← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

قال عامر بن عبد القيس: إذا عقلك عَقْلُك عما لا ينبغي فأنت عاقل. قال: وإنما سمي العقل عقلاً من عِقال الإبل. كان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاء فيجعله في طرف ثوبه، فلا يلقاه أحد من المساكين إلا أعطاه. فإذا دخل بيته رمى به إليهم، فيعدونها فيجدونها سواء كما أعطيَها. بكى عامر بن عبد الله في مرضه الذي مات فيه بكاء شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: آية في كتاب الله: " إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِيْنَ ". قبر عبادة بن الصامت وعامر بن عبد الله في بيت المقدس. قال مالك بن دينار: رأى رجل في المنام كأن منادياً ينادي: أخبروا الناس أن عامر بن عبد الله يلقى الله يوم القيامة ووجهُه مثل القمر ليلة البدر. عامر بن عبد الله بن قيس أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ويقال: اسمه الحارث، ويقال: اسمه كنيته تابعي، فقيه، من أهل الكوفة، وولي القضاء بها، وقد على عمر بن عبد العزيز، وكانت له بدمشق دار، ما بين سوق البقل وسوق الجبن. حدث أبو بردة عن علي أن رسول الله ﷺ قال: اللهم، إني أسألك السداد والهدى، وأذكر بالسداد سدادك السهم، والهدى هدايتك الطريق، ونهاني أن أجعل الخاتم في هذه أو هذه الوسطى والتي تليها، ونهاني عن القَسِّيّ والمِيثرة.

стр. 3922

فأما القَسِّيّ فثياب يؤتى بها من قبل المغرب مغلفة بالحرير، وأما الميثرة فشيء كان النساء يصنعنه لبعولتهن في الرحائل على العطائف. وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني ابن عمر فقال: يا بن أخ، تدري لمَ أتيتك؟ قلت: فضلك وفضل أبيك، فإني سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : إن مِن بِرّ الرجل بأبيه أن يبرّ أهل وُدّ أبيه، وإن أبي كان يحبّ أباك. وزاد في حديث آخر بمعناه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحبّ أن يصِل أباه في قبره فليصِلْ إخوان أبيه من بعده. وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك. قال أبو بردة: دخلت على معاوية وهو يشتكي وبه قرحة في ظهره، قال: والطبيب يعالجها، وهو يتأوّه تأوُّه الصبي. قال: فقلتُ: يا أمير المؤمنين، إنك تأوَّهُ قال: قم فانظر إليها. قال: فقمت فإذا قرحة قبيحة، فقال: هذه يدعونها الراقية، وأهل العراق يزعمون أنها النقابة أو الثقابة، ويزعمون أنها قاتلتي. قال: ثم قال: أمّا ما ذكرت من تأوّهي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يصيبه أذى في جسده إلا كفر الله به خطاياه. ودون هذا يا أبا بردة أذى. وعن سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة أنه قال: وفد إلى عمر أو إلى سليمان قال: فقضى حوائجه، حتى إذا كان في بعض الليل قال لي: قم، فقمت، فانطلق إلى باب الوالي فدقَّه. قال: قال الحاجب: من هذا؟ قال: أبو بردة، استأذِن لي عليه. قال: قد دخل، قال: أعلِمْه بمكاني، فأعلمه، فخرج إليه، فإذن له، قال: خير يا أبا بردة، قال: خير، قال: حاجتك، قال: قد فرغت من حوائجي، وذكرت حديثاً حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جُمع الخلائق

стр. 3923

للحساب أُتي بيهودي أو نصراني، قيل: يا مؤمن، هذا فداؤك من النار ". قال: أنت سمعته؟ قال: سمعته من أبي. ولد أبو بردة بن أبي موسى وأبوه على البصرة، فاسترضع له في البادية، فجاؤوا به وعليه بردة، فكناه أبو بردة. وأسمه عامر بن عبد الله بن قيس. توفي أبو بردة سنة ثلاث ومئة. وقيل: سنة أربع ومئة، وهو ابن نيف وثمانين سنة. وقيل: مات سنة ست ومئة. سأل عمر بن عبد العزيز أبا بردة: كم أتى عليك؟ قال: أشُدّان. يعني: أربعين وأربعين. حدث عبد الله بن عباس عن أبيه أن يزيد بن المهلب لما ولي خراسان قال: دلوني على رجل كامل لخصال الخير، فدُلّ على أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. فلما جاءه رآه رجلاً فائقاً. فلما كلمه رأى مخبرته أفضل من مرآته، قال: إني وليتك كذا وكذا من عملي، فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أيها الأمير، ألا أخبرك بشيء حدثنيه أبي أنه سمعه من رسول الله ﷺ ؟ قال: هاته، قال: إنه سمع النبي ﷺ يقول: " من تولى عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل بأهل فليتبوّأ مقعده من النار. قال: وأنا أشهد أيها الأمير أني لست بأهل لما دعوتني إليه، فقال له يزيد: ما زدت على أن حرّضتني على نفسك، ورغبتنا فيك، فاخرج إلى عهدك، فإني غير معفيك، فخرج ثم أقام فيهما شاء الله أن يقيم، فاستأذنه بالقدوم عليه، فأذن له، فقال: أيها الأمير، ألا أحدثك بشيء حدثنيه أبي أنه سمع من رسول الله ﷺ ؟ قال: هاته، قال: ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من يُسأل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأله هُجراً، وأنا أسألك بوجه الله إلا ما أعفيتني أيها الأمير من عملك، فأعفاه. وقيل: إن أبا بردة مات في ولاية عمر بن عبد العزيز. ومات عمر سنة إحدى ومئة. وقيل: سنة سبع ومئة.

стр. 3924

عامر بن عُمارة بن خُريم الناعم ابن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة ابن مرة بن نَشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ابن بغيض بن رَيْث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، أبو الهيذام المري، والد أبي عامر موسى بن عامر أحد فرسان العرب المذكورين، وشجعانهم المشهورين، وهو زعيم قيس في الفتنة التي وقعت بينهم وبين اليمن بدمشق في أيام الرشيد، حتى تفاقم الأمر، واستحكم الشرّ. وله أشعار في تلك الحروب مذكورة. ونزل بسجستان، وأخوه عثمان بن عمارة، صاحب أبي يعقوب الجرمي الشاعر. وقتل عاملُ الرشيد بسجستان أخاً لأبي الهيذام، فخرج أبو الهيذام بالشام، وجمع جمعاً عظيماً، وقال يرثي أخاه: " الطويل " سأبكيكَ بالبيضِ الرِّقاقِ وبالقنا ... فإنّ بها ما يُدرِكُ الطالبُ الوترا ولسنا كمن يبكي أخاه بعَبرةٍ ... يعصّرُها من ماءِ مقلتِهِ عصرا وإنا أناسٌ ما تفيضُ دموعُنا ... على هالكٍ منّا وإن قصمَ الظهرا ولكنني أشفي الفؤادَ بغارةٍ ... أُلَهِّبُ في قُطْرَي كتائبها جمرا وغلظ أمره، واشتدت شوكته، وأعيت الرشيدّ الحيل فيه، فاحتال عليه بأخ له كتب إليه، فأرغبه، فشدّ على أبي الهيذام فقيده، وحمله إلى الرشيد بالرقة. فلما دخل عليه أنشده أبياتاً منها: " الطويل " فأحسِن أميرَ المؤمنين فإنه ... أبى اللهُ إلا أن يكونَ لكَ الفضلُ فمن عليه الرشيد وأطلقه. وقيل: إن الأبيات الرائية لغير أبي الهيذام، وأنها لصادر بن كامل يرثي بها أخاه ثور بن كامل بن برز العنسي. وقُتل في فتنة أبي الهيذام. والصحيح أنها لأبي الهيذام. حدث غالب بن أبجر قال: ذكرت قيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : رحم الله قيساً، رحم الله

стр. 3925

قيساً، قيل: يا رسول الله، تترحم على قيس؟! قال: نعم إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم خليل الله . يا قيس، حيّ يمناً، يا يمن، حيّ قيساً. إن قيساً فرسان الله في الأرض، والذي نفسي بيده لَيأتينّ على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، إن لله فرساناً في الأرض مسوَّمين، وفرساناً في الأرض مُعْلَمين. ففرسان الله في الأرض قيس، إنما قيس بيضة تفلَّقَت عنا أهل البيت. إن قيساً ضِراءُ الله في الأرض، يعني أسد الله. وأبو الهيذام فارس قيس في زمانه. قال: ولا أراه داخلاً في هذا الحديث لأنه استعمل فروسيته في قتال المسلمين. وعن شقيق قال: دخلت أنا وعمرو بن صُليع على حذيفة. قال: فقال: يا مرو بن صليع، أخبرني عن محارب، أهي من قيس؟ قال: نعم. قال: فإذا رأيت قيساً قد توالت الشام فخذ حذرك. عامر بن لُدّين ويقال عمرو وعامر أصح. أبو سهل ويقال: أبو بشر الأشعري الأردني القاضي ولي القضاء لعبد الملك بن مروان. حدث عامر بن لدين الأشعري أنه سأل أبا هريرة عن صيام يوم الجمعة فقال: على الخبير وقعت. سمعت

