← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وقال: ما رأيت أحداً قط أعرب لساناً من ابن عباس. وعن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مجلساً قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والطعام، قال أبو هلال: ولا أراه إلا قال: والشعر. وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين: ما رأيت بيتاً كان أكثر طعاماً ولا شراباً ولا فاكهة ولا علماً من بيت عبد الله بن عباس. وقال الضحاك: ما رأيت بيتاً أكثر خبزاً ولحماً وعلماً من بيت ابن عباس. قال أبو صالح: لقد رأيت في ابن عباس مجلساً لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخراً. لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب. قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال: ضع لي وضوءاً قال: فتوضأ وجلس وقال: اخرج فقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه، وما أراد منه فليدخل وقال: فخرجت، فأذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثلما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن أو تأويله فليدخل. قال: فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم مثلما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا فقلت لهم. قال: فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم، قال: فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل. قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم، وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا، ثم قال:

стр. 4307

اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل. قال: فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم مثله. قال أبو صالح: ولو أن قريشاً كلها فخرت بذلك لكان فخراً. فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس. قال جابر بن زيد: سألت البحر وكان يسمي ابن عباس البحر عن لحوم الحمر، فقرأ هذه الآي " قل لا أجد فيما أوحي غلي محرماً على طاعم يطعمه " إلى آخر الآية. وفي حديث ابن الفرا: عن تحريم الخمر. وهو تصحيف. وعن الحسن: أن ابن عباس كان من الإسلام بمنزل، وكان ابن عباس من القرآن بمنزل. قال: وكان يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرها آية آية. وكان مثجه غرباً غرباً، وكان عمر إذا ذكره قال: ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول. قال أبو بكر الهذلي: دخلت على الحسن بن أبي الحسن، فجلست عنده وهو يصلي، فتذاكرنا آيات من القرآن. فلما انصرف قال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: " حم " و" طسم ". قال. فواتح يفتح الله بها القرآن، فقلت له: فإن مولى ابن عباس يقول: كذا وكذا. قال: إن ابن عباس كان من الإسلام بمنزل. وساق بقية الحديث. قوله: كان مثجاً هو من العج والثج: السيلان. يريد أنه يصب الكلام صباً. وعن ميمون بن مهران قال: لو أتيت ابن عباس بصحيفة فيها ستون حديثاً لرجعت ولم تسأله عنها، وسمعتها. قال: يسأله الناس فيكفونك.

стр. 4308

قال عبد الله بن أبي الهذيل: أردت الخروج، فعلم بي أهل الكوفة، فجمعوا مسائل، ثم أتوني بها في صحيفة. فلما قدمت على ابن عباس خرج، فقعد للناس، فما زال يسألونه حتى ما بقي في صحيفتي شيء إلا سألوه عنه. وعن مسروق انه قال: كنا إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس. قال ابن أبي ملكية: دخلنا على ابن عباس فقال: إني لم أنم الليل، فقلنا له: لم يا أبا عباس؟ قال: طلع الكوكب ذوالذنب فخشيت أن يطرق الدخان. سلوني عن سورة البقرة، سلوني عن سورة يوسف، فإني قرأت القرآن وأنا صغير. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، وكان علي أعلمهما بالمبهمات، وسئل إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن معنى قول عكرمة: إن ابن عباس أعلم بتفسير القرآن من علي، فقال: لم سمع ابن عباس عامة التفسير من علي فوعاه وجمعه، ثم ضم إليه ما سمعه من غيره مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعامة أصحاب النبي ﷺ . فلما ضم علم هؤلاء في التفسير إلى علم علي كان أعلم منه بالتفسير. وقد كان النبي ﷺ دعا له فقال ": اللهم علمه الكتاب وفهمه التأويل، وعلي أعلم منه بالمبهمات ومن غيره، فقد شهد عامة التنزيل فروى فيم نزل، وفي أي أمر كان. قال شقيق: خطب ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة البقرة، فجعل يقرؤها ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله. لو سمعت فارس والروم لأسلمت. وفي حديث بمعناه: فقرأ سورة النور. وعن ابن عباس قال: لقد علمت علما من القرآن ما يسألني عنه أحد، لا أدري علمه الناس فلم يسألوا عنه أو لم يعلموها فيسألوا عنها.

