Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
قال الدارمي: ولدت في سنة مات ابن المبارك، سنة إحدى وثمانين ومائة.
قال أبو سعيد الجزري عمرو بن الحسن:
كنت بمصر والشام ما رأيت أحداً من أهل العلم إلا وهو يعرف عبد الله بن عبد الرحمن.
وسئل أحمد بن حنبل عن الحماني فقال: تركناه لقول عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي.
قال محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي: يا أهل خراسان، ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره.
قال إسحاق بن أحمد بن خلف: كنا عند محمد بن إسماعيل، فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الرحمن، فنكس رأسه، ثم رفع واسترجع، وجعل تسيل دموعه على خديه، ثم أنشأ يقول: من الكامل
إن تبق تفجع بالأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبا لك أفجع
قال الخطيب: مات سنة خمسٍ وخمسين ومائتين، وهو ابن خمسٍ وسبعين سنةً.
وقيل: مات سنة خمسين ومائتين، ووهم هذا القول الخطيب.
عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد
أبو محمد الأزدي الأردني.
الشيخ الصالح.
روى عن أحمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي بسنده عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : " من مشى إلى صاحب بدعةٍ ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام ".
стр. 4342
وروى عن أبي بكر محمد بن علي الموازيني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من يأخذ عني هؤلاء الكلمات، فيعمل بهن، أو يعلمهن من يعمل بهن؟ " قال: فقلت: أنا يا رسول الله، قال: فأخذ بيدي، وعقد فيها خمساً فقال: " اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وارضَ للناس ما ترض لنفسك تكن مسلماً، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، ولا تكثر الضحك، فإن الضحك يقسي القلب ".
وروى عن الشريف أبي محمد جعفر بن القاسم بن جعفر الهاشمي قال: كتبت من مكة إلى أهلي من منىً: من الطويل
أمعشر أحبابي سلام عليكم ... رحلنا وخلفنا القلوب لديكم
وبعد فأنتم قيد من سار عنكم ... وذكركم زاد المشوق إليكم
عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية
ابن حديج بن جفنة بن قتيرة بن حارثة بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أسامة بن سعد ابن أشرس ابن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة الكندي ثم التُّجيبي المصري.
ولي إمرة الإسكندرية في خلافة هشام بن عبد الملك، ووفد في وجوه أهل مصر على يزيد بن الوليد بن عبد الملك حين بويع، ثم ولي مصر لأبي جعفر المنصور في شهر ربيع الآخر اثنتين وخمسين ومائة، وهو أول من خطب بمصر في السواد، وخرج إلى المنصور في شهر رمضان سنة أربع وخمسين، ورجع في آخر سنة أربع، وتوفي وهو واليها يوم الأحد مستهل صفر سنة خمس وخمسين ومائة.
قال ابن ماكولا: حُدَيج: بضم الحاء وفتح الدال.
стр. 4343
عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر
ابن حزم بن زيد بن لوذان أبو طوالة الأنصاري المديني.
وفد على عمر بن عبد العزيز فولاه القضاء بالمدينة، فلم يزل قاضياً بها حتى توفي عمر.
سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ".
قال أبو طوالة: سمعت عمر بن عبد العزيز سأل عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية في السقط فقال: بلغني، ورفع إليه ديناً فوعده.
قال محمد بن سعد: عبد الله بن عبد الرحمن، كان قاضياً بالمدينة لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والي عمر بن عبد العزيز على المدينة، فكان يقضي في المسجد.
قال عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خِراش: كان صدوقاً، وكان مالك يرضاه.
وقال الدارقطني: شامي ثقة.
قال مالك: كان قاضياً في خلافة سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وكان يسرد الصوم، وكان يحدث حديثاً حسناً.
قال أبو طوالة: ليت لنا مع إسلامنا أحلام آبائنا - وفي رواية: مثل أخلاق آبائنا مع إسلامنا.
стр. 4344
قال عبد الرحمن العمري الزاهد: جمع أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم بن معمر بن حزم الأنصاري ولده عند موته، فقال: يا بَنِيّ اتقوا الله، فإنكم إن اتقيتم الله فأنتم مني على الصدر والنحر، وإن لم تتقوا الله لم أبال ما صنع الله بكم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد
ابن جابر أبو إسماعيل الأردني الداراني روى عن أبيه بسنده عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ أن قال:
" بينما أنا نائم انطلق بي إلى جبلٍ وعرٍ، فقيل لي: اصعد، قال: قلت: لست أستطيع الصعود، قيل: أنا سنسهله لك، قال: فصعدت حتى إذا كنت في أسوأ الجبل إذا أنا بأصواتٍ، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قيل: هذه أصوات أهل جهنم، قال: ثم انطلق بي حتى مررت بقوم أشده انتفاخاً، وأسوأه منظراً، وأنتنه ريحاً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قيل: الكفار، ثم انطلق بي حتى مر بي على قومٍ أشد شيءٍ انتفاخاً، وأسوأ منظراً، وأنتنه ريحاً، ريحهم كريح المراحيض. قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني، ثم انطلق بي حتى مُرَّ بي على نسوةٍ معلقاتٍ بثديهن، تنهش ثديهن الحيات، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلق بي حتى مررت على قومٍ معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل إنجاز صومهم - قال أبو يحيى: سمعت أبا أمامة يقول: خابت اليهود والنصارى، فلا أدري شيء سمعه من رسول الله ﷺ أم قاله من قبل نفسه - ثم انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفرٍ يشربون من خمرٍ لهم، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا زيد، وجعفر، وابن رواحة، قال: ثم انطلق بي حتى أشرفت على غلمان يلعبون بين نهرين، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: ذراري المؤمنين يحضُنُهم إبراهيم ﵇. قال: ثم انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفرٍ،
стр. 4345
قلت: من هؤلاء؟ قال: إبراهيم، وموسى، وعيسى، وهم ينتظرونك ".
وروى عن عطاء الخراساني بسنده عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.
قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجٍ، وأنزل فيه. فسرنا حتى فرغ رسول الله ﷺ من غزوته وقفل، ثم دنوا من المدينة، فآذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل، فلمست صدري عقداً من جزع أظفَارٍ قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي. واحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكن إذ ذاك النساء خفافاً لم يمتلئن، وإنما نأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه ورحلوه، وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا البعير وساروا، ووجدت عِقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس به داعٍ، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني، فيرجعون إلي، فبينا أنا لبيثة في منزلة إذا غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فادلج، فأصبح في المنزل، فرأى سواد إنسان نائماً، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، وولى ما يكلمني بكلمةٍ، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، ووطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كِبْرَه منهم عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول.
