Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
عامر بن خُرَيم بن محمد
أبو القاسم المري حدث عن شعيب بن إسحاق بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه ".
عامر بن ربيعة بن كعب
ابن مالك بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة عن حجر بن سَلامان بن مالك. بن ربيعة بن رُفيدة بن عَنز بن وائل بن قاسط بن هِنْب ابن أفصى بن دُعمِيّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار أبو عبد الله العنزي العدوي، حليف بني عدي بن كعب من المهاجرين الأولين، ممن شهد بدراً، وأحداً، والخندق، والمشاهد كلها مع سيدنا رسول الله ﷺ . وهاجر الهجرتين، وقدم الجابية مع عمر بن الخطاب.
حدث عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: " إن رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلّفكُم أو توضع ".
وفي رواية أخرى عنه أنه قال:
" إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى تخلّفه أو توضع من قبل أن تخلّفه ".
مات بالمدينة حين نشِب الناس في أمر عثمان. وقيل: مات قبل قتل عثمان بأيام. وقد كان لزم بيته، فلم يشعر الناس إلا بجنازته قد أخرجت. وكان حليفاً للخطاب بن نفيل، وكان الخطاب لما حالفه عامر تبناه وادعى إليه، فكان يقول: عامر بن الخطاب،
стр. 3887
حتى نزل القرآن: " ادعُوهُم لآبَائِهِمْ " فرجع عامر إلى نسبه، فقيل: عامر بن ربيعة. وهو صحيح النسب في وائل. وهاجر عامر بن ربيعة إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعاً، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية. وآخى رسول الله ﷺ بين عامر بن ربيعة ويزيد بن المنذر بن سرح الأنصاري. وتوفي سنة اثنتين وثلاثين.
وقيل إن قوله تعالى: " ادعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ " الآية، نزلت في عامر بن الخطاب وزيد بن حارثة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن عمرو، فعرف آباؤهم غير سالم، فإنه لم يعرف أبوه، فثبت على ولاءِ أبي حذيفة.
وعن عائشة ﵂ قالت: لما صدر السبعون من عند رسول الله ﷺ طابت نفسه، وقد جعل الله مَنَعَة وقوماً أهلَ حرب وعدةٍ ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج، فضيقوا على أصحابه، وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ واستأذنوه في الهجرة، فقال: " قد أُريتُ دار هجرتكم، أُريت سبَخة ذات نخل بين لابَتيْن وهما الحرّتان ولو كانت الشراة أرض نخل وسباخ لقلت: هي هي "، ثم مكث أياماً، ثم خرج إلى أصحابه مسروراً، فقال: " قد أُخبرتُ بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها "، فجعل القوم يتجهزون، ويترافقون، ويتواسَوْن، ويخرجون ويُخفون ذلك، فكان أولّ من قدم المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم قدم بعده عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله ﷺ أرسالاً، فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآوَوْهم، ونصروهم، وآسَوْهم.
стр. 3888
وعن ابن عباس قال: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ " قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة.
وعن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه، وكلّم فيه رسول الله ﷺ ، فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ وادياً، ما في العرب وادٍ أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، قال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: " اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَِ ".
حدث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قام عامر بن ربيعة فصلى من الليل، وذلك حين شغب الناس في الطعن على عثمان، فصلى من الليل ثم قام، فأُتي في منامه فقيل له: قم، فسَلِ الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالحَ عبادِه، فقام فصلى ثم اشتكى.
قال: فما خرج قط إلا جنازةً.
توفي عامر بن ربيعة سنة ثلاث وثلاثين. وقيل: سنة سبع وثلاثين. وقيل: سنة ست وثلاثين.
عامر بن سعيد
أبو حفص القرشي الخراساني البزاز نزيل دمشق.
حدث عن أبي معاوية بسنده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة لسوقاً، ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من النساء والرجال ".
стр. 3889
وحدث عن القاسم بن مالك بسنده عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي أطلب حاجة لنا، وذلك أول ما ذُكر رسول الله ﷺ بمكة، فآواني المبيت إلى صاحب غنم، فجاء الذئب نصف الليل، فأخذ حملاً من غنمه، فنادى: يا عامر، الوادي جارك، فإذا منادٍ لا يراه: يا سرحان، أرسله، فجاءَ الحمل، ما به كَدْمة، حتى دخل في الغنم، وأُنزل على رسول الله ﷺ بمكة: " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ فزَادُوهُمْ رَهَقاً ".
وحدث عامر عن هشام بن يوسف بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :
" سُدوّا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر ".
عارم بن شبل الجرمي
قال عامر بن شبل: سمعت أبا قلابة يقول: في الجنة قصر لصوّام رجب.
وقال عامر: رأيت أبا قلابة يرفع يديه في قنوته.
عامر بن شراحيل بن عَبد
أبو عَمرو الشعبي الكوفي قدم دمشق.
روى الشعبي قال: كان أبو سعيد جالساً فمرت به جنازة، فقام، فقال له مروان: اجلس، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ قام، فقام مروان معه.
стр. 3890
وحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله : ابن آدم، إنك ما ذكرتني شكرتني، وما نسيتني كفرتني ".
ذكر الشعبي أنه ولد عام جلولاء. وقيل: كان عام جلولاء سنة سبع عشرة. وقيل: ولد سنة عشرين. وقيل: إحدى وعشرين. وقيل: سنة ثمان وعشرين.
قال محمد بن سعد: في الطبقة الثانية من أهل الكوفة عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي، وهو من حِمْيَر، وعداده في هَمْدان.
قال محمد بن أبي أمية، وكان عالماً: إن مطراً أصاب اليمن، فجعف السيل موضعاً، فأبدى عن أَزَجٍ عليه باب من حجارة، فكسر الغَلْق فدخل، فإذا بهو عظيم فيه سرير من ذهب، وإذا عليه رجل، قال: فشبرناه فإذا طوله اثنا عشر شبراً وإذا عليه جِباب من وشي منسوجة بالذهب، وإلى جنبه مِحْجَن من ذهب على رأسه ياقوتة حمراء، وإذا رجل أبيض الرأس واللحية، له ضفيرتان، وإلى جنبه لوح مكتوب فيه بالحِمْيَرية: باسمك اللهم، ربّ حِمْيَر، أنا حسان بن عمرو القَيْل، إذ لا قَيْل إلا الله، عشتُ بأمل، ومتّ بأجل، أيام وَخْز هَيْد، وما وخز هيد، هلك فيه اثنا عشر ألف قَيْل فكنت آخرهم قَيْلاً. فأتيت جبل ذي شَعْبين لُيجيرني من الموت فأخفرني، وإلى جنبه سيف مكتوب فيه بالحميرية: أنا قُبار، بي يدرك الثار.
стр. 3891
قال عبد الله بن محمد بن مرّة الشعباني: هو حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن حُشّم بن عبد شمس بن وائل بن عوف بن قَطَن بن عَريب بن زهير بن أيمن بن الهَمَيْسَع بن حِمْيَر. وحسان هو ذو الشَّعبين، وهو جبل باليمن نزله هو وولده، ودفن به، ونسب إليه هو وولده. فمن كان بالكوفة قيل لهم: شعبيون، منهم عامر الشعبي، ومن كان بالشام قيل لهم: شعبانيون، ومن كان باليمن قيل لهم: آل ذي شعبين، ومن كان بمصر والمغرب قيل لهم: الأشعوب، وهم جميعاً بنو حسان بن عمرو ذي شعبين. فبنو علي بن حسان بن عمرو رهط عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي دخلوا في أُخمور هَمْدان باليمن، فعدادهم فيه. والأُخمور: خارف، والصائديون، وآل ذي بارق والسَّبيع، وآل ذي حُدّان، وآل ذي رضوان، وآل ذي لَعْوة، وآل ذي مُرَان. وأعراب هَمْدان: عُذْر، ويام، ونُهم، وشاكر، وأرحب. وفي هَمْدان مِن حِمْيَر قبائل كثيرة منهم: آل ذي حَوال، وكان على مقدمة تُبّع، منهم يَعْفُر بن الصّباح المتغلب على مخاليف صنعاء اليوم.
وكان الشعبي ضئيلاً، نحيفاً، وكان وُلِد هو وأخ له تَوَماً، فقيل: يا أبا عمرو، مالنا نراك ضئيلاً؟! قال: إني زوحمت في الرحم.
قد الشعبي الشام على عبد الملك بن مروان، وقدم إلى مصر رسولاً من عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز، ويقال: بل بلغ عبد العزيز بن مروان براعته وعقله وطيب مجالسته، فكتب إلى أخيه عبد الملك في أن يؤثره الشعبي، ففعل، وكتب إليه: إني آثرتك به على نفسي فلا يلبث عندك إلا شهراً أو نحو شهر، فأقام بمصر عند عبد العزيز نحو أربعين يوماً، ثم رده إلى أخيه عبد الملك.
وأم عامر من سبي جلولاء.
стр. 3892
قال أبو نصر: أما كِبار بكسر الكاف وباء موحدة وآخره راء فهو قَيل من أقيال اليمن، من ولده عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار.
