Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
عبد الله بن سلمة بن عبد الله
ابن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وفد على عمر بن عبد العزيز.
كان بين عمر بن عبد العزيز وبين يعقوب بن سلمة وأخيه عبد الله كلام، فأغلظ يعقوب لعمر في الكلام فقال له: اسكت فإنك ابن أعرابية جافية، وقال عقيل لعمر: لعن الله شرار الثلاثة: مني ومنك ومنه، فغضب عمر، فقال له صخر بن أبي الجهم: آمين، هو والله يا أمير المؤمنين شر الثلاثة. فقال عمر: والله إني لأراك لو سألته عن آية من كتاب الله ما قرأها فقال: بلى. والله، إنه لقارئ لآية وآيات. قال: فاقرأ. فقرأ: إنا بعثنا نوحاً إلى قومه، فقال عمر: قد أعلمتك أنك لا تحسن. ليس هكذا قال الله . قال: فكيف قال؟ قال: " إنا أرسلنا نوحاً " قال: فما الفرق بين أرسلنا وبعثنا!
خذ أنف هرشى أو قفاها فإنه ... كلا جانبي هرشى لهن طريق
عبد الله بن سليمان بن الأشعث
ابن إسحاق بن بشير بن عمرو بن عمران أبو بكر بن أبي داود، الأزدي الحافظ.
أصله من سجستان، وولد بها، ونشأ ببغداد. وقدم دمشق مع أبيه وسمع بها وطاف به أبوه شرقاً وغرباً، وأسمعه من علماء ذلك الوقت. وصنف المسند والسنن والتفسير والقراءات والناسخ والمنسوخ وغير ذلك. وكان فهماً عالماً حافظاً.
стр. 4237
حدث أبو بكر بن أبي داود عن هشام بن خالد بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يباشر أم سلمة وعلى قبلها ثوب. يعني: وهي حائض.
وحدث عن أحمد بن صالح المصري بسنده إلى أسماء بنت أبي بكر قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أكيل نفقة لنا وأحصيها فقال: يا أسماء، لا تحصي فيحصي الله عليك.
وحدث عن محمد بن قهزاذ بسنده إلى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ توضأ في طست، فأخذت فصببته في بئر لنا.
ولد عبد الله بن أبي داود سنة ثلاثين ومئتين.
كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم، تعففاً وتنزهاً ونفياً للظنة عن نفسه، وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه، وكان له ابن أمرد يحب أن يسمعه حديثه، وعرف عادته في الامتناع عليه من الرواية، فاحتال أبو داود بأن شد على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليتوهم ملتحياً، ثم أحضره المجلس، وأسمعه جزءاً، فأخبر الشيخ بذلك فقال لأبي داود: أمثلي يعمل معه مثل هذا؟ فقال له: أيها الشيخ، لا تنكر علي ما فعلته، واجمع ابني هذا مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه حينئذ من السماع. قال: فاجتمع طائفة من الشيوخ، فتعرض لهم هذا الابن مطارحاً وغلب الجميع بفهمه، ولم يرو له الشيخ مع ذلك شيئاً من حديثه، وحصل لذلك الجزء الأول، وكان ابن أبي داود يفتخر برواية هذا الجزء الواحد.
قال أبو بكر بن أبي داود: دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مداً باقلاء، فكنت آكل منه مداً وأكتب عن أبي سعيد الأشج ألف حديث. فلما كان الشهر حصل معي ثلاثون ألف حديث. قال أبو ذر الهروي: من بين مقطوع، ومرسل، وموقوف.
وكان أبو بكر عبد الله بن سليمان إمام العراق وعلم العلم في الأمصار، ومن نصب له السلطان المنبر، فحدث عليه لفضله ومعرفته. وحدث قديماً قبل السبعين ومئتين. قدم
стр. 4238
همذان سنة نيف وثمانين ومئتين. وكتب عنه عامة المشايخ ذلك الوقت. وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الإتقان ما بلغ هو.
قال ابن شاذان: قدم ابن أبي أصبهان، فسألوه أن يحدثهم فقال: ما معي أصل، فقالوا: ابن أبي داود وأصول؟! فأملى عليهم ثلاثين ألف حديث، ما أخطأ إلا في سبعة: ثلاثة هو أخطأ فيها، وأربعة كان شيوخه أخطؤوا فيها.
قال أبو بكر بن أبي داود: حدثت بأصبهان من حفظي نيفاً وثلاثين ألف حديث ألزموني الوهم منها في سبعة أحاديث، ولما انصرفت إلى العراق وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت حدثتهم به.
خرج أبو بكر بن أبي داود إلى سجستان في أيام عمرو بن الليث، فاجتمع إليه أصحاب الحديث وسألوه أن يحدثهم فأبى وقال: ليس معي كتاب. فقالوا له: ابن أبي داود وكتاب؟! قال أبو بكر: فأثاروني، فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي. فلما قدمت بغداد قال البغداديون: مضى ابن أبي داود إلى سجستان ولعب بالناس، ثم فيجوا فيجاً اكتروه بستة دنانير، إلى سجستان ليكتب لهم النسخة، فكتب وجيء بها إلى بغداد وعرضت على الحفاظ بها فخطؤوني في ستة أحاديث: منها ثلاثة حدثت بها كما حدثت، وثلاثة أحاديث أخطأت فيها.
قال أبو حفص بن شاهين: أملى علينا ابن أبي داود نحو العشرين سنة، ما رأيت بيده كتاباً، إنما كان يملي حفظاً. وكان يقعد على المنبر بعدما عمي، وكان ابنه أبو معمر يقعد تحته بدرجة وبيده كتاب يقول له: حديث كذا، فيقول من حفظه حتى يأتي على المجلس. وكان قرأ عليهم يوماً حديث القنوت من حفظه، فقام أبو تمام الزينبي وقال: لله درك، ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي. فقال ابن أبي داود: كل ما كان يحفظ إبراهيم فأنا أحفظه، وأنا
стр. 4239
أعرف الطب وإبراهيم ما كان يعرفه، وأنا أعرف النجوم وإبراهيم ما كان يعرف.
قال هبة الله بن الحسن الطبري، وحكى عن عيسى بن علي بن عيسى الوزير: إنه كان يشير إلى موضع في داره فيقول: حدثنا أبو القاسم البغوي في ذلك الموضع، وحدثنا يحيى بن صاعد في ذلك الموضع، وحدثنا أبو بكر بن مجاهد في ذلك الموضع، وذكر غير هؤلاء، فقلنا له: لا نراك تذكر أبا بكر بن داود: فقال: ليته إذا مضينا إلى داره كان يأذن لنا في الدخول إليه والقراءة عليه.
قال أبو حفص بن شاهين:
لما أراد الوزير عيسى بن علي أن يصلح بين ابن أبي داود وابن صاعد جمعهما عنده، وحضر القاضي أبو عمر، فقال الوزير لابن أبي داود: أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه يا أبا بكر وسلمت عليه فقال: لا أفعل، فقال له الوزير: أنت شيخ زيف، فقال ابن أبي دواد: الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله ﷺ فقال الوزير: من الكذاب على رسول الله ﷺ ؟ قال: هذا، ثم قام وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل على يدك، والله ما أخذت من يدك شيئاً أبداً، ويم آخذه يكون علي مئة بدنة مجللة مهداة إلى بيت الله الحرام. فكان المقتدر بعد ذلك يرزق رزقه بيده ويجعله في طبق ويبعثه إليه من يد الخادم. وكان مولد ابن صاعد سنة تسع وعشرين، ومولد ابن أبي داود سنة ثلاثين. بينهما سنة. وتوفي ابن أبي داود سنة ست عشرة وثلاث مئة. ومن شعر ابن أبي داود:
إذا تشاجر أهل العلم في خبر ... فليطلب البعض من بعض أصولهم
إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن ... لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم
فاصدع بعلمٍ ولا تردد نصيحتهم ... واظهر أصولك إن الفرع متهم
قال أبو بكر بن أبي داود: رأيت أبا هريرة في النوم وأنا بسجستان أصنف حديث أبي هريرة، كث اللحية ربعة، أسمر، عليه ثياب غلاظ فقلت: يا أبا هريرة، إني لأحبك فقال: أنا أول صاحب
стр. 4240
حديث كان في الدنيا قلت: يا أبا هريرة، كم من رجل أسند عن أبي صالح عنك؟ فقال: مئة رجل، قال ابن داود: فنظرت فإذا عندي نحوها.
قال أبو بكر بن أبي داود: مررت يوماً بباب الطاق فإذا رجل يعبر الرؤيا، فمر به رجل فأعطاه قطعة، وقال: رأيت البارحة كأني أطالب بصداق امرأة ولم أتزوج قط، فرد عليه القطعة وقال: ليس لهذه جواب، فقلت له: خذ منه القطعة حتى أفسر له جوابها، فأخذ القطعة فقلت للرجل: أنت تطالب بخراج أرض ليست لك. فقال: هو ذا والله، معي العون.