стр. 4346
ثم قدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو يريبُني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه، إنما يدخل علي فيسلم، ثم يقول: " كيف تيكم؟ " فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أمُّ مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد مناف - فأقبلت أنا وابنة أبي رهم بيتي حين فرغنا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، قال: فقلت: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً!؟ قالت لي: أي هنتاه، وما سمعت ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على ما كان بي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ ، فسلم، ثم قال: " كيف تيكم؟ " قالت: قلت: يا رسول الله، ائذن لي أن آتي أبويَّ؟ وأنا أريد حينئذٍ أن أستثبت الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ ، فجئت أبويّ، فقلت: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: أي بنية، هوني على نفسك، فوالله لأقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجلٍ يحبها، لها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة لا ترقأ لي دمعة، ولا تكتحل عيني بنوم، ثم أصبحت أبكي، فدعا رسول الله ﷺ علياً، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة
стр. 4347
أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال: يا رسول الله، أهلُك، ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية عنها تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال لها: " أي بريرة، هل رأيت من شيءٍ يريبك؟ " فقالت: لا والذي بعثك بالحق! إن رأيت عليها أمراً قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتدخل الداجن، فتأكله. قالت: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أُبي ابن سلول، فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: " يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " قالت: فقام سعد ابن معاذ، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا أمرتنا ففعلنا أمرك. فقال سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن حملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لا تقتله، ولا تقرب إلى قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: لعمر الله لنقتلنه، وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان: الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر يكفهم حتى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك كله، لا ترقأ لي دمعة، ولا أكتحل بنومٍ، فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتي ويومي ذلك حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي إذ استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ ، وجلس، ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني شيء، فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: " أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله ، تاب الله عز وجل
стр. 4348
عليه " فلما فرغ رسول الله ﷺ من مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ ، فقال: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي:
أجيبي رسول الله ﷺ بما قال، فقالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، قالت: فقلت، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيراً من القرآن: إي والله لقد علمتم وسمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فإن قلت: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لم تصدقوني بذلك، وإن اعترفت بأمرٍ والله يعلم أني بريئة لتصدقونني. ما أجد لكم مثلاً إلا أبا يوسف " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ". قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، والله يعلم أني بريئة، والله يبرئني ببراءتي، ولكن لم أكن أرجو أن ينزل الله في شأني وحياً، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله به بأمرٍ يتلى، ولكن كنت أرجو أن يري الله رسوله في منامه رؤيا يبرئني بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت حتى أنزل الله عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حين نزل عليه، وكان إذا أوحي إليه أخذه البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أن قال: " أما الله فقد برأك " قال: فقالت أمي: قومي إليه، قلت: والله ما أقوم إليه، ولا أحمد على ذلك إلا الله، فأنزل الله : " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم، لكل امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " قالت: وكان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته قالت: يا أبا أيوب، ألم تسمع ما يتحدث الناس؟ قال: وما يتحدثون؟ فأخبرته بقول أهل الإفك، قالت: قال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. قالت: فأنزل الله : " لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك
стр. 4349
هذا بهتان عظيم " حتى بلغ " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة " حتى بلغ " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " قالت: وكان أبو بكر ينفق على مسطح لفقره وقرابته. قال: والله لا أنفق عليه وقد قال في عائشة ما قال، فلما أنزل الله " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " قال أبو بكر: بلى، أنا أحب أن يغفر الله لي، فأنفق على مسطح مثلما كان ينفق عليه قبل ذلك، وقال: لا أتركك منه أبداً. يبي رسول الله ﷺ بما قال، فقالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، قالت: فقلت، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيراً من القرآن: إي والله لقد علمتم وسمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فإن قلت: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لم تصدقوني بذلك، وإن اعترفت بأمرٍ والله يعلم أني بريئة لتصدقونني. ما أجد لكم مثلاً إلا أبا يوسف " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ". قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، والله يعلم أني بريئة، والله يبرئني ببراءتي، ولكن لم أكن أرجو أن ينزل الله في شأني وحياً، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله به بأمرٍ يتلى، ولكن كنت أرجو أن يري الله رسوله في منامه رؤيا يبرئني بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت حتى أنزل الله عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حين نزل عليه، وكان إذا أوحي إليه أخذه البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكان أول كلمةٍ تكلم بها أن قال: " أما الله فقد برأك " قال: فقالت أمي: قومي إليه، قلت: والله ما أقوم إليه، ولا أحمد على ذلك إلا الله، فأنزل الله : " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم، لكل امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " قالت: وكان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته قالت: يا أبا أيوب، ألم تسمع ما يتحدث الناس؟ قال: وما يتحدثون؟ فأخبرته بقول أهل الإفك، قالت: قال: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. قالت: فأنزل الله : " لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم " حتى بلغ " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة " حتى بلغ " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " قالت: وكان أبو بكر ينفق على مسطح لفقره وقرابته. قال: والله لا أنفق عليه وقد قال في عائشة ما قال، فلما أنزل الله " ألا تحبون أن يغفر الله لكم " قال أبو بكر: بلى، أنا أحب أن يغفر الله لي، فأنفق على مسطح مثلما كان ينفق عليه قبل ذلك، وقال: لا أتركك منه أبداً.
قالت عائشة: كانت زينب بنت جحش زوجة النبي ﷺ وسألها رسول الله ﷺ فقال: " يا زينب، ما علمت، أو ما رأيت من عائشة؟ " قالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً، قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله ﷺ فعصمها الله بالورع، وكانت أختها تجانب لها فهلكت فيمن هلك.
قال الوليد بن مسلم: كنت جالساً مع عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فمر
عبد الله بن عبد الرحمن - يعني ابنه - فقال: أنا أكبر منه بثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة.
قال النسائي ويحيى: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
عبد الله بن عبد الرحمن
ويقال عبد الرحمن بن عبد الله روى خطبة عمر بالجابية وشهدها قال: قدم عمر الجابية جابية دمشق، فقام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إن رسول الله ﷺ قام فينا يوماً كقيامي فيكم اليوم فقال: " أكرموا أصحابي، ثم
стр. 4350
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى يحلف الرجل وإن لم يستحلف، وحتى يشهد وإن لم يستشهد، فمن أراد بحيحة الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفرد، وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجل بامرأةٍ، فإن ثالثهما الشيطان، ومن ساءته خطيئته فهو مؤمن " ثم قال: إذا انصرفت من مقامي هذا فلا يبقين أحد له حق في الصدقة إلا أتاني، فلم يأته ممن حضره إلا رجلان، فأمر لهما، فأعطيا، فقام رجل فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، ما هذا الغني المتفقد بأحق بالصدقة من هذا الفقير المتعفف، فقال عمر: ويحك وكيف بالدليل؟
عبد الله بن عبد الرزاق بن عبد الله بن الحسن بن فضيل
أبو محمد بن أبي القاسم الكلاعي قال الحافظ ابن عساكر: وكان خالي قد سمع منه، وتكره الرواية عنه لأجل خدمته بعض الجند.
روى عن أحمد بن محمد بن أحمد أبي الحسن العتيقي عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة " قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
ولد عبد الله بن عبد الرزاق سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بدمشق، ثقة، لم يكن الحديث من شأنه.
стр. 4351
عبد الله بن عبد العزيز أبو محمد
قال من أبيات أنشدها لنفسه سمعها منه أبو القاسم بن صابر: من الخفيف
لا رعى الله عسقلان مطاراً ... لحصيص يريغ فيها قرارا
عرفتني أنياب دهري حتى ... قد رأى الناس مخ حالي رارا
إن أطافت بك الحوادث يوماً ... أو أحلت من الهضيمة دارا
فكما يطرق الكسوف أديم ال ... شمس أو يصحب الهلال سرارا
فاحتمالاً إذا أذاقك دهر ... صير أمرٍ صروفه واصطبارا
عبد الله بن عبد الملك بن مروان
ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو عمر الأموي ولي الغزوة في خلافة أبيه، وهو الذي بنى المصيصة، وكانت داره بدمشق، وولي مصر.