стр. 3926

رسول الله ﷺ يقول: " إن يوم الجمعة يوم عيد وذِكر، فلا تجعلوا يوم عيدكم يومَ صومكم، ولكن اجعلوه يوم ذِكر، إلا أن تخلطوه بأيام ". وحدث عامر بن لُدين الأشعري قال: أخبرني أبو ليلى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: " تمسّكوا بطاعة أئمتكم، لا تخالفوهم، فإن طاعتهم طاعة الله، وإن معصيتهم معصية الله. وإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالموعظة، فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين. وقد برئت منه ذمة الله، وذمة رسوله. ومن ولي من أمركم شيئاً فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وسيليكم أمراء إن استُرحموا لم يرحموا، وإن سئلوا الحقوق لم يُعطُوا، وإن أُمروا بالمعروف أنكروا، وستخافونهم، ويفترق ملؤكم فيهم حتى لا يحملوكم على شيء احتملتم طوعاً أو كرهاً، فأدنى الحق عليكم ألا تأخذوا منهم العطاء، ولا تحضروهم في الملأ ". قال سليمان: فقلت لعامر: أتخشى أن يكون أئمتنا هؤلاء منهم؟ قال: هؤلاء يخشون ويرحمون. عامر بن محمد بن يعقوب ابن عبد الملك الطائي حدث عن جده لأمه محمود بن خالد بن يزيد السُّلمي بسنده عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: يهرم ابن آدم وتشِب معه اثنتان: الحرص على الدنيا، والحرص على العمر. عامر بن مالك بن أُهَيب ويقال: وُهَيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب بن قُصيّ القرشي الزهري أخو سعد بن أبي وقاص له صحبة. وهو من مهاجرة الحبشة. وقدم دمشق والمسلمون محاصروها بكتاب عمر بن الخطاب بعزل خالد وتأمير أبي عبيدة.

стр. 3927

وأسلم عامر بن أبي وقاص بعد عشرة، فكان حادي عشر، فلقي من أمه ما لم يلق أحد من قريش من الصياح به والأذى هاجر إلى أرض الحبشة. وعن سعد قال: جئت من الرمي فإذا الناس مجتمعون على أمي حَمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، وعلى أخي عامر حين أسلم، فلقت: ما شأن الناس؟ قالوا: هذه أمك قد أخذت أخاك عامراً تعطي الله عهداً لا يظلها ظلّ، ولا تأكل طعاماً، ولا تشرب شراباً حتى يدع الصباوة. فأقبل سعد حتى تخلَّصَ إليها، فقال: عليّ يا أمّه، فاحلفي، قالت: لمَ؟ قال: لئلا تستظلي في ظلّ، ولا تأكلي طعاماً، ولا تشربي شراباً حتى ترَيْ مقعدك من النار. فقالت: إنما أحلف على ابني البرّ. فأنزل الله : " وَإِنْ جَاهَدَاكَ على أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمّ فلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً " إلى آخر الآية. شهد عامر بن أبي وقاص أُحُداً. وأبو وقاص هو مالك بن أهيب بن عبد مناف. عامر بن مالك بن جعفر ابن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر أبو بَراء، المعروف بملاعب الأسنة وفد على النبي ﷺ فلم يسلم، وسأله أن يبعث معه رجالاً إلى قومه يدعونهم إلى الإسلام، فإن اسلموا أسلم معهم، فبعث جماعة، فأصيبوا ببئر معونة، ثم أسلم بعد. وروى عن النبي ﷺ حديثاً قال: بعثت إلى النبي ﷺ من وَعَك بي التمس به دواء وشفاء، فبعث إلي بعُكّة من عسل.

стр. 3928

وحدث عامر أيضاً قال: قدمت على رسول الله ﷺ بهدية فقال: إنا لا نقبل هدية مشرك. قال أوس بن حجر التميمي لطفيل بن مالك وفرّ عن أخيه عامر بن مالك بن جعفر: " الطويل " فررتَ وأسلمتَ ابن أمِّك مالكاً ... يلاعبُ الوشيجِ المزعزَعِ فسُمّي عامر ملاعب الأسنة. فهو أول يوم سُمِّي فيه. وقيل: إنما سُمّي ملاعب الأسنة لقول أوس بن حجر فيه: " الطويل " يلاعبُ أطرافَ الأسنةِ عامرٌ ... فراجَ له خطُّ الكتائبُ أجمعُ حدث جماعة من أهل العلم قالوا: قدم عامر بن مالك أبو البراء، ملاعب الأسنة على سيدنا رسول الله ﷺ فأهدى لرسول الله ﷺ فرسين وراحلتين، فقال رسول الله ﷺ : لا أقبل هدية مشرك، فعرض عليه رسول الله ﷺ إلاسلام، فلم يسلم، ولم يَبعُد، وقال: يا محمد، إني أرى أمرك هذا حسناً شريفاً، وقومي خلفي، فلو أنك بعثت نفراً من أصحابك معي لرجوت أن يجيبوا دعوتك، ويتبعوا أمرك، فإن هم اتبعوك فما أعزّ أمرك، فقال رسول الله ﷺ : إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال عامر: لا تخف عليهم، أنا لهم جار إن يعرِض لهم أحد من أهل نجد. وكان من الأنصار سبعون رجلاً شبَبَة، يُسمَّون القراء، كانوا إذا أمسَوا أتَوا ناحية من المدينة فتدارسوا وصلوا، حتى إذ كان وجاهُ الصبح استغذبوا من الماء، وحطبوا من الحطب، فجاؤوا به إلى حجر رسول الله ﷺ فكان أهلوهم يظنون أنهم في المسجد، وكان أهل المسجد يظنون أنهم في أهليهم. فبعثهم رسول الله ﷺ فخرجوا، فأصيبوا في بئر معونة، فدعا رسول الله ﷺ على قتلتهم خمس عشرة ليلة. وقيل: كانوا سبعين، وقيل: كانوا أربعين، وقيل: الثبت أنهم أربعون.

стр. 3929

وكتب رسول الله ﷺ معهم كتاباً، وأمّر على أصحابه المنذر بن عمرو الساعدي، فخرجوا حتى إذا كانوا على بئر معونة وهو ماء من مياه بني سُليم، وهي بين أرض بني عامر وبني سُليم فخرج المنذر، فعسكروا بها، وسرّحوا ظهرهم، وبعثوا في سرحهم الحارث بن الصمة وعمرو بن أمية، وقدّموا حرام بن ملحان بكتاب سيدنا رسول الله الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر. فلما انتهى حرام إليهم لم يقرؤوا الكتاب، ووثب عامر بن الطفيل على حرام فقتله، واستصرخ عليهم بني عامر فأبَوا، وقد كان عامر بن مالك أبو براء خرج قبل القوم إلى ناحية نجد، فأخبرهم أنه قد أجار أصحاب محمد، فلا تعرضوا لهم، فقالوا: لن نخفر جوار أبي براء. فلما أبت عليه بنو عامر استصرخ عليم قبائل من بني سليم: عُصَيّة ورِعْل، فنفروا معه ورأسوه عليهم، فقال عامر بن الطفيل: أحلف بالله ما أقبل هذا وحده، فاتّبعوا أثره حتى وجدوا القوم قد استبطؤوا صاحبهم، فأقبلوا في أثره، فلقيهم القوم، والمنذر معهم، فأحاطت بنو سليم بالقوم، وكاثروهم، فقاتل القوم حتى قتل أصحاب رسول الله ﷺ وبقي المنذر بن عمرو الساعدي وهو الذي يقال له: أعنق ليموت فقالوا له: إن شئت أمّناك، فقال: لن أعطي بيدي، ولن أقبل لكم أماناً، حتى آتي مقتل حرام، ثم برىء مني جواركم، فأمّنوه حتى أتى مصرع حرام، ثم برئوا إليه من جوارهم، ثم قاتلهم حتى قتل. فذلك قول رسول الله ﷺ : أعنق ليموت. وأقبل الحارث بن الصمة وعمرو بن أمية بالسَّرح، وقد ارتابا بعكوف الطير على منزلتهم، أو قريب من منزلتهم، فجعلا يقولان: قتل والله أصحابنا، والله ما قتل أصحابنا إلا أهل نجد، فأوفى على نشز من الأرض، فإذا أصحابهم مقتولون، وإذا الخيل واقفة، فقال الحارث لعمرو: ما ترى؟ قال: أرى أن ألحق برسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال الحارث: ما كنت لأتأخر عن موطن قتل فيه المنذر، فأقبلا فلقيا القوم،

