Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
قال خالد بن صفوان: من صحب السلطان بالصحة والنصيحة كان أكثر عدواً ممن صحبه بالغش والخيانة، لأنه يجتمع على الناصح عدو الوالي وصديقه بالعداوة والحسد، فصديق الوالي ينافسه في منزلته، وعدو الوالي يعاديه لنصيحته.
قال خالد بن صفوان: إن جعلك الوالي أخاً فاجعله سيداً، ولا يحدثن لك الاستئناس به غفلة ولا تهاوناً.
قال خالد بن صفوان: إن سأل الوالي رجلاً غيرك فلا تكن أنت المجيب، فإن ذلك خفة بالسائل والمسؤول.
وقال خالد بن صفوان: خير ما يدخر الآباء للأبناء اصطناع الأيادي عند ذوي الأحساب.
وقال خالد بن صفوان: إذا رأيت محدثاً يحدث حديثاً قد سمعته، أو يخبر خبراً قد علمته، فلا تشاركه فيه حرصاً على أن تعلم من حضرك أنك قد علمته، فإن ذلك خفة وسوء أدب.
وقال: ابذل لصديقك مالك، ولمعرفتك بشرك وتحيتك، وللعامة رفدك وحسن محضرك، ولعدوك عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد وقال خالد بن صفوان: استصغر الكبير في طلب المنفعة، واستعظم الصغير في ركوب المضرة.
وقال: لولا أن المروءة تشتد مؤنتها، ويثقل حملها، ما ترك اللئام للكرام منها مبيت ليلة، فلما ثقل حملها، واشتدت مؤنتها حاد عنها اللئام واحتملها الكرام.
стр. 2557
قال خالد بن صفوان: بت ليلة أتمنى ليلتي كلها، حتى كبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، ثم نظرت وإذا يكفيني من ذلك رغيفان وكوزان وطمران.
قيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق؟ فإن مالك عرض. فقال: الدهر أعرض منه، فقيل: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كله، فقال: ولا أخاف أن أموت في أوله.
وقال خالد: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه.
قال يونس النحوي: أتينا خالد بن صفوان نعزيه عن ابنه ربعي ونحن متفجعون له، فانتهينا إليه وهو يقول: من الطويل
يهوّن ما ألقى من الوجد أنني ... أجاوره في داره اليوم أو غدا
كان خالد بن صفوان إذا أخذ فإئزته قال للدراهم: أما والله لأطيلن ضجعتك ولأديمن صرعتك.
قال:
وأتى خالد بن صفوان رجلٌ يسألة، فأعطاه درهماً، فقال له: سبحان الله!! أسألك فتعطيني درهماً، فقال له خالد: يا أحمق، أما تعلم أن الدرهم عشر العشرة والعشرة عشر المئة والمئة عشر الألف والألف عشر العشرة آلاف؟ ألا ترى كيف ارتفع الدرهم إلى دية المسلم؟ والله ما تطيب نفسي بدرهم أنفقه إلا درهماً قرعت به باب الجنة، أو درهماً أشتري به موزاً آكله.
قال خالد بن صفوان لرجل: إن أباك كان دميماً، وكان عاقلاً، وإن أمك كانت جميلة وكانت رعناء، فجمعت دمامة أبيك إلى حماقة أمك، فيا جامع شرف أبويه.
стр. 2558
وقال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها إلى غير أهلها، ولا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع أهلاً.
وقال: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلف منها، وأنشد لامرأة من ولد حسان بن ثابت في مثله: من الطويل
سل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتىً ذاق طعم العيش منذ قريب
خالد بن أبي الصلت البصري
عامل عمر بن عبد العزيز.
قال خالد: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتها ببول ولا غائط منذ كذا وكذا.
فقال عراك: حدثتني عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله ﷺ لما بلغه قول الناس في ذلك أمر بمقعدته فاستقبل بها القبلة.
وفي حديث آخر بمعناه عن عائشة: أن النبي ﷺ أمر بخلائه أن يستقبل به القبلة لما بلغه أن الناس يكرهون ذلك.
خالد بن عبد الله بن الحسين
الأموي مولى عثمان بن عفان من أهل دمشق.
حدث عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً بعد رسول الله ﷺ أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله ﷺ .
стр. 2559
خالد بن عبد الله بن خالد
ابن أسيد بن أبي العيص بن أمية كان مع مصعب بن الزبير بالعراق، ثم لحق بعبد الملك وشهد معه قتال مصعب، وولاه البصرة، ثم عزله وضم البصرة إلى أخيه بشر بن مروان، وكان خالد معه، وأحضره عند وفاته بمشق، واستوثق منه بالبيعة للوليد.
حدث ابن شهاب عن عروة وعمرة، أن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، فيبعث بالهدي مقلداً، وهو معتمر بالمدينة، ثم لا يجتنب شيئاً حتى ينحر هديه.
فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا بفتياها وتركوا فتيا ابن عباس.
قال ابن شهاب: ثم كتب خالد بن عبد الله بن أسيد إلى عبد الله بن زاذان مولى عثمان بن عفان يأمره ألا يترك عالماً بالمدينة إلا سأله عن ذلك، فأتى ابن زاذان بكتاب خالد، فحدثه هذا الحديث كله، فانطلق حتى سأل عروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، فأخبراه عن عائشة مثل الذي أخبر به عنها، فكتب بذلك إلى خالد بن عبد الله.
قال ابن شهاب: ثم لقيت خالد بن عبد الله قبل أن يحج الوليد بعام، فدخلت عليه داره التي ابتاع من أبي خراش فقال لي خالد: قد بلغني كتاب ابن زاذان في الحديث الذي حدثته، وعن الأحاديث التي حدثتها عائشة، وقد كنا التبسنا في ذلك، فقد تبين لنا اليوم أمر ذلك فلا نشك في شيء.
قال الأصمعي: قدم الراعي على خالد بن عبد الله بن أسيد ومعه ابن له، فمات ابنه بالمدينة، فلما
стр. 2560
دخل على خالد سأله عنه فقال: مات بعد أن زوجته وأصدقت عنه، فأمر له بدية ابنه وصداقه. فقال الراعي: من الطويل
وديت ابن راعي الإبل إذ حان يومه ... وشقّ له قبراً بأرضك لاحد
وقد كان مات الجود حتى نشرته ... وأذكيت نار الجود والجود خامد
فلا حملت أنثى ولا آب آيبٌ ... ولا بلّ ذو سقمٍ إذا مات خالد
قوله: وديت ابن راعي الإبل: أراد أديت ديته، يقال: وديت القتيل إذا أديت ديته إلى أهله، ووديت عن الرجل إذا تحملت عنه دية لزمته، وأديت عنه من مالك دية جنايته، وهذا مما عايا به الكسائي محمد بن الحسن فلم يعرف الفرق بينهما. وأنشر الله الميت فنشر، ونشره فهو منشور لغة. وبل الرجل من مرضه وأبل واستبل إذا برأ وصح.
قال أبان بن عثمان:
لما ثقل عبد الملك بن مروان، أرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية وخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وقال: أتدريان لم بعثت إليكما؟ قالا: نعم، ترينا ما أصبحت فيه من العافية، قال: لا، ولكنه كان من بيعة الوليد وسليمان ما قد علمتما، فإن أردتما أن أقيلكما أقلتكما، قالا: لا، وكيف تقيلنا وقد جعلت لهما في رقابنا مثل هذه السواري؟! فقال أخيراً: أما والله، لو قلتما غير هذا لقدمتكا أمامي.
خالد بن عبد الله المطرف
ابن عمرو بن عثمان بن عفان من نبلاء قريش ووجوهها، من أهل المدينة، وفد على يزيد بن عبد الملك، وهو أخو محمد بن عبد الله الديباج.
стр. 2561
ولما وفد على يزيد بن عبد الملك، خطب إليه يزيد أخته، فقال: إن عبد الله بن عمرو بن عثمان أبي، قد سن لنسائه عشرين ألف دينار، فإن أعطيتنيها وإلا لم أزوجك. فقال له يزيد: أو ما ترانا أكفاء إلا بالمال؟! قل: بلى والله، إنكم لبنو عمنا، قال: إني لأظنك لو خطب إليك رجل من قريش لزوجته بأقل مما ذكرت من المال. قال: إي لعمري، لأنها تكون عنده مالكة مملكة، وهي عندكم مملوكة مقهورة، وأبى أن يزوجه.
فأمر أن يحمل على بعير ثم ينخس به إلى المدينة.
