Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
قال: ثم أنضحيه حول فراشي، ثم أنزلي، فامكثي، فسوف تطلعين عليّ فتريني على فراشي، فاطلعت إليه، فإذا هو قد أخذ روحه، فكأنه نائم في فراشه، أو نحو من هذا.
توفي سلمان بالمدائن وقبره هناك.
قال ابن زنجويه: بلغني أن سلمان توفي سنة ست وثلاثين قبل الجمل.
وقيل: إنه توفي في خلافة عثمان. فعلى قول ابن زنجويه تكون وفاته في خلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقيل: توفي سنة سبع وثلاثين.
قال أهل العلم: عاش سلمان ثلاث مئة سنة وخمسين سنة، فأما مئتين وخمسين فلا يشكون فيه.
وعن سعيد بن المسيب أن سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: إن لقيت ربك قبلي فأخبرني ماذا لقيت منه، فقال أحدهما لصاحبه: أو يلقى الأحياء الأموات؟ قال: نعم، أما المؤمنون فإن أرواحهم بالجنة، وهي تذهب حيث شاءت. قال: فتوفي أحدهما قبل صاحبه، فلقيه الحيّ في المنام، فكأنه سأله فقال الميت: توكل وأبشر. فلم أر مثل التوكل قط. سلمان مات قبل ابن سلام.
سلمان بن ربيعة بن يزيد بن عمرو
ابن سهم بن نضلة بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر وهو منبه ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر، أبو عبد الله الباهلي يقال: إن له صحبة، وشهد فتوح الشام مع أبي أمامة الباهلي، ثم سكن العراق، وولاه عمر ﵁ قضاء الكوفة، ثم ولي غزو أرمينية في خلافة عثمان فقتل ببلنجر.
стр. 3362
قيل: إنه كان يغزو سنة ويحج سنة.
حدث سلمان بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: إن النبي ﷺ قسم بين قومه قسما فقلت يا رسول الله، غير هؤلاء كانوا أحق، فقال: إنهم يخيروني بين أن يسألوني بالفحش ولست بباخل.
وعن شقيق بن سلمة قال: رأيت سلمان بن ربيعة جالساً بالمدائن على قضائها، استقضاه عمر بن الخطاب أربعين يوماً، فما رأيت بين يديه رجلين يختصمان بالقليل ولا بالكثير، فقلنا لأبي وائل: فممّ ذلك؟ قال: من انتصاف الناس فيما بينهم.
وعن عمرو بن شرحبيل أن سلمان بن ربيعة " وكان قاضياً قبل شريح " سئل عن فريضة فأخطأ فيها، فقال له عمرو بن شرحبيل: القضاء فيها كذا وكذا، فكأنه، أي غضب، فرفع ذلك إلى أبي موسى الأشعري وكان على الكوفة فقال: يا سلمان، كان ينبغي لك ألا تغضب، وأنت يا عمرو كان ينبغي لك أن تساوده في أذنه. يعني تساره.
حدث من شهد القادسية قال: أبصر سلمان بن ربيعة الباهلي أناساً من الأعاجم تحت راية لهم، قد حفروا لها وجلسوا تحتها، وقالوا: لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم، فقتل من كان تحتها، وسلبهم، وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية، وكان أحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت، والآخر عبد الرحمن بن ربيعة، ذو النون أخوه، ومال على آخرين قد تكتبوا وتعبئوا للمسلمين فطحنهم بخيله.
قال الشعبي: كان يقال لسلمان: أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل من الجزور.
حدث أبو عمرو بن العلاء أن عمر بن الخطاب شك في العتاق والهجن من الخيل، فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي
стр. 3363
بطست من ماء، أو بترس فيه ماء، فوضع بالأرض، فما ثنى سنبكه فشرب هجنه، وما شرب ولم يثن سنبكه عربه، وذلك لأن في أعناق الهجن قصراً، فهي لا تنال الماء إلا على تلك الحال، وأعناق الخيل العتاق طوال فهي لا تثني سنبكها لطول أعناقها.
نزل زيد بن صوحان على سلمان بن ربيعة كأنه ينظر ما يعمل، فكان إذا تعار من الليل قال: سبحان الله رب النبيين وإله المرسلين، قال: ثم يصلي ركعات ويقول: يا زيد، اكفني نفسك يقظان أكفك نفسك نائماً.
كان سلمان بن ربيعة الباهلي غزا بلاد الترك في خلافة عثمان بن عفان ﵁، فقتل ببلنجر، فجعل أهل تلك الناحية عظامه في تابوت، فإذا احتبس عليهم القطر أخرجوه فاستسقوا به فسقوا.
قتل سلمان بن ربيعة ببلنجر من بلاد أرمينية سنة تسع وعشرين، وقيل: سنة ثلاثين. وقيل: مات سنة إحدى وثلاثين
سلمان بن ناصر بن عمران بن محمد
ابن إسماعيل بن إسحاق بن يزيد بن زياد بن ميمون بن مهران أبو القاسم الأنصاري النيسابوري أحد تلاميذ الإمام أبي المعالي الجويني، كان مقدماً في علم الأصول والتفسير، وسمع بدمشق، وكان ذا دين وورع وتقدّم في علم الكلام. وله تصانيف في أصول الدين، وهو الذي شرح كتاب الإرشاد الذي صنفه الجويني.
حدث عن أبي الحسين محمد بن مكي بن عثمان بن عبد الله الأزدي بسنده عن أبي النضر المدني: أنه سمع كتاباً كتبه عبد الله بن أبي أوفى عمر بن عبيد الله بن معمر أن رسول الله ﷺ انتظر ذات يوم في بعض مغازيه حتى إذا مالت الشمس قام في الناس فقال: لا تمنوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم " وفي رواية لعلكم لا تثبتون " وسلوا الله العافية، فإن أتوكم فاثبتوا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم دعا فقال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم.
توفي سلمان بن ناصر سنة اثنتي عشرة وخمس مئة.
стр. 3364
سلمان بن ندى بن طراد بن مطر
أبو عبد الله التغلبي القيسراني الشافعي كان إماماً في الفقه، حافظاً له، من المفتين فيه، ذكر عنه أنه كان يحفظ كتاب الشامل لأبي نصر بن الصباغ.
سأله أبو محمد بن صابر عن مولده فقال: في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربع مئة بقيسارية.
حدث سلمان بن ندى عن ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من اشترى خادماً فليضع يده على ناصيته ثم يقول: اللهم، أني أسألك من خيره وخير ما جبلته عليه، وأعوذ بك من شره وشر ما جبلته عليه، وإذا اشترى دابة فيضع يده على ناصيتها ثم يقول: اللهم، أني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيراً فليضع يده على ذروة سنامه ثم يقول: اللهم، أني أسألك من خيره وخير ما جبلته عليه، وأعوذ بك من شره وشر ما جبلته عليه.
وحدث سلمان بن ندى عن أبي بكر محمد بن ثابت بن الحسين بن علي الخجندي بسنده للإمام الشافعي ﵀: من الخفيف
لست ممن إذا جفاه أخوه ... أظهر الوجد أو تناول عرضا
بل إذا صاحب بدا لي جفاه ... أظهر الود والوصال ليرضى
كن كما شئت لي فإني حمول ... أنا أولى من عن مساويك أغضى
سلمان أبو رجاء مولى أبي قلابة
كان مع مولاه أبي قلابة بالشام ثم رجع إلى العراق.
حدث أبو قلابة
أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة فقال قوم: هي حق قضى بها رسول الله ﷺ وقضى بها الخلفاء، وأبو قلابة خلف السرير قاعد، فالتفت إليه فقال: ما تقول يا أبا قلابة؟ فقال: أبو قلابة: يا أمير المؤمنين، عندك من رؤوس الأجناد وأشراف العرب، شهد
стр. 3365
عندك أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق أنه زنى أكنت راجمه؟ قال: لا، قال: وشهد رجلان من أهل دمشق على رجل من أهل حمص أنه سرق، ولم يروه، أكنت قاطعه؟ قال: لا، قال: يا أمير المؤمنين، فهذا أعظم من ذلك، لا والله لا أعلم رسول الله ﷺ قتل أحد من أهل الصلاة إلا رجلا كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصان أو قتل نفساً بغير نفس، قال: فقال عنبسة بن سعيد: فأين حديث أنس بن مالك في العكليين؟ قال: فقال أبو قلابة: إياي حدث أنس بن مالك أن قوماً من عكل أول قال عرينه قدموا المدينة فاجتووها، فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا حتى برئوا وذهب سقمهم، أو كما قال: فقتلوا راعي رسول الله ﷺ واطردوا النعم، فبلغ النبي ﷺ ذلك غدوة فبعث الطلب في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم، فأمرهم فقطعت " أو قطع " أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وألقوا بالحرة يستسقون فلا يسقون، قال: فقال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. فقال عنبسة: يا قوم، ما رأيت كاليوم قط. فقال أبو قلابة: أتتهمني يا عنبسة؟ فقال: لا ولكنك لا يزال هذه الجند بخير ما أبقاك الله بين أظهرهم.