стр. 3930

فقاتلهم الحارث حتى قتل منهم اثنين، ثم أخذوه فأسروه، وأسروا عمرو بن أمية، وقالوا للحارث: ما تحب أن نصنع بك؟ فإنا لا نحب قتلك، فقال: أبلغوني مصرع المنذر وحرام، وبرئت مني ذمتكم، فبلغوه به، ثم أرسلوه، فقاتلهم، فقتل منهم اثنين، ثم قتل، فما قتلوه حتى شرعوا له الرماح فنظموه فيها. وقال عامر بن الطفيل لعمرو بن أمية، وهو أسير في أيديهم ولم يقاتلهم: إنه قد كانت على أمّه نَسمة فأنت حرّ عنها، وجزّ ناصيته. فلما جاء رسول الله ﷺ خبر بئر معونة جاء معها في ليلة واحدة مُصابهم ومُصاب مَرْثَد بن أبي مَرثَد، وبَعْث محمد بن مسلمة، فجعل رسول الله ﷺ يقول: هذا عمر أبي براء. قد كنت لهذا كارهاً. ودعا رسول الله ﷺ على قَتَلتهم بعد الركعة من الصبح، في صبح تلك الليلة التي جاءه الخبر. فلما قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم، اشدُد وطأتك على مضر، اللهم، عليك ببني لحيان وزعْب ورِعْل وذكوان وعُصَيّة، فإنهم عَصُوا الله ورسوله، اللهم، عليك ببني لحيان وعَضَل والقارة، اللهم، أَنْجِ الوليد بن الوليد، وسَلَمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. غِفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، ثم سجد، فقال ذلك خمس عشرة ليلة، ويقال: أربعين يوماً، حتى نزلت هذه الآية: " لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ " الآية. وكان أنس بن مالك يقول: يا رب، سبعين من الأنصار يوم بئر معونة. وكان أبو سعيد الخدري يقول: قُتل من الأنصار في مواطن سبعين، سبعين يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم

стр. 3931

اليمامة سبعون، ويوم جسر أبي عبيدة سبعون. ولمَ يَجِدْ رسول الله ﷺ على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة. وكان أنس يقول: أنزل الله فيهم قرآناً قرأناه حتى نسخ: بلّغوا قومنا أنا لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه. قالوا: وأقبل أبو براء سائراً، وهو شيخ هِمّ كبير، فبعث من العيص ابن أخيه لبيد بن ربيعة بهديةٍ فرسٍ، فردّه النبي ﷺ وقال: لا أقبل هدية مشرك، فقال لبيد: ما كنت أظن أن أحداً من مضر يردّ هدية أبي براء، فقال النبي ﷺ : لو قبلت هدية مشرك لقبلت هدية أبي براء، قال: فإنه قد بعث يستشفيك من وجع به، وكانت بد الدُّبَيْلة فتناول النبي ﷺ جبوبة من الأرض، فتفل فيها ثم ناوله وقال: دُفْها بماء ثم اسقها إياه، ففعل فبرأ. وقال إنه بعث إليه بعكة عسلٍ، فلم يزل يلعقها حتى برأ. فكان أبو براء يومئذ سائراً في قومه يريد أرض بَلِي "، فمرّ بالعيص، فبعث ابنه ربيعة مع لبيد يحملان طعاماً، فقال رسول الله ﷺ لربيعة: ما فعلت ذمة أبيك؟ قال ربيعة: نقضتها ضربة بسيف أو طعنة برمح، فقال رسول الله ﷺ نعم، فخرج ابن أبي براء فخبر أباه فشقّ عليه ما فعل عامر بن الطفيل، وما صنع بأصحاب النبي ﷺ ولا حركة به من الكبر والضعف، فقال: أخفرني ابن أخي من بين بني عامر، وسار حتى كانوا على ماء من مياه بَلِيّ يقال له الهُدُم، فركب ربيعة فرساً له، ويلحق عامراً وهو على جمل له، فطعنه بالرمح، فأخطأ مقاتله، وتصايح الناس، فقال عامر بن الطفيل: إنها لم تضرني، إنها لم تضرني، وقال: قضيت ذمة أبي براء. فقال عامر بن الطفيل: قد

стр. 3932

عفوت عن عمي هذا فعله، وقال رسول الله ﷺ : اللهم، اهد بني عامر، وأطلب خُفرتي من عامر بن الطفيل. عامر بن مسعود أبو سعد ويقال: أبو سعيد الزُّرَقي صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ويقال: لا صحبة له. سكن دمشق. حدث يونس بن مَيْسرة الجُبْلاني قال: خرجت مع أبي سعد الزُّرقي صاحب رسول الله ﷺ إلى شرى الضحايا، قال يونس: فأشار لي أبو سعد إلى كبش أدغم، ليس بالمرتفع ولا بالمتضع. قال: اشتره لي، كأنه شبّهه بكبش رسول الله ﷺ . قال سيعد: قوله: ليس بالمرتفع ولا بالمتضع، يعني في جسمه. قال: والأدغم: الأسود الرأس. حدث أبو سعيد الزُّرقي أن رجلاً من أشجع سأل النبي ﷺ عن العزل فقال: ما يقدَّر في الرحم يكن. عامر بن المعمَّر الأزدي حدث عن وكيع بن الجراح بسنده عن عُبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله : " لَهُمُ البُشْرَى في الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخرةِ " قال: " هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرى له ".

стр. 3933

عامر بن واثلة بن عبد الله ابن عمير بن جابر بن خُميس بن حُدَيّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة أبو الطفيل الكناني صاحب سيدنا رسول الله ﷺ وآخر أصحابه موتاً. قال أبو الطفيل: رأيت رسول الله ﷺ ولم يبق على الأرض أحد رآه غيري. قال: قلت له: كيف رأيته؟ قلت: رأيته أبيض، مليحاً، مُقَصداً، إذا مشى كأنه يهوي في صبب. وحد أبو الطفيل قال: كنت غلاماً أحمل عضو البعير، ورأيت رسول الله ﷺ يقسم لحماً بالجعرانة، قال: فجاءته امرأة فبسط لها رداءه، فقلت: من هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعته. قال أبو الطفيل عامر بن واثلة: رأيت النبي ﷺ وأنا غلام شاب، يطوف بالبيت على راحلته، يستلم الحجر بِمحجَنة. دخل أبو الطفيل على معاوية، فقال له معاوية: أبا الطفيل، قال: نعم، قال: ألست من قتلة عثمان؟ قال: لا، ولكني ممن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار فقال معاوية: أما لقد كان حقه واجباً عليهم أن ينصروه، قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام؟ فقال

стр. 3934

معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر: " البسيط " لا اُلفينك بعدَ الموتِ تندُبُني ... وفي حياتي ما زودتني زادي فقال له معاوية: يا أبا الطفيل، ما أبقى لك الدهر من ثكلك عليّاً؟ قال: ثكل العجوز المِقْلات، والشيخ الرَّقوب، ثم ولَى. قال: فكيف حبك له؟ قال: حبّ أم موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير. المقلات: التي لا يعيش لها ولد، والرّقوب: الرجل الذي قد يئس أن يولَد له. كان أبو الطفيل من أصحاب محمد بن الحنفية، وكان ثقة، وكان متشيعاً. وابنه الطفيل بن عامر قتل مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي يوم دير الجماجم. قال أبو الطفيل. أدركت ثماني سنين من حياة سيدنا رسول الله ﷺ . وولدت عام أُحُد. وقيل في اسم جده حُدَي أنه بالحاء المهملة، ووجد في جمهرة ابن الطلبي جُدي بالجيم. وسئل ممد بن يعقوب الأخرم: لم ترك البخاري حديث أبي الطفيل؟ قال: لأنه كان يُفرط في التشيع. دخل عبد الله بن صفوان على ابن الزبير وهو يومئذ بمكة، فقال: أصبحت كما قال الشاعر: " البسيط " فإن تُصِبك من الأيامِ جائحةٌ ... لمنبكِ منكَ على دنيا ولا دينٍ فقال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذا عبد الله بن عباس يفقه الناس، وعبيد الله يطعم الناس، فما بقيا لك؟ فأحفظه ذلك، فأرسل صاحب شرطه عبد الله بن مطيع،