стр. 4309

وعن ابن عائشة قال: ما زال ابن عباس يستفيد حتى مات. وكان يقول: ما علمت ما " فاطر " حتى سمعت أعرابياً يخاصم رجلاً في بئر واحدهما يقول: أنا فطرتها، وكنت لا أدري ماء البعل حتى سمعت أعرابياً ينادي آخر يقول: يا بعل الناقة، فعلمت أنه ربها. وعن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا أربع: غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم. وعن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به، وإن لم يكن في كتاب الله وكان رسول الله ﷺ فيه شيء قال به، فإن لم يكن رسول الله ﷺ فيه شيء قال بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن لأبي بكر وعمر، فيه شيء قال برأيه. وعن القاسم بن محمد قال: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلاً قط. وعن سفيان بن عيينة قال: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه. ورد صعصعة بن صوحان على علي بن أبي طالب من البصرة، فسأله عن عبد الله بن عباس، وكان على خلافته بها، فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، ويحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين إذا خولف. تارك للمراء، وتارك لمقاربة اللئيم، وتارك لما يعتذر منه. وعن عبد الله بن بريدة قال: شتم رجل ابن عباس، فقال: إنك تشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله فلوددت أن جميع الناس علموا منها مثل الذي أعلم، وإني لأسمع الحاكم

стр. 4310

من حكام المسلمين يقضي بالعدل فأفرج به ولعلي لا أقاضي إليه أبداً وإني لأسمع بالغيث يصيب الأرض من أرض المسلمين فأفرج به ومالي سائمة أبداً. وعن ابن أبي ملكية قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، إذا نزل قام ينتظر الليل، فيرتل القرآن حرفاً حرفاً، ويكثر من النشيج قلت: وما النشيج؟ قال: النحيب، البكاء، ويقرأ: " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ". قال شعيب بن درهم: كان هذا الموضع وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه من خدي ابن عباس، مثل الشراك البالي من كثرة البكاء. جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا بن عباس، كيف صومك؟ قال: أصوم الاثنين والخميس، قال: ولم؟ قال: لأن الأعمال ترفع فيها، وأحب أن ترفع أعمالي وأنا صائم. قال معاوية يوماً لعبد الله بن عباس: إنه ضربتني البارحة أمواج القرآن في آيتين لم أعرف تأويلهما، ففزعت إليك، فقال ابن عباس: ما هما؟ فقال معاوية: قول الله : " وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن تقدر عليه " فقلت: يونس رسول الله ظن أنه بقوته إذا أراده، ما ظن هذا مؤمن، وقول الله : " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " فقلت سبحان الله! كيف يكون هذا أن يستيئس الرسل من نصر الله، أو

стр. 4311

يظنوا أنهم كذبهم ما وعدهم! إن لهاتين الآيتين تأويلاً ما نعلمه. قال ابن عباس: أما يونس عله السلام فظن أن خطيئته لم تبلغ أن يقدر الله عليه تلك البلية، ولم يشك أن الله إذا أراده قدر عليه. وأما قوله: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن من أعطاهم الرضا في العلانية أن يكذبهم في السريرة، وذلك أطول البلاء عليهم، ولم يستيئس الرسل من نصر الله، ولم يظنوا أنهم كذبهم ما وعدهم. فقال معاوية: فرجت عني فرج الله عنك. قال ابن عباس فإن رجلاً قرأ علي آية المحيض، قول الله : " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " إلى آخر الآية. يعني بالماء " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله " يقول: طاهرات غير حيض، فقال معاوية: إن قريشاً لتغبط بك لا بل جميع العرب، لا بل جميع أمة محمد ﷺ ، ولولا خفتك مع علي عطفتني عليك العواطف، فقال أيمن بن خريم: البسيط ما كان يعلم هذا العلم من أحد ... بعد النبي سوى الحبر ابن عباس مستنبط العلم غضاً من معادنه ... هذا اليقين وما بالحق من باس دينوا بقول ابن عباس وحكمته ... إن المنافي فيكم عالم الناس كالقطب قطب الرحا في كل حادثة ... أو كالحمام فمنه موضع الراس من ذا يفرج عنكم كل معضلة ... إن صار رهناً مقيماً بين أرماس؟ قال ابن ملكية: كتب ابن هرقل إلى معاوية يسأله عن ثلاث خلال: مكان إذا كنت عليه لم تدر أين قبلتك، ومكان طلعت الشمس لم تطلع فيه قبل ولا بعد، وعن المحو الذي في القمر. فقال معاوية: من لهذه؟ فقيل له: ابن عباس. فكتب إلى ابن عباس، فكتب إليه ابن عباس: أما المكان الذي إذا كنت فيه لم تدر أين قبلتك فإذا كنت على ظهر الكعبة. وأما المكان الذي طلعت الشمس ولم تطلع فيه قبل ولا بعد فالبحر يوم انفلق لموسى. وأما المحو الذي في القمر فإن الله يقول: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل " فهو آية الليل، فكتب به معاوية إلى ابن هرقل. قال: فكتب إليه: ما هذا من كنزك ولا كنز أبيك، ولا خرج هذا إلا من أهل بيت نبوة.

