← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

أخذوا بأبواب المسجد، وهم من الأبواب إلى الحجون، فخرج أمير المؤمنين يخطر بسيفه وهو يقول: إني إذا أعرف يومي أصبر ... إذ بعضهم يعرف ثم ينكر فدفعهم دفعة تراكبوا منها فوقعوا على وجوههم، وأكثر فيهم القتل ثم رجع إلى موضعه. قالت: من رأيت معه؟ قال: معه أهل بيته ونفر قليل. قالت أمه: خذلوه وأحبوا الحياة، ولم ينظروا لدينهم ولا لأحسابهم. ثم قامت تصلي وتدعو وتقول: اللهم، إن عبد الله بن الزبير كان معظماً لحرمتك، كريه إليه أن تعصى، وقد جاهد فيك أعداءك، وبذل مهجة نفسه رجاء ثوابك، اللهم، فلا تخيبه، اللهم، ارحم ذلك السجود والنحيب والظمأ في تلك الهواجر. اللهم، لا أقوله تزكية، ولكن الذي أعلم وأنت أعلم به، اللهم، وكان براً بالوالدين. قال: ثم جاء عبد الله بن الزبير فدخل على أمه وعليه الدرع والمغفر فدخل عليها فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها وودعها، فقالت: هذا وداع، فلا تبعد إلا من النار. قال ابن الزبير: نعم جئت مودعاً لك، إني لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بي، واعلمي يا أمه أني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي قالت: صدقت فامض على بصيرتك، ولا تمكن ابن أبي عقيل منك، فادن مني أودعك، فدنا منها فعانقها فمست الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد فقال: ما لبست الدرع إلا لأشد منك قالت: فإنه لا يشد مني بل يخالفني، فنزعها ثم أدرج كمه وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت القميص، وأدخل أسفلها في المنطقة وأمه تقول: البس ثيابك مشمرة. قال: بلى هي على عهدك. قالت: ثبتك الله، فانصرف من عندها وهو يقول: إني إذا أعرف يومي أصبر ... إذ بعضهم يعرف ثم ينكر ففهمت قوله فقالت: تصبر والله إن شاء الله تعالى أليس أبوك الزبير؟ قال: ثم لاقاهم فحمل عليهم حملة هزمهم حتى أوقفهم خارجاً من الباب، ثم حمل عليه أهل حمص فحمل عليهم فمثل ذلك.

стр. 4202

قالت ريطة بنت عبد الله: كنت عند أسماء إذ جاء ابنها عبد الله فقال: إن هذا الرجل قد نزل بنا، وهو رجل من ثقيف يسمى الحجاج، في أربعين ألفاً من أهل الشام، وقد نالنا نبلهم ونشابهم وقد أرسل إلي يخيرني بين ثلاث: بين أن أهرب في الأرض فأذهب حيث شئت، وبين أن أضع يدي في يده فيبعث بي إلى الشام موقراً حديداً، وبين أن أقاتل حتى أقتل. قالت: أي بني عش كريماً ومت كريماً، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: إن من ثقيف مبيراً وكذاباً. قالت: فذهب فاستند إلى الكعبة حتى قتل. وجاء عمارة بن عمرو بن حزم فقال: لو ركبت رواحلك فنزلت برمل الحرك. فقال ابن الزبير: فما فعلت القتلى بالحرم؟! والله، لئن كنت أوردتهم ثم فررت عنهم لبئس الشيخ أنا في الإسلام. قال نافع مولى بني أسد: لما كان ليلة الثلاثاء قال الحجاج لأصحابه: والله إني لأخاف أن يهرب ابن الزبير، فإن هرب فما عذرنا عند خليفتنا؟ فبلغ ابن الزبير قوله فتضاحك وقال: إنه ظن بي ظنه بنفسه، إنه فرار في الموطن وأبوه قبله. ولما ارتجز ابن الزبير قوله: لو كان قرني واحداً كفيته قال ابن صفوان: إي والله. وألف. وقيل: إنه لما أصابته الآخرة أصابته في قفاه، فوقذته، فارتعش ساعة ثم وقع لوجهه، ثم انتهض فلم يقدر على القيام، وابتدره الناس، وشد عليه رجل من أهل الشام وقد ارتعش ابن الزبير فهو متوكئ على مرفقه الأيسر، فضرب الرجل فقطع رجليه

стр. 4203

بالسيف، وجعل يضربه وما يقدر ينهض حتى كثروه، ودففوا عليه، ولقد كان يقاتل وإنه لمطروح يخدم بالسيف كل من دنا منه، فصاحت امرأة من الدار. وفي حديث آخر بمعناه: وصاحت مولاة له مجنونة: وا أمير المؤمنيناه وقد رأته حيث هوى، فأشارت لهم إليه فقيل: وإن عليه ثياب خز، وجاء الخبر الحجاج فسجد وسار حتى وقف عليه هو وطارق بن عمرو فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا، فقال الحجاج: تمدح من خالف أمير المؤمنين! قال طارق: نعم هو أعذر لنا، ولولا هذا ما كان لنا عذر، إنا محاصروه، وهو في غير خندق ولا حصن ولا منعة منذ سبعة أشهر ينتصف منا بل بفضل علينا في كل ما التقينا، فبلغ كلامهما عبد الملك بن مروان فصوب طارقاً. ولما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير وهو متعلق بأستار الكعبة ثم شق بطنه ثم قال: املؤوا بطن عبد الله حجارة..الحديث. وعن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن الزبير: ما شيء يحدثنا به كعب إلا قد أتى علي ماقال، إلا قوله: فإن ثقيف تقتلني، وهذا رأسه بين يدي، يعني: المختار. قال ابن سيرين: ولا يشعر أن أبا محمد قد خبئ له، يعني: الحجاج. وعن مجاهد قال: قال ابن عمر لغلامه: لا تمر على ابن الزبير، فغفل الغلام فمر به فرفع رأسه فرآه فقال: رحمك الله، ما علمتك إلا صواماً قواماً وصولاً للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوئ ما قد علمت من الذنوب ألا يعذبك الله. قال مجاهد: ثم التفت إلي فقال: حدثني أبو بكر الصديق أن رسول الله ﷺ قال: من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا. وفي حديث أخر أنه قال: رحمك الله، أبا خبيب إن كنت، وكنت، ولقد سمعت أباك الزبير بن العوام

стр. 4204

يقول: قال رسول الله ﷺ : من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا أو في الآخرة. فإن يك هذا بذاك فهه فهه. مرتين. وقيل إنه قال له: لقد أفلحت قريش إن كنت شر أهلها. وقيل إنه قال له: يرحمك الله فوالله إن قوماً كنت أخسهم لقوم صدق. قال أبو العالية: إنه رأى ابن عمر واقفاً يستغفر لابن الزبير وهو مصلوباً فقال: إن كنت والله ما عملت صواماً قواماً تحب الله ورسوله، فانطلق رجل إلى الحجاج فقال: هذا ابن عمر واقف يستغفر لابن الزبير، فقال لرجل من أهل الشام: قم فائتني به فقام الشامي طويلاً فقال: أصلح الله الأمير، تأذن لي أن أتكلم؟ فقال: تكلم. فقال: إنما أعين الناس كافة إلى هذا الرجل، فإن أنت قتلته خشيت أن تكون فتنة لا تطفأ فقال: اجلس وأرسل إليه مكانه بعشرة آلاف، فقال: أرسل بهذه الأمير لتستعين بها فقبلها. ثم سكت عنه، فأرسل إليه إنا قد أنفقنا منها طائفة وعندنا طائفة، نجمعها لك أحد اليومين ثم نبعث بها. فأرسل إليه: استنفع بها فلا حاجة لنا فيها. حدث أبو المحياة عن أبيه قال: دخلت مكة بعدما قتل ابن الزبير بثلاثة أيام وهو مصلوب، فجاءته أمه، عجوز طويلة مكفوفة البصر، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ قال: فقال الحجاج: المنافق. قالت: لا والله، ما كان منافقاً، إن كان لصواماً، براً. قال: انصرفي فإنك عجوز قد خرفت. قالت: لا والله، ما خرفت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت المبير. قال: فقلت لأبي المحياة: أما الكذاب رأيناه أليس يعني المختار؟ قال: لا أراه إلا إياه. ورأى عبد الله بن عمرو بن العاص عبد الله بن الزبير مصلوباً فقال: طوبى لأمة أنت

