← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

أو اثنتين أخرج ابن خازم عهده، وقام بأمر الناس ولقي العدو فهزمهم، وبلغ الخبر المصرين والشام فغضبت القيسية وقالت: خدع قيس وابن عامر، فأكثروا في ذلك حتى شكي إلى معاوية فبعث إليه فقدم به فاعتذر مما قيل فيه. فقال له معاوية: قم فاعتذر إلى الناس غداً، فرجع ابن خازم إلى أصحابه فقال: إني قد أمرت بالخطبة، ولست بصاحب كلام، فاجلسوا حول المنبر، فإذا تكلمت فصدقوني، فقام الغد فحمد الله ثم قال: إنما يتكلف الخطبة إمام لا يجد منها بداً، أو أحمق يهمر من رأسه لا يبالي ما خرج منه، ولست بواحد منهما، وقد علم من عرفني أني بصير بالفرص وثاب عليها وقاف عند المهلك، أنفذ بالسرية، وأقسم بالسوية، أنشدكم بالله من كان يعرف ذلك مني لما صدقني، فقال أصحابه حول المنبر: صدقت. فقال: يا أمير المؤمنين، إنك فيمن نشدت، فقل بما تعلم فقال: صدقت. كان عبد الله بن خازم غلب على خراسان، وكتب إليه عبد الملك عام قتل مصعب بولايته على خراسان، وبعث بالكتاب مع سورة بن أبجر الدارمي فقال له ابن خازم: لولا أني أكره أن أضرب بين بني تميم وسليم لقتلتك، ولكن كل كتابك فأكله، فكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح بن بني عمرو بن سعد: إن قتلت ابن خازم أو أخرجته من خراسان فأنت الأمير. فقتل بكير ابن خازم، وأقام والياً حتى قدم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فعزله، وولى أمية. وقتل عبد الله بن خازم بخراسان سنة إحدى وسبعين. وقال ابن سعد: في سنة سبع وثمانين أتي برأس ابن خازم. عبد الله بن خليفة بن ماجد أبو محمد الغثوي من أهل الغثاة من حوران. حدث عن أبي الفضل أحمد بن عبد المنعم بن أحمد بن بندار بن الكريدي بسنده إلى أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ : من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله . قالوا: يا رسول

стр. 4132

الله، ليس عن هذا نسألك. قال: فإن أكرم الناس يوسف نبي الله نبي الله ابن خليل الله. قالوا: يا رسول الله، ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. حدث عبد الله الغثوي: أنه رأى ليلة القدر وقال: لا شك أن أجلي قد قرب، فمات في تلك السنة بعد مدة قريبة. وكان خرج إلى ناحية حوران ليجدد العهد بأهله، فمات في الطريق. عبد الله بن خثيمة بن سليمان ابن الحارث ويعرف بحيدرة بن سليمان بن هزان بن سليم بن حيان بن وبرة، أبو بكر بن أبي الحسن القرشي الأطرابلسي. حدث عن أبي عبد الملك أحمد بن جرير بن عبدوس الصوري بسنده إلى أبي أمامة الباهلي قال: قال النبي ﷺ : أبعد الخلق من الله رجلان: رجل يجالس الأمراء فما قالوا من جور صدقهم عليه، ومعلم الصبيان لا يواسي بينهم، ولا يراقب الله في اليتيم. عبد الله بن داوود بن عامر بن الربيع أبو عبد الرحمن الهمداني ثم الشعبي المعروف بالخريبي. سكن الخريبة بالبصرة، وسمع بدمشق وغيرها. حدث عبد الله بن داود عن هانئ بن عثمان بسنده إلى يسيرة: أن رسول الله ﷺ أمرهن أن يراعين بالتسبيح والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات.

стр. 4133

وحدث عن أم داود الوابشية قالت: رأيت علي بن أبي طالب يأكل لحم دجاج، ويصطبغ بخل خمر. وحدث عن هارون البربري عن عبد الله بن عبيد قال: مكتوب في التوراة: إن الله تعالى يقول: أمة محمد ﷺ مرحومة ضعيفة لو نفختها طارت، أحب منها كل مفتن تواب. حدث عبد الله بن داود عن أبي عمر الصنعاني، لقيته بعسقلان، قال: إذا كان يوم القيامة جيء بالعلماء، فإذا قاموا للحساب قال: إني لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخيرٍ أريده بكم، فادخلوا الجنة بما فيكم. ولد ابن داود سنة ست وعشرين ومئة. قال بشر بن الحارث: كنت عند عبد الله بن داود إذ جاءه قوم، فقالوا له: ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: فكيف يكون مخلوقاً و" هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم " أمخلوق هذا؟ كان يحيى بن أكثم يتولى القضاء بالبصرة، وكان يختلف إلى عبد الله بن داود الخربي، يسمع منه، فتقدم رجلان إلى يحيى بن أكثم لخصومة، فتربع أحدهما بين يديه فأمر بأن يقام من تربعه، وأن يجلس جاثياً بين يديه، فبلغ ذلك عبد الله بن داود. فلما جاء يحيى إليه ليحدثه كما كان يجيء إليه لذلك من قبل قال له عبد الله بن داود: متعت بك - وكانت كلمة تعرف منه - لو أن رجلاً صلى متربعاً؟ فقال له يحيى: لا بأس بذلك. فقال له عبد الله بن داود: فحال يكون عليها بين يدي الله لا يكرهها منه، تكره أنت أن يكون الخصم بين يديك على مثلها! ثم ولى ظهره وقال: عزم لي ألا أحدثك. فقام يحيى ومضى. قال عبد الله بن داود الخربي: كل صديق لك ليس فيه عقل هو أشد عليك من عدوك.

стр. 4134

وفي حديث أن عبد الله بن داود حدث بحديث فيه: لا تباع الثمرة حتى تسقح، فسئل أبو عبيدة فلم يعرفها. فلما قدم وكيع حدث فقال: حتى تشقح فأخبر ابن داود فقال: أنا أرجع إلى الحق كما هو عند الناس. والتشقيح: تلوين البسر إذا اصفر واحمر. ويقال: شقحت النخلة تشقح تشقيحاً، وأشقحت إشقاحاً إذا تغير البسر للاصفرار بعد الاخضرار، وهو أقبح ما يكون في ذلك الوقت ولذلك قالوا: قبيح شقيح. توفي عبد الله بن داود سنة ثلاث عشرة ومئتين بخريبة البصرة. عبد الله بن دويد ويقال ابن ذويد بن نافع من أهل دمشق. سمع مكحولاً، وقيل: إن روايته عن مكحول ليست محفوظة. قال عبد الله بن دويد: سمعت سليمان بن موسى يحدث عن عمرو بن دينار أنه حدث مكحولاً أن النبي ﷺ قال: من نام عن صلاة العشاء حتى يفوته وقتها فلا نامت عينه. عبد الله بن دينار أبو محمد البهراني ويقال الأسدي قيل: إنه دمشقي، والصحيح أنه حمصي. حدث عن حريز مولى معاوية بن أبي سفيان قال: خطب معاوية الناس بحمص، فذكر في خطبته أن رسول الله ﷺ حرم سبعة أشياء: الشعر، والتصاوير، والنوح، والتبرج، وجلود السباع، والذهب، والحرير.