سلمة بن أسلم بن حريش
ابن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو وهو النبيت بن مالك بن الأوس، أبو سعد الأنصاري صاحب سيدنا رسول الله ﷺ شهد بدراً، وخرج في جيش أسامة بن زيد الذي بعثه رسول الله ﷺ قبل موته إلى أرض البلقاء ليدركوا ثأر من أصيب بمؤتة.
قال سلمة بن أسلم: رأيت الرسول ﷺ ، ونحن على الباب، نريد أن ندخل على أثره. فدخل رسول
стр. 3366
الله ﷺ وما في البيت أحد إلا سعيد مسجى، قال: فرأيته يتخطى، فلما رأيته يتخطى وقفت وأومأ إليّ: قف، فوقفت ورددت من ورائي، وجلس ساعة ثم خرج. فقلت: يا رسول الله، ما رأيت أحداً وقد رأيتك تتخطى، فقال رسول الله ﷺ : ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه. فجلست ورسول الله ﷺ يقول: هنيئاً لك أبا عمرو، هنيئاً لك أبا عمرو - ويعني بع سعد بن معاذ.
ومن حديث الواقدي مختصراً قال: قالوا: ولم يزل رسول الله ﷺ يذكر مقتل زيد بن حارثة وجعفر وأصحابه، ووجد عليهم وجداً شديداً، فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله ﷺ الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش في غزوهم، فتفرق المسلمون من عند رسول الله ﷺ وهم مجدون في الجهاز. ثم دعا أسامة في الغد يوم الثلاثاء فقال: يا أسامة، سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحاً على أهل أبني، وحرق عليهم، وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون أمامك والطلائع، ثم صدع رسول الله ﷺ وحمّ في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، فلما أصبح يوم الخميس عقد له بيده لواء، ثم قال: امض على اسم الله، فخرج بلوائه معقوداً فدفعه إلى بريدة بن الحصيب، فخرج به إلى بيت أسامة، وأمر رسول الله ﷺ أسامة فعسكر بالجرف، وجعل الناس يأخذون بالخروج إلى العسكر، ولم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، أبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد، في رجال من المهاجرين، والأنصار عدة: قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم حريس. وذكر الحديث.
وتوفي رسول الله ﷺ حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول. ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بن
стр. 3367
الحصيب بلواء أسامة معقوداَ، حتى أتى باب سيدنا رسول الله ﷺ فغرزه عنده، فلما بويع أبو بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة، ولا يحله أبداً حتى يغزو بهم أسامة. قال بريدة: فخرجت باللواء حتى أتيت به بيت أسامة، ثم خرجت به إلى الشام معقوداً مع أسامة، ثم رجعت به إلى بيت أسامة، فما زال معقوداً في بيت أسامة حتى توفي أسامة.
فلما بلغ العرب وفاة رسول الله ﷺ وارتد من ارتد منها عن الإسلام قال أبو بكر لأسامة: انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله ﷺ ، وأخذ الناس بالخروج معه، ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته فكلمه في أن يترك عمر، ففعل أسامة ورجع يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة: نعم، وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إمارة أسامة فغلظ عليهم، فأخذهم بالخروج فلم يتخلف عن البعث إنسان واحد، وهم ثلاثة آلاف رجل وفيهم ألف فرس، وذكر الحديث.
قتل سلمة بن أسلم يوم جسر أبي عبيد سنة أربع عشرة، وهو ابن ثلاث وستين في أول خلافة عمر بن الخطاب.
وقيد أبو عبد الله الصوري: حريس بالسين المهملة، وقال غيره: حريش بالشين المعجمة.
وقيل: قتل على رأس خمس عشرة سنة.
سلمة بن بشر بن صيفي أبو بشر
حدث سلمة بن بشر عن مسلمة بن علي بسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " دخلت الجنة فرأيت على بابها: الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر. فقلت: يا جبريل، كيف صارت الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر؟ قال: لأن الصدقة تقع بيد الغني والفقير، والقرض لا يقع إلا في يد من يحتاج إليه.
وحدث سلمة بن بشر أيضاً عن البختري بن عبيد بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها. قيل: يا رسول الله، وما ثوابها؟ قال: تقولون: اللهم اجعلها مغنماً، ولا تجعلها مغرماً "
стр. 3368
سلمة بن تميم
حدث عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عاراً، ويكون الإسلام غريباً، وحتى تبدو الشحناء بين الناس، وحتى يقبض العلم، ويتقارب الزمان، وينقص عمر البشر، وتنتقص السنون والثمرات، ويؤتمن التهماء، ويتهم الأمناء، ويصدق الكاذب، ويكذّب الصادق، ويكثر الهرج. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل، وحتى تبنى الغرف فتطاول، وحتى تحزن ذوات الأولاد وتفرح العواقر، ويظهر البغي والحسد والشح، ويهلك الناس، ويكثر الكذب، ويقل الصدق، وحتى تختلف الأمور بين الناس، ويتبع الهوى، ويقضى بالظن، ويكثر المطر، ويقل الثمر، ويغيض العلم غيضاً، ويفيض الجهل فيضاً، وحتى يكون الولد غليظاً والشتاء قيظاً، وحتى يجهر بالفحشاء، وتروى الأرض رياً، ويقوم الخطباء بالكذب، فيجعلون حقي لشرار أمتي، فمن صدّقهم بذلك ورضي به لم يرح رائحة الجنة.
سلمة بن جواس - ويقال سلامة " أبو الحسن الطائي الحمصي قيل أنه دمشقي حدث عن محمد بن القاسم الطائي أن عبد الله بن بشر كان معهم في قريته فقال: هاجر أبي وأمي إلى النبي ﷺ ، وإن النبي ﷺ مسح رأسي بيده وقال: ليعيشن هذه الغلام قرناً، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وكم القرن؟ قال: مئة سنة. قال عبد الله: فلقد عشت خمساً وتسعين سنة وبقيت خمس سنين إلى أن أتم قول رسول الله ﷺ قال محمد: فحسبنا بعد ذلك خمس سنين ثم مات.
وحدث عن أبي مهدي بسنده عن أبي هريرة قال: أوصاني رسول الله بثلاث لا أتركهن في سفر ولا حضر: أربع ركعات في أول النهار، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا أنام إلا على وتر.
стр. 3369
وحدث سلمة بن جواس أيضاً عن معاوية بن يحيى أبي مطيع الأطرابلسي بسنده عن ابن مسعود قال: جاء رجل بأبيه إلى النبي ﷺ يقتضيه ديناً له عليه فقال رسول الله ﷺ : أنت ومالك لأبيك.
سلمة بن الخطل، الكناني الحجازي يقال: إن له صحبة، وفد إلى معاوية. قال الحافظ: ولا أعرف له حديثاً مسنداً.
قال يعقوب بن داود:
خطب معاوية يوماً بدمشق، فقال: إن الله ولى عمر بن الخطاب، فولاني بعض ما ولاه الله، فوالله ما خنته، ولا كذبته، ولا حالفت عليه، ثم ولاني الله الأمر فتقدمت وتأخرت، وأخطأت وأحسنت، فمن أنكرني فقد عرفت نفسي، فقام إليه سلمة بن الخطل أحد بني عريج ين عبد مناة بن كنانة فقال: والله يا معاوية لقد أنصفت، وما كنت منصفاً، قال: وما أنت وذاك يا احدب؟ فكأني أنظر إلى حفش بيتك من مهيعة مربوطاً بطنب منه تيس، وبطنب منه بهمة، تخفق فيه الريح بمثل جناح النسر، بفنائه أعنز عشر، درهن قليل تحلبهن في مثل قوارة حافر حمار. قال: رأيت والله ذلك في زمن علينا ولا لنا، والله إن حشوه يومئذ لحسب غير دنس، فهل رأيتني قتلت مسلماً أو كسبت محرماً؟ قال: وأين أنت حتى أراك؟ أنت لا تبرز إلا في غمار الناس، وأي مسلم تقوى عليه حتى تقتله، وأي مكسب تقدر عليه حتى تكسبه، اجلس لا جلست، قال: لا والله، وكني أذهب حيث لا أسمع صوتك. قال: إلى أبعد الأرض لا إلى أقربها. قال: فمضى ساعة وهو ينظر في قفاه ويقول اللهم لا تصحبه، ثم قال: كرّوه عليّ فكروه، فقال: أستغفر الله منك، بلى والله، لقد رأيتك حيث أعرفك، قد أتيت رسول الله ﷺ فسلمت عليه فرد عليك، وأهديت إليه فقبل منك، وأسلمت، فكنت من صالحي قومك، وإنك لفي شرف منهم، وإنك لخالي، وإن أباك يوم طرف البلقاء لذو عناء، اجلس حتى أفرغ لك، ثم مضى في خطبته. فلما فرغ وصله، وأحسن إليه.
стр. 3370
سلمة بن دينار
أبو حازم الأعرج المدني الزاهد مولى الأسود بن سفيان المخزومي وقيل: مولى بني ليث. قدم دمشق.