قال: قال لي الوليد: كيف أنت والقرآن؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أختمه في كل جمعة. قلت: فأنت يا أمير المؤمنين؟ قال: وكيف مع ما أنا فيه من الشغل!؟ قال الزبير بن بكار في تسمية ولد عبد الملك بن مروان: وعبد الله بن عبد الملك، وهو لأم ولد، وكان يوصف بحسن الوجه، وحسن المذهب، وله يقول الحزين الديلي: من البسيط
стр. 4352
في كفه خيزران ريحها عبق ... من نشر أبيض في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
ومن خبر ذاك: أن عبد الله بن عبد الملك حج، فقال له أبوه: إنه سيأتيك بالمدينة الحزين الشاعر، وهو ذرب اللسان، فإياك أن تحتجب عنه، وأرضه، وهو أشعر، ذو بطنٍ، عظيم الأنف، قال: فلما قدم عبد الله المدينة وصفه لحاجبه، وقال له: إياك أن ترده، فلم يأت الحزين حتى قام فدخل لينام، فقال له الحاجب: قد ارتفع، فلما ولّى ذكر، فلحقه، فقال له: ارجع، فرجع، فاستأذن له، فأدخله، فلما صار بين يديه، ورأى جماله، وفي يده قضيب خيزران وقف ساكتاً، فأمهله عبد الله حتى ظن أنه قد أراح، ثم قال له: السلام - رحمك الله - أولاً فقال: عليك السلام، أيها الأمير، أصلحك الله، إني كنت قد مدحتك بشعرٍ، فلما دخلت عليك، ورأيت جمالك، وبهاءك هبتك، فأنسيت ما قلت، وقد قلت في مقامي هذا بيتين، فأنشدهما فأجازه.
قال سعيد بن غفير: ولّى عبد الملك بن مروان عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة القضاء والشرط، فأتي بمولى لعبد الله بن عبد الملك سكران، كان به خاصاً، فأمر به يجلد الحد، فقيل: لا تفعل، إنه من خاصة عبد الله بن عبد الملك، فقال: لو كان ابنه لحددته.
وكان عبد الله بن عبد الملك بالإسكندرية، فلما بلغه ذلك غضب، فعزله، وضيق عليه.
وخرج عبد الله بن عبد الملك إلى نزهةٍ دعاه إليها يحيى بن حنظلة الكاتب مولى بني سهم، واستخلف عبد الأعلى بن خالد بن ثابت الفهمي على الفسطاط، فلما متع النهار أقبل قرة بن شريك العبسي على أربعة من داوب البريد، فدخل فصلى في القِبلة، ثم تحول، وجلس صاحباه عن يمينه، وعن شماله، فأتتهم حرس المسجد، وكان له شرط يذبون عنه، فقالوا: إن هذا مجلس الوالي، ولكم في المسجد سعة، قال: فأين الوالي؟ قالوا: في متنزهٍ له، قال: فادعوا خليفته، فانطلق شرطي منهم إلى عبد الأعلى بن
стр. 4353
خالد، فأتاه وقد فرغ من الغداء، فقال أصحابه: أرسل إليه يأتك صاغراً، قال: ما بعث إلي إلا وله السلطان علي، أسرجوا فركب حتى أتاه فسلم فقال: أنت خليفة الوالي؟ قال: نعم، قال: انطلق فاطبع الدواوين وبيت المال، قال: إن كنت والي خراجٍ فلسنا أصحابك، قال: ممن أنت؟ قال: من فهم، قال: انطلق كما تؤمر، فقال عبد الأعلى: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، ثم مضى لما أمره به، وكتب إلى عبد الله بن عبد الملك يعلمه، فبكى وقال: مات عبد الملك، ولبس خفيه قبل سراويله، وشغل عبد الله بن عبد الملك عن عمران.
عن جعفر بن ربيعة: أن أهل مصر تشاءموا بعبد الله بن عبد الملك في ولايته عليهم، وذلك أن الطعام غلا، فاضطربوا لذلك، وكانت أول شدة رآها أهل مصر، فهجاه ابن أبي زمزمة، وهجاه عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، فعزله عن القضاء والشرط في سنة تسع وثمانين، وولى عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج.
قال ابن شهاب لعبد الله بن عبد الملك بن مروان: من الطويل
أقول لعبد الله لما رأيته ... يطوف بأعلى القنتين مشرقا
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يوماً أن تجاب فترزقا
عن يحيى بن سعيد قال: سأل عمر بن عبد العزيز عن بسر بن سعيد، فقيل له: مات، وقد علم أنه قد مات، قال: فما فعل عبد الله بن عبد الملك؟ قيل: مات، وذكر أن عبد الله بن عبد الملك ورث سبعين مديا من ذهب، فقال عمر: إن كان مدخلهما واحداً؛ لأن أعيش بعيش بسر بن سعيد أحب إلي من أن أعيش بعيش عبد الله بن عبد الملك، قال: فلما قام الناس دنا منه مزاحم فقال: يا أمير المؤمنين، أهلك؟ قال: لا أدع أن أذكر أهل الفضل بفضلهم.
стр. 4354
وفي رواية: لئن كان بسر بن سعيد
و عبد الله بن عبد الملك من الجنة في درجةٍ واحدة لأن أعيش بعيش عبد الله بن عبد الملك وأكون معه في درجته أحب إلي من أن أعيش بعيش بسر ابن سعيد وأكون معه في درجته.
وفي رواية عن مالك بن أنس: لئن تجاوز الله لعبد الله سرفه لا يلت بسراً اجتهاده: يريد لا ينقصه، وكانت أم هيثم الأعرابية تدعو: يا من لا يفات، ولا يلات، ولا تغلطه الأصوات.
توفي عبد الله بن عبد الملك سنة مائة.
عبد الله بن عبد الملك
أبو العباس القرشي الجمحي روى عن الأوزاعي بسنده عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل ".
وعن الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة قال: قلت يوم حنين والخيل تمرع بنا في آثار - وفي رواية: في أدبار - العدو: أكان مسيرنا هذا يا رسول الله في الكتاب السابق؟ قال: " نعم ".
стр. 4355
عبد الله بن عبد أبي أحمد
ابن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار الأسدي حليف بني عبد شمس بن عبد مناف، أدرك النبي ﷺ ، ووفد على معاوية، وكان جواداً كريماً، وأبوه أبو أحمد من أصحاب رسول الله ﷺ المهاجرين، وكذلك عمه عبد الله بن جحش، وشهد أبوه أحداً.
قال عبد الله بن أبي أحمد: قال علي بن أبي طالب: حفظت لكم على - وفي رواية عن - رسول الله ﷺ ستاً: " لا طلاق إلا من بعد نكاح، ولا عتاق إلا من بعد ملك، - وفي رواية ملكة - ولا وفاء لنذر في معصية الله، ولا يتم بعد الاحتلام، ولا صمات يوم إلى الليل، ولا وصال في الصيام " - وفي رواية ولا رضاع بعد فصال بدل ولا وفاء لنذر في معصية الله -.
عن عبد الله بن أبي أحمد بن جحش قال: هاجرت أم كلثوم بنة عقبة بن أبي معيط في الهدنة، فخرج أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله ﷺ ، فكلماه في أم كلثوم أن يردها إليهم، فنقض الله العهد بين رسول الله ﷺ وبين المشركين في النساء خاصة، ومنعهن أن يرددن إلى المشركين، وأنزل الله آية الامتحان.
قال عثمان الجحشي عن أبيه: كان بنو غنم بن دودان أهل إسلامٍ، قد أوعبوا في الهجرة إلى المدينة رجالهم
стр. 4356
ونساؤهم، فخرجوا جميعاً، وتركوا دورهم مغلقةً، فخرج عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد بن جحش، واسمه عبد، وعكاشة بن محصن، وأبو سنان بن محصن، وسنان بن أبي سنان، وشجاع بن وهب، وأخوه عقبة بن وهب، وأربد بن حميرة، ومعبد بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن بن مالك، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقاف بن عمرو، وربيعة بن أكثم، وزبير بن عبيد: فنزلوا جميعاً على مبشر بن عبد المنذر. وأم عبد الله بن جحش: أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.