стр. 4205

شرها. ورآه أبو عبد الله بن عمر فقال: ويل لابن الزبير ولمروان ما أهريق في سببهما من الدم. قال عامر بن عبد الله بن الزبير: مات أبي فما سألت الله حولاً إلا العفو عنه. كان أبان بن عثمان حين ولي المدينة في خلافة عبد الملك بن مروان أراد نقض ما كان عبد الله قضى به، فكتب أبان عثمان في ذلك إلى عبد الملك فكتب إليه عبد الملك: إنا لم ننقم على ابن الزبير ما كان يقضي به، ولكن نقمنا عليه ما كان أراد من الإمارة. فإذا جاءك كتابي هذا فأمض ما كان قضى به ابن الزبير، ولا ترده فإن نقضنا القضاء عناء معن. وانتشرت بيعة عبد الله بن الزبير في الحجاز واليمن والعراق والمشرق وعامة بلاد الشام والمغرب وفرق عماله في الأمصار، وسير بني أمية من المدينة إلى الشام، وفيهم يومئذ مروان بن الحكم، فقدموا الشام، ونزل مروان الجابية، واجتمع إليه من كان هناك من بني أمية وشيعتهم، فبايعوه بالخلافة. قال نافع مولى ابن عمر: كان رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين، ثم توفي. فكان أبو بكر سنتين وسبعة أشهر وكان عمر عشر سنين وخمسة أشهر، وكان عثمان ثلاث عشرة سنة، فكانت خلافة علي وفتنة معاوية خمس سنين، ثم ولي معاوية عشرين سنة إلا شهراً ثم هلك، وكان يزيد بن معاوية أربع سنين إلا شهراً، ثم هلك، فقام ابن الزبير فكانت فتنة ابن الزبير تسع سنين ثم قتل على رأس ثلاث وسبعين إلا شهرين. ثم استقام الناس لعبد الملك بن مروان. وقال الحجاج بن يوسف: من يعذرني من ابن الزبير، ابن ثلاث وسبعين ينقز في الجبل تقزان الظبي؟

стр. 4206

وروي أن أسماء بنة أبي بكر غسلت عبد الله بن الزبير بعدما تقطعت أوصاله، وجاء الإذن في ذلك من عبد الملك بن مروان عند إباء الحجاج أن يأذن لها، وحنطته، وكفنته، وصلت عليه، وجعلت فيه شيئاً حين رأته يتفسخ إذا مسته. قال مصعب بن عبد الله: حملته أسماء فدفنته بالمدينة في دار صفية بنت حيي، ثم زيدت دار صفية في المسجد، فابن الزبير مدفون في المسجد مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر. قال مالك بن دينار: كانوا يسمعون كل ليلة زمن قتل ابن الزبير قائلاً يقول: لبيك على الإسلام من كان باكياً ... فقد أوشكو هلكي وما قدم العهد وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ... وقد ملكها من كان يوقن بالوعد فينتظرون فلا يجدون أحداً. وقالت الشعراء فيه عدة مراثٍ، رحمة الله عليه. قال عبد الأعلى ابن أخت المقعد: بلغني أن رجلاً من التابعين بإحسان، ورأى كأن القيامة قد قامت، فدعي عبد الله بن الزبير فأمر به إلى النار فجعل ينادي. فأين صلاتي وصومي؟ فنودي أن دعوه لصلاته وصومه. والله أعلم. عبد الله بن الزبير بن سليم ويقال ابن الأسلم ابن الأعشى بن بجرة بن قيس بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة أبو كثير - ويقال: أبو سعد - الأسدي. شاعر معروف من أهل الكوفة، قدم دمشق وامتدح معاوية، وابنه يزيد، وابن ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية.

стр. 4207

والزبير بزاي مفتوحة وباء مفتوحة وباء مكسورة. وهو شاعر أهل الكوفة، وله أخبار مع عبد الله بن الزبير بن العوام، فمن لا يميز بينهما يجعلهما واحداً، وله أخبار مع الحجاج بن يوسف. والزبير من أسماء الدواهي، وقيل: الزبير حماة البئر، وبه سمي الزبير، قال الشاعر: وقد جرب الناس آل الزبير ... فلاقوا من آل الزبير الزبيرا وقال عبد الله بن الزبير الشعر في أيام عثمان بن عفان. وهو القائل لما قتل عبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة: إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل تري جسداً قد هشم السيف وجهه ... ونضح دم قد سال كل مسيل قال أبو عبيدة: جاء عبد الله بن الزبير الأسدي إلى عبد الله بن الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين إن بيني وبينك رحماً من قبل فلانة هي أختنا - وقد ولدتكم - وأنا ابن فلان ابن فلان، ففلانة عمتي. فقال ابن الزبير: نعم، هذا كما ذكرت، وإن فكرت في هذا أصبت الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن نفقتي قد نفدت فقال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع لهم. قال: يا أمير المؤمنين، فإن ناقتي قد نقبت. قال أنجد بها يبرد خفها، وارقعها بسبت، واخصفها بهلب وسر عليها البردين. قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستحملاً، ولم آتك مستوصفاً، لعن الله ناقة حملتني إليك. فقال ابن الزبير: أن وراكبها، ثم خرج وأنشأ يقول:

стр. 4208

أرى الحاجات عند أبي خبيب ... يعدن ولا أمية في البلاد من الأعياص أو من آل حرب ... أغر كغرة الفرس الجواد ومالي حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهلية من معاد فبلغ شعره هذا عبد الله بن الزبير فقال: لو علم أن لي أما أخس من عمته الكاهلية لنسبني إليها. الكاهلية: هي زهرة بنت عمرو بن حنثر، أم خويلد بن أسد، جد ابن الزبير. وعن محمد بن سيرين قال: قال رجل: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله فحبسه عثمان، وقال: أوعدني. وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي: أقول لعبد الله لما لقيته ... أرى الأمر أمس هالكاً متشعبا تخير فإما أن تزور ابن ضابئ ... عميراً وإما أن تزور المهلبا فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا هما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حولياً من الثلج أشهبا فحال ولو كانت خراسان خلتها ... عليه مكان السوق أو هي أقربا قيل: إن الحجاج بن يوسف بعث عبد الله بن الزبير في بعث إلى الري فمات بها في خلافة عبد الملك. والله أعلم.

стр. 4209

عبد الله بن زريق ويقال زريق مولى بني أمية قال عبد الله بن زريق: عزاني الزهري فقال في تعزيته: قال رسول الله ﷺ : ما من امرئ مسلم تصيبه مصيبة تحزنه فيرجع إلا قال الله لملائكته: أوجعت قلب عبدي فصبر واحتسب. اجعلوا ثوابه منها الجنة. قال: ومتى ما ذكر مصيبته فرجع إلا جدد الله له أجرها. عبد الله بن زياد بن سليمان ابن سمعان أبو عبد الرحمن القرشي المدني مولى أم سلمة قدم دمشق وحدث بها واستقضاه الوليد بن يزيد في عسكره. حدث عبد الله بن زياد بن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من أشرك بالله فليس بمحصن. وحدث عن الزهري بسنده إلى أبي سريحة حذيفة بن أسيد صاحب رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط إذا سقط منها واحدة توالت: خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم، وفتح يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها.. الحديث. كذبه قوم وضعفوه. وعن الوليد بن مسلم قال: كتبت كتاباً عن ابن سمعان، فإنه لفي يدي إذ غلبتني عيني فنمت فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 4210

في النوم فقلت: يا رسول الله، هذا ابن سمعان حدثني عنك فقال: قل لابن سمعان يتق الله ولا يكذب علي. وحكي ذلك عن غير الوليد. والله أعلم. عبد الله بن زيد بن عامر ابن ناثل بن مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد بن كبير بن غالب بن عدي بن بيهس بن طرود ابن قدامة بن جرم أبو قلابة الجرمي البصري. أحد الأعلام. قدم دمشق، وسكن داريا. حدث أبو قلابة أن ثابت بن الضحاك حدثه أن رسول الله ﷺ قال: من حلف على ملةٍ غير الإسلام فهو كما قال. ليس على رجل نذر فيما لا يملك. وحدث أبو قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وحدث عنه: أن رهطاً من عكل - أو قال من عرينة، ولا أعلمه إلا قال: من عكل - قدموا المدينة فاجتووها، فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى برئوا وذهب سقمهم، فقتلوا راعي النبي ﷺ وأطردوا النعم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث إليهم غدوة، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم،

стр. 4211

وألقوا بالحرة يستسقون فلا يسقون. قال: فقال أبو قلابة: هؤلاء قوم، قتلوا وسرقوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. قيل لعبد الملك بن مروان، هذا أبو قلابة قد قدم على أمير المؤمنين. قال: وما أقدمه؟ قال: متعوذاً من الحجاج، أراده على القضاء، فقال عبد الملك..وكتب له إلى الحجاج بالوصاة. قالوا: وأخبر أبو قلابة، بقول عبد الملك فيه، فقال أبو قلابة: قد كنت أحب أن آتي الشام وقد دخلتها ولن أخرج منها. كان عمر بن عبد العزيز يقول: الأذان مثنى مثنى، والإقامة إحدى إحدى. وكان مع عمر بن عبد العزيز أبو قلابة الجرمي وعراك بن مالك ومحمد بن كعب القرظي وسالم بن عبد الله، ومحمد بن شهاب الزهري وغيرهم من الفقهاء، يصلون بصلاته، وهو يثني الأذان ويفرد الإقامة. لا ينكرون ذلك. كان أبو قلابة ثقة كثيراً الحديث، وكان ديوانه بالشام. حدث سليمان بن داود حديثاً فيه طول قال: قلت لأبي قلابة الجرمي: ما هذه الصلاة التي يصليها أمير المؤمنين؟ يريد: عمر بن عبد العزيز، فقال: حدثني عشرة من أفضل من أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ أنها صلاة رسول الله ﷺ وقراءته وركوعه وسجوده. وفي حديث آخر بمعناه. قال سليمان: فرمقت عمر في صلاته، فكان بصره إلى موضع سجوده. قال أبو قلابة: كنت جالساً عند عمر بن عبد العزيز فذكروا القسامة، فحدثته عن أنس بقصة العرنيين فقال عمر: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا، أو مثل هذا.