حدث أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله أتي بشراب، وعن يمنه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء يا غلام؟ فقال: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً قال: فتلّه رسول الله ﷺ في يده.
قال أبو حازم: قدمت على عمر بن عبد العزيز وهو بخناصرة؟ فلما نظر إليّ عرفني ولم أعرفه، فقال لي: أدن مني يا أبا حازم، فلما دنوت منه عرفته، فقلت: أنت أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قلت: ألم تكن بالمدينة بالأمس أميرً؟ قال: نعم، قلت: كان مركبك وطياً، وثوبك نقياً، ووجهك بهياً، وطعامك شهياً، وحرسك كثيراً، فما الذي غير ما بك وأنت أمير المؤمنين؟ فبكى، ثم قال: يا أبا حازم، كيف لو رأيتني بعد ثالثة في قبري، وقد سالت حدقتاي على وجنتي، وانشق بطني، وجرت الديدان في بدني، لكنت اشد إنكاراً لي من يومك هذا. اعد علي الحديث الذي حدَّثتني به بالمدينة، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن بين أيديكم عقبة كؤوداً مضرسة لن يجوزها إلا كل ضامر مهزول ". قال: فبكى ثم قال: أتلومني يا أبا حازم أن أضمر نفسي لتلك العقبة لعلي أنجو منها، وما أظنني بناج منها؟ ذكر أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان التبيين أن أبا حازم دخل مسجد دمشق فوسوس إليه الشيطان أنك قد أحدثت بعد وضوئك، فقال له: وقد بلغ هذا من نصيحتك؟!
стр. 3371
كان أبو حازم أشقر أفرز أحول، وكان يقص بعد الفجر وبعد العصر في مسجد المدينة، وكان أعرج، وكان عابداً زاهداً، وقدم سليمان بن عبد الملك المدينة فأتاه الناس، وبعث إلى أبي حازم فأتاه وساءله عن أمره وعن حاله، وكان لأبي حازم حمار، فكان يركبه إلى مسجد رسول الله ﷺ لشهود الصلوات، وتوفي أبو حازم في خلافة أبي جعفر بعد سنة أربعين ومئة.
قال أبو حازم: رأيت سهل بن سعد الساعدي في ألف من أصحاب رسول الله ﷺ يرفع يديه في كل خفض ورفع.
قال أبو بكر ين خزيمة: أبو حازم ثقة ولم يكن في زمانه مثله.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما رأيت أحداً الحكمة أقرب إلى فيه من أبي حازم.
وقال عون بن عبد الله: ما رأيت أحد يفرفر الدنيا فرفرة هذه الأعرج. يعني أبا حازم.
قال أبو حازم: رأيت أبا حازم في مجلس عون بن عبد الله، وهو يقص في المسجد، ويبكي، ويمسح بدموعه وجهه، فقلت له: يا أبا حازم، لم تفعل هذا؟ قال: بلغني أن النار لا تصيب موضعاً أصابته الدموع من خشية الله.
قال مروان بن محمد: قال أبو حازم:
ويحك يا أعرج - يعني نفسه - يدعى يوم القيامة بأهل خطيئة كذا وكذا فتقوم
стр. 3372
معهم، ثم يدعى بأهل خطيئة أخرى فتقوم معهم، فأراك يا أعرج تقوم مع أهل كل خطيئة.
قال هشام بن عبد الملك لأبي حازم: يا أبا حازم، ما النجاة من هذه الأمر؟ قال: يسير، قال: ما ذاك؟ قال: لا تأخذن شيئاً إلا من حله، ولا تضعن شيئاً إلا في حقه، قال: ومن يطيق ذلك يا أبا حازم؟ قال: من طلب الجنة وهرب من النار.
قال الزهري لسليمان أو هشام: ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء؟ قال: يا أبا حازم، ما قلت في العلماء؟ قال: وما عسيتُ أن أقول في العلماء إلا خيراً! إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعملهم عن أهل الدنيا، ولم يستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأى ذلك هذا وأصحابه تعلموا العلم، فلم يستغنوا به، واستغنى أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قذفوا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم عن علمهم شيئاً، إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة، قال الزهري: إنه جاري منذ حين وما علمت أن هذا عنده. قال: صدق، أما إني لو كنت غنياً عرفني. قال. فقال له سليمان: ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: تمضي ما في يديك بما أمرت به، وتكف عما نهيت عنه. قال: سبحان الله! ومن يطيق هذا قال: من طلب الجنة، وفرّ من النار، وما هذا فيما تطلب وتفر منه بقليل.
أرسل بعض الأمراء إلى أبي حازم فأتاه، وعنده الإفريقي والزهري وغيرهما، فقال له: تكلم يا أبا حازم، فقال: أبو حازم: إنَ خير الأمراء من أحبّ العلماء، وإن شرّ العلماء من أحبّ الأمراء، وكان فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم، فيسألونهم وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك ناس من الناس قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى يكون مثل هؤلاء، فطلبوا العلم، فأتوا الأمراء،
стр. 3373
فحدثوهم فرخصوا لهم، وأعطوهم، فقبلوا منهم فجرأت العلماء على الأمراء وجرأت الأمراء على العلماء.
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما لنا نكره الموت! قال: لأنكم عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة، فأنتم تكرهون أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.
قال سفيان بن عيينة: أخبر أبو حازم سليمان بن عبد الملك بوعيد الله للمذنبين فقال سليمان: فأين رحمة الله قال: " قريب من المحسنين " بعث بعض خلفاء بني أمية إلى أبي حازم بمال، فرده، فقال له: يا أبا حازم، خذ، فإنك مسكين، قال: كيف أكون مسكيناً، ومولاي له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! قال محمد بن عجلان: قدم سليمان بن هشام المدينة حاجاً أو معتمراً، فقال للزهري: يا زهري، ها هنا محدث؟ قال: نعم، أبو حازم الأعرج، قال: راوية عن أبي هريرة قال: ابعث، ائتنا به حتى يحدثنا، فبعث. فلما جاء قال له سليمان: تكلم يا أعرج، قال: ما للأعرج من حاجة فيتكلم بها، ولولا اتقاء شركم ما أتاكم الأعرج، فقال: سليمان: ما ينجينا من أمرنا هذه الذي نحن فيه؟ قال: أخذ هذا المال من حله ووضعه في حقه. قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: من طلب الجنة، وهرب من النار، قال سليمان: ما بالنا لا نحب الموت يا أعرج؟! قال: لأنك جمعت متاعك فوضعته بين عينيك، فأنت تكره أن تفارقه، ولو قدمته أمامك لأحببت أن تلحق به، لأن قلب المرء عند متاعه فعجب منه سلمان، فقال له الزهري: أصلح الله الأمير، إنه لجاري منذ عشرين سنة ما جالسته ولا حادثته: قال: لأني من المساكين يا بن شهاب، ولو كنت من الأغنياء لجالستني، وحادثتني قال: قرصتني
стр. 3374
يا أبا حازم قال: نعم وأشد من هذا أقرصك، قال: لقد أتى علينا زمان، وإن الأمراء تطلب العلماء فتأخذ مما في أيدهم، فتنتفع به، فكان في ذلك صلاح الفريقين جميعاً، وطلبت اليوم العلماء الأمراء، وركنوا إليهم، واشتهوا ما في أيدهم، فقالت الأمراء: ما طلب هؤلاء ما في أيدينا حتى كان ما في الدنيا خير مما في أيديهم، فكان في ذلك فساد الفريقين كليهما، فقال سليمان بن هشام: صدقت، والذي لا إله إلا هو، ولأزهدن في الزهري من بعد اليوم.
وفي حديث آخر
قال له سليمان: يا أبا حازم: ليت شعري، ما لنا عند الله، قال: اعرض عملك على كتاب الله، قال: فأين أجد كتاب الله؟ قال: " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم: قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم: " قريب من المحسنين ".
قال سليمان: يا أبا حازم، ليت شعري، كيف العرض غداً على الله تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكا لآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان حتى اشتد بكاؤه، ثم قال: يا أبا حازم، كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصلف، وتمسكون بالمروءة، وتقسمون بالسوية، قال: وكيف المأخذ لذلك؟ قال: تأخذه من حقه، وتضعه في أهله، قال: يا أبا حازم، من أفضل الخلائق؟ قال: أولو المروءة والنهي، قال: فما أعدل العدل؟ قال: العدل قول الحق عند من ترجوه وتهابه، قال: يا أبا حازم، ما أسرع الدعاء؟ قال: دعاء المحسن إليه للمحسن، قال: ما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقل إلى البائس الفقير، لا يتبعها منّ ولا أذى، قال: من أكيس الناس؟ قال: رجل ظفر بطاعة الله، فعمل بها، ثم دل الناس عليها، فعملوا بها، قال: من أحمق الخلق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه، وهو ظالم، فباع أخرته بدنيا غيره.