стр. 4312

وعن ابن عباس قال: كتب قيصر إلى معاوية: أما بعد، فأي كلمة أحب إلى الله والثانية والثالثة والرابعة والخامسة، ومن أكرم عباد الله وإمائه عليه، وأربعة أشياء فيهم الروح لم ترتكض في رحم، وقبر سار بصاحبه، ومكان لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة، والمجرة التي في السماء ما هي؟ وقوس قزح ما هو؟ فلما قرأ معاوية الكتاب قال لعبد الله: ما أدري ما هذا، وماله إلا ابن عباس، فأرسل إلى ابن عباس يسأله عن ذلك، فقال: أحب كلمة إلى الله: لا إله إلا الله، والثانية: سبحان الله، والثالثة: الحمد، والرابعة: الله أكبر، والخامسة: لا حول ولا قوة إلا بالله. وأما أكرم عباد الله فآدم خلقه الله بيده وعلمه الأسماء كلها، وأكرم إمائه عنده مريم التي أحصنت فرجها، والرابعة التي فيها الروح لم ترتكض في رحم فآدم وحواء، وعصا موسى، وكبش إبراهيم، والقبر الذي سار بصاحبه قبر يونس بن متى في بطن الحوت. والمكان الذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فالبحر فلقه موسى بعصاه، وقوس قزح فأمان لأهل الأرض من الغرق وزاد في حديث آخر: بعد قوم نوح والمجرة فهي باب السماء. وفي حديث آخر بمعناه: فقلت: أما أحب كلمة إلى الله: فلا إله إلا الله لا يقبل عمل إلا بها، والثانية: المنجية سبحان الله وصلاة الخلق، والثالثة: الحمد لله كلمة الشكر، والرابعة: الله أكبر فواتح الصلاة والركوع والسجود، والخامسة: لا حول ولا قوة إلا بالله. فاكتب إليه بذلك، فإنهم سيعرفون فأما لا إله إلا الله فإذا قالها العبد قال: يقول الله - أخلص عبدي. فإذا قال: سبحان الله قال: عبدني عبدي، فإذا قال: الحمد لله، قال: أخلص عبدي، فإذا قال: الله أكبر، قال: صدق عبدي أنا أكبر، فإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله قال: ألقى إلي عبدي السلام الحديث. وعن أبي الجويرية الجرمي قال: كتب قيصر إلى معاوية: أخبرني عمن لا قبلة له، وعمن لا أب له، وعمن لا عشيرة له، وعمن سار به قبره، وعن ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم، وعن شيء ونصف شيء ولا