قال ابن ماكولا: وأما برة، باؤه مضمومة: برة بن رئاب، وهو جحش، والد عبد الله وأبي أحمد، وعبيد الله، وزينب، وحمنة بني جحش، كان اسم جحش في الجاهلية برة، ورد ذلك في حديث رواه مقسم، عن ابن عباس، عن زينب بنت جحش.
قال عبد الله بن أبي أحمد: قدمت من عند معاوية بثلاثمائة ألف دينار، ثم أقمت سنة فحاسبت قوامي، فوجدتني أنفقت مائة ألف دينار ليس بيدي منها إلا رقيق، وغنم، وقصور، وأثاث ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، فلقيت كعب الأحبار، فذكرت ذلك له، فقال: أين أنت عن النخل؟ فإنها تجدها في كتاب الله: المُطعِمات في المحل، الراسيات في الوحل، وخير المال النخل، بائعها ممحوق، ومبتاعها مرزوق، مَثَلُ من باعها ثم لم يجعل ثمنها في مثلها كمثل رماد على صفوان اشتدت به الريح في يومٍ عاصف، ففزعت للنخل فابتعتها.
قال معاوية لابن أبي أحمد: أصب لي مالاً أبتاعه، قال: قد أصبت لك مالاً، قال: ما هو؟ قال: البلدة، قال: لا حاجة لي بها، قال: النخيل، قال: لا حاجة لي فيه، قال: ودعان، قال: لا حاجة لي به، قال: الغابة: قال: نعم اشترها.
стр. 4357
قال له: يا أمير المؤمنين، سميت لك أموالاً تعرفها، فكرهتها، وأخبرتك بما لا تعرف فاخترته؟ قال: نعم، سميت لي البلدة، فتبلدت علي، وسميت النخيل، فكان مصغراً، وسميت لي ودعان فنهتني نفسي عنها، وسميت لي الغابة فعلمت أنها كثيرة الماء، وقد قال الأول: من السريع
إن كنت تبغي العلم أو مثله ... أو شاهداً يخبر عن غائب
فاعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب
عبد الله بن عبيدة بن نشيط الربذي
مولى بني عامر بن لؤي، وفد على عمر بن عبد العزيز روى عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " من قضى نسكه، وسلم الناس من لسانه ويده غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر ".
ووهم الحافظ قوله: عن أبيه.
وروى عن جابر بن عبد الله أن نبي الله ﷺ قال: " لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب " قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: " الإشراك بالله "، قال: " ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئاً إلا حلت لها المغفرة من الله، إن شاء أن يعذبها، وإن شاء أن يغفر لها غفر لها " ثم قرأ نبي الله ﷺ " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ".
стр. 4358
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم، فيقول إمامهم: يا رسول الله، أمنا، فيقول: لا، بعضكم أمراء بعضٍ، أمر يكرم الله به هذه الأمة ".
قال عبد الله بن عبيدة: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: ما يهلك الناس إلا في هذه العلوقات.
وكان يكتب: لا يذهب إلى العُلاّقة إلا جماعة وقوة، ثم يأخذ بعضهم ببعض حتى يرجعوا جميعاً، أو يعطبوا جميعاً.
قال ابن سعد: عبد الله بن عبيدة بن نشيط أخو موسى بن عبيدة، قتلته الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومائة، وكان قليل الحديث.
وقال البخاري: مات سنة ثلاثين ومائة، وهم ينتمون إلى اليمن.
عبد الله الأكبر بن عبيد
ويقال ابن عامر أبي الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي، العدوي القرشي أسلم يوم فتح مكة، وقتل يوم أجنادين.
стр. 4359
قال الزبير بن بكار: وولد أبو جهم بن حذيفة: عبد الله الأكبر، قتل يوم أجنادين بالشام، وأخوه لأمه: عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وأمه: أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية من خزاعة.
عبد الله بن عبيد بن يحيى
أبو العباس بن أبي حرب السلماني حدث عن أبي علقمة نصر بن خزيمة بسنده عن عتبة بن عبد: أن النبي ﷺ نهى عن النوح الأكبر، والخمش وقد الثوب، والرنة ولكن: العين تدمع والنفس تحزن.
عبد الله بن عتاب بن أحمد بن كثير
أبو العباس بن الزفتي الخزاعي روى عن عيسى بن حماد بسنده عن بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " تقبّلوا لي بست أتقبّل لكم بالجنة " قالوا: وما هن؟ قال: " إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم ".
ولد عبد الله بن عتاب سنة أربع وعشرين ومائتين، وتوفي سنة عشرين وثلاثمائة.
стр. 4360
عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان
صخر بن حرب بن أمية روى عن عمته أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: كان النبي ﷺ إذا كان عندي فسمع الأذان يقول كما يقول المؤذن ثم يسكت.
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ كان إذا كان عندها في يومها أو ليلتها فسمع المؤذن قال: قال الزبير بن بكار: وولد عتبة بن أبي سفيان: عبد الله بن عتبة، وأمه أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن معتب الثقفي.
عبد الله بن عتبة بن الوليد بن عتبة
أبو محمد المعدّل روى عن أبي الحسن بن جوصا بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الإيمان بضع وستون - أو بضع وسبعون جزءاً أولها وأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان ".
стр. 4361
عبد الله بن عتبة الأعور بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
أمه الكاملة بنت الأشعث بن حبال الكلبية، وجدها حبال يقول: من الطويل
ألا قالت العصماء يوم لقيتها ... كبرت ولم تجزع من الشيب مجزعا
فقلت لها: لا تهزئي بي فقلما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
رأت ذا عصاً يمشي عليها وشيبةً ... تقنع منها رأسه ما تقنعا
عبد الله بن عثمان بن الحكم
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي سمع كعب الأحبار يقول: إن في التوراة أن الفتى إذا تعلم القرآن وهو حدث السن، وحرص عليه، وعمل به، وتابعه خلطه الله بلحمه ودمه، وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة، وإذا تعلم الرجل القرآن وقد دخل في السن، فحرص عليه، وهو في ذلك يتابعه ويتفلت منه كتب له أجره مرتين.
عبد الله بن عثمان بن عبد الله
ابن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب القرشي الأسدي المكي أمه أرملة بنت الزبير بن العوام، وفد على عبد الملك بن مروان فكلمه في شأن
стр. 4362
امرأته سكينة بنت الحسين، فقام إليه خالد بن يزيد - وعنده أمه - ليعانقه فدفع بيده في صدره كراهة أن يعانقه، وذلك أن سكينة بنت الحسين توهمت على عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم، وهي زوجته، أن يكون طلقها، فاستعدت عليه - وكانت عبد الله بن عثمان فاطمة بنت عبد الله ابن الزبير، فلما خطب سكينة بنت الحسين أحلفته بطلاقها ألا يؤثر عليها فاطمة بنت عبد الله، ثم اتهمته أن يكون آثرها، فاستعدت عليه هشام بن إسماعيل، وهو والي المدينة، فركب عبد الله بن عثمان رواحله، وورد الشام - فدخلت رملة بنت الزبير على عبد الملك بن مروان، وكانت عند خالد بن يزيد بن معاوية، فقالت له: يا أمير المؤمنين، إن سكينة بنت الحسين نشزت بابني عبد الله بن عثمان، ولولا أن نغلب على أمورنا ما كانت لنا حاجة بمن لا حاجة له بنا، فقال لها عبد الملك: يا رملة، إنها بنت فاطمة، فقالت: نكحنا والله خيرهم، وأنكحنا والله خيرهم، وولدنا خيرهم، فقال عبد الملك: يا رملة، غرني عروة منك، فقالت: لم يغررك، ولكنه نصحك، إنك قتلت مصعباً أخي، فلم يأمني عليك.