стр. 4212

وعن أبي قلابة قال: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمنهم أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسون عليكم ما كنتم تعرفون. قال أيوب: وكان أبو قلابة من الفقهاء وذوي الألباب. قال السري بن يحيى: حدثني جار كان لأبي قلابة الجرمي أنه خرج حاجاً فتقدم أصحابه في يوم صائف وهو صائم، فأصابه عطش شديد، فقال: اللهم، إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر، فأظلته سحابة فأمطرت عليه حتى بلت ثوبيه، وذهب العطش عنه. فنزل فحوض حياضاً فملأها ماء، فانتهى إليه أصحابه، فشربوا، وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء. قال أيوب السختياني: لما مات عبد الرحمن بن أذينة ذكر أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى اليمامة. قال أيوب: فلقيته بعد ذلك، فقلت له في ذلك فقال: ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر، فما عسى أن يسبح حتى يغرق؟ قال أبو أيوب السختياني: قال لي أبو قلابة: يا أيوب، احفظ عني ثلاث خصال: إياك وأبواب السلطان، وإياك ومجالسة أهل الأهواء، والزم سوقك، فإن الغنى من العافية. وعن أيوب السختياني قال: قال لي أبو قلابة: يا أيوب، احفظ عني أربعاً: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب محمد فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك فيغروا قلبك. وعن أبي قلابة قال: إن أهل الأهواء أهل الضلالة، ولا أرى مصيرهم إلا النار، فجربهم فليس أحد منهم ينتحل قولاً، أو قال: حديثاً - فيتناهى به الأمر دون السيف، وإن النفاق كان ضروباً،

стр. 4213

ثم تلا " ومنهم من عاهد الله " " ومنهم من يلمزك في الصدقات " " ومنهم الذين يؤذون النبي " فاختلف قولهم، واجتمعوا في الشك والتكذيب، وإن هؤلاء اختلف قولهم، واجتمعوا في السيف، ولا أرى مصيرهم إلا النار. وعن أبي قلابة قال: العلماء ثلاثة: فعالم عاش بعلمه وعاش بعلمه وعاش الناس بعلمه، وعالم عاش بعلمه ولم يعش الناس بعلمه، وعالم لم بعلمه ولم يعش الناس بعلمه. وعن أبي قلابة لأيوب: إذا حدث الله علماً فأحدث لله عبادة، ولا تكن إنما همك أن تحدث به الناس. وعن حميد الطويل قال: قال أبو قلابة: إذ بلغك عن أخيك شيء تجد عليه فيه، فاطلب له العذر جهدك، فإن لم تجده فقل: عسى عذره لم يبلغه علمي. قال عثمان بن الهيثم: كان رجل من بني سعد بالبصرة، وكان قائداً من قواد عبيد الله بن زياد، فسقط من السطح فانكسرت رجلاه، فدخل عليه أبو قلابة فعاده فقال له: أرجو أن يكون لك خيرة. فقال له: يا أبا قلابة، وأي خيرة في كسر رجلي جميعاً؟ فقال: ما ستر الله عليك أكثر. فلما كان بعد ثلاث ورد عليه كتاب ابن زياد يسأله أن يخرج فيقاتل الحسين بن علي فقال له: قد أصابني ما أصابني. قال ذلك للرسول. فما كان إلا سبعاً حتى وافى الخبر بقتل الحسين، فقال الرجل: رحم الله أبا قلابة، لقد صدق، إنه كان خيرة لي. قال أيوب: قرأت في بعض كتب أبي قلابة: ما هتك الله ستر عبدٍ، له عنده مثقال حبة من خردل من خير.

стр. 4214

قال أيوب السختياني: مر أبو قلابة وأنا أشتري تمراً ليس بالجيد، فقال: يا أيوب، قد كنت أحسب أن مجالستك إيانا قد نفعتك. أما علمت أن الله قد نزع الركة من كل ردئ؟؟ قال أيوب: مرض أبو قلابة بالشام، فدخل عليه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا قلابة، تشدد، لا يشمت بنا المنافقون. ومات أبو قلابة بالشام، وأوصى بكتبه إلى أيوب فحملت إليه. وكانت وفاته في سنة أربع أو خمس ومئة. وقيل: سنة ست. وقيل: سنة سبع ومئة. عبد الله بن زيد ويقال: ابن يزيد ويقال: خالد بن زيد القاص الأرزق حدث عبد الله بن يزيد قاص مسلمة أن عوف بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقص على الناس إلا أمير، أو مأمور، أو مختال. قال عبد الله بن زيد الأزرق: كان عقبة بن عامر الجهني يخرج فيرمي كل يوم، وكان يستتبعه، فكأنه كاد أن يمل فقال: ألا أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: سمعته يقول: إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة - يعني: الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله، وقال: ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا. وقال: كل شيء يلهو به آدم فهو باطل إلا ثلاث: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله. فإنهن من الحق. قال: فتوفي عقبة وله بضع وستون قوساً، ومع كل قوس قرن، ونبل، فأوصى بهن في سبيل الله .

стр. 4215

وفي حديث بمعناه: ومن نسي الرمي بعدما علمه فقد كفر الذي علمه. وفي حديث بمعناه: ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها، أو قال؛ كفرها. عبد الله بن سبأ ؟ الذي تنسب إليه السبائية وهم الغلاة من الرافضة، أصله من أهل اليمن، كان يهودياً وأظهر الإسلام، وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة، ويدخل بينهم الشر. ودخل دمشق لذلك في زمن عثمان بن عفان. قال يزيد الفقعسي: كان ابن سبأ يهودياً من أهل صنعاء من أمة سوداء، فأسلم زمن عثمان بن عفان، ثم تنقل في بلاد المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر فاغتمز فيهم فقال لهم، فيما كان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع، وقد قال الله : " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " فمحمد أحق بالرجوع من عيسى. قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها، ثم قال بعد ذلك: إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم النبيين وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله؟ ثم تناول الأئمة. ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان قد جمع أموالاً وأخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر، فحركوه وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيستميلوا الناس، وادعوا إلى هذا

стр. 4216

الأمر فبث دعاة، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف، وكتبوا إلى الأمصار كتباً يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، فكتب أهل كل مصر منهم إلى أهل مصر آخر بما يصنعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة، وأسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء. إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع أهل الأمصار فقالوا: إنا لفي عافية مما الناس فيه، فقالوا: إنه اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ إلى عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذي أتانا؟ قال: لا والله، ما جاءني إلا السلامة فأخبروه بالذي أسقطوا إليهم. قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق به من الناس إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم. فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، وفرق رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمار، فقالوا: أيها الناس، والله ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم، وقالوا جميعاً: الأمر أمر المسلمين، ألا إن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم، واستبطأ الناس عماراً حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فوصل كتاب منعبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عماراً قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه فيهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر يريدونه على أن يقول بقولهم، يزعمون أن محمداً راجع، ويدعونه إلى خلع عثمان ويخبرونه أن رأي أهل المدينة على مثل رأيهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في قتله وقتلهم قبل أن يبايعهم، فكتب إليه عثمان: لعمري إنك جريء بابن أم عبد الله، لا والله لا أقتله ولا أنكاه، ولا إياهم حتى يكون الله ينتقم منهم ومنه بمن أحب، فدعهم - ما لم يخلعوا يداً من طاعة - يخوضوا ويلعبوا، وكتب إلى عمار: إني أنشدك الله أن تخلع يداً من طاعة أو تفارقها فتبوء بالنار، ولعمري إني على يقين من الله تعالى لأستكملن أجلي، ولأستوفين رزقي غير منقوص شيئاً من