قال الشعبي: أدركت خمس مئة من أصحاب النبي ﷺ كلهم يقولون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
وقال: أدركت خمسمئة من أصحاب النبي ﷺ أو أكثر كلهم يقول: عثمان وعلي وطلحة والزبير في الجنة.
وقال الشعبي: ما كتبت سواداً في بياض قط، ولا حدثني رجل حديثاً إلا حفظته، وما أحببت أن يعيده علي.
وقال الشعبي: ما سمعت منذ عشرين سنة رجلاً يحدث بحدث إلا أنا أعلم به منه، ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان به عالماً.
وفي حديث آخر بمعناه: ثم يقول: هذا وقد زوحمتُ في الرحم. كيف لو كنت نسيج وحدي؟ وعن الشعبي أنه قال:
ما أروي شيئاً أقلَّ من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهراً لا أعيد.
قال أبو أسامة: كان عمر بن الخطاب في زمانه، رأس الناس، وهو جامع، وكان بعده ابن عباس في زمانه، وكان بعد ابن عباس في زمانه الشعبي، وكان بعد الشعبي في زمانه سفيان الثوري، وكان بعد الثوري في زمانه يحيى بن آدم.
стр. 3893
قيل للشعبي: من أين لك كل هذا العلم؟ قال: بنَفْيِ الاغتمام، والسير في البلاد، وصبرٍ كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب.
وعن الشعبي: أن ابن عمر سمعه يحدث بأحاديث المغازي، فاستمع له وقال: إن هذا الفتى ليحدث بأحاديث قد حضرناها، هو أعلم بها منا.
قال: ما لقيت أحداً أعلم بسنة ماضية من الشعبي.
وقال أيضاً: ما رأيت أفقه من الشعبي.
وقال منصور: ما رأيت أحداً أحسب من الشعبي.
قال صالح بن مسلم: لقيت الشعبي بالسُّدة فمشيت معه حتى حاذتنا أبواب المسجد فنظر إليه فقال: الله يعلم، لقد بغّض إليّ هؤلاء هذا المسجد. قلت: مَن يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الرأييون، أصحاب الرأي. قيل: مَن في المسجد؟ قال: الحكم بن عُتيبة ونظراؤه، ثم مضى، فلقيه رجل، فسأله عن الورع فأبى أن يجيبه، فألح عليه فقال: يا عبد الله، إنك إن علمت، ثم علمت كان أوجب عليه بالحجة، وإن عملت قبل أن تعلم كان أيسر عليك في الأمر. قال: ثم مضينا نحو باب القصر فلقيه رجل، فقال: يا أبا عمرو، ما تقول في الرجل يضرب مملوكه؟ فقال بيده يقلبها: ما أدري، يوم يضرب الشعبي مملوكه فهو حرّ يومئذ.
قال سعيد: كلمت مطراً الوراق في بيع المصاحف فقال: أتنهوني عن بيع المصاحف وقد كان حَبْرا هذه الأمة أو قال: فقيها هذه الأمة لا يريان به بأساً: الحسن والشعبي!.
стр. 3894
وعن أبي عون قال: ذكر إبراهيم والشعبي فقال: كان إبراهيم يسكت، فإذا جاءت الفتن أو الفتيا انبرى لها. وكان الشعبي يتحدث، ويذكر الشعر وغير ذلك، فإذا جاءت الفتنة أو الفتيا أمسك.
وعن حماد بن زيد وذكر له قول إبراهيم: في الفأرة جزاء إذا قتلها المحرم فقال حماد: ما كان بالكوفة رجل أوحش ردّاً للأثار من إبراهيم، وذلك لقلة ما سمع من حديث النبي ﷺ ، ولا كان بالكوفة رجل أحسن اتباعاً، ولا أحسن اقتداء من الشعبي، وذلك لكثرة ما سمع.
قال الشعبي: والله إنه لعلم حسن أن يقول الرجل إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم.
قال أبو وهب محمد بن مزاحم: قيل للشعبي: إنا لنستحيي من كثرة ما تُسأل فتقول: لا أدري، فقال: لكن ملائكةُ الله المقربون لم يستحيوا حيث سئلوا عما لا يعلمون أن قالوا: " لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ".
كان إبراهيم النَّخَعي صاحب قياس، والشعبي صاحب آثار، وكان الشعبي منبسطاً، وكان إبراهيم منقبضاً فإذا وقعت الفتوة انقبض الشعبي، وانبسط إبراهيم.
قال الشعبي: اقتصاد في سُنّة خير من اجتهاد في بدعة.
قال الشعبي: تفرق الناس منذ وقع هذا الأمر يعني: قَتْل عثمان على أربعة أصناف: محب
стр. 3895
لعلي مبغض لعثمان، محب لعثمان مبغض لعلي، محب لهما كلاهما، مبغض لهما كلاما. قيل: يا أبا عمر، من أي هذه الأصناف أنت؟ قال: محبّ لهما جميعاً.
قال الشعبي: أحبَّ أهل بيت نبيّك، ولا تكن رافضياً، واعمل بالقرآن، ولا تكون حرورياً، واعلم أن ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولا تكن قدرياً، وأطعِ الإمام وإن كان عبداً حبشياً.
وفي حديث بمعناه: وقِفْ عند الشبهات ولا تكون مرجئاً.
وذكر الشعبي الرافضة فقال: ولو كانوا من الطير لكانوا رَخَماً، ولو كانوا من الدواب لكانوا حُمُراً.
وكان الرجل يخرج إلى السوق في الحاجة، فيمرّ بالمسجد فيقول الرجل: أدخل فأصلي ركعتين، ثم أخرج فأقضي حاجتي، فيرى الشعبي يحدث فيجلس إليه حتى تفوته حاجته. ويفترض السوق. فكان هذا الرجل يقول للشعبي: أيْ مبطلَ الحاجات، أيْ مبطلَ الحاجات.
كان الشعبي لا يقوم من مجلسه حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: وأشهد أن الدين كما شرع، وأشهد أن الإسلام كما وصف، وأشهد أن الكتاب كما أنزل، وأن القرآن كما حدث، وأشهد أن الله هو الحق المبين. فإذا ذهب لينهض قال: ذكر الله محمداً منا بالسلام.
قال الشعبي: ما ضربت مملوكاً لي قط، ولا أخذت له ضريبة.
стр. 3896
جاء رجل إلى الشعبي فشتمه في ملأ من الناس فقال الشعبي: إن كنت كاذباً فغفر الله لك، وإن كنت صادقاً فغفر الله لي.
وعن الشعبي قال: العلم أكثر من أن يُحصى، فخذ من كل شيء أحسنه.
وعنه قال: ليس حسن الجوار أن تكفَّ أذاك عن الجار، ولكن حسن الجوار أن تصبر على أذى الجار.
وكان الشعبي من أولع الناس بهذا البيت: " المديد "
ليستِ الأحلامُ في حينِ الرضا ... إنما الأحلامُ في حينِ الغضبْ
كان الشعبي يحدث ورجل خلفه يغتابه، فالتفت فقال: " الطويل "
هنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مُخامرٍ ... لعزَّةَ من أعراضِنا ما استحلَّتِ
دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان، فقال: يا شعبي، لقد وخِمتَ من كلّ شيء إلا في الحديث الحسن، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الحديث ذو شجون تُسلى به الهموم، قال: يا شعبي، ما العلم؟ قال: يا أمير المؤمنين: العلم ما يقربك من الجنة، ويباعدك من النار، قال: يا شعبي، ما العقل؟ قال: ما يعرّفك عواقب رُشْدك ومواقع غيّك، قال: متى يَعرِف الرجل كمال عقله؟ قال: إذا كان حافظاً لسانه، مدارياً لأهل زمانه، مقبلاً على شانه.
وجّه عبد الملك بن مروان عامراً الشعبي إلى ملك الروم في بعض الأمر، فاستكثر الشعبيَّ، فقال له: أمن أهل بيت الملك أنت؟ قال: لا، قال: فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمّله رقعة لطيفة، وقال له: إذا رجعت إلى صاحبك فأبلغته جميع ما تحتاج إلى
стр. 3897
معرفته من ناحيتنا فادفع إليه هذه الرقعة. فلما صار الشعبي إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره، ونهض من عنده،. فلما خرج ذكر الرقعة، فرجع فقال: يا أمير المؤمنين، إنه حمّلني إليك رقعة نسيتها، حتى خرجت، وكانت في آخر ما حمّلني، فدفعها إليه ونهض، فقرأها عبد الملك فقال: أعلمت ما في الرقعة؟ قال: لا، قال: فيها: " عجبت من العرب كيف ملّكت غير هذا ". أفتدري لم كتب إليّ بهذا؟ قال: لا، فقال: حسدني بك، فاراد أن يغريني بقتلك، فقال الشعبي: لو كان رآك يا أمير المؤمنين ما استكثرني، فبلغ ذلك ملك الروم وما ذكر عبد الملك فقال: لله أبوه، والله ما أردت إلا ذاك.