وكان عبد الملك أراد أن يتزوجها، فقال له عروة: لا أرى ذلك لك.
وولدت سكينة بنت الحسين لعبد الله بن عثمان: عثمان بن عبد الله ولقبته قريناً، وبذلك كان يعرف، وربيحة، وحكيماً، وقد انقرض ولد حكيم بن عبد الله بن عثمان.
ولعبد الله بن عثمان يقول أبو دهبل: من الطويل
قضت وطراً من أهل مكة ناقتي ... سوى أملي في الماجد بن حزام
جميل المحيا من قريشٍ كأنه ... هلال بدا من سدفةٍ وظلام
وولدت فاطمة بنت عبد الله بن الزبير لعبد الله بن عثمان: يحيى وموسى، وفيهم بقية.
стр. 4363
عبد الله ويقال عتيق بن عثمان أبي قحافة بن عامر
ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لوي أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ ، وصاحبه في الغار.
قدم تاجراً إلى بصرى من الشام في الجاهلية، وفي الإسلام.
عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي ﷺ ، ونحن بالغار: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه! فقال: " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ".
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، ورواه الترمذي.
عن قيس بن أبي حازم قال: قرأ أبو بكر هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم "، ثم قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ ﷺ يقول: " إن القوم إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، والمنكر فلم يغيروه عمّهم الله بعقابه ".
وفي رواية: " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه ".
عن عائشة أم المؤمنين قالت: اسم أبي بكرٍ الذي سماه به أهله: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو، ولكنه غلب عليه اسم عتيق.
стр. 4364
قالت: والله إني لفي بيتي ذات يومٍ ورسول الله ﷺ وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم - زاد في رواية: دونهم - إذا أقبل أبو بكر، فقال النبي ﷺ : " من سره أن ينظر إلى عتيقٍ من النار فلينظر إلى أبي بكر ".
ومن رواية عن عائشة: أن أبا قحافة كان له ثلاثة أولادٍ سمى واحداً عَتيقاً، والآخر معتقاً، والآخر عُتيقاً، - وفي رواية: عتيقاً ومعتقاً ومعيتيقاً.
وقال موسى بن طلحة: بينا عائشة بنت طلحة تقول لأمها أم كلثوم بنتا أبي بكر: أنا خير منك، وأبي خير من أبيك، فقالت: أبوك خير من أبي؟ فقالت عائشة أم المؤمنين: ألا أقضي بينكما؟ إن أبا بكر دخل على النبي ﷺ فقال: " يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار " فمن يومئذ سمي عتيقاً، قال: ودخل طلحة على النبي ﷺ فقال: " يا طلحة أنت ممن قضى نحبه ".
وقال: سألت أبي طلحة بن عبيد الله، قلت له: يا أبه، لأي شيءٍ سمي أبو بكر عتيق؟ قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، وقالت: اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي.
وقال مصعب: سمي أبو بكر عتيقاً لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، قال ابن الأعرابي: العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة: عتيق.
عن عبد الله بن الزبير قال: كان اسم أبي بكر: عبد الله بن عثمان، فقال له رسول الله ﷺ : " أنت عتيق الله من النار " فسمي عتيقاً.
стр. 4365
قال مغيرة بن زياد: أرسلت إلى ابن أبي مليكة أسأله عن أبي بكر الصديق ما كان اسمه؟ قال: فأتيته فسألته، فقال: كان اسمه عبد الله بن عثمان، وإنما كان عتيق لقباً.
وعن الليث بن سعد قال: إنما سمي أبو بكر عتيقاً لجمال وجهه.
وعن أبي نعيم الفضل بن دكين: إنما سمي عتيقاً لأنه عتيق، قديم في الخير.
عن عبد الله بن الزبير قال: سميت باسم جدي أبي بكر، وكنيت بكنيته.
وفي أبي بكر نزلت: " فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى ".
وعن ابن إسحاق: كان أبو بكر أنسب العرب للعرب.
قال الزبير بن بكار: فولد عامر بن عمرو أبا قحافة، واسمه عثمان، وأمه قيلة بنت أذاة بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، فولد أبو قحافة أبا بكر الصديق، وأمه أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب - وفي رواية: ابن عامر بن عمرو بن كعب - بن سعد ابن تيم بن مرة، وأبو بكر صاحب رسول الله ﷺ في الغار، الذي قال الله : " إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " وهاجر مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة ليس معهما أحد إلا مولى أبي بكر عامر بن فهيرة الذي رفع إلى السماء حين استشهد يوم بئر معونة، وكان دليل رسول الله ﷺ على الطريق إلى المدينة، وأعتق أبو بكر سبعة ممن كان يعذب في الله، منهم: بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، شهد بدراً والمشاهد كلها، وشهد عامر بن فهيرة بدراً وغيرها حتى استشهد يوم بئر معونة.
стр. 4366
وأبو بكر أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة.
قال ابن سعد: دفع رسول الله ﷺ رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر، وكانت سوداء، وأطعمه رسول الله ﷺ بخيبر مائة وسق، وكان فيمن ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد حين ولّى الناس.
قال إسماعيل بن علي الخطبي: وقد أدرك أبواه الإسلام وأسلما.
قال أبو أحمد الحاكم: أدرك أبو بكر بن أبي قحافة، الصديق رسول الله ﷺ ، وأبوه أبو قحافة عثمان بن عامر، وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وابن ابنه أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أربعتهم ولاءً، رسول الله ﷺ ، ليست هذه المنقبة لأحدٍ من أصحاب النبي ﷺ غيره، وأدرك من أولاده وأهل بيته ومواليه سواهم، نفر من الرجال والنساء، رسول الله ﷺ ، منهم بنوه عبد الله وعبد الرحمن، صَحِبا رسول الله ﷺ ، وابنه الثالث محمد، ولد عام حجة الوداع، ولدته أسماء بقباء، فوجهت إلى رسول الله ﷺ في أمرها، فأمرها أن تغتسل، وتهل، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وأم أبي بكر الصديق أم الخير، واسمها سلمى بنت صخر، وامرأة أبي بكر الصديق أم رومان بنت عمير بن عبد مناة بن دهمان بن غنم بن مالك بن كنانة بن خزيمة، وابن خالته أم مسطح بنت أبي رُهم بن المطلب بن عبد مناف، وبلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وسعد، والقاسم، موالي أبي بكر.
قال أبو عبد الله بن منده: ولد أبو بكر بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهرٍ إلا أيام، ومات بعد النبي ﷺ بسنتين
стр. 4367
وأشهر بالمدينة، وهو ابن ثلاث وستين، وكان رجلاً أبيض نحيفاً، خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، يخضب بالحناء والكتم، وكان أول من أسلم من الرجال.
عن الزهري قال: لما كان يوم فتح مكة أُتي بأبي قحافة إلى النبي ﷺ ، وكأن رأسه ثغامة بيضاء، فقال النبي ﷺ : " هلا أقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نأتيه؟ " تكرمة لأبي بكر، وأمرهم أن يغيروا شعره، وبايعه، وأتى المدينة، وبقي حتى أدرك خلافة أبي بكر، ومات أبو بكر قبله، وورثه أبو قحافة السدس، فرده على ولد أبي بكر، وكانت وفاته سنة أربع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب، وله يومئذ سبع وتسعون سنة.
