← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

إلى قوله: عليك سلام الله وقفاً فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر قال دعبل: بينا أنا جالس على باب داري بالكرخ إذ مرت بي غصن جارية ابن الأحدب، وكانت شاعرة مغنية، يبلغني خبرها ولم أكن شاهدتها، فرأيت وجهاً جميلاً وقداً حسناً، وقواماً وشكلاً، وهي تخطر في مشيتها وتنظر في أعطافها فقلت لها: دموع عيني بها انبساط ... ونوم عيني به انقباض فقالت مسرعةً: ذاك قليل لمن دهته ... بلحظها الأعين المراض فقلت: فهل لمولاي عطف قلب ... أم للذي في الحشا انقراض فقالت: إن كنت تهوى الوداد منا ... فالود في ديننا قراض فما دخل في أذني كلام أحلى من كلامها، ولا رأت عيني أنضر وجهاً منهال. فعدلت بها عن ذلك الروي فقلت: أترى الزمان يسرنا بتلاق ... ويضم مشتاقاً إلى مشتاق فقالت: ما للزمان يقال فيه فإنما ... أنت الزمان فسرنا بتلاق

стр. 2767

قال دعبل لإبراهيم بن العباس: أريد أن أصحبك إلى خراسان، فقال له إبراهيم: حبذا أنت صاحباً مصحوباً إن كنا على شريطة بشار، قال: وما شريطة بشار؟ قال: قوله: أخ خير من آخيت أحمل ثقله ... ويحمل عني حين يفدحني ثقلي أخ إن نبا دهر به كنت دونه ... وإن كان كون كان لي ثقة مثلي أخ ماله لي لست أرهب بخله ... ومالي له لا يرهب الدهر من بخلي قال: ذلك لك، ومزية. فاصطحبا. أنشد أبو العباس المبرد لدعبل: أخ لك عاداه الزمان فأصبحت ... مذممة فيما لديه العواقب متى ما تحذره التجارب صاحباً ... من الناس تردده إليك التجارب كان علي بن القاسم الخوافي مدح أبا عمرو احمد بن نصر، وتردد إليه بعد أن مدحه، ولم يخرج الجواب كما أحبه، فكتب إليه رقعةً يقول فيها: قال علي بن الجهم في مثل ما نحن فيه: يا من يوقع لا في قصتي أبداً ... ماذا يضرك لو وقعت لي نعماء وقع نعم ثم لا تنوي الوفاء بها ... إن كنت من قوله باللفظ محتشما أو لا قوقع عسى كيما تعللني ... فإن قولك لا يبكي العيون دما وكتب في رقعته: ومن أحسن ما يذكر لعبد الله بن طاهر: افعل الخير ما استطعت وإن كا ... ن قليلاً فلن تحيط بكله ومتى تفعل الكثير من الخير إذا كنت تاركاً لأقله؟ وكتب في رقعته: إن دعبل بن علي كتب إلى عبد الله بن طاهر:

стр. 2768

ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي: ... ماذا أخذت من الجواد المفضل؟ إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... ضن الجواد بما له لم يجمل فاحتل لنفسك كيف شئت فإنني ... لا بد مخبرهم وإن لم أسأل وفد دعبل إلى عبد الله بن طاهر، فلما وصل إليه قام تلقاء وجهه وأنشد: أتيت مستشفعاً بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب فدخل عبد الله ووجه إليه بستين ألف درهم، ورقعة فيها مكتوب: أعجلتنا فأتاك أول برنا ... قلاً ولو أخرته لم يقلل فخذ القليل وكن كمن لم يقبل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل ومن شعر دعبل: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوىً ووداً ... وتكسوهم إذا حضروا جمالا ومن شعر دعبل: أهملته حين لم آملك مقادته ... ثم انقبضت بودي عنه وانقبضا فقلت للنفس عديه منىً نزحت ... به النوى، أو من القرن الذي انقرضا فما بكيت عليه حين فارقني ... ولا وجدت له بين الحشا مضضا

стр. 2769

ومن شعره: كيف احتيالي لبسط الضيف من حصر ... عند الطعام فقد ضاقت به حيلي أخاف يزداد قولي: كل، فأحشمه ... والكف يحمله مني على البخل حدث ضبي وهو أحمد بن عبد الله راوية العتابي وكان سميراً لعبد الله بن طاهر أن عبد الله بن طاهرن بينا هو معه ذات ليلة إذ تذاكرا الأدب وأهله، فذكرا دعبل بن علي، فقال عبد الله بن طاهر: يا ضبي، أريد أن أوعز إليك بشيء تستره علي أيام حياتي، فقلت: أنا عبدك وأنا في موضع تهمة؟! قال: لا، ولكن أطيب لنفسي أن توثق لي بالإيمان، فقلت: أصلحك الله، إن كنت عندك في هذه الحال فلا حاجة بك إلى إفشاء سرك إلي، واستعفيته، فلم يعفني، فقلت: يرى الأمير رأيه، فأكد اليمين علي بالبيعة والطلاق ثم قال: أشعرت أني أظن دعبلاً مدخول النسب وأمسك؟ فقلت: أفي هذا أخذت علي الأيمان؟ قال: إي والله، قلت: ولم؟ قال: لأني في نفسي حاجة، ودعبل رجل قد حمل جذعه على عنقه ولايجد من يصلبه عليه، فأتخوف إن بلغه أن يلقي علي من الخزي ما يبقى على الدهر، وقصاراي إن ظفرت به وأسلمته اليمن وما أراها تسلمه لأنه لسانها وشاعرها والذاب عنها، والمحامي دونها أن أضربه مئة سوط، وأثقله حديداً وأصيره في مطبق باب الشام، وليس في ذلك عوضاً مما سار من الهجاء في وفي عقبي من بعدي، قلت: أتراه يفعل ذلك ويقدم عليك؟ قال: يا عاجز، أهون ما لم يكن عليه، أتراه أقدم على سيدي هارون ومولاي المأمون وعلى أبي، ولم يكن يقدم علي؟! قلت: إذا كان الأمر على ما وصفت فقد وفق الأمير فيما أخذ علي قال: وكان دعبل لي صديقاً فقلت: هذا قد عرفته، ولكن من أين قلت إنه مدخول النسب؟ فوالله لعلمته في البيت الرفيع من خزاعة، وما أعلم فيها بيتاً أكرم من بيته إلا بيت أهبان مكلم الذئب وهم بنو عمه دنيةً، قال: ويحك! كان دعبل غلاماً خاملاً أيام ترعرع، لا يؤبه له، وكان خله لا يدرك بقله، وكان بينه وبين مسلم بن الوليد إزار لا يملكان غيره شيئاً، فإذا أراد دعبل الخروج جلس مسلم بن الوليد في البيت عارياً، وإذا أراد الخروج فعل دعبل مثل ذلك؛ وكانا إذا