стр. 4135

وحدث عبد الله بن دينار قال: قدم لقمان من سفر فتلقاه مولى له فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات. قال: ملكت أمري. قال: ما فعلت أمي؟ قال: ماتت. قال: ذهب همي قال: فما فعلت أختي؟ قال: ماتت. قال: سترت عورتي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدد فراشي. قال: ما فعل أخي؟ قال: مات. قال: انكسر ظهري. قال عبد الله بن دينار سمعت مكحولاً يقول: من أقسم على أخيه فلم يبره فقد أفجره. وثقة قوم وضعفه الأكثرون. عبد الله بن دينار أبو الوليد العذري الدمشقي حدث عن الأوزاعي بسنده عن أسماء ابنة أبي بكر قالت: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها دم الحيض كيف تفعل به؟ قال رسول الله ﷺ : إذا أصاب إحداكن دم الحيض فلتحته ثم لتقرصه بالماء، ثم لتنضج بقيته، ثم لتصل فيه. عبد الله بن أبي ذر أبو بكر السوسي حدث بأطرابلس عن يوسف بن عدي الكوفي بسنده عن أنس قال: قال النبي ﷺ : المنتعل راكب.

стр. 4136

عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن المعروف بأبي الزناد مولى آل عثمان بن عفان ويقال: مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس. من كبار فقهاء أهل المدينة ومحدثيها. روى عن سيدنا رسول الله ﷺ مرسلاً. وفد على هشام بن عبد الملك، واستقدمه الوليد بن يزيد ليستفتيه في نكاح زوجته أم سلمة مع جماعة من فقهاء المدينة. حدث أبو الزناد عن الأعرج عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار. وحدث أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم. وحدث أيضاً عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في الجسم والمال فلينظر إلى من دونه في المال والجسم. وكان ذكوان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر، بولادة العجم. كانت كنية أبي الزناد أبا عبد الرحمن فغلب عليه أبو الزناد، وكان ثقة، كثير الحديث، فصيحاً بصيراً بالعربية، عالماً، عاقلاً، وولي خراج المدينة. توفي بالمدينة فجأة في مغتسله ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثلاثين ومئة، وهو ابن ست وستين سنة. وكانت كنيته أبو عبد الرحمن، وكان يغضب من أبي الزناد. وقيل: توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة وسنه أربع وستون.

стр. 4137

قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث. وكان أبو الزناد فقيه أهل المدينة، وكان صاحب كتاب وحساب، وكان كاتباً لخالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بالمدينة. وكان كاتباً لعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقدم على هشام بن عبد الملك بحساب ديوان المدينة، فجالس هشاماً مع ابن شهاب، فسأل ابن شهاب: في أي شهر كان يخرج عثمان العطاء فيه لأهل المدينة؟ قال: لا أدري. قال أبو الزناد: كنا نرى أن ابن شهاب لا يسأل عن شيء إلا وجد علمه عنده. قال أبو الزناد: فسألني هشام فقلت: المحرم، فقال هشام لابن شهاب: يا أبا بكر، هذا علم أفدته اليوم. قال ابن شهاب: مجلس أمير المؤمنين أهل أن يفاد منه العلم. وكان أبو الزناد معادياً لربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكانا فقيهي البلد في زمانهما وكان يعقوب بن أبي سلمة الماجشون يعين ربيعة على أبي الزناد، وكان الماجشون أول من علم الغناء من أهل المروءة بالمدينة فقال أبو الزناد: مثلي ومثل الماجشون مثل ذئب كان يلج على أهل قرية، فيأكل صبيانهم ودواجنهم، فاجتمعوا له، وخرجوا في طلبه فهرب منهم، فتقطعوا عنه إلا صاحب فخار، فألح في طلبه، فوقف له الذئب فقال: هؤلاء عذرتهم، أرأيتك أنت، ما لي ولك؟! والله ما كسرت لك فخارة قط. ثم قال: الماجشون مالي وله؟! والله ما كسرت له كبرا ولا برابطاً. قال المدائني: كان خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم قد ولى أبا الزناد المدينة فقال علي بن الجون الغطفاني: رأيت الخير عاش لنا فعشنا ... وأحيا لي مكان أبي الزناد وسار بسيرة الحكمين فينا ... بعدل في الحكومة واقتصاد

стр. 4138

قال أبو حنيفة: قدمت المدينة، فأتيت أبا الزناد، ورأيت ربيعة فإذا الناس على ربيعة، وأبو الزناد أفقه الرجلين، فقلت له: أنت أفقه أهل بلدك والعمل على ربيعة، فقال: ويحك، كف من حظ خير من جراب من علم. قال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاث مئة تابع، من طالب فقه وعلم وشعر، وصنوف، ثم لم يلبث أب بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة. وكان ربيعة يقول: شبر من حظوة خير من باع من علم. قال عبد ربه بن سعيد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد سيدنا رسول الله ﷺ ومعه من الأتباع مثلي ما على السلطان بين سائل عن حديث، وبين سائل عن قراءة، وبين سائل عن فريضة، وبين سائل عن حساب، وبين سائل عن عربية، وبين سائل عن شعر. قال يحيى بن معين: قال مالك بن أنس: أبو الزناد، كان كاتب هؤلاء القوم، يعني: بني أمية، وكان لا يرضاه. قال عبد الرحمن بن القاسم: سألت مالك بن أنس عمن يحدث بالحديث الذي قالوا: إن شاء الله ﵎ خلق آدم على صورته، فأنكر ذلك مالك إنكاراً شديداً، ونهى أن يتحدث به أحد، فقيل له: فإن ناساً من أهل العلم يتحدثون به، فقال: من هم؟ فقيل له: محمد بن عجلان عن أبي الزناد، فقال: لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء، ولم يكن عالماً. وذكر أبا الزناد فقال: إنه لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات. وكان صاحب عمال يتبعهم.

стр. 4139

عبد الله بن راشد مولى خزاعة من أهل دمشق، أظنه صاحب الطيب. حدث عبد الله بن راشد عن عروة بن رويم عن أنس عن النبي ﷺ : الإيمان يمان. حدث عبد الله بن راشد الدمشقي عن عمرو بن مهاجر صاحب حرس عمر بن عبد العزيز قال: تكلم غيلان عند عمر بن عبد العزيز بشيء من أمر القدر، فقال له عمر: يا غيلان اقرأ أي القران شئت فقرأ: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " حتى انتهى إلى هذه الآية " إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً " قال: فرددها مراراً، وكف عما بقي. فقال له عمر: أتم السورة، فقال " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً " إلى آخرها. قال: فقال له عمر: يا غيلان، إن الله يقول: " إن الله كان عليماً حكيماً " قال: أخبرني: حكيم فيما علم أم حكيم فيما لا يعلم؟ قال: بل حكيم فيما علم، فقال له: أحييتني أحياك الله، والله لكأني لم أعلم هذا من كتاب الله ، فقال له عمر بن عبد العزيز: اللهم، إن كان صادقاً فارفعه ووفقه، وإن كان كاذباً فلا تمته إلا مقطوع اليدين والرجلين مصلوباً، ثم قال: أمن يا غيلان، ثم قال: أمن يا عمرو بن مهاجر قال: فأمنت أنا وغيلان على دعاء عمر بن عبد العزيز. فلما خرج قال لي عمر: يا عمرو، ويحه، إنه لمفتون. قال عمرو بن مهاجر: فوالله إني لفي الرصافة جالس، فقيل لي: قد قطعت يداه ورجلاه، قال: فأتيته فوقفت عليه وإنه لملقى، فقلت: يا غيلان، هذه دعوة عمر بن عبد العزيز قد أدركتك. قال: ثم أمر به فصلب.