стр. 3935

فقال: انطلق إلى ابنَي عباس فقل لهما: بدِّدا عني جمعكما ومن ضوى إليكما من أهل العراق. وفي رواية أنه أرسل إليهما: إنكما تريدان أن ترفعا راية قد وضعها الله، ففرَّقا من قِبَلكما من مُرّاق أهل العراق. فقال ابن عباس: قل لابن الزبير: يقول لك ابن عباس: والله ما يأتينا من الناس غير رجلين: رجل طالب علم، ورجل طالب فضل، فأي هذين نمنع؟ فأنشأ أبو الطفيل عامر بن واثلة يقول: " البسيط " للهِ درُّ الليالي كيف تُضحكنا ... خطوب شتى أعاجيبٌ وتُبكينا ومثلما تحدثُ الأيام من غِيرَ ... وابنُ الزبير عن الدنيا يُلَهّينا كنا نجيء ابن عباسٍ فيسبقنا ... فِقهاً ويُكسبنا أجراً ويهدينا ولا يزال عبيد الله مترعة ... جفانُه مطعماً ضعفى ومسكينا فاليُمن والدينُ والدنيا بدارهما ... ننالُ منه الذي نبغي إذا شينا إن النبي هو النورُ الذي كُشِفت ... بهِ عَمايات ماضينا وباقينا ورهطُه عِصمة في ديننا ولهم ... فضل علينا وحق واجب فينا ففيم تمنعنا منهم وتمنعهم ... منا وتؤذيهم فينا وتؤذينا؟ ولست فاعلمه بالأولى به نسباً ... يا بن الزبير ولا الأولى به دينا لن يجزي الله من أجزى لبعضهم ... في الدين عزاً وفي الأرض تمكينا قال سيف بن وهب: دخلت على أبي الطفيل بمكة فقال: أتى عليّ تسعون سنة ونصف فكم أتى عليك؟ قلت: أنا ابن ثلاث وثلاثين سنة. قال علي بن المديني: آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة سهل بن سَعْد الساعدي، وآخر من بقي بالبصرة أنس بن مالك، وآخر من بقي بالكوفة أبو جُحيفة وهبُ بن عبد الله

стр. 3936

السوائي، من بني سواءة بن عامر، وآخر من بقي بالشام عبد الله بن بُسر المازني، من بني مازن بن منصور، وآخر من بقي بمصر عبد الله بن الحارث بن جزء، وآخر من مات بمكة ممن رأى النبي ﷺ أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، ويقال: الحماني. وكان أبو الطفيل يقول: ما بقي على وجه الأرض أحد يقدر يقول إنه رأى رسول الله ﷺ غيري. وتوفي أبو الطفيل سنة مئة. وقيل: بعد المئة من الهجرة. وقيل: سنة اثنتين ومئة. وقيل: سنة سبع ومئة. وقيل: سنة عشر ومئة. وقيل إنه لم يزل باقياً حتى أدركته إمرة عمر بن عبد العزيز، فكتب يستأذنه في القدوم عليه: فقال عمر: ألم تؤمر بلزوم البلد؟ عامر بن يحيى أبو حازم الغوثي حدث عن المنكدر بن محمد قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: " لأنا أشدُّ عليكم خوفاً من النّعم مني من الذنوب. ألا إن النِّعم إن النِّعم التي لا تشكر هي الحتف القاضي ". عايذ الله بن عبد الله ويقال: عَيِّذ الله بن إدريس بن عايذ بن عبد الله ابن عتبة بن غيلان بن مَكين أبو إدريس الخولاني قاضي دمشق في أيام عبد الملك بن مروان. ولد عام حنين وهزيمة الله هوازن في حياة سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 3937

حدث أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله ﵎ أنه قال: " يا عبادي، إنكم الذين تُخطئون بالليل والنهار، وأنا الذي أغفر لكم الذنوب ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوتُه فاستكسوني أكسُكم. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجِنّكم كانوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقُص البحر أن يغمس المِخيَط غمسة واحدة. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومّنّ إلا نفسه ". قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. وحدث أبو إدريس عن أبي ثعلبة الخُشَني أن رسول الله ﷺ قال: " إذا توضأت فاستنثر، وإذا استجمرت فأوتر ". هكذا روى هذا الحديث، وإنما هو عن أبي هريرة. وعن أبي إدريس قال: جلست خلف معاذ بن جبل وهو يصلي. فلما انصرف من الصلاة قلت: إن أحبك لله، قال: فأدناني منه ثم قال: إنك لتحبني لله؟ قلت: نعم، إن لأحبك لله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المتحابون في الله في ظل عرشه يوم لا ظلّ إلا ظلّه ". وقيل: إن أبا إدريس لم يسمع من معاذ ولا لقيه. وقيل: إنه لقيه.

стр. 3938

حدث عايذ الله بن عبد الله أن معاذاً قدم عليهم اليمن فلقيته امرأة من خولان معها بنون لها، اثنا عشر، وتركت أباهم في بيتها، أصغرهم الذي قد اجتمعت لحيته، فقامت فسلمت على معاذ، ورجلان من بنيها ممسكان بعضديها، فقالت: من أرسلك إليها أيها الرجل؟ قال لها معاذ: أرسلني رسول الله ﷺ . قالت المرأة: أرسلك رسول الله ﷺ وأنت رسول الله ﷺ ، أفلا تحدثني يا رسولَ الله ﷺ ؟ فقال لها معاذ: سلي عما شئت، قالت: حدِّثني ما حقُّ المرء على زوجته؟ قال لها معاذ: تتقي الله ما استطعت، وتسمع وتطيع. قالت: أقسمت عليك بالله ما حقّ المرء على زوجته؟ قال لها معاذ: ما رضيتِ بأن تسمعي وتطيعي، وتتقي الله؟! قالت: بلى، ولكن حدثني ما حقّ المرء على زوجته، فإني تركت أبا هؤلاء شيخاً كبيراً في البيت، فقال لها معاذ: والذي نفس معاذٍ بيده لو أنك ترجعين إذا رجعت إليه فوجدت الجذام قد خرق أنفه، ووجدت منخريه يسيلان قيحاً ودماً ثم التعقتيهما بفيك لكيما تبلغي حقه ما بلغته أبداً. وعن أبي إدريس قال: دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بفتىً براق الثنايا، وإذا الناس معه إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسألت عنه فقيل: هذا معاذ بن جبل. فلما كان الغد هجّرت فوجدته قد سبقني بالتهجير ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئت من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت: والله إن لأحبك لله، قال: آلله؟ فقلت: آلله. فقال: آلله؟ فقلت: آلله. فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيَّ ". حدث يزيد بن عبيدة أنه رأى أبا إدريس الخولاني في زمان عبد الملك بن مروان، وأن حلق المسجد

стр. 3939

بدمشق يقرؤون القرآن، يدرسون جميعاً، وأبو إدريس جالس إلى بعض العمد، فكلما مرت حلقة بآية سجدة بعثوا إليه يقرأ بها، وأنصتوا له، وسجد بهم، وسجدوا جميعاً بسجوده، فربما سجد بهم ثنتي عشرة سجدة، حتى إذا فرغوا من قراءتهم قام أبو إدريس يقص. حدث يزيد بن أبي مالك قال: كنا نجلس إلى أبي إدريس الخولاني فيحدثنا في الشيء من العلم لا يقطعه بغيره حتى يقوم أو تقام الصلاة حفظاً لما سَّمع. قال: فحدث يوماً عن بعض مغازي رسول الله ﷺ حتى استوعب الغزاة، فقال له رجل من ناحية المجلس: أحضرت هذه الغزاة؟ قال: فقال: لا، فقال الرجل: قد حضرتها مع رسول الله ﷺ ولأنت أحفظ لها مني. وحدث يوماً بأحاديث، فقال له رجل: أرأيت هذه الأحاديث إلى من تسندها؟ فقال: إن رضيت بما تسمع منا وإلا فلا تجالسنا. قال: وكان أبو إدريس إذا أخذ في نوع في مجلس لم يكد يأخذ في غيره حتى يقوم من مجلسه، وكان إذا جلس لم يحتب حتى يقوم، وإذا احتبى لم يحلّ حَبْوَته حتى يقوم ولم يُرَ يعبث بشيء. قال: وقال له رجل وهو يحدث: عمن يا أبا إدريس؟ قال: لأنا أقدر على الإسناد مني على الحديث. قال معاوية لأبي إدريس الخولاني يا أهل اليمن، إن فيكم خلالاً ما تخطئكم، قالوا: وما هي؟ قال: الجود والحِدَّة وكثرة الأولاد. قال: أما ما ذكرت من الجود فذلك لمعرفتنا من الله بحسن الخلف، وما الحِدّة فإن قلوبنا ملئت خيراً فليس فيها للشر موضع، وأما كثرة الأولاد فإنا لسنا نعزل ذلك عن نسائنا. قال: صدقت، لا يفضض الله فاك. وعن أبي إدريس قال: ما أودى شيء إلى شيء خير من حلم إلى علم.

стр. 3940

وكان أبو إدريس يقول: عِفّوا، رحمكم الله، فإنه مع عفّ نساء قومٍ قط حتى تعفّ رجالهم. وكان يقول: ما أكون خيراً مني، يعني: إلا إذا كنت مع من هو خير مني. وكان يقول: من نظر فتفكر خير من نظر فتعجب. وقال أبو إدريس: ما على ظهرها من بشر لا يخاف على إيمانه أن يذهب إلا ذهب. وقال أبو إدريس: المساجد مجالس الكرام. وكان يقول: لأن أرى في المسجد ناراً تأجج أحَبُّ إليّ من أن أرى بدعة لا تغيّر. توفي أبو إدريس سنة ثمانين. عائذ بن سعيد والد محمد بن عائذ حدث عن المطعم بن المقدام عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وفي رواية عن نافع قال: كنت أسير مع ابن عمر، فسمع صوت زامر رعاء، فعدل عن الطريق ثم قال: يا نافع، هل تسمع شيئاً؟ قلت: لا، ثم رجع إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل.

