضعت له وسادة، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: أجلسته على وسادة، وقد قال ما قال! فقالت: إنه - تعني كان يجيب عن رسول الله ﷺ ، ويشفي صدره من أعدائه - وقد عمي، وإني لأرجو ألا يعذّب في الآخرة.
وعن عائشة قالت: مشت الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن قومك قد تناولوا منا، فإن أذنت لنا أن نرد عليهم فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : ما أكره أن تنتصروا ممن ظلمكم، وعليكم بابن أبي قحافة، فإنه أعلم القوم بهم. قال: فمشوا إلى عبد الله بن رواحة، فقالوا: إن النبي ﷺ قد أذن لنا أن ننتصر من قريش فقل، فقال عبد الله بن رواحة في ذلك شعراً، فلم يبلغ منهم الذي أرادوا. فأتوا كعب بن مالك فقالوا له: إن النبي ﷺ قد أذن لنا أن ننتصر من قريش، فقال كعب في ذلك شعراً، هو أمتن من شعر عبد الله بن
стр. 2135
رواحة، فلم يبلغ منهم الذي أرادوا. فأتوا حسان بن ثابت فقالوا له، إن النبي ﷺ قد أذن لنا أن ننتصر من قريش، فقل: فقال حسان: لست فاعلاً حتى أسمع ذلك من نبي الله ﷺ ، فانطلق معهم حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أنت أذنت لهؤلاء؟ فقال رسول الله ﷺ : ما أكره أن ينتصروا ممن ظلمهم، وأنت يا حسان لن تزال مؤيداً بروح القدس ما نافحت عن رسول الله ﷺ .
وفي حديث الترمذي: ما كافحت.
وفي رواية أن رسول الله ﷺ قال لحسان: إني أخاف أن تصيبني معهم، تهجو من بني عمي - يعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - فقال حسان: لأسلّنّك منهم سلّ الشعرة من العجين، ولي مقول ما أحب أنّ لي به مقول أحد من العرب، وإنه ليفري ما لا تفريه الحربة. قال: ثم أخرج لسانه، فضرب به أنفه، كأنه لسان شجاع، بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه. قال: فأذن له رسول الله ﷺ .
وفي رواية فهجاهم حسان، فقال لهم رسول الله ﷺ : لقد شفيت يا حسان واشتفيت.
وعن محمد بن بركة عن أمه عن عائشة أنها طافت بالبيت، فقرنت بين ثلاثة أسابيع، ثم صلت بعد ذلك ست ركعات، قالت - وذكر لها حسان بن ثابت في الطواف - قالت: فابتدرنا نسبّه، فقالت عائشة: مه، وبرأته أن يكون فيمن قال عليها، وقالت: إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بقوله:
هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
стр. 2136
فأنشدت عائشة هذين البيتين وهي تطوف بالبيت.
وعن مسروق قال: دخلت على عائشة ﵂، وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً..... بأبيات له فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة: لكنك لست كذلك. قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له يدخل عليك؟ وقد قال الله : " والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " فقالت: فأي عذاب أشد من العمى؟ وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ .
وعن هشام بن عروة، عن أبيه أن حسان بن ثابت ذكر عند عائشة ﵂، فانتبهت فقالت: من تذكرون؟ فقالوا: حسان. قال: فنهتهم وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق.
وعن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع عائشة تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حسان حجاز بين المؤمنين والمنافقين، لا يحبه منافق ولا يبغضه مؤمن.
وعن سعيد بن جبير قال: قيل لابن عباس: قد قدم حسان اللعين. قال: فقال ابن عباس: ما هو بلعين، قد جاهد مع رسول الله ﷺ بنفسه ولسانه.
وعن محمد بن عباد عن أبيه قال: لما أنشد حسان بن ثابت النبي ﷺ :
عفت ذات الأصابع فالجواء........
стр. 2137
فانتهى إلى قوله:
هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فقال النبي ﷺ : جزاؤك على الله الجنة ياحسان.
وعن يزيد بن عياض بن جعدبة: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة تناولته قريش بالهجاء، فقال لعبد الله بن رواحة: رد عني فذهب في قديمهم وأولهم، ولم يصنع في الهجاء شيئاً، فأمر كعب بن مالك فذكر الحرب فقال:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدماً ونلحقها إذا لم تلحق
ولم يصنع في الهجاء شيئاً، فدعا حسان بن ثابت فقال: اهجهم وائت أبا بكر يخبرك بمعايب القوم، فأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره وقال: والله ما أحب أن لي به مقولاً في العرب، فصب على قريش منه شآبيب شر، فقال رسول الله ﷺ : اهجهم كأنك تنضحهم بالنبل.
وعن عبد الله بن بريدة: أن جبريل أعان حسان بن ثابت على مدحه النبي ﷺ بسبعين بيتاً.
وعن عروة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا حساناً، فإنه ينافح عن الله وعن رسوله ".