стр. 2770

اجتمعا لدعوة يتلاصقان بطرح هذا شيئاً منه عليه، والآخر الباقي. وكانا يعبثان بالشعر إلى أن قال دعبل: أين الشباب وأيةً سلكا ... لا، أين يطلب ضل بل هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السبيل إليه مشتركا وعداً بأخرى عز مطلبها ... صباً يطامن دونها الحسكا يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي إذا دمي سفكا لاتأخذا بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا إلى آخرها. فغني به هارون الرشيد، فاستحسنه واستجاد قوله: ضحك المشيب برأسه فبكى فقال للمغني: لمن هذا الشعر؟ قال: لبعض أحداث خزاعة ممن لا يؤبه له. قال: من هو؟ قال: دعبل بن علي، قال: يا غلام، أحضرني عشرة آلاف درهم وحلةً من حللي ومركباً من مراكبي خاصة، فأحضر ذلك، فقال: ادع لي فلاناً، فقال: اذهب بهذا إلى دعبل، وأجاز المغني بجائزة عظيمة؛ وتقدم إلى الرجل الذي بعثه إلى دعبل أن يعرض عليه المصير إلى هارون، فإن صار وإلا أعفاه، فأتاه الرسول وأشار عليه بالمصيرإليه، فانطلق دعبل معه، فلما مثل بين يديه سلم، فرد عليه هارون السلام ورحب به وقربه حتى سكن روعه، واستنشده الشعر فأنشده، وأعجب به وأقام عنده يمتدحه. وأجرى عليه الرشيد أجزل جراية وأسناها، وكان الرشيد أول من ضراه على قول الشعر؛ فما كان إلا بعد ما غيب الرشيد في حفرته إذ أنشأ يمتدح آل سيدنا رسول الله ﷺ ويهجو آل الرشيد، فمن ذلك قوله: وليس حي من الأحياء نعرفه ... من ذي يمان ولا بكر ولا مضر

стр. 2771

إلا وهم شركاء في دمائهم ... كما تشارك أيسار على جزر قتل وأسر وتحريق ومنهبة ... فعل الغزاة بأهل الروم والخزر أرى أمية معذورين إن قتلوا ... ولا أرى لبني العباس من عذر أبناء حرب ومروان وأسرتهم ... بنو معيط ولاة الحقد والوغر قوم قتلتم على الإسلام أولهم ... حتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر أربع بطوس على القبر الزكي به ... إن كنت تربع من دين على وطر قبران في طوس: خير الناس كلهم ... وقبر شرهم، هذا من العبر ماينفع النجس من قرب الزكي ولا ... على الزكي بقرب النجس من ضرر هيهات كل امرئ رهن بما كسبت ... يداه حقا فخذ ما شئت أو فذر القبران اللذان بطوس: قبر هارون والآخر قبر الرضا علي بن موسى. فوالله ما كافأه، هذه واحدة ياضبي وأما الثانية فإنه لما استخلف المأمون جعل يطلب دعبلاً إلى أن كان من أمره مع إبراهيم بن شكلة، وخروجه مع أهل العراق يطلب الخلافة، فأرسل إليه دعبل يقول من أبيات: أنى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق نفر ابن شكلة بالعراق وأهلها ... فهفا إليه كل أطلس مائق إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق فضحك المأمون وقال: قد غفرنا لدعبل كل ماهجانا به بهذا البيت؛ وكتب إلى أبي

стр. 2772

طاهر أن يطلب دعبلاً حيث كان ويؤمنه، فكتب إليه وحمله وأجازه، وأشار إليه بالمصير إلى المأمون، فتحمل دعبل إلى المأمون. وثبت المأمون في الخلافة، وضرب الدنانير باسمه؛ وأقبل يجمع الآثار في فضائل آل رسول الله ﷺ فتناهى إليه قول دعبل: مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالركن والتعريف والجمرات فما زالت تتردد في صدر المأمون حتى قدم عليه دعبل، فقال: أنشدني ولابأس عليك ولك الأمان من كل شيء فيها، فإني أعرفها وقد رويتها، إلا أني أحب أن أسمعها من فيك، فأنشده حتى صار إلى هذا الموضع: ألم تراني مذ ثلاثين حجةً ... أروح وأغدو دائم الحسرات أرى فيئهم في غيرهم متقسماً ... وأيديهم من فيئهم صفرات وآل رسول الله نحف جسومها ... وآل زياد غلظ القصرات بنات زياد في القصور مصونةً ... وبنت رسول الله في الفلوات إذا وتروا مدوا إلى واتريهم ... أكفاً عن الأوتار منقبضات فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد ... تقطع قلبي إثرهم حسرات قال: فبكى المأمون حتى اخضلت لحيته، وجرت دموعه على نحره، وكان دعبل أول داخل إليه وخارج من عنده. فلم نشعر إلا وقد عتب على المأمون وأرسل إليه بشعر يقول فيه: ويسومني المأمون خطة ظالم ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد؟ يوفي على هام الخلائق مثلما ... توفي الجبال على رؤوس القردد لا تحسبن جهلي كحلم أبي فما ... حلم المشايخ مثل جهل الأمرد

стр. 2773

إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأبعد فلما سمع هذا المأمون قال: كذب علي، متى كنت خاملاً؟! وإني لخليفة وابن خليفة وأخو خليفة، ومتى كنت خاملاً فيرفعني دعبل؟! فوالله ما كافأه ولا كافأ أبي ما أسدى إليه. وذلك أنه لما توفي أنشأ يقول: وأبقى طاهر فينا خلالاً ... عجائب تستخف بها الحلوم ثلاثة إخوة لأب وأم ... تمايز عن ثلاثتهم أروم فبعضهم يقول قريش قومي ... وتدفعه الموالي والصميم وبعض في خزاعة منتماه ... ولاء غير مجهول قديم وبعضهم يهش لآل كسرى ... ويزعم أنه علج لئيم لقد كثرت مناسبهم علينا ... فكلهم على حال زنيم فهذه الثالثة يا ضبي. وأما الرابعة: فإنه لما استخلف المعتصم دخل عليه دعبل ذات يوم، فأنشده قصيدة، فقال: أحسنت يا دعبل، فاسألني ما أحببت، قال: مئة بدرة، قال: نعم، على أن تمهلني مئة سنة ويضمن لي أجل معها؛ قال: قد أمهلتك ما شئت. وخرج مغضباً، فلقي خصياً قد كان عوده أن يدخل مدائحه إلى أمير المؤمنين ويجعل له سهماً من الجائزة، فقال: ويحك! إني كنت عند أمير المؤمنين وأغفلت حاجةً لي أن أذكرها له، فأذكرها في أبيات وتدخلها له؟ قال: نعم، ولي نصف الجائزة؟ فماكسه ساعةً ثم أجابه فأخذ رقعةً فكتب فيها: بغداد دار الملوك كانت ... حتى دهاها الذي دهاها ما غاب عنها سرور ملك ... أعاره بلدةً سواها ما سر من را بسر من را ... بل هي بؤس لمن يراها

стр. 2774

عجل ربي لها خراباً ... برغم أنف الذي ابتناها وختمها ودفعها إلى الخصي، فأدخلها إلى المعتصم. فلما رآها قال: من صاحب هذه الرقعة؟ قال: دعبل، وقد جعل لي نصف الجائزة؛ فطلب، فكأن الأرض انطوت عليه ولم يعرف له خبر، فقال المعتصم: أخرجوا الخصي فأجيزوه بألف سوط، فإنه زعم أن له نصف الجائزة، وقد أردنا أن نجيز دعبلاً بألفي سوط. قال: ثم لم يلبث أن كتب إليه من قم بهذه الأبيات: ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم تأتنا في ثامن منهم الكتب كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... غداة ثووا فيه وثامنهم كلب وإني لأزهي كلبهم عنك رغبةً ... لأنك ذو ذنب وليس له ذنب كأنك إذ ملكتنا لشقائنا ... عجوز عليها التاج والعقد والإتب فقد ضاع أمر الناس حتى يسوسهم ... وصيف وأشناس وقد عظم الخطب وإني لأرجو أن ترى من مغيبها ... مطالع شمس قد يغص بها الشرب وهمك تركي عليه مهانةً ... فأنت له أم وأنت له أب وأما الخامسة: فإن ابن أبي داود كان يعطيه الجزيل من ماله، ويقسم له على أهل عمله، فعتب عليه، فقال فيه: أبا عبد الإله أصخ لقولي ... وبعض القول يصحبه السداد نرى طسماً تعود بها الليالي ... إلى الدنيا كما رجعت إياد