стр. 3941

عبادة بن أوفى ويقال: ابن أبي أوفى بن حنظلة بن عمرو بن رباح ابن جعونة بن الحارث بن نمير بن عامر، أبو الوليد النميري القنّسريني وقيل: إنه دمشقي، وقيل: حمصي وقيل: إن له صحبة. شهد صفين مع معاوية. حدث عن عمرو بن عبسة عن النبي ﷺ " قال ": " أبرِدوا بصَلاة الظهر في اليوم الحارّ، فإن شدة الحرّ من فيح جهنّم ". ذكر يحيى بن حمزة أنّ الذي قتل عمارَ بن ياسر عمرو بنُ محصن الأزدي وعُبادةُ بن وفى النُّميري، اشتركا فيه، وكان عمرو فارساً وكان عُبادة راجلاً. والمحفوظ أن قاتل عمّار أبو الغادية. عبادة بن الصامت ابن قيس بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غَنْم بن سالم بن عوف ابن عمرو بن عوف بن الخزرج، أبو الوليد الأنصاري صاحب سيدنا رسول الله ﷺ أحد الاثني عشر نقيباً ليلة العقبة. سكن الشام، ودخل دمشق قبل فتحها وبعده.

стр. 3942

روى عبادة بن الصامت أن سيدنا رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة وهو يريد أن يخبرهم بليلة القدر، فتلاحى رجلان، فاختُلِجَتْ منه. فقال ﵇: " إني أردتُ أن أُخبركم بليلة القدر فتلاحى هذا الرجلان فاختُلجت منّي. ولعل ذلك أن يكون خيراً لكم فاطلبوها في العشر الأواخر: في التاسعة والسابعة والخامسة ". وروى عبادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الذهب بالذهب، مِثْلاً بِمثْل، يداً بيد، والشعير بالشعير مِثْلاً بمثل، يداً بيد. التمر بالتمر مِثْلاً بمثل، يداً بيد ". قال: حتى ذكر الملح مِثْلاً بمثل، يداً بيد. فقال معاوية: إن هذا لا يقول شيئاً. فقال عبادة: إني والله ما أبالي ألا أكون بأرضكم هذه. حدث المقدام الرهاوي قال: جلست إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت والحارث بن معاوية فقالوا لعبادة: حدِّثْنا حديث النبي ﷺ في غزوة كذا وكذا فقال: صلّى بنا رسول الله ﷺ يومئذ إلى بعير من المقسم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: " هذه غنائمكم ولا حقّ لي فيها إلا سهمي والخمس، والخمسُ مردودٌ عليكم، فأدّوا الخيط والخياط وأصغر من ذلك وأكبر، ولا تغلّوا فإن الغلول عيب على أهله في الدنيا والآخرة، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا الناس القريب والبعيد، ولا تخافوا في الله لومةَ لائم، وعليكم بالجهاد في سبيل الله، فإن في الجهاد في سبيل الله باباً من أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الغم والهم ". حدث أبو الأشعث الصنعاني أنه راح إلى مسجد دمشق فلقي شداد بن أوس الأنصاري والصنابحي فقالا له: اذهب بنا إلى أخ لنا نعوده، فدخلا على عبادة بن الصامت فقالا: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة من الله وفضل. قال له شداد: أبشر بكفارات السيئات وحطّ الخطايا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله : إذا ابتليت عبداً من عبادي مؤمناً، فحمدني وصبر على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه

стр. 3943

من الخطايا. ويقول الربّ للحفظة: إني أنا قيدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له ما كنتم تُجرون له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح ". قال عبد الرحمن بن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وابو الدرداء ألفينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه. فخرج يمشي بيننا فقال عبادة: إن طال بكما عمر أحدكما أو كلاكما فيوشك أن تريا الرجل من ثَبَج المسلمين قد قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ أعاده وأبداه، وأحل حلاله وحرّم حرامه، ونزل عند منازله، أو قرأ به على لسان أحد، لا يحورُ فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت. فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا شداد بن أوس وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول: " من الشهوة الخفية والشرك " فقال عبادة وأبو الدرداء: اللهم غَفْراً، أو لم يكن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. فأما الشهوة الخفية فقد عرفناها فهي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها. فما هذا الشرك الذي تخوّفنا به يا شداد؟ قال: أريتكم لو رأيتم أحداً يصلي لرجل أو يصوم له أو يتصدق له أتَرَون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم. قال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " فقال عوف: ولا يعمد الله إلى ما ابتُغي فيه وجهه من ذلك العمل كله فيتقبل منه ما خلص له، ويدع ما أشرك به فيه. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنا خير قسيم فمن أشرك بي شيئاً فإن حشده وعمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك بي، أنا عنه غنيّ ". أُمُّ عبادة وأوس ابني الصامت: قرّةُ العين بنت عمارة بن نضلة بن العَجْلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن الخزرج. شهد عبادة بدراً وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وآخى رسول الله ﷺ بين

стр. 3944

عبادة وبين أبي مَرْثد الغنوي، وشهد أُحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان عبادة عقبياً، نقيباً، بدرياً، أنصارياً وهو من القواقلة، وكان مع سيدنا رسول الله ﷺ على أن لا يخاف في الله لومة لائم، وشهد الفتح بمصر، وكان أمير ربع المدد. توفي أبو " الوليد " عبادة بفلسطين الشام سنة أربع وثلاثين، وكان عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه إليها معلماً، وعمره ابن اثنتين وسبعين سنة. قال عبادة بن الصامت: كنا أحد عشر رجلاً في العقبة الأولى، فبايعنا رسول الله ﷺ بيعة النساء قبل أن تفرض علينا الحرب، بايعناه على ألا نشرك بالله تعالى، ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نقتل أولادنا، ولا نعصيه في معروف، فمن وفّى فله الجنة، ومن غشي شيئاً من ذلك فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وفي حديث آخر قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمَنْشَط والمكره، ولا ننازع الأمر أهله، نقول في الحق حيثما كنا، لا نخاف لومة لائم ما لم نَرَ كُفْراً بواحاً. وعن جابر أن حاطبَ بن أبي بَلْتَعَة كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله ﷺ آتٍ لغزوهم، فدّلَّ رسول الله ﷺ على المرأة التي معها الكتاب فأرسلَ إليها، فأخذ كتابها من رأسها، فقال: يا حاطب، فعلت؟! قال: نعم، أما إني لم أفعلْهُ غشّاً لرسول الله ﷺ ولا نفاقاً، قد علمتُ أن الله يُظهِر رسولَه ويُتُّم له أمرَهُ، غير أني كنتُ غريباً بين أظهرهم، وكان ولدي معهم، فأردت أن أتخذها عندهم، فقال: عمر: ألا أضربُ رأس هذا؟ فقال: أتقتل رجلاً من أهل بدر؟ ما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم.

стр. 3945

ولما حارب بنو قَيْنُقاع سيدنا رسول الله ﷺ تشبّث بأمرهم عبد الله بن أبيّ، وقام دونهم، فمشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج، لهم من حلفهم مثل الذي لهم من حلف عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ ، وتبرَّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، فقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولّى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: " يَا أَيُّها الَّذِيْنَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّه مِنْهُمْ " إلى قوله: " فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ " يعني عبد الله بن أبي لقوله: إني أخشى الدوائر " يُسَارِعُونَ فِيْهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيْبَنَا دَائِرَاةٌ " حتى بلغ إلى قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ والَّذِيْنَ آمَنُوا " لقول عبادة: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرُّئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم. إلى قوله: " وَمَنْ يَتَوَلَّى اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِيْنَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ ". وعن عبادة بن الصامت قال: خلوت برسول الله ﷺ فقلت: أيُّ أصحابك أحبُّ إليك حتى أحبَّ مَنْ تحبّ كما تحب؟ قال: اكتم عليّ حياتي أحبابي يا عبادة، فقلت: نعم. فقال: أبو بكر الصديق، ثم عمر، ثم علي، ثم سكت، فقلت: ثم من يا رسول الله؟ قال: مَنْ عسى أن يكون إلا الزبير، وطلحة، وسعد، وأبو عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبو طلحة، وأبو أيوب، وأنت يا عبادة، وأُبي بن كعب، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وابن عوف، وابن عفان. ثم هؤلاء الرهط من الموالي: سلمان، وصهيب، وبلال، وعمار بن ياسر. وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ بعثه على الصدقة فقال له: اتّقِ الله يا أبا الوليد، اتق، لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة لها ثؤاج، فقال: يا رسول الله، إن ذلك كذلك؟ قال: إي والذي نفسي بيده، إن ذلك لكذلك إلا من