وفي موضع آخر أنه لما قال له: أنت أحق بموضع صاحبك منه، قال له: على بابه عشرة آلاف كلهم خير مني، فقال: هذا من عقلك، ثم قال: يا شعبي، أريد أن أسألك عن ثلاث خلال، فإن خرجت منهن فأنت أعلم الناس، قلت: سَلْ، قال: حتى تخرج وأشيعك وأسألك عنهن فتمضي وليس في نفسي منهن شيء. فلما شيعني قلت: سَلْ عن الثلاث خلال، فقال: يا شعبي، لكم مَثَلٌ؟ قلت: نعم، ليس في الأرض مَثَل مثله، قال: وما هو؟ قال: قلت: إذا لم تستَحْي فاصنع ما شئت. قال: حسبك، ما سمعت بهذا المثل قط، قال: يا شعبي، لم غيّرت لحيتك بصفرة، ألا صبرت على البياض كما ابتُليت، لو رددتها إلى نسجها الأول فخضبت بالسواد؟ فقلت هذه سُنّة نبينا، قال: ما جاء به البنون فليس فيه حيلة، قال: أخبرني؛ أنت خير أم أبوك؟ قال: أبي خير مني، قال: وأنت خير من ابنك؟ قلت: نعم، قال: وابنك خير من ابن ابنك؟ قلت: نعم، قال: الحمد لله الذي ظفرني بك يا شعبي، آخركم يكون قردة وخنازير إذا كنتم تزدادون في كل قَرن شرّاً.
هرب الشعبي من الحجاج بن يوسف حتى وقع إلى خراسان، فكتب عبد الملك إلى قتيبة بن مسلم في طلبه، وردِّه إلى حضرته. فلما ورد على عبد الملك خطّأه عبد الملك في أول مجلس جلس إليه في ثلاث: سمع من عبد الملك حديثاً فقال: أَكْتِبْنِيه يا أمير المؤمنين، فقال: نحن معاشرَ الخلفاء لا نُكتِب، وذكر الشعبي رجلاً فكناه فقال: نحن معاشر الخلفاء لا يُكنى في مجالسنا الناس، ودخل الأخطل على عبد الملك فدعا له
стр. 3898
بكرسي، فقال له الشعبي: مَن هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: نحن الخلفاء فلا نُسأل، فأخجله.
قال الشعبي:
لما قدم الحجاج الكوفة قال لابن أبي مسلم: اعرض عليّ العرفاء، فعرضهم عليه، فرأى فيهم وُخْشاً من وَخْش الناس، قال: ويحك! هؤلاء خلفاء الغزاة في عيالهم؟! قال: نعم، قال: اطرحهم واغدُ علي بالقبائل، فغدا عليه بالقبائل على راياتها، فجعلوا يُعرَضون عليه، فإذا وقعت عينه على رجل دعاه، فدعا بالشعبيين، فمرت به السنّ الأولى، فلم يدع منهم أحداً. ومرّت السنّ الثانية فدعاني، فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقال: اجلس، فجلست، فقال: قرأت القرآن؟ قلت: نعم: قال: فرضتّ الفرائض؟ قلت: نعم، قال: فما تقول في كذا وكذا، في قول أبي تراب؟ فأخبرته، فقال: أصبت، فقال لي: نظرت في العربية؟ فقتل: نعم. قال: رويت الشعر؟ قلت: قد نظرت في معانيه، قال: نظرت في الحساب؟ قلت: نعم، فقال ابن أبي مسلم: إنا لنحتاج إليه في بعض الدواوين، قال: رويت مغازي رسول الله ﷺ قلت: نعم، قال: حدثني بحديث بدر، قال: فابتدأت له من رؤيا عاتكة حتى أذن المؤذن الظهر، ثم دخل وقال لي: لا تبرح، فخرج فصلى الظهر وأتممتها له، فجعلني عريفاً على الشعبيين، ومَنكِباً على جميع هَمْدان، وفرض لي في الشرف. فلم أزل عنده بأحسن منزلة حتى كان عبد الرحمن بن الأشعث، فأتاني قراء أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا عمرو، إنك زعيم القراء، فلم يزالوا حتى خرجت معهم، فقمت بين الصَّفَّين أذكر الحجاج وأعيبه بأشياء قد علمتها، قال: فبلغني أنه قال: ألا تعجبون من هذا الشعبي الخبيث الذي جاءني وليس في الشرق من قومه، فألحقته بالشرف، وجعلته عريفاً على الشعبيين، ومَنكباً على جميع همدان، ثم خرج مع عبد الرحمن يحرض علي! أما لئن أمكن الله منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مَسْك حَمَل. قال: فما لبثنا أن هربنا، فجئت إلى بيتي فدخلته،
стр. 3899
فمكثت تسعة أشهر، الدنيا أضيق علي كما قال من مَسْك حَمَل. فندب الناس لخراسان، فقام قتيبة بن مسلم فقال: أنا لها، فعقد له على خراسان، وعلى ما غلب عليه منها، وأمّن له كل خائف. فنادى مناديه: من لحق بعسكر قتيبة فهو آمن. فجاءني شيء، لم يجئني شيء هو أشد منه، فبعثت مولى لي، فاشترى لي حماراً، وزودني، ثم خرجت مع العسكر، فلم أزل معه حتى أتينا فرغانة، فجلس ذات يوم وقد بَرِق، فعرفت ما يريد، فقلت: أيها الأمير، عندي علم ما تريد، قال: ومن أنت؟ قال: قلت: أعيذك ألا تسأل عن ذاك، قال: أجل، فعرف أني ممن يُخفي نفسه، فقال: فدعا بكتاب، فقال: اكتب نسخة، قلت: لستّ تحتاج إلى ذلك، فجعلت أملي عليه، وهو ينظر إلي حتى فرغت من كتاب الفتح، قال: فحملني على بغلة، وأرسل إلي بسَرَق من حرير، وكنت عنده بأحسن منزلة، فإني ليلة أتعشى معه إذا أنا برسول من الحجاج بكتاب فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فإن صاحب كتابك عامرٌ الشعبي، فإن فاتك قطعت يدك على رجلك وعزلتك، قال: فالتفت إلي فقال: ما عرفتك قبل الساعة، فاذهب حيث شئت من الأرض، فوالله لأحلَفن له بكل يمين، قال: قلت: أيها الأمير، إن مثلي لا يخفى، فقال: أنت أعلم، قال: فبعثني إليه مع قوم وأوصاهم بي. قال: إذا نظرتم إلى خضراء واسط فاجعلوا في رجليه قيداً، ثم أدخِلوه على الحجاج. فلما دنوت من واسط استقبلني ابن أبي مسلم، فقال: يا أبا عمرو، إني لأضنّ بك على القتل، إذا دخلت على الأمير فقل كذا وقل كذا. قال: فسكتُ عنه، ثم دخلت على الحجاج، فلما رآني قال: لا مرحباً ولا أهلاً يا شعبي الخبيث، جئتني ولست في الشرف من قومك ولا عريفاً ولا مَنكباً، فألحقتك بالشرف، وجعلتك عريفاً على الشعبيِّين، ومَنكِباً على جميع هَمْدان، ثم خرجت مع عبد الرحمن تحرض عليّ! قال: وأنا ساكت لا أجيبه، قال: فقال لي: تكلّمْ. قال: قلت: أصلح الله الأمير، كل ما ذكرت من فعلك فهو على ما ذكرت، وكل ما ذكرت من خروجي مع عبد الرحمن فهو كما ذكرت،
стр. 3900
ولكنا قد اكتحلنا بعدك السهر. وتحلَّسنا الخوفّ، ولم نكن مع ذلك بَرَرة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فهذا أوان حقنت لي دمي. واستقبلت بي التوبة. قال: قد حقنت دمك، واستقبلت بكل التوبة. قال: فقال ابن أبي مسلم: الشعبي كان أعلم بي مني حيث لم يقبل الذي قلت له.
ولي عامر قضاء الكوفة، ولاه عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب والي عمر بن عبد العزيز على العراق.
قال أبو السكن:
دخلت على الشعبي بالغداة، وهو يأكل خبزاً وجبناً فقلت: ما هذا يا أبا عمرو؟! فقال: آخذ حكمي قبل أن أخرج. يريد: قبل أن أخرج إلى مجلس القضاء حتى إذا حكم يكون شعبان.
قال عامر بن مسلم: إني لجالسُ في مسجد الكوفة ومعنا هذيل الأشجعي، والشعبي جالس في مجلس القضاء إذ مرت بنا أم جعفر بنت عيسى جراد - وكانت امرأة حسنة، وعليها كساء خزّ أسود - في مجلس القضاء في خصومة لها، فذهبت إليه ثم رجعت، فقال لها هذيل: ما صنعتِ؟ فقالت: سألني البيّنة، ومن يُسأل البينة فقد أفلح، فقال هذيل: دواة وقرطاس، فكتب إلى الشعبي: " مجزوء الرمل "
فُننِ الشعبي لما ... رفعَ الطرفَ إليها
فَتنَتْه ببَيانٍ ... كيف لورا معصمَيها؟
ومشت مشياً رويداً ... ثم هزّت مَنْكِبَيْها
بنتُ عيسى بن جرادٍ ... دفع الملكَ إليها
стр. 3901
وقضى جَوْراً على الخَصْ ... مِ ولم يقضِ عليها
قالَ للجلوازِ: قدِّمْ ... ها وأحضِرْ شاهدَيْها
كيفَ لو أبصرَ منها ... نحرَها أو ساعدّيها
لَسعى حتى تراه ... ساجداً بينَ يديها
فلما قرأ الشعبي الكتاب قال: أرغم الله أنفه، ما قضينا إلا بحق.
