← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود؛ فجاء داود، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال لد داود: من أنت؟ قال: الذي لا أهاب الملوك، ولا يمتنع مني الحجاب؛ فقال داود: أنت والله إذاً ملك الموت، مرحباً بأمر الله، فزمل داود مكانه حتى قبضت نفسه، حتى فرغ من شأنه، فطلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهم الأرض، فقال سليمان: اقبضي جناحاً جناحاً. قال أبو هريرة: يرينا رسول الله ﷺ كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله ﷺ بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية. وروي أن ملك الموت أتى داود ﵇ وهو يصعد في محرابه أو ينزل. قال: فقال: جئت لأقبض نفسك، فقال: دعني حتى أنزل أو أرتقي، قال: ما إلى ذلك سبيل، نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق، فما أنت بمؤثر عنده أثراً. قال: فسجد داود على مرقاة من ذلك الدرج؛ فقبض نفسه على تلك الحال. وقيل: مات داود يوم السبت فجأةً. وقيل: يوم الأربعاء. وقيل: إن إبراهيم خليل الله مات فجأةً، ومات داود فجأةً، ومات سليمان بن داود فجأة، والصالحون؛ وهو تخفيف على المؤمن وتشديد على الكافر. قال وهب بن منبه: إن الناس حضروا جنازة داود ﵇، فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال: وكان شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس، سوى غيرهم من الناس؛ ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون نبي كانت بنو إسرائيل أشد جزعاً عليه منهم على داود. قال: فأذلقهم الحر، فنادوا سليمان أن يعجل عليهم لما أصابهم

стр. 2732

من الحر؛ فخرج سليمان، فنادى الطير، فأجابت، فأمرها فأظلت الناس. قال: فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه حتى استمسكت الريح، فكاد الناس أن يهلكوا غماً، فصاحوا إلى سليمان ﵇ من الغم، فخرج سليمان فنادى الطير: أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحية الريح؛ ففعلت، فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح. فكان ذلك من أول ما رأوا من ملك سليمان. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : لقد قبض الله داود ﵇ من بين أصحابه، ما فتنوا ولا بدلوا. ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مئتي سنة. وعن عبيد بن عمير قال: لا يأمن داود يوم القيامة، يقول: رب، ذنبي ذنبي، فقال له: ادنه ثلاث مرات حتى يبلغ مكاناً الله به أعلم؛ فكأنه يأمن فيه؛ فذلك قوله: " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ". وعن مالك بن دينار في قوله " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " قال: يقيم الله داود عند ساق العرش فيقول: يا داود، مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم، فيقول: إلهي، وكيف أمجدك به وقد سلبتنيه في دار الدنيا؟ فيقول: فإني راده عليكاليوم؛ فيرده عليه، فيرفع داود صوته، فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة. وفي رواية: فيرفع داود صوته بالزبور، فيستفرغ نعيم أهل الجنة. والرخيم من الأصوات: الشجي. وعن أحمد بن يونس عن ابن شهاب عن خالد بن دينار النيلي عن حماد بن جعفر عن ابن عمر قال: ألا أخبركم بأسفل أهل الجنة؟ قالوا: بلى، فقال: رجل يدخل من باب الجنة، فتتلقاه غلمانه، فيقولون له: مرحباً بك يا سيدنا قد آن لك أن تؤوب. قال:

стр. 2733

فتمد له الزرابي أربعين سنة، ثم ينظر عن يمينه وعن شماله فيرى الجنان، فيقول: لمن ما هاهنا؟ فيقال: لك. حتى إذا انتهى رفعت له ياقوتة حمراء، أو زمردة خضراء، لها سبعون شعباً، في كل شعب سبعون غرفة، في كل غرفة سبعون باباً؛ فيقال له: اقرأ وارق؛ قال: فيرتقي حتى إذا انتهى إلى سرير ملكه اتكأ عليه سعة ميل في يمل، وله عنه فضول، يسعى عليها بسبعين ألف صحفة من ذهب، ليس ليس فيها صحفة فيها من لون صاحبتها، فيجد لذة آخرها كما يجد لذة أولها؛ ثم يسعى عليه بألوان الأشربة، فيشرب منها ما اشتهى؛ ثم يقول الغلمان: ذروه وأزواجه. قال: فيتنحى من الغلمان، فإذا من الحور العين قاعدة على سرير ملكها، فيرى مخ ساقها من صفاء اللحم والدم، فيقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا من الحور العين اللائي خبئن لك، فينظر إليها أربعين سنةً لا يرفع بصره عنها، ثم يرفع بصره إلى الغرفة فوقه فإذا أخرى أجمل منها، فيقول: ما آن لنا أن يكون لنا منك نصيب؟ فيرتقي إليها فينظر إليها أربعين سنةً لا يصرف بصره عنها. حتى إذا بلغ النعيم منهم كل مبلغ ظنوا أن لا نعين أفضل منه تجلى لهم الرب ﵎، فنظروا إلى وجه الرحمن ، فنسوا كل نعيم عاشوه حين نظروا إلى وجه الرحمن ، فيقول: يا أهل الجنة، هللوني؛ فيتجاوبون بالتهليل؛ فيقول: يا داود، قم فمجدني كما كنت تمجدني في الدنيا. فيمجد داود ربه . قال أحمد بن يونس: قلت لابن شهاب: حديث خالد بن دينار في ذكر الجنة، رفعه؟ قال: نعم. وعن عكرمة أن داود يقوم على أطول سرر في الجنة ينادي بصوته الذي أعطاه الله: لا إله إلا الله. داود بن أحمد بن عطية العنسي أخو أبي سليمان الداراني الزاهد. دمشقي. واسم أبي سليمان: عبد الرحمن بن أحمد بن عطية. قال أبو سليمان الداراني: ما وجدنا شيئاً أعجل ثواباً من بر القرابة. كنت ربما نويت أن أخرج إلى أخ لي

стр. 2734

بالعراق، فآخذ ثواب ذلك قبل أن أكتري، وقيل أن أتجهز؛ وأي شيء صلتي له؟ ليس عندي شيء أعطيه، ولكن أرجو إذا رأوني وصلوه. وكان له أخ ببغداد اسمه داود. وكان لداود كلام مثل كلام أخيه أبي سليمان في الرياضات والمعاملات. قال أحمد بن أبي الحوارى: قلت لداود بن أحمد الداراني: ما تقول في القلب يسمع الصوت الحسن، هورفيه؟ قال: كل قلب يؤثر فيه الصوت الحسن فهو ضعيف، يداوى كما تداوى النفس المريضة. داود بن الأسود ويقال ابن أبي الأسود الجهني دمشقي. ممن سعى في بيعة يزيد بن الوليد الناقص. حدث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى تطوعاً فشق عليه طول القيام ركع ثم سجد سجدتين، ثم قعد فقرأ قاعداً ما بدا له؛ وإذا أراد أن يركع قام فقرأ، ثم ركع وسجد؛ ﷺ . داود بن أيوب بن سليمان ابن عبد الأحد ويقال: عبد الواحد بن أبي حجر، أبو بشر، ويقال: أبو سليمان بن أبي سليمان الأيلي روى بأيلة سنة سبعين عن أبيه بسنده عن زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ قال: من توضأ فأحسن الوضوا، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

стр. 2735

داود بن الحسين بن عقيل بن سعيد أبو سليمان النيسابوري البيهقي الخسروجردي سمع بالشام وبغيرها حدث بخسروجرد سنة ثلاث وتسعين ومئتين. حدث عن أبي زكريا يحيى بن عبد الرحمن التميمي النيسابوري بسنده عن نافع، عن عبد الله: أنه وجد برداً شديداً وهو في سفر؛ فأمر المؤذن ومن معه بأن يصلوا في رحالهم، فإني رأيت رسول الله ﷺ يأمر بذلك إذا كان مثل هذا. ولد داود بن الحسين سنة مئتين، ومات بخسروجرد سنة ثلاث وتسعين ومئتين. داود بن دينار أبي هند بن غدافر أبو بكر ويقال: أبو محمد، ويقال اسم أبي هند: طهمان القشيري مولاهم البصري قدم دمشق وحدث بها. روى عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على خالتها أو على عمتها، وأن تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ بما في صحفتها، فإن الله رازقها. قال داود بن أبي هند: قدمت دمشق فسألوني عن أولاد المشركين، فحدثتهم عن الحسن، عن أبي هلاريرة أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة. وحدثتهم عن الشعبي، عن علقمة، أن ابني مليكة قالا: يا رسول الله إن أمنا وأدت موءودة في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم.