وكتب إلى الضحاك بن قيس الفهري وهو عامله على المدينة: أن وكل بخالد من يأخذ بيده في كل يوم، وينطلق به إلى شيبة بن نصاح المقرئ، ليقرأ عليه القرآن فإنه من الجاهلين.
فأتي به شيبة فقيل له: يقول لك أمير المؤمنين: علمه القرآن فإنه من الجاهلين، فقال شيبة حين قرأ عليه: ما رأيت أحداً قط أقرأ للقرآن منه، وإن الذي جهله لأجهل منه.
ثم كتب يزيد إلى عامله: بلغني أن خالداً يجيء ويذهب في سكك المدينة، فمر بعض من معك أن يبطش به، فضربوه حتى مرض ومات، وله عقب بالمدينة.
وقيل: إن يزيد أمر أن يختلف به إلى الكتاب مع الصبيان يعلم القرآن، فزعموا أنه مات كمداً.
خالد بن عبد الله بن الفرج
أبو هاشم العبسي مولاهم ويعرف بخالد سبلان، بسين مفتوحة وباء موحدة، ولقب بذلك لعظم لحيته.
شهد مع معاوية صفين.
стр. 2562
حدث عن كهيل بن حرملة النمري عن أبي هريرة: أنه أقبل حتى نزل بدمشق على آل أبي كلثم الدوسي، فتذاكروا الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم ونحن بفناء رسول الله ﷺ ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك. فأتى رسول الله ﷺ ، وكان جريئاً عليه، فاستأذن فدخل عليه ثم خرج فأخبر أنها صلاة العصر.
وعن مكحول: في قوله تعالى: " يبدل الله سيئاتهم حسنات " قال: يجعل مكان السيئات حسنات، قال: فقال خالد سبلان: يخرجهم من السيئات إلى الحسنات.
قال: فرأيت مكحولاً غضب حتى جعل يرتعد.
خالد بن عبد الله بن يزيد
ابن أسد بن كرز بن عامر بن عبقري أبو الهيثم البجلي القسري أمير مكة للوليد وسليمان، وأمير العراقين لهشام بن عبد الملك، وهو من أهل دمشق.
حدث سيار أبو الحكم: أنه شهد خالد بن عبد الله القسري وهو يخطب على المنبر وهو يقول: حدثني أبي عن جدي أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أسد أتحب الجنة؟ قال: قلت: نعم، قال: فأحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك.
وحدث خالد بن عبد الله عن جده أسد بن كرز أنه سمع النبي ﷺ يقول: المريض تحات خطاياه كما تحات ورق الشجر.
قال: فيه وهم قوله: عن جده، وإنما يروي عن أبيه عن جده.
стр. 2563
ووهم أيضاً في قوله: جده أسد، وجده يزيد بن أسد.
وكان خالد بن عبد الله بواسط، ثم قتل بالكوفة قريباً من سنة مئة وعشرين.
هو الذي قال يوم الأضحى: إني مضحٍ بالجعد بن درهم؛ زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ثم نزل فذبحه.
قال ابن ماكولا: قسر: بفتح القاف وسكون السين المهملة هو قسر بن عبقر قبيل من بجيلة، ينسب إليها يزيد بن أسد صاحب النبي ﷺ ، ومن ولده خالد بن عبد الله القسري.
قال المدائني: أول ما عرف به سؤدد خالد بن عبد الله القسري، أنه مر في سوق دمشق وهو غلام، فأوطأ فرسه صبياً، فوقف عليه، فلما رآه لا يتحرك أمر غلامه فحمله، ثم أتى به إلى مجلس قوم فقال: إن حدث بهذا الغلام حدث فأنا صاحبه، أوطأته فرسي ولم أعلم.
قال خالد بن عبد الله القسري قبل إمرة العراق:
لقد رأيتني وأنا أصبح، فألبس ألين ثيابي، وأركب فره دوابي، ثم آتي صديقي فأسلم عليه أريد بذلك أن أثبت مروءتي في نفسي وأزرع مودتي في صدور إخواني، وأفعل ذلك بعدوي أرد عاديته عني، وأسل غمر صدره علي.
وجمعت العراق لخالد بن عبد الله في سنة ست ومئة وعزل سنة عشرين ومئة.
حدث أبو المليح وهو الحسن بن عمر الرقي قال: سمعت خالد القسري على المنبر يقول: قد اجتمع من فيئكم هذا ألف ألف لم يظلم فيها مسلم ولا معاهد.
خطب خالد بن عبد الله القسري يوماً فانغلق عليه كلامه وأرتج عليه بيانه، فسكت سكتة، ثم قال: يا أيها الناس، إن هذا الكلام يجيء أحياناً ويعزب أحياناً، فيتسبب عند
стр. 2564
مجيئه سببه، ويتعذر عند عزوبه مطلبه، وقد يرد إلى السليط بيانه وينيب إلى الحصر كلامه، وسيعود إلينا ما تحبون ونعود لكم كما تريدون.
وخطب خالد القسري بواسط فقال: إن أكرم الناس من أعطى ما لا يرجوه، وأعظم الناس عفواً من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل عن قطيعة.
وخطب خالد القسري بواسط فقال: يا أيها الناس، تنافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، واشتروا الحمد بالجود، ولا تكتسبوا بالمطل ذماً، ولا تعتدوا بمعروف لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم نعمةٌ عند أحد لم يبلغ شكرها، فالله أحسن له جزاءً وأجزل عطاء، واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعم فلا تملوها فتحور نقماً، فإن أفضل المال ما أكسب أجراً وأورث ذكراً، ولو رأيتم المعروف رأيتموه رجلاً حسناً جميلاً، يسر الناظرين، ويفوق العالمين، ولو رأيتم البخل رأيتموه رجلاً مشوهاً قبيحاً تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار، إنه من جاد ساد، ومن بخل رذل وأكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والفروع عند مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو.
قال أبو بكر بن عياش: رأيت خالداً حين أتي بالمغيرة وأصحابه، وقد وضع له سرير في المسجد، فجلس عليه، ثم أمر برجل من أصحابه فضربت عنقه، ثم قال للمغيرة بن سعد أحيه، وكان المغيرة يريهم أنه يحيي الموتى: فقال: والله، أصلحك الله، ما أحيي الموتى قال: لتحيينه أو لأضربن عنقك، قال: لا والله ما أقدر على ذلك، ثم أمر بطن قصب، فأضرموا فيه ناراً، ثم قال للمغيرة: اعتنقه فأبى، فعدا رجل من أصحاب
стр. 2565
المغيرة فاعتنقه، قال أبو بكر: فرأيت النار تأكله وهو يشير بالسبابة، فقال خالد: هذا والله أحق بالرئاسة منك، ثم قتله وقتل أصحابه.
أتي خالد بن عبد الله القسري برجل تنبأ بالكوفة فقيل له: ما علامة نبوتك؟ قال: قد أنزل علي قرآن. قيل: ما هو؟ قال: إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك ولا تجاهر، ولا تطع كل كافر وفاجر، فأمر به فصلب، فقال الشاعر: إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على عود، وأنا ضامن لك ألا تعود.
قال الأصمعي: حرم خالد بن عبد الله القسري الغناء، فأتاه حنين بن بلوع في أصحاب المظالم ملتحفاً على عود، فقال: أصلح الله الأمير، شيخ كبير ذو عيال، كانت له صناعة حلت بينه وبينها، قال: وما ذاك؟ فأخرج عوده وغنى: من الخفيف
أيّها الشّامت المعيّر بالشّي ... ب أقلّنّ بالشباب افتخارا
قد لبست الشباب قبلك حيناً ... فوجدت الشباب ثوباً معارا
فبكى خالد وقال: صدق والله، وإن الشباب لثوب معار، عد إلى ما كنت عليه ولا تجالس شاباً ولا معربداً.
قال الوليد بن نوح مولى لأم حبيبة بنت أبي سفيان: سمعت خالد بن عبد الله القسري على المنبر يقول: إني لأطعم كل يوم ستة وثلاثين ألفاً من الأعراب من تمر وسويق.
قال الأصمعي: قال أعرابي لخالد القسري: أصلح الله الأمير: لم أصن وجهي عن مسألتك، فصن وجهك عن ردي، وضعني من معروفك حيث وضعتك من رجائي. فأمر له بما سأل.
стр. 2566
ودخل إليه أعرابي ومعه جراب فقال: أصلح الله الأمير، تأمر لي بملء جرابي دقيقاً، فقال خالد: أملؤه دراهم، فخرج على الناس فقيل: ما صنعت في حاجتك؟ قال: سألت الأمير ما أشتهي، فأمر لي بما يشتهي.