سئل الدارقطني عن أبي بكر بن أبي داود فقال: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث.
كان أبو داود السجستاني يقول: ابني عبد الله كذاب.
وكان يقول: ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء.
وكان ابن أبي داود يتهم بالانحراف عن علي ﵇ والميل عليه.
قال رجل لمحمد بن جرير الطبري: إن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي بن أبي طالب! فقال ابن جرير: تكبيرة من حارس.
قال علي بن عبد الله الداهري: سألت ابن أبي داود بالري عن حديث الطير، فقال: إن صح حديث الطير فنبوة النبي ﷺ باطل، لأنه حكى عن حاجب النبي ﷺ خيانة، وحاجب النبي لا يكون خائناً.
كان أبو بكر بن أبي داود قدم أصبهان، وكان من المتبحرين في فنون العلم والحفظ والفهم والذكاء، فحسده جماعة من الناس. وأخبرني يوماًفي مذاكرته ما قالته الناصبة في أمير المؤمنين علي ﵁، وما نسبه الخوارج والنواصب إليه. فنسبوا الحكاية إليه، وتقولوا عليه، وحرضوا جعفر بن محمد بن شريك، وأقاموا بعض العلوية خصماً، فأحضر
стр. 4241
مجلس الوالي أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز، وأقاموا عليه الشهادة، فأمر الوالي أبو ليلى بضرب عنقه، فاتصل الخبر بمحمد بن عبد الله بن الحسن فحضر الوالي أبا ليلى وجرح الشهود وقدم في شهادتهم، وأخذ بيد عبد الله بن أبي داود فأخرجه وخلصه من القتل. وكان عبد الله بن أبي داود يدعو لمحمد بن عبد الله طول حياته، ويدعو على الذين شهدوا عليه، فاستجيب له فيهم، وأصابت كل واحد منهم دعوته، فمنهم من احترق، ومنهم من خلط وفقد عقله. وقد روي عنه أنه تبرأ من ذلك. وكان يقول: كل من بيني وبينه شيء أو ذكرني بشيء فهو في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب.
لما توفي عبد الله بن سليمان صلى عليه مطلب الهاشمي ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي، ثم صلي عليه ثمانين مرة حتى أنفذ المقتدر بنازوك، فخلصوا جنازته ودفنوه. ومات وهو ابن سبع وثمانين سنة. وصلى عليه زهاء ثلاث مئة ألف إنسان وأكثر، وصلي عليه في أربعة مواضع، ﵀.
عبد الله بن سليمان بن يوسف
ابن يعقوب بن الحكم بن المنذر بن الجارود أبو محمد العبدي البعلبكي ويقال: البغدادي حدث عن أبي إسحاق الفزاري بسنده إلى عبد الله قال:
كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الصبح " ألم تنزيل " و" تبارك ".
وبه عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: إن لله ملائكةً سياحين في الأرض، يبلغوني عن أمتي السلام.
وحدث عن الليث بن سعد بسنده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ".
стр. 4242
عبد الله بن سماعة والد إسماعيل
قال محمد بن شعيب: قال لي عبد الله بن سماعة: ما أتت علي منذ عشرين سنة ليلة إلا ختمت فيها القرآن.
عبد الله بن سوار بن همام
ابن ثعلبة بن عبد الله بن زيد بن عامر بن الحارث العبدي تابعي.
قال خليفة: وفي سنة خمس وأربعين بعث ابن عامر عبد الله بن سوار العبدي فافتتح القيقان، وأصاب غنائم، وأفاد منها، خيل البراذين القيقانية من نسل تلك الخيل. ثم قدم، واستخلف كراز بن أبي كراز العبدي، وقدم على معاوية فرده إلى عمله، وعزل ابن عامر.
ثم قال خليفة: سنة سبع وأربعين: فيها غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان فجمع له الترك. فقتل عبد الله بن سوار وعامة ذلك الجيش، وغلب المشركون على القيقان.
عبد الله بن سلام بن الحارث
أبو يوسف الإسرائيلي حليف الأنصاري أسلم وصحب النبي ﷺ وشهد له بالجنة، وشهد مع عمر بن الخطاب الجابية، وفتح بيت المقدس. كنيته أبو يوسف. وكان اسمه الحصين، فلما أسلم سماه سيدنا رسول الله ﷺ عبد الله. وهو من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن. وهو حليف القواقلة من بني عوف بن الخزرج.
стр. 4243
حدث عبد الله بن سلام أن النبي ﷺ قال: الحرب خدعة.
وروى أن النبي ﷺ قال: الحياء من الإيمان.
وروى أن النبي ﷺ قال: اللهم بارك لأمتي في بكورها.
وحدث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ في قوله : " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله " قال: هو عبد الله بن سلام.
وسلام مخفف اللام.
وكان عبد الله بن سلام من أحبار يهود.
وعن عبد الله بن سلام قال: لما ورد رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس عليه، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يقول: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
وعن أنس: أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة فقال: يا رسول الله، إني سائلك عن ثلاث خصال لا يعلمها إلا نبي قال: سل، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول ما يأكل منه أهل الجنة؟ ومن أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله ﷺ : أخبرني بهن جبريل آنفاً. قال: - قال: جبريل، ذاك عدو اليهود من الملائكة - قال: أما أول أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل منه أهل الجنة زيادة كبد حوت، وأما شبه الولد أباه وأمه: فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه
стр. 4244
الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي يبهتوني عندك، فأرسل إليهم فسلهم عن أي رجل ابن سلام فيكم؟ قال: فأرسل إليهم فقال: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وأفقهنا وابن أفقهنا، قال: أرأيتم إن أسلم تسلمون؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. قال: فخرج ابن سلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا وجاهلنا وابن جاهلنا، فقال ابن سلام: هذا الذي كنت أتخوف منهم.
وفي حديث آخر: وتخبرني عن السواد الذي في القمر ما هو؟ وفي جوابه: وأما السواد الذي في القمر فإنهما كانا شمسين فقال الله : " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل " فهو السواد الذي رأيت، فهو المحو. فمحونا به الليل.
وقيل: كان من حديث إسلام عبد الله بن سلام وكان حبراً عالماً. قال: لما سمعت رسول الله ﷺ عرفت صفته واسمه وزمانه وهيئته، والذي كنا نتوكف له، فكنت مسراً لذلك صامتاً عليه حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة. فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله ﷺ كبرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري: لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت. قال: قلت لها: أي عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به. فقالت لي: أي ابن أخ أهو النبي الذي كنا نخبر به أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال: قلت: نعم.
قلت: فذاك إذاً. قال: ثم خرجت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا، وكتمت إسلامي اليهود. ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: إن اليهود قوم بهت وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا بهتوني وعابوني. قال:
стр. 4245
فأدخلني بعض بيوته، فدخلوا عليه فكلموه وساءلوه ثم قال لهم: أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وعالمنا. فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم، فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله، واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، اسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله، وأومن به وأصدقه وأعرفه. قالوا: كذبت، ثم وقعوا في، فقلت: يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم قوم بهت وأهل كذب وغدر وفجور؟ قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها.
وحدث عوف بن مالك قال: انطلق رسول الله ﷺ يوماً وأنا معه حتى دخلنا كنيسة بالمدينة يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم. فقال لهم النبي ﷺ : يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضبه عليه، فاسكتوا، ما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثم تلبث فلم يجبه أحد فقال: أبيتم، فوالله إني لأنا الحاشر والعاقب وأنا المقفي، النبي المصطفى، لآمنتم أو كذبتم. ثم انصرف وأنا معه حتى أردنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفنا، فقال: كما أنت يا محمد، فقال ذاك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود قالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك ولا من أبيك من قبلك ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد الله أنه نبي الله الذي تجدون في التوراة. قالوا له: كذبت، ثم ردوا عليه وقالوا فيه شراً. قال رسول الله ﷺ : كذبتم لن نقبل قولكم، أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذ آمن كذبتموه، قلتم فيه ما قلتم، فلن نقبل قولكم. قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﷺ وأنا وابن سلام فأنزل الله فيه: " قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ".