стр. 2775

قبائل جذ أصلهم فبادوا ... وأودى ذكرهم زمناً فعادوا وكانوا غرزوا في الرمل بيضاً ... فأمسكه كما غرز الجراد فلما أن سقوا درجوا ودبوا ... وزادوا حين جادهم العهاد هم بيض الرماد يشق عنهم ... وبعض البيض يشبهه الرماد غداً يأتيك إخوتهم جديس ... وجرهم قصراً وتعود عاد فتعجز عنهم الأمصار ضيقاً ... وتمتلئ المنازل والبلاد فلم أر مثلهم بادوا فعادوا ... ولم أر مثلهم قلوا فزادوا توغل فيهم سفل وخوز ... وأوباش فهم لهم مداد وأنباط السواد قد استحالوا ... بها عرباً فقد خرب السواد فلو شاء الإمام أقام سوقاً ... فباعهم كما بيع السماد وقال فيه وقد تزوج في بني عجل: أيا للناس من خبر طريف ... تفرد ذكره في الخافقين: أعجل أنكحوا ابن أبي داود ... ولم يتأملوا فيه اثنتين أرادوا نقد عاجلة فباعوا ... رخيصاً عاجلاً نقداً بدين بضاعة خاسر بارت عليه ... فباعك بالنواة التمرتين ولو غلطوا بواحدة لقلنا ... يكون الوهم بين الغافلين ولكن شفع واحدة بأخرى ... يدل على فساد المنصبين لحى الله المعاش بفرج أنثى ... ولو زوجتها من ذي رعين

стр. 2776

ولما أن أفاد طريف مال ... وأصبح رافلاً في الحلتين تكنى وانتمى لأبي داود ... وقد كان اسمه ابن الفاعلين فردوه غلى فرج أبيه ... وزرياب فألأم والدين وقال في الحسن بن وهب وكان على برد الآفاق: ألا بلغا عني الإمام رسالةً ... رسالة تاء عن جنابيه شاحط بأن ابن وهب حين يشحج شاحج ... يمر على القرطاس أقلام غالط وهؤلاء أهل قم، كانوا يعطونه الكثير من أموالهم ويمنعون الخلفاء منه فكافأهم بأن قال فيهم: تلاشى أهل قم فاضمحلوا ... تحل المخزيات بحيث حلوا وكانوا شيدوا في الفقر مجداً ... فلما جاءت الأموال ملوا قال: وهذا علي بن عيسى الأشعري قد دل بعض شعره على أنه أخذ منه ألوفاً وذلك في قوله له: فلا تفسدن خمسين ألفاً وهبتها ... وعشرة أحوال وحق تناسب وشكراً تهاداه الرجال تهادياً ... إلى كل مصر بين جاء وذاهب بلا زلة كانت وإن تك زلة ... فإن عليك العفو ضربة لازب فما كان بين هذا القول وبين أن هجاه إلا أياماً قلائل حتى قال فيه: كنت من أرفض خلق الله إذ كنت صبياً وتواليت أبا بك ... ر وأرجأت الوليا

стр. 2777

وتجنبت علياً ... إذ تسميت عليا قال: وهذه خزاعة هجاهم، وهي قبيلته، فقال فيهم: أخزاع غيركم الكرام فأقصروا ... وضعوا أكفكم على الأفواه الراتقين ولات حين مراتق ... والفاتقين شرائع الأستاه فدعوا الفخار فلستم من أهله ... يوم الفخار ففخركم بشياه قال: وهذا المطلب بن عبد الله الخزاعي كان يعطيه الجزيل، فقال يمدحه: إن كاثرونا جئنا بأسرته ... أو واحدونا جئنا بمطلب أبعد مصر وبعد مطلب ... نرجو الغنى، إن ذامن العجب وقال فيه يهجوه: شعارك في الحرب يوم الوغى ... بفرسانك الأول الأول فأنت إذا اقتتلوا آخر ... وأنت إذا أدبروا أول فمنك الرؤوس غداة اللقا ... وممن يحاربك المقصل فذلك دأبكما أويموت ... من القوم بينكما الأعجل قال: وهذا الحسن بن رجاء، وابنا هشام، ودينار بن عبد الله بن يحيى بن أكثم،

стр. 2778

وكانوا ينزلون المخرم ببغداد، فقال يهجوهم كلهم: ألا فاشتروا مني ملوك المخرم ... أبع حسناً وابني هشام بدرهم وأعط رجاءً بعد ذاك زيادةً ... وأغلط بدينار بغير تندم فإن رد من عيب علي جميعهم ... فليس يرد العيب يحيى بن أكثم وقال في يحيى بن أكثم يهجوه: رفع الكلب فاتضع ... ليس في الكلب مصطنع بلغ الغاية التي ... دونها كل مرتفع إنما قصر كل شي ... ء إذا طار أن يقع قل ليحيى بن أكثم ... إن ما خفت قد وقع لعن الله نخوةً ... كان من بعدها ضرع قال: وهؤلاء بنو أهبان مكلم الذئب، وهم بنو عمه دنيةً قال فيهم: تهتم علينا بأن الذئب كلمكم ... فقد لعمري أبوكم كلم الذيبا فكيف لو كلم الليث الهصور إذاً ... جعلتم الناس مأكولاً ومشروبا هذا السنيدي لا يسوى إتاوته ... يكلم الفيل تصعيداً وتصويبا فاذهب إليك فإني لا أرى أبداً ... بباب دارك طلاباً ومطلوبا قال: وهذا الهيثم بن عثمان الغنوي دل شعره على أنه كان محسناً إليه إذ يقول فيه:

стр. 2779

يا هيثماً يابن عثمان الذي افتخرت ... به المكارم والأيام تفتخر أضحت ربيعة والأحياء من يمن ... تيهاً بنجدته لا وحدها مضر وقال فيه يهجوه: سألت أبي وكان أبي عليماً ... بساكنة الجزيرة والسواد فقلت: أهيثم من حي قيس ... فقال: نعم كأحمد من دواد فإن يك هيثم من حي قيس ... فأحمد غير شك من إياد وقال في أخيه رزين بن علي الخزاعي يهجوه: مهدت له ودي صغيراً ونصرتي ... وقاسمته مالي وبوأته حجري وقد كان يكفيه من العيش كله ... رجاء ويأس يرجعان إلى فقري وفيه عيوب ليس يحصى عدادها ... فأصغرها عيباً يجل عن الفكر ولو أنني أبديت للناس بعضها ... لأصبح من بصق الأحبة في بحر فدونك عرضي فاهج حياً فإن أمت ... فأقسم إلا ما خريت على قبري وقال في امرأته يهجوها: يا ركبتي خزز وساق نعامة ... وزبيل كناس ورأس بعير يا من أشبهها بحمى نافض ... قطاعة للظهر ذات زئير صدغاك قد شمطا ونحرك يابس ... والصدر منك كجؤجؤ الطنبور

стр. 2780

يا من معانقها يبيت كأنه ... في محبس قمل وفي ساجور قبلتها فوجدت طعم لثاتها ... فوق اللثام كلسعة الزنبور وله في امرأته هجاء قبيح، وله في جاريته غزال يهجوها: رأيت غزالاً وقد أقبلت ... فأبدت لعيني عن مبصقه قصيرة الخلق دحداحة ... تدحرج في المشي كالبندقه كأن ذراعاً على كفها ... إذا حسرت ذنب الملعقة تخطط حاجبها بالمداد ... وتربط في عجزها مرفقه وأنف على وجهها ملصق ... قصير المناخر كالفستقه وثديان ثدي كبلوطة ... وآخر كالقربة المفهقه وصدر نحيف كثير العظام ... تقعقع من فوقه المخنقه ثم قال عبد الله بن طاهر لضبي: فعلى من بقي هذا؟ فقال ضبي: ما أحسبه إلا كما قلت، فعجبت من حفظه لهذه الأشياء. قال: فلقيت دعبلاً فخفت أن أذكر له شيئاً فضحكت، فقال لي: ويلك! قد تحاماني الناس وأنا عندك موضع مطنزة وسخرية! قلت: لا، ولكني إنما ضحكت استبشاراً بالنظر إليك؛ قال: ثم لقيته من بعد فضحكت فقال لي: ويلك! أنت على ذاك الذي عهدت، فالتفت إلى غلامه نفنف فقال: خذ برجله