стр. 4217

ذلك، فيغفر الله لك. فثار أهل مصر. فهموا بقتله وقتل أولئك، فنهاهم عنه عبد الله بن سعد، وأقر عماراً حتى أراد القفل، فحمله وجهزه بأمر عثمان. فلما قدم على عثمان قال: يا أبا يقظان، قذفت ابن أبي لهب أن قذفك، وغضبت على أن أوطأك فعنفك، وغضبت على أن أخذت لك بحقك وله بحقه. اللهم، إني قد وهبت ما بين أمتي وبيني منمظلمة. اللهم، إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي، اخرج عني يا عمار، فخرج فكان إذا لقي العوام نضح عن نفسه، وانتقل من ذلك، وإذا لقي من يأمنه أقر بذلك، وأظهر الندم، فلامه الناس وهجروه وكرهوه. وعن أبي حارثة وأبي عثمان قالا: لما قدم ابن السوداء مصر عجمهم واستخلاهم واستخلوه وعرض لهم بالكفر فأبعدوه، وعرض لهم بالشقاق فأطعموه، فبدأ فطعن على عمرو بن العاص وقال: ما باله أكثركم عطاء ورزقاً؟ ألا ننصب رجلاً من قريش يسوي بيننا، فاستحلوا ذلك منه وقالوا: كيف نطيق ذلك مع عمرو وهو رجل من العرب؟ قال: تستعفون منه، ثم نعمل عملنا، ونظهر الائتمار بالمعروف والطعن فلا يرده علينا أحد، فاستعفوا منه، وسألوا عبد الله بن سعد فأشركه مع عمرو فجعله على الخراج، وولى عمراً على الحرب ولم يعزله، ثمدخلوا بينهما حتى كتب كل واحد منهما إلى عثمان بالذي بلغه عن صاحبه، وركب أولئك واستعفوا من عمرو، وسألوا عبد الله بن سعد فأعفاهم. فلما قدم عمرو على عثمان قال: ما شأنك يا أبا عبد الله. قال: والله يا أمير المؤمنين، ما كنت منذ وليتهم أجمع أمراً ولا رأياً مني منذ كرهوني، وما أدري من أتيت، فقال عثمان: ولكني أدري. لقد دنا أمر هو الذي كنت أحذره، ولقد جاءني نفر من ركب تردد عنهم عمر وكرههم، ألا وإنه لا بد لما هو كائن أن يكون، وإن كابرتهم كذبوا واحتجوا، وإن كف منهم ما لم ينتهكوا محرماً كان لهم، ولم تثبت لهم الحجة، ووالله لأسيرن فيهم بالصبر، ولأتابعهم ما لم يعص الله .

стр. 4218

قال أبو الطفيل: رأيت المسيب بن نجبة أتى به ملببه: يعني ابن السوداء، وعلي على المنبر فقال علي: ما شأنه؟ فقال: يكذب على الله وعلى رسوله. وعن علي ﵇ قال: مالي ولهذا الخبيث الأسود. يعني: عبد الله بن سبأ. وكان يقع في أبي بكر وعمر. قال جابر: لما بويع علي ﵇ خطب الناس، فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض. قال: فقال له: أنت الملك، فقال له: اتق الله، فقال له أنت خلقت الخلق، وبسطت الرزق، فأمر بقتله. واجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفه إلى ساباط المدائن، فإنك إن قتلته بالمدينة خرجت أصحابه علينا، وشيعته، فنفاه إلى ساباط المدائن، فثم القرامطة والرافضة. قال: ثم قامت إليه طائفة، وهم السبائية وكانوا أحد عشر رجلاً، فقال: ارجعوا، فإني علي بن أبي طالب، أبي مشهور، وأمي مشهورة وأنا ابن عم محمد ﷺ فقالوا: لا نرجع، دع داعيك، فأحرقهم بالنار، وقبورهم في صحراء - أحد عشر - مشهورة، فقال من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم: علمنا أنه إله، واحتجوا بقول ابن عباس: لا يعذب بالنار إلا خالقها. قال ثعلب: وقد عذب بالنار قبل علي أبو بكر الصديق ﵄. وذلك أنه رفع إليه رجل يقال له الفجاءة، فقالوا: إنه شتم سيدنا رسول الله ﷺ بعد وفاته فأخرجه إلى الصحراء فأحرقه بالنار. قال: فقال ابن عباس: قد عذب أبو بكر بالنار فاعبدوه أيضاً. عبد الله بن سبعون بن يحيى بن حمزة أبو محمد القيرواني المالكي البزاز سمع بدمشق وأسمع، واستوطن بغداد، ومات بها.

стр. 4219

حدث في المسجد الحرام عن أبي عبد الله محمد بن العباس بن الفضل بن بلال الأنصاري بسنده إلى عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. وحدث عن أبي نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : الراحمون يرحمهم الرحمان يوم القيامة، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. توفي عبد الله بن سبعون في رمضان سنة إحدى وسبعين وأربع مئة. عبد الله بن سراقة بن المعتمر ابن أنس بن أذاة بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب العدوي ويقال: إنه أزدي. له صحبة. روى عن النبي ﷺ وعن أبي عبيدة بن الجراح، وشهده خطيباً بالجابية. قال عبد الله بن سراقة: خطبنا أبو عبيدة بن الجراح بالجابية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله لم يبعث نبياً قط بعد نوح إلا حذر قومه الدجال، وإني محدثكم فيه حديثاً لم يحدث به أحد كان قبلي: ليدركنه بعض من يراني أو يسمع كلامي. قال: فقال الناس: يا رسول الله، كيف قلوبنا يومئذ، أهي كاليوم؟ قال: أو خير. قال علي بن عاصم: قلت لخالد الحذاء: أي شيء في هذا؟ قال: أحسبه قد خرج، وليس يرى فرصته، ولو قد رآها خرج علينا.

стр. 4220

عبد الله بن سعد بن أبي سرح ابن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك ويقال: جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك أبو يحيى القرشي، العامري، أخو عثمان بن عفان من الرضاع. له صحبة. وروى عن سيدنا رسول الله ﷺ وكان عثمان ولاه مصر، فشكاه أهل مصر وأخرجوه منها، فجاء فلسطين، ثم قدم على معاوية، دمشق. وشهد معه صفين. وقيل: لم يزل معتزلاً بالرملة فراراً من الفتنة. والله أعلم. حدث عبد الله بن سعد بن أبي سرح قال: بينما رسول الله ﷺ في عشرة من أصحابه، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم على جبل حراء إذ تحرك، فقال رسول الله ﷺ : اسكن حراء، فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد. كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد ارتد في عهد سيدنا رسول الله ﷺ فأهدر دمه. فستره عثمان بن عفان ﵁، وجاء به إلى النبي ﷺ فاستأمن له فاستوهبه منه، فعفا عنه، وعاد إلى الإسلام، وفتح إفريقية في أيام عثمان، وولي مصر يوم ذلك، وبنى بها داراً حتى كان زمن عثمان إلى فلسطين، فمات بها بعد مقتل عثمان في الفتنة. ويقال: مات بعسقلان. وقال في حصار عثمان: أرى الأمر لا يزداد إلا تفاقماً ... وأنصارنا بالمكتين قليل وأسلمنا أهل المدينة والهوى ... هوى أهل مصرٍ والذليل ذليل وشهد أبو يحيى فتح مصر، وكان صاحب ميمنة عمرو بن العاص في حروبه، وكان فارس بني عامر بن لؤي، وولي جند مصر لعثمان بن عفان، وغزا منها إفريقية سنة سبع وعشرين، والأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين وهو هادنهم هذه الهدنة

стр. 4221

القائمة إلى اليوم، وذات الصوري من أرض الروم في البحر سنة أربع وثلاثين، ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية. توفي بعسقلان سنة ست وثلاثين، وقيل: توفي بالرملة سنة تسع وخمسين. وقيل: سنة ست وستين. ويقال: إن أول من كتب لسيدنا رسول الله ﷺ عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ثم ارتد، فكتب له عثمان بن عفان، وكتب له العلاء بن الحضرمي، وشرحبيل بن حسنة. قال سعيد بن المسيب: إن رسول الله ﷺ أمر بقتل ابن أبي سرح يوم الفتح وفرتنا وابن الزبعرى وابن خطل، فأتاه أبو برزة وهو متعلق بأستار الكعبة، فبقر بطنه. وكان رجل من الأنصار قد نذر إن رأى ابن أبي سرح أن يقتله، فجاء عثمان - وكان أخاه من الرضاعة - فشفع له إلى النبي ﷺ وقد أخذ الأنصاري بقائم السيف ينتظر النبي ﷺ متى يومئ إليه أن يقتله، فشفع له عثمان حتى تركه. ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: هلا وفيت بنذرك؟ فقال: يا رسول الله، وضعت يدي على قائم السيف أنتظر متى تومئ، فأقتله فقال النبي ﷺ : الإيماء خيانة. ليس لنبي أن يومئ. وعن أنس بن مالك قال: أمن رسول الله ﷺ يعني الناس - يوم فتح مكة إلا أربعة من الناس، عبد العزى بن خطل، ومقيس بن صبابة الكناني، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسارة، قال: فأما عبد العزى فإنه قتل وهو آخذ بأستار الكعبة. قال: ونذر رجل من