стр. 2736

قال داود بن أبي هند: أتيت الشام، فلقيني غيلان، فقال: يا داود إني أريد أن أسلك عن مسائل، قلت: سلني عن خمسين مسألة وأسألك عن مسألتين، قال: سل يا داود، قلت: أخبرني: ما أفضل ما أعطي ابن آدم؟ قال: العقل، قلت: فأخبرني عن العق، هو شيء مباح للناس، من شاء أخذه، ومن شاء تركه، أو هو مقسوم بينهم؟ قال: فمضى ولم يجبني. توفي داود سنة تسع وثلاثين ومئة. وكان ثقة؛ وكان من أهل سرخس، وبها ولده. وقيل: مات في طريق مكة. أرسل ابن هبيرة إلى داود بن أبي هند وإلى حميد الطويل وإلى ابن شبرمة وابن أبي ليلى؛ فكانوا يحضرونه فيسألهم عن الشيء؛ فيبتدر ابن شبرمة وابن أبي ليلى الجواب، ويسكت هذان؛ قال ابن هبيرة: ما بالكما تسكتان؟ قال داود لهذين: أخبراني عما تجيبان فيه، أشيئاً سمعتما فيه شيئاً، أم برأيكما؟ فقالا: بل برأينا؛ قال داود: ما بال الرأي يبادر إليه، أو يسارع إليه؟!.؟؟؟؟؟؟ قال ابن جريج: ما رأيت مثل داود بن أبي هند، إن كان ليفرع العلم فرعاً. وكان داود بن أبي هند خياطاًن رجلاً صالحاً، ثقةً، حسن الإسناد. فال حماد بن زيد: قلت لداود بن أبي هند: يا أبا بكر؛ ما تقول في القدر؟ فقال: أقول كما قال مطرف بن عبد الله؛ لم توكلوا إلى القدر، وإلى القدر تصيرون. قال ابن أبي عدي: أقبل علينا داود بن أبي هند فقال: يا فتيان، أخبركم لعل بعضكم أن ينتفع به: كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق، فإذا انقلبت إلى البيت جعلت على نفسي أن أذكر الله

стр. 2737

إلى مكان كذا وكذا؛ فإذا بلغت ذلك المكان جعلت على نفسي أن أذكر الله إلى مكان كذا وكذا حتى آتي المنزل. قال ابن أبي عدي: صام داود أربعين سنةً لا يعلم به أهله. وكان خزازاً يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشاءً فيفطر معهم. قال داود بن أبي هند: جالست الفقهاء، فوجدت ديني عندهم، وجالست أصحاب المواعظ فوجدت الرقة قلبي بهم، وجالست كبار الناس فوجدت المروءة فيهم، وجالست شرار الناس فوجدت أحدهم يطلق امرأته على شيء لا يساوي شعيرة. قال داود بن أبي هند: مرضت مرضاً شديداً حتى ظننت أنه الموت. فكان باب بيتي قبالة باب حجرتي، وكان باب حجرتي قبالة باب داري، قال: فنظرت إلى رجل قد أقبل ضخم الهامة ضخم المناكب، كأنه من هؤلاء الذين يقال لهم: الزط، قال: فلما رأيته شبهته بهؤلاء الذين يعملون الرب؟ فاسترجعت وقلت: يقبضني وأنا كافر. قال: وسمعت أنه يقبض أنفس الكفار ملك أسود. قال: فبينا أنا كذلك إذ سمعت سقف البيت ينتقض، ثم انفرج حتى رأيت السماء. قال: ثم نزل علي رجل عليه ثياب بياض، ثم أتبعه آخر فصارا اثنين، فصاحا بالأسود، فأدبر وجعل ينظر إلي من بعيد. قال: وهم يزجرانه، قال داود: فقال صاحب الرأس لصاحب الرجلين: المس، فلمس بين أصابعي ثم قال له: كثر النقل بهما إلى الصلوات، ثم قال صاحب الرجلين لصاحب الرأس: المس، فلمس لهواتي ثم قال: رطبة بذكر الله . قال: ثم قال أحدهما لصاحبه: لم يأن له بعد. قال: ثم انفرج السقف فخرجا؛ ثم عاد السقف كما كان. توفي داود بن أبي هند سنة تسع وثلاثين. وقيل: سنة سبع وثلاثين ومئة، في طريق مكة؛ وهو ابن خمس وسبعين سنة.

стр. 2738

داود بن رشيد أبو الفضل الخوارزمي سمع بدمشق. حدث عن الوليد بن مسلم بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " من أعتق رقبة أعتق الله بكل إرب منها إرباً منه من النار، حتى باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج. فقال له علي بن حسين: يا سعيد سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم. قال الغلام له، أقرب غلمانه: ادع لي قبطياً. فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله ". وحدث داود بن رشيد عن شعيب بن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: " لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بقرني شيطان ". وحدث عن سلمة بن بشر بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم ". توفي داود بن رشيد يوم الجمعة لسبع خلون من شعبان سنة تسع وثلاثين ومئتين. وكان قد كف بصره. وكان يحيى بن معين يوثقه. وكان صدوقاً. قال داود بن رشيد: قمت ليلةً أصلي. فأخذني البرد لما أنا فيه من العري، فأخذني النوم؛ فرأيت فيما يرى النائم كأن قائلاً يقول لي: يا داود، أنمناهم وأقمناك، فتبكي علينا. قال إبراهيم الحربي: فأرى داود ما نام بعدها. وكان داود بن رشيد يقول: قالت حكماء الهند: لا ظفر مع بغي، ولا صحة مع نهم، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع خب، ولا شرف مع سوء أدب، ولا بر مع شح، ولا اجتناب محرم مع حرص، ولا محبة مع هزء، ولا ولاية حكم مع عدم فقه، ولا عذر مع إصرار، ولا سلم قلب مع

стр. 2739

الغيبة، ولا راحة مع جسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رئاسة مع عرارة نفس وعجب، ولا صواب مع ترك المشاورة، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزراء. داود بن الزبرقان أبو عمرو الرقاشي البصري روى عن مطر الوراق بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة القرشي بأن رسول الله ﷺ قال: يا عبد الرحمن، لا تسل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها؛ وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك. وحدث عن زيد بن أسلم بسنده عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : أسفروا بالفجر فإنها مسفرة. ضعفه يحيى بن معين وقال: ليس بشيء. داود بن سلم يقال إنه مولى بني تميم بن مرة. ثم لآل أبي بكر الصديق، ويقال لآل طلحة شاعر من أهل المدينة قدم على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية ومدحه؛ وله مدائح مستحسنة. ومن شعره في قثم بن العباس: نجوت من حل ومن رحلة ... يا ناق إن قربتني من قثم إنك إن بلغتنيه غداً ... عاش لنا اليسر ومات العدم في باعه طول وفي وجهه ... نور وفي العرنين منه شمم لم يدر ما لا وبلى قد درى ... فعافها واعتاض منها نعم

стр. 2740

ومن شعره فيه: كم صارخ بك من راج وصارخة ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم يكاد يعلقه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم هذا الذي لم يضع للملك حرمته ... إن الكريم الذي تحظى به الحرم داود بن علي بن عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب، أبو سليمان الهاشمي ولي إمرة الكوفة في زمن ابن أخيه أبي العباس السفاح؛ ثم ولاه المدينة والموسم ومكة واليمن. قدم دمشق غير مرة. وقيل إنه كان قدرياً. حدث داود بن علي عن أبيه عن عبد الله بن عباس قال: بعثني العباس إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته ممسياً وهو في بيت خالتي ميمونة. قال: فقام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، فلما صلى الركعتين قبل الفجر قال: اللهم إني أسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها ألفتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء. اللهم أعطني إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة؛ اللهم، إني أسألك الفوز عند القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء؛ اللهم أنزل بها حاجتي، وإن قصر رأيي وضعف عملي وافتقرت إلى