стр. 2781

ابن كذا وكذا؛ قال: قلت: يا أبا علي، إن هجرتني وصلتك، وإن فصلتني وددتك، وإن جفوتني زرتك، ولا سبيل إلى إخبارك بهذا الذي أنا فيه. فلما توفي عبد الله بن طاهر لقيت دعبلاً يوماً بكرخ بغداد فضحكت، فقال: ليس لضحكك هذا آخر يا ابن الفاعلة؟! قال: فقلت له: امض بنا فقد فرج الله عني وعنك، فذهبت به إلى منزلي، فطعمنا وأخبرته الخبر على جهته، فقال: ويلي على ابن العوراء الفاعلة! والله لو أعلمتني قبل وفاته لأعلمتك كيف كانت تكون حاله؛ قال: قلت: هو أبصر منك وأعرف بك إذ أخذ علي في أمرك ما أخذ. ثم أمسك متعجباً. قال دعبل: أدخلت على المعتصم فقال لي: يا عدو الله، أنت الذي تقول في بني العباس أنهم في الكتب سبعة؟ وأمر بضرب عنقي، وما كان في المجلس إلا من كان عدواً لي؛ وأشدهم علي ابن شكلة، فقام قائماً فقال: يا أمير المؤمنين، أنا الذي قلت هذا ونميته إلى دعبل؛ فقال له: وما أردت بهذا؟ قال: لما تعلم بيني وبينه من العداوة، فأردت أن أشيط بدمه. قال: فقال: أطلقوه. فلما كان بعد مدة قال لابن شكلة: سألتك بالله أنت الذي قلته؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، وما نظرة انظر أبغض إلي من دعبل. قال: فما الذي أردت بهذا؟ قال: علم أن ماله في المجلس عدو أعدى مني، فنظر إلي بعين العداوة، ونظرت إليه بعين الرحمة. قال: فجزاه خيراً. قال إسحاق بن محمد بن أبان: كنت قاعداً مع دعبل بن علي بالبصرة، وعلى رأسه غلام اسمه نفنف، فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز، فقال لغلامه: ادع هذا الأعرابي إلينا، فأومى إليه فجاء، فقال له دعبل: ممن الرجل؟ فقال: رجل من بني كلاب. قال: من أي بني كلاب؟ قال: من ولد أبي بكر، قال: أتعرف الذي يقول فيه: ونبئت كلباً من كلاب يسبني ... ومحض كلاب يقطع الصلوات فإن أنا لم أعلم كلاباً بأنها ... كلاب وأني باسل النقمات

стр. 2782

فكان إذاً من قيس غيلان والدي ... وكانت إذاً أمي من الحبطات يعني بني تميم، وهم أعدى الناس لليمن. وهذا الشعر لدعبل في عمرو بن عاصم الكلابي. فقال له الأعرابي: ممن أنت؟ فكره أن يقول له من خزاعة فيهجوه فقال: أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر: أناس علي الخير منهم وجعفر ... وحمزة والسجاد ذو الثفنات إذا افتخروا يوماً أتوا بمحمد ... وجبريل والقرآن والسورات وهذا الشعر أيضاً له. قال: فوثب الأعرابي وهو يقول: محمد وجبريل والقرآن والسورات! ما إلى هؤلاء مرتقى!. قال الأزرقي: بلغ دعبلاً أن أبا تمام هجاه لما قال قصيدته التي رد فيها على الكميت وهي: أفيقي من ملامك يا ظعينا ... كفاك الشيب مر الأربعينا فقال أبو تمام: نقضنا للحطيئة ألف بيت ... كذاك الحي يغلب ألف ميت كذلك دعبل يرجو سفاهاً ... وحمقاً أن ينال مدى الكميت إذا ما الحي ناقض حثو رمس ... فذلكم ابن فاعلة بزيت

стр. 2783

فقال دعبل: يا عجباً من شاعر مفلق ... آباؤه في طيئ تنمي أنبئته يشتم من جهله ... أمي وما أصبح من همي فقلت لكن حبذا أمه ... طاهرة زاكيةً علمي كذبت والله على أمه ... ككذبه أيضاً على أمي ورويت هذه الأبيات لغير دعبل في أبي تمام. قدم صديق لدعبل من الحج، فوعده أن يهدي له نعلاً فأبطأت عليه فكتب إليه: وعدت النعل ثم صدفت عنها ... كأنك تبتغي شتماً وقذفا فإن لم تهد لي نعلاً فكنها ... إذا أعجمت بعد النون حرفا قال عون بن محمد: لما هجا دعبل المطلب بن عبد الله الخزاعي فقال: اضرب ندى طلحة الطلحات متئداً ... ببخل مطلب فينا وكن حكما تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم ... فلا تعد لها لؤماً ولا كرما فدعاه المطلب وقال: والله لأقتلنك لهجائك لي، فقال له: فأشبعني إذاً ولا تقتلني جائعاً، فقال: قبحك الله هذا أهجى من الأول. ثم وصله، فحلف أن يمدحه ما عاش فقال فيه: سألت الندى لا عدمت الندى ... وقد كان منا زماناً عزب فقلت له: طال عهد اللقا ... فهل غبت بالله أم لم تغب

стр. 2784

فقال: بلى لم أزل غائباً ... ولكن قدمت مع المطلب قال: وفي هذا الخبر ما دل على دهاء دعبل ولطف حيلته، وأنبأ عن ذكاء المطلب ودقة فطنته. وقد روي مثل هذا عن معن بن زائدة وأتي بجماعة قد عاثوا في عمله، فأمر بقتلهم، فقال أحدهم: أعيذك بالله أن تقتلنا عطاشاً، فأمر بإحضار ماء يسقونهم، فلما شربوا قال: أيها الأمير لا تقتل أضيافك، فقال: أولى لك. وأمر بتخليتهم. ولد دعبل بن علي سنة ثمان وأربعين ومئة، ومات سنة ست وأربعين ومئتين بالطيب. فعاش سبعاً وتسعين سنة وشهوراً. واسيمه عبد الرحمن، وإنما لقبته دايته لدعابة كانت فيه، فأرادت ذعبلاً، فقلبت الذال دالاً. وقيل: إن المعتصم قتله في سنة عشرين ومئتين لهجائه له؛ وكان قد استجار بقبر الرشيد بطوس، فلم يجره. والصحيح ما تقدم. وقيل قي سبب وفاته: إنه هجا مالك بن طوق التغلبي، فبعث إليه رجلاً ضمن له عشرة آلاف درهم، وأعطاه سماً؛ فلم يزل يطلبه حتى وجده قد نزل في قرية بنواحي السوس، فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة؛ فضرب ظهر قدمه بعكاز لها زج مسموم، فمات من غد، ودفن بتلك القرية، وقيل: بل حمل إلى السوس فدفن بها.