وعن الضحاك في تفسير هذه الآية قال: قال عبد الله بن سلام:
يا رسول الله، إن اليهود أعظم قومٍ عضيهة فسلهم عني وخذ عليهم ميثاقاً إني إن
стр. 4246
اتبعك وآمنت بكتابك أن يؤمنوا بك وبكتابك الذي أنزل إليك، وأخبأني يا رسول الله قبل أن يدخلوا عليك، فأرسل إلى اليهود فقال: ما تعلمون عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وأعلمنا بكتاب الله، سيدنا وعالمنا وأفضلنا قال: أرأيتم إن شهد أني رسول الله وآمن بالكتاب الذي علي تؤمنون بي؟ قالوا: نعم. فدعاه فخرج عليهم عبد الله فقال: يا عبد الله بن سلام، أما تعلم أني رسول الله؟ تجدوني مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، أخذ الله أن تؤمنوا بي أن يتبعني من أدركني منكم؟ قال: بلى، قالوا: ما نعلم أنك رسول الله وكفروا به، وهم يعلمون أنه رسول الله، وأن ما قال حق، فأنزل الله : " قل أرأيتم إن كان من عند الله " يعني الكتاب والرسول " وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله " يعني: عبد الله بن سلام " فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ".
وعن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي ﷺ يشهد لأحد أنه من أهل الجنة إلا الجنة إلا لعبد بن سلام.
زاد في حديث آخر: وفيه نزلت هذه الآية: " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ".
وعن سعد: دفعت إلى رسول الله ﷺ وعنده فضلة من طعام فقال رسول الله ﷺ : ليطلعن عليكم من هذا الفج رجل يأكل هذه الفضلة من أهل الجنة. قال: فمررت بعمير بن مالك وهو يتوضأ فقلت في نفسي: هوصاحبها، فجعلنا نتشوف شخوص من يطلع علينا، فطلع عبد الله بن سلام على رسول الله ﷺ فدعا له بالفضلة يأكلها. وفي رواية: فأكلها.
وعن خرشة بن الحر قال: كنت جالساً في حلقة في مسجد المدينة، وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام. قال: فجعل يحدثهم حديثاً حسناً. قال: فلما قام القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. قال: فقلت: والله لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته.
стр. 4247
قال: فاتبعته فانطلق حتى كاد يخرج من المدينة ثم دخل منزله، فاستأذنت عليه فأذن لي فقال: ما حاجتك يا بن أخي؟ قلت له: سمعت القوم يقولون لك لما قمت: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فأعجبني أن أكون معك، فقال: الله أعلم بأهل الجنة وسأحدثك مم قالوا ذاك: إني بينا أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم، قال: فأخذ بيدي فانطلقت معه فإذا أنا بجواد عن شمالي فقال: لا تأخذ فيها فإنها طرق أصحاب الشمال. قال: وإذا أنا بجواد منهج عن يميني فقال لي: خذ هاهنا. قال: فأتى بي جبلاً فقال لي: اصعد. قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على استي حتى فعلت ذلك مراراً، قال: ثم انطلق بي حتى أتى عموداً رأسه في السماء وأسفله في الأرض وفي أعلاه حلقة، فقال لي: اصعد بي فوق هذا، فقلت له: كيف أصعد فوق هذا ورأسه في السماء؟! فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا متعلق بالحلقة. قال: ثم ضرب العمود فخر. قال: وبقيت متعلقاً بالحلقة حتى أصبحت. قال: فأتيت النبي ﷺ فقصصتها عليه. قال فقال: وأما الطريق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال. قال: وأما الطرق التي رأيت عن يمينك فهي طرق أصحاب اليمين، وأما الجبل فهو منازل الشهداء ولن تناله، وأما العمود فهو عمود الإسلام، وأما العروة فهي عروة الإسلام لم تزل متمسكاً بها حتى تموت، ثم قال: أتدري كيف خلق الله الخلق؟ قال: قلت: لا، قال: خلق الله آدم فقال: تلد فلاناً وتلد فلاناً، ويلد فلان فلاناً، ويلد فلان فلاناً. أجله كذا وكذا، وعمله كذا وكذا، ورزقه كذا وكذا، ثم ينفخ فيه الروح.
وعن يزيد بن عميرة السكسكي وكان تلميذاً لمعاذ بن جبل: فلما حضرت معاذاً الوفاة قعد يزيد عند رأسه يبكي فنظر إليه معاذ فقال: ما يبكيك؟! فقال له يزيد: أما والله ما أبكي لدنيا كنت أصبتها معك، ولكني أبكي لما فاتني من العلم فقال له معاذ: إن العلم كما هو لم يذهب، فاطلب العلم بعدي عند أربعة، ثم سماهم فيهم عبد الله بن سلام الذي قال رسول الله ﷺ الذي قال رسول الله ﷺ : هو عاشر عشرة في الجنة.
стр. 4248
وفي حديث آخر عن يزيد أيضاً:
لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن، أوصنا. قال: التمسوا العلم عند أبي الدراء، وسلمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه عاشرة في الجنة.
قال الأعرج: كان مجاهداً يقرأ: " ومن عنده علم الكتاب " قال: وكان يقول: هو عبد الله بن سلام.
وعن عبد الله بن سلام: أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني قرأت القرآن والتوراة فقال: اقرأ بهذا ليلة، وبهذا ليلة.
قال عبد الله بن المغفل: كان عبد الله بن سلام، وذكر عنه حديثاً في نهيه عن قتل عثمان وقوله لعلي بن أبي طالب: لا تأت العراق، وعليك بمنبر رسول الله ﷺ فالزمه، ولا أدري هل ينجيك، فإن تركته لا تراه أبداً، فقال من حوله: دعنا فلنقتله، فقال علي: دعوا عبد الله بن سلام فإنه منا رجل صالح.
زعم عبد الله بن حنظلة أن عبد الله بن سلام مر في السوق وعليه حزمة من حطب فقيل له: أليس قد أغناك الله عن هذا؟! قال: بلى، ولكني أردت أن أقمع الكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر.
وحدث بكير بن الأشج أن عبد الله بن سلام خرج من حائط بحزمة حطب يحملها، فلما أبصره الناس قالوا: يا أبا يوسف، قد كان في ولدك وعبيدك من يكفيك هذا! قال: أردت أن أجرب قلبي هل ينكر هذا.
стр. 4249
وشهد عبد الله بن سلام فتح نهاوند.
قال هشام بن محمد: نبئت أن عبد الله بن سلام قال: إن أدركني وليس بي ركوب فاحملوني حتى تضعوني بين الصفين. يعني: قبال الأعماق.
كان عبد الله بن سلام إذا دخل المسجد سلم على النبي ﷺ وقال: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وإذا خرج سلم على النبي ﷺ وتعوذ من الشيطان.
وحدث يحيى بن أبي كثير أن عبد الله بن سلام صك غلاماً صكة، فجعل يبكي ويقول: اقتص مني فيقول الغلام: لا أقتص من سيدي. قال ابن سلام: كل ذنب يغفره الله إلا صكة الوجه.
قال أبو بردة: قدمت المدينة فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة، متخشع، عليه سيماء الخير، فقال: يا أخي، جئت ونحن نريد القيام، قال: فأذنت له - أو قال: أو قلت له: إذا شئت - فقام فاتبعته حتى انتهيت إلى منزله. قال: من أنت؟ قلت: أنا ابن أخيك، أبو بردة بن أبي موسى. قال: فرحب بي، وسألني وسقاني قدحاً من سويق فشربته، ثم قال: إنكم بأرض الريف، وإنكم تساكنون الدهاقين فيهدون لكم حملان القت والدواخل فلا تقربوها فإنها نار.
توفي عبد الله بن سلام بالمدينة سنة ثلاث وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان.
стр. 4250
عبد الله بن الشاعر السكسكي
كان بدمشق. وأظنه من أهل حمص.
حدث حوشب بن سيف قال: غزا الناس في زمان معاوية وعليهم عبد الرحمن بن خالد فغل رجل من المسلمين مئة دينار رومية. فلما قفل الجيش قدم الرجل فأتى عبد الرحمن بن خالد فأخبره خبره وسأله أن يقبلها منه. فأبى وقال: قد تفرق الجيش فلن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل يستقرئ أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون له مثل ذلك. فلما قدم دمشق دخل على معاوية فذكر ذلك له فقال له مثل ذلك: فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال أمطيعي أنت يا عبد الله؟ قال: نعم، قال: فانطلق إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك، فادفع إليه عشرين ديناراً، وانظر الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم. ففعل الرجل، فقال معاوية: لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه. أحسن الرجل.
عبد الله بن شداد بن الهاد
واسمه أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر ويقال: خالد بن بشر بن عتوراة بن عامر بن مالك بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي أبو الوليد الليثي المدني.
وفد على معاوية.
حدث عبد الله بن شداد عن علي قال: ما سمعت النبي ﷺ يفدي أحداً بأبويه إلا سعد، فإني سمعته يوم أحد يقول: ارم فداك أبي وأمي.
стр. 4251
وحدث عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: إنما حرمت الخمر بعينها، والمسكر من كل شراب. روى هذا الحديث مرة: المسكر. وقيل: السكر.