стр. 4140

عبد الله بن رباح أبو خالد الأنصاري وفد على معاوية حدث عن أبي قتادة. قال: خطب رسول الله ﷺ عشية فقال: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء غداً إن شاء الله تعالى. قال أبو قتادة: فانطلق الناس لا يلوي أحد في مسيرهم، فإني أسير إلى جنب رسول الله ﷺ حتى ابهار الليل، فنعس رسول الله فمال على راحلته، ثم سرنا حتى إذا تهور الليل مال على راحلته ميلة أخرى فدعمته من غير أن أوقظه، فاعتدل على راحلته، ثم سرنا حتى إذا كان من آخر الليل مال ميلة أخرى هي أشد من الميلين الأوليين حتى إذا كاد أن ينجفل فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: يا رسول الله، هذا مسيري منك منذ الليلة. قال: حفظك الله بما حفظت به نبيه ثم قال: أترانا نخفى على الناس؟ هل ترى أحداً؟ قلت: هذا راكب، وهذا آخر، فاجتمعنا فكنا سبعة، فمال عن الطريق، ثم وضع رأسه وقال: احفظوا علينا صلاتنا، فكان أول من انتبه والشمس في ظهره، فقمنا فزعين. فقال: اركبوا فركبنا، فجعل بعضنا يهمس بعضاً ما صنعنا تفريطنا في صلاتنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ما هذا الذي تهمسون دوني؟ قلنا: يا رسول الله، تفريطنا في صلاتنا فقال: أما لكم في أسوة، التفريط ليس في النوم، التفريط من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فإذا فعل ذلك فليصلها إذا انتبه لها، ثم ليصلها من الغد لوقتها، ثم نزلنا فدعا بميضأة كانت عندي فتوضأ وضوءاً دون وضوئه، ثم صلى ركعتين قبل الفجر، ثم صلى الفجر كما كان يصلي، ثم قال: اركبوا فركبنا، فانتهينا إلى الناس حين تعالى النهار - أو

стр. 4141

قال: حين حميت الشمس شك سليمان - وهم يقولون: هلكنا عطشاً، قال: لأهلك عليكم، ثم نزل، ثم قال: اطلقوا لي غمري، فأطلق له، ثم دعا بالميضأة التي كانت عندي، فجعل يصب علي ويسقيهم. فلما رأوا ما في الميضأ تكابوا فقال: أحسنوا الملأ، فكلكم سيروى، فجعل يصب ويسقيهم حتى ما من القوم أحد إلا شرب، غيري وغيره، فصب علي ثم قال: اشرب يا أبا قتادة، فقلت: يا رسول الله، أشرب قبل أن تشرب؟ قال: إن ساقي القوم آخرهم، فشربت وشرب رسول الله ﷺ . فقال عبد الله بن رباح: إني لفي مسجد الجامع أحدث بهذا الحديث إذ قال عمران بن الحصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإني كنت أحد الركب تلك الليلة. قلت له: أبا نجيد، فحدث فأنت أعلم قال: من أنت؟ قال: قلت من الأنصار، قال: فحدث القوم فأنت أعلم بحديثكم. فقال: لقد شهدت تلك الليلة، وما شعرت أن أحداً حفظه كما حفظته. وحدث عبد الله بن رباح: أنه دخل على عائشة ﵂ فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء، وأنا أسحييك، فقالت: سل ما بدا لك، فإنما أنا أمك، فقلت: يا أم المؤمنين، ما يوجب الغسل، فقالت: إذا اختلف الختانان وجبت الجنابة، فكان قتادة يتبع هذا الحديث: إن عائشة قالت: قد فعلت أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا. فلا أدري أشيء في هذا الحديث أم كان قتادة يقوله. وحدث عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية ومعنا أبو هريرة، فكان بعضنا يصنع لبعض الطعام وكان أبو هريرة ممن يصنع لنا، فيكثر، فيدعونا إلى رحله، فقلت: لو أمرت بطعام فصنع ودعوتهم

стр. 4142

إلى رحلي، ففعلت، ولقيت أبا هريرة بالعشي فقلت: يا أبا هريرة، الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني يا أخا الأنصار، فدعوتهم فإنهم لعندي إذ قال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر؟ - وكان عبد الله بن رباح أنصارياً - قال: فذكر فتح مكة، وقال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على إحدى المجنبتين، وبعث الزبير على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر ثم آراني فقال: يا أبا هريرة، فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، فقال: اهتف لي بالأنصار ولا تأتني إلا بأنصاري. قال: ففعلت، ثم قال: انظروا قريشاً وأوباشهم فاحصدوهم حصداً. قال: فانطلقنا فما أحد منهم يوجه إلينا شيئاً، وما منا أحد منهم إلا أخذه، وجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيرت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، فألقى الناس سلاحهم، ودخل رسول الله ﷺ فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم جاء ومعه القوس آخذ بسيتها، فجعل يطعن بها في عين صنم من أصنامهم وهو يقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً " ثم انطلق حتى أتى الصفا فعلا منه حتى يرى البيت، وجعل يحمد الله ويدعوه، والأنصار عنده يقولون: أما الرجل فأدركته رغبته في قريته، ورأفته بعشيرته، وجاء الوحي، وكان الوحي إذا جاء لم يخف علينا، فلما رفع اللوحي قال: يا معشر الأنصار، قلتم: أما الرجل فأدركته رغبته في قريته، ورأفته بعشيرته، كلا فما اسمي إذاً؟ كلا، إني عبد الله ورسوله، المحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا يبكون وقالوا: يا رسول الله، والله ما قلنا إلا لضن بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ : إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم. وزاد في حديث آخر قال: فوالله ما منهم من أحد إلا من بل نحره بالدموع من عينيه. ﵃. قال أبو عمران الجوني: وقفت مع عبد الله بن رباح ونحن نقاتل الأزارقة مع المهلب فبكى: فقلت:

стр. 4143

ما يبكيك؟ قال: قد كان في أهل الشرك غناء عن قتال أهل القبلة. قتل أبو خالد في ولاية ابن زياد. عبد الله بن ربيعة بن عمر بن الحسن بن إسماعيل أبو سهل الكندي البستي الفقيه قدم دمشق حاجاً، وحدث بها في شوال سنة ثلاثين وأربع مئة. حدث عن أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي بسنده إلى محمد بن النضر الحارثي قال: وإذا صاحبت فاصحب صاحباً ... ذا عفاف وحياء وكرم قوله للشيء: لا، إن قلت: لا ... وإذا قلت نعم، قال: نعم عبد الله بن رواحة بن ثعلبة ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك وفي نسبه خلاف أبو محمد ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو عمرو الأنصاري شهد بدراً، والعقبة، وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة مؤته واستشهد بها. حدث عبد الله بن رواحة قال: كنت في غزاة، فتعجلت فانتهيت إلى الباب فإذا المصباح يتأجج، وإذا أنا بشيء أبيض، فاخترطت سيفي، ثم حركتها فأتيت المرأة، فقالت: إليك إليك، فلانة كانت عندي فمشطتني، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فنهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً. وحدث عبد الله بن رواحة قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب.

стр. 4144

وكانت أم عبد الله بن رواحة كبشة بنت واقد بن عمرو بن الإطنابة بن عامر بن زيد مناة. وكان عبد الله بن رواحة يكتب في الجاهلية، وكانت الكتابة في العرب قليلاً. وشهد عبد الله العقبة مع السبعين من الأنصار، وهو أحد النقباء الاثني عشر من الأنصار، وشهد بدراً، وأحداً، والخندق، والحديبية، وخيبر، وعمرة القضية. وقدمه رسول الله ﷺ من بدر يبشر أهل العالية بما فتح الله عليه، والعالية: بنو عمرو بن عوف وخطمة ووائل. واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة حين خرج إلى غزوة بدر الوعد، وبعثه رسول الله ﷺ سرية في ثلاثين راكباً إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر فقتله، وبعثه رسول الله ﷺ إلى خيبر خارصاً، فلم يزل يخرص عليهم إلى أن قتل بمؤته مع جعفر بن أبي طالب في قتال الروم سنة ثمان، وله في الإسلام مناقب وأيام. قال قتيبة: ابن رواحة وأبو الدرداء أخوان لأم. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : رحم الله ابن رواحة، كان أينما أدركته الصلاة أناخ. وعن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصابتنا مطر ورداغ، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي على ظهور رواحلنا. قال: ففعلنا، ونزل ابن رواحة فصلى في الأرض. قال: فسعى به رجل من القوم فقال: يا رسول الله، أمرت الناس يصلون على ظهور رواحلهم ففعلوا، ونزل ابن رواحة فصلى في الأرض. قال: فبعث إليه فقال: ليأتينكم وقد لقي حجته. قال: فأتاه فقال رسول الله ﷺ : يا بن رواحة، أمرت الناس أن يصلوا على ظهور رواحلهم، نزلت وصليت في الأرض! قال: فقال: يا رسول الله، لأنك تسعى في رقبة قد فكها الله، وإنما أنا نزلت لأسعى في رقبة لم تفك، فقال رسول الله ﷺ : ألم أقل لكم إنه سيلقى حجته.