قال: يا أبا حازم، هل لك أن تصحبنا، فتصيب منا، ونصيب منك؟ قال: كلاّ. قال: ولم؟ قال: أخاف أن أركن إليكم شيئاً قليلاً، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف الممات، ثم لا يكون لي منه نصيراً، قال: ارفع إليّ حاجتك؟! قال: نعم تدخلني الجنة، وتخرجني من النار، قال: ليس ذلك إليّ قال: فما لي حاجة سواها، قال: ادع الله
стр. 3375
لي. قال: نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسره لخير الدنيا والآخرة. وإن كان سليمان من أعدائك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى، قال سليمان: قط؟! قال أبو حازم قد أكثرت وأطنبت، إن كنت أهله، وإن لم تكن أهله، فما حاجتك أن ترمي عن قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان: يا أبا حازم، ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل نصيحة بلغها إليّ، قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر وأخذوه عنوة بالسيف من غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة، وارتحلوا، فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم؟ قال رجل من جلساء سليمان: بئس ما قلت، قال له أبو حازم: كذبت، إن الله أخذ العلماء الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، قال: يا أبا حازم، أوصني، قال: نعم، سوف أوصيك فأوجز، قال: نزه الله أن يراك حيث ينهاك، أو يفقدك من حيث أمرك، ثم قام.
فلما ولي قال: يا أبا حازم، هذه مئة دينار، أنفقها، ولك عندي أمثالها كثير، فرمى بها، وقال: ما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي؟! أني أعوذ بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً، وردي عليك بذلاً، إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان، ثم قرأ: " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " فسأل موسى ربه، ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان، ولم يفطن الرعاء، فآتيتا أباهما، وهو شعيب، فأخبرتاه، فقال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعاً، ثم قال لإحداهما: ادعيه لي، فلما أتته أعظمته، وغطت وجهها، وقالت: " إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا " فكره ذلك موسى، وأراد ألا يتبعها، ولم يجد بداً من أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة وخوف، فخرج معها فأتيا على شعيب، والعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا شاب فكل، فقال موسى: لا، قال شعيب: لم؟ الست بجائع؟ قال: بلى، ولكني من أهل بيت لا نبيع شيئاَ من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً، وأخشى أن يكون هذه أجر ما سقيت لهما، قال شعيب: لا يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي إقراء الضيف، وإطعام الطعام، فجلس موسى فأكل.
فإن كانت هذه المئة دينار عوضاً مما حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير عند الاضطرار
стр. 3376
أحلّ منه، وإن كانت من بيت مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم بي، وإلا فلا حاجة لي بها. إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدي والتقى، حيث كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلما أنكسوا وانتكسوا، وسقطوا من عين الله تعالى، وآمنوا بالجبت والطاغوت، فكان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم، فشاركوهم دنياهم، وشركوا معهم في فتكهم. فقال ابن شهاب: يا أبا حازم، لعلك إياي تعني أو بي تعرّض، فقال: ما إياك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع، قال: سليمان: يا ابن شهاب، تعرفه؟ قال: نعم، جاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته كلمة قط، قال أبو حازم: إنك نسيت فنسيتني، ولو أحببت لأحببتني، قال ابن شهاب: يا أبا حازم، شتمتني، قال سليمان: ما شتمك، ولكن أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقاً كحق القرابة يجب؟ فلما ذهب قال رجل من جلساء سليمان: أتحب أن الناس كلهم مثله؟ قال سليمان: لا.
وفي حديث آخر: أن أبا حازم دخل على سليمان بن عبد الملك بالشام في نفر من العلماء، فقال سليمان: يا أبا حازم، ألك مال؟ قال: نعم لي مالان، قال: ما هما بارك الله لك؟ قال: الرضا بما قسم الله تعالى لي، والإياس عما في أيدي الناس، قال: يا أبا حازم، ارفع لي حاجتك، قال: هيهات، رفعتها إلى من لا تختزل الحوائج دونه، فما أعطاني شكرت، وما منعني صبرت، مع أني رأيت الأشياء شيئين: فشيء لي وشيء لغيري، فما كان لي فلو جهد الخلق أن يردوه عني ما قدروا، وما كان لغيري فما نافست فيه أهله فيما مضى، فكيف فيما بقي؟ كما منع غيري في رزقي كذلك منعت رزق غيري. قال: يا أبا حازم، ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: بالصغير الأمر، تنظر ما كان في يدك مما ليس بحق فتردّه إلى أهله، وما لم يكن لك لم تنازع فيه غيرك، قال سليمان: ومن يطيق هذا؟ قال أبو حازم: من خاف النار، ورجا الجنة، قال: يا أبا حازم، ادع الله لي، قال: ما ينفعك أن أدعو في وجهك، ويدعو عليك مظلوم من وراء الباب، فأي الدعاء أحقّ أن يجاب؟ فبكى سليمان وقام أبو حازم.
стр. 3377
كان أبو حازم يقول: كل حال لو جاءك الموت وأنت عليها رأيتها غنيمة فالزمه، وكل حال إذا جاءك الموت وأنت عليه رأيته مصيبة فاعتزله.
قال عمر بن عبد العزيز: عظني يا أبا حازم، قال: اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون قبل تلك الساعة، فجد فيه الآن، وما تكره أن يكون قبل تلك الساعة فدعه الآن.
قال أبو حازم: أنزل نفسك منزل من قد مات، فإنك موقن إنك ميت، فما كنت تحب أن يكون معك إذا مت فقدمه حتى تقدم عليه، وما كنت تكره أن يكون معك إذا مت فخلّفه، واستغن عنه.
وعن أبي حازم قال: وجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين: شيء منها يأتي أجله قبل أجلي، فأغلب عليه، وشيء منها يأتي أجلي قبل أجله، فاتركه لمن بعدي، ففي أي هذين أعصي ربي؟.
قال أبو حازم: ما في الدنيا شيء يسرك إلا قد ألزق به ما يسوؤك.
قال أبو حازم: يسير الدنيا يشغلك عن كثير الآخرة.
قال أبو حازم: اشتدت مؤونتان، مؤونة الدنيا، ومؤونة الآخرة، فأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد لها أعواناً وأما مؤونة الدنيا فإنك لا تضرب يدك على شيء منها إلا وجدت فاجراً قد سبقك إليها.
قال أبو حازم: إذا كنت في زمان ترضى فيه من العلم بالقول، ومن العمل بالعلم، فأنت في شرّ زمان وشر أناس.
стр. 3378
قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله فهي بليّة.
وقال: اضمنوا لي اثنتين أضمن لكم على الله الجنة، عمل ما تكرهون إذا أحبّ الله، وترك ما تحبون إذا كره الله .
مرّ أبو حازم في السوق فنظر إلى الفاكهة فقال: موعدك الجنة.
قال أبو حازم: لا تكون عالماً حتى تكون فيك ثلاث خصال: لا تبغي على من فوقك، ولا تحقر من دونك، ولا تأخذ على علمك دنيا.
قال ابن أبي حازم: قال لي أبي: وهو ينظر إلى عياله وكثرتهم: أرأيت لو أنّ رجلاً تصدق على هؤلاء فأطعمهم وكساهم، يرجو الأجر فيهم، أكان له فيهم؟ قال: قلتله: أي لعمري، لم لا يكون! قال: فلم لا أكون أنا ذلك.
قال:
ومرت جارية في أيام الموسم تعرض للبيع، وقد زينت وهيئت، لها شارة وهيئة، فقال لجلسائه: انظروا إلى هذه ماذا بها من الهيئة، فنظر جلسائه، فقال: ما ثمنها عندكم؟ فقال بعضهم: وددت لو أنها لي بكذا وكذا، شيء كثير، فقال: أولا أدلكم على خير منها بأرخص ثمن؟ امرأة من حور العين إنما صداقها كسرة يطعمها أحدكم مسكيناً، أو سجود ركعتين، هذه والله أيسر عليكم من هذا الثمن كله.
ذكر عن أبي حازم أنهم أتوه فقالوا له: يا أبا حازم أما ترى قد غلا السعر؟ فقال: وما يغمكم من ذلك؟ إن الذي يرزقنا في الرخص هو الذي يرزقنا في الغلاء.
قال أبو حازم: الأيام ثلاثة: فأما أمس فقد انقضى عن الملوك نعمته، وذهبت عني شدته، وإني وإياهم من غد لعلى وجل، وإنما هو اليوم فما عسى أن يكون؟
стр. 3379
قال أبو حازم: لا تعادين رجلاً ولا تناصبه حتى تنظر إلى سريرته بينه وبين الله ، فإن تكن له سريرة حسنة فإن الله ﵎ لم يكن يخذله بعداوتك له، وإن كانت له سريرة رديئة فقد كفاك مساوئه، ولو أردت أن تعمل به أكثر من معاصي الله لم تقدر.
قال أبو حازم: عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح.
وقال: من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ.