حدث عبيد الله بن عياض بن عمر القاري قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ونحن جلوس عندها مرجعه من العراق، ليالي قتل علي ﵇ فقالت له: يا عبد الله بن شداد، هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي؟ قال: ومالي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم. قال: فإن علياً ﵇ لما كاتب معاوية وحكم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها: حرواء من جانب الكوفة، وإنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسك الله واسم سماك الله به، ثم انطلقت فحكمت في دين الله، ولا حكم إلا لله، فلما أن بلغ علياً ما عتبوا عليه، وفارقوه عليه قام فأذن مؤذن بأن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلاً قد حمل القرآن. فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه، فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف، حدث الناس، فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأل عنه، إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فما تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله. يقول الله في كتابه في امرأة ورجل: " وإن خفتم شقاق بينهما " فأمة محمد أعظم دماً وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا علي أن كاتبت معاوية. كتبت: علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية حين صالح قومه قريشاً فكتب رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: كيف تكتب؟ فقال: اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : اكتبه. ثم قال فاكتب محمد رسول الله،
стр. 4252
فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً. يقول الله في كتابه: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ". فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطنا عسكرهم قام ابن الكوا فخطب الناس فقال: يا حملة القرآن، هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله ما يعرفه به. هذا ممن نزل فيه وفي قومه: " قوم خصمون " فردوه إلى أصحابه، ولا تواضعوه كتاب الله، فقام خطباؤهم فقالوا: والله لنواضعنه كتاب الله، فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه، وإن جاء بباطل لنبكتنه بباطله، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف، كلهم تائب فيهم ابن الكوا حتى أدخلهم على علي بالكوفة، فبعث علي إلى بقيتهم فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ﷺ . بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً، وتقطعوا سبيلاً أو تظلموا ذمة، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكمالحرب على سواء " إن الله لا يحب الخائنين ".
فقالت له عائشة: يا بن شداد، فقد قتلهم، فقال: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم، واستحلوا أهل الذمة. فقالت: آلله؟ قال: الله الذي لا إله إلا هو لقد كان. قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدثون ويقولون: ذو الثدي وذو الثدي؟ قال: قد رأيته وقمت مع علي عليه في القتلى، فدعا الناس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي. ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك. قالت: فما قول علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله. يرحم الله علياً، إنه كان من
стр. 4253
كلامه، لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه، ويزيدون عليه في الحديث.
قيل: إن الهاد جد عبد الله، إنما سمي بذلك لأنه كان يهدي الناس. وأم عبد الله بن شداد: سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس الخثعمية.
قال محمد بن سعد بن سعد: في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة: عبد الله بن شداد بن أسامة بن عمرو - وعمرو هو الهاد - بن عبد جابر. وإنما سمي عمرو الهاد لأنه كان يوقد ناره ليلاً للأضياف ولمن سلك الطريق.
وكان عبد الله بن شداد مع علي يوم النهر، ولقي عمر بن الخطاب وجماعة وكان شيعياً. وكان يأتي الكوفة كثيراً. فينزلها، وخرج فيمن خرج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقتل يوم دجيل سنة إحدى وثمانين.
وروي عن شعبة قال: قدم عبد الله بن شداد وعبد الرحمن بن أبي ليلى اقتحم بهما فرساهما الفرات فذهبا، يوم الجماجم سنة ثلاث وثمانين.
قال عطاء بن السائب: سمعت عبد الله بن شداد بن الهاد يقول: لوددت أني أقمت على المنبر من غدوة إلى الظهر فأذكر فضائل علي ثم أنزل فيضرب عنقي.
стр. 4254
عبد الله بن شقيق أبو الرحمن العقيلي
من أهل البصرة. قدم الشام واجتاز بدمشق.
قال عبد الله بن شقيق: سألت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقرن بين السور؟ قالت: المفصل. قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي جالساً؟ قالت: حين حطمه الناس. قلت: أكان رسول الله ﷺ يصوم شهراً معلوماً سوى رمضان؟ قالت: لا والله، ما صام رسول الله ﷺ شهراً معلوماً. سوى رمضان، يصومه كله حتى يصيب منه.
وعن عبد الله بن شقيق قال: أقمت بالمدينة مع أبي هريرة سنة، فقال لي ذات يوم ونحن عند حجرة عائشة: لقد رأيتني وما لنا ثياب إلا البراد المتفتقة. وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاماً يقيم به صلبه، حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشده على أخمص بطنه؛ ثم يشده بثوبه ليقيم به صلبه. فقسم رسول الله ﷺ ذات يوم بيننا تمراً فأصاب كل إنسان منا سبع تمرات فيهن حشفة، فما يسرني أن لي مكانها تمرة جيدة. قال: قلت: لم؟ قال: تشد لي من مضغي. قال: فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من الشام، قال: فقال لي: هل رأيت حجر موسى؟ قلت: وما حجر موسى؟ قال: إن بني إسرائيل قالوا لموسى قولاً تحت ثيابه في مذاكره، قال: فوضع ثيابه على صخرة وهو يغتسل. قال: فسعت بثيابه. قال: فتبعها في أثرها وهو يقول: يا حجر، ألق ثيابي، يا حجر، ألق ثيابي، حتى أتت به على بني إسرائيل فرأوه سوياً حسن الخلق فلجته ثلاث كحبات. فوالذي نفس أبي هريرة بيده لو كنت نظرت لرأيت كحبات موسى فيه.
وحدث عبد الله بن شقيق عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : بادروا الصبح بالوتر.
стр. 4255
كان عبد الله بن شقيق عثمانياً، يبغض علياً.
قال يحيى بن معين: عبد الله بن شقيق، من خيار المسلمين لا يطعن في حديثه.
وقال الجريري: كان عبد الله بن شقيق مجاب الدعوة، كانت تمر به السحابة فيقول: اللهم لا تجوز موضع كذا وكذا حتى تمطر، فلا تجاوز ذلك الموضع حتى تمطر.
توفي عبد الله بن شقيق في ولاية الحجاج، وقال خليفة: توفي بعد المئة.
عبد الله بن شوذب أبو عبد الرحمن الخراساني البلخي
سكن البصرة، وانتقل إلى الشام، وسكن بيت المقدس، وقدم دمشق وسمع بها.
حدث ابن شوذب عن أبي التياح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.
قال ابن شوذب: كنا عند مكحول ومعنا سليمان بن موسى، فجاء رجل فاستطال على سليمان، وسليمان ساكت، فجاء أخ لسليمان فرد عليه. فقال مكحول: لقد ذل من لا سفيه له.
ذكر ابن شوذب أن مولده سنة ست وثمانين.
وثقه جماعة.
قال كثير بن الوليد: كنت إذا رأيت ابن شوذب ذكرت الملائكة.
стр. 4256
وعن ابن شوذب قال: يقول الله : ما أنصفني ابن آدم، يدعوني فأستحي منه، ويعصيني ولا يستحيي مني.
قال ابن شوذب: كان بمكة رجل يطعم الطعام. قال: فشكته قريش إلى هشيم قالوا: يزدري بنا، قال: فنهاه هشيم أن يطعم إلا في جفنة واحدة. قال: فأخذ جفنة شبه السفينة، فكان يطعم الناس فيها الحيس والتمر بمنى، وكان يجلس في صدرها، فكلما نفذ أمدهم بالحيس والتمر. قال: فمررت مع أيوب السختياني عليه، فنظر إليه، فجعل يدعو له ويعجب بفعاله. توفي ابن شوذب سنة ست وخمسين ومئة. أو أول سنة سبع وخمسين ومئة.
عبد الله بن شيبة بن عثمان
ابن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ابن قصي بن كلاب القرشي العبدي الحجبي وهو عبد الله الأصغر المعروف بالأعجم من أهل مكة. وفد على سليمان بن عبد الملك يشكو عامله على مكة خالد بن عبد الله القسري.
قال محمد بن سلام الجحمي:
كان خالد على مكة أيام سليمان بن عبد الملك، وكانت ولايته للوليد قبل ذلك، فعتب على رجل من بني عبد الدار يقال له: عبد الله بن الأعجم بن شيبة بن عثمان، فحبسه فأرسل ابن ابنه محمد بن طلحة بن عبد الله - وكنت معه إلى سليمان، فكتب له سليمان إلى خالد كتاباً أنه لا سلطان لك عليه، ولا على أحد من بني شيبة.
стр. 4257
قال ابن سلام: فسمعت يونس يقول: فقدم الكتاب على خالد، فحبسه وضربه مئة سوط، فأتى الشيبي سليمان، فأراه ظهره وأرسل بثوبه مع ابنه متزملاً بالدماء، فكتب سليمان إلى طلحة بن داود الحضرمي - وكان قاضي مكة - يأمره إن كان خالد ضربه بعد قراءة الكتاب أن يقطع يده، وإن كان ضربه قبل قراءة الكتاب أن يضربه مئة سوط، ويسهد ثلاث ليال.