стр. 3946

رحم الله . قال: فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على اثنين أبداً. وعن محمد بن كعب القرظي قال: جمع القرآن في زمان رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء. فلما كان عُمر كتب يزيد بن أبي سفيان أن أهل الشام كثير، وقد احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فقال: أعينوني بثلاثة. فقالوا: هذا شيخ كبير، لأبي أيوب، وهذا سقيم لأُبي، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء فقال: ابدؤوا بحمص، فإذا رضيتم منهم فليخرج واحد إلى دمشق وآخر إلى فلسطين، فأقام بها عبادة وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين. ومات معاذ عام طاعون عمواس، وصار عُبادة بعدُ إلى فلسطين فمات بها، ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات. وعن يعلى بن شداد قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون في خطبته فقال عبادة: أمُّك هند أعلم منك. فأتم خطبته ثم صلى، ثم أرسل إلى عبادة فنفذت رجال الأنصار معه فاحتبسهم، ودخل عبادة فقال له معاوية: ألم تتق الله وتستحي إمامك؟ فقال عبادة: أليس قد علمت أني بايعت رسول الله ﷺ ليلة العقبة أني لا أخاف في الله لومة لائم؟ ثم خرج معاوية عند العصر فصلى العصر، ثم أخذ بقائمة المنبر فقال: أيها الناس، إن ذكرت لكم حديثاً على المنبر فدخلت البيت فإذا الحديث كما حدثني عبادة فاقتبسوا منه فهو أفقه مني. وعن قبيصة بن ذؤيب أن عبادة أنكر على معاوية شيئاً فقال: لا أساكنك بأرضٍ، فرحل إلى المدينة فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارْحَل إلى مكانك فقبَّحَ الله أرضاً لست فيها وأمثالك. فلا إمرة له عليك. وعن عبيد بن رفاعة أن عبادة بن الصامت مرت عليه قطارة وهو بالشام، تحمل الخمر فقال: ما هذه؟ أزيت؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها

стр. 3947

راوية إلا بقرها، وأبو هريرة ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: ألا تمسك عنا أخاك عبادة بن الصامت؟ أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشيّ فيقعد بالمسجد ليس له عملٌ إلا شتم أعراضنا وعيبنا، فأمسكْ عنا أخاك. فأقبل أبو هريرية يمشي حتى دخل على عبادة فقال: يا عبادة، مالك ولمعاوية؟ ذره وما حمل فإن الله تعالى يقول: " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلتْ لَها مَاكَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ " قال: يا أبا هريرة، لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ﷺ ، بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا، ولنا الجنة، ومن وفّى وفّى الله له الجنة بما بايع عليه رسول الله ﷺ ، ومن نكث فإنما ينكُث على نفسه، فلم يكلمه أبو هريرة بشيء، فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة: إن عبادة بن الصامت قد أفسد علي الشام وأهله، فإما أن يكفَّ عبادة وإما أن أخلي بينه وبين الشام، فكتب عثمان إلى فلان أن أرْحِلْه إلى داره من المدينة، فبعث به فلان حتى قدم المدينة، فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه، ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين، فلم يُفْجَ عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار، فالتفت إليه، فقال: ما لنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة قائماً وانتصب لهم في الدار فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ أبا القاسم يقول: سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما يعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله فلا تضلوا بربكم. فوالذي نفس عبادة بيده إن فلاناً لمن أولئك، فوالذي نفس عبادة بيده إن فلاناً لمن أولئك. فما راجعه عثمان بحرف. عن الحسن قال: كان عبادة بن الصامت بالشام فرأى آنية من فضة يباع الإناء بمثلي ما فيه، أو نحو ذلك، فمشى إليهم عبادة فقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا

стр. 3948

عبادة بن الصامت، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ في مجلس من مجالس الأنصار ليلة الخميس في رمضان لم يصم رمضان بعده يقول: الذهب بالذهب مثلاُ بمثل، سواء بسواء. وزناً بوزن، يداً بيد فما زاد فهو رباً، والحنطة بالحنطة قفيز، بقفيز، يد بيد، فما زاد فهو رباً، والتمر بالتمر، قفيز بقفيز، يد بيد فما زاد فهو رباً. قال: فتفرق الناس عنه فأتى معاوية فأخبر بذلك، فأرسل إلى عبادة فأتاه فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبي ﷺ وسمعت منه، لقد صحبناه وسمعنا منه، فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه، فقال له معاوية: فما هذا الحديث الذي تذكره؟ فأخبره، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره. فقال له عبادة: بلى، وإن رغم أنف معاوية. قال: ثم قام فقام له معاوية: ما نجد شيئاً أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمد ﷺ من الصفح عنهم. حدِّث حميد بن زياد أبو صخر أنه بلغه أن عبادة بن الصامت حين ذكر لناس من شأن عثمان ما ذكروا قال: والله، لا أحضر هذا الأمر أبداً، فخرج من المدينة حتى لحق بغَسْقلان، فمكث حتى فرغ من عثمان، ثم أقام حتى استخلف معاوية، فقام معاوية على المنبر فخطب الناس فذكر أبا بكر بن أبي قحافة فصلّى عليه، ثم قال: إنه وطىء عقب نبيّه ﷺ واتبع أمر صاحبه، ثم مات، له الفضل من ذلك، لا عليه، ثم ولي عمر فوطىء عقب نبيّه ﷺ واتبع أثر صاحبه ثم مات، له الفضل من ذلك لا عليه، ثم مكث عثمان ثمان سنين لا يخالف أمر نبيه وصاحبيه، ثم أخذ وترك فمات، فالله أعلم به، ثُم وَليتُ فأخذت حتى خالط لحمي ودمي، فهو خير مني وأنا خير ممن بعدي، ويا أيها الناس إنما أنا لكم جنَّة. فقام عبادة بن الصامت فقال: أرأيت إن احترقت الجنة قال: إذاً تخلص إليها النار، قال: من ذلك افر، قال: فأمر به فأخذ، فأضْرَط بمعاوية، ثم قال: علمت كيف كانت البيعتان حين عينا إليهما، دُعيت على أن تبايع على ألاَّ نزني ولا نسرق، ولا نخاف في الله لومة لائم

стр. 3949

فقلت: أما هذه فاعفني يا رسول الله، ومضيت أنا عليها، فبايعت رسول الله ﷺ ولأنت يا معاوية أصغر في عيني من أن أخافك في الله ، فقال معاوية: صدقت، قد كان هذا شأن البيعتين، فأمر به فارسل. وعن عبادة بن الصامت أنا معاوية قال لهم: يا معشر الأنصار، مالكم لم تلقوني مع إخوانكم من قريش؟ قال عبادة: الحاجة. قال: هلاّ على النواضح. قال: أنضيناها مع رسول الله ﷺ يوم بدر، فما أجابه. قال: وقال لنا رسول الله ﷺ : إنها ستكون أثَرَه بعدي. قال معاوية: فما أمَرَكُمْ؟ قال: أمرنا أن نصبر. قال: فاصبروا حتى تَلْقَوه. وعن عبادة بن الوليد عن أبيه قال: لقد أهديت لعبادة بن الصامت هدية وإن معه في الدار اثني عشر أهل بيت، فقال عبادة: اذهبوا بهذه إلى آل فلان فهم أحوج إلهيا منا. قال: فما زالوا كلما جئت إلى أهل بيت يقولون: اذهبوا إلى آل فلان، هم أحوج إليه منا، حتى رجعت الهدية إليه قبل الصبح. حدِّث عثمان بن أبي العاتكة أن عبادة بن الصامت مَرَّ بقرية يقال لها دُمَّر، من قرى الغوطة، فأمر غلامه أن يقطع له سواكاً من صفصاف على نهر بردى، فمضى ليفعل، ثم قال له: ارجع فإنه إلا يكن بثمن، فإنه ييبس فيعود حطباً بثمن. وعن مالك بن شرحبيل قال: قال: عبادة بن الصامت: ألا تروني لا أقوم إلا رِفداً، ولا آكل إلا ما لوِّق لي، وقد مات صاحبي منذ زمان يعني: ذكره وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأنَّ لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتي الشيطان فيحركه علي، إنه لا سمع له ولا بصر. قوله: " ما أقوم إلا رفداً " يريد إلا أن أُرفَد فأُعان على القيام حتى أنهض، وقوله: " إلا ما لُوّق لي " يقول: إلا ما لُيْن من الطعام حتى يصير كالزُّبد في لينه.

стр. 3950

ولما حضرت عبادة الوفاةُ قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن يعني الدار ثم قال: اجمعوا لي مواليّ وخدمي وجيراني، ومن كان يدخل عليّ، فجمعوا له فقال: إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي عليَّ من الدنيا وأول ليلة من الآخرة، وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء، وهو والذي نفس عبادة بيده القصاص يوم القيامة. وأحَرِّج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي، قال: فقالوا: بل كنت والداً وكنت مؤدباً قال: وما قال لخادم سوءاً قط فقال: أغفرتم لي ما كان من ذلك؟ قالوا: نعم، قال: اللهم، اشهد. ثم قال: أما لا فاحفظوا وصيّتي: أخرِّج على أنسان منكم يبكي عليّ، فإذا خرجت نفسي فتوضؤوا وأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجداً فيصلي ثم يستغفر لعُبادة ولنفسه فإن الله ﵎ قال: " استَعِيْنُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاِةٍ " ثم أسرعوا بي إلى حفرتي، ولا تُتبِعُنّي ناراً ولا تضعوا تحتي أرجواناً. توفي عبادة ببيت المقدس في خلافة عثمان، وقيل: مات بالرملة من أرض الشام سنة أربع وثلاثين، وقيل: توفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالشام. وكان رجلاً طُوالاً جسيماً جميلاً. وقيل توفي سنة خمس وأربعين. وقال رجاء بن أبي سلمة قبر عبادة بن الصامت ببيت المقدس. عُبادة بن نُسَيّ الكندي الأزديّ أبو عمر قاضي طبرية وفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته، واجتاز بدمشق.