стр. 4145

وحدث ضمرة ومهاجر ابنا حبيب قالا: خرج رسول الله ﷺ في سرية، فأدركته الصلاة وهو على ظهر، فصلى رسول الله على ظهر، ونزل ابن رواحة فصلى بالأرض، ثم أتى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : يا بن رواحة، أرغبت عن صلاتي؟! قال: لست مثلك، إنك تسعى في عتق ونحن نسعى في رق، فلم يعب عليه ما صنع. قال: وخرج رسول الله ﷺ في سرية فصلى بأصحابه على ظهر، فاقتحم رجل من الناس فصلى على الأرض فقال: خالف خالف الله به، فما مات الرجل حتى خرج من الإسلام. وعن أنس بن مالك قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل، فجاء النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة، فقال النبي ﷺ : يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة ﵈. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عبد الله بن رواحة أتى النبي ﷺ ذات يوم وهو يخطب، فسمعه وهو يقول: " اجلسوا " فجلس مكانه خارجاً من المسجد حتى فرغ النبي ﷺ من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال له: زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله. وحدث عمر بن ذر عن أبيه: أن رسول الله ﷺ دفع إلى نفر من أصحابه فيهم عبد الله بن رواحة يذكرهم بالله. فلما رأى رسول الله ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ : ذكر أصحابك فقال: يا رسول الله، أنت أحق مني. قال: أما إنكم الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معهم، ثم تلا عليهم: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم " الآية إلى آخرها، قال: وما قعد عدتكم قط يذكرون الله إلا قعد معهم عددهم من الملائكة. فإن حمدوا الله حمدوه، وإن سبحوا الله سبحوه، وإن كبروا الله كبروه، وإن استغفروا الله أمنوا، ثم عرجوا إلى ربهم

стр. 4146

فسألهم وهو أعلم منهم فقال: أين ومن أين؟ قالوا: ربنا، عبيد لك من أهل الأرض ذكروك فذكرناك. قال: ويقولون: ماذا؟ قالوا: ربنا حمدوك فقال: أول من عبد وآخر من حمد. قالوا: وسبحوك قال: مدحي لا ينبغي لأحد غيري. قالوا: ربنا كبروك قال: لي الكبرياء في السموات والأرض وأنا العزيز الحكيم. قالوا: ربنا استغفروك قال: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم. قالوا: ربنا فيهم فلان وفلان قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. وعن أبي عمران الجوني: أن عبد الله بن رواحة أغمي عليه فأتاه رسول الله ﷺ فقال: اللهم إن كان قد حضر أجله فيسر عليه، وإن لم يكن حضر أجله فاشفه. فوجد خفة فقال: يا رسول الله، أمي تقول: واجبلاه واظهراه، وملك قد رفع مرزبة من حديد ويقول: أنت كذا؟ فلو قلت نعم لقمعني بها. وعن أبي الدرداء قال: إن كنا لنكون مع رسول الله ﷺ في السفر في اليوم الحار الذي يضع أحدنا على رأسه من شدة الحر وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. وفي حديث آخر مثله: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان. وعن مجاهد قال: قوله تعالى: " لم تقولون ما لا تفعلون " إلى قوله: " صفاً كأنهم نيان مرصوص " في نفر من الأنصار، منهم عبد الله بن رواحة. قالوا في مجلس: لو تعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت، فلما نزلت فيهم فقال عبد الله بن رواحة: لا أزال حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيداً، رحمة الله عليه.

стр. 4147

وعن ابن عباس: في هذه الآية، يعني " ولأمة مؤمنة خير من مشركة " قال: نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وإنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي ﷺ فأخبره خبرها، فقال له النبي ﷺ : ما هي يا عبد الله؟ قال: هي تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة. فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها. ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أحسابهم. فأنزل الله تعالى فيهم: " ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم " الآية. حدث معمر عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تزوج، يعني: رجل امرأة عبد الله بن رواحة فقال لها: تدرين لم تزوجتك؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله بن رواحة في بيته، فذكرت له شيئاً لا أحفظه، غير أنها قالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل داره صلى ركعتين، وإذا دخل بيته صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبداً، وكان ثابت لا يدع ذلك فيما ذكر لنا بعض من يخالط أهله، وفيما رأينا منه. وعن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة. قال: فقدم أصحابه وقال: أتخلف فأصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم ألحقهم. قال: فلما صلى رسول الله ﷺ رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: فقال: أردت أن أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم. قال: فقال له رسول الله ﷺ : لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت غدوتهم. وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث إلى مؤته. فاستعمل زيداً فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل

стр. 4148

جعفر فابن رواحة، فتخلف ابن رواحة فجمع مع النبي ﷺ فرآه فقال: ما خلفك؟ فقال: أجمع معك. قال: لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها. وفي حديث بمعناه: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها. فراح عبد الله منطلقاً. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما نزلت " والشعراء يتبعهم الغاوون " قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله أني منهم، فأنزل الله " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " حتى ختم الآية. وعن ابن عباس: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا " قال: أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله بن رواحة. وعن محمد بن سيرين قال: كان شعراء أصحاب محمد ﷺ : عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك. وعن حسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: ما الشعر؟ قال: شيء يختلج في صدر الرجل فيخرجه على لسانه شعراً. قال: فهل تستطيع أن تقول شيئاً الآن، فنظر في وجه رسول الله ﷺ فقال: نعم: إني توسمت فيك الخير نافلةً ... والله يعلم أني ثابت البصر ثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا

стр. 4149

قال عبد الله بن رواحة: مررت بالنبي ﷺ وهو جالس في نفر من أصحابه فأضب القوم: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة، فعرفت أن رسول الله ﷺ دعاني، فانطلقت إليهم مسرعاً، فسلمت فقال: ها هنا، فجلست بين يديه. فقال - كأنه يتعجب من شعري - فقال: كيف تقول الشعر إذا قلت؟ قلت: أنظر في ذلك ثم أقول فقال: فعليك بالمشركين. قال: ولم أكن أعددت شيئاً، فأنشدته، فلما قلت: فخبروني أثمان العباء متى ... كنتم بطاريق أو دانت لكم مضر قال: فكأني عرفت في وجه رسول الله ﷺ الكراهية أن جعلت قومه أثمان العباء فقلت: نجالد الناس عن عرض فنأسرهم ... فينا النبي وفينا تنزل السور وقد علمتم بأنا ليس يغلبنا ... حي من الناس إن غزوا وإن كثروا يا هاشم الخير إن الله فضلكم ... على البرية فضلاً ماله غير إني تفرست فيك الخير أعرفه ... فراسة خالفتهم في الذي نظروا ولو سألت أو استنصرت بعضهم ... في جل أمرك ما آووا ولا نصروا فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا فأقبل علي بوجهه متبسماً ثم قال: وإياك فثبت الله. قال: وأرسله رسول الله ﷺ إلى مؤتة ثالث ثلاثة أمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب. فلما قتل صاحباه كره الإقدام فقال: أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعةً أو لا لتكرهنه