стр. 2741

رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويلا شافي الصدور، كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه رأيي وضعف عنه عملي، ولم تبلغه نيتي أو أمنيتي من خير وعدته أحداً من عبادك، أو خير أنت معطيه أحداً من خلقك؛ فإني أرغب إليك فيه. وأسألك يا رب العالمين. اللهم اجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، حرباً لأعدائك، سلماً لأوليائك، نحب بحبك الناس، ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك. اللهم هذا الدعاء وعليك الاستجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم ذا الحبل الشديد والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مر المقربين الشهود، والركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وأنت تفعل ما تريد. سبحان الذي تعطف العز وقال به. سبحان الذي لبس المجد وتكرم به. سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له. سبحان ذي الفضل والنعم. سبحان ذي القدرة والكرم. سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه. اللهم اجعل لي نوراً في قلبي، ونوراً في قبري، ونوراً في سمعي، ونوراً في بصري، ونوراً في شعري، ونوراً في بشري، ونوراً في لحمي، ونوراً في دمي، ونوراً في عظامي، ونوراً من بين يدي، ونوراً من خلفي، ونوراً عن يميني، ونوراً عن شمالي، ونوراً من فوقي، ونوراً من تحتي؛ اللهم زدني نوراً، وأعطني نوراً، واجعل لي نوراً ". وعنه قال: أردت أن أعرف صلاة رسول الله ﷺ من الليل، فسألته عن ليلته؟ فقيل: لميمونة الهلالية؛ فأتيتها فقلت: إني تنحيت عن الشيخ، ففرشت لي في جانب الحجرة. فلما صلى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة العشاء الآخرة دخل إلى منزله، فحس حسي، فقال: يا ميمونة، من ضيفك؟ قالت: ابن عمك يا رسول الله عبد بن عباس. قال: فأوى رسول الله ﷺ إلى فراشه. فلما كان في جوف الليل خرج إلى الحجرة، فقلب في أفق السماء وجهه ثم قال: نامت العيون،

стр. 2742

وغارت النجوم، والله حي قيوم، ثم رجع إلى فراشه. فلما كان ثلث الليل الآخر خرج إلى الحجرة، فقلب في أفق السماء وجهه وقال: نامت العيون، وغارت النجوم، والله حي قيوم، ثم عمد إلى قربة في ناحية الحجرة، فحل شناقها، ثم توضأ فأسبغ وضوءه، ثم قام إلى مصلاه، فكبر وقام حتى قلت: لن يركع، ثم ركع فقلت: لن يرفع صلبه، ثم رفع صلبه، ثم سجد فقلت: لن يرفع رأسه، ثم جلس فقلت: لن يعود، ثم سجد فقلت: لن يقوم، ثم قام فصلى ثمان ركعات، كل ركعة دون التي قبلها، يفصل في كل ثنتين بالتسليم. وصلى ثلاثاً أوتر بهن بعد الاثنتين، وقام في الواحدة الأولى. فلما ركع الركعة الأخيرة، فاعتدل قائماً من ركوعه، قنت فقال: اللهم إني أسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري.. الدعاء إلى آخره بمعنى الدعاء الأول، ثم سجد رسول الله ﷺ . فكان فراغه من وتره وقت ركعتي الفجر؛ فركع في منزله، ثم خرج فصلى بأصحابه صلاة الصبح. وعنه أيضاً قال: أكل رسول الله ﷺ لحماً ثم صلى ولم يتوضأ. قال محمد بن أبي رزين الخزاعي: سمعت داود بن علي حين بويع لبني العباس، وهو مسند ظهره إلى الكعبة فقال: شكراً شكرا، إنا والله ما خرجنا لنحتفر فيكم نهراً، ولا لنبني قصراً؛ ظن عدو الله أن لن نقدر عليه؛ أمهل الله له في طغيانه وأرخى له من زمامه، حتى عثر في فضل خطامه؛ فالآن أخذ القوس باربها، وعاد النبال إلى النزعة، وعاد الملك في نصابه، في أهل بيت نبيكم، أهل الرأفة والرحمة. والله إن كنا لنشهد لكم ونحن على فرشنا، أمن الأسود والأبيض. لكم ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس، ها ورب هذه البنية لا نهيج أحداً. ثم نزل. قال جرير: سمعت سالم بن أبي حفصة يطوف بالبيت وهو يقول: لبيك مهلك بني أمية، فأجاره داود بن علي بألف دينار.

стр. 2743

مات داود بن علي سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وهو وال على المدينة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. وإنما أدرك من دولتهم ثمانية أشهر. داود بن عمر بن حفص حدث بدمشق عن عمرو بن عثمان الحمصي بسنده عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان. وإن أفاضلكم أحاسنكم أخلاقاً؛ وإن من الإيمان حسن الخلق ". داود بن عمرو الأودي الدمشقي عامل واسط حدث عن بسر بن عبيد الله الحضرمي بسنده عن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. وحدث عن عبد الله بن أبي زكريا عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آيائكم، فأحسنوا أسماءكم ". داود بن عيسى بن علي ابن عبد الله بن عباس الهاشمي حدث عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن قول لا حول ولا قوة إلا بالله تدفع عن قائلها تسعاً وتسعين باباً، أدناها الهم ". وبه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وإن صلة الرحم تزيد في العمر؛ وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء؛ وإن قول لا إله إلا الله تدفع عن قائلها تسعةً وتسعين باباً من البلاء، أدناها الهم.

стр. 2744

وحدث داود عن أبيه عن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أنه قال: دخلت يوماً على عمر بن عبد العزيز وعنده شيخ من النصارى، فقال له عمر بن عبد العزيز: من تجدون الخليفة بعد سليمان بن عبد الملك؟ قال له النصراني: أنت، فأقبل عمر بن عبد العزيز علي فقال: دمي في ثيابك يا أبا عبد الله. قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني من بالي، فرأيته يوماً في الطريق، فأمرت غلامي أن يحبسه لي، فذهبت إلى منزلي وسألته عمال يكون بعد خلفاء بني أمية واحداً واحداً، وتجاوز عن مروان بن محمد. قلت له: ثم من؟ قال: ثم ابنك ابن الحارثية. قال داود بن عيسى: فأخبرتني مولاةً لنا هي أثبت للحديث مني أنه قال: هو الآن حمل. داود بن عيسى النخعي من أهل الكوفة، سكن دمشق. حدث عن ميسرة بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " ما دعا عبد بهؤلاء الكلمات لمريض إلا شفاه الله، إلا مريض حضر أجله، قوله: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك. سبع مرات. وحدث عن عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: " من اشترى شاةً لدرتها حلبها ثلاثة أيام، فهو بالخيار: إن شاء أمسك، وإلا رد صاعاً من تمر. داود بن فراهيج مولى سفيان تبن زياد. من بني قيس بن الحارث بن فهر، المديني روى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ".

стр. 2745

وبه عن النبي ﷺ قال: " الضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ". وبه قال: قال رسول الله ﷺ : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المساجد الحرام ". وعن داود بن فراهيج قال أبو غسان: قدمنا معه الشام، ومعنا رجل من بني وعلة السبئي كان صاحب علم وحكم فقال له داود: أنت رجل شريف، الق هذا الرجل وتعرض له يعني الوليد بن يزيد فبالحري أن ترد علينا خيراً أو تجر منفعة، مع حظ مثلك من الخلفاء؛ فقال: إنه مقتول؛ فقال داود: مه، لا تقل ذلك، قال: نعم لتمام أربعين ليلةً من هذا اليوم، وهو انقضاء خلافة العرب إلى قيام صاحب الوادي من آل أبي سفيان، ثم تعود إلى الشام سنتهم حتى يكونوا أصحاب الأعماق. فقال داود بن فراهيج: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: صاحب الأعماق الذي يهزم الله العدو على يديه نصر، فقال: إنما سمي نصراً لنصر الله إياه، فأما اسمه فسعيد. وثقه قوم، وضعفه آخرون. داود بن محمد المعيوفي الحجوري من قرية عين ثرما من غوطة دمشق. حدث عن أبي عمرو المخزومي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " القرآن أفضل من كل شيء دون الله، ومن قرأ القرآن فقد وقر الله، ومن استخف بحق القرآن استخف بحق الله، وحرمة القرآن في التوراة وقار الله، وحملة القرآن

стр. 2746

المخصوصون برحمة الله، ومن والاهم فقد والى الله؛ يدفع عن مستمع القرآن بلاء الدنيا، ويدفع عن قارئ القرآن بلاء الآخرة. ثم قال: يا حملة القرآن، إن أهل السماء يدعونكم. وذكر الحديث. داود بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي أدرك عصر الصحابة وداره بدمشق. حدث عطاء قال: أراد داود بن مروان أن يجيز بين يدي أبي سعيد وهو يصلي وعليه حلة له، ومروان أمير المدينة فرده، فكأنه أبى، فلهده في صدره؛ فذهب الفتى إلى أبيه فأخبره، فدعا مروان أبا سعيد وهو يظن أنما لهده من أجل حلته قال: فذكر ذلك له، فقال: نعم، قال النبي ﷺ اردده، فإن أبى فجاهده. داود بن نفيع ويقال ابن نافع العبسي من أهل دمشق، وهو عم إبراهيم بن أبي شيبان. قال داود بن نافع: عدت عبيد الله بن أبي المهاجر وابن أبي زكريا، قال: فقال له بعض القوم: أبشر يا أبا الوليد؛ فقال: ما استعفيت الله من شكوى أسابتني منذ عقلت، ولا لقيت أحداً إلا بالذي في نفسي.