قال محمد بن عائشة: فشهد له رجلان ضخمان: داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان يلي أمر زمزم، فكان يقيم بمكة، وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز، شهدا أن خالداً ضربه قبل قراءة الكتاب، فضربه طلحة مئة سوط وسهد فكان يقول: التسهيد أشد علي من الضرب. فمر به الفرزدق وهو يضرب فقال: ضم إليك جناحك يا بن النصرانية. قال خالد: فانتفعت بما قال، فقال الفرزدق:
لعمري لقد صبت على ظهر خالدٍ ... شآبيب ما استهللن من سبل القطر
وعمري لقد سار ابن شيبة سيرةً ... أرتك نجوم الليل ضاحية تجري
أتضرب في العصيان من ليس عاصياً ... وتعصي أمير المؤمنين، أخا قسر؟!
وكان سليمان أمر بقطع يده البتة، فكلمه يزيد بن المهلب فصار إلى ما صار إليه. وقيل: إن يزيد بن المهلب قبل يده. وقال الفرزدق:
سلوا خالداً لا قدس الله خالداً ... متى ملكت قسر قريشاً تدينها
أقبل رسول الله أم بعد عهده ... أم أضحت قريش قد أغث سمينها
وأم عبد الله بن شيبة: لبنى بنت شداد بن قيس بن الأوبر بن أبان بن صفوان، من بني الحارث بن كعب.
стр. 4258
عبد الله بن صالح بن جرير
أبو محمد. لقبه: عبيد حدث عبد الله بن صالح عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده إلى جابر بن عبد الله أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فسأله عن وقت الصلاة، فسكت عنه رسول الله ﷺ فأذن بلال بصلاة الظهر حين زالت الشمس، فأمره رسول الله ﷺ فأقام الصلاة، فصلى. ثم أذن بلال بالعصر حين ظننا أن ظل الرجل قد كان أطول منه، فأمره رسول الله ﷺ فأقام الصلاة. ثم أذن بلال بالمغرب حين غابت الشمس. وأفطر الصائم، فأمره فأقام الصلاة. ثم أذن بلال بالعشاء - وهي العتمة - حين ذهب بياض النهار، - وهو الشفق - فيما يرى، فأمره فأقام الصلاة. ثم أذن بلال بالفجر حين تبين الفجر، فأمره فأقام الصلاة فصلى.
ثم أذن بلال للغد لصلاة الظهر حتى دلكت الشمس فأخرها رسول الله ﷺ حتى ظننا أن ظل الرجل قد صار مثله، فأمره فأقام الصلاة، فصلى. ثم أذن بالعصر فوخر بنا رسول الله ﷺ حتى ظننا أن ظل الرجل قد صار مثليه، فأقام الصلاة، فصلى. ثم أذن المغرب فأخر بنا حتى كاد يذهب بياض النهار، - وهو الشفق - فيما نرى نحن، فأمره، فأقام الصلاة. ثم أذن بالعشاء - وهي العتمة - حين ذهب بياض النهار. فنمنا ثم قمنا. مراراً. ثم خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: إن الناس قد صلوا ورقدوا. وإنكم لا تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة. لولا أن أشق على أمتي لأخرت الصلاة إلى هذا الحين. ثم صلى قريباً من نصف الليل - أو قبل أن ينتصف - ثم أذن بلال بالفجر، فأخرها رسول الله ﷺ حتى أسفر الصبح ورأى الرامي مواقع نبله، ثم صلى، ثم التفت إلى الناس - يعني - فقال: أين سائلي عن وقت الصلاة؟ فقال: هذا أنا يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : ما بين هذين الوقتين وقت الصلوات.
وحدث عبد الله بن صالح بن جرير عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم.
стр. 4259
عبد الله بن صالح بن علي
ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي كان مع أبيه بالحميمة من أرض الشراة من نواحي البلقاء. وكان عظيم القدر كبير المحل.
حدث عبد الله بن صالح سنة اثنتين وستين ومئة عن عمه سليمان بن علي عن عكرمة قال: إني لمع ابن عباس بعرفة إذا فتية أدمان يحملون فتى في كساء، معرورق الوجه، ناحل البدن، وله حلاوة، حتى وضعوه بين يدي ابن عباس وقالوا له: استشف له يا بن عم رسول الله ﷺ فقال ابن عباس وما به؟ فأنشأ الفتى يقول:
بنا من جوى الأحزان والوجد لوعةً ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة معول ... على بابه عود هناك صليب
فأقبل ابن عباس على عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسدبن عبد العزى فقال: أخذ هذا البدوي العود علينا وعليك. قال: فحملوه فخفت في أيديهم فمات. فقال ابن عباس: هذا قتيل الحب لا عقل ولا قود. قال عكرمة: فما رأيت ابن عباس سأل الله في شيء إلا العافية مما ابتلى به الفتى.
قال عبد الله بن صالح: لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنما يسعى في مضرته ونفعك.
قال جعفر بن محمد بن الحارث: قدم عبد الله بن صالح في خلافة الرشيد مدينة السلام، فدخل عليه أحداث من أهل بيته، فرآهم على غير منهاج آبائهم. فلما مضوا من عنده تمثل:
سوء التأدب أرداهم وغيرهم ... وقد يشين صحيح المنصب الأدب
قال: وسمرت ليلة عند عبد الله بن صالح فذكرنا ما حدث من الاستهتار باللذات فقال عبد الله: ما عرفت فينا - أهل البيت - رجل يشرب نبيذ، ولا استماع غناء حتى ولي، ولقد أدركت من مضى من أهل بيتي يصونون من الدنس أعراضهم، ويحفظون من العار
стр. 4260
أحسابهم، ثم خلفهم كما قال حسان بن ثابت:
إني رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا
توفي عبد الله بن صالح بسلمية من أرض حمص سنة ست وثمانين ومئة.
عبد الله بن صالح بن محمد
ابن مسلم أبو صالح المصري الجهني مولاهم، كاتب الليث بن سعد قدم دمشق مع الليث بن سعد متوجهاً إلى العراق.
حدث عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح أن العلاء بن الحارث بن الحارث حدثه عن مكحول أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر، وإن هو عمل الكبائر. والصلاة واجبة عليكم، على كل مسلم يموت، براً كان أو فاجراً وإن هو عمل الكبائر.
وحدث عبد الله بن صالح عن ليث بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن في أحد جناحي الذباب داءً وفي الآخر شفاءً، فإذا وقع في إناء أحدكم فليغطسه ثم يخرجه.
حدث الليث بن سعد عن عبد الله بن صالح عمن أخبره يرفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: ما أعطى أحد أربعة فمنع أربعة: ما أعطي أحد الشكر فمنع الزادة لأن الله تعالى يقول: " لئن شكرتم لأزيدنكم " ومن أعطي الدعاء لم يمنع الإجابة لأن الله تعالى يقول: " ادعوني استجب لكم " وما أعطي أحد الاستغفار ثم منع المغفرة لأن الله تعالى
стр. 4261
يقول: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً " وما أعطي أحد التوبة فمنع التقبل لأن الله تعالى يقول: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " فسألت أبا صالح عن ذلك فقال: نعم أنا حدثته بذلك. فسألت أبا صالح فحدثني به. قلت: من حدثك؟ قال: حدثني أبو زهير يحيى بن عطارد بن مصعب عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ثم ذكر الحديث.
وحدث عبد الله بن صالح بن نافع بن يزيد بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين. واختار من أصحابي أربعة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فجعلهم أصحابي. وفي أصحابي كلهم خير. واختار أمتي على سائر الأمم.
قالوا: وهذا الحديث موضوع بطوله.
قال أبو صالح، كاتب الليث: ولدت سنة تسع وثلاثين ومئة. وقال في موضع آخر: سنة سبع وثلاثين ومئة.
قال عبد الله بن صالح: صحبت الليث عشرين سنة لا يتغدى، ولا يتعشى وحده إلا مع الناس. وكان لا يأكل اللحم إلا أن يمرض.
وقال الفضل بن محمد الشعراني: ما رأيت عبد الله بن صالح إلا وهو يحدث أو يسبح.
وكان عبد الله بن صالح ثقة مأموناً.
قال أبو حاتم:
الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخر عمره التي أنكروا عليه نرى أنها مما افتعله
стр. 4262
خالد بن نجيح وكان أبو صالح يصحبه. وكان أبو صالح سليم الناحية. وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث، ويضعه في كتب الناس، ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب، كان رجلاً صالحاً. وقد طعن فيه قوم. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن عبد الله بن صالح كاتب الليث فقال: كان أول أمره متماسكاً ثم فسد بأخرةٍ، وليس هو بشيء.