وقال: لا تقتدين بمن لا يخاف الله بظهر الغيب، ولا يعف عن العيب ولا يصلح عند الشيب.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قلت لأبي حازم يوماً: إني لأجد شيئاً يحزنني، قال: وما هو يا بن أخي؟ قلت: حبي للدنيا، قال: أعلم يا بن أخي هذا لشيء ما أعاتب نفسي على بعض شيء حببه الله إليّ، لأن الله تعالى قد حبب هذه الدنيا إلينا، ولكن لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا، ألا يدعونا حبّها إلى أن نأخذ شيئاً من شيء يكرهه الله، ولا نمنع شيئاً من شيء أحبّه الله، فإذا نحن فعلنا ذلك لم يضرنا حبنا إياها.
قال أبو حازم: إن المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكت تفكر، وإذا تكلم ذكر، وإن أعطي شكر، وإن منع صبر، والفاجر إن نظر لها، وإن تكلم لغا، وإن سكت سها، وإن أعطي بطر، وإن منع كفر.
قال سفيان: قيل لأبي حازم: ما القرابة؟ قال: المودة. قيل: فما الراحة؟ قال: دخول الجنة.
стр. 3380
وقال: المودة لا تحتاج إلى القرابة، والقرابة تحتاج إلى المودة.
قال أبو حازم: إذا رأيت الله بتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره.
قال أبو حازم: ليس للملول صديق، ولا للحسود راحة، والنظر في العواقب تلقيح العقول.
وقال: لأن يكون لي عدو صالح أحب إلي من أن يكون لي صديق فاسد.
وقال: لأنا من أن أمنع الدعاء أخوف إلي من أن أمنع الإجابة.
قال رجل لأبي حازم: ما شكر العينين؟ قال: إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شراً سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراً أخفيته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما، قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعاماً وأعلاه علماً، قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله : " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " قال: ما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت خيراً غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت شراً مقته كففتهما عن عمله، وأنت شاكر لله ، فأما من شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمثله رجل له كساء يأخذ بطرفه، ولم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحرّ والبرد والثلج والمطر.
كان أبو حازم يقول: وما الدنيا؟! وما إبليس؟! أما ما مضى منها فحلم، وأما ما بقي فأماني، وأما إبليس فلقد أطيع فما نفع، ولقد عصي فما ضر.
стр. 3381
وكان ينشد: من البسيط
الدهر أدّبني والصّبر ربّاني ... والقوت أقنعني واليأس أغناني
وأحمكتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي كان ينهاني
وقال أبو حازم: إن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك فأدنى عيش الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء يكفيك.
وقال: ثلاث من كنّ فيه كمل عقله، ومن كانت فيه واحدة كمل ثلث عقله، من عرف نفسه، وحفظ لسانه، وقنع بما رزق الله.
وقال: والله لئن نجونا من شرّ ما أعطينا لا يضرنا ما زوي عنا، وإن كنا قد تورطنا في شرّ ما قد بسط علينا ما نطلب ما بقي إلا حمقاً.
وقال أبو حازم: مثل العالم والجاهل مثل البنّاء والرقّاص، تجد البنّاء على الشاهق والقصر، معه حديدته جالساً، والرقاص يحمل اللبن والطين على عاتقه على خشبة تحته مهواة، لو زل ذهبت نفسه، ثم يتكلف الصعود بها على هول ما تحته، حتى يأتي بها إلى البنّاء، فلا يزيد البنّاء على أن يعدلها بحديدته وبرأيه وبقدرته، فإذا سلما أخذ البنّاء تسعة أعشار الأجرة وأخذ الرقاص عشراً، وإن هلك ذهبت نفسه، فكذلك العالم يأخذ أضعاف الأجر لعمله.
قال أبو حازم: أتاني رجل فقال لي: إني رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر خرجوا من هذا الباب، وقالوا: إلى أين يا رسول الله؟ قال: إلى أبي حازم نذهب به معنا، وقال ثم يقول أبو حازم أللهم حقق وعجل.
قال أبو حازم لما حضرة الموت: ما آسى عل شيء فاتني من الدنيا إلا ذكر الله، وإن هذا الليل والنهار لا يأتيان
стр. 3382
على شيء إلا أخلقاه، وفي الموت راحة للمؤمنين ثم قرأ: " وما عند الله خير للأبرار " توفي أبو حازم سنة خمس وثلاثين ومئة. وقيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين ومئه. وقيل توفي سنة أربعين ومئة. وقيل: توفي سنة ثلاث وثمانين ومئة.
رأى أبو حازم أنه في الجنة. قال: فلم أفقد أحداً من إخواني إلا عوف بن يزيد فقلت: فأين عوف ين يزيد؟ قالوا: وأين عوف؟! رفع بحسن خلقه الذي تعرف.
قال سليمان بن سليمان العمري: رأيت أبا جعفر القاري على الكعبة فقلت له: أبا جعفر، قال: نعم، أقرئ أبا حازم السلام، وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكيس الكيس فإن الله وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات.
خرج أبو حازم يرمي بالجمار، ومعه قوم متعبدون، وهو يكلمهم ويحدثهم، ويقص عليهم، فبينا هو يمشي، وأولئك معه، إذ نظروا إلى فتاة مستترة بخمارها، وهي التي ليس على نحرها منه شيء ترمي الناس بطرفها يمنة ويسره، وقد شغلت الناس، وهم ينظرون إليها مبهوتين، وقد خبط بعضهم بعض في الطريق، فرآها أبو حازم فقال: يا هذه، اتقي الله، إنك في مشعر من مشاعر الله عظيم، وقد فتنت الناس، فاضربي بخمارك على جيبك، فإن الله تعالى يقول: " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " فأقبلت تضحك من كلامه وقالت: أني والله يا أفرز من الطويل
من اللائي لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا
فأقبل أبو حازم على أصحابه فقال: يا هؤلاء، تعالوا ندعو الله لا يعذب هذه الصورة الحسناء بالنار. فجعل يدعو وأصحابه يؤمنون.
كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك بها. أصبحت شيخاً كبيراً قد
стр. 3383
أثقلتك نعم الله عليك، مما أصح بدنك، وأطال من عمرك، وعلمت حجج الله مما حملك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وفهمك من سنة نبيه ﷺ ، فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك، وكل حجة يحتج بها عليك، الغرض الأقصى، ابتلى في ذلك شكرك وأبدي فيه فضله عليك، وقد قال: " لئن شكرتهم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد " انظر أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبن الله راضياً منك بالتعزيز، ولا قابلاً منك التقصير، هيهات، ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه " لتبّيننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم " الآية. إنك تقول، إنك جدل ماهر عالم، قد جادلت الناس فجدلتهم، وخاصمتهم فخصمتهم، إدلالاً منك بفهمك واقتدار منك برأيك، فأين تذهب عن قول الله : " هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة "؟ اعلم أن أدنى ما ارتكبت، وأعظم ما احتقبت أن آنست الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت، وإجابتك حين دعيت، فما أخلقك أن ينّوه باسمك غداً مع الجرمة، وأن تسأل عما أردت بإغضائك عن ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك، ودنوت ممن لم يردّ على أحد حقاً، ولا يرد باطلاً حين أدناك، وأجبت من أراد التدليس بدعائه إياك حين دعاك، جعلوك قطباً تدوّر رحا باطلهم عليك، وجسراً يعبرون بك إلى بلائهم، وسلما إلى ضلالتهم، وداعياً إلى غيهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخصّ وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أيسر ما عمروا لك، في جنب ما خربوا عليك، وما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسوؤل، وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً، وانظر كيف إعظامك أمر
стр. 3384
من جعلك بدينه في الناس بخيلا، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته ستيراً، وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً، ما لك لا تنتبه من نعستك، وتستقل من عثرتك، وتقول: والله ما قمت لله مقاماً واحداً أحيي له ديناً، ولا أميت له فيه باطلاً، إنما شكرك لمن استحملك كتابه، واستودعك علمه، ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا " الآية. إنك لست في دار مقام، قد أوذنت بالرحيل، ما بقاء المرء بعد أقرانه، طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده، إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، ليس أحد أهلاً أن تردفه على ظهرك، ذهبت اللذة، وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره، أحذر قد أنبئت، وتخلص فقد وهلت، إنك تعامل من لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل. تجهز فقد دنا منك سفر وداو دينك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسبن أني أردت توبيخك أو تعييرك وتعنيفك، ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك، وترد عليك ما عزب عنك من حلمك، وذكرت قول الله تعالى: " وذكر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين ". أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب، فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت له، أو ادخلوا في مثل ما دخلت فيه؟ وهل تراه ذخر لك خيراً منعوه، أو علمك شيئاً جهلوه؟ بل جهلت ما ابتليت به في حالك في صدور العامة، وكلفهم بك أن صاروا عندك، ولكريم إكبارهم عليك؟ ورغبتهم فما في يديك ذهاب عماهم، وغلبة الجهل عليك وعليهم، وطلب حب الرئاسة، فطلبوا الدنيا منك ومنهم. أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة، وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟ ابتليتهم بالشغل عن مكاسبهم، وفتنتهم بما رأوا من أثر العلم عليك، وتاقت أنفسهم إلى أن يدركوا بالعلم ما أدركت، ويبلغوا منه
стр. 3385
مثل الذي بلغت، فوقعوا بك في بحر لا يدرك قعره، وفي بلاء لا يقدر قدره، فالله لنا ولك ولهم المستعان.
اعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله على يدي أوليائه لأوليائه: الخامل ذكرهم، الخافية شخوصهم، ولقد جاء نعتهم على لسان سيدنا رسول الله ﷺ : إن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة. فهؤلاء أولياء الله الذين قال الله : " أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون " وجاه يجريه الله على يدي أعدائه لأوليائهم، ومقة يقذفها الله في قلوبهم لهم، فيعظمهم الناس تعظيم أولئك لهم، ويرغب الناس فيما في أيديهم كرغبة أولئك فيه إليهم " أولئك حزب الشيطان ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون " ما أخوفني أن تكون لمن ينظر كمن عاش مستوراً عليه في دينه، مقتورا عليه في رزقه، معزولة عنه البلايا، مصروفة عنه الفتن في عنفوان شبابه، وظهور جلده وكمال شهوته، فعني بذلك دهره، حتى إذا كبرت سنه، ودق عظمه، وضعفت قوته، وانقطعت شهوته ولذته فتحت الدنيا عليه الدنيا شر مفتوح، فلزمته تبعتها، وعلقته فتنتها، وأعشت عينيه زهرتها، وصفت لغيره منفعتها، فسبحان الله، ما أبين هذا الغبن، وأخسر هذا الأمر. فهلا إذ عرضت لك فتنتها ذكرت أمير المؤمنين عمر ﵁ في كتابه إلى سعد " حين خاف عليه مثل الذي وقعت فيه عندما فتح الله على سعد - أما بعد. فاعرض عن زهرة ما أنت فيه حتى تلقى الماضين الذين دفنوا في أسمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدنيا ولم يفتنوا بها، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا. فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فمن يلوم الحدث في سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؟ إنا لله وإنا إليه لراجعون. على من المعول، وعند من المستعتب؟ نحتسب عند الله مصيبتنا، ونشكو إلى الله بثّنا، وما نرى منك، ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 3386
سلمة بن سبرة
شهد فتوح الشام قال سلمة بن سبرة: خطبنا معاذ بن جبل فقال: أنتم المؤمنين، وأنتم أهل الجنة، وأني لأطمع أن يدخل من تصيبون من فارس والروم الجنة. إن أحدهم إذا عمل لكم عملاً قلتم: أحسنت يرحمك الله، أحسنت بارك الله فيك، ويقول الله تعالى: " ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله " وحدث عن سلمان الفارسي قال: إذا رجف قلب العبد في سبيل الله تحاتت خطاياه كما يتحات عذق النخلة، وذكر من الصلاة مثل ذلك.
سلمة بن شبيب
أبو عبد الرحمن النيسابوري المسمعي أحد الأئمة الرحالين، سمع بدمشق وبغيرها من الشام وبالحجاز وبخراسان وبالعراق.
حدث مروان عن محمد الدمشقي بسنده عن عقبه بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الله يعطي العباد ما يشاؤون على معصيتهم إياه فإنما ذلك استدراج منه لهم ثم قرأ: " فلما نسوا ما ذكروا به " إلى قوله: " أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " توفي سلمة بن شبيب في رمضان سنة سبع وأربعين ومئتين في مكة.
قال سلمة بن شبيب النيسابوري: بعت داري بنيسابور، وأردت أن أتحول على مكة بعيالي أجاور بها، فلما فرغت الدار قلت: أصلّي ركعات، وأودع عمار الدار، فصليت ركعات، ثم قلت: يا عمار الدار، سلام عليكم، فإنا خارجون إلى مكة نجاور بها، فسمعت هاتفاً من بعض البيوت: وعليك السلام
стр. 3387
يا سلمة، ونحن والله خارجون منها، فإنه بلغنا أنه اشتراها رجل يقول: القرآن مخلوق، ونحن لا نقيم في مكان يقال فيه القرآن مخلوق.
قال سلمة بن شبيب النيسابوري بمكة: سئلت أن أحدّث وأنا ابن خمسين سنة، فحدثت مدة، ثم أني رأيت رسول الله ﷺ في المنام كأنه يقول لي: يا سلمة، لا تحدّث، فما آن لك أن تحدث، فلما حضرني أصحاب الحديث امتنعت عن التحديث، وسألوني، واجتمعوا غير مرة، فلم أحدث، فلما بلغت السبعين رأيت رسول الله ﷺ في المنام كأنه يقول لي: يا سلمة حدث، فقد آن لك أن تحدث، فبكرت إلى المسجد، وجمعت أصحاب الحديث وحدّثتهم، فتعجبوا من ذلك، وقالوا: سألناك غير مرة، فلم تحدث، والآن فقد دعوتنا لتحدثنا! فقصصت عليهم رؤياي، فقلت: إنما أمسكت عن التحديث بأمر رسول الله ﷺ والآن حدثت بأمره.
وقيل: كانت وفاة سلمة بن شبيب سنة ست وأربعين ومئتين، ومات في أكلة فالوذج.
سلمة بن صالح العنبسي الحرستاني
حدث عن أبي جرير بسنده عن عائشة قالت: عمّمَ رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف بفناء بيتي هذا وترك من عمامته مثل ورق العشراء ثم قال: رأيت أكثر من رأيت من الملائكة معتمّين.
سلمة بن عبد الله بن الوليد
ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي المخزومي حدث سلمة بن عبد الله بن الوليد عن أبيه: أنه أتى النبي ﷺ فقال له: ما اسمك؟ فقال: الوليد بن الوليد، فقال النبي ﷺ : ما كانت بنو مخزوم أن يجعلوا أبا ابنك عبد الله بن الوليد.
стр. 3388
قال الزبير بن بكار: وولد الوليد بن الوليد: عبد الله، وأمّه ريطه بنت هشام بن المغيرة وكان عبد الله ولد بعد موت أبيه، فسمي الوليد بن الوليد، فقالت أم سلمة بنت أبي سلمة ترثي الوليد: مجزوء الكامل
يا عين بكّي للولي ... د بن الوليد بن المغيرة
مثل الوليد بن الولي ... د أبي الوليد كفى العشيرة
الأبيات فسمع النبي ﷺ فقال: ما اتخذتم الوليد إلا حناناً فسموه عبد الله. فولد عبد الله بن الوليد، وأمه سعدى بنت عوف بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة، وإخوته لأمه: يحيى وعيسى ابنا طلحة بن عبيد الله، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
سلمة بن عمرو بن الأكوع
واسمه سنان بن عبد الله بن بشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان ابن أسلم بن أفصى بن حارثة أبو عامر، ويقال: أبو مسلم ويقال: أبو إياس الأسلمي المعروف بابن الأكوع قيل: إنه شهد غزوة مؤته من أرض البلقاء.
حدث سلمة بن الأكوع أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس وتوارت بالحجاب.
وحدث أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ يومئذ - يعني مؤتة -: خير الفرسان أبو قتادة، وخير الرجالة سلمة بن الأكوع.
قال الحافظ: كذا قال الواقدي، وهو وهم، إنما قال النبي ﷺ هذا، يوم أغار
стр. 3389
عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزاري على لقاحه بالغابة بالمدينة. قال: وقد ذكرت ذلك في ترجمة أبي قتادة إلا أن يكون قاله في المواطنين جميعاً. فالله أعلم.
مات أبو العباس سلمة بن الأكوع بالمدينة سنة أربع وسبعين، وكان يسكن الربذة. والرواة تقول في المجاز: سلمة بن الأكوع، ينسبونه إلى جده، وكان سلمة يوم مات ابن ثمانين سنة، وكان يصفر لحيته.
قال سلمة بن الأكوع ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح دعاء إلا استفتحه بسبحان ربي الأعلى العليّ الوهاب.
وقال سلمة: بايعت رسول الله ﷺ فيمن بايعه تحت الشجرة، ثم مررت به بعد ذلك ومعه قوم فقال: بايع يا سلمة فقلت: قد فعلت فقال: وأيضاً، فبايعته الثانية.
قال يزيد بن أبي عبيد: قال سلمة بن الأكوع: بايعت رسول الله ﷺ ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خف الناس عن رسول الله ﷺ قال: يا بن الأكوع ألا تبايع؟ قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: وأيضاً، قال: فبايعت الثانية: قال يزيد: فقلت: يا أبا مسلم على أي شيء تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.
قال سلمة بن الأكوع: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، ومع يزيد بن حارثة تسع غزوات أمّره رسول الله ﷺ علينا.
قال سلمة بن الأكوع: كان شعارنا ليلة بيتنّا فيها هوازن مع أبي بكر الصديق أمّره علينا رسول الله ﷺ : أمت أمت. وقتلت بيدي ليلتئذ سبعة من أهل أبيات.