стр. 4313

شيء، وابعث إلي في هذه القارورة ببزر كل شيء. فبعث معاوية بالكتاب والقارورة إلى ابن عباس، وقيل إنالحسن بن علي بعث إليه بالكتاب والقارورة أما من لا قبلة له فالكعبة، وأما من لا أب له فعيسى، وأما من لا عشيرة له فآدم، وأما من سار به قبره فيونس. وأما ثلاثة أشياء لم تخلق في رحم فكبش إبراهيم، وناقة ثمود، وعصا موسى. وأما شيء فالرجل له عقل، يعمل بعقله، وأما نصف شيء فالذي ليس له عقل ويعمل برأي ذوي العقول. وأما لا شيء فالذي ليس له عقل، يعمل بعقله، وملأ القارورة ماء، وقال: هذا بزر كل شيء. فبعث معاوية بالبزر والقارورة إلى قيصر. فلما وصل إليه الكتاب والقارورة قال: ما خرج هذا إلا من أهل بيت نبوة. وعن حماد بن حميد قال: كتب رجل من أهل العلم إلى ابن عباس يسأله عن هذه المسائل وكان الرجل عالماً. قال: أخبرني عن رجل دخل الجنة ونهى الله محمداً أن يعمل بعمله، وأخبرني عن شيء تكلم ليس له لحم ولا دم، وأخبرني عن شيء بنفس ليس له لحم ولا دم، وأخبرني عن شيء له لحم ولم تلده أنثى ولا ذكر، وأخبرني عن شيء قليله وكثيره حرام، وأخبرني عن رسول بعثه الله ليس من الجن ولا من الإنس ولا من الملائكة، واخبرني عن نفس أوحى الله إليها ليست من الأشياء، وأخبرني عن منذر ليس من الجن ولا من الإنس، وأخبرني عن شيء حرم بعضه وحل بعضه، وأخبرني عن نفس ماتت وأحييت بنفس غيرها، وأخبرني عن نفس خرجت من جوف نفس ليس بينهما نسب ولا رحم، وأخبرني عناثنين تكلما ليس لهما لحم ولا دم، وأخبرني عن الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وأخبرني عن شيء إن فعلته كان حراماً وإن تركته كان حراماً، وأخبرني عن موسى كم أرضعته أمه قبل أن تلقيه في البحر، وفي أي بحر قذفته، وأخبرني عن الاثنين اللذين كانا في بيت فرعون حين لطم موسى فرعون، وأخبرني عن موسى حين كلمه الله تعالى من حمل التوراة إليه، وكم كانت الملائكة الذين حملوا التوراة إلى موسى، وأخبرني عن آدم كم كان طوله، وكم عاش، ومن كان وصيه، وأخبرني من كان بعد آدم من الرسل، ومن كان بعد نوح، ومن كان بعد هود، ومن كان بعد إبراهيم، ومن كان بعد لوط، ومن كان بعد إسحاق، ومن كان قبل

стр. 4314

نبينا ﷺ ، وأخبرني عن الأنبياء كم كانوا، وكم كان منهم الرسل، وكم كان منهم من الأنبياء، وأخبرني كم في القرآن منهم، وأخبرني عن رجل ولد من غير ذكر ولا أنثى ولم يمت، وأخبرني عن أرض لم تصبها الشمس إلا يوماً واحداً، وأخبرني عن الطير الذي لا يبيض ولا يحضن عليه طير. قال: فلما قدمت المسائل على ابن عباس عجب من ذلك عجباً شديداً، ثم كتب إليه: أما سؤالك عن الرجل الذي دخل الجنة ونهي عنه محمداً أن يعمل بعمله فهو يونس النبي ﷺ على نبينا وعليه وسلم الذي يقول: " ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم " وأما الشيء الذي تكلم ليس له لحم ولا دم فهي النار التي تقول " هل من مزيد " وأما الرسول الذي بعثه الله من الجن ولا من الإنس ولا من الملائكة فهو الغراب الذي بعثه الله إلى ابن آدم ليريه كيف يواري سوأة أخيه. وأما الذي له لحم ودم لم تلده أنثى ولا ذكر فهو كبش إبراهيم الذي فدى به إسحاق. وأما الشيء الذي بنفس ليس له لحم ولا دم فهو الصبح، إذ يقول الله " والصبح إذا تنفس " وأما النفس التي ماتت، وأحييت بنفس غيرها فهي البقرة التي ذكرها الله في القرآن الذي يقول: " اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى " الآية. وأما الطير الذي لم يبض ولم يحضن عليه طائر فهو الطير الذي نفخ فيه عيسى بن مريم، فكان طيراً بإذن الله، واما الشيء الذي قليله حلال وكثيره حرام فهو نهر طالوت الذي ابتلاهم الله به، وأما النفس التي خرجت من جوف نفس ليس بينهما نسب ولا رحم فهو يونس النبي ﷺ الذي خرج من بطن الحوت. وأما الاثنتان اللتان تكلمتا ليس لهما لحم ولا دم فهما السماء والأرض إذ يقول الله تعالى: " ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين "، وأما الشيء الذي مشى ليس له لحم