стр. 4150

وطالما قد كنت مطمئنه ما لي أراك تكرهين الجنه فقتل يومئذ. وهجا سيدنا رسول الله ﷺ وأصحابه ثلاثة من كفار قريش أبو سفيان: ابن الحارث، وعمرو بن العاص، وابن الزبعري. فقال قائل لعلي: أهج عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا فقال علي: إن أذن لي رسول الله ﷺ فعلت. فقال الرجل: يا رسول الله، أتأذن لعلي كيما يهجو عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا؟ فقال: ليس هناك - أو: ليس عنده ذلك - ثم قال للأنصار: ما يمنع القوم الذين قد نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم وأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان بن ثابت: أنا لها يا رسول الله وأخذ بطرف لسانه فقال: والله ما يسرني به مقولاً بين بصرى وصنعاء. فقال له رسول الله ﷺ : وكيف تهجوهم وأنا منهم؟ فقال: إني أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين. فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار يجيبونهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. فكان حسان بن ثابت وكعب بن مالك يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيرانهم بالمثالب، وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر، ويعلم أنه ليس فيهم شر من الكفر. قال: وكانوا في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب بن مالك، وأهون القول قول عبد الله بن رواحة. فلما أسلموا كان أشد القول عليهم قول عبد الله بن رواحة. وعن أنس قال: دخل النبي ﷺ مكة في عمرة القضاء وابن رواحة بين يديه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله

стр. 4151

ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يا بن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل. وعن ابن عباس: أن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت على بعير يستلم الركن بمحجن وعبد الله بن رواحة آخذ بغرزة يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير مع رسوله وفي أخر الأبيات: يا رب إني مؤمن بقيله فقال عمر بن الخطاب: أو ها هنا يا بن رواحة؟ فقال رسول الله ﷺ : أو ما تعلمن أو لا تسمع ما قال؟ قال: فمكث ما شاء الله ثم قال رسول الله ﷺ هيه، يا بن رواحة، قل لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. وقيل: إن ذلك خطأ، وإن ابن رواحة لم يحضر فتح مكة. قتل ابن رواحة بمؤته مع جعفر بن أبي طالب. وقد روي أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه. قالوا: وهذا أصح عند بعض أهل العلم لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤته. وعن البراء قال: رأيت رسول الله يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وهو

стр. 4152

يرتجز برجز عبد الله بن رواحة، يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا وفي حديث قيس بن أبي حازم قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: انزل فحرك بنا التراب، فقال: يا رسول الله، لقد تركت قولي، فقال له عمر: اسمع وأطع قال: فنزل فقال هذا الرجز. وعن عمر بن الخطاب ﵁ بمعناه، وبعد الشعر: فقال رسول الله ﷺ : ارحمه، فقال عمر: وجبت. وعن أبي هريرة أنه قال في قصصه، وهو يذكر رسول الله ﷺ إن أخاً لكم لا يقول الرفث، يعني: ابن رواحة قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع

стр. 4153

ولما نزلت هذه الآية " وإن منكم إلا واردها " ذهب عبد الله بن رواحة إلى بيته فبكى فجاءت امرأته فبكت وجاءت الخادم فبكت، وجاء أهل البيت فجعلوا يبكون. فلما انقطعت عبرته قال: يا أهلاه، ما الذي أبكاكم؟ قالوا: لا ندري، ولكن رأيناك بكيت فبكينا قال: إنه أنزلت على رسول الله ﷺ آية ينبئني فيها ربي أني وارد النار ولم ينبئني أني صادر عنها، فذلك الذي أبكاني. وكتب رسول الله ﷺ إلى زرعة بن سيف بن ذي يزن: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد. من محمد النبي ﷺ إلى زرعة بن ذي يزن: إذا أتاكم رسلي فآمركم بهم خيراً: معاذ بن جبل، وابن رواحة، ومالك بن عبادة، وعتبة بن نيار. وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فذكر الحديث، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر فشكوا إلى رسول الله ﷺ شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه فقال: يا أعداء الله، تطعموني السحت، والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي وأنتم أبغض لي من عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وفي حديث آخر: أنهم جمعوا حلياً من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم، فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر يهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم، وأما الذي عرضتم علي من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها. قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وعن أبي الدرداء أنه قال: أعوذ بالله أن يأتي علي يوم لا أذكر فيه عبد الله بن رواحة، كان إذا لقيني مقبلاً ضرب

стр. 4154

بين ثديي، وإذا لقيني مدبراً ضرب بين كتفي ثم يقول: يا عويمر، اجلس بنا فلنؤمن ساعة، فنجلس فنذكر الله ما شاء، ثم يقول: يا عويمر، هذه مجالس الإيمان، إن مثل الإيمان مثل قميصك، بينا أنت قد نزعته إذا لبسته، وبينا أنت قد لبسته إذا نزعته يا عويمر، للقلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت علياً. كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرها سراً عن أهله، فبصرت به امرأته يوماً قد خلا بها فقالت: لقد اخترت أمتك على حرتك فجاحدها ذلك: فقالت: فإن كنت صادقاً فاقرأ آية من القرآن - وفي رواية: وقد عهدته لا يقرأ القرآن وهو جنب - فقال: شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا قالت: فزدني آية أخرى، فقال: وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا فقالت: زدني آية أخرى، فقال: وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مقربينا فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر، فأتى ابن رواحة رسول الله ﷺ فحدثه، فضحك رسول الله ﷺ ولم يغير عليه - زاد في رواية أخرى: بمعناه، فقالت له: أما إذ قرأت القرآن فإني قد عرفت أنه مكذوب عليك. فافتقدته ذات ليلة فلم تجده على فراشها فحبست نفسها، فلم تزل تطلبه حتى قدرت عليه في ناحية الدار، فقالت: الآن صدقت فيما بلغني؛ فجحدها فقالت: اقرأ الآيات من القرآن إن كنت صادقاً، فإنك إن كنت جنباً لم تقرأ، فقال: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الصبح ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

стр. 4155

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... له موقنات أن ما قال واقع وأعلم علماً ليس بالظن أنني ... إلى الله محشور هناك وراجع فحدث رسول الله ﷺ بذلك فاستضحك حتى رد يده على فيه وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر لك يا بن رواحة، إن خياركم خيركم لنسائكم. فأخبرني ما الذي ردت عليك حيث قلت ما قلت؟ قال: قالت لي: الله بيني وبينك، أما إذ قرأت القرآن فإني أتهم ظني وأصدقك، فقال رسول الله ﷺ : لقد وجدتها ذات فقه في الدين. قال شريح: قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل بشعر عبد الله بن رواحة ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود كان زيد بن أرقم يتيماً في حجر عبد الله بن رواحة قال: فلم أر والي يتيم خيراً منه. خرج معه إلى مؤتة فحمله على حقيبة رحله وخرج به غازياً إلى مؤتة فسمعه زيد وهو يتمثل أبياته التي قال: إذا أدنيتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المؤمنون وغادروني ... بأرض الشام مشتهر الثواء وردك كل ذي نسب قريب ... إلى الرحمن وانقطع الإخاء هنالك لا أبالي طلع نخل ... ولا بغل أسافلها رواء فلما سمعه زيد بكى فخفقه بالدرة وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة،