стр. 2785

دعلج بن أحمد بن دعلج ابن عبد الرحمن أبو محمد السجستاني الفقيه، الثقة، نزيل بغداد. سمع بدمشق وبالري وبالعراق. روى عن موسى بن هارون بسنده عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ركع فرج أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه الخمس. كان دعلج من ذوي اليسار والبر والإفضال. وله صدقات جارية ووقوف محبسة على أهل الحديث ببغداد، ومكة، وسجستان. وكان جاور بمكة زماناً، ثم سكن بغداد واستوطن بها. وكان ثقةً، ثبتاً. قبل الحكام شهادته وأثبتوا عدالته. وجمع له المسند، وحديث شعبة، ومالك، وغير ذلك. وبعث بكتابه المسند إلى أبي العباس بن عقدة لينظر فيه، وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين ديناراً. وكان أبو الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله واملصنف له كتبه. قال الدارقطني: صنفت لدعلج المسند الكبير، فكان إذا شك في حديث ضرب عليه، ولم أر في مشايخنا أثبت منه. قال علي بن عمر: كان أبو محمد قليل الهزء، سمعت أن معز الدولة استرجع من غلامه خاشتكين، وأشهد عليه العدول وهو من وراء الستر، فشهدوا، فلما شهد الناس قالوا لدعلج: اشهد، قال: أين المشهود عليه؟ لعله مقيد لعله مكره، أبرزوه لي حتى أراه وكان خلف الستر فقال معز الدولة: ما كان فيهم مسلم غيره. قال أبو ذر: وسمعت أن أول مال أخذه معز الدولة من المواريث مال دعلج، خلف ثلاث مئة ألف مثقال ذهباً، فقال معز الدولة: مردغوا ما أريده، فقالوا: إنه كثير. فأخذه.

стр. 2786

حدث بعضهم قال: حضرت المسجد الجامع بمدينة المنصور يوم جمعة، فرأيت رجلاً بين يدي في الصف، حسن الوقار، ظاهر الخشوع، دائم الصلاة، لم يزل يتنفل مذ دخل المسجد إلى قرب قيام الصلاة، قال: ثم جلس، فعلتني هيبته، وداخلتني محبته، ثم أقيمت الصلاة، فلم يصل مع الناس الجمعة، فكبر علي ذلك من أمره، وتعجبت من حاله، وغاظني فعله! فلما قضيت الصلاة تقدمت إليه وقلت له: ما رأيت أعجب من أمرك، أطلت النافلة وأحسنتها وتركت الفريضة وضيعتها!؟ فقال: يا هذا إن لي عذراً، وبي علة منعتني من الصلاة، قلت: وما هي؟ قال: علي دين اختفيت في منزلي مدةً بسببه، ثم حضرت اليوم الجامع للصلاة، فقبل أن تقام، التفت فرأيت صاحبي الذي له الدين علي، ورآني، فمن خوفه أحدثت في ثيابي، فهذا خبري، فأسألك بالله إلا سترت علي وكتمت أمري، فقلت: ومن الذي له عليك الدين؟ قال: دعلج بن أحمد. قال: وكان إلى جانبه صاحب لدعلج قد صلى وهو لايعرفه، فسمع هذا القول ومضى في الوقت إلى دعلج، فذكر له القصة، فقال دعلج: امض إلى الرجل واحمله إلى الحمام، واطرح عليه خلعةً من ثيابي، وأجلسه في منزلي حتى أنصرف من الجامع؛ ففعل ذلك؛ فلما انصرف دعلج إلى منزله أحضر الطعام وأكل هو والرجل، ثم أخرج حسابه فنظر فيه، وإذا له عليه خمسة آلاف درهم، فقال له: انظر، لا يكون عليك في الحساب غلط، أو نسي لك نقده؛ فقال الرجل: لا، فضرب دعلج على حسابه وكتب تحته علامة الوفاء؛ ثم أحضر الميزان ووزن خمسة آلاف درهم وقال: أما الحساب الأول فقد حللناك منه، وأسألك أن تقبل هذه الخمسة آلاف درهم، وتجعلنا في حل من الروعة التي دخلت قلبك برؤيتك إيانا في المسجد الجامع. أو كما قال. قال أبو الحسين أحمد بن الحسين الواعظ: أودع أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي عشرة آلاف دينار ليتيم، فضاقت يده واممتدت إليها، فأنفقها، فلما بلغ الغلام مبلغ الرجال، أمر السلطان بفك الحجر عنه وتسليم ماله إليه، وتقدم إلى ابن أبي موسى بحمل المال ليسلم للغلام. قال ابن أبي موسى: فضاقت

стр. 2787

علي الأرض، وتحيرت في أمري، فبكرت وركبت بغلتي وقصدت الكرخ لا أعلم أين أتوجه، فانتهت بي البغلة إلى درب السلولي، ووقفت على باب مسجد دعلج بن أحمد، فدخلت المسجد فصليت خلفه صلاة الفجر، فلما سلم انفتل إلي ورحب بي، وقام وقمت معه، ودخل إلى داره، فجلسنا وجاءته جاريته بمائدة لطيفة وعليها هريسة فقال: يأكل الشريف، فأكلت وأنا لا أحصل أمري، فلما رأى تقصيري قال: أراك منقبضاً فما الخبر؟ فقصصت عليه القصة، فقال: كل فإن حاجتك تقضى، ثم أحضر حلواء فأكلنا، فلما رفع الطعام قال: يا جارية؛ افتحي ذلك الباب، فإذا خزانة مملوءة زبلاً مجلدة، فأخرج إلي بعضها وفتحها إلى أن أخرج النقد الذي كانت الدنانير منه، واستدعى الغلام والتخت والطيار، فوزن عشرة آلاف دينار، وبذرها وقال: يأخذ الشريف هذه، فقلت: يثبتها الشيخ علي، فقال: أفعل، وقمت وقد كاد عقلي يطير فرحاً. وعدت إلى داري، وانحدرت إلى دار السلطان بقلب قوي، فقلت: ما أظن إلا أنه قد استشعر في أني قد أكلت مال اليتيم، فأحضر قاضي القضاة، والشهود، والنقباء، وولاة العهود، وأحضر الغلام وفك حجره، وسلم المال إليه، وعظم الشكر لي والثناء علي. فلما عدت إلى منزلي استدعاني أحد الأمراء من أولاد الخليفة وكان عظيم الحال فقال: قد رغبت في معاملتك وتضمينك أملاكي ببادوريا ونهر الملك. فضمنت ذلك بما تقرر بيني وبينه من المال، وجاءت السنة ووفيته، وحصل في يدي من الربح ماله قدر كبير. وكان ضماني لهذه الضياع ثلاث سنين، فلما مضت حسبت حسابي وقد تحصل في يدي ثلاثون ألف دينار، فعزلت عوض العشرة آلاف دينار التي أخذتها من دعلج وحملتها إليه، وصليت معه الغداة؛ فلما انفتل من صلاته ورآني نهض معي إلى داره، وقدم المائدة والهريسة، فأكلت بجأش ثابت وقلب طيب؛ ثم قال لي: خبرك وحالك؟ فقلت: بتفضل الله وفضلك قد أفدت بما فعلت معي ثلاثين ألف دينار، وهذه منها عشرة آلاف

стр. 2788

دينار عوض الدنانير التي أخذتها منك، فقال: يا سبحان الله! والله ما خرجت الدنانير عن يدي ونويت آخذ عوضها، حل بها الصبيان؛ فقلت له: أيها الشيخ! أيش أصل هذا المال حتى تهب لي عشرة آلاف دينار؟ فقال: نشأت وحفظت القرآن، وسمعت الحديث، وكنت أتبزز، فوافاني رجل من تجار البحر، فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت: نعم، فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك لتتجر به، فما سهل الله من فائدة كانت بيننا، وما كان من جائحة كانت في أصل مالي؛ وسلم إلي بارنامجات بألف ألف درهم، وقال لي: ابسط يدك، ولا تعلم موضعاً ينفق فيه هذا المتاع إلا حملته إليه. واستبنت فيه الكفاءة، ولم يزل يتردد إلي سنة بعد سنة، يحمل إلي مثل هذا، والبضاعة تنمي. فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر، فإن قضى الله علي بما قضاه على خلقه فهذا المال لك على أن تتصدق منه وتبني المساجد وتفعل الخير. فأنا أفعل مثل هذا، وقد ثمر الله المال في يدي، فاطو هذا الحديث أيام حياتي. توفي دعلج في سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة، وقيل سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة وهو ابن أربع أو خمس وتسعين سنة ببغداد. وكان السلطان بها لا يتعرض للتركات، ثم لم يصبروا عن أموال دعلج إذ لم يكن في الدنيا على ما يقال أيسر منه من التجار، فقبضوا على أمواله إلا الأوقاف. دغفل بن حنظلة بن زيد بن عبده ابن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفضى ابن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة السدوسي، الذهلي، الشيباني، النسابة يقال: إن له صحبة، ويقال: لا صحبة له. استقدمه معاوية، فقدم عليه، وأمره أن يعلم ابنه يزيد.

