Полный текст (10 576 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أنكرناك، فما الذي عرض لك حين دخلت هذا المسجد؟! قال: لأنا معشر أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب قليل، فلما رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدة سيبلغونها، فلذلك أصابني الذي أصابني. فلما قدموا على عمر أخبروه بما سمعوا منه فقال عمر: ألا أرى مسجد دمشق غيظاً على الكفار. وترك ما كان هم به من أمره.
وقيل: إن عمر بن عبد العزيز لما استخلف أراد أن يجرد ما في قبلة مسجد دمشق من الذهب وقال: إنه يشغل الناس عن الصلاة، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه أنفق عليه غد فيء المسلمين وأعطياتهم، وليس يجتمع منه شيء فينتفع به، فأراد أن يبيضه بالجص فقيل له: تذهب النفقات فيه، فأراد أن يستره بالخزف فقيل له: تضاهي الكعبة، فبينما هو في ذلك إذ ورد عليه وفد الروم فاستأذنوا في دخول المسجد، فأذن لهم، وأرسل معهم من يعرف الرومية وقال: لا تعلموهم أنكم تعرفون الرومية، واحفظوا ما يقولون، فلما وقفا تحت القبة قال رئيسهم: كم للإسلام؟ قل: مئة سنة، قال: فكيف تصغرون أمرهم؟ ما بنى هذا البنيان إلا ملك عظيم. وأتى الرسول عمر فأخبره فقال: أما إذا هو غائظ للعدو فدعه.
стр. 247
ذكر ما في الجامع من القناديل وما فيه وفي البلد من الطلسمات
كان مكحول إذا طفئت قناديل المسجد يعني مسجد دمشق يسد أنفه. وقال: يعتري من رائحته المسك.
قال عبد الرحيم الأنصاري: سمعت الأعراب وهم يزورون المسجد يقولون: لا صلاة بعد القليلة يعني الدرة. قلت له: أرأيت القليلة؟ فقال: نعم. كانت تضيء مثل السراج. قلت: من أخذها؟ قال: أما سمعت المثل: منصور سرق القلة وسليمان شرب المرة.
منصور الأمير، وسليمان صاحب الشرطة. سليمان هو الأمير وهو ابن المنصور، ومنصور صاحب شرطتة.
وذلك أن الأمين كان يحب البلور، فكتب إلى صاحب شرطة والي دمشق أن ينفذ إليه القليلة فسرقها ليلاً، فلما قتل المأمون الأمين رد القليلة إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين. وكانت هذه القليلة في محراب الصحابة، فلما ذهبت جعل موضعها برنية من زجاج. قال الراوي: رأيتها. ثم انكسرت بعد فلم يجعل في مكانها شيء.
وعن علي بن أبي حملة قال: كنا نستر مسجد دمشق في الشتاء بلبود أحسبه قال: في عهد الوليد فدخلته الريح فهزته، فثار الناس فحرقوا اللبود.
стр. 248
قال أبو مروان عبد الرحيم وهو ابن عمر المازني: لما كان في أيام الوليد بن عبد الملك وبنائه المسجد احتفروا فيه موضعاً، فوجدوا باباً من حجارة مغلقاً، فلم يفتحوه، وأعلموا به الوليد، فخرج من داره حتى وقف عليه، وفتح بين يديه، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان من حجارة على فرس من حجارة في يد التمثال الواحد الدرة التي كانت في المحراب ويده الأخرى مقبوضة، فأمر بها فكسرت، فإذا فيها حبتان، حبة قمح وحبة شعير، فسأل عن ذلك فقيل له: لو تركت الكف لم تكسرها لم يسوس في هذه البلدة قمح ولا شعير.
وقيل: إنه لما دخل المسلمون دمشق وقت فتحها ووجدوا على العمود الذي في المقسلاط على السفود الحديد الذي في أعلاه صنماً ماداً يده بكف مطبقة فكسروه، فإذا في كفه حبة قمح، فسألوا عن ذلك فقيل لهم: هذه الحبة القمح جعلها حكماء اليونانيين في كف هذا الصنم طلسماً حتى لا يسوس القمح، ولو أقام سنين كثيرة.
وإنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه كان عمل هناك ساعات يعمل بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها صورة عصافير وحية وغراب. فإذا تمت الساعة خرجت الحية، فصاحت العصافير وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطست.
قال أبو المفضل يحيى بن علي القاضي: إنه أدرك في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات معلقة في السقف فوق البطائن مما يلي السبع، وإنه لم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات وجدت. وكان حريق الجامع ليلة النصف من شعبان بعد العصر، سنة إحدى وستين وأربع مئة.
حدث جماعة من شيوخ أهل دمشق قال: العمود الحجر الذي بين سوق الشعير وبين سوق أم حكيم عليه حجر مدور مثل الكرة كبير لعسر بول الخيل. إذا دار الفرس أو الحمار ثلاث مرات انطلق البول منه. عمله حكماء
стр. 249
الروم من اليونانيين. مجرب. وكان على قنطرة باب سوق أم حكيم الذي بحضرة مسجد الطباخين صنم مكسور على القنطرة للحاجات. إذا دخل إنسان فيه لحاجة لم تقض.
وفي سقف مسجد الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف مما يلي الحائط القبلي. فمنها طلسم للصنونيات لا تدخله ولا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي يكون منها ولا يدخله غراب. وطلسم للفأر والحيات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئاً إلا الفأر. قال: ويوشك أن يكون تغير طلسمها، وطلسم للعنكبوت لا ينسج في زواياه، ويركبه الغبار والوسخ.
стр. 250
ما ورد في أمر السبع وابتداء الحضور فيه
قال حسان بن عطية: الدراسة محدثة، أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي في قدمته على عبد الملك. فحجبه عبد الملك بعد الصبح في مسجد دمشق، وعبد الملك في الخضراء، فأخبر أن عبد الملك يقرأ بقراءة هشام، فقرأ بقراءته مولى له، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد، فقرؤوا بقراءته.
قال خالد بن دهقان: أول من أحدث الدراسة بدمشق هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة المخزومي، وأول من أحدث الدراسة في فلسطين الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، وكان يحضر الدراسة جماعة ممن يعرف بالعلم أو بالرئاسة، ومن القضاة ومن الفقهاء ومن المحدثين. وروي عن بعضهم أنه كره اجتماعهم وأنكره. ولا وجه لإنكاره.
وسئل عبد الله بن العلاء عن الدراسة فقال: كنا ندرس في مجلس يحيى بن الحارث في مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ خرج علينا أميرنا الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب الأشعري من الخضراء، فأقبل علينا منكراً لما نصنع. فقال: ما هذا؟! أو ما أنتم فيه؟! فقلنا: ندرس كتاب الله، فقال: تدرسون كتاب الله ، إن هذا لشيء ما رأيته ولا سمعت أن كان قبل، ثم دخل الخضراء. وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميراً على دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز.
стр. 251
ذكر مساجد البلد وحصرها
عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون دمشق أخر الزمان أكثر المدن أهلاً، وأكثره أبدالاً وأكثره مساجد، وأكثره زهاداً، وأكثره مالاً ورجالاً، وأقله كفاراً. وهي معقل لأهلها، وذكر عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان حين بني مسجد رسول الله ﷺ يقول: إنكم قد أكثرتم إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
من بنى مسجداً قال بكير، أحد رواته: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من بنى بيتاً ليعبد الله فيه من حلال، بنى الله له بيتاً في الجنة من در وياقوت.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من بنى مسجداً ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة. قالت: قلت يا رسول الله، وتلك المساجد التي في طريق مكة؟ قال: وتلك.