стр. 4156

وترجع بين شعبتي الرحل، ولزيد بن أرقم يقول عبد الله بن رواحة: يا زيد زيد اليعملات الذبل تطاول الليل هديت فانزل يرتجز. يقول: انزل، فسق بالقوم. وفي حديث بمعناه: ثم نزله من الليل فصلى ركعتين ثم دعا فيهما دعاءً طويلاً ثم قال لي: يا غلام، فقلت: لبيك، قال: هي إن شاء الله الشهادة. ومضى قوله: هنالك لا أبالي طلع نخل البيت. يقول: إذا استشهدت لم أبال ما تركت من عذي النخل وسقيه. وعن عطاء بن أبي مسلم قال: لما ودع رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة قال ابن رواحة: يا رسول الله، مرني بشيء أحفظه عنك قال: إنك قادم غداً بلداً، السجود فيه قليل، فأكثر السجود. قال عبد الله بن رواحة: زدني يا رسول الله، قال: اذكر الله فإنه عون لك على ما تطالب، فقام من عنده، حتى إذا مضى ذاهباً رجع إليه فقال: يا رسول الله، إن الله وتر يحب الوتر، قال: يا بن رواحة، ما عجزت فلا تعجزن إن أسأت عشراً أن تحسن واحدة، فقال ابن رواحة: لا أسألك عن شيء بعدها. وعن ابن إسحاق قال: فلما أصيب قال رسول الله ﷺ فيما بلغني: أخذ زيد بن حارثة الراية فقاتل بها حتى قتل شهيداً؛ ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم صممت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه كان في عبد الله بن رواحة ما يكرهون، فقال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيداً. ثم، لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرير من ذهب، فرأيت في سرير

стр. 4157

عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سريري صاحبيه فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى. وقال عبد الله بن رواحة عند ذلك: أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أولا لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنه مالي أراك تكرهين الجنة قد طالما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنه ثم نزل فقاتل حتى قتل. قال: وقد قال أيضاً: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت وإن تأخرت فقد شقيت يريد جعفراً وزيداً، ونزل. فلما نزل أتاه ابن عمله بعرق لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت، فأخذه منه فنهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية العسكر فقال: وأنت في الدنيا؟؟؟؟؟؟، فألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.

стр. 4158

وعن الوليد قال: سمعت أنهم ساروا حتى إذا كانوا بناحية معان من أرض الشراة أخبروا أن الروم قد نذروا وجمعوا لهم جموعاً كثيرة من الروم وقضاعة وغيرهم من نصارى العرب، فاستشار زيد بن حارثة أصحابه فقالوا: قد وطئت البلاد وأخفت أهلها فانصرف فإنه لا يعدل العافية شيء، وعبد اله بن رواحة ساكت فسأله زيد عن رأيه فقال: إنا لم نسر إلى هذه البلاد ونحن نريد الغنائم ولكنا نريد لقاءهم ولسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة، فالرأي المسير إليهم، فقبل زيد رأيه وسار إليهم. فروي أن الراية لمل انتهت إلى عبد الله بن رواحة جاءه الشيطان فرغبه بالحياة وكره إليه الموت ثم تذكر فصاح بأولئك النفر الذين حضروا ذلك المجلس الذي بعث إليهم رسول الله ﷺ فتلا عليهم " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص " أين ما كنتم عاهدتم الله عليه، قد جاء مصداقه. اصدقوا الله يصدقكم، قال: فجاوؤه يخبون كأنهم بقر نزعت من تحتها أولادها، فتقدموا بين يديه وأوتي ابن رواحة بلوح من ضلع وقد التاث جوعاً فرده وقال: هذا أدعه فيما أدعه من الدنيا، فشد عليهم وشدوا حتى شدخوا جميعأ. وعن عروة بن الزبير من حديث قال: فإن أصيب عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون رجلاً فليجعلوه عليهم، فتجهز الناس وتهيؤوا للخروج، فودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وسلموا عليه، فلما ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ وودعوا عبد الله بن رواحة بكى قالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة إليها، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً " فلست أدري كيف لي

стр. 4159

بالصدر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين، ودفع عنكم، فقال ابن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا ثم أتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودعه ثم قال: ثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلةً ... والله يعلم أني ثابت البصر أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر ثم خرج القوم حتى نزلوا بمعان فبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب في مئة ألف من الروم ومئة ألف من المستعربة فأقاموا بمعان يومين، فقالوا: نبعث إلى رسول الله ﷺ فنخبره بكثرة عدونا، فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا أمراً. فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم إليها تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فإن يظهرنا الله فربما فعل، وإن تكن الأخرى فهي الشهادة، وليست بشر المنزلتين. فقال الناس: والله لقد صدق ابن رواحة، فانشمر الناس وهم ثلاثة آلاف حتى لقوا جموع الروم وهم بقرية من قرى البلقاء يقال لها شراف، ثم انحاز المسلمون إلى مؤته: قرية فوق أحساء ابن مؤت.

стр. 4160

ولما قتل جعفر بن أبي طالب دعا الناس: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة، وهو في جانب العسكر ومعه ضلع حمل ينهسه ولم يكن ذاق طعاماً قبل ذلك بثلاث، فرمى بالضلع ثم قال: وأنت مع الدنيا؟، ثم تقدم فأصيب اصبعه فارتجز فجعل يقول: هل أنت إلا اصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حياض الموت قد صليت وما تمنيت فقد لقيت إن تفعلي فعلهما هديت وإن تأخرت فقد شقيت ثم قال: يا نفس، إلى أي شيء تتوقين؟ إلى فلانة؟ فهي طالق بالثلاثة، وإلى فلان وفلان، غلمان له، وإلى معجف: حائط له، فهو لله ولرسوله: يا نفس مالك تكرهين الجنه أقسم بالله لتنزلنه طائعةً أو لتكرهنه فطالما قد كنت مطمئنه هل أنت إلا نطفة في شنه قد أجلب الناس وشدوا الرنه قال مصعب بن شيبة: لما نزل ابن رواحة للقتال طعن، فاستقبل الدم بيده فدلك به وجهه ثم صرع بين الصفين، فجعل يقول: يا معشر المسلمين، ذبوا عن لحم أخيكم، فجعل المسلمون يحملون حتى يحوزوه، فلم يزالوا كذلك حتى مات مكانه.

стр. 4161

وعن سعيد بن عبد العزيز قال: قال بعضهم حين بلغه قتل ابن رواحة: كان أولنا فصولاً وآخرنا قفولاً. كان يصلي الصلاة لوقتها. وعن أنس: أن رسول الله ﷺ نعى إلى الناس - أو إلينا - جعفراً وابن رواحة وزيداً وعيناه تذرفان. ولما قتل جعفر بمؤته أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فاستشهد. قال: ثم دخل الجنة معترضاً، فشق ذلك على الأنصار فقالوا: يا رسول الله، ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فشجع فاستشهد فدخل الجنة، فسري عن قومه. وكانت مؤته في جمادى الأول سنة ثمان من الهجرة. عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر ابن كثيف بن عمرو بن حني ويقال: ابن حن - ابن ربيعة بن سعد بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم - وفي نسبه اختلاف - أبو الشعثاء المعروف بالعجاج والد رؤبة بن العجاج. راجز مجيد. حدث عن أبي هريرة، وقيل عن أبي الشعثاء. قال العجاج: أنشدت أبا هريرة ﵁: الحمد لله الذي استقلت بأمره السماء واستعلت

стр. 4162

بإذنه الأرض وما تعنت أرسى عليها بالجبال الثبت فقال أبو هريرة: أشهد أنك تؤمن بيوم الحساب. ولقب العجاج ببيت قاله. وولد في الجاهلية، وقال فيها أبياتاً من رجزه، ومات في أيام الوليد بن عبد الملك بعد أن كبر، وفلج وأقعد. وهو أول من رفع الرجز، وشبهه بالقصيد، وجعل له أوائل، ونسب به، وذكر الدار، ووصف ما فيها، وبكى على الشباب، كما صنعت الشعراء في القصيد، وهو القائل لعمر بن عبيد الله بن معمر لما توجه إلى أبي فديك الشاري: قد جبر الدين الإله فجبر وعور الرحمن من ولى يعني أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، لأنه توجه إلى أبي فديك فهزمه وفيها يقول: حول ابن غراء حصان إن وتر فاز وإن طالب بالوغم اقتدر إذا الكرام ابتدروا الباع بدر تهدي قداماه عرانين مضر ومن قريش كل منسوب أغر ومما يستحسن له في وصف الدر وتروى لرؤبة: كأن خلفيها إذا ما درا جروا هراش حرشا فهرا