стр. 3951

حدث عبادة بن نسي عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: " ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي يقاتل فيقتل في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : إن شهداء أمتي إذاً لقليل، القتيل في سبيل الله شهيد، والمطعون شهيد، والمبطون شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد، يعني النُّفَساء ". وحدث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " تعلَّموا مناسككم فإنها من دينكم ". وحدث عبادة بن نسي أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصُّنابحي انه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: " رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا.. " حتى " الوَهّابِ ". قال أبو عبيدة: وأخبرني عبادة أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته فقال عمل لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؟ قال: فما تركناها منذ سمعناها منه، وإن كنت قبل ذلك لعلي غير ذلك، فقال له رجل: وعلى أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ " قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ ". توفي عبادة بن نسي سنة ثمان عشرة ومئة بالشام.

стр. 3952

عَبَّادة المخنث قدم دمشق مع المتوكل، وكان ماجناً مضحكاً وهو بفتح العين وتشددي الباء وكان ينادر المتوكل، وله نوادر. دخل عَبَّادة المخنث على الواثق، وبعضٌ يُضرب، وبعضٌ يُقتل في خلق القرآن، قال: وبعض يُحبس، قال: فقال عبادة: والله إن امتحنني أمير المؤمنين ليقتلني، ولكن أبدؤه أنا، قال: فقلت: أعظم الله أجرك يا سيدي، قال: فقال لي: ويلك فيمن؟ قال: قلت: في القرآن، قال: فقال لي: ويلك والقرآن يموت؟! قال: قلت: نعم، كل مخلوق هو ميت، فإذا مات القرآن في شعبان، من يصلي بالناس في رمضان؟ فقال: أخرجوه، أخرجوه. وفي أخرى: فإنه مجنون. قال محمد بن نشيط قال: بلغني أنه كان لرجل على عَبّادة المخنث دين، فكان يتردد إليه كل يوم، فيقال: ليس هو في البيت، فغلّس عليه يوماً في الثلث الأخير، فدقَّ الباب فقيل: ليس هو ها هنا، فصاح الرجل واستغاث بالجيران. فلما اجتمعوا قال: يا معشر الناس، في الدنيا أحد ليس هو في بيته الساعة؟ فأشرف عليه عَبَّادة من طاق له قال: نعم يا بن الفاعلة، هو ذا أنت لست في بيتك الساعة. قال محمد بن عبد الرحمن بن فهم: تغذينا عند عياش ومعناه عبادة، فلما فرغنا جاء غلام بجام فيه لَوْزينج فقال له عياش: ضعها خلف الخيش، فقال له عبادة: وإيش فيها جُعلت فداك؟ قال: بظر أمك: فأعضني به.

стр. 3953

قال أبو العيناء: قال المتوكل لعبَّادة: غنني صوتاًن فغناه، فاضطرب فقال: ما هذا؟ قال؛ يا سيدي غناء المخنثين كقراءة اليهود، قال:: وكيف ذاك؟ قال: " يُحَرَّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ". عبّاد بن الريَّان أبو طرفة اللخمي الحمصي وفد على هشام بن عبد الملك. قال: وأراه سكن دمشق. قال أبو ذر: أول ما دعاني إلى الإسلام أنّا كنّا قوماً عرباً، فأصابتنا السَّنَة، فاحتملت أمي وأخي - وكان اسمه أنيس إلى أصهار لنا بأعلى نجد، فلما حللنا بهم أكرمونا. فلما رأى ذلك رجل من الحي مشى إلى خالي، فقال: تعلم أن أنيسا يخالفك إلى أهلك، قال: " فحز في قلبه وأحبس "، فانصرفت من رعية إبلي فوجدته كئيباً يبكي، قلت: ما بكاؤك يا خال؟ فأعلمني الخبر، فقلت: حجر الله من ذلك، إنا نعاف الفاحشة وإن كان الزمان قد حلّ بنا، ولقد كدر علينا صفو ما ابتدأنا به ولا سبيل إلى اجتماع، فاحتملت أمي وأخي حتى نزلنا بحضرة مكة. فقال أخي: إني مدافع رجلاً على الماء بشِعر، وكان امرأ شاعراً، فقلت: لا تفعل، فخرج به اللجاج حتى دافع دُريد بن الصّمة صِرمته إلى صرمته، وايم الله لدُريد يومئذٍ أشعر من أخي، فتقاضيا إلى خنساء، فقضت لأخي على دريد، وذلك أن دريداً خطبها إلى أبيها، فقالت: شيخ كبير لا حاجة لي فيه، فحقدت ذلك عليه، فضممنا صِرمته إلى صرمتنا، فكانت لنا هجمة قال: ثم أتيت مكة فابتدأت بالصفا، فإذا عليه رجالات قريش، وقد بلغني أن بها صابئاً أو مجنوناً أو

стр. 3954

شاعراً أو ساحراً فقلت: أين هذا الصابىء الذي تزعمونه؟ قال: ها هو ذاك حيث ترى فانقلبت إليه، فوالله ما جُزت عنهم قيس حَجَرة حتى أكبّوا عليَّ بكلّ عظيم وحجر ومدر، فضرجوني بدمي حتى أتيت البيت فدخلت بين الستور والبناء، فصرمت فيه ثلاثين يوماً، لا آكل ولا أشرب إلاّ من ماء زمزم، حتى إذا كانت ليلة قمراء إضحيان أقبلت امرأتان من خزاعة فطافتان بالبيت في ثم ذكرتا أُساف ونائلة، وهما وثنان كانا يعبدانهما في الجاهلية، قال: فأخرجت رأسي من تحت الستور فقلت: احملا أحدهما على صاحبه فغضبتا ثم قالتا: أما والله لو كان رجالنا حضوراً ما تكلمت بهذا، ثم ولّتا، فخرجت أقفوا آثارهما حتى لقيتا رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ امرأ عربياً، فقال: ما أنتما؟ ومن أي أنتما؟ ومن أي جئتما؟ وما جاء بكما؟ فأخبرتاه الخبر، فقال: أين تركتما الصابىء؟ فقالتا: تركناه بين الستور والبناء، فقال لهما: هل قال لكما شيئاً؟ قالتا: نعم، كلمة تملأ الفم، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم انسلَتا. وأقبلت حتى حيَّيت رسول الله ﷺ بالسلام فقال: من أنت؟ وممن أنت؟ ومن أين جئت؟ وما جاء بك، فأنشأت أعلمه الخبر فقال: من أين كنت تأكل وتشرب؟ فقلت: من ماء زمزم. قال: أما إنه طعام طعم، ومعه أبو بكر فقال: يا رسول الله، ائذن لي أن أعشّيَه؟ قال: نعم، ثم خرج رسول الله ﷺ يمشي، وأخذ أبو بكر بيدي حتى وقف رسول الله ﷺ بباب أبي بكر، ثم دخل أبو بكر، ثم أتانا بزبيب من زبيب الطائف، فجعل يلقيه لنا قُبَصاً قُبَصاً، ونحن نأكل حتى تَملأنا، فقال لي رسول الله ﷺ يا أبا ذر فقلت: لبيك، قال: إنه قد رفعت لي أرض وهي ذات نخل ولا أحسبها إلاّ تهامة، فاخرج إلى قومك فادعهم إلى ما دخلت فيه، قال: فخرجت حتى أتيت أمي وأخي فأعلمتهما الخبر فقالا: ما بنا رغبة عن الدين الذي دخلتَ فيه، قال: فخرجت حتى أتيت أمي وأخي فأعلمتهما الخبر فقالا: ما بنا رغبة عن الدين الذي دخلتَ فيه، فأسلما، ثم خرجنا حتى أتينا المدينة، فأعلمت قومي فقالوا: إنا قد صدقناك، ولكنا نلقى محمداً ﷺ . فلما قدم علينا رسول الله ﷺ أتيناه فقالت له غفار: يا رسول الله، إن أبا ذر قد أعلمنا ما أعلمته، وقد أسلمنا وشهدنا أنك رسول الله، ثم تقدمت أسْلَمُ خزاعة فقالوا: يا رسول الله، إنا قد رغبنا ودخلنا فيما دخل