قال أنس بن مالك:
قدم علينا رسول الله ﷺ ، فكان أسن أصحابه أبو بكر.
وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ أكبر من أبي بسنتين وشيءٍ.
عن يزيد بن الأصم: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: " أينا أكبر، أنا أو أنت؟ " قال: أنت أكبر وأكرم، وخير مني، وأنا أسن منك.
كذا في هذه الرواية، والمحفوظ أن النبي ﷺ كان أسن من أبي بكر، وأن أبا بكر استكمل بخلافته سن النبي ﷺ .
عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت أبا بكر كأن رأسه ولحيته ضرام عرفجٍ.
وقال: دخلت على أبي بكر وهو مريض، فإذا هو أبيض قضيف.
стр. 4368
عن ابن شهاب قال: كان أبو بكر الصديق أبيض أصفر لطيفاً جعداً، كأنما خرج من صدع حجر، مسترق الوركين، لا يثبت إزاره على وركيه.
ووصفته عائشة فقالت: كان أبيض نحيفاً خفيف العارضين أجنأ، لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه، مقرون الحاجب، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع، معوق الوجه، وكان يخضب بالحناء والكتم.
وعن الزهري في صفة أبي بكر: كان أبيض يخالط بياضه الصفرة، جعد، حسن القامة، رقيق، حمش الساقين، قليل اللحم، حسن الثغر.
وعن ربيعة بن كعب قال: كان إسلام أبي بكر الصديق بوحي من السماء، وذلك أنه كان تاجراً بالشام، فرأى رؤيا، فقصها على بحيرا الراهب، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأيش أنت؟ قال: تاجر، قال: صدق الله رؤياك، فإنه سيبعث نبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر أبو بكر حتى بعث النبي ﷺ ، فجاءه، فقال: يا محمد، ما الدليل على ما تدعي؟ قال: الرؤيا التي رأيت بالشام، فعانقه، وقبل عينيه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك محمداً رسول الله.
قال أبو بكر الصديق: إنه خرج إلى اليمن قبل أن يبعث النبي ﷺ ، قال: فنزلت على شيخٍ من الأزد، عالم قد قرأ الكتب، وعلم من علم الناس علماً كثيراً، وأتت عليه أربعمائة سنة إلا عشر سنين، فلما رآني قال: أحسبك حرمياً؟ قال أبو بكر: قلت: نعم أنا من أهل الحرم،
стр. 4369
قال: وأحسبك قرشياً؟ قال: قلت: نعم، أنا من قريش، قال: وأحسبك تيمياً؟ قال: قلت: نعم، أنا من تيم بن مرة، أنا عبد الله بن عثمان بن كعب بن تيم بن مرة، قال: بقيت لي منك واحدة، قلت: ما هي؟ قال: تكشف لي عن بطنك، قلت: لا أفعل أو تخبرني لم ذاك؟ قال: أجد في العلم الصحيح الزكي الصادق أن نبياً يبعث في الحرم تعاون على أمره فتى وكهل، فأما الفتى فخواض غمرات، ودفاع معضلات، وأما الكهل فأبيض نحيف، على بطنه شامة، وعلى فخذه اليسرى علامة، وما عليك أن تريني ما سألتك، فقد تكاملت لي فيك الصفة إلا ما خفي علي.
قال أبو بكر: فكشفت له عن بطني، فرأى شامة سوداء فوق سرتي، فقال: أنت هو ورب الكعبة، وإني متقدم إليك في أمرٍ، فاحذره، قال أبو بكر: قلت: وما هو؟ قال: إياك والميل عن الهدى، وتمسك بالطريقة الوسطى، وخف الله فيما خولك وأعطاك.
قال أبو بكر: فقضيت باليمن أربي، ثم أتيت الشيخ لأودعه، فقال: أحامل أنت مني أبياتاً قلتها في ذلك النبي ﷺ ؟ قال: قلت: نعم، فأنشأ يقول: من الطويل
ألم تر أني قد وهنت معاشري ... ونفسي وقد أصبحت في الحي واهنا
حييت، وفي الأيام للمرء عبرة ... ثلاث مئين، ثم تسعين آمنا
وصاحبت أحباراً أبانوا بعلمهم ... غياهيب في سدٍّ ترى فيه طامنا
فما زلت أدعو الله في كل حاضر ... حللت بها سراً وجهراً معالنا
وقد خمدت مني شرارة قوتي ... وألفيت شيخاً لا أطيق الشواجنا
وأنت، ورب البيت تلقى محمداً ... بعامك هذا قد أقام البراهنا
فحي رسول الله عني فإنني ... على دينه أحيا وإن كنت داكنا
فيا ليتني أدركته في شبابتي ... فكنت له عبداً وإلا العجاهنا
стр. 4370
قال أبو بكر: فحفظت وصيته وشِعره، وقدمت مكة وقد بُعث النبي ﷺ ، فجاءني عقبة بن أبي معيط، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري بن هشام، وصناديد قريشٍ، فقلت لهم: هل نابتكم نائبة، أو ظهر فيكم أمر؟ قالوا: يا أبا بكر، أعظم الخطب، وأجل النوائب! يتيم أبي طالب، يزعم أنه نبي، ولولا أنت ما انتظرنا به، فإذ قد جئت فأنت الغاية والكفاية لنا.
قال أبو بكر: فصرفتهم، وسألت عن النبي ﷺ ، فقيل: إنه في منزل خديجة، فقرعت عليه الباب، فخرج إلي، فقلت: يا محمد، بعدت من منازل أهلك، واتهموك بالفتنة، وتركت دين آبائك وأجدادك؟ قال: " يا أبا بكر، إني رسول الله إليك، وإلى الناس كلهم، فآمن بالله " فقلت: وما دليلك على ذلك؟ قال: " الشيخ الذي لقيته باليمن " قلت: وكم من مشايخ لقيت، واشتريت، وأخذت وأعطيت، قال: " الشيخ الذي أفادك الأبيات " قلت: ومن خبرك بهذا يا حبيبي؟ قال: " الملك العظيم الذي يأتي الأنبياء قبلي " قلت: مد يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنت رسول الله.
قال أبو بكر: فانصرفت وما بين لابتيها أشد سروراً من رسول الله ﷺ بإسلامي.