قال: فغدا الحض على المساجد وبنيانها يدل على خطر محلها وعظم شأنها. وقد عدد مساجد دمشق وذكرها، وعين أكثر أسمائها وخططها، وأسماء من بناها ووصف أكثرها، فكانت جملتها أربع مئة وخمسة وعشرين مسجداً على ما فصله بالتعريف والعدد، منها ما ذكره فقال: أوله من قبلة السوق وأنت داخل من باب الجابية، ومساجد الناحية الشامية عن يمنة الداخل من الباب الشرقي، وفي القلعة مئتان وواحد وأربعون مسجداً.
стр. 252
قال: وأما ما عداها من المساجد التي في أرباضه وظاهره مما ليس في قرية مسكونة أو معمورة من ناحية القبلة ومن الشام ومن الشرق ومن الغرب مئة مسجد وأربعة وثمانون مسجداً.
قال: وهذا يدل على اهتمام أهلها بالدين وكثرة المصلين فيها والمتعبدين.
وروي عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: لما افتتح عمر بن الخطاب البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجداً. ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة، فشهدوا الجمعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك. وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك. وكتب إلى أمراء أجناد الشام لا يتبدوا إلى القرى، وأن ينزلوا المدائن، وأن يتخذوا في كل مدينة مسجداً واحداً. ولا يتخذ القبائل مساجد كما اتخذ أهل الكوفة والبصرة وأهل مصر. وكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده.
وروى محمد بن عطاء عن أبيه قال: لما قدم عمر الشام أمر ألا يتخذ في المدينة مسجدان. قال: وإنما أراد عمر بذلك المسجد الأعظم الذي تقام فيه الجمع، وإنما فرق بين مدائن الشام وبين الكوفة والبصرة في الحكم، لأن مدائن الشام ممصرة قبل الإسلام، فلا تقام في مصر واحد أكثر من جمعة، فأما الكوفة والبصرة فكل منزل نزلته قبيلة واختطته فهو بمنزلة مصر مفرد. ولم يرد بذلك النهي عن اتخاذ المساجد التي لا تقام فيها الجمعة. فأما مصر فإنها إن كانت قبل الإسلام فإن المسلمين لما افتتحوها تفرقت القبائل فيها، واختطت بها خططاً نسبت إليها فأشبه حكمها حكم الكوفة والبصرة والله أعلم.
стр. 253
ذكر فضل المساجد المقصودة بالزيارة
روي عن عبد الله بن عمرو أنه سمع يقول: ما من مسلم يأتي زيارة من الأرض أو مسجداً بني بأحجار فيصلي فيه إلا قالت الأرض: سل الله في أرضه، وأشهد لك يوم تلقاه.
وقد تقدم، فيما قلناه، أن ربوة دمشق هي التي سماها الله في كتابه بالربوة.
قال حسان بن عطية:
إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل حضره الموت، وأوصى بالملك لرجل حتى يدرك ابنه. فكانوا يؤملون أن يدرك ابنه فيملكوه، ويكون مكان أبيه. فأتي عليه فقبض. قال: فجزعوا عليه. فلما خرجوا بجنازته وفيهم عيسى بن مريم ﵇ فدنا من أمه فقال: أرأيت إن أنا أحييت لك ابنك أتؤمنين بي وتتبعينني؟ قالت: نعم، فدعا الله ، فجعلت أكفانه تتحلل عنه حتى استوى جالساً، فقالوا: هذا عمل ابن الساحرة، وطلبوه حتى انتهى إلى شعب النيرب فاعتصم منهم بقلعة على صخرة متعالية، فأتاه إبليس لعنه الله، فقال: جئتك وما أعتذر إليك من شيء، هذا أنت لم تنافسهم في دنياهم ولا بشبر من الأرض، صنعوا بك ما صنعوا، فلو ألقيت نفسك من هذا المكان فتلقاك روح القدس، فيذهب بك إلى ربك، فتستريح منهم. فقال عيسى: يا غوي، الطويل الغواية، إني أجد فيما علمني ربي ألا أجرب ربي حتى أعلم أراض عني أم ساخط علي. قال: وزجره الله عنه. قال: فأقبلت عليهم أم الغلام، فقالت: يا معشر بني إسرائيل، كنتم تبكون وتشقون ثيابكم جزعاً عليه. فلما أحياه الله لكم أردتم قتله. قالوا: فما تأمرينا به؟ قالت: ائتوه فآمنوا به، فأتوه، فقالوا: خصلة بيننا وبينك، إن أنت فعلتها آمناً بك وابتعناك، قال: وما هي؟ قالوا: تحيي لنا عزيراً، قال: دلوني على قبره، فنزل عيسى معهم حتى انتهوا إلى قبره، قال: فتوضأ وصلى ركعتين ودعا. قال:
стр. 254
فجعل قبره ينفرج عنه التراب فخرج قد ابيض نصف رأسه ولحيته، وهو يقول: هذا فعلك يا بن مريم، فقال: لم أصنع بك، هذا فعل قومك، زعموا أنهم لا يؤمنون بي ولا يتبعوني حتى أحييك لهم، وهذا في هدى قومك يسير. قال: فأقبل عليهم يعظهم، ويأمرهم بالإيمان به واتباعه. قال: فقال له قومه: عهدناك وأنت أسود الرأس واللحية ما لنصف رأسك قد إبيض؟ قال: إني سمعت الصيحة فظننت أنها دعوة الداعية، حتى أدركني ملك فقال: إنها هي دعوة ابن مريم فانتهى الشيب إلى ما ترى.
ويروى أن النيرب مصلى الخضر ﵇ وعن ابن عباس أنه ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة، في جبل يقال له قاسيون.
وعن حسان بن عطية قال: أغار ملك نبط هذا الجبل على لوط فسباه وأهله، فبلغ ذلك إبراهيم خليل الله ﵇، فأقبل في طلبه في عدة أهل بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر، فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور، فعبأ إبراهيم ميمنة وميسرة وقلباً. وكان أول من عبأ الحرب هكذا، فاقتتلوا فهزمه إبراهيم، واستنقذ لوطاً وأهله فأتى هذا الموضع الذي في برزة الذي ينسب إلى مسجد إبراهيم فصلى فيه.
وعن الزهري أنه قال: مسجد إبراهيم ﵇ في قرية يقال لها برزة، فمن صلى فيه أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ويسأل الله ما شاء فإنه لا يرده خائباً.
ومشايخ أهل دمشق يذكرون أن الآثارات التي بدمشق في برزة عند المسجد الذي يقال له مسجد إبراهيم ﵇ التي في الجبل عند الشق أنه مكان إبراهيم. وأن الآثارات التي فوق الشق في الجبل هي موضع رأي إبراهيم الكوكب الذي ذكر الله في كتابه: " فلما رأى كوكباً قال: هذا ربي " أنه كان في الجبل في ذلك الموضع، وهو معروف، فمن
стр. 255
قصده وصلى فيه ودعا أجابه الله في دعائه. وأن ذلك الجبل كان فيه لوط النبي وجماعة من الأنبياء. وآثارهم في مواضع من الجبل بالقرب من مسجد إبراهيم.