стр. 4163

قال الأصمعي: قيل للعجاج: إنك لا تحسن الهجاء، فقال: إن لنا أحلاماً تمنعنا من أن نظلم، وأحساباً تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيت بانياً إلا وهو على الهدم أقدر منه على البناء؟ قال أبو علي الباهلي: قرأنا على الأصمعي شعر العجاج فمر بنا: من أن تبدلت بآدي آدا لم يك ينآد فأمسى انآدا فقد أراني أصل القعادا قال: ودخل ابن الأعرابي فأومأ إلينا: سلوه: ما قعادا؟ فسألناه فقال: الشيوخ الذين قعدوا عن الغزل كبراً، وكذلك هو من النساء. فقال ابن الأعرابي: أما القعاد من الرجال فصحيح، وأما النساء فقواعد كما قال الله : " والقواعد من النساء " قال: فوالله ما التفت إليه الأصمعي، ثم أنشد للقطامي: أبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صداد فما الفرق بين صداد وقعاد، فما نطق ابن الأعرابي بحرف، وقام فخرج. قال المعافى: الأمر في هذا على ما قال الأصمعي. وقد أغفل ابن الأعرابي إنكاره منه ما أنكره. عبد الله بن رومان أدرك عهد سيدنا رسول الله ﷺ ، وشهد فتح بعلبك مع أبي عبيدة بن الجراح وكتب الصلح لأهلها.

стр. 4164

روى إسماعيل بن عياش أن عبيدة كتب لأهل بعلبك: هذا أمان من أبي عبيدة بن الجراح لفلان وفلان وأهل مدينتهم بعلبك، ورومها وفرسها وعربها، ولرؤسائها وسكانها والروم والنصارى، ولأموالهم ولدوابهم ولبيعهم ودياراتهم، وكل شيء لهم من خارج المدينة بيعة أو أداء أو شيء. وللمدينة ولأرحائهم، وأنهم على نسكهم لا يكرهون عليه، وأن عليهم السمع والنصح وإعطاء ما عليهم، ولا عقب بيعة بيننا وبينهم فيما قد خلا من القتال والحرب. وأن للروم أن يسيروا ويظعنوا حيث شاؤوا خمسة عشر ميلاً، ولا يثبتوا في قرية عامرة، وأن لهم أن يرعوا دوابهم خمسة أميال أو ستة. ولأهل المدينة وعربها واكتسابها أن يتجروا حيث شاؤوا من الأرض التي صالحناها. وأن للروم أن يمكثوا في المدينة شهري ربيع وجمادى الأولى، فإذا انسلخ فإنهم يسيرون حيث شاؤوا، ويذهبون بأموالهم ودوابهم. وإن مكثوا بعد انسلاخ الأشهر فإن عليهم مثل ما على أهل المدينة من السمع والطاعة والنصح، وإعطاء الذي عليهم من السبيل، فإن أحبوا أن يسيروا عند نفاذ هذه الصحيفة ساروا، وأن لنا على الروم وفارس ألا يخبئوا شيئاً كان للمؤمنين من أموالهم عند النبط والعرب من حين نفاذ هذه الصحيفة، فإن مكثوا فلنا عشور العرب والروم وأهل المدينة، وإن شاؤوا أن يذهبوا ذهبوا حيث شاؤوا من الأرض بأموالهم، فإن ذمة أبي عبيدة والمؤمنين لهم، وأن للمؤمنين ما عرفوا من أموالهم عند الروم والعرب، وأن لنا عندهم كل نفس حرة مسلمة فيهم، في رومهم وفرسهم وعربهم ونبطهم. والله هو الشاهد على هذه الصحيفة، ويزيد بن أبي سفيان، ومعمر بن رائم. وكتب عبد الله بن رمان. وختم أبو عبيدة بخاتمه. عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي له صحبة، واستشهد بأجنادين، وكان ممن ثبت مع سيدنا رسول الله ﷺ يوم حنين هو والعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالبوأبو سفيان بن الحارث وعقيل بن أبي طالب والزبير بن العوام وأسامة بن زيد.

стр. 4165

قال أبو الحويرث: أول قتيل قتل من الروم يوم أجنادين برز بطريق معلم يدعو إلى البراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، فاختلفا ضربات ثم قتله عبد الله بن الزبير ولم يعرض لسلبه ثم برز آخر يدعو إلى البراز فبرز إليه عبد الله بن الزبير فتشاولا بالرمحين ساعة وصارا إلى السيفين، فحمل عليه عبد الله بن الزبير فضربه - وهو دارع - على عاتقه وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب، فأثبته وقطع سيفه الدرع وأسرع في منكبه ثم ولى الرومي منهزماً، وعزم عليه عمرو بن العاص ألا يبارز، فقال عبد الله: إني والله ما أجدني أصبر. فلما اختلطت السيوف وأخذ بعضها بعضاً وجد في ربضة من الروم عشرة حجزة، مقتولاً وهم حوله قتلى وقائم السيف في يده قد غري، فبعد نهار ما نزع من يده، وإن في وجهه لثلاثين ضربة بالسيف. وكان فتح أجنادين يوم الاثنين عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر الصديق. وكان عبد الله بن الزبير يوم قبض سيدنا رسول الله ﷺ له نحو من ثلاثين سنة. ولا نعلمه غزا مع سيدنا رسول الله ﷺ ولا روى عنه حديثاً. وأم عبد الله بن الزبير عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وقيل قتل في وقعة فحل، وكانت في سنة ثلاث عشرة في رجب. والله أعلم.

стр. 4166

عبد الله بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو بكر ويقال أبو خبيب الأسدي. وأول مولود ولد في الإسلام بالمدينة من قريش. له صحبة، حضر وقعة اليرموك مع أبيه، وشهد خطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق لغزو القسطنطينية أيام معاوية، وبويع بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية بمكة، وغلب على الحجاز والعراقين واليمن ومصر وأكثر الشام، ثم قتله الحجاج بن يوسف وصلبه في أيام عبد الملك بن مروان. قال ثابت البناني: سمعت عبد الله بن الزبير وهو على المنبر يخطب ويقول: قال محمد ﷺ : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. قال سعيد بن جبير: كنت جالساً عند عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان ابن الزبير جعله على قضاء الكوفة إذ جاءه كتاب ابن الزبير: سلام عليك أما بعد. فإنك كتبت تسألني عن الجد، وإن رسول الله ﷺ قال: لو كنت متخذاً من هذه الأمة خليلاً من دون ربي لاتخذت ابن أبي قحافة، ولكنه أخي في الدين وصاحبي في الغار، وجعل الجد أباً، فأحق من أخذنا به قول أبي بكر ﵁. قال عبد الله بن الزبير: خطبنا عمر بالجابية فقال: إن رسول الله ﷺ قام فينا كمقامي هذا فيكم فقال: أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولم يستشهد، وحتى يحلف ولم يستحلف، فمن أحب أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد. ولا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن.