قال محمد بن المكرم: في الأصل هنا، حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: لما جاءت بنو تميم إلى رسول الله ﷺ بشاعرهم وبخطيبهم، وأمر ثابت يا قيس أن يجاوب خطيبهم، وأمر حسان بن ثابت أن يجاوب شاعرهم. وقد تقدم هذا الحديث مستوفى في ترجمة الأقرع بن حابس، في حرف الألف. والله أعلم.
стр. 2138
حدث أبو هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني المري إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، شاطرني تمر المدينة، ولأملأنها عليك خيلاً ورجالاً. فقال رسول الله ﷺ : حتى أستأذن السعود. فدعا سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسعد بن زرارة فقال: ها قد تعلمون أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وهذا الحارث الغطفاني يسألكم أن تشاطروه تمر المدينة فادفعوها إليه إلى يوم ما، قالوا: يا رسول الله، إن كان هذا أمراً من أمر الله فالتسليم لأمر الله، وإن كان هذا أمراً من أمرك أو هوى من هواك، فأمرنا لأمرك تبع وهوانا لهواك تبع، وإلا فوالله لقد كنا نحن وهم في الجاهلية على سواء، ما كانوا ينالون تمرة ولا بسرة، إلا شرى أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بك وبالإسلام! فقال النبي ﷺ : ها يا حارث قد تسمع. فقال: يا محمد، عذرت فأنشأ حسان يقول:
يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لم يغدر
وأمانة المري حيث لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر
قالوا: يا محمد اكفف عنا لسانه، فوالله لو مزج بماء البحر مازجه.
والسخبر حشيش ينبت حول المدينة.
حدث معن بن عيسى قال: بينما حسان بن ثابت في أطمه فارع، وذلك في الجاهلية، إذ قام من جوف الليل فصاح: يا آل الخزرج، فجاؤوه وقد فزعوا: فقالوا: مالك يابن الفريعة؟ قال: بيت قلته، فخشيت أن أموت قبل أن أصبح فيذهب ضيعة، خذوه عني قالوا: وما قلت؟ قال: قلت:
стр. 2139
رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم
وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج وقد رش حسان فناء أطمه، وأصحاب رسول الله ﷺ سماطين، وبينهم جارية لحسان يقال لها شيرين، ومعها مزهر لها تغنيهم، وهي تقول في غنائها:
هل علي ويحكم ... إن لهوت من حرج
فتبسم رسول الله ﷺ وقال: لا حرج.
وعن خارجة بن زيد بن ثابت وغيره، يزيد بعضهم على بعض، وهذا لفظ ابن دريد قال: كانت مأدبة في زمن عثمان، فدعي لها الناس، وكان فيهم عدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفيهم زيد بن ثابت وخارجة بن زيد وحسان بن ثابت وعبد الرحمن بن حسان، وقد كف حسان وثقل سمعه، وكان إذا دعي قال: أخرس أم عرس أم إعذار؟ ثم يجيب. قال خارجة: فأتينا بالطعام، فجعل حسان يقول لابنه: أطعام يد أم طعام يدين؟ فإذا قيل طعام يد أكل، وإذا قيل طعام يدين أمسك. فلما فرغ القوم، بنيت له وسادة، وأقبلت الميلاء وهي يومئذ شابة، فوضع في حجرها مزهر فضربت، ثم غنت فكان أول ما بدأت بشعر حسان:
انظر حبيبي بباب جلق هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد
أجمال شعثاء إذ هبطن من ال ... محضر بين الكثبان فالسند
يحملن حور العيون يرفلن في الري ... ط حسان الوجوه كالبرد
من دون بصرى، وخلفها جبل الثل ... ج عليه السحاب كالقدد
стр. 2140
إني وأيدي المخيسات وما ... يقطعن من كل سربخ جدد
والبدن إذ قربت لمنحرها ... حلفة بر اليمين مجتهد
ما حلت عن عهد ما علمت ولا ... أحببت حبي إياك من أحد
تقول شعثاء لو صحوت عن ال ... خمر لأصبحت مثري العدد
أهوى حديث الندمان في وضح ال ... فجر وصوت المسامر الغرد
لا أخدش الخدش بالنديم ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي
يأبى لي السيف والسنان وقو ... م لم يضاموا كلبدة الأسد
فطرب حسان وبكى وقال: لقد أراني هناك سميعاً بصيراً، وعيناه تنضحان على خديه، وهو مصغ لها. وجعل عبد الرحمن يشير إليها ويقول: أعيدي وأسمعي الشيخ. قال خارجة: فيعجبني لعمر الله ما يعجب عبد الرحمن من بكاء أبيه.
قال أبو غزية: لحسان بن ثابت مواضع، هو شاعر الأنصار، وشاعر اليمن، وشاعر أهل القرى، وأفضل ذلك كله هو شاعر رسول الله ﷺ غير مدافع.
قال محمد بن يونس: كنا عند الأصمعي فسئل: ما أراد حسان بقوله:
أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
ما في هذا ما يمدحهم به! قال: أراد أنهم ملوك حلول في موضع واحد، وهم أهل مدر وليسوا بأهل عمد ينتقلون.
قال هشام بن محمد الكلبي: قال حسان بن ثابت الأنصاري: خرجت أريد عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما كنت في بعض الطريق
следующие страницы →