قال: وأدركت الشيوخ يقصدونه ويقيمون فيه ويصلون ويدعون الله. وهو نافع لقسوة القلوب وكثرة الذنوب، وإن بعض الشيوخ جاء من مكة فصلى في الموضع الذي فوق الشق، الموضع الذي يقال إنه رأى إبراهيم فيه الكوكب. وذكر أنه رأى في نومه إن أحببت أن ترى الموضع الذي رأى فيه إبراهيم الكوكب فاقصد دمشق، واقصد موضعاً يقال له برزة عند مسجد إبراهيم فوق الجبل فصل فيه ركعتين ثم ادع بما شئت تجب فقصدت الموضع.
قال أحمد بن صالح:
أدركت الشيوخ بدمشق قديماً وهم يفضلون مسجد إبراهيم الذي ببرزة ويقصدونه، ويصلون فيه ويقرؤون، ويدعون، ويذكرون أن الدعاء فيه مجاب. وهو موضع شريف عظيم، فهم يذكرون عن شيوخهم ومن أدركوا من أهل العلم أنهم يصححونه ويفضلونه ويقولون: إن مسجد إبراهيم ﵇، وإن الشق الذي في الجبل خارج باب المسجد هو الموضع الذي اختبأ فيه إبراهيم من النمروذ الذي كان ملك دمشق في وقت إبراهيم، والدعاء فيه مجاب، فمن قصد الله في ذلك الموضع ودعا فه بنية خالصة رأى الإجابة.
قال أبو الحسن الرازي: مسجدا إبراهيم أحدهما في الأشعريين والآخر في برزة.
وعن علي بن أبي طالب ﵇ قال: سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل عن دمشق وقيل: عن الآثارات بدمشق فقال: بها جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه، وفي أسفله في الغرب ولد إبراهيم، وفيه آوى الله عيسى بن مريم وأمه من اليهود، وما من عبد أتى معقل روح الله فاغتسل وصلى ودعا لم يرده الله خائباً، فقال رجل: يا رسول الله، صفه لنا، قال: هو بالغوطة، مدينة يقال لها دمشق، وأزيدكم أنه جبل كلمه الله، وفيه ولد أبي إبراهيم، فمن أتى هذا الموضع فلا يعجز في الدعاء، فقام رجل قال: يا رسول الله، أكان ليحيى بن زكريا معقلاً؟ قال: نعم احترس فيه يحيى من هداد رجل من عاد في الغار الذي تحت دم ابن آدم المقتول، وفيه احترس إلياس النبي من ملك قومه، وفيه صلى إبراهيم ولوط وموسى
стр. 256
وعيسى وأيوب فلا تعجزوا في الدعاء فيه، فإن الله أنزل علي: " ادعوني أستجب لكم " وربنا يسمع الدعاء. قالوا: كيف ذلك؟ فأنزل الله تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ".
وعن كعب الأحبار أنه قال: إنه موضع الحاجات والمواهب من الله لا يرد سائلاً فيه.
وروي عن مكحول أنه صعد مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع الدم يسأل الله سقياناً فسقاناً.
قال مكحول: وسمعت كعب الأحبار يذكر: أنه موضع الحاجات والمواهب من الله، وأنه لا يرد سائلاً في ذلك الموضع.
قال هشام: وسمعت الوليد يقول: سمعت سعيد بن عبد العزيز قال: صعدنا في خلافة هشام إلى موضع قتل ابن آدم أخاه نسأل الله يسقينا، فأتى مطر فأقمنا في الغار الذي تحت الدم ثلاثة أيام. وفي رواية: فدعونا الله فارتفع عنا وقد رويت الأرض.
قال الوليد بن مسلم: سمعت ابن عباس يقول: كان أهل دمشق إذا احتبس عليهم القطر، أو غلا بيعهم أو جار عليهم سلطان، أو كانت لأحدهم حاجة صعدوا موضع ابن آدم المقتول فيسألون الله، فيعطيهم ما سألوا.
وروي عن أحمد بن كثير قال: صعدت إلى موضع دم ابن آدم ﵉ في جبل قاسيون بدمشق، فسألت الله الحج فحججت، وسألته الجهاد فجاهد، وسألته الزيارة والصلة في بيت المقدس وعسقلان وعكا والرباط في جميع السواحل فرزقت ذلك كله، وسألته يغنيني عن الأسواق والبيع فرزقت. ولقد رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄، وهابيل بن آدم ﵉ فقلت له: أسألك بحق الواحد الصمد وبحق أبيك آدم النبي ﷺ هذا دمك؟ فقال: إي والواحد الصمد، هذا دمي، جعله الله آية للناس، وإني دعوت الله عز وجل
стр. 257
فقلت: اللهم رب أبي وأمي حواء وهذا النبي المصطفى الأمي، اجعل دمي مستغاثاً لكل نبي وصديق، ومن دعا فيه فتجيبه، وسألك فتعطيه فاستجاب الله وجعله طاهراً آمناً، وجعل هذا الجبل آمناً ومعقلاً ومعاشاً، ثم وكل الله به ملكاً يقال له عزرائيل وجعل معه من الملائكة بعدد نجوم السماء، يحفظونه ومن أتاه لا يريد إلا الصلاة فيه، فقال رسول الله ﷺ : قد فعل وزاد كرماً وإحساناً، وإني آتيه كل خميس وصاحباي وهابيل نصلي فيه، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن أكون مستجاب الدعوة وعلمني دعاء لكل ملمة وحاجة فقال لي: افتح فاك، قال: ففتحته، فتفل فيه، ثم قال: رزقت فالزم، رزقت فالزم.
وعن كعب أنه قال: إن إلياس اختبأ من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين حتى أهلك الله الملك ووليهم غيره، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام فأسلم، وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم، فأمر بهم فقتلهم عن آخرهم.
قال وهب بن منبه: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
اجتمع الكفار يتشاورون في أمري، فقال النبي ﷺ : يا ليتني بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق حتى أتي الموضع مستغاث الأنبياء حيث قتل ابن آدم أخاه فأسأل الله أن يهلك قومي فإنهم ظالمون، فأتاه جبريل قال: يا محمد، أئت بعض جبال مكة فأو بعض غارتها فإنها معقلك من قومك. قال: فخرج النبي ﷺ وأبو بكر حتى أتيا الجبل، فوجدوا غاراً كثير الدواب ... فذكر الحديث.
وعن ابن عباس قال: موضع الدم في جبل قاسيون موضع شريف كان يحيى بن زكريا وأمه فيه أربعين عاماً، وصلى فيه عيسى بن مريم والحواريون، فلو كنت سألت الله أن يغفر لعبده ابن عباس يوم يحشر البشر، فمن أتى هذا الموضع فلا يقصر عن الصلاة والدعاء فيه فإنه موضع الحوائج. ومن أراد أن يرى " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " فليأت النيرب الأعلى بين النهرين وليصعد إلى الغار في جبل قاسيون فيصل فيه، فإنه بيت
стр. 258
عيسى وأمه وهو كان معقلهم من اليهود. ومن أراد أن ينظر إلى إرم فليأت نهراً في حفر دمشق يقال له بردى، ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التي فيها مريم بنت عمران والحواريون فليأت مقبرة الفراديس.
وقال الزهري: لو يعلم الناس ما في مغارة الدم من الفضل ما هنأ بهم طعام ولا شراب إلا فيها.