توفي أبو صالح سنة اثنتين وعشرين ومئتين أو بعدها بيسير، وهو ابن خمس وثمانين. وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين. وروى ذلك جماعة.
عبد الله بن صخر
وفد على سليمان بن عبد الملك.
وحدث، قال: خرجت من عند سليمان بن عبد الملك في الظهيرة، فإذا رجل يهتف بي: يا عبد الله بن صخر، فالتفت إليه فقال لي: لله أبوك لهذا العدو الذي أتيح لأبوينا وهما في الجنة يأكلان منها رغداً حيث شاءا، فلم يزل يمينهما، ويدليهما بغرور ويقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين حتى أخرجهما مما كانا فيه. ثم ها هو ذا قد نصب لنا فنحن نمد أعيننا إلى ما لم يقسم لنا من الرزق، حتى نقطع أنفسنا دونه، ويزهدنا في الذي قد انتهى إلينا وحوينا من رزق الله حتى تقصر في الشكر. قال: فذهبت لأجيبه فما أدري كيف ذهب. قال: فذكرته فقيل: ذلك الخضر ﵇، أو لا نظنه إلا الخضر.
قال أبو محمد بن أبي حاتم: عبد الله بن صخر روى كلاماً في الزهد والحكمة عن رجل تراءى له، ثم غاب حتى لا يدري كيف ذهب. فذكر له أنه كان الخضر.
стр. 4263
عبد الله بن صفوان بن أمية
ابن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح واسمه تيم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. أبو صفوان الجمحي المكي، وهو الأكبر، من ولد صفوان بن أمية أدرك عصر سيدنا رسول الله ﷺ ووفد على معاوية في خلافته، وله بدمشق دار في زقاق صفوان.
حدث أمية بن صفوان عن جده عم حفصة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، بأوسطهم، فينادي أولهم وآخرهم فلا ينجو إلا الشريد الذي يخبر عنهم. فقال رجل لجدي: والله، ما كذبت على حفصة، ولا كذبت حفصة على النبي ﷺ .
وحدث عبد الله بن صفوان عن حفصة بنة عمر قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلاً من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم فيصيبهم ما أصابهم. فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان منهم مستكرهاً؟ قال: يصيبهم كلهم ذلك، ثم يبعث الله كل امرئ على نيته.
أم عبد الله بن صفوان امرأة من ثقيف.
قتل وهو متعلق بأستار الكعبة مع ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، وكان عبد الله بن صفوان من سادات قريش، ولد على عهد سيدنا رسول الله ﷺ في ثنتين من الهجرة.
قال أبو مجلز: سأل رجل ابن عمر عن أعور فقئت عينه الصحيحة، فقال عبد الله بن صفوان: قضى عمر بن الخطاب فيها بالدية. فقال: إياك أسأل! قال: تسألني؛ وهذا يخبرك أن عمر قضى بذلك؟!
стр. 4264
قال يزيد بن عياص بن جعدية: لما قدم معاوية مكة لقيته رجال قريش، فلقيه عبد الله بن صفوان على بعير في خفين وعمامة وبت. فساير معاوية، فقال أهل الشام: من هذا الأعرابي الذي يساير أمير المؤمنين؟ فلما انتهى إلى مكة إذا الجبل أبيض من غنم عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه ألفا شاةٍ أحرزتكها، فقسمها معاوية في جنده. فقالوا: ما رأينا أسخى من ابن عم أمير المؤمنين هذا الأعرابي.
وعن جويرية قال:
قالت بنات أبي سفيان لمعاوية: يقدم عليك ابن أختك يعنين: عبد الرحمن بن صفوان بن أمية فتؤخره، ويقدم عليك عبد الله بن صفوان فتقدمه؟! قال: فأقعدهن مقعداً جعل بينه وبينهن سداً، فقال: ائذنوا لابن أختي، فأذن له: فلما دخل قال: مرحباً وأهلاً، حاجتك؟! قال: يا أمير المؤمنين، أقطعني كذا وأقطعني كذا، قال: هيه. قال: أقطعني وافعل بي كذا، ثم قال: ائذنوا لعبد الله بن صفوان. فلما أراد أن يدخل قام إليه رجل فقال: حاجتك إلى أمير المؤمنين في هذا القرطاس. فلما دخل قال: هيه، قال: آل فلان بيننا وبينهم من القرابة، وبهم حاجة قال: هيه حسبك لنفسك! قال: لو لم أفد إليك إلا لنفسي ما وفدت أبداً. فلما قدم قال: يا أمير المؤمنين، حاجة هذا الرجل. قال: حسبك، قال: لا والله لا أقبل منك بواحدة إلا بهذه. قال: فدخل على أخوته فقال: أذنت لذاك فما سألني إلا لنفسه، وأذنت لهذا فما سألني إلا لقرابتي.
وعن عامر بن حفص التميمي قال: قدم رجل من مكة على معاوية فقال: من يطعم اليوم بمكة؟ قال: عبد الله بن صفوان قال: تلك نار قديمة.
قال علي بن سليمان: حضر قوم من قريش مجلس معاوية، فيهم عمرو بن العص وعبد الله بن صفوان بن
стр. 4265
أمية وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال عمرو: احمدوا الله يا معشر قريش إذ جعل ولي أمركم من يغض على القذى، ويتصام عن العوراء، ويجر ذيله على الخدائع. فقال عبد الله بن صفوان: لو لم يكن كذلك لمشينا إليه الضراء ودببنا إليه الخمر، وقلبنا له ظهر المجن، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يطعمك مال مضر. فقال معاوية: حتى متى لا تنصفوا من أنفسكم؟! فقال عبد الرحمن بن الحارث: إن عمراً وذويه أفسدوك علينا، فأفسدونا عليك، ما كان عليك لو أغضيت على هذه، فقال: إن عمراً ناصح لي. قال عبد الرحمن: فأطعمنا مثل ما أطعمته ثم خذنا بمثل نصيحته، إنا رأيناك يا معاوية تضرب عوام قريش بأياديك في خواصها، كأنك ترى أن كرامها حازوك عن لئامها، وايم الله لتفرغن من إنائهم في إناء ضخم، وكأنك بالحرب قد حل عقالها عليك، ثم لا ينظر لك. فقال له معاوية: يا بن أخي، ما أحوج أهلك إليك. معناه؛ إنني لا أقتلك ثم أنشأ يقول:
غر رجالاً من قريش تتايعوا ... على سفهٍ مني الحيا والتكرم
قدم على معاوية وفد من قريش فيهم عبد الله بن جعفر وابن الزبير وعبد الله بن صفوان بن أمية فوصلهم، وفضل عبد الله بن جعفر، فقال عبد الله بن صفوان: يا أمير المؤمنين، إنما صغرت أمورنا عندك، وحقت حقوقنا عليك إذ لم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، ولو كنا فعلنا ذلك كنا كابن جعفر، فقال معاوية: إني أعطيكم بين رجلين: إما معدم أعطيته يخزن، أو مضمر لها مع بخل به، وإن ابن جعفر ارتجىيعطي مما يأخذ، ثم لا يأتينا حتى يدان بأكثر مما أخذ. فخرج ابن صفوان وهو يقول: إن معاوية: إن معاوية ليحرمنا حتى نيأس، ويعطينا حتى نطمع.
قال أبو عبد الله الأزدي: وفد المهلب بن أبي صفرة على عبد الله بن الزبير، فأطال الخلوة معه، فجاء ابن
стр. 4266
صفوان فقال: من هذا الذي قد شغلك منذ اليوم يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا سيد العرب بالعراق، قال: ينبغي أن يكون المهلب، قال: فهو المهلب بن أبي صفرة، فقال المهلب: من هذا الذي يسألك عني يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا سيد قريش بمكة. قال: ينبغي أن يكون عبد الله بن صفوان.
قال ابن مليكة: كان عمر بن عبد العزيز يقول لي: ما بلغ ابن صفوان ما بلغ؟ قلت: أجل، سأخبرك، والله لو أن عبداً وقف عليه يسبه ما استنكف عنه ابن صفوان، وسأخبرك عنه: إنه لم تكن تأتيه قط إلا كان أول خلق الله تسرعاً إليه الرجال، ولم يسمع بمفازة إلا حفرها ولا ثنية إلا سهلها، وكنتم تقدمون علينا هاهنا فيكون أولنا عليكم دخولاً، وآخرنا من عندكم خروجاً، وكنتم تحسبوننا بعطائنا، فيصيح بكم وأنتم بالشام ونحن بمكة فتخرجونها له، فبهذا بلغ.