قال طلحة بن عبيد الله: كان إسلام أبي بكر فتحاً، وذلك أن ورقة بن نوفل جاء إلى أبي بكرٍ، فقال له: يابن أخي، إني أراك متبدلاً بمكة، ولا أراك في شيءٍ، فأخبرني كم معك من المال؟ قال: عندي كذا وكذا من العير، قال: فأنا آتيك غداً بكذا وكذا فأضعف لك حتى تخرج إلى الشام، فتصيب فيه خيراً، فتعطيني ما شئت، وتمسك ما شئت، فانقلب أبو بكر إلى زوجته، فقال لها: اذبحي من تلك الغنم شاة سفِّرينا بها، قالت: وأين تريد؟ قال: الشام، قالت: ولم؟ قال: إن ورقة بن نوفل قارضني أن أخرج مالي كله ويعطيني كذا وكذا ألف دينار، قالت: أفلا أخبرك خبراً يسرك؟ قال: وما هو؟ قالت: جاء محمد يطلبك منذ اليوم ثلاث مرات، فما حبسك عنه؟ قال: ما حبسني عنه إلا ما ذكرت؛
стр. 4371
قالت: سمعته يقول: " أنا رسول الله حقاً " قال: ويحك! فإنه هذا خير لي من الدنيا وما فيها! فانطلق إليه من ليلته، فقرع الباب، فقال: " من هذا؟ " قال: أبو بكر، ففتح له الباب، ثم قال: " ما جاء بك هذه الساعة، فإني قد كنت أبتغيك ثلاث مرات؟ " قال: إني كنت مع ورقة بن نوفل، فعرض علي قراضاً، فقلت لزوجتي: سفرينا، قالت: وأين تريد؟ فقلت: قارضني ورقة بن نوفل على أن أخرج إلى الشام، قالت: أفلا أخبرك خبراً يسرك؟ فقال له رسول الله ﷺ : " وما أخبرتك؟ " قال: أخبرتني أنك تقول: إني رسول الله. ثم انصرف من عنده مسروراً بما نال من الخير والإسلام، فأصبح، وجاء إليه ورقة بن نوفل بالمال ليدفع إليه، فقال له: يابن أخي، هذا المال، قال: وجدت تجارة خيراً من تجارتك، وربحاً خير من ربحك، قال: وما هو؟ قال: قال لي محمد ﷺ : " إني رسول الله " فصدقته وآمنت به، وشهدت أنه رسول الله، قال: فوالله لئن كنت صادقاً لا آكل ما ذبح على النصب، ولا ما ذبحت قريش لآلهتها، ولا ما ذبحت يهود لكنائسها، ولأستقبلن هذا البيت الحرام الذي أسسه إبراهيم وإسماعيل، ولا أزال أصلي أبداً، ولأحرمن ما ذبح لغير الله فتوفي ورقة قبل أن يظهر أمره ﷺ .
وعن محمد بن إسحاق قال: ثم إن أبا بكر لقي رسول الله ﷺ فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا، فقال رسول الله ﷺ : " إني رسول الله يا أبا بكر ونبيه، بعثني لأبلّغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق أدعوك إلى الله يا أبا بكر، وحده لا شريك له، ولا نعبد غيره، والموالاة على طاعته أهل طاعته " وقرأ عليه القرآن، فلم يقر، ولم ينكر، فأسلم، وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق.
وابتدأ أبو بكر أمره، وأظهر إسلامه، ودعا الناس، وأظهر علي وزيد بن حارثة إسلامها، فكبُر ذلك على قريش، وكان أول من اتبع رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد
стр. 4372
زوجته، ثم كان أول ذكرٍ آمن به علي، وهو يومئذ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة ثم أبو بكر الصديق، فلما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله ورسوله، وكان أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بما كان فيها من خيرٍ أو شر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلقٍ ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحدٍ من الأمر لعلمه وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه، ويجلس إليه فأسلم على يديه: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد ابن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.
عن عائشة قالت: قال أبو بكر: كنت أول من آمن.
وعن ابن سيرين قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، وأول من أسلم من النساء خديجة.
قال عمار: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر.
سئل سعد بن مالك: أكان أبو بكر الصديق أولكم إسلاماً؟ قال: لا، ولكن أسلم قبله أكثر من خمسة، ولكن كان خيرنا إسلاماً.
عن أبي سعيد قال: لما بويع أبو بكر رأى من الناس بعض الانقباض، فقال: أيها الناس، ما يمنعكم؟ ألست أحقكم بهذا الأمر ألست أول من أسلم؟ قال أبو بكر: أنا أول من صلى مع رسول الله ﷺ .
وفي رواية: أول من صلى مع النبي ﷺ من الرجال علي بن أبي طالب.
قال قائل لابن عباس: أي الناس كان أول إسلاماً؟ قال: أبو بكر، أما سمعت بقول حسان بن ثابت ﵄: من البسيط
стр. 4373
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقةٍ ... فاذكر أخاك أبا بكرٍ بما فعلا
خير البرية أوفاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهدة ... وأول الناس منهم صدق الرسلا
وفي رواية: أتقاها وأعدلها.
عاش حميداً لأمر الله متبعاً ... بهدي صاحبه الماضي وما انتقلا
وفي رواية: عاشا جميعاً لأمر الله متبعاً لهدي.
وسئل ميمون بن مهران: كان علي أول إسلاماً أو أبو بكر؟ فقال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب، واختلف فيما بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي بن أبي طالب.
وقيل له: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده، ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما، لله درهماً كانا رأسي الإسلام، ورأسي الجماعة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما كلمت في الإسلام أحداً إلا أبى علي، وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة - يعني أبا بكر - فإني لم أكلمه في شيءٍ إلا قبله واستقام عليه ".
عن محمد بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ قال: " ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر، ما عتم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه ".
стр. 4374
وعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت:
فلما أن اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فكانوا تسعة وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور، فقال: " يا أبا بكر، إنا قليل " فلم يزل يلح على رسول الله حتى ظهر رسول الله ﷺ ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، وكل رجلٍ معه، وقام أبو بكر في الناس خطيباً، ورسول الله ﷺ جالس، وكان أول خطيبٍ دعا إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر، وعلى المسلمين يضربونهم في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووطئ أبو بكر، وضرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، وأثّر على وجه أبي بكر لا يعرف أنفه من وجهه، وجاءت بنو تميم تتعادى، فأجلوا المشركين عن أبي بكر، وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه ولا يشكون في موته، ورجعوا بيوتهم، فدخلوا المسجد، فقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة، ورجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة، وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجابهم، فتكلم آخر النهار: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فنالوه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا، وقالوا لأم الخير بنت صخر: انظري أن تطعميه شيئاً، أو تسقيه إياه، فلما خلت به جعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: والله ما لي علم بصاحبك، قال: فاذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد عبد الله، قالت: ما أعرف أبا بكر، ولا محمد بن عبد الله، وإن تحبي أن أمضي معك إلى ابنك فعلت، قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دنفاً، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح، وقالت: إن قوماً نالوا منك هذا لأهل فسق، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك. قال: فما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: قال: فلا عين عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: فأين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله علي أَلِيّة ألا أذوق طعاماً أو شراباً أو آتي رسول الله ﷺ ، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل، وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى دخل على النبي ﷺ ، قالت: فانكب عليه فقبله، وانكب عليه
стр. 4375
المسلمون، ورق رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي ليس بي إلا ما نال الفاسق من وجهي، هذه أمي برة بوالديها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادعُ الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله ﷺ ، ثم دعاها إلى الله فأسلمت، فأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهراً، وهم تسعة وثلاثون رجلاً.
وكان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر، فدعا رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، وأبي جهل بن هشام، فأصبح عمر، وكانت الدعوة يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، فكبر رسول الله ﷺ ، وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة. فقال عمر: يا رسول الله، علام نخفي ديننا، ونحن على الحق، وهم على الباطل؟ فقال: " يا عمر، إنا قليل قد رأيت ما لقينا " فقال عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم خرج، فطاف بالبيت، ثم مر بقريش وهم ينظرونه، فقال أبو جهل بن هشام: زعم فلان أنك صبوت، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فوثب المشركون إليه، فوثب على عتبة، فبرك عليه، فجعل يضربه، وأدخل إصبعه في عينه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه حتى أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان فيها، فأظهر الإيمان، ثم انصرف إلى النبي ﷺ ، وهو ظاهر عليهم، فقال: ما يجلسك بأبي أنت وأمي، فوالله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولا خائف؛ فخرج رسول الله ﷺ ، وعمر أمامه، وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت، وصلى الظهر معلناً، ثم انصرف النبي ﷺ إلى دار الأرقم ومن معه.