ذكر أبو الفرج محمد بن عبد الملك بن المعلم أنه ابتدأ بناء الكهف في سنة سبعين وثلاث مئة قال: رأيت جبريل ﵇ في المنام، فقال لي: إن الله سبحانه يأمرك أن تبني مسجداً يصلى فيه له ويذكر اسمه، وهو هذا، فقلت: وأني هذا الموضع؟ فسار إلى هذا الموضع الذي سميته أنا كهف جبريل. قلت: أنى لي بذلك؟ قال: إن الله سيوفق لك من يعينك عليه.
قال أبو الفرج: وإنما سميته كهف جبريل ﵇ ومسجد محمد ﷺ لأني رأيتهما في المنام فيه. وموضع يرى فيه جبريل ومحمد ﷺ من أجل بقاع الأرض. قال: وجبل دمشق هذا ما أنبت شجرة قط ولا ظهر فيه ثمرة، فلما رأيت جبريل ومحمداً ﷺ أنبت الله ببركتهما الشجر وظهر فيه الثمر وأكل الناس ما لم يؤكل فيه قط، وصار مسجداً من مساجد الله يذكر فيه اسمه، فمن كانت له حاجة فليغسل جسده بالماء، ويلبس ثوباً طاهراً ثم يقصد إلى الكهف فيصلي فيه ركعتين، يقرأ في كل ركعة بالحمد وسبع مرات قل هو الله أحد. فإذا فرغ من صلاته يقول: اللهم صل على جبريل الروح الأمين وعلى محمد خاتم النبيين سبع مرات، ويسجد فيقول: اللهم إني أتوسل إليك بجبريل الروح الأمين ومحمد خاتم النبيين إلا قضيت حاجتي ويذكرها، فإن الله سبحانه يقضيها له إن شاء الله.
ومما يرجى إجابة الدعاء فيه مسجد القدم عند القطيعة، يقال إن هناك قبر موسى بن عمران ﷺ .
стр. 259
ومسجد الباب الشرقي للصحيح عن النبي ﷺ أن فيه ينزل عيسى بن مريم ﵇.
ومسجد واثلة بن الأسقع داخل الزلاقة على النهر وهو مسجد صغير.
ومسجد فضالة بن عبيد في سوق الكبير جائز مسجد درب الريحان، وهو مسجد سفل صغير، وداره بذلك الموضع، ويعرف اليوم بدار التمارين.
ومسجد أوس بن أوس في درب القلي، وهو مسجد صغير.
والمسجد الذي على باب زقاق عطاف، كان مسجد أيمن بن خريم.
ومسجد سوق الريحان مسجد يزيد بن نبيشة وهو صحابي قرشي من بني عامر بن لؤي.
ودار أبي عبيدة بن الجراح في حجر الذهب، ومسجد بالسقيفة التي عند بني عبد الصمد.
ودار خالد بن الوليد، ومسجده عند باب توما.
وروي بسنده عن الشيخ أبي بكر بن سيد حمدوية قال: لما أراد بناء مسجده المعروف اليوم بأبي صالح وجد في المحراب لوح من فخار عليه مكتوب: هذا مسجد الأولياء، فأصبحنا ولم نره، وغيبه الشيخ وقال: هذا شهرة.
стр. 260
ذكر فضل مواضع وجبال بظاهر دمشق وضواحيها
قال الوضين بن عطاء: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: من تكفل لي ببيت في الغوطة أتكفل له ببيت في الجنة.
قال: وهو حديث منقطع.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : خلق الله جمجمة جبريل ﵇ على قدر الغوطة.
قال الوليد: وبلغني أن غنم يعقوب ﵇ كانت ترعى في مرج بالغوطة.
وعن يونس بن ميسرة:
أشرف عيسى بن مريم على الغوطة فقال: يا غوطة وقال الأكفاني: الغوطة إن عجز الغني أن يجمع منك كنزاً لم يعجز المسكين أن يشبع منك خبزاً. ولم يقل ابن الأكفاني: منك، في الموضعين.
عن أبي مسهر، سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: إنما سميت ثنية العقاب براية خالد بن الوليد حين أشرف عليها بالراية العقاب.
وعن إسحاق بن فروة أن راية رسول الله ﷺ السوداء صارت إلى خالد بن الوليد، فقاتل بها بني حنيفة
стр. 261
ومسلمة. ثم مضى إلى الجزيرة، ثم أتى الشام فقاتل بها في وقائع الشام.
حدثني ابن أبي الرجال عن محمد بن عمارة بن عامر بن عمرو بن حزم قال: كانت راية رسول الله ﷺ التي يسير فيها تسمى العقاب، راية الأنصار فقلت له: يا عبد الملك، سوداء؟ قال: لا، ولكنها خضراء.
ذكر أبو بكر أحمد بن يحيى البلاذري هذا المعنى ثم قال: وقوم يقولون إنها سميت بعقاب من الطير كانت ساقطة عليها. وسمعت من يقول: كان هناك مثل عقاب من حجارة.
والخبر الأول أصح.
قال قتادة: وحدثني رجل عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين تجمع بالجانبين، وأرواح الكفار تجمع ببرهوت وفي سبخة بحضرموت.
قال أبو حاتم: الجانبين: اليمن. وبرهوت. من ناحية اليمن. ولا أدري تفسير أبي حاتم للجانبين محفوظاً. والله أعلم.
عن سعيد بن المسيب قال: أرواح المؤمنين بأرض الجابية، وأرواح الكفار بسبخة حضرموت.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : خلق الله تعالى آدم من طين الجابية، وعجنه بماء الجنة.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : خلق الله تعالى آدم من طين الجنة، وعجنه بماء من ماء الجنة، وقال: من ماء زمزم.
وحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وغيره أن جند حمص الجند المتقدم، وإنها كانت يومئذ ثغراً، وإن الناس كانوا يجتمعون بالجابية لقبض العطاء، وإقامة البعوث من أرض دمشق، في زمن عمر وعثمان حتى نقلهم إلى
стр. 262
معسكر دابق معاوية بن أبي سفيان لقربه من الثغور. قال: فكان والي الصائفة وإمام العامة في أهل دمشق، لأن من تقدمهم من أهل حمص وأهل قنسرين وأهل الثغور مقدمة لهم. وإلى أهلها يولون إن كنت لهم جولة من عدوهم.
وعن كثير المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : أربعة أجبل من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة. قيل: فما الأجبل يا رسول الله؟ قال: أحد جبل يحبنا ونحبه جبل من جبال الجنة، وطور جبل من جبال الجنة، ولبنان جبل من جبال الجنة، وقاسيون جبل من جبال الجنة. والأنهار النيل والفرات وسيحون وجيحون. والملاحم بدر وأحد وخيبر والخندق.
عن ابن عباس أنه كتب إلى خالد يسأله عن أشياء من البيت فكتب إليه: إن البيت أسس على خمسة أحجار: حجر من أحد، وحجرين من طور سينا ولبنان، وحجر من ثبير، وحجر من حراء.
عن مجاهد قال: بني البيت من أربعة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سينا، ولبنان.
عن قتادة قال: ذكر لنا أن قواعد البيت من حراء. وذكر لنا أن البيت بني من خمسة أجبل: من حراء ولبنان والجودي وطور سينا وطور زيتا.
عن قتادة وذكر قول الله ﵎ " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ".