стр. 2747

داود بن الوسيم بن أيوب ابن سليمان أبو سليمان البوشنجي سمع بدمشق. حدث عن عبد الرحمن بن الحسن الدمشقي بسنده عن بعز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ويل للذي يحدث ويذب فيضحك القوم، ويل له، ويل له، مرتين ". وحدث عن أبي عبد الله أحمد بن عبد الواحد الدمشقي بسنده عن معاذ عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: " من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي رزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوباً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه ". داود بن يزيد بن معاوية قال ابن عائشة: كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان: إنك أحدثت في القراطيس ما لم يكن؛ ولئن لم تنته عن ذلك لأشتمن نبيك ﷺ في كل ما يعمل في مملكتي. فأهم ذلك عبد الملك فدخل عليه داود بن يزيد بن معاوية، فرآه مهموماً بما ورد عليه؛ فقال له: اضرب دنانير ودراهم أنقص من دنانيره، وأثبت فيها اسم رسول الله ﷺ ليستغنى بها عما يضرب عنده. ففعل؛ وكان ذلك في سنة سبعين. ولا يؤخذ شيء مؤرخ بما قبل السبعين من الدنانير والدراهم العربية. شك فيه الحافظ؛ قال: والصواب خالد بن يزيد.

стр. 2748

دثار بن الحارث النهدي الكوفي وفد على عمر بن عبد العزيز. حدث عن سليمان بن صرد قال: قال علي ﵇ يوم الجمل: ليتني مت قبل هذا بعشرين سنة. قال ابن عمار: أراه قال: سنة. قال عمر بن ذر: قدمنا على عمر بن عبد العزيز خمسة: موسى بن أبي كثير، ودثار النهدي، ويزيد الفقير، والصلت بن بهرام، وعمر بن ذر؛ فقال: إن كان أمركم واحداً فليتكلم متكلمكم؛ فتكلم موسى بن أبي كثير وكان أخوف ما يتخوف عليه أن يكون عرض بشيء من أمر القدر قال: فعرض له عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلماً من كتاب الله ، علمه من علمه، وجهله من جهله؛ ثم تلا هذه الآية: " فإنكم وما تعبدون، ما أنتم عليه بفاتنين، إلا من هو صال الجحيم " ثم قال: لو أن الله حمل خلقه من حقه على قدر عظمته لم يطق ذلك أرض ولا سماء، ولا ماء ولا جبل، ولكنه رضي من عباده بالتخفيف. دحمان الجمال قدم الشام، واستقدمه بعد ذلك الوليد بن يزيد. قال أبو محمد العامري: كان دحمان جمالاً يكري إلى المواضع ويتجر، وكان له مروءة؛ فبينا هو ذات يوم قد أكرى جماله وأخذ ماله، إذ سمع رنةً! فقام واتبع الصوت، فإذا جارية قد خرجت

стр. 2749

تبكي، فقال لها: أمملوكة أنت؟ قالت: نعم؛ قال: لمن؟ قالت: لامرأة من قريش ونسبتها له فقال لها: أتبيعك؟ قالت: نعم. ودخلت على مولاتها فقالت: هذا إنسان يشتريني؛ قالت: ائذني له، فدخل فساومها بها حتى استقر الأمر بينهما على مئتي دينار، فاشتراها ونقدها الثمن، وانصؤف بالجارية. قال دحمان: فأقامت عندي مدة أطارحها ويطارحها معبد وغيره من المغنين؛ ثم خرجت بها بعد ذلك إلى الشام وقد حدقت، فكنت لا أزال أنزل ناحية وأعتزل بالجارية في محمل، وأطرح على المحمل أعبيةً وأجلس أنا وهي تحت ظلها، ثم أخرج شيئاً آكله؛ وتتغنى حتى نرحل. فلم نزل كذلك حتى قربنا من الشام؛ فبينا أنا ذات يوم نازل وأنا ألقي عليها لحني: فإني لآتي البيت ما إن أحبه ... وأكثر هجر البيت وهو حبيب وأغضي على أشياء منكم تسوءني ... وأدعى إلى ما سركم فأجبيب ورددته عليها حتى حفظته واندفعت تغنيه، وإذا براكب قد أقبل، فسلم علينا وقال: أتأذنون لي أن أنزل تحت ظلكم ساعة؟ قلنا: نعم، فنزل، وعرضت عليه الطعام فأجاب، واستعاد الصوت مراراً، ثم قال للجارية: أتروين لدحمان شيئاً من غنائه؟ قالت: نعم، قال: فغنيني صوتاً؛ فغنته أصواتاً من صنعتي، وغمزتها ألا تعرفيه أني دحمان؛ فطرب وامتلأ سروراً، حتى قرب وقت الرحيل، فأقبل علي وقال: أتبيعني هذه الجارية؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت كالعابث " بعشرة آلاف دينار. قال: قد أخذتها، فهلم دواةً وقرطاساً فجئته بذلك، فكتب فيه: ادفع إلى حامل هذا الكتاب ساعة تقرأه عشرة آلف دينار وتسلم منه الجارية، واستعلم مكانه وعرفنيه، واستوص به خيراً. وختم الكتاب ودفعه إلي وقال: إذا دخلت المدينة، فسل عن فلان فاقبض منه المال وسلم

стр. 2750

إليه الجارية. ثم ركب. فلما أصبحنا، دخلنا المدينة، فحططت رحلي وقلت للجارية: البسي ثيابك وقومي معي وأنا لا أطمع في ذلك، ولا أظن الرجل إلا عابثاً فقامت معي، فخرجت بها وسألت عن الرجل فدللت عليه، وإذا هو وكيل الوليد بن يزيد، فأوصلت إليه الكتاب. فلما قرأه وثب قائماً وقبله وقال: السمع والطاعة لأمير المؤمنين. ثم دعا بعشرة آلاف دينار، فسلمت إلي وأنا لا أصدق أنها لي؛ فقال لي: أقم حتى أعلم أمير المؤمنين خبرك، فقلت له: حيث كنت فأنا ضيفك، وقد كان أمر لي بمنزل وكان بخيلاً قال: وخرجت، فصادفت كراً فقضيت حوائجي في يومي وغدي ورحلت. وذكرني صاحبي بعد أيام، فسأل عني وطلبني، فعرف برحيلي فأمسك، ولم يذكرني إلا بعد شهر؛ فقال لها وقد غنته صوتاً من صنعتي: لمن هذا؟ قالت: لدحمان، قال: وددت أني رأيته وسمعت غناءه، فقالت: قد رأيته والله وسمعت غناءه. قال: لا والله، ما رأيته قط ولا سمعته. قالت: بلى، والله قد رأيته وسمعت غناءه؛ فغضب وقال: أنا أحلف أني لم أره ولم أسمعه وأنت تعارضيني وتكذبيني؛ قالت: إن الرجل الذي اشتريتني منه دحمان، قال: ويحك! فهلا أعلمتني؟ قالت: نهاني عن ذلك، قال: وإنه لهو، والله لأجشمنه السفر، ثم كتب إلى عامل المدينة يحمل إليه. فحمل ولم يزل أثيراً عنده. دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة ابن زيد بن امرئ القيس بن الخرج بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن بكر بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي له صحبة، وهو الذي كان جبريل ﵇ يأتي سيدنا رسول الله ﷺ في صورته. وبعثه سيدنا رسول الله ﷺ بكتابه إلى قيصر، فأوصله إلى عظيم بصرى؛ وشهد

стр. 2751

اليرموك، وكان أميراً على كردوس؛ وسكن دمشق بعد ذلك، وكان منزله بالمزة. حدث دحية قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حماراً على فرس فينتج لك بغلاً؟ قال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. وعن منصور الكلبي أن دحية بن خليفة خرج من قريته بدمشق المزة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه أناس، وكره آخرون أن يفطروا؛ فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه؛ إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك. وعن دحية بن خليفة أنه قال: أتي رسول الله ﷺ بقباطي، فأعطاني منها قبطية فقال: اصدعها صدعين فاقطع أحدهما قميصاً، وأعط الآخر امرأتك تختمر به. فلما أدبر قال: وأمر امرأتك تجعل تحته ثوباً لا يصفها. أسلم دحية قديماً قبل بدر، ولم يشهدها. وكان يشبه بجبريل. وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد بعد بدر. وبقي إلى زمن معاوية بن أبي سفيان. وكان سيدنا رسول الله ﷺ بعثه إلى قيصر؛ وفيه نزلت: " وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها ".