стр. 4222

الأنصار أن يقتل عبد الله بن سعد إذا رآه. قال: وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة. قال: فأتى به رسول الله ﷺ ليشفع له. فلما بصر به الأنصاري اشتمل السيف ثم خرج في طلبه، يعني: فوجده عند رسول الله ﷺ فهاب قتله فجاء الأنصاري يتردد ويكره أن يقدم عليه لأنه في حلقة النبي ﷺ ، وبسط النبي ﷺ يده فبايعه. قال للأنصاري: انتظرتك أن توفي نذرك. قال: يا رسول الله، هبتك، أفلا أومضت إلي؟ قال: إنه ليس لنبي أن يومض. قال: وأما مقيس فإنه كان له أخ مع رسول الله ﷺ فقتل خطأ. فبعث معه رسول الله ﷺ رجلاً من بني فهر ليأخذ عقله من الأنصار. قال: فلما جمع له العقل ورجع نام الفهري، فوثب مقيس فأخذ حجراً فجلا به رأسه فقتله. ثم أقبل وهو يقول: شفى النفس من قد بات بالقاع مسنداً ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتنسيني وطيء المضاجع قتلت به فهراً وغرمت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع حللت به نذري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع وأما سارة فإنها كانت مولاة لقريش، فأتت رسول الله ﷺ فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئاً، ثم أتاهارجل فبعث معها كتاباً إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليهم ليحفظ عياله، وكان له بها عيال، فأتى جبريل ﷺ يعني النبي ﷺ فأخبره بذلك، فبعث رسول الله ﷺ في إثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب فتخفاها بالطريق ففتشاها فلم يقدرا على شيء معها، فأقبلا راجعين فقال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا، ارجع بنا إليها، فسلا سيفهما ثم قالا: لتدفعن إلينا الكتاب أو لنذيقنك الموت، فأنكرت ثم قالت: أدفعه إليكما على ألا ترداني إلى رسول الله ﷺ فقبلا ذلك منها قال: فحلت عقاص رأسها فأخرجت الكتاب من قرن من قرونها فدفعته، فرجعا بالكتاب إلى رسول الله ﷺ فدفعاه إليه فدعا الرجل فقال: ما هذا الكتاب! قال: أخبرك

стр. 4223

يا رسول الله، ليس من رجل ممن معك إلا وله قوم يحفظونه في عياله، فكتبت بهذا الكتاب ليكون لي في عيالي قال: فأنزل الله : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة " إلى آخر هذه الآيات. وقيل في سارة: أم سارة. قال: وهو الصواب. وفي حديث آخر: إن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: أربعة لا أؤمنهم في حل ولا في حرم: الحويرث بن نفيد، ومقيس بن صبابة، وهلال بن خطل، عبد الله بن أبي سرح، فأما الحويرث فقتله علي، وأما مقيس فقتله ابن عم له، وأما هلال بن خطل فقتله الزبير، وأما عبد الله بن أبي سرح فاستأمن له عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، وقينتين كانتا لمقيس تغنيان بهجو رسول الله ﷺ فقتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت. قالوا: كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فربما أملى عليه رسول الله ﷺ " سميع عليم " فيكتب: عليم حكيم، فيقرؤه رسول الله ﷺ فيقول: كذلك الله، ويقره فافتتن، وقال: ما يدري محمد ما يقول، إني لأكتب له ما شئت. هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد، وخرج هارباً من المدينة إلى مكة مرتداً، فأهدر رسول الله ﷺ دمه يوم الفتح. فلما كان يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فقال: يا أخي، والله اخترتك فاحتبسني هاهنا، واذهب إلى محمد فكلمه في، فإن محمداً إن رآني ضرب الذي فيه عيناي. إن جرمي أعظم الجرم، وقد جئت تائباً فقال عثمان: بل اذهب معي. قال عبد الله: والله إن رآني ليضربن عنقي، ولا يناظرني. قد أهدر دمي، وأصحابه يطلبونني في كل موضع. فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك إن شاء الله، فلم يرع رسول الله ﷺ إلا بعثمان آخذاً بيد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، واقفين بين يديه، فأقبل عثمان على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمه

стр. 4224

كانت تحملني وتمشيه، وترضعني وتفطمه، وكانت تلطف بي وتتركه، فهبه لي، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي ﷺ بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام، وإنما أعرض عنه النبي ﷺ إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه، فلما رأى أن لا يقوم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله ﷺ يقبل رأسه وهو يقول: يا رسول الله، تبايعه فداك أبي وأمي، فقال رسول الله ﷺ : نعم. ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله - أو قال: الفاسق - فقال عبد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلى فأضرب عنقه - ويقال: قال هذا أبو اليسر، ويقال: عمر بن الخطاب - فقال رسول الله ﷺ : إني لا أقتل بالإشارة، وقيل: إن النبي ﷺ قال يومئذ: إن النبي لا يكون له خائنة الأعين، فبايعه رسول الله ﷺ ، فجعل يفر من رسول الله ﷺ كلما رآه. فقال عثمان: يا رسول الله، بأبي وأمي لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك. فتبسم رسول الله ﷺ فقال: أولم أبايعه وأؤمنه؟ قال: بلى، أي رسول الله، ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام. فقال النبي ﷺ : الإسلام يجب ما كان قبله، فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره، فكان يأتي فيسلم على النبي ﷺ مع الناس. وعن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر في قوله: " من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " قال: ذاك عمار بن ياسر " ولكن من شرح بالكفر صدراً " قال: ذاك عبد الله بن أبي سرح. قال الليث: كان عبد الله بن سعد والياً لعمر بن الخطاب بمصر على الصعيد، ثم ولاه عثمان مصر كلها، وكان محموداً، وغزا ثلاثة غزوات؛ غزا إفريقية فقتل جرجير صاحبها وبلغت سهمانهم للفارس ثلاثة آلاف دينار، وللراجل ألف دينار. ثم غزا ذات الصواري فلقوا ألف مركب للروم، فقتل للروم مقتلة لم يقتلوا مثلها قط. ثم غزا الأساود.

стр. 4225

وكان عثمان قد استعمل عمرو بن العاص على حرب مصر، واستعمل عبد الله بن أبي سرح على الجزية وخراج الأرض وعبد الله بن سعد رضيع عثمان فتواشيا إلى عثمان، فكتب عمرو إلى عثمان: إن عبد الله قد أمسك يدي عن غزوي، وحال بيني وبين أن أنفذ لشيء من حربي. وكتب ابن سعد إلى عثمان: إن عمراً قد كسر علي جزيتي، وأخرب علي أرضي، وحال بيني وبين أن أنفذ لشيء من عملي، فكتب عثمان إلى عمرو فعزله، وجمع لعبد الله بن سعد وخراج الأرض، وقدم عمرو على عثمان مستخطاً، فدخل ذات يوم عليه، وعليه جبة له محشوة، فقال عثمان: ما حشو جبتك يا أبا عبد الله؟ قال: عمرو بن العاص. قال: والله ما عن ذلك سألتك، لقد عرفناك أنك فيها. ولكن إنما سألتك عن حشوها. قال: لكني قد أحببت أن أعلمك أن فيها عمرو بن العاص. قال: وحشد ابن سعد في حمل المال ليصدق حديثه. وقيل: إن عثمان كتب إلى عبد الله بن سعد: أما بعد. فقد رأيت ما صنعت بك: عزلت عنك عمرو بن العاص واستعملتك، فإذا جاءك كتابي هذا فاحشد في الخراج، وإياك في حشدك أن تظلم مسلماً أو معاهداً، قال: فبعث إليه عبد الله بن سعد بمالٍ قد حشد فيه. فلما وضع بين يدي عثمان قال: علي بعمرو بن العاص، فأتي به مسرعاً، فقال: ما تشاء؟ فقال عثمان: يا عمرو، أرى تلك اللقاح قد درت بعدك! فقال عمرو: إنما درت لهلاك فصالها، وإنها قد هزلت. قال: فسكت عثمان. قال خليفة العصفري: في سنة سبع وعشرين عزل عثمان بن عفان عمرو بن العاص عن مصر، وولاه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فغزا ابن أبي سرح إفريقية ومعه العبادلة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام، فلقي جرجير، وجرجير في مئتي ألف بسبيطلة على سبعين ميلاً من القيروان، فقتل جرجير، وسبوا وغنموا.