قال عبد الملك مولى خالد بن عبد الله القسري:
إني لأسير بين يدي خالد في يوم شديد البرد في بعض نواحي الكوفة؛ ومعه يومئذٍ وجوه الناس وكبراؤهم، إذ قام إليه رجل فقال: حاجة، أصلح الله الأمير. فوقف وكان كريماً، فقال: وما هي؟ قال: تأمر رجلاً فيضرب عنقي. قال: لم؟ قطعت طريقاً؟ قال: لا، قال: فأخفت سبيلاً؟ قال: لا، قال: فنزعت يداً من طاعة؟ قال: لا. قال: فعلام أضرب عنقك؟ قال: الفقر والحاجة، أصلح الله الأمير. قال: تمنه. قال: ثلاثين ألفاً. فالتفت خالد إلى أصحابه فقال: هل علمتم تاجراً ربح الغداة ما ربحت؟ نويت له مئة ألف فتمنى علي ثلاثين ألفاً فربحت سبعين ألفاً، ارجعوا بنا فلا حاجة لنا بربح أكثر من هذا.
فرجع من موكبه وأمر له بثلاثين ألفاً.
قال أبو تمام، حبيب بن أوس الطائي: حدثني بعض القسريين قال: كان خالد بن عبد الله يكثر الجلوس ثم يدعو بالبدر ويقول: إنما هذه الأموال ودائع لا بد من تفريقها، فقال ذلك مرة وقد وفد عليه أسد بن عبد الله من خراسان، فقام فقال: هذه أيها الأمير، إن الودائع إنما تجمع لا تفرق، قال: ويحك إنها ودائع للمكارم، وأيدينا وكلاؤها، فإذا أتانا المملق فأغنيناه، والظمآن فأرويناه، فقد أدينا فيها الأمانة.
قال ابن عياش الهمداني: بينا أنا يوماً على باب أبي جعفر ننتظر الإذن إذ خرج الربيع بن يونس، فقال: يقول لكم أمير المؤمنين بمن تشبهونني من خلفاء بني أمية؟ فسكت أصحابي، فقلت للربيع: أنا أعلم من يشبه أمير المؤمنين من خلفائهم، فقال: من؟ قلت: لا أقول لك ولا أقول إلا لأمير المؤمنين.
فدخل ثم رجع فقال: يقول لك أمير المؤمنين: ليس بك الجواب وإنما تريد الدخول للكدية.
стр. 2567
قال: وكان في كمي تلك الساعة رقعة لآل خالد بن عبد الله القسري أتقمن بها وقتاً أوصلها إليه فيه فقلت: أبقى الله أمير المؤمنين ما بنا عنه غنى في كل حال، ولكن لا أجيب عن الذي سأل عنه غيره.
فقال الربيع: إن أمير المؤمنين يعلم أنك سأال، كثير الحوائج تبرمه بالمسائل والرقاع، فقلت: إن أذن أبقاه الله دخلت، وإلا فأنا بموضعي، ودخل ثم رجع فقال: ادخل.
فدخلت، فسلمت، ودعوت له، فقال: ويحك يا بن عياش، ما أكثر حوائجك ورقاعك ومساءلتك واحتيالك للدخول حتى تنغص علينا مجلسك وحديثك. فقلت: لا أعدمناك الله يا أمير المؤمنين. قال: بمن تشبهني من خلفاء بني أمية؟ فقلت: لعبد الملك بن مروان. قال: وكيف ذلك؟ قلت: لأن أول اسمه عين وأول اسمك عين، وأول اسم أبيه ميم وأول اسم أبيك ميم. قلت: وأخذ حقه بالسيف، جاهد دونه محتسباً، وأخذت حقك بالسيف، جاهدت دونه حتى أظهر الله حجتك. قال: هيه. قلت: وقتل ثلاثة من الجبابرة أسماؤهم على العين، وقتلت ثلاثة من الجبابرة أسماؤهم على العين.
قال: من قتل؟ قلت: عبد الله بن الزبير، وعمرو بن سعيد، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. قال: فأنا من قتلت؟ قال: قتلت: عبد الرحمن بن مسلم، أعني أبا مسلم، قال: هيه. قلت: وقتلت عبد الجبار بن عبد الرحمن، قال: هيه. قال: وأدركني ذهني فقلت: وسقط البيت على عبد الله بن علي فقتله. قال: فالبيت سقط على عبد الله بن علي فأنا ما ذنبي؟ قال: قلت: ما ذكرتك أنت، وإنما أخبرت أن البيت سقط على ذاك فقتله. قال: فسكت، وكأني آنست منه لينا فقلت: إي والله، وهذا الآخر أيضاً حائطه مائل، إن لم تدعموه بشيء خفت أن يسقط عليه البيت فيقتله، أعني عيسى بن موسى.
قال: وإذا عيسى عنده محبوس ذلك اليوم في بيت قد اعتقله، يريغه على خلع نفسه من العهد ليجعل الخلافة بعده للمهدي، فامتنع عيسى، فاعتقله في بيت من القصر ولا علم
стр. 2568
لي، فلما قلت: حائطه مائل، تبسم حتى كاد يغلبه الضحك، واستتر مني بكفه، وتغافل كأنه لم يفهم ما قلت، فتخشخشت الرقعة في كمي، فقلت: استقري، فليس هذا يومك، فقد تبرم أمير المؤمنين بكثرة سؤالنا ورقاعنا.
فقال المنصور: دعها أنت مكانها ولا تحركها، فإنها ليست تتحرك، فأخرجتها فقلت: أو ينظر أمير المؤمنين فيها بما أراه الله؟ أتدري لمن هي يا أمير المؤمنين؟ هي لآل خالد بن عبد الله القسري أضحوا عالة يسألون الفلق، ويتكففون الطرق. فقال: ألم أقل: إنك تحتال للكدية وسؤال الحوائج؟ ثم تبسم وأخذها، وقال: لأحدثنك عن خالد القسري حديثاً تأكل به الخبز:
إني لما تزوجت أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد كان مهرها ثلاثين ألف درهم؛ ففدحني، فقلت: آتي الكوفة فإن لنا بها شيعة، فلما كنت بقرية من السواد، أنا ومولى لي على حمارين ضعيفين مررنا بشيخ في مستشرف على باب دار، فسلمنا عليه، فما حفل بنا، فقال مولاي: أين تمضي بنا؟ بت في هذه القرية.
قال: فعدلنا فإذا نحن بدار واسعة ظنناها فندقاً فنزلنا نحط رحالنا، فسأل بعض من في تلك الدار مولاي عن اسمي ونسبي ومن أين جئت وأين أريد، فأخبره، وقعدنا متحيرين في حفاية بنا، إذا رسول قد جاء برقعة بزة يسألني المصير إليه، ويقول: أبي عليل، وأحببت أن أقضي من حديثك أرباً.
فهممت بالقيام فقال مولاي: إلى أين تقوم؟ إلى رجل لم يرنا أهلاً لرد السلام؟ فقمت على حيالٍ فسلمت عليه، فاستحيا واعتذر بالعلة من الرسالة إلي، وسألني عن مخرجي، وما لقيت من سفري، فهممت أن أشرح له خبري، فاستحييت وقلت: يكون ذلك في مجلس آخر. فمد يده إلى الدواة فكتب رقعة وختمها وقال لمولاي: الق وكيلي بها.
стр. 2569
فأخذ المولى الرقعة، وقمت ولم أحفل بالرقعة، وأتينا بما نحتاج إليه من زاد وعلف، واحتقرنا أمر الرقعة، فإذا وكيله قد غدا علينا فقال: ألا توصلون إلينا رقعتكم، وتقبضون مالكم؟ فقلت لمولاي: هات تلك الرقعة، وقلت للوكيل: وما مالنا؟ كم هو؟ قال: قد أمر لك بمئة ألف درهم وهو مستقل لها، فلم أصدق.
وفك الرقعة فقرأها وقال للمولى: تعال اقبض مالك، فقلت: حميرنا مضعفة، احمل لنا منها ثلاثين ألف درهم وندخل الكوفة فنقبض منك الباقي هناك، فقال: وأين تريدون إذا صدرتم عن الكوفة؟ قلنا: الشام: قال: أي الشام؟ قلت: الحميمة، فأحضر المال وقال: يأمركم أبو الهيثم أن تلقوا وكيله في قرية كذا بالشام بهذه الرقعة الأخرى. وقبض الرقعة الأولى فخرقها، وسلم إلينا الثلاثين الف درهم.