وفي رواية أن الشعبي قال: إن كنتّ كاذباً فأعمى الله بصرك، قال: فعمي الرجل.
وفي رواية قال له عبد الملك: يا شعبي، بلغني أنه اختصم إليك امرأة وبعلها، فقضيت للمرأة على بعلها، فأخبرني عن قصتها، فأخبره، فقال له عبد الملك: ما صنعت به يا شعبي؟ قال: أوجعت ظهره حين جوّرني في شعره.
قال الشعبي لعُمر بن هُبَيرة: عليك بالتؤدة، فإنك على فِعل ما لم تفعل أقدر منك عل ردّ ما فعلت.
قال الشعبي: اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين فإنهما آفة كل مفتون.
قال الشعبي: زَيْن العلم بحِلم أهلِه.
وقال: آفةُ خُلْفُ الموعد.
قال الشعبي: تعاشر الناس زماناً بالدين والتقوى، ثم رُفع ذلك فعاشروا بالحياء والتذمُّم، ثم رُفع ذلك فما يتعاشر الناس إلى بالرغبة والرهبة، وأظنه سيجيء ما هو شرّ من هذا.
стр. 3902
قال الشعبي: الرجال ثلاثة: فرجلٌ، ونصف رجل، ولا شيء: فأما الرجل التام فالذي له رأي وهو يستشير، وأما نصف الرجل فالذي ليس له رأي وهو يستشير، وأما الذي لا شيء فالذي ليس له رأي ولا يستشير.
قال الشعبي: عيادة حمقى القراء أشدُّ على المريض من مريضهم، يجيئون في غيرِ حينِ عيادةٍ، ويطيلون الجلوس.
وزاد في حديث آخر: حتى يُضجروا العليل وأهله.
قال الشعبي: كنت مع قتيبة بن مسلم بخراسان على مائدته فقال لي: يا شعبي، من أيّ شراب أسقيك؟ قلت: أهونه موجوداً، وأعزه مفقوداً، قال: يا غلام، اسقه الماء.
سئل الشعبي عن رجل فقال: رزين المقعد، نافذ الطعنة، فزوَّجوه، ثم علموا أنه خياط، فقالوا للشعبي: غررتنا. قال: ما كذبتكم.
دخل رجل إلى مسجد ومع الشعبي امرأة فقال: أيكم الشعبي؟ فقال: هذه.
دخل الشعبي الحمام فرأى داود الأودي بلا مئزر، فغمَّض عينيه، فقال له داود: متى عميت يا أبا عمرو؟ قال: منذُ هتكَ الله سترك.
قال عامر بن يساف: قال لي الشعبي: امض بنا حتى نفرّ من أصحاب الحديث. قال: فمضينا حتى أتينا الجبانة. قال: فكوّم كومة ثم اتكأ عليها، فمرّ بنا شيخ من أهل الحيرة عِباديّ، فقال له الشعبي: يا عبادي، ما صنعتك؟ قال: رفّاء. قال: عندنا دنّ مكسور، ترفوه لنا؟ قال: إن هيأت لي سُلوكاً من رمل رفيتُ لك دّنَّك. قال: فضحك الشعبي حتى استلقى، ثم قال: هذا أحب إلينا من مجالسة أصحاب الحديث.
стр. 3903
كان الشعبي ينشد: " البسيط "
أرى أناساً بأدنى الدينِ قد قنِعوا ... ولا أراهم رَضُوا في العيش بالدونِ
فاستغنِ باللهِ عن دنيا الملوكِ كما استغ ... نى الملوكُ بدنياهُم عنِ الدينِ
قال ابن ادريس: قلت لابن أبي الزناد: ما كان أبو الزناد يقول في الشعبي؟ قال: ما أفقهه! قلت: أين هو من أهل المدينة؟ قال: ولا مثل غلمانهم.
روى عبد الملك عن سعيد بن جبير قال: العمرة تطوُّع. قال فذكرته للشعبي فقال: هي واجبة، فقال سعيد بن جبير: كذب الشعبي.
قال زكريا بن يحيى الكندي:
دخلت على الشعبي وهو يشتكي، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: أجدني وَجِعاً مجهوداً، اللهم، إني أحتسب نفسي عندك، فإنها أعزّ الأنفس عليّ.
وقيل: إنه مات فجأة.
قال إسماعيل بن أبي خالد: مرّ بي الشعبي وهو راكب على إكاف، ثم دخل داره، فصاحوا عليه: مات فجأة.
وعن أشعث بن سوّار قال: نعى لنا الحسن البصري الشعبيَّ فقال: كان والله ما علمتُ كثير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان.
توفي سنة ثلاث ومئة. وقيل: سنة أربع ومئة. وقيل: سنة خمس. وقيل: سنة ست. وقيل: سنة سبع. وقيل: سنة عشر ومئة، وسنّه سبع وسبعون. وقيل: جاوز الثمانين.
стр. 3904
عامر بن أبي عامر
عُبَيد بن وهب الأشعري هاجر به أبوه من اليمن، وأدرك النبي ﷺ وغزا معه.
حدث عامر الأشعري أن النبي ﷺ قال للمرأة التي سألته عن زوجها فقال: " إنه لو كان أجذم متقطعاً تسيل إحدى منخريه دماً، والآخر قيحاً فمصصت ذاك لم تقض حق الله الذي عليك ".
وعن عامر بن أبي عامر الأشعري عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " نعم الحيّ الأزد والأشعريون، لا يُغلَبون على القتال، ولا يجبُنون، هم مني وأنا منهم ".
فحدثت به معاوية فقال: إنما قال رسول الله ﷺ : " هم مني وإليّ ".
قال: قلت: هكذا حدثني أبي قال: فأنت أعلم بحديث أبيك.
عامر بن عبد الله بن الجراح
ابن هلال بن أُهَيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو عبيدة القرشي الفهري أمين الأمة، وأحد العشرة الذين شهد لهم سيدنا رسول الله ﷺ بالجنة، ومات وهو عنهم راضٍ.
وكان أحد الأمراء الذين وُلوا فتح دمشق، وشهدوا اليرموك، ثم أفضت إليه إمرة الشام.
стр. 3905
حدث أبو عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ قال: " أخرجوا يهود الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب. واعلموا أن شرّ الناس الذين اتخذوا قبورأنبيائهم مساجد ".
وعن أبي عبيدة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر قومه الدجال، وإن أُنذِرُكموه. فوصفه لنا رسول الله ﷺ فقال: لعله سيدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي. قالوا: يا رسول الله، فكيف قلوبنا يومئذ أمثلها اليوم؟ قال: وخير ".
شهد أبو عبيدة بدراً وأُحُداً مع سيدنا رسول الله ﷺ ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله ﷺ من المغفر يوم أحد، فانتزعت ثنيتاه، فحسَّنتا فاه. فقيل: ما رُئي هَتْم قط أحسن من هَتْم أبي عبيدة.
قالوا: وشهد الخندق والمشاهد كلها. وبعثه رسول الله ﷺ إلى ذي القصة سرية في أربعين رجلاً.
وكان يقال: داهيتا قريش أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح. ودعا أبو بكر الصديق يوم توفي سيدنا رسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة إلى البيعة لعمر بن الخطاب أو أبي عبيدة بن الجراح، وقال: قد رضيت لكم أحدهما. وولاه عمر بن الخطاب الشام، وفتح الله عليه اليرموك والجابية.
وأم أبي عبيدة أميمة بنت غَنْم بن جابر بن عبد العزي. ودَرَج وَلَد أبي عبيدة بن الجراح، فليس له عقب.
وآخى رسول الله ﷺ بين أبي عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة. وكان أبو عبيدة يُسمى القوي الأمين.
стр. 3906
وكان رجلاً نحيفاً معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالاً، أجنأ، أثرم الثنتين، وكان يخضب. شهد بدراً وهو ابن إحدى وأربعين سنة. ومات في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
حدث يزيد بن رومان قال: انطلق عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله ﷺ فعرض عليهم الإسلام، وأبنأهم بشرائعه، فأسلموا جميعاً في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول سيدنا رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها.
وقيل: إن رسول الله ﷺ آخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن معاذ بن النعمان أخي بني عبد الأشهل.
قال عبد الله بن شوذب:
جعل أبو أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يحيد عنه. فلما أكثر قصَدَه فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية حين قتل أباه: " لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ باللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّوْنَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أوْ أَبْنَاءَهُمْ أوْ إْخْوَانَهُمْ أَوْ عَشيْرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوْبِهِمُ الإِيْمانَ " الآية.