стр. 2789

روى الحسن بن دغفل أن النبي ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين سنة. وحدث الحسن بن دغفل قال: كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملك منهم فقال: لئن شفاه الله ليزيدن عشرة أيام؛ ثم كان ملك بعده، فأكل لحماً فوجع فاه، فقال: لئن شفاه الله ليزيدن سبعة أيام؛ ثم كان ملك بعده فقال: ما ندع هذه الثلاثة أيام أن نتمها ونجعل صومها في الربيع. ففعل، فكانت خمسين يوماً. وقد روى ذلك مرفوعاً إلى النبي ﷺ . قال عبد الله بن بريدة: أرسل معاوية إلى دغفل، فسأله عن أنساب العرب، وعن النجوم، والعربية، وعن أنساب قريش، فأخبره، فإذارجل عالم، فقال: من أين حفظت هذا يا دغفل؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول؛ وإن آفة العلم النسيان. قال: فأمره أن يذهب إلى يزيد فيعلمه العربية، وأنساب قريش، وأنساب العرب. وفي رواية: والنجوم. وقيل: قال معاوية لدغفل: بم ضبطت ما أرى؟ قال: بمفاوضة العلماء، قال: وما مفاوضة العلماء؟ قال: كنت إذا لقيت عالماً أخذت ما عنده، وأعطيته ما عندي. قال ابن عباس: حدثني علي بن أبي طالب من فيه قال: لما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب؛ فتقدم أبو بكر وكان مقدماً في كل خير، وكان نسابة فسلم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: وأي ربيعة أنتم؟ أمن هامها أم من لهازمها؟ فقالوا: بل من الهامة العظمى، فقال أبو بكر؟ وأي هامتها

стр. 2790

العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر، قال: منكم عوف الذي قال: لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال: منكم جساس بن مرة، حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة سمي صاحب العمامة الفردة لأنه كان إذا ركب لم يعتم معه غيره قالوا: لا، قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، قالأبو بكر: فلستم ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. قال: فقام إليه غلام من بني شيبان، يقال له دغفل حين بقل وجهه فقال: إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله يا هذا! إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئاً، فممن الرجل؟ قال أبو بكر الصديق: أنا من قريش، فقال الفتى: بخ بخ! أهل الشرف والرئاسة! من أي القرشيين أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة، فقال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، امنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعى في قريش مجمعاً؟ قال: لا، قال: منكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه: ورجال مكة مسنتون عجاف؟

стр. 2791

قال: لا، قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية الظلماء؟ قال: لا، قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا، قال: فمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. واجتذب أبو بكر زمام الناقة راجعاً إلى رسول الله ﷺ ، فقال الغلام: صادف درء السيل درءاً يدفعه ... يهيضه حيناً وحيناً يصدعه أما والله لو ثبت لأخبرتك من قريش. قال: فتبسم رسول الله ﷺ . قال علي: فقلت: يا أبا بكر! لقد وقعت من الأعرابي على باقعة، قال: أجل أبا حسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق. قال: ثم رجعنا إلى مجلس آخر، عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر، فسلم فقال: ممن القوم؟ قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي وأمي! هؤلاء غرر الناس وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك؛ وكان مفروق قد غلبهم جمالاً ولساناً، وكانت له غديرتان تسقطان على تربيته، وكان أدنى القوم مجلساً؛ فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف، ولن يغلب ألف من قلة؛ فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جد؛ فقال أبو بكر: كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرةً ويديل علينا أخرى، لعلك أخا قريش ... فقال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله، ألا هو ذا، فقال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام

стр. 2792

يدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقال رسول الله ﷺ : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشاً قد ظاهرت على أمر الله وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد، فقال مفروق بن عمرو: إلام تدعونا يا أخا قريش، فوالله ما سمعت كلاماً أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله ﷺ : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " إلى قوله " فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " فقال مفروق: وإلام تدعو يا أخا قريش، فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض؟ قال: فتلا رسول الله ﷺ : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون ". فقال مفروق بن عمرو: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش! وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسته لينا ليس له أول ولا آخر، إنه زلل في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة؛ ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر. وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى بن حارثة: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك، وإنا إنما نزلنا بين ضرتين: اليمامة والشأمة. فقال رسول الله ﷺ : ما هاتان الضرتان؟ فقال: انهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول؛ وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول؛ وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا: أن لا نحدث جدثاً، ولا نؤوي محدثاً؛ وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع

стр. 2793

جوانبه، أرأيتم إن لم يلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم ولك ذلك. قال: فتلا رسول الله ﷺ : " إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ". ثم نهض رسول الله ﷺ قابضاً على يدي أبي بكر وهو يقول: يا أبا بكر! أية أخلاق في الجاهلية! ما أشرفها! بها يدفع الله ، ناس بعضهم من بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال: فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ . قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ وقد سر بما كان من أبي بكر ومعرفته بأنسابهم. مر نفر من الأنصار بدغفل النسابة بعدما ذهب بصره، فسلموا عليه، فقال: من أنتم؟ قالوا: أشراف أهل اليمن، قال: من أهل ملكها القديم وشرفها الصميم، كندة! قالوا: لا، قال: فمن الطوال قصباً والممحضين نسباً بني عبد المدان؟ قالوا: لا، قال: فمن أقودها للزحوف، وأخرقها للصفوف، وأضربها بالسيوف، بني زبيد رهط عمرو بن معد يكرب؟ قالوا: لا، قال: فمن أحضرها قراءً، وأطنبها فناءً، وأصدقها لقاءً، طيئ؟ قالوا: لا، قال: فمن الغارسين النخل، والمطعمين في المحل، والقائلين بالعدل، الأنصار؟ قالوا: نعم. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: جاء قوم من بني سعد بن زيد مناة تميم إلى دغفل النسابة، فسلموا عليه وهو مول ظهره للشمس في مشرقة له، فرد عليهم من غير أن يلتفت إليهم، ثم قال لهم: من القوم؟ قالوا: نحن سادة مضر، قال: أنتم إذاً قريش الحرم، أهل العز والقدم، والفضل والكرم، والرأي في البهم، قالوا: لسنا منهم، قال: لا؟ قالوا: لا؛ قال: فأنتم إذاً هوازن، أجرؤها فوارس، وأجملها مجالس؛ قالوا: لسنا بهم، قال: لا؟ قالوا: لا؛ قال: فأنتم إذاً سليم، فوارس عظاظها، ومناع أعراضها، قالوا: لسنا بهم، قال: لا؟