стр. 3955

فيه إخوتنا وحلفاؤنا، فقال رسول الله ﷺ : أسْلَمُ سالمها الله، وغِفار غفر الله لها. قال: ثم أخذ أبو بكر بيدي، فقال: يا أبا ذر، فقلت: لبيك يا أبا بكر، قال: هل كنت تتأله في جاهليتك؟ قلت: نعم، لقد رأيتني أقوم عند الشمس فما أزال مصلياً حتى يؤذيني حرها، فأخرَّ كأني خِفاء، فقال لي: فأين كنت توجّه؟ قال: قلت: لا أدري إلاّ حيث وجّهني الله حتى أدخل الله عليَّ الإسلام. قال عبّاد بن الرَّيان اللخمي: كنت عند هشام فأقبل مكحول، فأمر هشام أن يؤتى بالسيف والنِّطع ليضرب رقبة مكحول، فقام رجل من الناس فقال: ائذن لي يا أمير المؤمنين أن أتكلم، قال: تكلم. قال: إني سمعت مكحولاً يقول: لا أبقاني الله بعد هشام، قال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: ردّوا السيف والنّطع. عبّاد بن زياد المعروف أبوه بزيادة بن أبي سفيان، أبو حرب من البصرة، قدم دمشق غير مرة، وشهد وقعة مرج راهط من مروان بن الحكم. روى ابن شهاب عن عبّاد بن زياد وهو من ولد المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة أنه ذهب مع رسول الله ﷺ لحاجته في غزوة تبوك. قال المغيرة: فذهبت معه بماء، فجاء رسول الله ﷺ فسكبت عليه فغسل وجهه، ثم ذهب يُخرج يده من كُمَّيْ جُبَّتهِ، فلم يستطع من ضيق كُمّيْ جُبَّته، فأخرجها من تحت جبته، فغسل يديه ومسح برأسه، ومسح على الخفين، فجاء النبي ﷺ وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم، وقد صلّى لهم ركعة، فصلّى رسول الله ﷺ معهم الركعة التي بقيت عليهم، ففزع الناس، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: أحسنتم.

стр. 3956

قال مصعب: أخطأ مالك في قوله: وهو من ولد المغيرة. قال: وصوابه: عباد بن زياد عن رجل من ولد المغيرة، وهو عروة. والله أعلم. وزاد في حديث آخر: ثم قال: أحسنتم وقد أصبتم، يغبطهم أن صلّوا الصلاة لوقتها. وصرَّح في حديث آخر: فوجد عبد الرحمن بن عوف قد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر. وحدّث عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ مسح على الخفين. توفي زياد بالكوفة سنة ثلاث وخمسين. مات عباد سنة مئة، وقيل: إنه مات بجرود من عمل دمشق. العباس بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن ربيعة، أبو الفضل السُّلمي المعروف بابن الصَّباغ حدّث عن أبي موسى عمران بن موسى الطَّرسوسي بسنده عن مجاهد قال: لا تقولوا رمضان، ولكن قولوا شهر رمضان. لعله اسمٌ من أسماء الله . ونسب العباس هذا الخبر إلى جده فقال: أبو الفضل العباس بن محمد بن عبد الله. توفي العباس بن الصباغ سنة ستة ست وعشرين وثلاث مئة.

стр. 3957

العباس بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب المعروف بالشافعي حدّث سنة سبعين وثلاث مئة عن مكحول بسنده عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ : " كلُ عمل منقطع عن صاحبه إلاّ المرابط في سبيل الله، فإنه يجري عليه عمله، ويجري عليه رزقه إلى يوم الحساب ". وحدّث عن عثمان بن عبد الله بن عفان الجرجرائي المعروف بالغسُولي بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلاّ بوليّ، والسلاطن ولي من لاولي له ". توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة. وكان زاهداً فاضلاً. العباس بن أحمد الشامي سمع بدمشق. وحدّي عن عبد الوهاب بن الضحاك بسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " يُسَلِّم الصغير على الكبير، ويُسلِّم الواحد على الاثنين، ويسلِّم القليل على الكثير ويسلِّم الراكب على الماشي، ويسلِّم المارّ على القائم، ويسلِّم على القاعد ". العباس بن بكير الخياط الصيداوي حدّث بصيدا عن محمد بن عبد الله الخراساني سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة بسنده عن أنس قال: سُئل النبي ﷺ : يا رسول الله، هل يثقل العرش على حَمَلَتِه؟ قال: نعم، والذي

стр. 3958

بعثني بالحق إنه ليثقل على حملته، قالوا: وفي أي وقت ذاك. قال: إذا قام المشركون إلى شركهم اشتدَّ غضب الله ، ويثقل العرش على حملته حتى يتنبه المتنبه من أمتي، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فيسكن غضب الله ، ويخف العرشُ على حملته، ويقول حملة العرش: اللهم اغفر لقائلها. العباس بن حمّاد الأنصاري سمع بدمشق. وحدّث عن سليمان ابن بنت شرحبيل عن زيد بن عنترة عن خصيف أنّ كعب الأحبار لما قدم الشام نظر إلى دمشق قال: يا مدينة الزّواني، تكبرت على المدن، والذي نفس كعب بيده ليدخلنها سبعون ألف سيف مسلول، يرفع الله عنهم الرحمة ثلاث ساعات من النهار، ثم يمكث زماناً، فيهدم حائطها، فإذا هُدم حائطها، فإذا هُدم حائطها كان من اقتراب الساعة. العباس بن حمزة بن عبد الله ابن أشرس. أبو الفضل النيسابوري الواعظ صاحب لسان وبيان. رحل في طلب الحديث وسمع بدمشق. حدّث عن عبد الرحيم بن حبيب بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " الصلاة في المسجد الحرام مئة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي عشرة آلاف صلاة، والصلاة في مسجد الرباطات ألف صلاة ". وحدث عن أحمد بن إبراهيم الدروقي بسنده عن ثابت البناني قال: والله لَلْعبادةُ أشدُّ من ثقل الكارات.

стр. 3959

قال العباس بن حمزة: وإنما ذلك أوّل ما يبتدىء فيها تثقل عليه، فإذا علم الله من عبده صدق النية يهوّن عليه حتى تكون أحلى عنده من السكر، وألذ من الماء البارد في اليوم الشديد الحر. قال العباس: سمعت ذا النون يقول: عرف المطيعون عظمتك فخضعوا، وسمع المذنبون بجودك فطمعوا. وعن العباس أنه قال: لو التفتّ طولُ أملي فعايَن قرب أجلي لاستحيا طول أملي من قرب أجلي. وسأل رجل العباس بن حمزة عن الزهد فقال: ترك ما يشغلك عن الله أخذُه، وأخذُ ما يُبعدُكَ عن الله تركُهُ. توفي العباس سنة ثمان وثمانين ومئتين. العباس بن خَرَشَة الكلابي الكوفي روى عنه أبو حسان أنه قال له بنو عمه أو بنو عمر امرأته: إن امرأته لا تحبّك، فإنْ أحببت أن تعلم ذلك فخيّرها، فقال: بابرزة بنت الحر، اختاري، فقالت: اخترت ولست بخيار، قالت ذلك ثلاث مرات. فقالوا: حرمت عليك. فقال: كذبتم، فأتى علياً فذكر ذلك له فقال: لئن قربتها حتى تنكح زوجاً غيرك لأرضخنك بالحجارة. فلما استخلف معاوية أتاه فقال: إن أبا تراب فرّق بيني وبين امرأتي بكذا وكذا، قال: قد أجزنا قضاءه عليك، أو قال: ما كنا لنردّ قضاءه عليك.

стр. 3960

العباس بن سالم بن جمَيْل ابن عمرو بن ثوابة بن الأخنس بن مالك بن النعمان ابن امرىء القيس اللخمي الدمشقي قال العباس بن سالم: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي سلاّم الحبشي، فحُمل على البريد. فلما قدم على عمر بن عبد العزيز قال: يا أمير المؤمنين، لقد شقَّ عليّ محملي علي البريد، فقال عمر: ما أردنا المشقة بك أردنا المشقة بك يا أبا سلاّم، ولكنه بلغني عنك حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ في الحوض فأحببت أن أشافهك به. قال أبو سلام: سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن حوضي من عَدَن إلى عَمَّان البلقاء، ماؤه أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، أكاويبُه عدد نجوم السماء، مَنْ شرب منه شربة لم يظمأ بعده أبداً، أول الناس وروداً عليه فقراءُ المهاجرين، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، من هم؟ قال: الشُّعث رؤوساً، الدُّنْس ثياباً، الذين لا ينكحون الممنّعات ولا يُفتح لهم أبواب السُّدد؟. قال عمر بن عبد العزيز: لا جرم والله لقد فُتحت لي أبواب السُّدد، ونكحت الممنعات: فاطمة بنت عبد الملك، إلا أن يرحمني الله، لا جرم لا أدهن رأسي حتى أشعث، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ. العباس بن سعيد أبو القاسم من ساكني بيت لهيا. حدث ببيت لهيا عن إسماعيل بن عبد الله السكري بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إن لكل دين خلقاً وخلق هذا الدين الحياء.
следующие страницы →