وعن عائشة ﵂ قالت: أخبرني أبي قال: كنت في أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلاً مع رسول الله ﷺ يقاتل دونه أُراه قال: ويحميه قلت: كن طلحة، حين فاتني ما فاتني، وبيني وبين المشركين رجل لأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف السعي تخطُّفاً لا أخطفه، حتى دُفعت إلى النبي ﷺ فإذا حلقتان من المغفر قد نشبتا في وجهه، وإذا هو أبو عبيدة. فقال النبي ﷺ : عليكم صاحبك يريد: طلحة وقد نزف فلم يُنظر إليه، فأقبلنا إلى النبي ﷺ فأرادني أبو عبيدة على أن أتركه، فلم يزل بي حتى تركته، فأكب على
стр. 3907
رسول الله ﷺ فأخذ حلقة قد نشبت في وجه رسول الله ﷺ فكره أن يزعزعها فيشتكي النبي ﷺ فأزمَ عليها بفيه ثم نهض عليها، فندرت ثنيته، ونزعها، فقلت: دعني، فأبى وطلب إلى، فأكبّ على الأخرى فصنع بها مثل ذلك، فنزعها، وندرت ثنيته، فكان أبو عبيدة أهتم الثنيَّتين.
قال موسى بن عقبة: ثم غزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل، من مشارف الشام، في بَلِيّ وسَعْد الله، ومن يليهم من قضاعة، فخاف عمرو بن العاص من جانبه الدي هو به، فعبث إلى رسول الله ﷺ يستمده، فندّب رسول الله ﷺ المهاجرين الأولين، فانتُدب فيهم أبو بكر وعمر في سراة من المهاجرين، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وأمدّ بهم عمرو بن العاص. فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله ﷺ أستمده بكم. فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أُمددتُ بكم. فلما رأى ذلك أبو عبيدة وكان رجلاً حسن الخلق، لين الشيمة، متبعاً لأمر رسول الله ﷺ وعهده قال: تعلَّم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله ﷺ أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنك لئن عصيتني لأطيعنَّك فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص.
وعن ابن مسعود قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران. قال: وأرادا أن يلاعنا رسول الله ﷺ . قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه. فوالله لئن كان نبياً فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا أبداً. قال: فأتيناه فقلنا: لا نلاعنك ولكنا نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أميناً. قال: فقال النبي ﷺ : لأبعثن رجلاً أميناً، حقّ أمين، حقّ أمين. قال: فاستشرف لها أصحاب النبي ﷺ . قال: فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. قال: فلما قفا قال: هذا أمين هذه الأمة.
стр. 3908
وعن أنس أن أهل اليمن لما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: ابعث معنا رجلاً يعلمنا السُّنّة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: هذا أمين هذه الأمة.
وفي رواية: فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقال: هذا أمين هذه الأمة.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لكل أمة أمين، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح ".
وفي رواية: " وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ".
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرأهم أُبيّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ".
وعنه في حديث بمعناه قال: وطعن في خاصرته وقال: هذه خاصرة مؤمنة.
وعن عمر بن الخطاب قال:
ما تعرضت للإمارة قط أُحِبّ أن أكون عليها إلا مرة واحدة، فإن قوماً أتوا النبي ﷺ يشكون عاملهم، فقال رسول الله ﷺ : لأبعثن إليكم رجلاً أميناً، حقّ أمين. قال عمر: فتعرضت لهذا لتدركني كلمة رسول الله ﷺ قال: فأمّر أبا عبيدة وتركني.
ولما بلغ عمر بن الخطاب ﵁ سَرْغ حُدِّث أن بالشام وباءً شديداً. قال: بلغني أن شدة الوباء بالشام فقلت: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجراح حيّ
стр. 3909
استخلفته، فإن سألني الله : لم استخلفته على أمة محمد ﷺ قلت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن لكل نبيّ أميناً، وأميني أبو عبيدة بن الجراح "، فأنكر القوم ذلك، وقالوا: ما بال عُليا قريش؟! - يعنون: بني فهر ثم قال: وإن أدركني أجلي، وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل، فإن سألني ربي : لمَ استخلفته "؟ قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه يُحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نَبْذَة ".
قال أبو بكر الصديق ﵁: سمعت رسول الله ﷺ قال لأبي عبيدة ثلاث كلمات، لأن يكون قالهن لي أحبّ إليّ من حُمْر النَّعَم. قالوا: وما هن يا خليفة رسول الله ﷺ . قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ ، فقام أبو عبيدة، فأتبعه رسول الله ﷺ بصره ثم أقبل علينا وقال: إن هاهنا لكتفَيْن مؤمنتَيْن.
وخرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتحدث، فسكتنا، فظن أنا كنا في شيء كرهنا أن نسمعه. قال: فسكت ساعة لا يتكلم، ثم قال: ما من أصحابي إلا وقد كنت قائلاً فيه: لابدّ، إلا أبا عبيدة.
قال: وقدم علينا وفد نجران، فقالوا: يا محمد، أبعث لنا من يأخذ لك الحق، ويعطيناه، فقال: والذي بعثني بالحقّ لأرسلن معكم القوي الأمين. قال أبو بكر: فما تعرضت للإمارة غيرها، فرفعت رأسي لأُرِيَه نفسي، فقال: قم يا أبا عبيدة، فبعثه معهم.
وعن علي بن كثير أنا أبا بكر قال لأبي عبيدة: قم أبايعك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنك أمين هذه الأمة، فقال أبو عبيدة: ما كنت لأفعل أن أصلي بين يدي رجل أمره رسول الله ﷺ فأّمنا حتى قُبض.
стр. 3910
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " عشرة من قريش في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ".
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح، نعم الرجل أُسيد بن حُضَير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شمّاس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجَموح ".
وعن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂: أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحبّ إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح.
قال يزيد: قلت: ثم من؟ قال: فسكتت.
وعن عمرو بن العاص قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة قال: مَن مِن الرجال؟ قال: أبو بكر، قال: ثم من؟ قال: ثم أبو عبيدة بن الجراح.
وعن سعيد بن عبد العزيز قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من أصحابي أحد إلا وقد وجدت عليه، ولو شئت أن أقول فيه إلا أبو عبيدة بن الجراح ".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: ثلاثة من قريش أحسن قريش أخلاقاً، وأصبحها وجوهاً، وأشدّها حياء. إن
стр. 3911
حدَّثوا لم يكذِبوا، وإن حدثتهم بحق أو بباطل لم يكذِّبوك: أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ورضي الله عنهم.
وكان أبو بكر ﵁ ولّى أبا عبيدة بيت المال، ثم وجهه للشام، ففي سنة ثلاث عشرة بويع عمر بن الخطاب ﵁ فعزل خالد بن الوليد عن الشام وولّى أبا عبيدة. وفي سنة أربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحاً على يدي أبي عبيدة، في ذي القعدة، ويقال: في سنة خمس عشرة.
وقال ابن الكلبي:
صالح أبو عبيد أهل حلب، وكتب لهم كتاباً، ثم شخص أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد فحاصر أهل إيلياء، فسألوه الصلح على أن يكون عمر هو يعطيهم ذلك، ثم وقع طاعون عَمَواس فمات أبو عبيدة، واستخلف معاذاً.
وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: ذكر لي من دخل عليه فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ فقال: يبكيني أن رسول الله ﷺ ذكر يوماً ما: يفتح الله على المسلمين، ويفيء عليهم حتى ذكر الشام، فقال: إن ينسِىء الله في أجلك يا أبا عبيدة فحسبك من الخدم ثلاثة، خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويَرِه عليهم. وحسبك من الدوابّ ثلاثة: دابة لرجلك، ودابة لثقَلك، ودابة لغلامك. ثم هذا أبا، أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقاً، وأنظر إلى مربطي قد امتلأ خيلاً ودوابً، فكيف ألقى رسول الله ﷺ بعد هذا، وقد عهد إلينا، وأوصانا، فقال: إنّ أحبَّكم إليّ وأقربكم مني مَن لقيني على مثل الحال التي فارقني عليها؟! هذه رواية، وهي منقطعة، والمحفوظ أن أبا عبيدة ﵁ كان متقللاً.
حدث هشام بن عروة عن أبيه قال: قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام فتلقاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض
стр. 3912
فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: مَن؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: يأتيك الآن، قال: فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه وسأله، ثم قال للناس: انصرفوا عنا، فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليها، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر بن الخطاب: لو اتخذت متاعاً أو قال شيئاً قال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل.
وقيل: إن عمر بلغه أبا عبيدة يُسبغ على عياله وقد ظهرت شارته، فنقص من عطاياه التي كان يجري عليه، ثم سأل عنه، فقيل: قد شحب لونه، وتغيرت ثيابه، وساءت حاله، فقال: يرحم الله أبا عبيدة، ما أعفّ وأصبر، هل يؤخذَن على رجل أسبغنا عليه فأسبغ على عياله، وأمسكنا عنه فصبر واحتسب، فرد عليه ما كان حبس وأجراه عليه.
وقيل: إن عمر حين قدم الشام قال لأبي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك، قال: وما تصنع عندي، ما تريد إلا أن تعصِّر عينيك عليّ، قال: فدخل منزله فلم ير شيئاً، قال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لِبْداً وصحفة وشنّاً وأنت أمير؟ أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جُونة فأخذ منها كُسيرات، فبكى عمر. فقال له أبو عبيدة، قد قلت: إنك ستعصّر عينيك عليّ، يا أمير المؤمنين، يكفيك ما بلغك المقيل. قال عمر: غيّرتنا الدنيا كلّنا غيرك يا أبا عبيدة.