стр. 2752

قال ابن ماكولا: خزج، بخاء معجمة مفتوحة، وزاي ساكنة، وجيم؛ واسمه زيد، وإنما سمي الخزج لعظم لحمه؛ وفي كتاب ابن سعيد: دحية، بفتح الدال. وعن دحية الكلبي قال: قدمت من الشام فأهديت إلى النبي ﷺ فاكهة يابسة من فستق ولوز وكعك، فوضعته بين يديه فقال: اللهم، ائتني بأحب أهلي إليك أو قال: إلي يأكل معي من هذا. فطلع العباس، فقال: ادن يا عم، فإني سألت الله أن يأتيني بأحب أهلي إلي أو إليه يأكل معي من هذا فأتيت. قال: فجلس فأكل. وعن دحية الكلبي قال: أهديت لرسول الله ﷺ جبة صوف وخفين، فلبسهما حتى تخرقا، ولم يسل عنهما ذكيتا أم لا. قال خليفة بن خياط: في سنة خمس بعث النبي ﷺ دحية بن خليفة إلى قيصر، في الهدنة. قال دحية الكلبي: بعث النبي ﷺ معي بكتاب إلى قيصر، فقمت بالباب فقلت: أنا رسول رسول الله ﷺ ، ففزعوا لذلك، فدخل عليه الآذن فقال: هذا رجل بالباب يزعم أنه رسول رسول الله ﷺ ؛ فأذن لي، فدخلت عليه، فأعطيته الكتاب فقرئ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم، فإذا ابن أخ له أحمر أزرق سبط الشعر، قد نخر ثم قال: لم لم يكتب: إلى ملك الروم ولم يبدأ بك؟! لا تقرأ كتابه اليوم. فقال لهم: اخرجوا؛ فدعا الأسقف، وكانوا يصدون عن رأيه ويقبلون قوله. فلما قرئ عليه الكتاب

стр. 2753

قال: هو والله رسول الله الذي بشرنا به موسى وعيسى، هو والله رسول الله الذي بشرنا به موسى وعيسى، هو والله رسول الله الذي بشرنا به موسى وعيسى؛ قال: فأي شيء ترى؟ قال: أرى أن تتبعه. قال قيصر: وأنا أعلم ما تقول، ولكن لا أستطيع أن أتبعه، يذهب ملكي ويقتلني الروم. وفي حديث آخر عنه قال: وجهني النبي ﷺ إلى ملك الروم بكتابه وهو دمشق؛ فناولته كتاب النبي ﷺ ، فقبل خاتمه ووضعه تحت شيء كان عليه قاعداً، ثم نادى؛ فاجتمع البطارقة وقومه، فقام على وسائد بنيت له وكذلك كانت فارس والروم لم يكن لها منابر ثم خطب أصحابه فقال: هذا كتاب النبي الذي بشرنا به المسيح من ولد إسماعيل بن إبراهيم؛ قال: فنخروا نخرةً، فأومى بيده أن اسكتوا، ثم قال: إنما جربتكم كيف نصرتكم للنصرانية. قال: فبعث إلي من الغد سراً، فأدخلني بيتاً عظيماً فيه ثلاث مئة وثلاث عشرة صورة، فإذا هي صور الأنبياء المرسلين. قال: انظر أين صاحبك من هؤلاء؟ قال: فرأيت النبي ﷺ كأنه ينطق، قلت: هذا، قال: صدقت؛ فقال: صورة من هذا عن يمينه؟ قلت: رجل من قومه يقال له أبو بكر الصديق قال: فمن ذا عن يساره؟ قلت: رجل من قومه يقال له عمر بن الخطاب؛ قال: أما إنه نجد في الكتاب أن بصاحبيه هذين يتمم الله هذا الدين. فلما قدمت على النبي ﷺ أخبرته فقال: صدق، بأبي بكر وعمر يتمم الله هذا الدين بعدي ويفتح. وعن عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ واضعاً يده على معرفة فرس دحية الكلبي وهو يكلمه، قالت: قلت: يا رسول الله؛ رأيتك واضعاً يدك على معرفة فرس دحية الكلبي وأنت تكلمه، قال: أو رأيتيه؟ قالت: نعم، قال: ذاك جبريل، وهو يقرئك السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، جزاه الله من صاحب ودخيل حيراً، فنعم الصاحب ونعم الدخيل.

стр. 2754

قال: الدخيل: الضيف. وفي حديث آخر بمعناه قال: ذاك جبريل، أمرني أن أمضي إلى بني قريظة. وعن أبي هريرة قال: قدم دحية الكلبي المدينة وكان جميلاً فخرج ناس يوم الجمعة من المسجد والنبي ﷺ يخطب يسألون عن السعر، وخرج جوار من جواري المدينة يضربن بدفوفهن، فأنزل الله : " وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً ". قال رجل لعوانة بن الحكم: أجمل الناس جرير بن عبد الله؛ قال له عوانة: أجمل الناس من نزل جبريل على صورته يعني دحية الكلبي. وفي حديث ابن عباس أنه قال: كان دحية إذا قدم لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه لجماله. وإذا خرج المعاصر وهن يحجبن ويمنعن من الخروج كان النساء أحرى بالخروج. وأما ما روي أن دحية الكلبي أسلم في زمن أبي بكر ﵁ فإنه منكر؛ ولو لم يكن دحية مسلماً في عهد النبي ﷺ لم يبعثه سريةً وحده، ولا كان جبريل ﵇ يتشبه في صورته. والله أعلم. دحيم بن عبد الجبار بن دحيم ابن محمد بن دحيم، أبو الحسن الغنسي الداراني حدث عن أبي الحسن علي بن بكر بسنده أن أبا بكر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، عصموا مني دماءهم وأموالهم ".

стр. 2755

دراج بن سمعان ويقال اسمه عبد الرحمن، ودراج لقب، أبو السمح المصري حدث عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " الجنة مئة درجة، فلو أن الناس كلهم في درجة واحدة لوسعتهم ". وحدث عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: قال رسول الله ﷺ : " إن في النار لحيات مثل أعناق البخت، تلسع أحدهم اللسعة يجد حموتها أربعين خريفاً؛ وإن في النار لعقارب أمثال البغال الموكفة، تلسع أحدهم اللسعة يجد حموتها أربعين خريفاً ". وحدث عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " أصدق الرؤيا بالأسحار ". وعنه أن رسول الله ﷺ قال: " الشتاء ربيع المؤمن ". وعنه أن رسول الله ﷺ قال: " أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون ". قال أبو السمح: كنت بالشام أطلب العلم، فآواني الليل إلى رفيقة طبخوا قدراً لهم، فتعشيت معهم، فقاموا إلى صلاة من غير وضوء؛ فأنكرت ذلك عليهم وقلت: أكلتم طعاماً قد مسته النار لا تتوضؤون منه؟! فقال رجل منهم: ترى من ترى هاهنا، ليس منهم رجل إلا وقد بايع رسول الله ﷺ ، لا يتوضؤون مما مست النار.