فقلت للوكيل: ومن هذا الشيخ؟ قال: هذا الأمير خالد بن عبد الله القسري، هو ههنا يشرب اللبن من علة به.
قال: فدخلنا الكوفة، وكانت الثلاثون ألف درهم أكبر همنا، وما حدثنا أنفسنا بشيء بعدها، ولم نعبأ بالرقعة الثانية، فقضينا حوائجنا بالكوفة، وتجهزنا، وخرجنا نريد الشام.
فلما كنا بقرب القرية التي قال لنا وكيله: القوا الوكيل الآخر بها، قال لي المولى: لم لا تلقى وكيل الشيخ بهذه الرقعة التي معنا، فلعله أمر لنا بتتمة المئة ألف درهم؟ ومضى فدفع الرقعة إلى وكيله؛ فوافانا ببر كثير وهدايا وبز وطرف، وزودنا من ذلك وقال: إن رأيتم أن تحسنوا وتقبضوا المال مني ههنا فإني مشغول عن حمله معكم، ولكني أوجه معكم من يخفركم فافعلوا. قلنا: وكم مالنا؟ قال: أمرني أن أدفع إليكم مئة ألف درهم وأحملها معكم إلى منازلكم. فأحضرها ووكل بنا قوماً خفرونا حتى رجعنا إلى أهلنا.
يا بن عياش: فما جزاء ولد من هذا فعله؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلى عيناً بكل جميل، ومثله عفا عن السوءى وكافأ بالحسنى، ثم قرأ الرقعة، ووقع فيها برد ضياعهم وأموالهم عليهم، وكان ذلك شيئاً كثيراً، وأمر بتعجيله.
стр. 2570
قال: فرد عليهم مال جليل القدر ورباع ومستغلات.
وكان سبب سخطه على محمد بن خالد القسري، أنه حين ولاه المدينة تقدم إليه في أخذ محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن حتى ينفذهما إليه موثقين أو يقتلهما، فقصر محمد بن خالد حتى عزل، وخرجا عليه، فحقد ذلك عليه أبو جعفر؛ فعزله واستصفى أموالهم.
قال خالد بن سليمان بن مهاجر: سقط خاتم للرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري اشتراه لها بعشرين ألف درهم في بلاعة الدار؛ فاغتمت وقالت: يا مولاي جئني بمن يخرجه، فقال لها: نخلفه عليه ولا يعود في يدك، وقد صار في ذلك الموضع، ويدك أعز علي من ذلك. ثم قال: من الطويل
أرائق لا تأسي على خاتمٍ هوى ... فللأرض من حظّ الكرام نصيب
فاشترى لها بدله فصاً بخمسة آلاف دينار.
قال المبرد: وجلس خالد بن عبد الله القسري ذات يوم للعرض، فأتي بشاب قد أخذ في دار قوم، وادعوا عليه السرق، فسأله عما حكي عنه، فأقر به، فأمر خالد بقطع يده، فإذا جارية قد أتته لم ير أحسن منها وجهاً، فدفعت إلى خالد رقعة كان فيها: من الطويل
أخالد قد أوطأت والله عشوةً ... وما العاشق المسكين فينا بسارق
أقرّ بما لم يجنه غير أنّه ... رأى القطع أولى من فضيحة عاشق
قال: فسأله خالد عن أبيها، فأحضره وزوجها من الرجل الشاب، ودفع مهرها من عنده عشرة آلاف درهم.
стр. 2571
قال الأصمعي: دخل أعرابي على خالد القسري فقال: أصلح الله الأمير، إني قد امتدحتك ببيتين ولست أنشدكهما إلا بعشرة آلاف وخادم، فقال له خالد: قل، فأنشأ يقول: من الطويل
لزمت، نعم، حتى كأنك لم تكن ... سمعت من الأشياء شيئاً سوى نعم
وأنكرت، لا، حتى كأنك لم تكن ... سمعت بها في سالف الدهر والأمم
فقال خالد بن عبد الله: يا غلام عشرة آلاف وخادماً يحملها.
قال: ودخل عليه أعرابي، فقال: إني قد قلت فيك شعراً، وأنشأ يقول. من الطويل
أخالد إني لم أزرك لحاجةٍ ... سوى أنني عافٍ وأنت جواد
أخالد إنّ الأجر والحمد حاجتي ... فأيّهما تأتي فأنت عماد
فقال له خالد: سل يا أعرابي. قال: قد جعلت المسألة إلي؟ قال: نعم. قال: مئة ألف درهم. قال: أكثرت يا أعرابي. قال: أفأحطك، أصلح الله الأمير؟ قال: نعم. قال: قد حططتك تسعين ألف درهم. قال له خالد: يا أعرابي، ما أدري من أي أمريك أعجب؟! فقال له: أصلح الله الأمير، إنك لما جعلت المسألة إلي سألتك على قدرك، وما تستحقه في نفسك، فلما سألتني أن أحط حططتك على قدري وما أستأهله في نفسي. فقال له خالد: والله يا أعرابي لا تغلبني، يا غلام: مئة ألف، فدفعها إليه.
قال يونس بن حبيب النحوي: دخل أعراب على خالد بن عبد الله فأنشدوه، وفيهم رجل ساكت لا ينطق، ثم قال
стр. 2572
لخالد: ما يمنعني من إنشادك إلا قلة ما قلت فيك من الشعر، فأمره أن يكتب رقعته فكتب: من الطويل
تعرّضت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
فأنت النّدى، وابن الندى، وأخو الندى ... حليف الندى، ما للندى عنك مذهب
فأمر له بخمسين ألف درهم.
وقام آخر فقال: أصلحك الله: قد قلت فيك بيتين ولست أنشدهما حتى تعطيني قيمتهما، قال: وكم قيمتهما؟ قال: عشرون ألفاً، فأمر له بها ثم أنشده: من الكامل
قد كان آدم قبل حين وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... فكفيت آدم عيلة الأبناء
فأمر له بعشرين ألف أخرى، وجلده خمسين جلدة، وأمر أن ينادى عليه: هذا جزاء من لا يحسن قيمة الشعر.
دخل أعرابي على خالد القسري فأنشده: من الوافر
كتبت، نعم، ببابك فهي تدعو ... إليك الناس مسفرة النّقاب
وقلت للا: عليك بباب غيري ... فإنك لن تري أبداً ببابي
فأعطاه لكل بيت خمسين ألفاً.
قال عمر بن الهيثم: بينما خالد بظهر الكوفة متنزهاً، إذ حضر أعرابي فقال: يا أعرابي أين تريد؟ قال: هذه القرية، يعني الكوفة قال: وماذا تحاول بها؟ قال: قصدت خالد بن عبد الله متعرضاً لمعروفه، قال: فهل تعرفه؟ قال: لا. قال: فهل بينك وبينه قرابة؟
стр. 2573
قال: لا. ولكن لما بلغني من بذلك المعروف، وقد قلت فيه شعراً أتقرب به إليه. قال خالد: فأنشدني ما قلت، فأنشأ يقول: من الطويل
إليك ابن كرز الخير أقبلت راغباً ... لتجبر مني ما وهى وتبدّدا
إلى الماجد البهلول ذي الحلم والندى ... وأكرم خلق الله فرعاً ومحتدا
إذا ما أناسٌ قصّروا بفعالهم ... نهضت، فلم تلقى هنالك مقعدا
فيالك بحراً يغمر الناس موجه ... إذا يسأل المعروف جاش وأزبدا
بلوت ابن عبد الله في كلّ موطنٍ ... فألفيت خير الناس نفساً وأمجدا
فلو كان في الدنيا من الناس خالدٌ ... لجودٍ بمعروفٍ لكنت مخلّدا
فلا تحرمنّي منك ما قد رجوته ... فيصبح وجهي كالح اللون أربدا
فحفظ خالد الشعر وقال له: انطلق صنع الله لك.