стр. 4226

وقال غيره: وأقام ابن أبي سرح بسبيطلة مدينة قبودة، فبعث إليه أهل القصور والمدائن فصالحوه على مئتي ألف رطل من ذهب. وفي سنة إحدى وثلاثين غزا ابن أبي سرح من مصر زندان من ناحية المصيصة. وفي سنة ثلاث وثلاثين غزا ابن أبي سرح الحبشة فأصيبت عين معاوية بن حديج. كان المقداد بن الأسود غزا مع عبد الله بن سعد إلى إفريقية، فلما رجعوا قال عبد الله بن سعد للمقداد في دار بناها: كيف ترى بنيان هذه الدار؟ فقال له المقداد: إن كان من مال الله فقد أفسدت، وإن كان من مالك فقد اسرفت. فقال عبد الله: لولا أن يقول قائل: أفسدت مرتين لهدمتها. وعن عباس بن سهل الساعدي: أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف - وهو الذي كان سرب المصريين إلى عثمان بن عفان، أنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه - وثب هو بمصر على عبد الله بن سعد بن أبي سرح - وهو عامل عثمان يومئذ على مصر - فطرده منها، وصلى بالناس فخرج عبد الله بن سعد من مصر فنزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين، فانتظر ما يكون من أمر عثمان، فطلع عليه راكب فقال: يا عبد الله ما وراءك؟ خبرنا بخبر الناس خلفك. قال: أفعل، قتل المسلمون عثمان، فقال عبد الله بن سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا عبد الله، ثم صنعوا ماذا؟ قال: ثم بايعوا ابن عم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب. قال عبد الله بن سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال له الرجل: كأن ولاية علي عدلت عندك قتل عثمان! قال: أجل. قال: فنظر إليه الرجل فتأمله فعرفه وقال: كأنك عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير مصر. قال: أجل. قال له الرجل: فإن كان لك في نفسك حاجة فالنجاء النجاء، فإن أمير المؤمنين فيك وفي أصحابك شيء، إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم من بلاد المسلمين. وهذا بعدي أمير يقدم عليك. قال له

стр. 4227

عبد الله: ومن هذا الأمير؟ قال: قيس بن عبادة الأنصاري. قال: يقول عبد الله بن سعد: أبعد الله محمد بن أبي حذيفة فإنه بغى على ابن عمه وسعى عليه، وقد كان كفله ورباه، وأحسن إليه، فأساء جواره، ووثب على عماله، وجهز الرجال إليه حتى قتل، ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان، ومن لم يمنعه بسلطان بلاده حولاً ولا شهراً، ولم يره كذلك أهلاً. فقال له الرجل: انج بنفسك لا تقتل، فخرج عبد الله بن سعد هارباً حتى قدم على معاوية بن أبي سفيان، دمشق. وتوفي عبد الله بن أبي سرح بعسقلان، حيث خرج معاوية بن أبي سفيان إلى صفين، ولم يخرج معه، وكره الخروج في ذلك المخرج، فتوفي في أيام صفين بعسقلان، ودفن في موضع معروف، يقال له: مقابر قريش، إلى اليوم. وقيل: مات بالرملة فاراً من الفتنة وهو في الصلاة. قال يزيد بن أبي حبيب: لما حضرت عبد الله بن سعد بن أبي سرح الوفاة وهو بالرملة، وكان خرج إليها فاراً من الفتنة، فجعل يقول لهم من الليل، أصبحتم؟ فيقولون: لا. فلما كان عند الصبح قال: إني لأجد برد السحر، فانظروا، ثم قال: اللهم، اجعل خاتمة عملي صلاة الفجر. فنظر فإذا هو الصبح فتوضأ ثم صلى فقرأ في ركعة بأم القرآن والعاديات، وفي الأخرى بأم القرآن وسورة، ثم سلم عن يمينه فذهب يسلم عن يساره فقبضت منه روحه. عبد الله بن سعد بن فروة البجلي مولاهم الكاتب له عقب بعكا. حدث عبد الله بن سعد عن الصنابجي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات.

стр. 4228

وفي حديث غيره: الغلوطات. قال الأوزاعي: شداد المسائل وصعابها. قال البيهقي: بلغني عن أبي سليمان الخطابي أنه قال في معناه: أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط، ليستزلوا بها، ويسقط رأيهم فيها، وفيه كراهية المتعمق والمتكلف لما لا حاجة بالإنسان إليه من المسألة، ووجوب الموقف عما لا علم للمسؤول به. الرجل الذي لم يسم: معاوية. وعن عبد الله بن سعد بن عبادة بن نسي عن معاوية قال: نهى رسول الله ﷺ عن عقل المسائل. عبد الله بن سعد بن معاذ ابن سعد بن أبي سعد أبو سعد الأنصاري الرقي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى فهو مؤمن، وهو في جوار الله، فلا تخفروا الله في جواره. سئل الدارقطني عن عبد الله بن سعد الرقي القاضي فقال: كذاب، يضع الحديث. عبد الله بن سعد الأنصاري الحرامي ويقال: القرشي الأموي عم حرام بن حكيم بن سعد سكن دمشق. وكانت داره بسوق القمح. حدث عبد الله بن سعد: أنه سأل رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة

стр. 4229

في بيتي وعن الصلاة في المسجد، وعن مؤاكلة الحائض، فقال: إن الله ﵎ لا يستحي من الحق، أما أنا فإذا فعلت كذا وكذا..فذكرالغسل، قال: أتوضأ وضوئي للصلاة، أغسل فرجي..ثم ذكر الغسل، وأما الماء يكون بعد الماء فذلك المذي، وكل فحل يمذي فأغسل عن ذلك فرجي وأتوضأ، وأما الصلاة في المسجد والصلاة في بيتي فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة، وأما مؤاكلة الحائض فواكلها. وعن عبد الله بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: إن الله أعطاني فارس ونساءهم وأبناءهم وسلاحهم وأموالهم، وأعطاني الروم ونساءهم وأبناؤهم وسلاحهم وأموالهم وأمدني بحمير. عبد الله بن سعيد أبي أحيحة ابن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي له صحبة. كان اسمه الحكم، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، واستعمله النبي ﷺ على سوق المدينة، واستشهد يوم مؤتة، وقيل إنه استشهد ببدر. حدث الحكم بن سعيد بن العاص: أنه أتى النبي ﷺ فقال له: ما اسمك؟ قال: الحكم، قال: أنت عبد الله. قال: فأنا عبد الله يا رسول الله. وفي رواية قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه ... وكان عبد الله بن سعيد كاتباً، وأمره رسول الله ﷺ أن يعلم الكتاب بالمدينة. قتل يوم بدر شهيداً. ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدراً، وقيل: إنه أسلم قبل فتح مكة. وقتل يوم مؤته شهيداً في سنة ثمان. وليس له عقب. وقتل أخوه العاص بن سعيد يوم بدر كافراً. وهو أبو سعيد بن العاص الذي ولي الكوفة لعثمان بن عفان.

стр. 4230

وحدث سعيد بن عمرو بن سعيد: أن أعمامه خالداً وأبان وعمراً بني سعيد رجعوا من أعمالهم حين بلغهم وفاة رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: ما أجد أحق بالعمل من عمال رسول الله ﷺ . ارجعوا إلى أعمالكم، فقال بنو أبي أحيحة: لا نعمل بعد رسول الله ﷺ لغيره، فخرجوا إلى الشام فقتلوا جميعاً، وكان خالد على اليمن، وأبان على البحرين، وعمرو على تيماء. وخيبر قرى عربية، وكان الحكم بن سعيد يعلم الحكمة، فخرجوا إلى الشام. فما افتتحت كورة إلا وقد وجد عندها رجل من بني سعيد ميت، فقتلوا أربعتهم. وقتل سعيد بن سعيد مع رسول الله ﷺ يوم الطائف. قالوا: وولد سعيد بن العاص أبو أحيحة ثمانية رجال لم يمت أحد منهم على فراشه، فقتل ثلاثة مع المشركين وخمسة مع المسلمين: قتل أحيحة يوم الفجار، والعاص بن سعيد وعبيدة بن سعيد يوم بدر، وقتل سعيد بن سعيد يوم الطائف، والحكم بن سعيد يوم اليمامة، وقتل خالد يوم مرج الصفر وهو القائل: من فارس كره الكماة يعيرني ... رمحاً إذا نزلوا بمرج الصفر وقتل أبان وعمرو يوم أجنادين. وقيل: قتل عمرو يوم فحل. عبد الله بن سعيد بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو صفوان الأموي. أمه أم جميل بنت عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية. لحقت به بمكة حين قتل أبوه نهر أبي فطرس.