стр. 2756

قال أبو السمح: أدركت زماناً إذا سمعنا بالرجل قد جمع القرآن حججنا إليه فنظرنا إليه. وثقه قوم، وضعفه الأكثرون. توفي في سنة ست وعشرين ومئة. وكان يقص بمصر. درباس بن حبيب بن درباس ابن لاحق بن معد بن ذهل، ويقال: درواس بن حبيب بن درواس وفد على هشام بن عبد الملك. حدث الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء المقرئ قال: سمعت عاصم بن الحدثان يحدث أن البادية قحطت زمن هشام بن عبد الملك، فقدمت وفود العرب من القبائل؛ فجلس هشام لرؤسائهم، فدخلوا عليه وفيهم درباس بن حبيب وله أربع عشرة سنة، عليه شملتان، له ذؤابة، فأحجم القوم وهابوا هشاماً، فوقعت عين هشام على درباس فاستصغره فقال لحاجبه: ما يشاء أحد يصل إلي إلا قد وصل حتى الصبيان! فعلم درباس أنه يريده، فقال يا أمير المؤمنين، إن دخولي لم يضرك ولا أنقصك ولكنه شرفني، وإن هؤلاء قدموا لأمر فأحجموا دونه؛ وإن الكلام لنشر، وإن السكوت طي لا يعرف إلا بنشره؛ قال: فانشر لا أبالك وأعجبه كلامه. فقال: إنه أصابتنا سنون ثلاث، فسنة أكلت اللحم، وسنة أذابت الشحم، وسنة أنقت العظم؛ وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرقوها على عباد الله، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها، فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين، يا أمير المؤمنين، أشهد

стр. 2757

بالله لقد سمعت أبي حبيب بن درباس بن لاحق يحدث عن أبيه عن جده لاحق بن معد بن ذهل انه وفد إلى رسول الله ﷺ فسمعه يقول: " كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، وإن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة له إلا بها. فاحفظ ما استرعاك الله من رعيته. فقال هشام: سمعاً لمن فهم عن الله وذكر به؛ ثم قال هشام: ما ترك الغلام في واحدة عذراً. ثم أمر أن يقسم في أهل البوادي ثلاث مئة ألف، وأمر لدرباس بمئة ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين، ارددها إلى جائزة المسلمين فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم؛ قال: فما لك حاجة؟ قال: تقوى الله ، والعمل بطاعته؛ قال: ثم ماذا؟ قال: مالي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين. وفي حديث آخر بمعناه أنه أمر له بمئة ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين، ألكل رجل منها مثلها؟ قال: لا، قال: لا حاجة لي فيها، تبعث علي صدقة. فلما صار إلى منزله بعث إليه بالمئة ألف درهم، ففرق درواس في تسعة أبطن من العرب حوله عشرة آلاف عشرة آلاف، وأخذ لنفسه عشرة آلاف. فقال هشام: إن الصنيعة عند درواس لتضعف على سائر الصنائع. درباج بن أحمد بن محمد بن المرجى أبو الحسن السلمي الشاهد الدمشقي روى بدمشق عن أحمد بن محمد بن سليمان الدمشقي بسنده عن أبي شجرة أن النبي ﷺ قال: " الإسلام ثلاث مئة وستون شريعة. من أتى الله بخصلة منها دخل الجنة.

стр. 2758

وحدث عن أبي الحسن بن أبي الحديد بسنده عن أنس بن مالك قال: ما صليت خلف إمام قط أخف ولا أتم من رسول الله ﷺ . توفي درباج في سنة خمس مئة. وقيل: في سنة ست وتسعين وأربع مئة. درع بن عبد الله أبو الخير الزهيري حدث عن أبي القاسم علي بن عبد الله المقرئ بسنده عن عروة بن الزبير أن رجلاً قال: سألت عائشة عن الرجل يقبل امرأته، أيعيد الوضوء؟ فقالت: قد كان رسول الله ﷺ يقبل بعض نسائه ثم لا يعيد الوضوء. قال: فقلت لها: لأن كان ذلك ما كان إلا منك؟ قال: فسكتت. دريد بن الصمة بن بكر ابن علقمة بن خزاعة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن ابن منصور وفيه خلاف أبو قرة الجشمي واسم الصمة معاوية. وفد على الحارث بن أبي شمر، المعروف بابن جفنة الغساني. خطب دريد بن الصمة الخنساء ابنة عمرو بن الشريد فلم تجبه فقال فيها من أبيات: كفاك الله يابنة آل عمرو ... من الفتيان أمثالي ونفسي أتزعم أنني شيخ كبير ... وهل أنبأتها أني ابن أمس كانت له أيام وغارات، وكان من فرسان قيس المعدودين؛ أحضره مالك بن عوف النصري يوم حنين معه فقتل طافراً.

стр. 2759

حدث المدائني قال: قال دريد بن الصمة: كفى بالمروءة صاحباً، ومن كانت له مروءة فليظهرها، وقومه أعلم به. روى هشام بن محمد الكلبي: أن دريد بن الصمة خطب الخنساء بنت عمرو إلى أخويها صخر ومعاوية، فوافقها وهي تهنأ إبلاً لها، فاستأمرها أخواها فيه؟ فقالت: أترونني تاركةً بني عمي كأنهم عوالي الرماح، ومرتثةً شيخ بني جشم؟! قال: فانصرف دريد وهو يقول: ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم هاني أينق صهب متبذلاُ تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب قالوا: وعاش دريد بن الصمة نحواً من مئتي سنة حتى سقط حاجباه على عينيه. وأدرك الإسلام ولم يسلم؛ وقتل يوم حنين، وإنما خرجت به هوازن تتيمن به. وإنه لما كبر أراد أهله أن يحبسوه، وقالوا: إنا حابسوك ومانعوك من الكلام منع الناس، وقد خشينا أن تخلط فيروي ذلك الناس علينا ويرون منك علينا عاراً فقال: أو قد خشيتم ذلك مني؟ قالوا: نعم، قال: فانحروا جزوراً واصنعوا طعاماً واجمعوا لي قومي حتى أحدث إليهم عمداً؛ فنحروا جزوراً وعملوا طعاماً، ولبس ثياباً حساناً وجلس لقومه؛ حتى إذا فرغوا من طعامهم قال: اسمعوا مني، فإني أرى أمري بعد اليوم صائراً لغيري، قد زعم أهلي أنهم قد خافوا علي الوهم، وأنا اليوم خبير بصير، إن النصيحة لا تهجم على فضيحة. أما أول ما أنهاكم عنه فأنهاكم عن محاربة الملوك، فإنهم كالسيل بالليل، لا تدري كيف تأتيه ولا من أين يأتيك؛ وإذا دنا منكم الملوك وادياً فاقطعوا بينكم وبينه واديين؛ وإن أجدبتم فلا ترعوا حمى الملوك وإن أذنوا لكم، فإن من يرعاه غانماً لم يرجع سالماً؛ ولا تحقرن شراً، فإن قليله كثير؛ واستكثروا من الخير، فإن زهيده كثير. اجعلوا

стр. 2760

السلام محياة بينكم وبين الناس. ومن خرق ستركم فارقعوه، ومن حاربكم فلا تغفلوه، وروا منه ما يرى منكم، واجعلوا عليه حدكم كله؛ ومن ترككم فاتركوه؛ ومن أسدى إليكم خيراً فلأأضعفوه له، وإلا فلا تعجزوا أن تكونوا مثله. وعلى كل إنسان منكم بالأقرب إليه، يكفي كل إنسان ما يليه؛ إذا التقيتم على حسب فلا تواكلوا فيه؛ وما أظهرتم من خير فاجعلوه كبيراً ولا يرى رفدكم صغيراً. ولا تنافسوا السؤدد، وليكن لكم سيد، فإنه لا بد لكل قوم من شريف. ومن كانت له مروءة فليظهرها، ثم قومه أعلم، وحسبه بالمروءة صاحباً. ووسعوا الخير وإن قل، وادفنوا الشر يمت. ولا تنكحوا دنيئاً من غيركم، فإنه عار عليكم. ولا يحتشمن شريف أن يرفع وضيعه بأياماه. وإياكم والفاحشة في النساء، فإنها عار أبد، وعقوبة غد. وعليكم بصلة الرحم فإنها تعظم الفضل، وتزين النسل؛ وأسلموا ذا الجريرة بجريرته؛ ومن أبى الحق فأعلقوه إياه؛ وإذا عنيتم بأمر فتعاونوا عليه تبلغوا، ولا تحضروا ناديكم السفيه؛ ولا تلحوا بالباطل فيلج بكم. وفي ذكر قصة اجتماع هوازن لحرب سيدنا رسول الله ﷺ قالوا: وحضرها دريد بن الصمة، وهو يومئذ ابن ستين ومئة سنة، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن به ومعرفته بالحرب، وكان شيخاً مجرباً، وقد ذهب بصره يومئذ؛ وجماع الناس ثقيف وغيرها من هوازن إلى مالك بن عوف النصري. فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول الله ﷺ أمر الناس فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حنى نزلوا بأوطاس، واجتمع الناس به، فعسكروا وأقاموا به، وجعلت الأمداد تأتيهم من كل ناحية؛ ودريد بن الصمة يومئذ في شجار يقاد به على بعير، فمكث على بعيره، فلما نزل الشيخ لمس الأرض بيده فقال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس،