فلما كان من غد دخل الناس إلى خالد، واستوى السماطان بين يديه، تقدم الأعرابي وهو يقول: إليك ابن كرز الخير أقبلت راغباً
فأشار إليه خالد بيده أن اسكت. ثم أنشد خالد بقية الشعر وقال له: يا أعرابي قد قيل هذا الشعر قبل قولك، فتحير الأعرابي، وورد عليه ما أدهشه، وقال: يا الله ما رأيت كاليوم سبباً لخيبة وحرمان، فانصرف، وأتبعه خالد رسوله ليسمع ما يقول، فسمعه الرسول ينشد: من الطويل
ألا في سبيل الله ما كنت أرتجي ... لديه وما لاقيت من نكد الجهد
دخلت على بحرٍ يجود بماله ... ويعطي كثير المال في طلب الحمد
فخالفني الجدّ المشوم لشقوتي ... وقاربني نحسي وفارقني سعدي
فلو كان لي رزقٌ لديه لنلته ... ولكنه أمرٌ من الواحد الفرد
стр. 2574
فقال له الرسول: أجب الأمير، فلما انتهى إلى خالد قال له: كيف قلت؟ فأنشده، ثم استعاده فأعاده ثلاثاً إعجاباً منه به، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم.
قال: قوله: فلم تلقى ضرورة وجاء به على الأصل كقول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
قال الأصمعي: ذكروا أن خالد بن عبد الله القسري لما أحكم جسر دجلة واستقام له نهر المبارك، أنشأ عطايا كثيرة، وأذن للناس إذناً عاماً، فدخلت عليه أعرابية قسرية فأنشأت تقول: من مشطور الرجز
إليك يا بن السادة المواجد ... يعمد في الحاجات كلّ عامد
فالناس بين صادرٍ ووارد ... مثل حجيج البيت نحو خالد
وأنت يا خالد خير والد ... أصبحت عبد الله بالمحامد
مجدك قبل الشّمّخ الرواكد ... ليس طريف الملك مثل التالد
قال: فقال لها خالد: حاجتك كائنة ما كانت.
فقالت: أصلح الله الأمير، أناخ علينا الدهر بجرانه، وعضنا بنابه، فما ترك لنا صافناً ولا ماهنا، فكنت المنتجع وإليك المفزع.
فقال لها خالد: هذه حاجة لك دوننا.
فقالت له: والله لئن كان لي نفعها إن لك لأجرها وذخرها مع أن أهل الجود لو لم يجدوا من يقبل العطاء لم يوصفوا بالسخاء.
قال لها خالد: أحسنت، فهل لك من زوج؟ فقالت: لا، وما كنت لأتزوج دعياً
стр. 2575
وإن كان موسراً غنياً، وما كنت أشتري عاراً يتقى بمال يفنى، وإني بجزيل مال الأمير لغنية، فأمر لها بعشرة آلاف درهم.
قال الحافظ: في أثناء تفسير قوله: الصافن والماهن: قال: وقال بعض اللغويين: عضنا الدهر، إنما يقال فيه: عظنا بالظاء والمعروف فيه الضاد.
خرج خالد القسري يتصيد، فإذا هو بأعرابي على أتان له هزيلة، ومعه عجوز له، فقال له خالد: ممن الرجل؟ قال: من أهل المآثر والحسب. قال: فأنت إذاً من مضر. فمن أيها؟ قال: من الطاعنين للخيول والمعانقين في النزول. قال: فأنت إذاً من قيس عيلان. قمن أيها؟ قال: من المانعين عن الجار، والطالبين للثأر. قال: أنت إذاً من بني عامر بن صعصعة، فمن أيها؟ قال: من أهل السيادة والرئاسة. قال: أنت إذاً من جعفر بن كلاب فما أقدمك؟ قال: تتابع السنين، وقلة رفد الرافدين. قال: فمن قصدت؟ قال: أميركم، هذا الذي رفعته إمرته وحطته أسرته.
قال: فأنا خالد وأنا معطيك غناك. قال: كلا، والله لا أقبل لك رفداً بعد أن أسمعتك قذعاً، ورجع منصرفاً.
فقال خالد: بمثل صبر هذا الشيخ نال آباؤه الشرف.
قال الهيثم بن عدي: كان خالد يقول: لا يحتجب الوالي إلا لثلاث خصال: إما رجل عيي فهو يكره أن يطلع الناس على عيه، وإما رجل مشتمل على سوء فهو يكره أن يعرف الناس ذلك، وإما رجل بخيل يكره أن يسال.
كتب خالد بن عبد الله القسري إلى أبان بن الوليد البجلي وكان قد ولاه المبارك: أما بعد فإن بالرعية من الحاجة إلى ولاتها مثل الذي بالولاة من الحاجة إلى رعيتها، وإنما هم من الوالي بمنزلة جسده من رأسه، وهو منهم بمنزلة رأسه من جسده، فأحسن إلى
стр. 2576
رعيتك بالرفق بهم، وإلى نفسك بالإحسان إليها، ولا يكونن هم إلى صلاحهم أسرع منك إليه، ولا عن فسادهم أدفع منك عنه، ولا يحملك فضل القدرة على شدة السطوة بمن قل ذنبه ورجوت مراجعته، ولا تطلب منهم إلا مثل الذي تبذل لهم، واتق الله تعالى في العدل عليهم والإحسان إليهم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، اصرم فيما علمت، واكتب إلينا فيما جهلت يأتك أمرنا في ذلك، إن شاء الله، والسلام.
قال يحيى بن معين: كان خالد القسري والياً لبني أمية، وكان رجل سوء، وكان يقع في علي بن أبي طالب.
قال الفضل بن الزبير: سمعت خالداً القسري وذكر علياً، فذكر كلاماً لا يخل ذكره.
حكى الأصمعي: أن خالداً القسري ذم بئر زمزم فقال: إن زمزم لا تنزح ولا تذم، بلى والله إنها تنزح وتذم، ولكن هذا، أمير المؤمنين، قد ساق لكم قناة بمكة، وكان ذلك في أيام هشام بن عبد الملك.
قال أبو عصام النبيل: ساق خالد ماء إلى مكة، فنصب طستاً إلى جانب زمزم، ثم خطب فقال: قد جئتكم بماء العادية لا يشبه أم الخنافس. يعني زمزم.
قال عمرو بن قيس: لما أخذ خالدٌ سعيد بن جبير وطلق بن حبيب خطب فقال: كأنكم أنكرتم ما صنعت، والله لو كتب إلي أمير المؤمنين لنقضتها حجراً حجراً، يعني الكعبة.
قال شبيب بن شيبة: ولي خالد العراق بضع عشرة سنة من قبل هشام بن عبد الملك.
قال: وكان سبب عزله أن امرأة أتت خالداً فقالت: إن غلامك فلاناً توثب علي، وهو
стр. 2577
مجوسي، فأكرهني على الفجور وغصبني نفسي. فقال: كيف وجدت قلفته؟ فكتب بذلك حسان النبطي إلى هشام بن عبد الملك، فعزله وولى يوسف بن عمر العراق.
قال أبو سفيان الحميري وغيره: أراد الوليد بن يزيد الحج وهو خليفة، فاتعد فتية من وجوه اليمن أن يفتكوا به في طريقه، وسألوا خالداً القسري أن يكون معهم، فأبى، قالوا: فاكتم علينا، قال: نعم.
فأتى خالد فقال: يا أمير المؤمنين دع الحج عامك هذا، فإني خائف عليك، قال: ومن الذين تخافهم علي، سمهم لي. قال: قد نصحتك ولن أسميهم لك، قال: إذاً أبعث بك إلى عدوك يوسف بن عمر، قال: وإن فعلت، فبعث به إلى يوسف بن عمر، فعذبه حتى قتله، ولم يسم له القوم.
وقتل خالد سنة ست وعشرين ومئة وهو ابن نحو ستين سنة.
قال محمد بن جرير: عذب خالد، ثم وضع على صدره المضرسة، فقتل من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وأقبل عامر بن سهلة الأشعري، فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبع مئة سوط.
قال أبو عبيدة: لما قتل خالد القسري لم يرثه أحد من العرب على كثرة اياديه عندهم إلا أبو الشغب العبسي فقال: من الطويل
ألا إنّ خير الناس حيّاً وهالكاً ... أسير ثقيفٍ عندهم في السّلاسل
لعمري لقد أعمرتم السّجن خالداً ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
стр. 2578
خالد بن عبد الرحمن بن يزيد
ابن تميم السلمي حدث عن أبيه بسنده عن أبي هريرة: أن رجلاً من المسلمين أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى أتاه أربعاً، كل ذلك يعرض عنه، فلما سأله أربعاً شهد على نفسه أربع شهادات. دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: قد أحصنت؟ قال: نعم، قال: اذهبوا به فارجموه.
خالد بن عبد الرحمن بن يزيد
ابن جابر حدث عن أبيه بسنده عن أم حبيبة عن رسول الله ﷺ قال: من حافظ على أربع ركعات قبل صلاة الهجير وأربع بعدها حرم على جهنم.