وروي أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول: ألا رب مبيّض لثيابه، مدنّس لدينه، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها غداً مهين، بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء، ثم عمر حسنة لَعَلَت فوق سيئاته حتى تقهرهن.
وعن طارق بن شهاب قال: كنا عند أبي موسى فقال لنا ذات يوم: لا يضركم أن تخفوا عني، فإن هذا الداء قد
стр. 3913
أصاب في أهلي يعني الطاعون فمن شاء أن يعبره فليفعل، واحذروا اثنتين: لا يقولن قائل إن هو جلس فعوفي الخارجُ: لو كنت خارجت فعوفيت كما عوفي فلان، ولا يقولن الخارج إن هو عوفي وأصيب الذي جلس: لو كنت جلست أُصبت كما أصيب فلان، وإني سأحدثكم بما ينبغي للناس من خروج هذا الطاعون: إن أمير المؤمنين كتب إلى أبي عبيدة حيث سمع بالطاعون الذي أخذ الناس بالشام: إني قد بدت لي حاجة إليك فلا غنى بي عنك فيها، فإن أتاك كتابي ليلاً فإني أعزم عليك أن تصبح حتى تركب إليّ، وإن أتاك نهاراً فإني أعزم عليك أن تمشي حتى تركب إليّ، فقال أبو عبيدة: قد علمت حاجة أميرة المؤمنين التي عرضت، وإنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب إليه: إن في جندٍ من المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، وإني قد علمت حاجتك التي عرضت لك، وأنك تستبقني من ليس بباق، فإذا أتاك كتابي هذا فحلِّلني من عزمتك، وائذن لي في الجلوس.
فلما قرأ عمر كتابه فاضت عيناه بكى، فقال له من عند: يا أمير المؤمنين، مات أبو عبيدة؟ قال: لا، كأنْ قد. قال: فكتب إليه عمر: إن الأرض أرضك، إن الجابية أرض نَزِهة، فاظهَر بالمهاجرين إليها. قال أبو عبيدة حين قرأ الكتاب: أما هذا فنسمع فيه أمر أمير المؤمنين ونطيعه. قال: فأمرني أبو أبوىء الناس منازلهم. قال: فطّعنت امرأتي، فجئت إلى أبي عبيدة فقلت: قد كان في أهلي بعض الغرض شغلني عن الوجه الذي بعثتني له، قال. لعل المرأة أصيبت؟ فقلت: أجل، فانطلق هو يبوّىء الناس منازلهم وأمرني أن أُرْجلهم على إثره، فطعن أبو عبيدة حين أرسله فقال: لقد وجدت في قدمي وخزة، فلا أدري لعل هذا الذي أصابني قد أصابني، فانطلق أبو عبيدة فبوّأ الناس منازلهم، وارتحل الناس على إثره. وكان انكشاف الطاعون، وتوفي أبو عبيدة رحمة الله عليه.
стр. 3914
وفي حديث بمعناه: وزعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفاً من الجند، فلم يبق إلا ستة آلاف رجل. ماتوا.
وعن سعيد بن أبي سعيد المقبُري قال: لما طُعن أبو عبيدة بن الجراح بالأردن، وبها قبره، دعا من حضره من المسلمين فقال: إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وأتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا، وحُجّوا، واعتمروا، وتواصَوا، وانصحوا لأمرائكم، ولاتغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن أمرأ لو عُمِّر ألف حل ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي تَرَونْ. إن الله كتب الموت على بني آدم فهم ميّتون، وأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده، والسلام عليكم ورحمة الله. يا معاذ بن جبل: صَلِّ بالناس، ومات. فقام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحاً، فإن عبداً لا يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له. من كان عليه دين فليقضه، فإن عبداً لايلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له. من كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مُرتَهَن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجراً أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاث، وهو الذنب العظيم. إنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل ما أزعم أن رأيت عبداً أبرّ صدراً، ولا أبعد من الغائلة، ولا أشد حباً للعامة، ولا أنصح للعامة منه، فترحّموا عليه، ﵀، واحضروا الصلاة عليه.
توفي أبو عبيدة في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وكان يصبغ رأسه بالحناء والكتَم، وكان له عقيصتان.
وقيل: توفي بفحل، وقبره بعمواس، وهي من الرملة على أربعة أميال مما يلي بيت المقدس. وهو وهم.
وقيل: قبر معاذ بن جبل بقصير خالد بالغور، وقبر أبي عبيدة ببيسان.
стр. 3915
عامر بن عبد الله
المعروف بابن عبد قيس بن ناشب بن أسامة بن خدينة بن معاوية ابن شيطان بن معاوية بن أسعد بن جِدَن بن العنبر ابن عمرو بن تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة أبو عبد الله ويقال: أبو عمرو العنبري البصري الزاهد قدم دمشق في خلافة عثمان بن عفان لما سُعي به إليه.
حدث عامر بن عبد الله أن سلمان الخير حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع. قالوا: وما يجزعك يا أبا عبد الله، وقد كانت لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله ﷺ مغازيَ حسنة، وفتوحاً عظاماً؟ قال: يجزعني أن حبيبنا ﷺ حين فارقنا عهد إلينا قال: " ليكفِ الرجل منكم كزاد الراكب "، فهذا الذي أجزعني، فجُمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر ديناراً.
كان عامر يأتي الحسن، فيجلس إليه، ثم تركه، فجاء الحسن يوماً وأصحابه فدخلوا عليه، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله، لمَ تركت مجلسنا؟ أرابك منا شيء فنُعتبَك؟ قال: لا، ولكني سمعت أصحاب النبي ﷺ يقولون: قال رسول الله ﷺ : " إن أطولكم حزناً في الدنيا أطولكم فرحاً في الآخرة، وإن أكثركم شبعاً في الدنيا أكثركم جوعاً في الآخرة "، فوجدت البيت أخلى للقلب، وأقدر لي على ما أُريدَ مني. فخرج وهو يقول: هو - والله - أفقه منا.
стр. 3916
وروي أتم من هذا غير مرفوع، قال الحسن البصري:
كان لعامر بن قيس مجلس في المسجد الجامع، فكنا نجتمع إليه، ففقدناه أياماً حتى حسبنا أن يكون قد ضارع أصحاب الأهواء، فأتيناه في أهله، فقلنا: يا أبا عبد الله، تركت أصحابك، وجلست ها هنا وحدك! فقال: إنه مجلس كثير الأغاليط والتخليط. فلما كان هذا حقَّقنا الذي كنا ظنناه به. فقلنا: يا أبا عبد الله، وإذا كان هكذا فما تقول فيهم؟ قال: وما عسى أن أقول فيهم: لقيت ناساً من أصحاب محمد ﷺ فأخبروني أنّ أخلص الناس إيماناً يوم القيامة أشدهم محاسبة في الدنيا لنفسه، وإن أشد الناس فرحاً يوم القيامة أشدهم حزناً في الدنيا، وإن أكثر الناس ضحكاً يوم القيامة أكثرهم بكاء في الدنيا، وأخبروني أن الله فرض فرائض، وسنّ سُنناً، وحدّ حدوداً، فمن عمل بفرائض الله وسننه، واجتنب حدوده أدخله الجنة بغير حساب. ومن عمل بفرائض الله وسننه وارتكب حدوده، ثم تاب، ثم ارتكب، ثم تاب، ثم ارتكب، ثم تاب، ثم ارتكب استقبل أهوال يوم القيامة وزلازلها وشدائدها، ثم يدخله الله الجنة. ومن عمل بفرائض الله وسننه وارتكب حدوده لقي الله يوم القامة وهو عليه غضبان، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. قال: وقمنا من عنده وخرجنا.
وكان عامر ثقة من كبار التابعين وعبّادهم. رآه كعب فقال: هذا راهب هذه الأمة.
حدث بلال بن سعد أن عامر بن عبد قيس وُشي به إلى زياد - وقيل: إلى ابن عامر - فقيل له أنْ ها هنا رجلٌ قيل له: ما إبراهيم خير منك، فسكت، وقد ترك النساء، فكتب فيه إلى عثمان، فكتب إليه أن انفِهِ إلى الشام على قَتَب. فلما جاءه الكتاب أرسل إلى عامر، فقال: أنت الذي قيل لك: ما إبراهيم خير منك فسكتَّ؟ فقال: والله ما سكوتي إلا تعجباً، لوددت أني كنت غباراً على قدميه فيدخل بي الجنة. قال: ولم تركت النساء؟ قال: والله ما تركتهن إلا أني قد علمت أنها متى تكن امرأة فعسى أن يكون ولد، ومتى يكن ولد تشعَّبت الدنيا قلبي، فأحببت التخلي من ذلك، فأجلاه على قَتَب إلى الشام.