أقبل أبو حميد بن داود بن قيس بن السائب المخزومي على عبد الله بن صفوان بن أمية يشتمه ويقع فيه، وهو جالس في المسجد، وحوله بنوه وأهله فقال: عزمت على رجل منكم أن يجيبه، ثم انصرف، فقالوا له: لم نر مثل تركك هذا يشتمك، فأمر له بصلة مكانه. فأقبل عليه بعد ذلك فقال: أشتمك وتصلني؟! قال: تريد أن تزيل الحبال؟. وتناول رجل من أهل مكة ابناً لعبد الله بن صفوان ببعض ما يكره، فأمسك عنه الفتى. فقال مجاهد: لقد أشبه أباه في الحلم والاحتمال.
كان محمد بن الحنفية عند ابن عباس وقد جاءهم نعي الحسين بن علي ﵇، وعزاهم الناس، فقال ابن صفوان: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي مصيبة! يرحم الله أبا عبد الله، وآجركم الله في مصيبتكم. فقال ابن عباس: يا أبا القاسم، ما هو إلا أن أخرج من مكة، فكنت أتوقع ما أصابه. قال ابن الحنفية: وأنا والله. فعند الله نحتسبه، ونسأله الأجر وحسن الخلف. قال ابن عباس: يا أبا صفوان، أما والله لا يخلد بعد صاحبك
стр. 4267
الشامت بموته، فقال ابن صفوان: يا أبا صفوان: يا أبا العباس، والله ما رأيت ذلك منه، ولقد رأيته محزوناً بمقتله، كثير الترحم عليه. قال: يريك ذلك لما يعلم من مودتك لنا، فوصل الله رحمك، لا يحبنا ابن الزبير أبداً. قال ابن صفوان: فجد بالفضل فأنت أولى به منه.
كان عبد الله بن صفوان ممن يقوي أمر عبد الله بن الزبير، فقال له عبد الله بن الزبير: قد أذنت لك وأقلتك بيعتي. قال: إني والله ما قاتلت معك لك، ما قاتلت إلا عن ديني، فأبى أن يقبل الأمان حتى قتل هو وابن الزبيرمعاً في يوم واحد، وهو متعلق بأستار الكعبة. وله يقول الشاعر:
كرهت كتيبة الجمحي لما ... رأيت الموت سال به كداء
فليت أبا أمية كان فينا ... فيعذر أو يكون له غناء
قال يحيى بن سعد: رأيت رأس عبد الله بن مطيع أتي به إلينا إلى المدينة ورأس عبد الله بن الزبير ورأس عبد الله بن صفوان. ولم يؤت من الرؤوس بغير رؤوس هؤلاء.
عبد الله بن طاهر بن الحسين
ابن مصعب بن زريق بن أسعد أبو العباس الخزاعي الأمير ولاه المأمون دمشق ومصر، وقدم دمشق مجتازاً إلى مصر، وكان جواداً عادلاً.
حدث عبد الله بن طاهر عن أبيه بسنده إلى عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ قال: إن الله سائل كل راع استرعاه رعية، قلت أو كثرت، حتى يسأل الزوج عن زوجته، والوالد عن ولده، والرب عن خادمه، هل أقام فيهم أمر الله. " كان عبد الله بارع الأدب، حسن الشعر، نبيهاً في نفسه. تنقل في الأعمال الجليلة شرقاً وغرباً، قلده المأمون مصر والمغرب، ثم نقله عنها إلى خراسان بعد وفاة أبيه. ومولده سنة ثلاث وثمانين ومئة. وتوفي عبد الله بنيسابور في خلافة الواثق سنة ثلاثين ومئتين،
стр. 4268
وسنه سبع وأربعون سنة. وكان إليه وقت وفاته الشرطتان، بمدينة السلام وسر من رأى. والحرب بطساسيج السواد وخليفته على ذلك إسحاق بن إبراهيم المصعبي وكان له الحرب والخراج بخراسان وأعمالها بجانبي النهر، وطبرستان وجرجان والري وأعمالها، ورثاه جماعة من الشعراء منهم علي بن الجهم، والحسن بن وهب الكاتب، وعمارة بن عقيل وغيرهم.
وعبد الله هو القائل للمعتصم: البسيط:
إن التي أمطرت بالند صوب ردى ... باتت تألق بالقاطول للروم.
إن الفتوح على قدر الملوك ... وهمات الولاة وإقدام المقاديم.
وله: الطويل:
يبيت ضجيعي السيف طوراً وتارة ... تعض بهامات الرجال مضاربه.
أخو ثقة أرضاه في الروع صاحباً ... وفوق رضاه أنني أنا صاحبه.
وكان عبد الله بن طاهر أحد الأجواد الممدحين والسمحاء المذكورين.
قال أبو نصر بن ماكولا: رزيق بتقديم الراء: جد الحسين بن مصعب بن رزيق بن أسعد. وكان أسعد مولى لسعد بن أبي وقاص. ويزعم أن اسمه كان آزاد مرد بن فرخان بن هرمزدان. وذكر قوم أن رزيقاً كان نوبياً مزنياً. ذكر ذلك ابن أبي معدان في تاريخ مرو. وهو والد طاهر بن الحسين الأمير.
قال إسحاق بن راهويه: سألني عبد الله بن طاهر: متى مات عبد الله بن المبارك؟ فقلن له: مات سنة اثنتين وثمانين ومئة. قال: ذلك مولدي.
стр. 4269
قال أحمد بن سعيد الرباطي: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد، إنكم تبغضون هؤلاء القوم يعني المرجئة جهلة، وأنا أبغضهم عن معرفة. وإن أول أمرهم أنهم لا يرون للسلطان طاعة، والثاني: ليس للإيمان عندهم قدر، والله، لا أستجير أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى، ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبريل وميكائيل.
قال عبد الله بن طاهر: لا تمنعوا العلم طالبه، فإنه أوحش جانباً من أن يستقر إلا عند أهله.
قال إبراهيم بن محمد بن عرفة: غلب عبد الله بن طاهر على الشام، ووهب له المأمون ما وصل إليه من الأموال هنالك، ففرقه على القواد، ثم وقف على باب مصر فقال: أخزى الله فرعون ما كان أخسه وأدنى همته، ملك هذه القرية فقال: أنا ربكم الأعلى. والله لادخلتها.
قالت فاطمة امرأة يحيى من حديث: قام يحيى ليلة لورده. فلما فرغ منه يقرأ في المصحف، فدخل عبد الله بن طاهر عليه. فلما قرب منه وسلم قام إليه والمصحف في يده، ثم رجع إلى قراءته حتى ختم السورة التي كان افتتحها، ثم وضع المصحف، واعتذر إلى الأمير وقال: لم أشتغل عنه تهاوناً بحقه، إنما كنت افتتحت سورة فختمتها. فقعد عبد الله ساعة يحدثه ثم قال له: ارفع إلينا حوائجك، فقال: وهل يستغنى عن السلطان أيده الله؟ وقد وقعت لي حاجة في الوقت. فإن قضاها رفعتها، فقال: مقضية ما كانت، فقال أبو زكريا: قد كنت أسمع بمحاسن وجه الأمير، فلم أعانيها إلا ساعتي هذه، وحاجتي إليك أن لا تركب ما يحرق المحاسن بالنار. فأخذ الأمير عبد الله بن طاهر في البكاء حتى قام يبكي.
ورد رجل من هراة فرفع قصته إلى عبد الله بن طاهر. فلما قدم بين يديه قال: من
стр. 4270
خصمك؟ قال: الأمير أيده الله. قال: ما الذي تدعي علي؟ قال: ضيعة لي بهراة غصبنيها والد الأمير، وهي اليوم في يده. قال. قال: ألك بينة؟ قال: إنما تقام البينة بعد الحكومة إلى القاضي. فإن رأى الأمير أيده الله أن يحملني وإياه على حكم الإسلام. قال: فدعا عبد الله بن طاهر بالقاضي نصر بن زياد ثم قال للرجل: ادع. قال: فادعى الرجل مرة بعد أخرى. فلم يلتفت إليه نصر بن زياد، ولم يسمع دعواه، فعلم الأمير أنه قد امتنع عن استماع الدعوى حتى يجلس الخصم مع المدعي، فقال عبد الله بن طاهر من مجلسه حتى جلس مع خصمه بين يديه، فقال نصر للمدعي: ادع فقال: أدعي أيد الله القاضي أن ضيعة لي بهراة وذكرها بحدودها وحقوقها، هي لي في يدي الأمير، فقال له الأمير عبد الله بن طاهر: أيها الرجل، قد غيرت الدعوى إنما ادعيت أولاً على أبي، فقال الرجل: لم أشته أن أفضح والد الأمير في مجلس الحكم، ادعي أن والد الأمير قد كان غصبني عليها، وإنها اليوم في يد الأمير، فسأل نصر بن زياد عبد الله بن طاهر عن دعواه فأنكره، فالتفت إلى الرجل فقال: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فما الذي تريده؟ قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو قال: فقال الأمير إلى مكانه وأمر الكاتب ليكتب إلى هراة برد الضيعة عليه.