قال الحافظ: قوله: ابن جابر وهم، وإنما هو ابن تميم الذي تقدم ذكره. والله أعلم.
خالد بن عبد الرحمن
حدث خالد قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك، فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة، فجيء بهم فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليخطر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينب فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة.
стр. 2579
ثم قال: اخصوهم. فقال عمر بن عبد العزيز: هذا مثلةٌ ولا يحل؛ فخلى سبيلهم.
خالد بن عبد الرحمن
أبو الهيثم الخراساني من أهل مرو الروذ.
حدث عن سنان بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله بشيء إلا استجاب له.
وحدث عن إبراهيم بن عثمان بسنده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: إن من الأنبياء من يسمع الصوت فيكون بذلك نبياً، وكان منهم من يرى في المنام فيكون بذلك نبياً نذيراً، وكان منهم من يبث في أذنه وقلبه فيكون بذلك نبياً، وإن جبريل يأتيني فيكلمني كما يأتي أحدكم صاحبه فيكلمه.
وحدث عن مالك بن مغول بسنده عن ابن مسعود قال:
خطبنا رسول الله ﷺ فأسند ظهره إلى قبة أدمٍ فقال: ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، اللهم هل بلغت؟ اللهم اشهد. فقال: أتحبون أنكم ربع أهل الجنة؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: أتحبون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم، قال ﷺ : إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ما مثلكم فيمن سواكم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود.
خالد بن عبد الملك بن الحارث ابن الحكم بن أبي العاص ويقال: ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي.
ولي إمرة الشام لهشام بن عبد الملك.
стр. 2580
قال الزبير بن بكار: فولد عبد الملك بن الحارث: إسحاق وأبان وإسماعيل وروحاً وخالداً المعروف بابن مطرة.
ولي لهشام بن عبد الملك المدينة سبع سنين، فأقحطوا، فكان يقال: سنيات خالد، وكان أهل البادية قد جلوا إلى الشام.
قال أبو بكر بن عياش: ثم حج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم سنة أربع عشرة ومئة.
قال خالد بن القاسم: استعمل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم على المدينة، فكان يؤذي علي بن أبي طالب على المنبر، فسمعته يوماً على منبر رسول الله ﷺ وهو يقول: والله لقد استعمل رسول الله ﷺ علياً وهو يعلم أنه كذا وكذا، ولكن فاطمة كلمته فيه، فبرك داود بن قيس الفراء على ركبتيه فقال: كذبت كذبت حتى خفضه الناس.
قال صالح بن محمد: نمت وخالد بن عبد الملك يخطب يومئذ، ففزعت وقد رأيت في المنام كأن القبر انفرج، وكأن رجلاً يخرج منه يقول: كذبت كذبت، فلما قامت الصلاة وصلينا، سألت ما كان، فأخبرت بالذين تكلم به خالد بن عبد الملك.
خالد بن عتاب بن ورقاء بن الحارث
ابن عمرو بن همام بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم أبو سليمان التميمي الرياحي اليربوعي كان أميراً على الري من قبل الحجاج، فخافه فهرب إلى دمشق، واستجار
стр. 2581
بعبد الملك بن مروان فأجاره، وكانت أمه أم ولد، فكتب إليه الحجاج يلخن أمه ويقول: يا بن أمتنا اللخناء، أنت الذي هربت عن أبيك حتى قتل.
وقد كان حلف ألا يسب أحد أمه إلا أجابه كائناً من كان؛ فكتب إليه خالد: كتبت تلخنني وتزعم أنني فررت عن أبي حتى قتل: ولعمري لقد فررت عنه، ولكن بعد ما قتل، وحين لم أجد لي مقاتلاً، ولكن أخبرني عنك يا بن اللخناء المستفرمة بعجم زبيب الطائف حين فررت أنت وأبوك يوم الحرة على جمل ثقال، أيكما كان أمام صاحبه؟ فقرأ الحجاج الكتاب وقال: صدق: من مشطور الرجز
أنا الذي فررت يوم الحرّه ... ثم ثبتّ كرة بفرّه
والشيخ لا يفرّ إلا مرّه
ثم طلبه فهرب إلى الشام، وسلم بيت المال لم يأخذ منه شيئاً. فكتب الحجاج إلى عبد الملك بما كان منه.
وقدم خالد الشام، فسأل عن وزير عبد الملك، فقيل له: روح بن زنباع، فأتاه حين طلعت الشمس فقال: إني جئتك مستجيراً. فقال: قد أجرتك إلا أن تكون خالداً، قال: فأنا خالد، فتغير وقال: أنشدك الله إلا خرجت عني، فإني لا آمن عبد الملك، فقال: أنظرني تغرب الشمس، فجعل روح يراعيها حتى خرج خالد، فأتى زفر بن الحارث
стр. 2582
الكلابي فقال: إني جئتك مستجيراً. قال: قد أجرتك. قال: إني خالد بن عتاب. قال: وإن كنت خالداً.
فلما أصبح دعا ابنين له فتهادى بينهما وقد أسن، فدخل على عبد الملك وقد أذن للناس، فلما رآه دعا له بكرسي فوضع عند رأسه، فجلس ثم قال: يا أمير المؤمنين إني قد أجرت عليك رجلاً فأجره قال: قد أجرته إلا أن يكون خالداً. قال: فهو خالد. قال: لا، ولا كرامة.
فقال زفر لابنيه: أنهضاني، فلما ولى قال: يا عبد الملك، والله لو كنت تعلم أن يدي تطيق حمل القناة ورأس الجواد لأجرت من أجرت.
فضحك، وقال: يا أبا الهذيل قد أجرناه فلا أريبه، وأرسل إلى خالد بألفي درهم، فأخذها، ودفع إلى رسوله أربعة آلاف.
قال أبو عبيدة: خطب عتاب بن ورقاء الرياحي على المنبر فقال: أقول كما قال الله في كتابه: من الخفيف
ليس شيءٌ على المنون بباقي ... غير وجه المسبّح الخلاّق
فقيل له: أيها الأمير هذا قول عدي بن زيد، فقال: فنعم، والله، ما قال عدي بن زيد.
وأتي عتاب بن ورقاء بامرأة من الخوارج فقال لها: يا عدوة الله، ما حملك على الخروج علينا؟ أما سمعت الله يقول؟: من الخفيف
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جرّ الذّيول
فقالت: جهلك بكتاب الله حملني على الخروج عليك وعلى أئمتك، يا عدو الله.
стр. 2583
خالد بن أبي عثمان بن عبد الله
ابن خالد بن أسيد ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس أبو أمية القرشي الأموي البصري وفد على الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز.
روى خالد بن أبي عثمان عن أيوب بن عبد الله بن يسار عن عمرو بن أبي عقرب، قال: سمعت عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: ما أصبت من عملي الذي استعملني رسول الله ﷺ إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان.
قال خالد بن أبي عثمان: صليت خلف عمر بن عبد العزيز فسلم واحدة.
وقال خالد بن أبي عثمان: ولدت أنا وعمر بن عبد العزيز في شهر، وكان ابن عمه قاضي البصرة.
وقال خالد بن أبي عثمان: شهدت عروة بن الزبير قطع رجله وكواها، وكان قطعه إياها بدمشق، وكانت وقعت في رجله الأكلة. فأرسل الوليد إلى الأطباء فقالوا: هذه الأكلة، وإن لم يقطعها ارتفعت فقطعها.
خالد بن عمير بن الحباب بن جعدة
ابن إياس بن حزابة بن محارب بن هلال السلمي الذكواني ممن غزا القسطنطينية مع مسلمة بن عبد الملك، وكان فارساً شاعراً.
قال خالد بن عمير: كنا مع مسلمة بن عبد الملك في غزوة القسطنطينية، فخرج إلينا رجل
стр. 2584
من الروم، ودعا إلى المبارزة فخرجت إليه، فاقتتلنا فسقط كل واحد منا عن فرسه، فأخذته أسيراً فأتيت به مسلمة، فساءله وكان رجلاً جسيماً جميلاً، فأراد أن يبعث به إلى هشام بن عبد الملك، وهو يومئذ بحران، فقلت: إن رأيت أن توليني الوفادة به إليه، قال: إنك لأحق الناس بذلك، فبعث به معي، فكلمناه وسألناه، فجعل لا يكلمنا حتى انتهينا إلى موضع فقال: ما يقال لهذا الموضع؟ قال: فإذا هو فصيح اللسان، قلنا: هذا الجريش وتل مجزى فقال: من الوافر
ثوى بين الجريش وتلّ مجزى ... فوارس من نمارة غير ميل
فلا جزعين إن ضرّاء نابت ... ولا فرحين بالخير القليل
ثم سكت، فكلمناه، وقلنا له: من أنت؟ فلم يرد علينا شيئاً، فلما انتهينا إلى الرها قال: دعوني فلأصل في بيعتها، قلنا: دونك، فصلى. وكل ذلك لا يكلمنا.