стр. 4167

قال الزبير بن بكار: فولد الزبير بن العوام: عبد الله وبه كان يكنى الزبير، والمنذر، وعروة، وغيرهم. ثم قال: وأمهم أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين ولد عبد الله بن الزبير في شوال سنة اثنتين من الهجرة. قال الواقدي: توفي سيدنا رسول الله ﷺ وعبد الله ابن ثماني سنين وأربعة أشهر. وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجده أبو بكر الصديق، وجدته صفية عمة سيدنا رسول الله ﷺ وعمته خديجة زوجة سيدنا رسول الله ﷺ وخالته عائشة زوجة سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة فحنكه سيدنا رسول الله ﷺ وسماه عبد الله فكبر الصحابة والمسلمون لمولده استكثاراً، وقتل بمكة سنة ثلاث وسبعين فكبر فجرة أهل الشام لقتله استكباراً. بايع النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين، كان صواماً، قواماً، بالحق قوالاً، وللرحم وصالاً، شديد على الفجرة، ذليلاً للأتقياء البررة، وكانت له جمة مفروقة طويلة. وحملت به أمه وهي متم، فولدت بقباء وحملته إلى سيدنا رسول الله ﷺ فحنكه بتمرة، فكان أول ما دخل في جوفه ريق سيدنا رسول الله ﷺ ودعا له وبارك عليه ﷺ ولم ترضعه أمه حتى أتت به النبي ﷺ فأخذه فوضعه في حجره وحنكه. ولد بعد الهجرة بعشرين شهراً. قتل بمكة وصلب بها، وحمل رأسه إلى المدينة وبعث إلى خراسان فدفن بها. ولما ولد عبد الله بن الزبير بقباء، وكانت يهود حين قدم رسول الله ﷺ قالت: أخذوهم حتى لا يكون لهم نسل. فلما ولد عبد الله بن الزبير كبر الناس. وكان أول مولود ولد في الإسلام. وحنكه رسول الله ﷺ ودعا له وأسماه عبد الله قال: قد أسميته بجبريل، ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان ليبايع ﷺ ، أمره بذلك الزبير فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه

стр. 4168

ثم بايعه. ولما قتل كبر أهل الشام فقال عبد الله بن عمر بن الخطاب - وسمع تكبير أهل الشام - الذين كبروا على مولده خير من الذين كبروا على قتله. قال زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة قالت يهود: قد سحرنا محمداً وأصحابه فليس يولد لهم بأرضنا. قال: فكان أول مولود عبد الله بن الزبير. قال زيد: فسمعت أن اليهود لما علموا أن الله ﵎ قد أبطل كيدهم حولوا فكتبوا طباً فجعلوا ما يضر ينفع، وما ينفع يضر. ولما حمل إلى سيدنا رسول الله ﷺ وحنكه أمر أن يؤذن في أذنيه بالصلاة، فأذن أبو بكر في أذنيه. وقال أبو إسحاق: إن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة وهو صبي مولود، وفي ذلك خلاف. والصحيح أن عبد الله بن الزبير ولد بالمدينة بعد الهجرة لا خلاف فيه، ومكة يومئذ دار حرب لم يدخلها سيدنا رسول الله ﷺ ولا أحد من المسلمين. وزعموا أن النبي ﷺ لما نظر في وجهه قال: أهو هو ليمنعن البيت أو ليموتن دونه. وقال العقيلي في ذلك: بر تبين ما قال الرسول له ... من الصلاة لضاحي وجهه علم حمامة من حمام البيت قاطنة ... لا تتبع الناس إن جاروا وإن ظلموا هو أول مولود ولد بالمدينة، وأتاه رسول الله ﷺ يمشي من المدينة اليوم الذي ولد فيه، وكانت أسماء مع أبيها بالسنح ببلحارث بن الخزرج. قال الزبير: والصحيح أن عبد الله بن الزبير ولد بقباء، والبيت الذي ولد فيه قائم معروف، ولاد ابن الزبير فيه وإنما كان نزول أبي بكر الصديق بالسنح حين تزوج مليكة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير، ولم يتزوجها إلا بعد مولد عبد الله بن الزبير. وكان عبد الله يقول: هاجرت بي أمي في بطنها فما أصابها من مخمصة أو نصب إلا وقد أصابني. وكان عارضا ابن الزبير خفيفين، فما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة.

стр. 4169

وعن محمد بن كعب القرظي: أن رسول الله ﷺ دخل على أسماء بنت أبي بكر الصديق حين ولد عبد الله بن الزبير فقال: أهو هو؟ فتركت أسماء رضاع عبد الله بن الزبير لما سمعت رسول الله ﷺ يقول هو هو. فقيل لرسول الله ﷺ إن أسماء تركت رضاع عبد الله بن الزبير لما سمعتك تقول: أهو هو، فقال: أرضعيه ولو بماء عينيك. كبش بين ذئاب، ذئاب عليها ثياب، ليمنعن الحرم أو ليقتلن به. كان الزبير يقبل ابنه عبد الله وهو صغير يقول: أبيض من آل أبي عتيق ... أحبه كما أحب ريقي وعن عروة: أن عبد الله بن الزبير وجعفر بن الزبير بايعا رسول الله ﷺ وهما ابنا سبع سنين، فلما رآهما رسول الله ﷺ تبسم وبسط يده فبايعهما. وعن عبد الله بن عروة: أن النبي ﷺ كلم في غلمة ترعرعوا منهم عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعمر بن أبي سلمة، فقيل: يا رسول الله، لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ويكون لهم ذكر، فأتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا حين جيء بهم إلى النبي ﷺ فاقتحم ابن الزبير أولهم فتبسم رسول الله ﷺ وقال: إنه ابن أبيه، وبايعوه. وعن عبد الله بن الزبير: أنه أتى النبي ﷺ وهو يحتجم. فلما فرغ قال: يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد. فلما برز عن رسول الله ﷺ عمد إلى الدم فشربه. فلما رجع قال: يا عبد الله، ما صنعت؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه بخاف عن الناس. قال: لعلك شربته! قال: نعم. قال: ولم شربت الدم! ويل للناس منك، وويل لك من الناس. قال: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم.

стр. 4170

وفي حديث: من قوة دم رسول الله ﷺ . وفي حديث بمعناه قال: إني أحببت أن يكون من دم رسول الله ﷺ في جوفي فقال: ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار إلا قسم اليمين. وعن محمد بن حاطب أنه قال - وذكر ابن الزبير فقال: طالما حرص على الإمارة قلت: وما ذاك؟ قال: أتي رسول الله ﷺ بلص فأمر بقتله، فقيل: إنه سرق، قال: اقطعوه، ثم جيء بعد ذلك إلى أبي بكر وقد سرق وقد قطعت قوائمه، فقال أبو بكر: ما أجد لك شيئاً إلا قضى فيك رسول الله ﷺ يوم أمر بقتلك، فإنه كان أعلم بك، فأمر بقتله أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم. قال ابن الزبير: أمروني عليكم، فأمرناه علينا فانطلقنا به إلى البقيع، فقتلناه. وعن محمد بن الضحاك: أن عبد الملك بن مروان قال لرأس الجالوت - أو لابن رأس الجالوت - ما عندكم من الفراسة في الصبيان؟ قال: ما عندنا فيهم شيء لأنهم يخلقون خلقاً بعد خلق، غير أنا نرمقهم فإن سمعنا منهم من يقول في لعبه: من يكون معي؟ رأيناها همة وخبر صدق فيه. وإن سمعناه يقول: مع من أكون؟ كرهناها منه. فكان أول ما علم من أمر ابن الزبير أنه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان وهو صبي فمر رجل فصاح عليهم، ففروا، ومشى ابن الزبير القهقري وقال: يا صبيان، اجعلوني أميركم، وشدوا بنا عليه. ومر به عمر بن الخطاب ﵁ وهو صبي يلعب مع الصبيان، ففروا، ووقف، فقال له: مالك لم تفر مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أجرم فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك. كان نوف يقول: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء.
следующие страницы →