стр. 3917
فلما قدم أنزله معاوية معه الخضراء، وبعث إليه بجارية وأمرها أن تُعْلِمَه ما حالُه، فكان يخرج من السحر فلا تراه إلا بعد العتمة، فيبعث إليه معاوية بطعام، فلا يعرض لشيء منه، ويجيء معه يكسَرٍ، فيجعلها في ماء فيأكلها منها، ويشرب من ذلك الماء، ثم يقوم، فلا يزال ذلك مقامه حتى يسمع النداء، فيخرج فلا تراه إلى مثلها. فكتب معاوية إلى عثمان يذكر له حاله، فكتب إليه أن اجعله أول داخل، وآخر خارج، ومُر له بعشرة من الرقيق، وعشرة من الظَّهر. فلما أتى معاوية الكتاب أرسل إليه فقال له: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن آمر لك بعشرة من الرقيق، فقال: إن علي شيطاناً قد غلبني، فكيف أجمع علي عشرة؟ قال: وأمر لك بعشرة من الظهر، فقال: إن البغلة واحدة، وإني لمشفق أن يسألني الله عن فضل ظهرها يوم القيامة. قال: وأمرني أن أجعلك أول داخل وآخر خارج، قال: لا أرب لي في ذلك.
قال: فحدث بلال بن سعد عمن رآه بأرض الروم على بغلته تلك يركبها عُقْبة ويحمل المهاجرين عُقْبة.
قال: وكان عامر إذا فصل غازياً وقف يتوسم الرفاق، فإذا رأى رفقة توافقه قال: يا هؤلاء، إني اريد أن أصحبكم على أن تعطوني من أنفسكم ثلاث خلال، فيقولون: ما هي؟ قال: أكون لكم خادماً لا ينازعني أحد منكم الخدمة، وأكون مؤذِّناً لا ينازعني أحد منكم الأذان، وأُنفق عليكم بقدر طاقتي. فإذا قالوا: نعم انضمّ إليهم. فإن نازعه أحد منهم شيئاً من ذلك ارتحل منهم إلي غيرهم.
ولما سُيّر عامر بن عبد الله شيعه إخوانه. فلما كان بظهر المربد قال: إني داعً فأمِّنوا فقالوا: هات، فقد كنا نستبطىء هذا منك، قال: من أساء بي، وكذب علي، وأخرجني من مصري، وفرق بيني وبين إخواني، اللهم، أكثِر ماله وولده، وأَصِحَّ جسمه واَطِل عمره.
كان عامر بن عبد الله قد فرض على نفسه كل يوم ألف ركعة، فكان إذا صلى العصر جلس قد انتفخت قدماه من طول القيام، فيقول: يا نفس، بهذا أمرتِ، ولهذا خُلقتِ، يوشك أن يَذهب العناء ثم يقرأ إلى المغرب، فإذا صلى المغرب قام فصلى إلى العتمة، فإذا صلى العتمة أفطر ثم يقول: يا نفس، قومي، ثم يقوم إلى الصلاة، فلا يزالا راكعاً
стр. 3918
وساجداً حتى الصبح، وكان يقول في جوف الليل: اللهم، إن النار منع النوم مني فاغفر لي.
قال عامر بن عبد قيس:
وجدت أمر الدنيا يصير إلى أربع: إلى المال، والنساء، ولا حاجة لي بالمال ولا النساء، والنوم والأكل، وايم الله لئن استطعت لأضرنّ بهما.
وفي رواية: وجدت الدنيا أربع خصال: النساء، واللباس والطعام والنوم. فأما النساء فوالله ما أبالي امرأة رأيت أو جداراً، وأما اللباس فو الله ما أبالي ما واريت به عورتي، وأما الطعام والنوم فقد غلباني إلا أن أصبت منهما، والله لأضرَنّ بهما ما استطعت.
قال الحسن: ففعل والله.
قال الحسن: كتب معاوية إلى عبد الله بن عامر: انظر عامر بن قيس فأحسن إذنه، ومُره أن يخطب إلى ما شاء، وأَمهِر عنه من بيت المال. قال: فأرسل إليه: إن أمير المؤمنين كتب إليّ أن أحسن إذنك، قال: ما اصنع بالإذن؟ فأنتم أحوج إلى ذلك مني، وأمرني أن تخطب إلى من شئت وأُمهِرك من بيت المال، قال: أنا في الخطبة دائب. قال: إلى مَن؟ قال: إلى من يقبل مني التمرة والفَلقْة، ثم أقبل على جلسائه فقال: إني سائلكم، فأخبروني، قالوا: سل، قال: هل منكم أحد إلا لمالِه من قلبه شُعبة؟ قالوا: اللهم، نعم، قال: هل منكم أحد إلا لولده من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم، نعم قال: هل منكم أحد إلا لأهله من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم، نعم. قال: والذي نفسي بيده لأن تختلف الخناجر في جوارحي أَحبّ إليّ من أن أكون هكذا. أما والله لئن استطعت أن أجعل الهمّ هماً واحداً لأفعلنّ.
قال الحسن: ففعل، ورب الكعبة.
стр. 3919
وقال أبو سعيد بن الأعرابي: وهذا أعلى ما قيل في الزهد: أن يكون الهمّ همّاً واحداً لله ، ليس ذكر دنيا ولا آخرة، هو غاية الزهد، وهو خروج قدر الدنيا وقلتها من قلبه أن يزهد فيها، وخروج قدر غيرها فيرغب فيها إذا كانت دون الله . هذا لمن كان الله همّه وحده خالصاً.
قال محمد بن سيرين: قيل لعامر بن عبد قيس: ألا تزَوّج؟ قال: والله ما عندي من نشاط، وما عندي من مال، فبمَ أغرُّ امرأة مسلمة؟ وعن قتادة قال: سأل عامر بن عبد الله ربه أن يهوّن عليه الطَّهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء له بخار، وسأل ربه أن ينزع شهوة النساء من قلبه، فكان لا يبالي ذكراً لقي أم أنثى، وسأل ربه أن يحول بين الشيطان وبين قلبه في الصلاة فلم يقدر على ذلك. وكان إذا غزا فيقال له: إن هذه الأجمة يُخاف عليك فيها الأسد قال: إن لأستحيي من ربي أن أخشى غيره.
وقد روي أن ذلك ذهب عنه.
قيل لعامر بن عبد قيس: أتحدث نفسك في الصلاة؟ قال: نعم. فلما ولَّوا قال للذين سألوه أو قال لهم: أحدث نفسي بالوقوف بين يدي الربّ ومُنْصَرَفي من بين يديه.
كان عامر بن عبد الله بن عبد قيس يدخل بيتاً يطيل فيه الصلاة، قال: وكان الرِّمْث نابتاً حولهم، قال: والبصرة إذ ذاك شديدة الحر، قال: فانساب أسود سالخ فدخل البيت، فتطوّى في مُصلاه، ما يشعر به. فلما انحط للسجود رآه فنفضه بيده، فانساب فخرج. فقال بعض من رآه من أهله: أما رهبت هذا؟ إنه حتف
стр. 3920
فقال: لا، والله، لولا أني قذَرتهُ لسجدت عليه، والله إني لأستحيي من الله أن يطلّع من قلبي على أني أرهب شيئاً سواه.
كان عامر بن عبد قيس من أفضل العابدين، ففرض على نفسه كل يوم ألف ركعة، يقوم عند طلوع الشمس، فلا يزال قائماً إلى العصر، ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه، فيقول: يا نفس، إنما خُلقتِ للعبادة، يا أمّارة بالسوء، فوالله لأعملّنّ بك عملاً لا يأخذ الفراش منك نصيباً.
وهبط وادياً يقال له وادي السباع، وفي الوادي عبد حبشي يقال له حُمَمَة، فانفرد عامر في ناحية، وحممة في ناحية، يصليان، لا هذا ينصرف إلى هذا، ولا هذا ينصرف إلى هذا أربعين يوماً وأربعين ليلة. إذا جاء وقت الفريضة صليا، ثم أقبلا يتطوعان. ثم انصرف عامر بعد أربعين يوماً فجاء إلى حممة فقال: من أنت يرحمك الله؟ قال: دعني وهّمي، قال: أقسمت عليه، قال: أنا حُممة، قال عامر: لئن كنت أنت حممة الذي ذُكر لي لأنت أعبد مَن في الأرض، فأخبرني عن أفضل خصلة، قال: إني لمقصر، ولولا مواقيت الصلاة تقطع علي القيام والسجود لأحببت أن أجعل عمري راكعاً، ووجهي مفترشاً حتى ألقاه، ولكن الفرائض لا تدعني أفعل ذلك. فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عامر بن عبد قيس، قال: إن كنت عامر بن عبد قيس الذي ذُكر لي فأنت أعبد الناس، فأخبرني بأفضل خصلة، قال: إني لمقصر، ولكن واحدة عظمت هيبة الله في صدري حتى ما أهاب شيئاً غيره، فاكتنفته السباع، فأتاه سبع منها، فوثب عليه من خلقه، فوضع يديه في منكبيه وعامر يتلو هذه الآية: " ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لهَُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ". فلما رأى السبع أنه لا يكترث له ذهب، فقال حُممة: بالله يا عامر، ما هالَك ما رأيت؟ قال: إني لأستحيي من الله أن أهاب شيئاً غيره، قال حممة: لولا أن الله ابتلانا بالبطن، فإذا أكلنا لا بدّ لنا من الحدث ما رآني ربي إلا راكعاً وساجداً. وكان يصلي في اليوم والليلة ثماني مئة ركعة، وكان يقول: إني لمقصر في العبادة، فكان يعاتب نفسه.
стр. 3921
قال عامر بن عبد القيس: إذا عقلك عَقْلُك عما لا ينبغي فأنت عاقل.