قال قتادة: هذا حرم الله قد طاف به آدم ومن بعده، فلما كان إبراهيم أراه الله تعالى مكان البيت
стр. 263
فأتبع منه أثراً قديماً فبناه من طور زيتا وطور سينا وجبل لبنان ومن أحد وحراء. وجعل قواعده من حراء. ثم قال: " وأذن في الناس بالحج " قال قتادة في قوله ﵎: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ".
قال قتادة: إنهما بنياه على أمر قديم كان قبلهما، فبنياه من خمسة أجبل: من حراء ولبنان، أو لدبنان، والجودي وطور سينا وطور زيتا، وبنيا القواعد من حراء.
عن ابن جريج قال: بني أساس الكعبة من خمسة أجبل: من طور سينا وطور زيتا، ومن لبنان ومن الجودي ومن حراء.
عن كعب قال:
أربعة أجبل: جبل الخليل ولبنان والطور والجودي، يكون كل واحد منهم يوم القيامة لؤلؤة بيضاء تضيء ما بين السماء والأرض، يرجعن إلى بيت المقدس حتى تجعل في زواياه ويضع الجبار ﷻ عليها كرسيه حتى يقضي بين أهل الجنة والنار " وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ".
عن كعب قال: جبل لبنان كان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال كعب: ولبنان أحد الثمانية أجبل تحمل العرش يوم القيامة.
стр. 264
عن أبي الزاهرية قال: أنبئنا، جبل لبنا أحد حملة العرش الثمانية يوم القيامة.
عن الوضين بن عطاء أن رسول الله ﷺ قال: جبل الخليل جبل مقدس، وإن الفتنة لما ظهرت في بني إسرائيل أوحى الله تعالى إلى أنبيائهم أن يفروا بدينهم إلى جبل الخليل.
وحكى بعض أهل العلم قال: سمعت مشايخ أهل الشام يزعمون أن جبل الخليل إنما سمي بذلك لأن الله ﵎ لما أوحى إلى الجبل: إني أريد أن أتجلى إلى موسى على بعضك تطاولت وشمخت غير جبل الخليل فإنه استخزى وتطامن.
فسمي جبل الخليل.
وعن أبي هريرة وأبي الدرداء لقي أنس أبا الدرداء وأبا هريرة وابن مسعود مقبلين من سلسلة، وسلسلة حصن يكون في ساحل دمشق فيه منبر. قال: فأقمت بسلسلة، وذلك أن جبريل عرض على رسول الله ﷺ ذكر سواحل الشام فعرض عليه سلسلة فوجدها مكتوبة في أسكفة باب عدن وهي جنة المأوى.
قال عبد الله بن مسعود: أقمت فيها ثلاثاً فقصرت الصلاة، والمقصر فيها كمن أتم الصلاة سبعين سنة.
قال أبو الدرداء: فصليت فيها أربع ركعات قرأت في الركعة الأولى " الحمد وقل هو الله أحد " وفي الثانية " الحمد وإذا جاء نصر الله " وفي الثالثة " الحمد وقل يا أيها الكافرون " وفي الرابعة " الحمد وإذا زلزلت " وسمعت رسول الله ﷺ ذكره وحدث به.
قال إبراهيم اليماني: قدمت من اليمن فأتيت سفيان الثوري فقلت: يا أبا عبد الله، إني جعلت في نفسي
стр. 265
أن أنزل جدة فأرابط بها كل سنة وأعتمر في كل شهر عمرة، وأحج في كل سنة حجة وأقرب من أهلي أحب إليك أم آتي الشام فقال لي: يا أخا أهل اليمن، عليك بسواحل الشام، عليك بسواحل الشام، فإن هذا البيت يحجه في كل عام مئة ألف ومئتا ألف وثلاث مئة ألف، وما شاء الله من التضعيف إلى مثل حجتهم وعمرتهم ومناسكهم.
وعن كعب قال: يا أهل الشام، يا أهل الشام من أراد منكم الرفق في المعيشة مع العبادة فعليه ببيسان، ومن أراد منكم السعة في الرزق والسلامة في الدين فعليه بعرقه، ومن أراد منكم أن يجمع له دينه ودنياه فعليه بصور.
стр. 266
كنائس أهل الذمة التي صالحوا عليها
قال عمر بن عبد العزيز: إنه كان في عهد أهل دمشق خمس عشرة كنيسة.
قال أبو مسهر: أقام بعد فتح دمشق من بطارقة الروم بدمشق اثنا عشر بطريقاً، فأقروا في منازلهم وكان لكل بطريق منهم في منزله يعني كنيسة فأقاموا بها حيناً، ثم بدا لهم فهربوا من دمشق وتركوا تلك المنازل، فأقطعها قوم من أشراف دمشق منهم ابن بحدل وابن مدلج العذري وغيرهما. فلما ولي عمر بن عبد العزيز أخرج أولادهم منها وردها على الأعاجم، فلما مات عمر ردت إلى أولاد الذين أقطعوها.
وقال رجاء بن أبي سلمة: خاصم النصارى حسان بن مالك الكلبي إلى عمر بن عبد العزيز في كنيسته بدمشق فقال له عمر: إن كانت من الخمس عشرة كنيسة التي في عهدهم فلا سبيل لك إليها.
قال علي بن أبي حملة: خاصمنا العجم في كنيسة بدمشق يقال لها كنيسة بني نصر، كان معاوية أطعهم إياها، فأخرجهم عمر بن عبد العزيز منها ودفعها إلى النصارى. فلما ولي يزيد ردها إلى بني نصر.
قال ابن المعلى:
قرأت كتاب سجل من يحيى بن حمزة لبنك نصارى قصبة دمشق أنهم ذكروا له أنه شجر بينهم وبين رئيسهم في دينهم وجماعتهم من أهل القرى وعتاقة العرب والغرباء
стр. 267
اختلاف وفرقة وأنهم غلبوهم على كنائسهم، وسألوا الوفاء لهم بما في عهدهم وكتابهم الذي كتبه لهم خالد بن الوليد عند فتح مدينتهم، فدعوتهم بحجتهم فأتوني بكتاب خالد بن الوليد لهم فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق يوم فتحها، أعطاهم أماناً لأنفسهم ولأموالهم وكنائسهم لا نهدمنه ولا نسكننه، لهم على ذلك ذمة الله وذمة الرسول ﷺ وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين ألا يعرض لهم أحد إلا بخير إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد هذا الكتاب يوم كتب عمرو بن العاص وعياض بن غنم ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة بن الجراح ومعمر بن عتاب وشرحبيل بن حنسة وعمير بن سعد، ويزيد بن نبيشة وعبد الله بن الحارث وقضاعي بن عامر. وكتب في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة.
وقرأت كتابهم فوجدته خاصة لهم، وفحصت عن أمرهم فوجدت فتحها بعد حصار، ووجدت ما وراء حيطانها لدفعة الخيل ومركز الرماح. ونظرت في جزيتهم فوجدتها وظيفة عليهم خاصة دون غيرهم، فقضيت لهم بكنائسهم حين وجدتهم أهل هذا العهد وأبناء البلد بنكاً تلداً ووجدت من نازعهم لفيفاً طرؤوا عليهم، وذلك لو أنهم أسلموا بعد فتحها كان لهم صرفها مساجد ومساكن فلهم في آخر الدهر ما في أوله، وقضيت لمن نازعهم بما كان لهم فيها من حلية أو آنية أو كسوة أو بناء أو عرصة أضافوا ذلك إليها يدفع ذلك إليهم بأعيانه إن قدر عليه أو قيمة عدل يوم ينظر فيه. شهد عدد كنائس النصارى التي دخلت في صلحهم بدمشق خمس عشرة كنيسة.