قال المأمون لعبد الله بن طاهر: أيما أطيب: مجلسي أو مجلسك؟ قال: ما عدلت بك يا أمير المؤمنين شيئاً. فقال: ليس إلى هذا ذهبت، إلى الموافقة في العيش واللذة قال: منزلي يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذاك؟ قال: لأني فيه مالك، وانا ها هنا مملوك.
قال أحمد بن أبي داؤد: خرج دعبل بن علي إلى خراسان فنادم عبد الله بن طاهر، فأعجب به فكان في كل يوم ينادمه فيه يأمر له بعشرة آلاف درهم، وكان ينادمه في الشهر خمسة عشر يوماً، وكان ابن طاهر يصله في كل شهر بمئة وخمسين ألف درهم. فلما كثرت صلاته له توارى عنه دعبل
стр. 4271
يوم منادمته في بعض الخانات. فطلبه، فلم يقدر عليه فشق عليه. فلما كان من الغد كتب: الطويل:
هجرتك، لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى منك الزيادة بالكفر؟
ولكنني لما أتيتك زائراً ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر
فم الآن لا آتيك إلا معذراً ... أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر
فإن زدت في بري تزيدت جفوة ... ولم نلتق حتى القيامة والحشر
وقد حدثني أمير المؤمنين المأمون عن أمير المؤمنين الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من لا يشكر الله ، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير. " فوصله بثلاث مئة ألف درهم. وانصرف.
لما قدم عبد الله بن طاهر من خراسان اعترضه دعبل الشاعر، فأنشأ يقول: المنسرح:
جئتك مستشفعاً بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب
فاقض دمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب
قال: يا غلام، أعطه عشرة آلاف درهم. قال: فأعطاه وكتب إليه من الكامل
أعجلتنا فأتلك عاجل برنا ... ولو انتظرت كثيره لم يقلل
فخذ القليل وكن كمن لم يسأل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل
حدث محمد بن الفضل بن محمد بن منصور قال: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر ونحن معه سوغه المأمون خراجها سنة، فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها، فقبل أن ينزل أتاه معلى الطائي، وقد أعلموه ما يصنع عبد الله بن طاهر بالناسفي الجوائز، وكان عليه واجداً، فوقف بين يديه تحت
стр. 4272
المنبر قفال: أصلح الله الأمير، أنا معلى الطائي ما كان مني من جفاء وغلظ، فلا تعجله علي قلبك ولا يستخفنك ما قد بلغك، انا الذي أقول: البسيط:
يا أعظم الناس عفواً عند مقدرة ... وأظلم الناس عند الجود للمال
لو يصبح النيل يجري ماؤه ذهباً ... لما أشرت إلى خزن بمثقال
تعنى بما فيه رق الحمد تملكه ... وليس شيء أعاض الحمد بالغالي
تفك باليسر كف العسر في زمن ... إذا استطال على قوم بإقلال
لم تخل كفك من جود لمختبط ... أو مرهف قاتل في رأس قتال
وما بثثت رعيل الخيل في بلد ... إلا عصفن بأرزاق وآجال
هل من سبيل إلى إذن فقد ظمئت ... نفسي إليك فما تروى على حال
إن كنت منك على بال مننت به ... فكان شكرك من حمدي على بال
مازلت مقتضياً لولا مجاهرة ... من ألسن خضن في ضري بأقوال
قال: فضحك عبد الله وسر بما كان منه، وقال: يا أبا السمراء، بالله أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه، فدفعها إليه.
دخل عوف بن ملحم الحراني على عبد الله بن طاهر، فسلم عليه عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة: السريع:
يا بن الذي دان له المشرقان ... طراً وقد دام له المغربان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط الحني ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وبدلتني من زمتع الفتى ... وهمتي هم الجبان الهدان
стр. 4273
وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان
وأسبلت بيني وبين الورى ... عنانه من غير نسج العنان
ولم تدع في لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله وإنني به ... على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتما ... في وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاتي إلى نسوة ... أوطانها حران والرقتان
جاء أعرابي إلى ابن طاهر وهو راكب فأنشده: الوافر:
سألت عن المكارم أين صارت ... فكل الناس أرشدني إليكا
فجد لي يا بن طاهر إن فعلي ... سيثني بالذي تولي عليكا
فقال له: كم ثمن هذين البيتين؟ قال: ألفا درهم. قال: لقد أرخصت. يا غلام، أعطه أربعة آلاف درهم فقال: البسيط
صدقت ظني وظن الناس كلهم ... فأنت أكرمنهم نفساً وأجداداً
لا زلت في روضة خضراء واسعة ... وأنت أخضرها روضاً وأعود
فقال: يا غلام، أعطه أربعة آلاف أخرى فقال: من الطويل:
لو كان قولي بهذا الشعر مستمعاً ... لكنت أحوي خراج الشرق والغرب
أنت الكريم الذي يعطي بلا نكد ... وأنت تحيي الذي قد مات من جدب
فقال: يا غلام: أعطه أربعة آلاف أخرى، فلما قبضها قال: أيها الأمير فني شعري ولم يضق صدرك.
حدث عوف بن ملحم الشيباني قال: عادلت عبد الله بن طاهر إلى خراسان، فدخلنا الري في وقت السحر، فإذا قمرية
стр. 4274
تغرد على فنن شجرة فقال عبد الله بن طاهر: أحسن والله أبو كبير الهذلي جيث يقول: الطويل:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح؟!
ثم قال يا عوف: أجز، فقلت: أعز الله الأمير شيخ ثلب حملته على البديهة، ولا سيما في معارضة أبي كبير، ثم انفتح لي شيء فقلت: الطويل:
أفي كل يوم غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فنريح؟
لقد طلح البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين وهو طليح؟
وأرقني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو الشجو الحزين ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامة فيح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فنلقي عصا التطواف وهي طريح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وبعد الغنى بالمقترين طروح
قال: فأذن لي من ساعتي، ووصلني بمئة ألف درهم، وردني إلى منزلي.
الثلب: الهرم: والأسراب: ظهور الماء وما يسرب، فهو مثل هذا.
دخل كلثوم العتابي على عبد الله بن طاهر مع أصحاب القصص. فلما نظر إليه قال: حاجتك يا شيخ؟ فأنشأ يقول: الخفيف:
حسن ظني وحسن ما عود الله سواي بك الغداة أتى بي
أي شيء يكون أحسن من حسن يقين ثنى إليك ركابي؟
قال كلثوم: قال: ألا أتيتنا أول الدهر، وتمر له بألفي دينار.
وقيل إن العتابي دخل عليه فأنشده البيتين حسن ظني فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه مرة أخرى فأنشده: السريع:
стр. 4275
جودك يكفينيك في حاجتي ... ورؤيتي تكفيك مني السؤال
فكيف أخشى الفقر ما عشت لي ... وإنما كفاك لي بيت مال
فأجازه أيضاً. ثم دخل عليه اليوم الثالث فأنشده: الخفيف
أكسني ما يبيد أصلحك الله فإني أكسوك ما لا يبيد
فأجازه وكساه وحمله.
قال أحمد بن يزيد ين أسيد السلمي: كنت مع طاهر بن الحسين بالرقة، وأنا أحد قواده، وكانت لي به خاصة أجلس عن يمينه. فخرج علينا يوماً راكباً ومشينا بين يديه وهو يتمثل: الطويل:
عليكم بداري فاهدموها فإنها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... وأعرض عن ذكر العواقب جانبا
سأرحض عني العار بالسيف جالباً ... علي قضاء الله ما كان جالبا
فدار حول الرافقة ثم رجع فجلس مجلسه، فنظر في قصص ورقاع فوضع فيها صلات أحصيت ألف ألف وسبع مئة ألف. فلما فرغ نظر إلي مستطعماً الكلام فقلت: أصلح الله الأمير، ما رأيت أنبل من هذا المجلس، ولا أحسن ودعوت له، ثم قلت: لكنه سرف، فقال: السرف من الشرف، فأردت الآية التي فيها " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " فجئت بالأخرى إليها " إن الله لا يحب المسرفين " فقال: صدق الله، وما قلنا كما قلنا. ثم ضرب الدهر حتى اجتمعنا مع ابنه عبد الله بن طاهر في ذلك القصر بعينه، فخرج علينا راكباً وهو يتمثل: البسيط:
يا أيها المتمني أن يكون فتى ... مثل ابن ليلى لقد خلى لك السبلا
انظر ثلاث خلال قد جمعن له ... هل سب من أحد أو سب أو بخلا
следующие страницы →