стр. 3390
قال سلمة:
غزوت مع أبي بكر أمّره النبي ﷺ علينا، فغزونا هوازن. فلما دنونا من ماء لبني فزارة عرّس بنا أبو بكر، فلما صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة، ووردنا الماء، فقتل من قتل عليه، ورأيت عنقاً من الذراري في أوائل الناس، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فغدوت حتى حلت بينهم وبين الجبل، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم، معها ابنة لها من أحسن الناس، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني ابنتها فما كشفت لها عن ثوب حتى قدمت المدينة، فلقيني رسول الله ﷺ في السوق، فقال لي: يا سلمة، هب لي المرأة لله أبوك، فقلت: يا نبي الله أعجبتني المرأة، وما كشفت لها ثوباً، فسكت عني، حتى إذا كان من الغد لقيني في السوق ولم أكشف لها ثوباً، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة لله أبوك قال قلت: هي لك يا رسول الله، فبعث بها إلى أهل مكة ففادى بها أسارى من المؤمنين في أيدي المشركين.
وعن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: جاء عين للمشركين إلى رسول الله ﷺ . قال: فلما طعم انسلّ، قال: فقال رسول الله ﷺ : عليّ بالرجل، اقتلوه قال: فابتدر القوم، قال: وكان أبي يسبق الفرس شدّاً. قال: فسبقهم إليه فأخذ بزمام ناقته أو بخطامها. قال: ثم قتله. قال: فنفّله رسول الله ﷺ سلبه.
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة.
وعن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله ﷺ ، فخرجنا أنا ورباح غلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 3391
بظهر النبي ﷺ ، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله، كنت أريد أن أندّيه مع الإبل، فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ ، فقتل راعيها، وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فقلت: يا رباح، اقعد على هذا الفرس، فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله ﷺ أنه قد أغير على سرجه، قال: وقمت على تل، فجعلت وجهي من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه قال: ثم أتبعت القوم، معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقر بهم، وذلك حين كثر الشجر، فإذا رجع إليّ فارس جلست له في أصل الشجرة، ثم رميت، فلا يقبل عليّ فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم وأقول: أنا بن الأكوع، اليوم يوم الرّضع، فألحق برجل منهم فأرميه، وهو على راحلة من رحله، فيقع سهمي في الرجل حتى انتظمت كتفه فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
فإذا كنت في الشجر أخرقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فردأتهم بالحجارة فما زال ذلك شأني وشأنهم، أتبعهم، وأرتجز حتى ما خلق الله شيئاً من ظهر النبي ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، واستنفدته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحاً وأكثر من ثلاثين بردة، يستخفون منها، ولا يلقون من ذلك شيئاً إلا جعلت عليه حجارة، وجمعت على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري، مدداً لهم، وهم في ثنية ضيقة، ثم علوت الجبل فأنا فوقهم، فقال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح ما فارقنا لسحر حتى الآن، وأخذ كل شيء كان في أيدينا، وجعله وراء ظهره، قال عيينة: لولا أن هذا يرى أن وراءه طلباً
стр. 3392
لقد ترككم، ليقم إليه نفر منكم، فقام إليه نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل، فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفوني؟ قالوا: من أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يطلبني منكم رجل فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، قال رجل منهم: أني أظن. قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى إثره أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ وعلى إثر أبي قتادة المقداد الكندي، فولّى المشركون مدبرين، وأنزل من الجبل فأعرض للأخرم، فآخذ بعنان فرسه، فقلت: يا أخرم، انذر القوم يعني: احذرهم، فأني لا آمن أن يقطعوك، فاتئد حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم.
ثم أني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي ﷺ شيئاً، ويعرضون قبيل غيبوبة الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذوقرد، فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدوا وراءهم، فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي تير، وغربت الشمس فألحق رجلاً فأرميه فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
قال: فقال: يا ثكل أمي أكوعي بكرة؟ فقلت: نعم يا عدو نفسه، وكان الذي رميته بكرة، فأتبعته سهماً آخر فعلق به سهمان ويخلفون فرسين، فجئت بهما أسوقهما إلى
стр. 3393
رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي حلّيتم عنه، ذوقرد، فإذا نبي الله ﷺ في خمس مئة وإذا بلال قد نحر جزوراً مما خلفت، فهو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، خلّني فأنتخب من أصحابك مئة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبوء إلا قتلته، قال: أكنت فاعلا ذلك يا سلمة؟ قال: نعم والذي أكرمك، فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء النهار ثم قال: إنهم يقرون الآن بأرض غطفان، فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهمم جزوراً، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فتركوها هراباً، فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ . خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة، فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الراجل والفارس جميعاً، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة. فلما كان بيننا وبينها قريباً من ضحوة " وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق - جعل ينادي هل من مسابق؟ ألا رجل يسابق إلى المدينة؟ فأعاد ذلك مراراً وأنا وراء رسول الله ﷺ مردفي قلت له: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا إلا رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل، قال: إن شئت، قلت: اذهب إليه، فطفر عن راحلته وتثنيت رجلي وطفرت عن الناقة، ثم أني ربطت عليه شرفاً أو شرفين، يعني استبقيت نفسي، ثم أني عدوت حتى ألحقه فأصكّ بين كتفيه بيدي. قلت: سبقتك والله أو كلمة نحوها قال: فضحك وقال: أنا أظن، حتى قدمنا إلى المدينة.
قال عبد الرحمن بن رزين: أتينا سلمة بن الأكوع بالرّبذة فأخرج إلينا يداً ضخمة كأنها خف البعير فقال: بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه، فأخذنا يده فقبلناها.
стр. 3394
وعن سلمة بن الأكوع قال: أردفني رسول الله ﷺ مراراً، ومسح على وجهي مراراً، واستغفر لي مراراً، عدد ما في يديّ من الأصابع.
وعن سلمة بن الأكوع قال: استأذنت رسول الله ﷺ في البداوة فأذن لي.
وعن سلمة بن الأكوع أنه قدم المدينة فلقيه بريدة بن الحصيب فقال: ارتددت عن هجرتك يا سلمة؟! فقال: معاذ الله، أني في إذن من رسول الله ﷺ أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ابدوا يا أسلم فتنسموا الرياح، واسكنوا الشّعاب، فقالوا: إنا نخاف يا رسول الله أن يضرنا ذلك في هجرتنا فقال: أنتم مهاجرون حيث كنتم.
قال سلمة بن الأكوع قال: كنت أحرس رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ لبعض حاجته، فاتكأ على يدي، فمررنا رجل في المسجد رافعاً صوته يصلي، فقال رسول الله ﷺ : عسى أن يكون هذا مرائياً. قال: فقلت: يا رسول الله، رجل يصلي ويدعو ربه قال: فرفض يدي ثم قال: إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة والشدة. قال أحدهما، قال: ثم خرج ليلة أخرى فوجدني فاتكأ على يدي، فمررنا برجل يصلي في المسجد رافعاً صوته فقلت: يا رسول الله، عسى أن يكون هذا مرائياً؟ قال: لا، ولكنه أوّاه، فذهبت أنظر فإذا هو عبد الله ذو البجادين والآخر إعرابي.
كان ابن عباس وابن عمرو أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبو واقد الليثي وعبد الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ يفتون بالمدينة ويحدثون عن سيدنا رسول الله ﷺ من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا. ولما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن الأكوع على الرّبذة، وتزوج هناك امرأة، وولدت له أولاداً، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال فنزل المدينة.
стр. 3395
سلمة بن عمرو العقيلي
قاضي دمشق في أيام العباس حدث سلمة بن عمرو، وكان ثقة من أهل دمشق بحضرة الأوزاعي، قال:
شهدت عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بدمشق على باب الصغير، صلى على جنازة بعض ولد صالح بن علي، فكبر عليه خمساً، ثم رُفعت الجنازة، ووضعت جنازة أخرى، فصلى عليها عبد الله بن علي فكبر عليها أربعاً، ثم بُسط له بساط، فجلس عليه، والناس قيام بين يديه من بين هاشمي وأموي وعربي ومولى، ما يقول لرجل منهم اجلس، فقال خادم له: أصلح الله الأمير إنك كبرت أربعاً وخمساً، وأنت بين أعدائك من الشام، فقال له: اسكت، حدثني أخواي محمد وداود ابنا علي بن عبد الله بن عباس عن أبي وأبيهما علي بن عبد الله بن عباس أنه كان يكبر على الجنائز، ويكبر أربعاً، ويكبر خمساً، ويقول: كلٌ سنّة.
قال أبو مسهر: قال سلمة بن عمرو القاضي على المنبر: لا رحم الله أبا فلان، فإنه أول من زعم أن القرآن مخلوق.
سلمة بن العيّار بن حصن
ابن عبد الرحمن أبو مسلم الفزاري الدمشقي والعيّار لقب، واسمه أحمد.