قيل لعمر بن العاص: ما أشد ما رأيتهم بلغوا من رسول الله ﷺ ؟ قال عمرو: أشد شيءٍ بلغ من رسول الله ﷺ فيما رأيت - أنهم تآمروا عليه حين مر بهم ضحىً عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : " أنا ذلكم " فأخذ أحدهم بتلابيبه، وأبو بكر آخذ بحضن رسول الله ﷺ من ورائه،
стр. 4376
يريد أن ينتزعه منهم، وهو يصيح: يا قوم " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبة، وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب " قال: يردد أبو بكر هذه الآية وعيناه تسفحان، فلم يزل على ذلك حتى انفرجوا عن رسول الله ﷺ .
عن عاشة قالت: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث بذاك الناس، فارتد ناس ممن كان آمن، وصدق به، وفتنوا، فقال أبو بكر: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوه أو رواحه، فلذلك سمي أبو بكر الصديق.
عن محمد بن كعب قال: لما رجع رسول الله ﷺ حين أسري به، فبلغ ذا طوى، فقال: " يا جبريل، إني أخاف أن يكذبوني " قال: كيف يكذبونك وفيهم أبو بكر الصديق؟ عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : " ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر فبكى أبو بكر وقال: ما نفعني الله إلا بك - وفي رواية: " مال أحدٍ ما نفعني مال أبي بكر " قال: فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟ وعن عائشة عن النبي ﷺ : " ما نفعنا مال ما نفعنا مال أبي بكر ".
وعن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : " ما مال رجلٍ من المسلمين أنفع لي من مال أبي بكر ".
قال: وكان رسول الله ﷺ يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه.
стр. 4377
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " ما أحد أمنُّ علي في صحبته وذات يده من أبي بكر، وما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ".
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أحد أعظم عندي من أبي بكر، واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته ".
وعن ابن عباس قال: سألت النبي ﷺ : من أحب إليه؟ فقال لي: " عائشة " فقلت: ليس عن النساء سألتك، قال: " فأبوها إذاً " قال: قلت: فلم يا رسول الله؟ قال: " لأنه أنفق ماله كله غير مقطبٍ بين عينيه حتى بقي بعباءة تخللها بريشة، لا تملك سواها، ووالله ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، وزوجني ابنته، ووهب لي غلامه، وواساني بنفسه، وكلما هبط جبريل علي قال: يا محمد، الله يقرئك السلام ويقول لك: أقرئ أبا بكرٍ السلام وقل له: " أساخطٍ فأرضيك؟ " فقال: على من أسخط يا رسول الله، أنا عنه راض، فهل هو عني راضٍ؟ فقال له النبي ﷺ : " هو عنك راضٍ " فقال أبو بكر: الحمد لله.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من أعظم الناس علينا مناً أبو بكر، زوجني ابنته، وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالاً أبو بكر، أعتق منه بلالاً، وحملني إلى دار الهجرة ".
وقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: " ما أطيب مالك! منه بلال مؤذني، وناقتي التي هاجرت عليها، وزوجتني ابنتك، وواسيتني بنفسك ومالك، كأني أنظر إليك على باب الجنة تشفع لأمتي ".
عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : " رحم الله أبا بكرٍ زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالاً من ماله،
стр. 4378
رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مراً، تركه الحق وما له من صديقٍ، رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة، رحم الله علياً، اللهم أدر عليه الحق حيث دار ".
عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أمر بالصدقة، فقال عمر بن الخطاب: وعندي مال كثير، فقلت: والله لأفضلن أبا بكر هذه المرة، فأخذت نصف مالي، وتركت نصفه، فأتيت به النبي ﷺ فقال: " هذا مال كثير، فما تركت لأهلك؟ " قال: تركت لهم نصفه.
وجاء أبو بكر بمالٍ كثير، فقال رسول الله ﷺ : " ما تركت لأهلك؟ " قال: تركت لهم الله ورسوله - زاد في رواية: قال عمر: فقلت: لا أسابقك إلى شيءٍ أبداً! وفي رواية مرسلة عن الشعبي قال: لما نزلت هذه الآية: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي " إلى آخر الآية جاء عمر بنصف ماله يحمله إلى رسول الله ﷺ يحمله على رؤوس الناس، وجاء أبو بكر بماله أجمع يكاد أن يخفيه من نفسه، فقال رسول الله ﷺ : " ما تركت لأهلك؟ " قال: عدة الله، وعدة رسوله، قال: يقول عمر لأبي بكر: بنفسي أنت - أو بأهلي أنت - ما سبقنا باب خيرٍ قط إلا سبقتنا إليه.
عن عروة: أن أبا بكر الصديق أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف درهم، قال عروة: قالت عائشة: توفي أبو بكر وما ترك ديناراً ولا درهماً.
وعن عروة قال: أعتق أبو بكر الصديق ممن كان يعذَّب في الله بمكة سبعة أنفسٍ: بلالاً الحبشي الأسود، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وأم عبيس، وزنِّيرة، وجارية بني المؤمل.
стр. 4379
وعن ابن عمر قال: أسلم أبو بكر يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم، فخرج إلى المدينة من مكة في الهجرة وماله غير خمسة آلاف، كل ذلك ينفق في الرقاب، والعون على الإسلام.
عن عبد الله: أن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأُبيّ بن خلف ببردةٍ وعشر أواقٍ، فأعتقه لله فانزل الله " والليل إذا يغشى " إلى قوله: " إن سعيكم لشتى " سعي أبي بكر وأمية وأُبي.
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض أهله قال: قال أبو قحافة لابنه أبي بكر: يا بني، أراك تعتق رقاباً ضعافاً؟ فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك، ويقومون دونك! فقال أبو بكر: يا أبه، إني إنما أريد ما أريد. قال: فيتحدث: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه، وفيما قاله أبوه " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى " إلى آخر السورة.
وعن ابن عباس في قوله: " فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى "، قال أبو بكر " وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى " قال: أبو سفيان بن حرب.
عن عبد الله بن الزبير قال: أنزلت هذه الآية في أبي بكر: " وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى ".
عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده: أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل، فقال: يا محمد، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في
стр. 4380
صدره بخلال؟ فقال: " يا جبريل، أنفق ماله علي قبل الفتح " قال: فإن الله يقرأ ﵇ ويقول: " قل له: أراضٍ أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ " فقال أبو بكر: أسخط على ربي؟ أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ، أنا عن ربي راضٍ.
وعن ابن عباس: عن النبي ﷺ قال: " هبط علي جبريل، وعليه طنفسة، وهو متخلل بها، فقلت: يا جبريل ما نزلت إلي في مثل هذا الزي! قال: إن الله أمر الملائكة أن تخلل في السماء كتخلل أبي بكرٍ في الأرض ".
عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال له جبريل: هاجر، قال: ومن يهاجر معي؟ " قال أبو بكر، وهو الصديق.
وعن أنس: أن نبي الله ﷺ صعد أحداً، فتبعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال: " اسكن! نبي، وصديق، وشهيدان - وفي رواية: ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم الجبل، فضربه برجله، وقال: " اثبت أحد! فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان " وفي رواية " اثبت حراء، عليك نبي، وصديق، وشهيد " فالصديق أبو بكر، والشهيدان: عمر وعثمان.
عن النزال بن سبرة الهلالي قال: وافقنا من علي بن أبي طالب ذات يوم طيب نفسٍ، ومزاح، فقلنا له: يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك، قال: كل أصحاب رسول الله ﷺ أصحابي، قال: حدثنا عن أصحابك خاصةً، قال: ما كان لرسول الله ﷺ صاحب إلا كان لي صاحباً، قلنا: حدثنا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سلوني، قلنا: حدثنا عن أبي بكر الصديق،
следующие страницы →