стр. 268
بعض الدور التي هي داخل السور
لما استخلف عبد الملك بن مروان طلب من خالد بن يزيد بن معاوية شراء الخضراء، وهي دار الإمارة بدمشق، فابتاعها منه بأربعين ألف دينار وأربع ضياع بأربعة أجناد الشام اختارهن، فاختار من فلسطين عمواس، ومن الأردن قصر خالد، ومن دمشق أندركيسان، ومن حمص دير زكي.
ولما بنى معاوية الخضراء بدمشق وهي دار الإمارة بالطوب. فلما فرغ منها قدم عليه رسول ملك الروم فنظر إلها فقال له معاوية: كيف ترى هذا البنيان؟ قال: أما أعلاه فللعصافير، وأما أسفلة فللفأر، قال: فنقضها معاوية وبناها بالحجارة.
وعدد دوراً ليس في تعدادها كبير فائدة.
وأما ما كان من البنيان خارجاً عن السور فقد روي أن كعب الأحبار خرج من دمشق ومعه نفر يشيعونه، فخرج من باب الجابية حتى إذا كان عند الثنية من دير أو في وقف ثم نظر خلفه ثم سار حتى جاوز الكسوة فلما ودعوه سألوه عن ذلك فقال أما نظري حين خرجت من باب الجابية ووقوفي على الثنية. فإن البينان يتصل إليها حتى يسير السائر في ضوء السراج حتى ينتهي إليها.
وروي عن كعب أنه قال: يتصل العمران ما بين باب الجابية إلى البضيع.
стр. 269
وروي عن مطر بن العلاء قال: إنه كان يعرف من رأس زقاق فذايا إلى قرية تعرف بواسط في الغوطة حوانيت ومنازل. وحكى عن شيوخه أن العمران يتصل بهذا حتى يصير سوق القمح في قرحتا.
وروي أنه كان على نهر بزيد رواشن مشرفة على النهر، وكان أكثر ظاهر البلد منازل القبائل وقرى متصلة وأبنية متقاربة، فخرب أكثر ذلك في الفتن والحروب والحصارات وباد أهلوه، وتمادى عليه الخراب إلى الآن، وقل موضع حفر إلا وجد فيه أثر العمارة من سائر نواحي البلد من قبليه وشرقيه وشاميه وغربيه. والله يحرس ما بقي منها ويحميه.
стр. 270
الأنهار المحتفرة للشرب وسقي الزرع
ذكر وهب بن منبه أن في ربض الجنة نهراً من أنهار الجنة، فهو أصل أنهار الأرض كلها التي أظهرها الله حيثما أراد أن يظهرها، وأن النيل نهر العسل في الجنة، ودجلة نهر اللبن في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان وجيحان نهران بأرض الهند وهما نهرا الماء في الجنة.
وذكر قصة نهر يزيد وأصله، وفصل ذلك تفصيلاً تماماً وما تفرع منه ومن غيره ثم قال: فهذه الأنهار التي ينتفع بها القاصي والداني، وينقسم منها الماء إلى البلد في القني فينتفع به الناس الانتفاع العام ويتفرق إلى البرك والحمامات، ويجري في الشوارع والسقايات وذلك من المرافق الهنية، والفضيلة العظيمة التي اعتدت من فضائل هذه المدينة، إذ الماء في أكثر البلاد لا ينال إلا بالثمن، وهو الذي تحصل به حياة النفوس.
وقد ورد في فضل سقي الماء ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ليس صدقة أعظم أجراً من ماء.
وعن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، ما لا يحل منعه؟ قال: الماء والملح والنار. يا عائشة، من سقى الماء حيث يوجد فكأنما أعتق نفساً، ومن سقى الماء حيث لا يوجد فكأنما أحيا نفساً، ومن أخذ من منزله ملح فطيب به طعام كان كمن تصدق بذلك الطعام على أهله، ومن أخذت من منزله نار لم ينتفع من تلك النار بشيء إلا كان له صدقة.
وعن أبي موسى قال: سألت ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ قال: سألت رسول الله ﷺ فقال لي: اسق الماء. قال: ثم؟
стр. 271
قال: ألم تر إلى أهل النار إذا استغاثوا يغاثوا بماء كالمهل قال: " أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ".
فهذه الأحاديث تدل على أن الصدقة بالماء من القرب الكبار.
وبدمشق قني لها أو قاف معينة مثبوتة عند متولي الأوقاف، وأكثرها ليس لها أوقاف ولكن يجريها المسلمون، فيحصل بها الانتفاع وتطيب بها الأسقاع. وعددها وفصلها بمواضعها وأسمائها. وعدد جملتها في داخل البلد مئة ونيف وثلاثون قناة. وفي ظاهر البلد تسع عشرة قناة.
فأما الحمامات ففيها وفي ظاهرها سبعة وخمسون حماماً سوى حمامات القرى.
مدح دمشق بطيب الهواء والماء
стр. 272
ما ورد في مدح دمشق بطيب الهواء والماء
عن وهب بن منبه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض لم يسأل إلا عن غوطة دمشق وعن جنتي سبأ.
كان الرشيد يقول: الدنيا أربعة منازل، قد نزلت ثلاثة منها: أحدها الرقة، والآخر دمشق، والآخر الري في وسط نهر وعلى جنتيه أشجار ملتفة متصلة وفيما بينها سوق، والمنزل الرابع سمرقند، وهو الذي بقي علي لم أنزله، وأرجو ألا يحول الحول في هذا الوقت حتى أحل به.
فما كان بين هذا وبين أن توفي إلا أربعة أشهر فقط.
قال أحمد بن الخير الوراق الدمشقي: لم تزل ملوك بني العباس تخف إلى دمشق طلباً للصحة وحسن المنظر، منهم المأمون فإن أقام بها، وأجري إليها قناة من نهر منين في سفح جبلها إلى معسكر بدير مران وبنى القبلة التي بأعلى دير مران وصيرها مرقباً يوقد في أعلاها النار لكي ينظر إلى ما في معسكره إذا جن عليه الليل، وكان ضوؤها وضياؤها يبلغ إلى ثنية العقاب وإلى جبل الثلج.
وعن الفضل بن مروان أن المأمون صار إلى دمشق وهو رقيق فغلظ وأخذ بعض اللحم، وكان أكله قبل ذلك
стр. 273
في كل يوم ثمان عشرة لقمة، فلما أقام بدمشق صار أكله في كل يوم أربعاً وعشرين لقمة بزياد الثلث.
ويقال: إن المأمون نظر يوماً من بناء كان فيه إلى أشجار الغوطة وبهائها فحلف بالله إنها خير مغنى على وجه الأرض.
قال يحيى بن أكثم القاضي: كنت بدمشق مع المأمون وحضرت طعامه، فقدم إليه طعام كثير من الفراريج، فجعل المأمون يأكل من تلك الفراريج ويتمطق ويتملظ ويتبسم، وأنا لا أدري ما مقصده بتلمظه، فلما استحكم له طعم الفراريج وبلغ نهاية الاستتمام إلى غايته في ذوقه نظر إلى الطباخ فقال: بأي شيء سمنت هذه الفراريج؟ وبم طيبتها؟ فقال الطباخ: هذه أرعية دمشق، لم تسمن ولم تطيب، فقال لي: ما طعم من طعام الطير ولا ريح من الروائح العذبة إلا وقد خيل لي أنه في هذه الفراريج، وهذا والله أرخس لحماً وأطيب طعماً وريحاً من مسمن كسكر. ثم قال: أو ما علمت أن فراريج كسكر فيها ثقل كسكر وروائح آجامها وكأنها من طير الماء فيها الطعم فإن لم تعالج بالأبازير وتطيب بالأفواه وتروى بالزيت المغسول لم يمكن النظر إليه فضلاً عن أكله، وهي إذا عوينت بما وصفت وعولجت ففيها بقايا سنخها ولئن رجعت إلى العراق لا ذقت منها شيئاً البتة.