стр. 4315

ولا دم فهو عصا موسى التي " تلقف ما يأفكون "، وأما الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فهو أرمنياً. وأما الشيء الذي إن فعلته كان حراما، وإن تركته كان حراماً فهي الصلاة: إن صليت وأنت سكران لا يحل لك، وإن تركتتها لا يحل لك. وسألت عن أم موسى كم أرضعته فإنها أرضعته ثلاثة أشهر قبل أن تقذفه في البحر، ثم ألقته في البحر بحر القلزم. وسألت عن الاثنين اللذين كانا في بيت فرعون حين لطمه موسى فهي آسية امرأة فرعون، والرجل الذي كان يكمن إيمانه. وسألت عن موسى يوم كلمه الله تعالى وحملت التوراة إليه فإن الله كلم موسى يوم الجمعة، وأعطي التوراة، ونزلت بها الملائكة إلى موسى يوم الجمعة، ومر الله تعالى بكل حرف من التوراة فحمله ملك من السماء، فلا يعلم عدد ذلك إلا الله وحده لا شريك له. وأما الأرض التي لم تنظر إليها الشمس إلا يوماً فهي أرض البحر الذي فلقه الله لموسى. وأما المنذر الذي ليس من الإنس ولا من الجن فهي النملة: " قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم "، وسألت عن آدم فهو أول الأنبياء خلقه الله من طين، وسواه ونفخ فيه من روحه. وكان طوله فيما بلغنا والله أعلم ستين ذرعاً، وكان نبياً وخليفة، وعاش ألف سنة إلا ستين عاماً. وكان وصيه شيث. وسألت من كان بعد شيث من الأنبياء، كان بعد إدريس وهو أول الرسل. وكان بعد إدريس نوح، وكان بعد نوح هود، ثم كان بعد هود صالح، ثم كان بعد صالح إبراهيم، ثم كان بعد إبراهيم لوط ابن أخي إبراهيم، وكان بعد لوط إسماعيل، ثم كان بعد إسماعيل إسحاق، وكان بعد إسحاق، وكان بعد إسحاق يعقوب، ثم كان بعد يعقوب يوسف، ثم كان بعد يوسف موسى، ثم كان بعد موسى عيسى فأنزل الله عليه الإنجيل، ثم كان بعد نبينا نبي الرحمة ﷺ . وسألت عن عدد الأنبياء: كانوا فيما بلغنا والله أعلم ألف نبي ومئتي نبي وخمسة وسبعين نبياً. وكان منهم ثلاث مئة وخمسة عشر رسولاً، وسائرهم أنبياء صالحون نجد في القرآن منهم ثلاثة وثلاثين نبياً يقول الله : " ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً ".

стр. 4316

وكان ابن عباس امير البصرة، وكان يغشى الناس في شهر رمضان، فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم، وكان إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم، ويتكلم بكلام يردعهم، ويقول: ملاك أمركم الدين، ووصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحلم وطولكم المعروف. إن كان الله كفلكم الوسع، اتقوا الله ما استطعتم. قال: فقال اعرابي فقال: من أشعر الناس أيها الأمير؟ قال: أفي إثر العظة؟ قل يا أبا الأسود قال: فقال: أبو الأسود الدؤلي: أشعر الناس يقول: الطويل فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع قال هذا لنابغة بني ذبيان. فكان الرجل يأتي مجلس عبد الله بن عباس وقد انتعل القوم، فيخلع نعليه، فيقول له الرجل لا يحبسك مكاني يا أبا العباس، فيقول: ما أنا بقائم حتى آحادثك وتحدثني فأسمع منك. قال محمد بن سلام: سعى ساع إلى ابن عباس برجل فقال: إن شئت نظرنا فينا قلت، فإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن كنت صادقاً مقتناك، وإن أحببت أقلناك. قال: هذه. قال ابو محمد بن قتيبية في حديث علي: إنه كتب إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ماأخذ: إني أشركتك في أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي. فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو قد حرب، قلبت لابن عمك ظهر المجن بفراقه مع المفارقين وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمة اختطاف