стр. 2794

قالوا: لا؛ قال: فأنتم إذاً غطفان، أعظمها أحلاماً، وأسرعها إقداماً، قالوا: لسنا منهم، قال: لا؟ قالوا: لا؛ قال: فأنتم إذاً بنو حنظلة، أكرمها جدوداً، وأسهلها خدوداً، وألينها جلوداً، قالوا: لسنا بهم، قال: لا؟ قالوا: لا. قال: أفلا أراكم إلا من ربعات مضر وأنتم تأبون إلا أن تترقوا في الغلاصم منهم، اذهبوا لا كثر الله بكم من قلة ولا أعز بكم من ذلة. قال الأصمعي: النسابون أربعة: دغفل، وأبو ضمضم، وصبح، والكيس النمري. قيل للنساب البكري: قد نسبت كل شيء حتى نسبت الذر! قال: الذر ثلاثة أبطن: الذر، وفازر، وعقفان. قال رؤبة بن العجاج: دخلت على النسابة البكري، فقال: من أنت؟ قلت: رؤبة بنت العجاج، قال: قصرت وعرفت، لعلك كأقوام يأتوني إن حدثتهم لم يعوا عني، وإن سكت عنهم لم يسألوني، قال: قلت: أرجو أن لا أكون كذلك، فقال لي: فما أعداء المروءة؟ قلت: تخبرني، قال: بنو عم السوء، إن رأوا حسناً دفنوه، وإن رأوا سيئاً أذاعوه. ثم قال: إن للعلم آفةً وهجنةً ونكداً؛ فآفته الكذب، ونكده النسيان، وهجنته نشره عند غير أهله.

стр. 2795

قال دغفل العلامة: في العلم خصال: إن له آفة، وله هجنة، وله نكد: فآفته أن تخزنه، فلا تحدث به ولا تنشره؛ وهجنته أن تحدثه من لا يعيه ولا يعمل به؛ ونكده أن تكذب فيه. قيل: إن دغفلاً غرق في يوم دولاب من فارس في قتال الخوارج. دكين بن سعيد الدارمي التميمي ويقال: ابن سعد بن زيد مناة بن تميم الدارمي الراجز من أهل البصرة. وفد على عمر بن عبد العزيز. قال سعيد بن عمرو بن جعدة: لما ولي عمر بن عبد العزيز المدينة كان ينقطع إليه رجل من بني دارم، سيقال له دكين بن سعيد، يسامره بالليل مع أبي عون وسالم، فقال له ليلةً: إني لأرى لك هيئة ما الدنيا عنك بمنقطعة حتى تلي ولاية أجشم من هذه، قال: وما علمك؟ قال: ما هي إلا فراسة، فما عليك إن كان ذلك؟ قال: إن كان ذلك أحسنت إليك، قال: هات يدك، فأعطاه يده. فلما ولي عمر الخلافة انقطع إليه دكين. فاستأذن فقال له البواب: إنه عنك في شغل، إنه في رد المظالم، فأعد أبياتاً لخروج عمر إلى الصلاة، ثم ناداه نداء الأعرابي: يا عمر الخيرات ذا المكارم ... وعمر الدسائع العظائم إني امرؤ من قطن بن دارم ... أنشد حق المسلم المسالم بيع يمين بالإخاء الدائم ... إذ تنتجي والله غير نائم وتنحن في ظلمة ليل عاتم ... عند أبي عون وعند سالم

стр. 2796

قال: فعرف عمر القضية، فدخل على أمهات أولاده، فما زال يجمع له من عندهن العشرة والعشرين حتى جمع له ثلاث مئة؛ وكانت من عمر عطية. ومن شعر دكين: رب أمر تشرق النفس به ... جاءها من خلل الباب الفرج ودياجي مطبق إظلامها ... مزق الصبح دجاها فبلج لا تكن من وشك روح آيساً ... فكأن قد فرجت تلك الرتج بينما المرء كثيب موجع ... جاءه الله بفتح فبهج قلما أدمن قرعاً قارع ... غلق الأبواب إلا سيلج وروى بسنده عن محمد بن الحسين أنه أنشد لدكين الراجز: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يدنس من اللؤم نفسه ... فليس إلى حسن الثناء سبيل قال أبو عبيدة: ابتنى رجل من بني مخزوم، وكان ينزل ضاحية بني تميم فوافى دكين الراجز، فقال للبواب إني ألاع إلى السخن فأدخلني، فأبى البواب أن يدخله؛ فوقف دكين على دكان وقد انصرف بعض القوم وأنشأ يقول: اجتمع الناس وقالوا عرس ... إذا قصاع كالأكف خمس زبحلحات قد جمعن ملس ... ففقئت عين وفاظت نفس

стр. 2797

قال أحمد بن عبيد: ألاع: أتوقد حرصاً عليه، ويحترق فؤادي طلباً له. والزبحلحات: التي تحرك ويذهب ويجاء بها لا تقر في موضع واحد. قال: وجرى بين الأصمعي وأبي عبيدة في هذا البيت: وفاظت نفس تشاجر ومنازعة؛ فقال الأصمعي: العرب لا تقول فاظت نفسه ولا فاضت نفسه، إنما يقولون: فاظ الرجل إذا مات؛ قال: وكان يرويه: وطن الضرس. قال أبو عبيدة: كذب الأصمعي، ما هو إلا فاضت نفس. وقال الكسائي والفراء ومن نقل عنهما: يقال: فاضت نفس، وفاظت نفس، وفاض الميت نفسه، وأفاضه الله نفسه. دويد بن نافع ويقال: دويد أبو عيسى أخو مسلمة بن نافع مولى سعيد بن عبد الملك بن مرولان. من أهل دمشق، ويقال: من أهل حمص. حدث عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة أخبره أن رسول الله ﷺ قال: قال الله : " إني فرضت على أمتك خمس صلوات، وعقدت عندي عهداً أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة في عهدي، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي ".

стр. 2798

دهثم بن خلف بن الفضل أبو سعيد القرشي الرملي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن سوار بن عمارة بسنده عن شهر بن حوشب قال: أتيت أبا أمامة وهو في مسجد حمص، فقلت: يا أبا أمامة، حدثت بشيء عنك أنك حدثت عن النبي ﷺ ؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات في دبر صلاة الغداة، كتب له بكل واحدة منها عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات؛ وكانت له خيراً من عشر محررين يوم القيامة؛ ومن قالها في دبر صلاة العصر كان له مثل ذلك. فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غير مرة، ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس، حتى ضم أصابعه. وحدث عن رواد بن الجراح بسنده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " صلاة الرجل متقلداً سيفه يعني تفضل على صلاة غير متقلد سبع مئة ضعف ". قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يباهي بالمتقلد سيفه في سبيل الله ملائكته وهم يصلون ما دام متقلده.

стр. 2799

أسماء النساء على حرف الدال المهملة درداء بنت أبي الدرداء عويمر ابن قيس الأنصارية سمعت أباها. حدثت بنت أبي الدرداء، عن أبي الدرداء قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، لا تدرون تنجون أم لا تنجون!. لما هلكت درداء صلوا عليها؛ قالت أم الدرداء: يا درداء اذهبي إلى ربك حتى أذهب أنا إلى ربي. فذهب بتلك إلى المقبرة، ودخلت أم الدرداء إلى المسجد. وهلكت درداء تحت صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي. خطب يزيد بن معاوية إلى أبي الدرداء ابنته الدرداء، فرده وأنكحها غيره، فقيل لأبي الدرداء: أتركت يزيد وتنكح فلاناً؟! فقال أبو الدرداء: ما ظنكم بابنة أبي الدرداء إذا قام على رأسها الخصيان، ونظرت في بيوت يلتمع منها بصرها، أين دينها يومئذ؟!. أسماء الرجال على

стр. 2800

حرف الذال المعجمة ذكوان بن إسماعيل بن يحيى البعلبكي القاضي حدث عن أبي سليم إسماعيل بن حصن بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال له: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك. ذكي بن عبد الله أبو الحسين المشرقي حدث بدمشق عن أبي بكر محمد بن عبيد الله بن أبي المغيث بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " كل مسكر خمر ". ذواد العقيلي الجزري حدث محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال: دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية فقال: السلام عليك أيها الملك، فقال معاوية: فهلا غير ذلك، أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقال سعد: نعم، إن كنا أمرناك، فقال معاوية: لا يبلغني أن أحداً يقول: إن سعداً ليس من قريش إلا فعلت به وفعلت. فقال محمد بن علي: لعمري إن سعداً لموسط من قريش، ثابت النسب.