قال: وإنما سمي العقل عقلاً من عِقال الإبل.
كان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاء فيجعله في طرف ثوبه، فلا يلقاه أحد من المساكين إلا أعطاه. فإذا دخل بيته رمى به إليهم، فيعدونها فيجدونها سواء كما أعطيَها.
بكى عامر بن عبد الله في مرضه الذي مات فيه بكاء شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: آية في كتاب الله: " إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِيْنَ ".
قبر عبادة بن الصامت وعامر بن عبد الله في بيت المقدس.
قال مالك بن دينار: رأى رجل في المنام كأن منادياً ينادي: أخبروا الناس أن عامر بن عبد الله يلقى الله يوم القيامة ووجهُه مثل القمر ليلة البدر.
عامر بن عبد الله بن قيس
أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ويقال: اسمه الحارث، ويقال: اسمه كنيته تابعي، فقيه، من أهل الكوفة، وولي القضاء بها، وقد على عمر بن عبد العزيز، وكانت له بدمشق دار، ما بين سوق البقل وسوق الجبن.
حدث أبو بردة عن علي أن رسول الله ﷺ قال: اللهم، إني أسألك السداد والهدى، وأذكر بالسداد سدادك السهم، والهدى هدايتك الطريق، ونهاني أن أجعل الخاتم في هذه أو هذه الوسطى والتي تليها، ونهاني عن القَسِّيّ والمِيثرة.
стр. 3922
فأما القَسِّيّ فثياب يؤتى بها من قبل المغرب مغلفة بالحرير، وأما الميثرة فشيء كان النساء يصنعنه لبعولتهن في الرحائل على العطائف.
وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني ابن عمر فقال: يا بن أخ، تدري لمَ أتيتك؟ قلت: فضلك وفضل أبيك، فإني سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : إن مِن بِرّ الرجل بأبيه أن يبرّ أهل وُدّ أبيه، وإن أبي كان يحبّ أباك.
وزاد في حديث آخر بمعناه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحبّ أن يصِل أباه في قبره فليصِلْ إخوان أبيه من بعده. وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذلك.
قال أبو بردة: دخلت على معاوية وهو يشتكي وبه قرحة في ظهره، قال: والطبيب يعالجها، وهو يتأوّه تأوُّه الصبي. قال: فقلتُ: يا أمير المؤمنين، إنك تأوَّهُ قال: قم فانظر إليها. قال: فقمت فإذا قرحة قبيحة، فقال: هذه يدعونها الراقية، وأهل العراق يزعمون أنها النقابة أو الثقابة، ويزعمون أنها قاتلتي. قال: ثم قال: أمّا ما ذكرت من تأوّهي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يصيبه أذى في جسده إلا كفر الله به خطاياه. ودون هذا يا أبا بردة أذى.
وعن سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة أنه قال:
وفد إلى عمر أو إلى سليمان قال: فقضى حوائجه، حتى إذا كان في بعض الليل قال لي: قم، فقمت، فانطلق إلى باب الوالي فدقَّه. قال: قال الحاجب: من هذا؟ قال: أبو بردة، استأذِن لي عليه. قال: قد دخل، قال: أعلِمْه بمكاني، فأعلمه، فخرج إليه، فإذن له، قال: خير يا أبا بردة، قال: خير، قال: حاجتك، قال: قد فرغت من حوائجي، وذكرت حديثاً حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا جُمع الخلائق
стр. 3923
للحساب أُتي بيهودي أو نصراني، قيل: يا مؤمن، هذا فداؤك من النار ". قال: أنت سمعته؟ قال: سمعته من أبي.
ولد أبو بردة بن أبي موسى وأبوه على البصرة، فاسترضع له في البادية، فجاؤوا به وعليه بردة، فكناه أبو بردة. وأسمه عامر بن عبد الله بن قيس.
توفي أبو بردة سنة ثلاث ومئة. وقيل: سنة أربع ومئة، وهو ابن نيف وثمانين سنة. وقيل: مات سنة ست ومئة.
سأل عمر بن عبد العزيز أبا بردة: كم أتى عليك؟ قال: أشُدّان. يعني: أربعين وأربعين.
حدث عبد الله بن عباس عن أبيه أن يزيد بن المهلب لما ولي خراسان قال: دلوني على رجل كامل لخصال الخير، فدُلّ على أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. فلما جاءه رآه رجلاً فائقاً. فلما كلمه رأى مخبرته أفضل من مرآته، قال: إني وليتك كذا وكذا من عملي، فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أيها الأمير، ألا أخبرك بشيء حدثنيه أبي أنه سمعه من رسول الله ﷺ ؟ قال: هاته، قال: إنه سمع النبي ﷺ يقول: " من تولى عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل بأهل فليتبوّأ مقعده من النار. قال: وأنا أشهد أيها الأمير أني لست بأهل لما دعوتني إليه، فقال له يزيد: ما زدت على أن حرّضتني على نفسك، ورغبتنا فيك، فاخرج إلى عهدك، فإني غير معفيك، فخرج ثم أقام فيهما شاء الله أن يقيم، فاستأذنه بالقدوم عليه، فأذن له، فقال: أيها الأمير، ألا أحدثك بشيء حدثنيه أبي أنه سمع من رسول الله ﷺ ؟ قال: هاته، قال: ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من يُسأل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأله هُجراً، وأنا أسألك بوجه الله إلا ما أعفيتني أيها الأمير من عملك، فأعفاه.
وقيل: إن أبا بردة مات في ولاية عمر بن عبد العزيز. ومات عمر سنة إحدى ومئة. وقيل: سنة سبع ومئة.
стр. 3924
عامر بن عُمارة بن خُريم الناعم
ابن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة ابن مرة بن نَشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان ابن بغيض بن رَيْث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، أبو الهيذام المري، والد أبي عامر موسى بن عامر أحد فرسان العرب المذكورين، وشجعانهم المشهورين، وهو زعيم قيس في الفتنة التي وقعت بينهم وبين اليمن بدمشق في أيام الرشيد، حتى تفاقم الأمر، واستحكم الشرّ. وله أشعار في تلك الحروب مذكورة. ونزل بسجستان، وأخوه عثمان بن عمارة، صاحب أبي يعقوب الجرمي الشاعر. وقتل عاملُ الرشيد بسجستان أخاً لأبي الهيذام، فخرج أبو الهيذام بالشام، وجمع جمعاً عظيماً، وقال يرثي أخاه: " الطويل "
سأبكيكَ بالبيضِ الرِّقاقِ وبالقنا ... فإنّ بها ما يُدرِكُ الطالبُ الوترا
ولسنا كمن يبكي أخاه بعَبرةٍ ... يعصّرُها من ماءِ مقلتِهِ عصرا
وإنا أناسٌ ما تفيضُ دموعُنا ... على هالكٍ منّا وإن قصمَ الظهرا
ولكنني أشفي الفؤادَ بغارةٍ ... أُلَهِّبُ في قُطْرَي كتائبها جمرا
وغلظ أمره، واشتدت شوكته، وأعيت الرشيدّ الحيل فيه، فاحتال عليه بأخ له كتب إليه، فأرغبه، فشدّ على أبي الهيذام فقيده، وحمله إلى الرشيد بالرقة. فلما دخل عليه أنشده أبياتاً منها: " الطويل "
فأحسِن أميرَ المؤمنين فإنه ... أبى اللهُ إلا أن يكونَ لكَ الفضلُ
فمن عليه الرشيد وأطلقه.
وقيل: إن الأبيات الرائية لغير أبي الهيذام، وأنها لصادر بن كامل يرثي بها أخاه ثور بن كامل بن برز العنسي. وقُتل في فتنة أبي الهيذام. والصحيح أنها لأبي الهيذام.
حدث غالب بن أبجر قال:
ذكرت قيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : رحم الله قيساً، رحم الله
стр. 3925
قيساً، قيل: يا رسول الله، تترحم على قيس؟! قال: نعم إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم خليل الله . يا قيس، حيّ يمناً، يا يمن، حيّ قيساً. إن قيساً فرسان الله في الأرض، والذي نفسي بيده لَيأتينّ على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، إن لله فرساناً في الأرض مسوَّمين، وفرساناً في الأرض مُعْلَمين. ففرسان الله في الأرض قيس، إنما قيس بيضة تفلَّقَت عنا أهل البيت. إن قيساً ضِراءُ الله في الأرض، يعني أسد الله.
وأبو الهيذام فارس قيس في زمانه.
قال: ولا أراه داخلاً في هذا الحديث لأنه استعمل فروسيته في قتال المسلمين.
وعن شقيق قال: دخلت أنا وعمرو بن صُليع على حذيفة. قال: فقال: يا مرو بن صليع، أخبرني عن محارب، أهي من قيس؟ قال: نعم. قال: فإذا رأيت قيساً قد توالت الشام فخذ حذرك.
عامر بن لُدّين ويقال عمرو
وعامر أصح. أبو سهل ويقال: أبو بشر الأشعري الأردني القاضي ولي القضاء لعبد الملك بن مروان.
حدث عامر بن لدين الأشعري أنه سأل أبا هريرة عن صيام يوم الجمعة فقال: على الخبير وقعت. سمعت
следующие страницы →