стр. 4317

الذئب الأزل دامية المعزى. وفي الكتاب: ضح رويداً، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي به ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة والظالم الرجعة. قوله: قد حرب: أي غضب، وقوله قلبت لابن عمك ظهر المجن: هو مثل يضرب لمن كان لصاحبه على مودة أو رعاية ثم حال عن ذلك، والمجن: الترس. وقوله: اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى: خص الدامية دون غيرها لأن في طبع الذئب محبة الدم، فهو يؤثر الدامية على غيرها. ويبلغ به طبعه في ذلك أنه يرى الذئب مثله وقد دمي فيثيب عليه ليأكله. نظر الحطيئة إلى ابن عباس في مجلس عمر وقد فرع بكلامه، فقال: من هذا الذي قد نزل عن القوم في سنه وعلاهم في قوله؟ قالوا: هذا ابن عباس، هذا ابن عم رسول الله ﷺ فأنشأ يقول: إني وجدت بيان المرء نافلة ... تهدى له ووجدت العي كالصمم المرء يبلى ويبقى الكلم سائره ... وقد يلام الفتى يوماً ولم يلم الكلم ها هنا جمع كلمة، وأصله الكلم بكسر اللام، فسكنه تخفيفاً لإقامة الوزن، كما قالوا: ملك في ملك. فأما الكلم الذي عين فعله ساكنة في أصل بنائه فإنه مصدر كلمه يكلمه كلماً بمعنى جرحه. وقوله: سائره يعني أنه يبقى سائر الكلام. يريد الحكم السائرة من الكلم. اختصم إلى عمر بن الخطاب حسان بن ثابت وخصم له، فسمع منهم، وقضى على حسان، فخرج وهو مهموم، فمر بابن عباس فأخبره بقصته، فقال له ابن عباس: لو كنت أنا الحكم بينكما لحكمت لك، فرجع حسان إلى عمر فأخبره فبعث عمر إلى ابن عباس فأتاه فسأله عما قال حسان، فصدقه، فسأله عن الحجة في ذلك فأخبره، فرجع عمر إلى قول ابن عباس، وحكم لحسان، فخرج وهو آخذ بيد ابن عباس وهو يقول: إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيت له في كل منزلة فضلا قضى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جداً ولا هزلا ورويت هذه الأبيات في ابن عباس في قصة أخرى. قال المدائني: تكلم رجل عند ابن عباس، فأكثر السقط في كلامه، فالتفت ابن عباس إلى عبد له

стр. 4318

فأعتقه، فقيل له لم أعتقت عبدك؟ قال: شكراً لله إذ لم يجعلني مثل هذا. ثم أنشد المدائني: عي الشريف يشين منصبه ... وترى الوضيع يزينه أدبه ولما جاء معاوية نعي الحسن بن علي استأذن ابن عباس على معاوية، وكان ابن عباس قد ذهب بصره، فكان يقول لقائده: إذا دخلت بي على معاوية فلا تقدني، فإن معاوية يشمت بي. فلما جلس ابن عباس قال معاوية: لأخبرنه بما هو أشد عليه من أن أشمت به. فلما دخل قال: يا أبا العباس، هلك الحسن بن علي، فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون. وعرف ابن عباس أنه شامت به، فقال: أما والله يا معاوية لا تسد حفرتك، ولا تخلد بعده، ولقد أصبنا بأعظم منه، فخرنا الله بعده، ثمقام. فقال معاوية: لا والله، ما كلمت أحداً قط أعد جواباً ولا أعقل من ابن عباس. وعن ربعي بن حراش قال: استأذن عبد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان، وقد تحلقت عنده بطون قريش، وسعيد بن العاص جالس عن يمينه. فلما نظر إليه معاوية مقبلاً قال لسعيد: والله لألقين على ابن عباس مسائل يعيا بجوابها فقال سعيد: ليس مثل ابن عباس يعيا بمسائلك. فلما جلس قال له معاوية: ما تقول في أبي بكر الصديق قال: رحم الله أبا بكر، كان والله للقرآن تالياً، وللشر قالياً، وعن المثل نائياً، وعن الفحشاء ساهياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، ومن المهلكات جانفاً، يخاف فلتة الدهر، وإحياء بالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دنياه سالماً، وعلى عدل البرية عازماً، وبالمعروف آمراً، وإليه صائراً، وفي الأحوال شاكراً، والله بالغدو والآصال ذاكراً، ولنفسه في المصالح قاهراً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وزهداً وعفافاً، وسراً وحياطة، فأعقب الله من ثلبه اللعائن إلى يوم التغابن. قال معاوية: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ فقال رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحل الإيمان، وملاذ الضعفاء، ومعقل الحنفاء، للخلق