قال ابن أبي داود: قال المعتصم بالله.
ما شبهت ساكن دمشق إلا بالصائم في شدة الكلف على الطعام فإنه جائع أبداً، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، فنعمت النعمة هذه. قال: نعم، خير بقاع الأرض إلا أنه يورث الشدة.
стр. 274
قال الأصمعي: أحسن الدنيا ثلاثة: نهر الأبلة، وغوطة دمشق، وسمرقند.
وقال: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان وأردبيل وهيت.
وعن الأصمعي قال: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق ونهر سمرقند ونهر الأبلة.
وقال غيره: في الدنيا ثلاث جنان: مرو من خراسان، ودمشق من الشام، وصنعاء من اليمن، وجنة هذه الجنان صنعاء.
وذكر بعض المغاربة قال: قال قوم من المشرقيين: إن الله أسكنه يعني آدم بناحية كيكدر من كورة الصين. قال: فهي التي تعرف في زماننا بمدينة لغبور. ويقولون: الصين أطيب البلاد. وأما الذي عليه العامة في الشق الغربي أن أطيب البلاد صنعاء من اليمن، ودمشق من الشام، والري من خراسان، ونجران من الحجاز.
стр. 275
ذكر تسمية أبوابها ونسبتها
الباب القبلي المعروف بالباب الصغير، سمي بذلك لأنه كان أصغر أبوابها حين بنيت.
الباب الذي يليه من القبلية بشرق: باب كيسان، ينسب إلى كيسان مولى معاوية، وقيل: نسبته إلى كيسان مولى بشر بن عمارة بن حسان بن جبار بن قرط الكلبي. وهو الآن مسدود.
الباب الشرقي، سمي بذلك لأنه شرقي البلد، وكان ثلاثة أبواب باب كبير في الوسط وبابان صغيران من جانبيه سد منها الكبير والباب الصغير الذي من قبلته وبقي الصغير الشامي.
باب توما من شامي البلد، ينسب إلى عظيم من عظماء الروم واسمه توما، وكانت له على بابه كنيسة جعلت بعد مسجداً.
باب الجينيق من الشام أيضاً منسوباً إلى محلة الجينيق، وهو الآن مسدود.
باب السلامة من شام البلد أيضاً، سمي بذلك تفاؤلاً، لأنه لا يتهيأ القتال على البلد من ناحيته لما دونه من الأنهار والأشجار.
باب الفراديس من شآمه أيضاً. منسوب إلى محلة كانت خارج البلد تسمى الفراديس هي الآن خراب، وكان للفراديس باب آخر عند باب السلامة فسد، والفراديس بلغة الروم: البساتين.
باب الفرج من شآمه أيضاً، محدث، أحدثه الملك العادل نور الدين وسماه بهذا الاسم تفاؤلاً لما وجد من التفريج بفتحه، وكان بقربه باب يسمى باب العمارة، فتح عند عمارة القلعة ثم سد بعد، وأثره باق في السور.
стр. 276
باب الحديد من شآمة أيضاً، وهو الآن خاص للقلعة التي أحدثت غربي البلد في دولة الأتراك، وسمي بذلك لأنه كل حديد فقيل الباب الحديد، ثم تركت الألف واللام تخفيفاً.
باب الجنان في غربي البلد، سمي بذلك لما يليه من الجنان وهي البساتين، وقد كان مسدوداً ثم فتح.
باب الجابية من غربي البلد، منسوب إلى قرية الجابية، لأن الخارج إليها يخرج منه لكونه مما يليها، وكان ثلاثة أبواب: الأوسط منها كبير ومن جانبيه بابان صغيران على مثال ما كان الباب الشرقي، وكان من الثلاثة أبواب ثلاثة أسواق ممتدة من باب الجابية إلى الباب الشرقي، كان الأوسط من الأسواق للناس، وأحد السوقين لمن يشرق بدابته، والآخر لمن يغرب بدابته، حتى إنه كان لا يلتقي فيها راكبان، فسد الباب الكبير والشامي منها، وبقي القبلي إلى الآن.
وفي السور أبواب صغار غير ما ذكرنا، تفتح عند وجود الحاجة إليها. منها: باب في حارة الحاطب يعرف بباب ابن إسماعيل.
وباب في المدبغة.
стр. 277
فضل مقابر أهل دمشق
ومن بها من الأنبياء وغيرهم
كان كعب الأحبار يقول: في مقبرة باب الفراديس: يبعث منها سبعون ألف شهيد يشفعون في سبعين، كل إنسان في سبعين.
وعن كعب قال: بطرسوس من قبور الأنبياء عشرة، وبالمصيصة خمسة، وهي التي يغزوها الروم في آخر الزمان فيمرون بها فيقولون: إذا رجعنا من بلاد الشام أخذنا هؤلاء أخذاً، فيرجعون وقد تحلقت بين السماء والأرض.
قال كعب: وبالثغور وأنطاكية قبر حبيب النجار، وبحمص ثلاثون قبراً، وبدمشق خمس مئة قبر، وببلاد الأردن مثل ذلك.
وفي رواية أخرى مثله وزاد فيه: وبالثغور وبسواحل الشام من قبور الأنبياء ألف قبر، وقال بعد: وببلاد الأردن مثل ذلك، وبفلسطين مثل ذلك، وببيت المقدس ألف قبر، وبالعريش عشرة وقبر موسى بدمشق.
وعن عبد الله بن سلام قال: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبع مئة قبر، وقبر موسى بدمشق، وإن دمشق معقل الناس في آخر الزمان من الملاحم.
стр. 278
وعن ابن عباس قال:
من أراد أن يرى الموضع الذي قال الله : " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " فليأت النيرب الأعلى بدمشق بين النهرين، وليصعد الغار في جبل قاسيون فيصل فيه، فإنه بيت عيسى وأمه، وهو كان معقلهم من اليهود. ومن أراد أن ينظر إلى إرم فليأت نهراً في حفر دمشق يقال له بردى. ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التي فيها مريم بنت عمران والحواريون فليأت مقبرة الفراديس.
وفي مقبرة دمشق قبور من الصحابة الأخيار. وقد جاء في فضل المقابر التي يدفنون بها: ما روي عن أوس وهو ابن عبد الله بن بريدة عن أخيه أظنه عن أبيه قال: مات أبي بمرو وقبره بحصين.
قال: وقال لي أبي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات من أصحابي بأرض فهو قائدهم يوم القيامة.
وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : أيما رجل من أصحابي مات ببلدة فهو إمامهم يوم القيامة.
وفي رواية أخرى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما أحد من أصحابي يموت بأرض إلا كان قائداً ونوراً لهم يوم القيامة.
وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : إنها ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، ولا يصيب أهلها سوء أبداً.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من مات من أصحابي بأرض فهو شفيع لأهل تلك الأرض.