فلما انتهينا إلى حران قال: أي مدينة هذه؟ قلنا: هذه مدينة حران، قال: أما إنها أول مدينة بنيت بعد بابل، ثم سكت. فأقبلنا عليه فقلنا: كلمنا، ما حالك؟ فأبى أن يكلمنا، فلما دخلنا حران قال: دعوني أستحم في حمامها، فاطلى ثم خرج كأنه برطيل فضة بياضاً وعظماً.
قال: فأدخلته على هشام، وأخبرته كيف كان أمره وما جعل يسألنا عنه، فقال له هشام: ممن أنت؟ قال: أنا رجل من إياد ثم أحد بني حذافة. فقال: ويحك! أراك رجلاً عربياً إلى جمال وفصاحة، فأسلم تحقن دمك ونسني عطاءك، قال: إن لي بالروم أولاداً، قال: ونفك ولدك، قال: ما كنت لأرجع عن ديني، فأقبل به هشام وأدبر، فأبى فقال: دونك فاضرب عنقه، قال: فضربت عنقه.
стр. 2585
خالد بن غفران
من أفاضل التابعين، كان بدمشق.
حدث أبو الحسين علي بن محمد الأديب بإسناد له: أن رأس الحسين بن علي ﵉ لما صلب بالشام أخفى خالد بن غفران شخصه عن أصحابه، وطلبوه شهراً حتى وجدوه، فسألوه عن عزلته، فقال: أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشا يقول: من الكامل
جاؤوا برأسك يا بنت بنت محمدٍ ... متزمّلاً بدمائه تزميلا
وكأنما بك يا بن بنت محمد ... قتلوا جهاراً عامدين رسولا
قتلوك عطشاناً ولم يترقّبوا ... في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبّرون بأن قتلت وإنما ... قتلوا بك التكبير والتهليلا
خالد بن كيسان
ولي غزو البحر في أيام بن أمية.
قال الواقدي: سنة تسعين، فيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فذهبت به إلى مدينة الكفر القسطنطينية، فأهداه صاحبها إلى الوليد بن عبد الملك، وهو عام غزا مسلمة، ففتح الله على يديه.
خالد بن اللجلاج أبو إبراهيم العامري
ويقال: مولى بني زهرة، من أهل دمشق، ولأبيه اللجلاج صحبة.
حدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: مر بنا خالد بن اللجلاج فقال له مكحول: يا أبا إبراهيم، حدثنا حديث عبد الرحمن بن عائش.
стр. 2586
فقال خالد: سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: رأيت ربي الليلة في أحسن صورة فقال لي: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا أعلم. فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي؛ فعلمت ما في السموات والأرض ثم تلا: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ".
ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات يا رب.
قال: وما هن؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره، من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات إطعام الطعام وبذل السلام وأن تقوم بالليل والناس نيام.
ثم قال: قل يا محمد، واشفع تشفع، وسل تعطه. قال: قلت: إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وتتوب علي، وإن أردت بقوم فتنة فتوفني وأنا غير مفتون.
ثم قال رسول الله ﷺ : تعلموهن، فوالذي نفسي بيده إنهن لحق.
كان خالد بن اللجلاج يلي الشرط بدمشق.
وقال أبو الحسن بن سميع: خالد بن اللجلاج كان على بناء مسجد دمشق.
وكان خالد ذا سنٍ وصلاح، جريء اللسان على الملوك والغلظة عليهم.
стр. 2587
خالد بن محمد بن خالد بن يحيى
ابن محمد بن يحيى بن حمزة أبو القاسم الحضرمي من أهل بيت لهيا.
روى عن جده لمه أبي عبد الله أحمد بن يحيى بسنده عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان لا يقوم من مجلس إلا دعا: اللهم ارزقني من خشيتك ما يحول بيني وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تدخلني به جنتك، ومن التقوى ما تهون به علي مصائب الدنيا، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي ما أحييتني، واجعلهم الوارث مني، واجعل ثأري على من ظلمني، وانصرني على من عاداني، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي، ولا مبلغ علمي، ولا تسلط علي من لا يرحمني.
خالد بن محمد الثقفي
حدث عن بلال بن أبي الدرداء عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: حبك الشيء يعمي ويصم.
خالد بن معدان بن أبي كرب
أبو عبد الله الكلاعي الحمصي كان يتولى شرطة يزيد بن معاوية حدث عن المقدام بن معدي كرب، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة.
стр. 2588
وحدث عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : للشهيد عند الله خصال: يغفر له أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنساناً من أهل بيته.
وحدث عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، ولا تنازع الأمر أهله.
قال خالد بن معدان: أدركت سبعين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ .
وكان خالد إذا قعد لم يقدر أحدٌ يذكر الدنيا عنده هيبة له.
قال بحير بن سعد: ما رأيت أحداً كان أكرم للعلم من خالد بن معدان، كان علمه في مصفح، وكان إذا عظمت حلقته قام كراهية الشهرة. وكان خالد إذا أمر الناس بالغزو كان فسطاطه أول فسطاط يضرب بدابق.
وقال خالد: والله لو كان الموت في مكان موضوعاً لكنت أول من يسبق إليه.
قال خالد بن معدان: ما أحدث الله لي نعمة قط إلا أحدثت له بها شكراً، حتى إن الرجل يسلم علي أو يوسع لي في المجلس فأومئ للسجود لله شكراً.
وقال خالد بن معدان: تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه.
حدثت عبدة بنت خالد عن أبيها قالت: قلما كان خالد يأوي إلى فراش مقيله إلا وهو يذكر فيه شوقه إلى رسول
стр. 2589
الله ﷺ وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم يسميهم، ويقول: هم أصلي وفصلي وإليهم يحن قلبي، طال شوقي إليهم، فعجل ربي قبضي إليك حتى يغلبه النوم وهو في بعض ذلك.
وحدثت عن أبيها أيضاً أنه قال:
إن الذين يسخرون من الناس في الدنيا يقال لهم يوم القيامة: ادخلوا الجنة، فإذا أتوا أبوابها ودنوا منها يقال لهم: سخر بكم كما كنتم تسخرون بالناس.
قال خالد: من التمس المحامد في مخالفة الله رد الله تلك المحامد عليه ذماً، ومن اجترأ على الملاوم في موافقة الحق رد الله تلك الملاوم عليه حمداً.
وقال خالد: ما من آدمي إلا وله أربعة أعين: عينان في رأسه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما ما وعد بالغيب. فأمن الغيب بالغيب.
ومات خالد بن معدان وهو صائم سنة ثلاث ومئة، وقيل: سنة أربع ومئة، وأجمعوا على أنه مات سنة ثلاث في خلافة يزيد بن عبد الملك.
قال سلمة: كان خالد يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات ووضع على سريره ليغسل جعل بأصبعه كذا يحركها، يعني بالتسبيح.
حدث معاوية بن يحيى: أن شيخاً من أهل حمص خرج يريد المسجد وهو يرى أنه قد أصبح، فإذا عليه ليل، فلما صار تحت القبة سمع صوت حرس الليل على البلاط، فإذا فوارس قد لقي بعضهم بعضاً، قال بعضهم لبعض: من أين قدمتم؟ قالوا: أولم تكونوا معنا؟ قالوا: لا، قالوا:
стр. 2590
قدمنا من جنازة البديل خالد بن معدان، قالوا: وقد مات؟! ما علمنا بموته، قالوا: فمن استخلفتم بعده؟ قالوا: أرطاة بن المنذر.
فلما أصبح الشيخ حدث أصحابه فقالوا: ما علمنا بموت خالد بن معدان، فلما كان نصف النهار قدم البريد من انطرطوس يخبر بموته.
وقيل في موته: سنة خمس، وقيل: سنة ثمان ومئة، وقيل: سنة ست ومئة، والله أعلم.
خالد بن المعمر بن سلمان
ابن الحارث بن شجاع بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة الذهلي شهد صفين مع علي، ثم غدر بالحسن بن علي ولحق بمعاوية.