стр. 4319

حصناً، وللناس عوناً قال بحق الله صابراً محتسباً حتى أظهر الدين وفتح الديار وذكر الله في الإفطار والمنار، وعلى التلال وفي الضواحي والبقاع. عبد الجبار في الرخاء والشدة شكوراً، له وفي كل وقت وآن ذكوراً، فأعقب الله من يبغضه اللعنة إلى يوم الحسرة. قال معاوية: فما تقول في عثمان؟ قال: رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة، وأفضل البررة، وأصبر القراء، هجاد بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر الدار دائب الفكر فيما يعنيه بالليل والنهار، نهاضاً إلى كل مكرمة، سعاء إلى كل منقبة، فراراً من كل موبقة، صاحب جيش العسرة، وصاحب البئر، وختن المصطفى ﵇ على ابنتيه، فأعقب الله من ثلبه الندامى إلى يوم القيامة. قال معاوية: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: رحم الله أبا الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجا، وطود الندى، ونور السفر في ظلم الدجى، وداعياً إلى المحجة العظمى، وعالماً بما في الصحف الأولى، وقائماً بالتأويل والذكرى متعلقاً بأسباب الهدى، وتاركاً للجور والأذى وحائداً عن طرقات الردى، وخير من آمن واتقى، وسيد من تقمص وارتدى، وأفضل من حج وسعى، وأسمح من عدل وسوى، وأخطب أهل الدنيا سوى الأنبياء والمصطفى، وصاحب القبلتين وزوج خير النساء، وأبو السبطين، لم تر عين مثله، ولا ترى أبداً حتى القيام واللقاء. فعلى من لعنه لعنة الله والعباد إلى يوم القيامة. قال معاوية: فما تقول في طلحة والزبير؟ قال: رحمة الله عليهما، كانا والله عفيفين، مسلمين، برين، طاهرين، مطهرين، شهيدين، عالمين بالله، لهما النصرة القديمة والصحبة الكريمة، والأفعال الجميلة وفي حديث آخر: زلا زلة الله غافرها لهما. قال: ما تقول في العباس بن عبد المطلب؟ قال: رحم الله أبا الفضل، كان والله صنو أبي رسول الله ﷺ وقرة عين صفي الله، لهميم الأقوام، وسيد الأعمام، قد علا بصراً للأمور، ونظراً في العواقب. علم تلاشت الأحساب عند ذكر فضيلته، وتباعدت

стр. 4320

الأنساب عند فخر عشيرته، ولم لا يكون كذلك؟ وقد ساسه اكرم من ذهب وهب: عب المطلب أفخر من مشى من قريش وركب. قال معاوية: فلما سميت قريش قريشاً؟ قال: لدابة تكون في البحر هي أعظم دواب البحر خطراً، لا تظفر بشيء من دواب البحر إلا أكلته، فسميت قريش لأنها أعظم العرب فعالاً. فقال: هل تروي في ذلك شعراً؟ فأنشده قول الجمحي: وقريش هي التي تسكن البحر به ... اسميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تترك ل ... ذي الجناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلاً كشيشاً ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا يملأ الأرض خيله ورجال ... يحشرون المطي حشراً كميشاً فقال معاوية: صدقت يا بن عباس، أشهد أنك لسان أهل بيتك. فلما خرج ابن عباس من عنده قال معاوية لمن عنده: ما كلمته قط إلا وجدته مستعداً. وفي حديث آخر قال: فأمر له معاوية بأربعة آلاف درهم فقبضها ثم صرفها في بني عبد المطلب. فقالوا له: لا نقبل صدقة. قال: إنها ليست بصدقة. وإنما هي هدية لم يبق منها شيء، فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه يلومه وأن يقصر عن ذلك فكتب إليه يقول: بخيل يرى بالجود عاراً وإنما ... على المرء عار أن يضن ويبخلا إذا المرء أثرى ثم لم يرج نفعه ... صديق فلاقته المنية أولا أنشد المبرد لعبد الله بن العباس، كتب به إلى معاوية لن أبي سفيان: الطويل

стр. 4321

إني أغضيت عن غير بغضة ... لراع لأسباب المودة حافظ وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرى ... فآبى وتثنيني عليك الحفائظ وأنتظر العتبى وأغضي على القذى ... وألبس طوراً مره وأغالظ وأنتظر الإقبال بالود منكم ... وأصبر حتى أوجعتني المغايظ وجربت ما يسلي المحب عن الهوى ... وأقصرت والتجريب للمرء واعط لما خرج الحسين بن علي إلى الكوفة اجتمع ابنعباس وعبد الله وبن الزبير بمكة فضرب ابن عباس جنب ابن الزبير وتمثل: الرجز يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجود فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري خلا لك والله يا بن الزبير الحجاز. وسار الحسين إلى العراق، فقال ابن الزبير لابن عباس: والله ما ترون إلا أنكم أحق بهذا الأمر من سائر الناس، فقال له ابن عباس: إنما يرى من كان في شك، فأما نحن من ذلك فعلى يقين، ولكن أخبرني عن نفسك لم زعمت أنك أحق بهذا الأمر من سائر العرب، قال ابن الزبير: لشرفي عليهم قديماً لا تنكرونه قال: فأيما أشرف، أنت أم من شرفت به؟ قال: إن الذي شرفت به زادني شرفاً. قال: وعلت أصواتهما، فقال ابن أخ لعبد الله بن الزبير: يا بن عباس، دعنا من قولك، فوالله لا تحبونا يا بني هاشم أبداً. قال: فخفقه عبد الله بن الزبير بالنعل وما استحق الضرب؟! وإنما يستحق الضرب من مرق ومذق. قال: يا بن عباس، أما تريد أن تعفو عن كلمة واحدة قال: إنما نعفو عمن أقر، فأما من هر فلا. قال: فقال ابن الزبير: فأين الفضل؟ قال ابن عباس: عندنا - أهل البيت - لا نضعه في غير موضعه فندم، ولا نزويه عن أهله