стр. 2761

ولا سهل دهس؛ مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وثغاء الشاء، وخوار البقر، وبكاء الصغير؟! قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم وأموالهم ونساءهم. قال: يا معشر هوازن، أمعكم من بني كلاب بن ربيعة أحد؟ قالوا: لا، قال: فمعكم من بني كعب بن بيعة أحد؟ قالوا: لا، قال: فمعك من بني هلال بن عامر أحد؟ قالوا: لا، قال دريد: لو كان خيراً ما سبقتموهم إليه، ولو كان ذكراً وشرفاً ما تخلفوا عنه، فأطيعوني يا معشر هوازن، وارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء، فأبوا عليه؛ قال: فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر؛ قال: ذانك الجذعان من عامر، لا يضران ولا ينفعان، ثم قال: أين مالك؟ قالوا: هذا مالك، فقال: يا مالك، إنك تقاتل رجلاً كريماً، وقد أصبحت رئيس قومك، فإن هذا اليوم كائن له ما بعده من الأيام، يا مالك، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وخوار البقر وبكاء الصغير ويعار الشاة؟ قال مالك: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. قال دريد: ولم؟ قال مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله وولده ونساءه حتى يقاتلوا عنهم. قال: فأنقض بيده ثم قال: راعي ضأن! ماله وللحرب، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك؛ ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الجد والحد، ولو كان يوم رفعة وعلاء لم تغب عنه كعب ولا كلاب. يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً، فإذ صنعت ما صنعت فلا تعصني في هذه الخطة: ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعليا قومهم وعزهم، ثم الق القوم على متون الخيل، فإن كان لك لحق بك من وراءك وكان أهلك لا فوت عليهم، وإن كانت عليك ألقاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. فغضب مالك من قوله وقال: والله لا أفعل ولا أغير أمراً صنعته، إنك قد كبرت وكبر علمك، وحدث بعدك من هو أبصر بالحرب منك. قال دريد: يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، هذا فاضحكم في عوراتكم، وممكن منكم عدوكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه. قال: فسل مالك سيفه ثم نكسه ثم قال: يا معشر هوازن، لتطيعني أو لأتكئن على السيف حتى يخرج من ظهري. وكره مالك أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي. فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: والله لئن عصينا مالكاً وهو ساب ليقتلن نفسه، ونبقى مع دريد، شيخ كبير، لا قتال فيه ابن ستين ومئة سنة. فأجمعوا رأيهم مع مالك. فلما رأى دريد أنهم قد خالفوه قال: هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع وكان دريد قد ذكر بالفروسية والشجاعة ولم يكن له عشرون سنة، وكان سيد بني جشم وأوسطهم نسباً، ولكن السن أدركته حتى فني فناءً. قالوا: وقال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد. قالوا: فبعث سيدنا رسول الله ﷺ خيلاً تتبع من سلك نخلة ولم تتبع من سلك الثنايا؛ ويدرك ربيعة بن رفيع بن وهبان بن ثعلبة، فأدرك ربيعة دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه كان في شجار له فإذا هو رجل، فأناخ به وهو شيخ كبير ابن ستين ومئة سنة، فإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام فقال له

стр. 2762

دريد: ما تريد؟ قال: أقتلك، قال: وما تريد إلى المرعس الكبير الفاني الأدرد؟ قال الفتى: ما أريد إلى غيره ممن هو على مثل دينه، قال له دريد: من أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. قال: فضربه بسيفه فلم يغن شيئاً. قال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي من وراء الرحل في لاشجار فاضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أقتل الرجال؛ ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت فيه نساءك. زعمت بنو سليم أن ربيعة لما ضربه تكشف للموت عجانه وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثاً في غداة واحدة، وجز ناصية أبيك. قال الفتى: لم أشعر. د وقالت عمرة ابنة دريد في قتل ربيعة دريداً من أبيات: جزى عنا الإله بني سليم ... وأعقبهم بما فعلوا عقاق وأسقانا إذا سرنا إليهم ... دماء خيارهم عند التلاقي فرب عظيمة دافعت عنهم ... وقد بلغت نفوسهم التراقي ورب كريمة أعتقت منهم ... وأخرى قد فككت من الوثاق دعبل بن علي بن رزين بن عثمان أبو علي الخزاعي الشاعر المشهور. وفي نسبه اختلاف، له شعر رائق. يقال: أصله من الكوفة، ويقال: من قرقيسياء، وأكثر مقامه ببغداد، وسافر إلى غيرها، وقدم دمشق ومصر.

стр. 2763

ويقال إن اسمه محمد وكنيته أبو جعفر، ودعبل لقب؛ ويقال: الدعبل، البعير المسن، ويقال: الشيء القديم. حدث عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وغيرهم. روى عن مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " نعم الإدام الخل ". وحدث عنه بسنده عن أبي هريرة قال: لم يزل رسول الله ﷺ يتختم في يمينه حتى قبضه الله إليه. وحدث عن شعبة بن الحجاج بسنده عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ في قول الله : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " قال: في القبر إذا سئل المؤمن. قال أحمد بن أبي داود: خرج دعبل بن علي إلى خراسان، فنادم عبد الله بن طاهر، فأعجب به، فكان في كل يوم ينادمه فيه، يأمر له بعشرة آلاف درهم، وكان ينادمه في الشهر خمسة عشر يوماً، وابن طاهر يصله في كل شهر بمئة ألف وخمسين ألف درهم. فلما كثرت صلاته له توارى عنه دعبل يوم منادمته في بعض الخانات، وطلبه فلم يقدر عليه، فشق ذلك عليه. فلما كان من الغد كتب: هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل ترتجى فيك الزيادة بالكفر ولكنني لما أتيتك زائراً ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر فملآن لا آتيك إلا معذراً ... أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر فإن زدت في بري تزيدت جفوةً ... ولم نلتقي حتى القيامة والحشر

стр. 2764

وقد حدثني أمير المؤمنين المأمون عن أمير المؤمنين الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من لا يشكر الناس لا يشكر الله ، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير. فوصله بثلاث مئة ألف درهم ". قدم دعبل مصر هارباً من المعتصم لهجو هجاه به، وخرج منها إلى المغرب إلى الأغلب. وكان خبيث اللسان، قبيح الهجاء. وروي عنه أحاديث مسندة عن مالك بن أنس وعن غيره، وكلها باطلة من وضع ابن أخيه إسماعيل بن علي. وقيل: كان اسمه الحسن، وقيل عبد الرحمن، وكان أطروشاً، وكان في قفاه سلعة. استنشد المأمون يوماً عبد الله بن طاهر بن الحسين من شعر دعبل بن علي قوله: سقياً ورعياً لأيام الصبابات ... أيام أرفل في أثواب لذاتي أيام غصني رطيب من لدونته ... أصبو إلى غير كناتي وجاراتي دع عنك ذكر زمان فات مطلبه ... واقذف برجلك عن متن الجهالات واقصد بكل مديح أنت قائله ... نحو الهداة بني بيت الكرامات فلما أتى على القصيدة قال المأمون: لله دره، ما أغوصه وأنصفه وأوصفه! ثم قال: إنه وجد والله مقالاً فقال، ونال من بعيد ذكرهم ما من غيرهم لا ينال. قال أبو طالب الدعبلي: أنشدنا علي بن الجهم وليست له وجعل يعيدها ويستحسنها: لما رأت شيباً يلوح بمفرقي ... صدت صدود مفارق متجمل فظللت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي

стр. 2765

قال أبو طالب: ومن أحسن ما قيل في هذا قول جدي دعبل بن علي: أين الشباب وأيةً سلكا ... لا أين يطلب ضل بل هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى لا تأخذي بظلامتي أحداً ... طرفي وقلبي في دمي اشتركا قال أبو هفان: أنشدني دعبل لنفسه: وداعك مثل وداع الحياة ... وفقدك مثل افتقاد الديم عليك السلام فكم من وفاء ... أفارق منك وكم من كرم فقلت له: أحسنت، غير أنك سرقت البيت الأول من الربعيين. النصف الأول من القطامي: ما للكواعب ودعن الحياة وإن ... ودعتني واتخذن الشيب ميعادي والنصف الثاني من ابن بجرة حيث يقول: عليك سلام الله وقفاً فإنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف فقال لي: بل الطائي سرق هذا البيت بأسره من ابن بجرة في قصيدته المعروفة بالمسروقة، رثى بها محمد بن حميد الطوسي، وأولها: كذا فليجل الخطب أو يفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر

стр. 2766

إلى قوله: عليك سلام الله وقفاً فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر قال دعبل: بينا أنا جالس على باب داري بالكرخ إذ مرت بي غصن جارية ابن الأحدب، وكانت شاعرة مغنية، يبلغني خبرها ولم أكن شاهدتها، فرأيت وجهاً جميلاً وقداً حسناً، وقواماً وشكلاً، وهي تخطر في مشيتها وتنظر في أعطافها فقلت لها: دموع عيني بها انبساط ... ونوم عيني به انقباض فقالت مسرعةً: ذاك قليل لمن دهته ... بلحظها الأعين المراض فقلت: فهل لمولاي عطف قلب ... أم للذي في الحشا انقراض فقالت: إن كنت تهوى الوداد منا ... فالود في ديننا قراض فما دخل في أذني كلام أحلى من كلامها، ولا رأت عيني أنضر وجهاً منهال. فعدلت بها عن ذلك الروي فقلت: أترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقاً إلى مشتاق فقالت: ما للزمان يقال فيه فإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق

стр. 2767

قال دعبل لإبراهيم بن العباس: أريد أن أصحبك إلى خراسان، فقال له إبراهيم: حبذا أنت صاحباً مصحوباً إن كنا على شريطة بشار، قال: وما شريطة بشار؟ قال: قوله: أخ خير من آخيت أحمل ثقله ... ويحمل عني حين يفدحني ثقلي أخ إن نبا دهر به كنت دونه ... وإن كان كون كان لي ثقة مثلي أخ ماله لي لست أرهب بخله ... ومالي له لا يرهب الدهر من بخلي قال: ذلك لك، ومزية. فاصطحبا. أنشد أبو العباس المبرد لدعبل: أخ لك عاداه الزمان فأصبحت ... مذممة فيما لديه العواقب متى ما تحذره التجارب صاحباً ... من الناس تردده إليك التجارب كان علي بن القاسم الخوافي مدح أبا عمرو احمد بن نصر، وتردد إليه بعد أن مدحه، ولم يخرج الجواب كما أحبه، فكتب إليه رقعةً يقول فيها: قال علي بن الجهم في مثل ما نحن فيه: يا من يوقع لا في قصتي أبداً ... ماذا يضرك لو وقعت لي نعماء وقع نعم ثم لا تنوي الوفاء بها ... إن كنت من قوله باللفظ محتشما أو لا قوقع عسى كيما تعللني ... فإن قولك لا يبكي العيون دما وكتب في رقعته: ومن أحسن ما يذكر لعبد الله بن طاهر: افعل الخير ما استطعت وإن كا ... ن قليلاً فلن تحيط بكله ومتى تفعل الكثير من الخير إذا كنت تاركاً لأقله؟ وكتب في رقعته: إن دعبل بن علي كتب إلى عبد الله بن طاهر:

стр. 2768

ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي: ... ماذا أخذت من الجواد المفضل؟ إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضن الجواد بما له لم يجمل فاحتل لنفسك كيف شئت فإنني ... لا بد مخبرهم وإن لم أسأل وفد دعبل إلى عبد الله بن طاهر، فلما وصل إليه قام تلقاء وجهه وأنشد: أتيت مستشفعاً بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب فدخل عبد الله ووجه إليه بستين ألف درهم، ورقعة فيها مكتوب: أعجلتنا فأتاك أول برنا ... قلاً ولو أخرته لم يقلل فخذ القليل وكن كمن لم يقبل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل ومن شعر دعبل: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوىً ووداً ... وتكسوهم إذا حضروا جمالا ومن شعر دعبل: أهملته حين لم آملك مقادته ... ثم انقبضت بودي عنه وانقبضا فقلت للنفس عديه منىً نزحت ... به النوى، أو من القرن الذي انقرضا فما بكيت عليه حين فارقني ... ولا وجدت له بين الحشا مضضا

стр. 2769

ومن شعره: كيف احتيالي لبسط الضيف من حصر ... عند الطعام فقد ضاقت به حيلي أخاف يزداد قولي: كل، فأحشمه ... والكف يحمله مني على البخل حدث ضبي وهو أحمد بن عبد الله راوية العتابي وكان سميراً لعبد الله بن طاهر أن عبد الله بن طاهرن بينا هو معه ذات ليلة إذ تذاكرا الأدب وأهله، فذكرا دعبل بن علي، فقال عبد الله بن طاهر: يا ضبي، أريد أن أوعز إليك بشيء تستره علي أيام حياتي، فقلت: أنا عبدك وأنا في موضع تهمة؟! قال: لا، ولكن أطيب لنفسي أن توثق لي بالإيمان، فقلت: أصلحك الله، إن كنت عندك في هذه الحال فلا حاجة بك إلى إفشاء سرك إلي، واستعفيته، فلم يعفني، فقلت: يرى الأمير رأيه، فأكد اليمين علي بالبيعة والطلاق ثم قال: أشعرت أني أظن دعبلاً مدخول النسب وأمسك؟ فقلت: أفي هذا أخذت علي الأيمان؟ قال: إي والله، قلت: ولم؟ قال: لأني في نفسي حاجة، ودعبل رجل قد حمل جذعه على عنقه ولايجد من يصلبه عليه، فأتخوف إن بلغه أن يلقي علي من الخزي ما يبقى على الدهر، وقصاراي إن ظفرت به وأسلمته اليمن وما أراها تسلمه لأنه لسانها وشاعرها والذاب عنها، والمحامي دونها أن أضربه مئة سوط، وأثقله حديداً وأصيره في مطبق باب الشام، وليس في ذلك عوضاً مما سار من الهجاء في وفي عقبي من بعدي، قلت: أتراه يفعل ذلك ويقدم عليك؟ قال: يا عاجز، أهون ما لم يكن عليه، أتراه أقدم على سيدي هارون ومولاي المأمون وعلى أبي، ولم يكن يقدم علي؟! قلت: إذا كان الأمر على ما وصفت فقد وفق الأمير فيما أخذ علي قال: وكان دعبل لي صديقاً فقلت: هذا قد عرفته، ولكن من أين قلت إنه مدخول النسب؟ فوالله لعلمته في البيت الرفيع من خزاعة، وما أعلم فيها بيتاً أكرم من بيته إلا بيت أهبان مكلم الذئب وهم بنو عمه دنيةً، قال: ويحك! كان دعبل غلاماً خاملاً أيام ترعرع، لا يؤبه له، وكان خله لا يدرك بقله، وكان بينه وبين مسلم بن الوليد إزار لا يملكان غيره شيئاً، فإذا أراد دعبل الخروج جلس مسلم بن الوليد في البيت عارياً، وإذا أراد الخروج فعل دعبل مثل ذلك؛ وكانا إذا

стр. 2770

اجتمعا لدعوة يتلاصقان بطرح هذا شيئاً منه عليه، والآخر الباقي. وكانا يعبثان بالشعر إلى أن قال دعبل: أين الشباب وأيةً سلكا ... لا، أين يطلب ضل بل هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السبيل إليه مشتركا وعداً بأخرى عز مطلبها ... صباً يطامن دونها الحسكا يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي إذا دمي سفكا لاتأخذا بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا إلى آخرها. فغني به هارون الرشيد، فاستحسنه واستجاد قوله: ضحك المشيب برأسه فبكى فقال للمغني: لمن هذا الشعر؟ قال: لبعض أحداث خزاعة ممن لا يؤبه له. قال: من هو؟ قال: دعبل بن علي، قال: يا غلام، أحضرني عشرة آلاف درهم وحلةً من حللي ومركباً من مراكبي خاصة، فأحضر ذلك، فقال: ادع لي فلاناً، فقال: اذهب بهذا إلى دعبل، وأجاز المغني بجائزة عظيمة؛ وتقدم إلى الرجل الذي بعثه إلى دعبل أن يعرض عليه المصير إلى هارون، فإن صار وإلا أعفاه، فأتاه الرسول وأشار عليه بالمصيرإليه، فانطلق دعبل معه، فلما مثل بين يديه سلم، فرد عليه هارون السلام ورحب به وقربه حتى سكن روعه، واستنشده الشعر فأنشده، وأعجب به وأقام عنده يمتدحه. وأجرى عليه الرشيد أجزل جراية وأسناها، وكان الرشيد أول من ضراه على قول الشعر؛ فما كان إلا بعد ما غيب الرشيد في حفرته إذ أنشأ يمتدح آل سيدنا رسول الله ﷺ ويهجو آل الرشيد، فمن ذلك قوله: وليس حي من الأحياء نعرفه ... من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
следующие страницы →