стр. 2801

ذؤالة بن محمد حدث عن أبيه عن جده بسنده عن جابر: أن رسول الله ﷺ لم يكن يبيت حتى يقرأ بهاتين السورتين: آلم تنزيل، وتبارك. وفي حديث آخر: آلم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده الملك. ذو الفقار بن محمد بن معبد ابن الحسين بن الحسين بن أحمد المعروف بحميدان أبو الصمصام الحسني العلوي المروزي الضرير الواعظ قدم دمشق قبل العشرين وخمس مئة، ووعظ بها، وأظهر الميل إلى الروافض، وتعصب له جماعة منهم؛ وكان يروي الحديث على كرسيه بإسناده عن نظام الملك. وخرج عن دمشق بعد حدوث فتنة جرت. وسكن الموصل وحدث بها.؟؟ روى عن أبي عبد الله مالك بن أحمد بن إبراهيم البانياسي بسنده عن أبي برزة قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: علمني شيئاً لعل الله أن ينفعني به، قال: انظر ما يؤذي الناس فنحه عن الطريق. ذكر أنه ولد سنة خمس وخمسين وأربع مئة.

стр. 2802

ذو القرنين واسمه الإسكندر ابن فيلبس وذكر نسبه أسماء يونانسية. وقيل: اسم ذي القرنين صعب بن عبد الله، ونسبه إلى سبأ بن قحطان. وفي كتاب أبي سلمة بن عبد الرحمن: إن الضحاك بن معد ولد رجلين: عبد الله بن الضحاك وهو ذو القرنين، وعباد بن الضحاك. وقال بعض الفرس: إنه الإسكندر بن دارا بن بهمن الملك، والفرس تسميه الإسكندر. قال أبو عبيدة: والثبت أن ذا القرنين الإسكندر كان من الروم، وإنه فيلووس بن مصريم بن هرمس بن هوديس. وفيه اختلاف. قال هشام بن الكلبي: ومن بني يونان بن يافث بن نوح النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن نوح. ومنهم ذو القرنين، وهو هرمس، ويقال هو ديس بن فيطون بن رومي بن لنطي بن كسلوجين بن يونان بن يافث بن نوح، وغيرهم. وقيل: إن ذا القرنين كان ابن رجل من حمير حميرياً، وكان قد وفد إلى الروم، فأقام فيهم، وكان يسمى أبوه الفيلسوف لعقله وأدبه؛ فتزوج في الروم امرأةً من غسان وكانت على دين الروم فولدت ذا القرنين، فسماه أبوه الإسكندر. فهو الإسكندر بن

стр. 2803

الفيلسوف بن حمير، وأمه رومية غسانية، ولذلك يقول تبع الحميري لما فخر بأجداده في قصيدة يقولها يفخر بذي القرنين إلى أجداده: قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ... ملكاً تدين له الملوك وتحشد بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد من بعده بلقيس كانت عمتي ... ملكتهم حتى أتاها المزهد وليس كل الناس يعلم أنه من حمير، ولا يعرف أباه، وإنما نسبته الروم إلى أمه، كان أبوه مات وهو صغير، وخلفه في حجر أمه. ولذلك جهل العلماء ونسبوه إلى أمه. ولقد كان أبوه من أهل الملك والمروءة، ولذلك سمي الفيلسوف. وقال قتادة: الإسكندر هو ذو القرنين، وأبوه قيصر وهو أول القياصرة، كان من ولد سام بن نوح ﵉. قال حبيب بن حماز: كنت عند علي بن أبي طالب وسأله رجل عن ذي القرنين قال: كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سخر له السحاب ومدت له الأسباب، وبسط له في النور؛ قال: أزيدك؟ قال: فسكت الرجل، وسكت علي ﵇. قال سيف بن وهب: دخلت شعب ابن عامر على أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: فإذا شيخ كبير قد وقع حاجبه على عينيه، قال: فقلت له: أحب أن تحدثني بحديث سمعته من علي ليس

стр. 2804

بينك وبينه أحد؛ قال: أحدثك به إن شاء الله، وتجدني له حافظاً: أقبل علي يتخطى رقاب الناس بالكوفة، حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله ما بين لوحي المصحف آية تخفى علي، فيم أنزلت ولا أين نزلت، ولا ما عنى بها؛ والله لا تلقون أحداً يحدثكم ذلك بعدي حتى تلقوا نبيكم ﷺ . قال: فقام رجل يتخطى رقاب الناس، فنادى: يا أمير المؤمنين، قال: فقال علي: ما أراك بمسترشد، أو ما أنت مسترشد، قال: يا أمير المؤمنين؛ حدثني عن قول الله : " والذاريات ذرواً "؟ قال: الرياح، ويلك، قال: " فالحاملات وقراً "؟ قال: السحاب ويلك، قال: " فالجاريات يسراً "؟ قال: السفن ويلك، قال: " فالمدبرات أمراً "؟ قال: الملائكة ويلك، قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قول الله : " والبيت المعمور، والسقف المرفوع "؟ قال: ويلك بيت في ست سماوات، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وهو الضراح، وهو حذاء الكعبة من السماء؛ قال: يا أمير المؤمنين؛ حدثني عن قول الله : " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم "؟ قال: ويلك ظلمة قريش، قال: يا أمير المؤمنين! حدثني عن قول الله : " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا "؟ قال: ويلك منهم أهل حروراء، قال: يا أمير المؤمنين، حدثني عن ذي القرنين، أنبياً كان أو رسولاً؟ قال: لم يكن نبياً ولا رسولاً ولكنه عبد ناصح الله ، فناصحه الله وأحب الله فأحبه الله، وإنه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فهلك، فغبر

стр. 2805

زماناً، ثم بعثه الله فدعاهم إلى الله ، فضربوه على قرنه الآخر، فهلك فذلك قرناه. وفي حديث آخر: ولا نعلم أحداً من الناس كان له قرنان. وقال ابن شهاب: إنما سمي ذو القرنين أنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها فسمي ذا القرنين. قال معاوية: ملك الأرض أربعة: سليمان بن داود النبي صلى الله عليهما وعلى نبينا وسلم؛ وذو القرنين؛ ورجل من أهل حلوان؛ ورجل آخر؛ فقيل له: الخضر؟. قال: لا. وقال سفيان الثوري: بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة، مؤمنان وكافران: سليمان النبي ﷺ ؛ وذو القرنين؛ ونمرود؛ وبختنصر. وفي حديث آخر: نمرود بن كوش بن حام بن نوح؛ وبختنصر. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ﷺ : " لا أدري أتبع كان لعيناً أم لا؛ ولا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؛ ولا أدري ذو القرنين نبياً كان أم لا ". وعن عبد الله بن عمرو قال: ذو القرنين نبي. وعن سعيد بن مسعود، عن رجلين من كندة من قومه قالا: استطلنا يومنا فانطلقنا إلى عقبة بن عامر الجهني، فوجدناه في ظل داره جالساً،
следующие страницы →