стр. 4231

حدث أبو صفوان الأموي عن يونس عن الزهري قال: إن أنساً يحدث أن رسول الله ﷺ قال: فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب مملوءاً حكمة، فأفرغها في صدري ثم أطبقه. وحدث أبو صفوان الأموي عن يونس الأيلي عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين. قال علي بن المديني: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك أقعد قرشي رأيته، وكان له أربعة عمومة خلفاء: الوليد، وسليمان، وهشام، ويزيد، بنو عبد الملك بن مروان. حدث إسحاق بن يعقوب العثماني مولى آل عثمان عن أبيه قال: إنا لبفناء دار عثمان بن عفان بالأبطح في صبح خامس من الثمان، يعني: أيام الحج إن دريت إلا برجل على راحلة، على رحل جميل وأداة حسنة، معه صاحب له على راحلة قد جنب إليها فرساً وبغلاً، فوقفا علي وسألاني فانتسبت لهما عثمانياً فنزلا وقالا: رجلان من أهلك، قد بلتنا حاجة يجب أن نقضيها قبل أن نشده بأمر الحج فقال: حاجتكما؟ قالا: نريد إنساناً يقفنا على قبر عبيد بن سريج. قال: فنهضت معهما حتى بلغت بهما محلة أبي قارة من خزاعة بمكة، وهم موالي عبيد بن سريج، فالتمست لهما إنساناً يصحبهما حتى يقفهما على قبره بدسم فوجدت ابن أبي دباكل فأنهضته معهما، فأخبرني بعد أنه لما وقفهما على قبره نزل أحدهما فحسر عمامته عن وجهه، وإذا هو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان فعقر ناقته واندفع يندبه بصوت شجي طليل حسن ويقول: وقفنا على قبر بدسم فهاجنا ... وذكرنا بالعيش إذ هو مصحب فجالت بأرجاء الجفون سوافح ... من الدمع تشتكي الذي يتغيب

стр. 4232

إذا بطأت عن ساحة الخد ساقها ... دم بعد دمع إثره يتصبب فإن تسعدا نندب عبيداً بقولةٍ ... وقل له منا البكا والتنحب ثم نزل صاحبه فعقر ناقته وقال له القرشي: خذ في صوت أبي يحيى، فاندفع يتغنى: أسعداني بدمعةٍ أسراب ... من دموعٍ كثيرة التسكاب إن أهل الحصاب قد تركوني ... مولعاً مولهاً بأهل الحصاب أهل بيتٍ تبايعوا للمنايا ... ما على الموت بعدهم من عتاب فارقوني وقد علمت يقيناً ... ما لمن ذاق ميتةً من إياب كم بذاك الحجون من حي صدقٍ ... وكهول أعفةٍ وشباب سكنوا الجزع جزع بيت أبي مو ... سى إلى النخل من صفي الشباب فلي الويل بعدهم وعليهم ... صرت فرداً وملني أصحابي قال ابن أبي دباكل: فوالله، ما تمم صاحبه منها ثالثاً حتى غشي على صاحبه، وأقبل يصلح السرج على بغلته، فسألته: من هو؟ فقال: رجل من جذام قلت: بمن يعرف؟ قال: بعبد الله بن المنتشر. قال: ولم يزل القرشي على حاله ساعة ثم أفاق، فجعل الجذامي ينضح الماء على وجهه ويقول كالمعاتب له: أنت أبداً مصبوب على نفسك. من كلفك ما ترى؟ ثم قرب إليه الفرس. فلما علاه استخرج الجذامي من خرجٍ على البغل قدحاً وإداوة ماء، فجعل في القدح تراباً من تراب قبر ابن سريج، وصب عليه من ماء الإداوة ثم قال: هاك فاشرب هذه السلوة، فشرب، ثم فعل هو مثل ذلك، وركب على البغل، وأردفني، فخرجنا، لا والله ما يعرضان بذكر شيء مما كانا فيه، ولا أرى في وجوههما شيئاً مما كنت أرى مثل ذلك. فلما اشتمل علينا أبطح مكة قال: انزل يا خزاعي، فنزلت وأومأ الجذامي إلى القرشي بكلام فمد يده إلي وفيها شيء فأخذته. فإذا هو عشرون ديناراً، ومضيا، فانصرفت إلى قبره ببعيرين فاحتملت عليهما أداة الراحلتين اللتين عقراهما، فبعتهما بثلاثين ديناراً.

стр. 4233

عبد الله بن سعيد ويقال أخطل بن المؤمل أبو سعيد الساحلي. من أهل جبيل، من ساحل دمشق. حدث عن مسلم بن عبيد عن أسماء بنت يزيد الأنصارية من بني عبد الأشهل: أنها أتت النبي ﷺ وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء إليك، واعلم - نفسي لك الفداء - أما إنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على مثل رأيي؛ إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا - يا معشر النساء - محصورات، مقصورات، قواعد بيوتكم، ونقضي شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم - معاشر الرجال - فضلتم علينا بالجمعة، والجماعات وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في الأجر يا رسول الله ﷺ ؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي ﷺ إليها ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله. قال: فأدبرت وهي تهلل وتكبر استبشاراً. عبد الله بن سعد حدث بأطرابلس عن أبيه بسنده إلى ابن عباس أن رجلاً سأله فقال: أكان النبي ﷺ يمزح؟ فقال عبد الله: نعم، فقال الرجل: ما كان مزاحه؟ فقال ابن عباس: كسا النبي ﷺ بعض نسائه ثوباً واسعاً قال: البسيه واحمدي الله، وجرى من ذيلك هذا كذيل العروس. قال الحافظ: كذا كان بخط عبد الرحمن بن عمرو. قال: ولا أعرف عبد الله بن

стр. 4234

سعيد هذا، وأظنه عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير، أبا القاسم المصري. وعبيد الله بن سعيد بن كثير توفي سنة ثلاث وسبعين مئتين. عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي المخزومي له صحبة. حكى عن سيدنا رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : لا صام من صام الأبد. وأمه بنت عبد بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. وكان قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، وقتل يوم اليرموك شهيداً في خلافة عمر بن الخطاب. وقتل أخوه هبار بن سفيان يوم أجنادين. وقيل: إن المستشهد باليرموك عبيد الله بن سفيان. عبد الله بن أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو الهياج الهاشمي. روى عن سيدنا رسول الله ﷺ . قال سماك: سمعت عبد الله بن أبي سفيان وكان كبيراً يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تقدس أمة لا يأخذ ضعيفها الحق من قويها وهو غير متعتع. وقيل: إنه لم تصح له صحبة.

стр. 4235

بلغ عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث أن عمرو بن العاص يعيب بني هاشم، ويقع فيهم وينتفضهم، وكان يكنى أبا الهياج، فغضب لذلك، وزور كلاماً يلقى به عمراً، ثم قدم على معاوية، ليس أكثر سفره إلا ليشتم عمرو بن العاص، فدخل على معاوية مراراً لم يتفق له ما يريد، وعنده عمرو فجاء الإذن، فقال: هذا عبد الله بن جعفر قد قدم وهو بالباب قال: ائذن له. قال عمرو: يا أمير المؤمنين، لقد أذنت لرجل كثير الخلوات للتمني، والطربات للتغني، صدوف عن السنان، محب للقيان، كثير مزاحه شديد طماحه، ظاهر الطيش، لين العيش، أخاذ للسلف، صفاق للشرف، فقال عبد الله بن أبي سفيان: كذبت يا عمرو. وأنت أهله، ليس هو كما وصفت، ولكنه لله ذكور، ولبلائه شكور، وعن الخنا زجور، سيد كريم، ماجد صميم، جواد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فاحش عياب، كذلك قضي في الكتاب، فهو كالليث الضرغام، الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دنيء، كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فعلت عليه جرارها، فأصبح ينوء بالذليل، ويأوي فيها إلى القليل، مذبذب بين حيين، كالساقط بين المهدين، لا المعتزي إليهم قبلوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري، بأي حسب تنازل النضال؟ أم بأي قديم تعرض للرجال؟ أبنفسك فأنت الجبان الوغد الزنيم، أم بمن تنتهي إليه؛ فأهل السفه والطيش والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهر، ولا بقديم في الإسلام ذكر، غير أنك تنطق بغير لسانك، وتنهض بغير أركانك، وايم الله إن كان لأسهل للوعث، وألأم للشعث أن يكمعك معاوية عن ولوغك بأعراض قريش كعام الضبع في وجارها، فإنك لست لها بكفي، ولا لأعراضها بوفي. قال: فتهيأ عمرو للجواب فقال له معاوية: نشدتك الله أبا عبد الله إلا كففت. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، دعني أنتصر، فإنه لم يدع شيئاً، فقال معاوية: أما في مجلسك هذا فدع الانتصار، وعليك بالاصطبار. وخلف أبو الهياج بن أبي سفيان على أمامة بنت أبي العاص بعد علي بن أبي طالب. وقيل: إنه قتل مع الحسين بن علي يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.

стр. 4236

عبد الله بن سلمة بن عبد الله ابن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وفد على عمر بن عبد العزيز. كان بين عمر بن عبد العزيز وبين يعقوب بن سلمة وأخيه عبد الله كلام، فأغلظ يعقوب لعمر في الكلام فقال له: اسكت فإنك ابن أعرابية جافية، وقال عقيل لعمر: لعن الله شرار الثلاثة: مني ومنك ومنه، فغضب عمر، فقال له صخر بن أبي الجهم: آمين، هو والله يا أمير المؤمنين شر الثلاثة. فقال عمر: والله إني لأراك لو سألته عن آية من كتاب الله ما قرأها فقال: بلى. والله، إنه لقارئ لآية وآيات. قال: فاقرأ. فقرأ: إنا بعثنا نوحاً إلى قومه، فقال عمر: قد أعلمتك أنك لا تحسن. ليس هكذا قال الله . قال: فكيف قال؟ قال: " إنا أرسلنا نوحاً " قال: فما الفرق بين أرسلنا وبعثنا! خذ أنف هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق عبد الله بن سليمان بن الأشعث ابن إسحاق بن بشير بن عمرو بن عمران أبو بكر بن أبي داود، الأزدي الحافظ. أصله من سجستان، وولد بها، ونشأ ببغداد. وقدم دمشق مع أبيه وسمع بها وطاف به أبوه شرقاً وغرباً، وأسمعه من علماء ذلك الوقت. وصنف المسند والسنن والتفسير والقراءات والناسخ والمنسوخ وغير ذلك. وكان فهماً عالماً حافظاً.