стр. 279
وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يموت أحد من أصحابي ببلد من البلدان إلا كان لهم نوراً، وبعثه الله يوم القيامة سيد أهل تلك البلد.
قال الراوي: ثم قال لي موسى بن عبد الله: هذه فضيلة لكم يا أهل الكوفة، قد مات أمير المؤمنين ببلدكم.
وأول مقبرة دفن المسلمون فيها بدمشق ما روي أن المسلمين يومئذ نشبوا القتال من تلك الناحية، يعني من ناحية الباب الشرقي، يوم نزولهم على دمشق، فقتل ناس من المسلمين فدفنوا في مقبرة باب توما، فهي أول مقبرة بدمشق للمسلمين.
قال: وأهل العلم يذكرون أن بمقبرة دمشق من أصحاب رسول الله ﷺ : بلال مولى أبي بكر، وسهل بن الحنظلية، وأبو الدرداء.
حدث الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: لم يتفق المسلمون على معرفة عين قبر نبي وصحابي غير قبر نبيناً محمد ﷺ ، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄: قال ابن الأكفاني: أراني الشيخ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني قبور الصحابة الذين بظاهر دمشق بباب الصغير: معاوية بن أبي سفيان، وفضالة بن عبيد، وواثلة بن الأسقع، وسهل بن الحنظلية، وأوس بن أوس وهم داخل الحظيرة مما يلي القبلة. وأبو الدرداء خارج الحظيرة، وأم الدرداء خلف الحظيرة، وعبد الله بن أم حرام ويعرف بابن امرأة عبادة بن الصامت محاذ طريق الجادة، وجماعة يقولون إنه قبر أبي بن كعب. قال: وليس بصحيح، وأم حبيب بنة أبي سفيان، أخت معاوية، زوجة رسول الله ﷺ على قبرها بلاطة مكتوب عليها اسمها رضي
стр. 280
الله عنها في جنب حظيرة الصحابة وأختها على قبرها أيضاً بلاطة مكتوب عليها. وبلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ على قبره بلاطة مكتوب عليها اسمه.
قال: وأراني قبر الوليد بن عبد الملك، وأخيه مسلمة خلف الحظيرة التي فيها قبور الصحابة مقابل مقبرة أمير الجيوش، على الجادة.
قال: وأراني قبر بريهة بنة الحسن بن علي بن أبي طالب في قبة، وقبر سكينة بنة الحسين بن علي بن أبي طالب في قبة.
وفي رواية أخرى: ووابضة بن معبد، وخريم بن فاتك، ومعبد بن فاتك، وسبرة بن فاتك.
وكان بلال بن رباح نزل داريا، فتزوج بها، ومات بداريا، وحمل حتى دفن هاهنا مع أصحاب رسول الله ﷺ .
ومدرك بن زياد الفزاري قبره بقرية راوية من غوطة دمشق، وهو أول صحابي توفي بظاهر دمشق.
وسعد بن عبادة الأنصاري سيد الخزرج، قبره بقرية المنيحة من غوطة دمشق. وقد اختلف في قبر معاوية: فيقال إنه قبر خلف حائط المسجد الجامع موضع دراسة السبع اليوم. قال: والأصح أن قبره خارج باب الصغير.
وأما قبر أم حبيبة فيمكن أن يكون قبرها هاهنا، لأنها قدمت الشام على أخيها معاوية، وذكرها أبو زرعة في طبقاته قال: والأصح أن قبرها بالمدينة.
وأما بلال فقيل قبره بباب الصغير، وهو أصح الأقاويل، وقيل بباب كيسان، وقيل بداريا، وقيل إنه بحلب وهو قول ضعيف.
وأما بريهة فلا أرى القول في نسبها يصح لأن أصحاب النسب لم يذكروا في ولد الحسن ابنة اسمها بريهة.
стр. 281
وأما سكينة بنت الحسين فإنها تزوجت بالأصبغ بن عبد العزيز بن مروان الذي كان بمصر، ورحلت إليه، فمات قبل أن تصل إليه، فيحتمل أنها قدمت دمشق وماتت بها. قال: والصحيح أنها ماتت بالمدينة وأمرهم الوالي ألا يدفنوها حتى يحضرها، وركب إلى بعض أحواله بنواحي المدينة وكان اليوم حاراً، فتغيرت رائحتها، واشتري لها طيب كثير ليغلب الرائحة فلم يغلب، ثم بعث إليهم أن ادفنوها فإني مشغول، فدفنت ولم يحضر.
وسعد بن عبادة مات بحوران، فيحتمل أنه حمل ودفن في المنيحة.
стр. 282
حرف الألف
ذكر من اسمه أحمد
أحمد سيدنا رسول الله ﷺ
أحمد ومحمد والحاشر والمقفي والعاقب بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو القاسم المصطفى خاتم النبين وسيد المرسلين ونبي الرحمة ﷺ . قدم البصرة من نواحي دمشق قبل أن يوحى إليه، وهو صغير، مع عمه أبي طالب، ومرة أخرى في تجارة لخديجة مع ميسرة غلامها.
стр. 283
ذكر قدومه ﷺ بصرى
عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه رسول الله ﷺ في أشياخ من قريش. فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدن لنبيٍ، وإني أعرفه، خاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع، فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فقال: انظروا إليه، عليه غمامة، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوا إلى فيء الشجرة، فلما جلي مال فيء الشجرة عليه فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينا هو قائم عليهم، وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارجٌ في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناسٌ، وإنا أخبرنا خبره، بعثنا إلى طريقك هذا فقال لهم: هل خلفتم خلفكم أحداً هو خير منكم؟ قالوا: لا إنا أخبرنا خبره بطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فتابعوه، وأقاموا معه، قال: فأتاهم فقال: أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا:
стр. 284
أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالاً وزوده الراهب من الكعك والزيت.
وشب رسول الله ﷺ مع أبي طالب يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها لما يريد به من كرامته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم من الفحش والأذى، ما رؤي ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سماه قومه الأمين لما جمع الله من الأمور الصالحة فيه، فلقد كان الغالب عليه بمكة الأمين. وكان أبو طالب يحفظه ويحوطه، ويعضده وينصره إلى أن مات.
قال ابن إسحاق: وكان أبو طالب هو الذي إليه أمر رسول الله ﷺ بعد جده، فكان إليه ومعه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجراً. فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عله وسلم فأخذ بومام ناقته وقال: يا عم، إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أم لي، فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً. أو كما قال.
قال: فخرج به معه، فلما نززلوا بظل شجرة قريباً
стр. 285
منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة، وتهرصت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم فقال له رجل منهم: يا بحيرى، إن لك اليوم لشأناً، ما كنت تصنع هذا فيما مضى، وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرى: صدقت، وقد كان ما تقول، ولكنكم ضيفٌ، وقد أحببت أن أكرمكم واصنع لكم طعاماً تأكلون منه كلكم.
فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرى في القوم لم يرى الصفة التي يعرف ويجد عنده، قال: يا معشر قريش، لا يتخلف أحدٌ منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحدٌ ينبغي له أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سناً تخلف في رحالهم. قال: فلا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى إن هذا للؤم بنا، يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا! ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرى فقال له: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسلني باللات والعزى شيئاً، فو الله ما أبغضت بغضهما شيئاً فقال له بحيرى: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ فقال: ابني، فقال له بحيرى؟ ما هو بابنك، ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً. قال: فما فعل
следующие страницы →