قال العسكري: معمر مخفف كثير، ومعمر بالتشديد هو الذي يشكل.
ومنهم خالد بن المعمر السدوسي رأس بكر بن وائل في خلافة عمر، وهو الذي غدر بالحسن بن علي وبايع معاوية، فقال الشاعر وهو الأعور الشني: من الطويل
معاوي أمّر خالد بن معمّرٍ ... معاوي لولا خالدٌ لم تؤمّر
قدم خالد على معاوية فسأله مداجاة على علي، وكان معاوية قد وصله وولاه أرمينية، فوصل إلى نصيبين، فيقال: إنه احتيل له شربة فمات، فقبره بنصيبين.
وكان من أصحاب علي يوم الجمل على الذهليين خالد بن المعمر.
قال أبو عبيدة: لما قتل علي بن أبي طالب أراد معاوية الناس على بيعة يزيد، فتثاقلت ربيعة،
стр. 2591
ولحقت بعبد القيس بالبحرين، واجتمعت بكر بن وائل إلى خالد بن المعمر، فلما تثاقلت ربيعة تثاقلت العرب أيضاً، فضاق معاوية بذلك ذرعاً، فبعث إلى خالد، فقدم عليه، فلما دخل إليه رحب به وقال: كيف ما نحن فيه؟ قال: أرى ملكاً طريفاً وبغضاً تليداً. فقال معاوية: قل ما بدا لك فقد عفونا عنك، ولكن ما بال ربيعة أول الناس في حربنا وآخرهم في سلمنا؟ قال له خالد: إنما أتيتك مستأمنا ولم آتك مخاصماً، وإن ربيعة إن تدخل في طاعتك تنفعك، وإن تدخل كرها تكن قلوبها عليك وأبدانها لك، فأعط الأمان عامتهم، شاهدهم وغائبهم، وأن ينزلوا حيث شاؤوا، فقال: أفعل، فانصرف خالد إلى قومه بذلك.
ثم إن معاوية بدا له فبعث إلى خالد فدعاه، فلما دخل إليه قال: كيف حبك لعلي؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين مما أكره، فأبى أن يعفيه فقال: أحبه والله على حلمه إذا غضب، ووفائه إذا عقد، وصدقه إذا أكد، وعدله إذا حكم.
ثم انصرف ولحق بقومه، وكتب إلى معاوية: من الطويل
معاوي لا تجهل علينا فإننا ... يدٌ لك في اليوم العصيب معاويا
متى تدع فينا دعوةً ربعيّةً ... يجبك رجالٌ يخضبون العواليا
أجابوا علياً إذ دعاهم لنصرةٍ ... وجرّوا بصفّينٍ عليك الدّواهيا
فإن تصطنعنا يا بن حربٍ لمثلها ... نكن خير من تدعو إذا كنت داعيا
ألم ترني أهديت بكر بن وائل ... إليك، وكانوا بالعراق أفاعيا
إذا نهشت قال السليم لأهله ... رويداً فإني لا أرى لي راقيا
فأضحوا وقد أهدوا ثمار قلوبهم ... إليك، وأفراق الذنوب كما هيا
ودع عنك شيخاً قد مضى لسبيله ... على أي حاليه مصيباً وخاطيا
فإنك لا تسطيع ردّ الذي مضى ... ولا دافعاً شيئاً إذا كان جائيا
وكنت امرأً تهوى العراق وأهله ... إذ أنت حجازيٌّ فأصبحت شاميا
стр. 2592
وكتب الأعور الشني إلى معاوية: من الطويل
أتاك بسلم الحيّ بكر بن وائلٍ ... وأنت منوطٌ كالسّقاء الموكّر
معاوي أكرم خالد بن معمّرٍ ... فإنك لولا خالدٌ لم تؤمّر
فخادعته بالله حتى خدعته ... ولم يك خبّاً خالد بن المعمرّ
فلم تجزه والله يجزي بسعيه ... وتسديده ملكي سريرٍ ومنبر
فدعاهما معاوية فوصلهما؛ فقال الشني: من الطويل
معاوي إني شاكرٌ لك نعمةً ... رددت بها ريشي عليّ معاويه
وكم من مقامٍ غائظٍ لك قمته ... وداهيةٍ أسعرتها بعد داهيه
فموتّها حتى كأن لم أقم بها ... عليك وأوتادي بصفّين باقيه
فأبلغتني ربعي وكانت مقاتلي ... بكفّيك لو لم تكفف السهم باديه
فقال معاوية: من الطويل
لقد رضي الشنّيّ من بعد عتبه ... بأيسر ما يرضى به صاحب الكتب
قال مضارب العجلي: التقى رجلان من بكر بن وائل: أحدهما من شيبان والآخر من بني ذهل. فقال الشيباني: أنا أفضل منك. فقال الذهلي: بل أنا أفضل منك. فتحاكما إلى رجل من همدان فقال: لست مفضلاً أحداً منكما على صاحبه، ولكن اسمعا ما أقول لكما: من أيكما كان علباء بن الهيثم الذي قتل يوم الجمل وهو سيد ربيعة؟ وكان يأخذ في الإسلام ألفين وخمس مئة.
قال الذهلي: كان مني.
قال: فمن أيكما كان حسان بن محدوج الذي قتل يوم الجمل وهو سيد ربيعة وكندة فنزع عنه الأشعث بن قيس؟.
стр. 2593
قال الذهلي: كان مني.
قال: فمن أيكما كان خالد بن المعمر الذي بايعته ربيعة بصفين على الموت حتى اعتقد لأهل الوبر منها ولأهل المدر ونجى الله به أهل اليمامة؟ قال الذهلي: كان مني.
قال: فمن أيكما كان حضين بن المنذر صاحب الراية السوداء؟: من الطويل
لمن رايةٌ سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل: قدّمها، حضين، تقدّما
قال الذهلي: كان مني.
خالد بن المهاجر بن خالد
ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي قدم دمشق بعد وفاة عمه عبد الرحمن بن خالد، فقتل ابن أثال الطبيب، لأنه كان متهماً بقتل عمه، ثم لحق بالحجاز فسكنه.
حدث خالد بن المهاجر قال: رخص ابن عباس في متعة النساء، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: ما هذا يا بن عباس؟ فقال ابن عباس: فعلت مع إمام المتقين، فقال ابن أبي عمرة: اللهم غفراً، إنما كانت المتعة رخصة كالضرورة إلى الميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين بعد.
стр. 2594
وحدث خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ابن آدم، عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، بان آدم، لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع. ابن آدم، إذا أصبحت معافىً في جسدك آمناً في سربك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء.
قال خالد بن المهاجر: قال عمر بن الخطاب: من تزوج بنت عشر تسر الناظرين، ومن تزوج بنت عشرين لذة للمعانقين، وبنت ثلاثين تسمن وتلين، ومن تزوج ابنة أربعين ذات بنات وبنين، ومن تزوج ابنة خمسين عجوز في الغابرين.
كان خالد بن المهاجر مع عبد الله بن الزبير، وكان اتهم معاوية بن أبي سفيان أن يكون دس إلى عمه عبد الرحمن بن خالد متطبباً يقال له: ابن أثال، فسقاه في دواء شربة؛ فمات فيها، فاعترض لابن أثال فقتله، ثم لم يزل مخالفاً لبني أمية.
وكان شاعراً، وهو الذي يقول في قتل الحسين بن علي ﵉: من الكامل
أبني أمية هل علمتم أنني ... أحصيت ما بالطّفّ من قبر
صبّ الإله عليكم غضباً ... أثناء جيش الفتح أو بدر
وقال أيضاً حين خالف ابن الزبير يزيد بن معاوية، ويصف له الحرب: من الطويل
ألا ليتني إن استحلّت محارمٌ ... بمكة قامت قبل ذاك قيامتي
وإن قتل العوّاذ بالبيت أصبحت ... تنادي على قبرٍ من الهام هامتي
وإن يقتلوا فيها وإن كنت محرماً ... وجدّك أشدد فوق رأسي عمامتي
فنوا عصبةً لله بالدين قوّموا ... عصا الدين والإسلام حتى استقامت
стр. 2595
وذكر الواقدي: أن خالداً قتل ابن أثال بدمشق، وأن معاوية ضربه مئتين أسواطاً، وحبسه، وأغرمه ديتين ألفي دينار، فألقى ألفاً في بيت المال، وأعطى ورثة ابن أثال ألفاً، ولم يخرج خالد من الحبس حتى مات معاوية. والله أعلم.
/
следующие страницы →