حدث سلمة بن العيار عن مالك بسنده عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : " إن الله يحب الرفق في الأمر كله " وحدث سلمة بن العيار عن عبد الله بن لهيعة بسنده عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " قريش خالصة الله، فمن نصب لها حرباً، أو من حاربها، سُلب، ومن أرادها بسوء خُزي في الدنيا وفي الآخرة.
مات سلمة بن العيّار سنة ثمان وستين ومئة. وقيل: سنة ثلاث وستين ومئة.
стр. 3396
سلمة بن كلثوم الكندي
قال ابن مندة: عداده في أهل دمشق.
حدث سلمة بن كلثوم عن يزيد بن السمط بسنده عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه بصق وهو يصلي ونعلاه في رجليه، فدلك بزاقه بنعله.
وحدث سلمة بن كلثوم عن الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعاً، ثم أتى قبل الميت فحثا عليه من قِبل رأسه ثلاثاً.
قال ابن أبي داود أحد رواة هذا الحديث: وليس يروى عن النبي ﷺ حديث صحيح أنه كبر على جنازة أربعاً إلا هذا، ولم يروه إلا سلمة بن كلثوم، إنما يروى عن النبي ﷺ أنه كبر على النجاشي أربعاً، وأنه صلى على قبر فكبر أربعاً.
قال سلمة بن كلثوم: سمعت إبراهيم بن أدهم عن مالك بن دينار قال: تلقى الرجل وما يلحن حرفاً وعمله لحن كله.
قال سلمة بن كلثوم: سمعت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي يقول: إن المؤمن يُقلّ الكلام، ويكثر العمل، وإن المنافق يكثر الكلام ويقل العمل.
سلمة بن كُهيل
أبو يحيى الحضرمي ثم التنعي الكوفي روى
سلمة بن كهيل عن الشعبي أن علياً ﵀ رجم المرأة، ضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
стр. 3397
وعن سلمة قال: سمعت جندب ولم أسمع أحداً يقول: قال النبي ﷺ إلا جندب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من سمع سمّع الله به " وحدث الأعمش عن سلمة بن كهيل قال: رأيت رأس الحسين بن علي ﵄ على القنا وهو يقول: " فسيكفيكم الله وهو السميع العليم " وقال: إن كل راو لهذا الحديث قال لمن رواه له: الله إنك سمعته من فلان؟ قال: الله، إني سمعته منه، إلى الأعمش. قال الأعمش: فقلت لسلمة بن كهيل: الله، إنك سمعته منه؟ قال: الله، إني سمعته منه بباب الفراديس بدمشق لا مُثّل لي ولا شُبّه لي وهو يقول: " فسيكفيكم الله وهو السميع العليم ".
ولد سلمة سنة أربعين. ومات سنة إحدى وعشرين ومئة يوم عاشوراء. وقيل: ولد سنة سبع وأربعين، قبل قتل الحسين بن علي بثلاث عشر سنة.
ولد سلمة بن كهيل بن حصين بن ثمارج بن هانئ بن عقبة بن مالك بن شهاب بن أخينس بن نمر بن كليب بن نمر بن عمر بن خولي بن زيد بن الحارث بن الحضرمي بن قحطان بن عابر، وهو هود النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم، ابن فالج، وولد سلمة ثلاثة: يحيى ومحمد وإبراهيم.
قال أبو عبد الله الصوري: التنعيون منسوبون إلى تنعة بطن من حضرموت نزلوا الكوفة. قال: ولا أعلم منهم أحداً غلا منها، منهم حجر بن عنبس التنعي وسلمة بن كهيل وجماعة.
وقيل: توفي سلمة سنة اثنتين وعشرين ومئة، وكان أبيض الرأس واللحية لا يخضب.
قال سفيان الثوري: حدثنا سلمة بن كهيل، وكان ركناً من الأركان، وشد قبضته.
стр. 3398
كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: الحُفاظ أربعة: عمرو بن مرة، ومنصور، وسلمة بن كهيل، وأبو حصين.
كان طلحة يقول: ما اجتمعنا في مكان إلا غلبنا هذا القصير على أمرنا، يعني سلمة بن كهيل.
وكان في سلمة تشيع قليل، وهو من ثقات الكوفيين.
وقال يحيى بن معين: سلمة بن كهيل شيعي مغال.
وقال غيره: هو ثقة ثبت، على الشيعة.
حدث يحيى ين إسماعيل بن سلمة بن كهيل قال: كانت لي أخت أسن مني، فاختلطت وذهب عقلها، وتوحشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحنا، فمكثت بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الطهور والصلاة، وتتفقد الأوقات، وربما غلب على عقلها أياماً فتحفظ ذلك حتى تقضيه. فبينما أنا نائم ذات ليلة إذا باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قال: لخه! فقلت: أختي! قالت: أختك، فقلت: لبيك، فقمت وفتحتُ الباب، فدخلتْ ولا عهد لها بالبيت من أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أختاه، خير؟! قالت: خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل لي: السلام عليك يا لخة، فرددت، فقيل لي: إن الله قد غفر لجدك سلمة وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله، فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، فإن أبا بكر وعمر شفعا لك إلى الله لحب أبيك وجدك أباهما. قالت: فقلت: إن كان لا بد من اختيار أحدهما فالصبر على ما أنا فيه، والجنة، وإن الله لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء إن شاء أن يجمعهما لي فعل قيل: قد جمعهما لك، ورضي عن أبيك وجدك لحبها أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. فأذهب الله ما كان بها وعادت إلى أحسن الحال.
وقيل: توفي سنة ثلاث وعشرين ومئة. وقيل: إنه جيء به في محمل، مات بطريق مكة.
стр. 3399
قال ابن الأجلح لسلمة بن كهيل: إن مت قبلي فقدرت أن تأتيني في نومي فتحدثني بما رأيت فافعل، فقال سلمة له: وأنت إن مت قبلي فقدرت أن تأتيني في نومي فتخبرني بما رأيت فافعل، فمات سلمة قبل الأجلح، فقال لي أبي: بني، علمت أن سلمة أتاني في نومي فقلت: أليس قدمت قال: إن الله قد أحياني. قال: قلت: كيف وجدت ربك؟ قال: رحيماً يا أبا حُجية قال: أيش رأيت افضل الأعمال التي يتقرب بها العباد؟ قال: ما رأيت عندهم أشرف من صلاة الليل. قال: كيف وجدت الأمر قال: سهلاً ولكن لا تتكلوا.
سلمة بن موسى أبو موسى الأنصاري
من أهل دمشق.
روى عن الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لخيرُ يوم طلعت فيه الشمس ليوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة.
توفي أبو موسى سنة سبع عشرة ومئتين.
سلمة بن هشام بن المغيرة
ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، أبو هاشم المخزومي له صحبة، وهو قديم الإسلام، دعا له سيدنا رسول الله ﷺ في صلاته. شهد غزوة مؤتة في حياة سيدنا رسول الله ﷺ ، ثم خرج إلى الشام مجاهداً فقتل بأجنادين ويقال: يوم مرج الصفر.
стр. 3400
روى جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان صبيحة خمس عشرة من رمضان يقوم في صلاة الصبح، فإذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة. قال: اللهم، أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ سلمة بن هشام، اللهم، أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم، أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم، اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف، اللهم العن رعلاً، والعن لحيان، والعن ذكوان، بنو غفار، غفر الله لها، اسلم سالمها الله، وبنو عصية عصوا الله ورسوله، الله أكبر، فدعا كذلك خمس عشرة ليلة حتى إذا كان صبيحة الفطر ترك الدعاء لهم، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا نبي الله مالك لا تدعو للنفر؟ قال: وما علمت أنه قدموا؟! قال: بينا هو يذكرهم انفتح عنهم الطريق، يسوق بهما الوليد بن الوليد قد نُكب بالحرة، وقد سار بهم ثلاثاً على قدميه يقول:
هل أنت غلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
يا نفسي إلا تقتلي تموتي
قال: فهيج بن يدي رسول الله ﷺ حتى قضى الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : " هذا الشهيد، أنا عليه شهيد ".
ولما خرج الوليد بن الوليد من المدينة إلى عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام خرجا جميعاً معه، وجاء الخبر قريشاً، فخرج خالد بن الوليد معه نفر من قومه، حتى بلغوا عسفان فلم يصيبوا أثرا ولا خبراً عنهم، وكان القوم قد أخذوا على يد بحر حتى خرجوا على أصح طريق النبي ﷺ التي سلك حين هاجر إلى المدينة.
وكان سلمة بن هشام في بعث مؤتة، فدخلت امرأته على أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت أم سلمة: ما لي لا أرى سلمة بن هشام! أيشتكي شيئاً؟ قالت امرأته: لا والله، ولكنه لا يستطيع الخروج، إذا خرج صاحوا به وبأصحابه: يا فرار أفررتم في سبيل الله؟! حتى قعد في البيت، فذكرت ذلك أم سلمة لرسول الله ﷺ : بل هم الكُرّار في سبيل الله. فليخرج، فخرج.
следующие страницы →