стр. 4237

حدث أبو بكر بن أبي داود عن هشام بن خالد بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يباشر أم سلمة وعلى قبلها ثوب. يعني: وهي حائض. وحدث عن أحمد بن صالح المصري بسنده إلى أسماء بنت أبي بكر قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أكيل نفقة لنا وأحصيها فقال: يا أسماء، لا تحصي فيحصي الله عليك. وحدث عن محمد بن قهزاذ بسنده إلى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ توضأ في طست، فأخذت فصببته في بئر لنا. ولد عبد الله بن أبي داود سنة ثلاثين ومئتين. كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم، تعففاً وتنزهاً ونفياً للظنة عن نفسه، وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابن أمرد يحب أن يسمعه حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شد على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم ملتحياً، ثم أحضره المجلس، وأسمعه جزءاً، فأخبر الشيخ بذلك فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه مثل هذا؟ فقال له: أيها الشيخ، لا تنكر علي ما فعلته، واجمع ابني هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذ من السماع. قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الابن مطارحاً وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك شيئاً من حديثه، وحصل لذلك الجزء الأول، وكان ابن أبي داود يفتخر برواية هذا الجزء الواحد. قال أبو بكر بن أبي داود: دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مداً باقلاء، فكنت آكل منه مداً وأكتب عن أبي سعيد الأشج ألف حديث. فلما كان الشهر حصل معي ثلاثون ألف حديث. قال أبو ذر الهروي: من بين مقطوع، ومرسل، وموقوف. وكان أبو بكر عبد الله بن سليمان إمام العراق وعلم العلم في الأمصار، ومن نصب له السلطان المنبر، فحدث عليه لفضله ومعرفته. وحدث قديماً قبل السبعين ومئتين. قدم

стр. 4238

همذان سنة نيف وثمانين ومئتين. وكتب عنه عامة المشايخ ذلك الوقت. وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الإتقان ما بلغ هو. قال ابن شاذان: قدم ابن أبي أصبهان، فسألوه أن يحدثهم فقال: ما معي أصل، فقالوا: ابن أبي داود وأصول؟! فأملى عليهم ثلاثين ألف حديث، ما أخطأ إلا في سبعة: ثلاثة هو أخطأ فيها، وأربعة كان شيوخه أخطؤوا فيها. قال أبو بكر بن أبي داود: حدثت بأصبهان من حفظي نيفاً وثلاثين ألف حديث ألزموني الوهم منها في سبعة أحاديث، ولما انصرفت إلى العراق وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت حدثتهم به. خرج أبو بكر بن أبي داود إلى سجستان في أيام عمرو بن الليث، فاجتمع إليه أصحاب الحديث وسألوه أن يحدثهم فأبى وقال: ليس معي كتاب. فقالوا له: ابن أبي داود وكتاب؟! قال أبو بكر: فأثاروني، فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي. فلما قدمت بغداد قال البغداديون: مضى ابن أبي داود إلى سجستان ولعب بالناس، ثم فيجوا فيجاً اكتروه بستة دنانير، إلى سجستان ليكتب لهم النسخة، فكتب وجيء بها إلى بغداد وعرضت على الحفاظ بها فخطؤوني في ستة أحاديث: منها ثلاثة حدثت بها كما حدثت، وثلاثة أحاديث أخطأت فيها. قال أبو حفص بن شاهين: أملى علينا ابن أبي داود نحو العشرين سنة، ما رأيت بيده كتاباً، إنما كان يملي حفظاً. وكان يقعد على المنبر بعدما عمي، وكان ابنه أبو معمر يقعد تحته بدرجة وبيده كتاب يقول له: حديث كذا، فيقول من حفظه حتى يأتي على المجلس. وكان قرأ عليهم يوماً حديث القنوت من حفظه، فقام أبو تمام الزينبي وقال: لله درك، ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي. فقال ابن أبي داود: كل ما كان يحفظ إبراهيم فأنا أحفظه، وأنا

стр. 4239

أعرف الطب وإبراهيم ما كان يعرفه، وأنا أعرف النجوم وإبراهيم ما كان يعرف. قال هبة الله بن الحسن الطبري، وحكى عن عيسى بن علي بن عيسى الوزير: إنه كان يشير إلى موضع في داره فيقول: حدثنا أبو القاسم البغوي في ذلك الموضع، وحدثنا يحيى بن صاعد في ذلك الموضع، وحدثنا أبو بكر بن مجاهد في ذلك الموضع، وذكر غير هؤلاء، فقلنا له: لا نراك تذكر أبا بكر بن داود: فقال: ليته إذا مضينا إلى داره كان يأذن لنا في الدخول إليه والقراءة عليه. قال أبو حفص بن شاهين: لما أراد الوزير عيسى بن علي أن يصلح بين ابن أبي داود وابن صاعد جمعهما عنده، وحضر القاضي أبو عمر، فقال الوزير لابن أبي داود: أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه يا أبا بكر وسلمت عليه فقال: لا أفعل، فقال له الوزير: أنت شيخ زيف، فقال ابن أبي دواد: الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله ﷺ فقال الوزير: من الكذاب على رسول الله ﷺ ؟ قال: هذا، ثم قام وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل على يدك، والله ما أخذت من يدك شيئاً أبداً، ويم آخذه يكون علي مئة بدنة مجللة مهداة إلى بيت الله الحرام. فكان المقتدر بعد ذلك يرزق رزقه بيده ويجعله في طبق ويبعثه إليه من يد الخادم. وكان مولد ابن صاعد سنة تسع وعشرين، ومولد ابن أبي داود سنة ثلاثين. بينهما سنة. وتوفي ابن أبي داود سنة ست عشرة وثلاث مئة. ومن شعر ابن أبي داود: إذا تشاجر أهل العلم في خبر ... فليطلب البعض من بعض أصولهم إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن ... لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم فاصدع بعلمٍ ولا تردد نصيحتهم ... واظهر أصولك إن الفرع متهم قال أبو بكر بن أبي داود: رأيت أبا هريرة في النوم وأنا بسجستان أصنف حديث أبي هريرة، كث اللحية ربعة، أسمر، عليه ثياب غلاظ فقلت: يا أبا هريرة، إني لأحبك فقال: أنا أول صاحب

стр. 4240

حديث كان في الدنيا قلت: يا أبا هريرة، كم من رجل أسند عن أبي صالح عنك؟ فقال: مئة رجل، قال ابن داود: فنظرت فإذا عندي نحوها. قال أبو بكر بن أبي داود: مررت يوماً بباب الطاق فإذا رجل يعبر الرؤيا، فمر به رجل فأعطاه قطعة، وقال: رأيت البارحة كأني أطالب بصداق امرأة ولم أتزوج قط، فرد عليه القطعة وقال: ليس لهذه جواب، فقلت له: خذ منه القطعة حتى أفسر له جوابها، فأخذ القطعة فقلت للرجل: أنت تطالب بخراج أرض ليست لك. فقال: هو ذا والله، معي العون. سئل الدارقطني عن أبي بكر بن أبي داود فقال: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث. كان أبو داود السجستاني يقول: ابني عبد الله كذاب. وكان يقول: ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء. وكان ابن أبي داود يتهم بالانحراف عن علي ﵇ والميل عليه. قال رجل لمحمد بن جرير الطبري: إن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي بن أبي طالب! فقال ابن جرير: تكبيرة من حارس. قال علي بن عبد الله الداهري: سألت ابن أبي داود بالري عن حديث الطير، فقال: إن صح حديث الطير فنبوة النبي ﷺ باطل، لأنه حكى عن حاجب النبي ﷺ خيانة، وحاجب النبي لا يكون خائناً. كان أبو بكر بن أبي داود قدم أصبهان، وكان من المتبحرين في فنون العلم والحفظ والفهم والذكاء، فحسده جماعة من الناس. وأخبرني يوماًفي مذاكرته ما قالته الناصبة في أمير المؤمنين علي ﵁، وما نسبه الخوارج والنواصب إليه. فنسبوا الحكاية إليه، وتقولوا عليه، وحرضوا جعفر بن محمد بن شريك، وأقاموا بعض العلوية خصماً، فأحضر
следующие страницы →