стр. 4322

فنظلم. قال: أولست منهم؟ قال: بلى إن نبذت الحسد، ولزمت الجدد. قال: واعترض بينهما رجال من قريش فأسكتوهما. وعن ابن عباس قال: لو أن العلماء أخذوا العلم بحقه لأحبهم الله والملائكة والصالحون من عباده، ولهابهم الناس، لفضل العلم وشرفه. قال جندب لابن عباس: أوصني بوصية، قال: أوصيك بتوحيد الله، ولا عمل له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فإن كل خير أنت آتيه بعد هذه الخصال منك مقبول وإلى الله مرفوع. يا جندب، إنك لن تزداد من يومك إلا قرباً، فصل صلاة مودع، وأصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، وابك على ذنبك، وتب من خطيئتك، ولتكن الدنيا أهون عليك من شسع نعليك، وكأن قد فارقتها، وصرت إلى عدل الله، ولن تنتفع بما خلفت، ولن ينفعك إلا عملك. قال ابن بريدة: رأيت ابن عباس آخذاً بلسانه وهو يقول: ويحك، قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم. قال: فقيل له: يا بن عباس، لم تقول هذا؟! قال: إنه بلغني أن الإنسان أراه قال: ليس على شيء من جسده حنقاً أو غيظاً يوم القيامة لعله قال: منه على لسان إلا قال به خيراً أو أملى به خيراً. قال وبرة المسلمين: أوصى ابن عباس بكلمات، لهن أحسن من الدهم الموقوفة فقال لي: لا تكلمن فيما لا يعنيك فإنه فضل، ولا آمن عليك فيه الوزر، ولا تكلمن فيما يعنيك حتى ترى له موضعاً، فرب متكلم قد تكلم بالحق في غير موضعه فعنت، ولا تمارين سفيهاً ولا حليماً، فإن الحليم يقيلك، والسفيه يريدك، ولا تذكرن أخاك إذا توارى عنك إلا بمثل الذي تحب أن يذكرك به إذا أنت تواريت عنه، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجزي

стр. 4323

بالإحسان، مأخوذ بالإجرام. قال: فقال رجل عنده: يا أبا عباس، هذه خير من عشرة آلاف. قال: فقال ابن عباس: كلمة واحدة منها خير من عشرة آلاف. قال ابن عباس: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله، وتصغيره عنده، وستره، فإنه إذا عجله هيأه وإذا صغره عظمه، وإذا ستره فخمه. قال ابن عباس: أكرم الناس علي جليسي، إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني. قيل لابن عباس: من أكرم الناس عليك؟ قال: جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلي، لو استطعت ألا يقع الذباب على وجهه لفعلت. وعن ابن عباس كان يقول: ثلاثة لا أكافئهم: رجل ضاق مجلسي فأوسع لي، ورجل كنت ظمآن فسقاني، ورجل اغبرت قدماه في الاختلاف على بابي، ورابع لا أقدر على مكافأته، ولا يكافئه عني إلا الله : رجل حز به أمر فبات ليلته ساهراً. فلما أصبح لم يجد لحاجته معتمداً غيري. قال: وكان يقول: إني لأستحي من الرجل يطأ بساطي ثلاث مرات ثم لا يرى عليه أثر من أثري. قال ابن عباس: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا أنزلته أحد ثلاثة منازل: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به. وهذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فأرض الله واسعة. ولما أصيبت عين ابن عباس نحل جسمه. فلما ذهبت الأخرى عاد لحمه، فقيل له في ذلك، فقال: أصابني ما رأيتم في الأولة شفقة على الأخرى، فلما ذهبتا اطمأن قلبي. قال عكرمة: لما وقع الماء في عين ابن عباس قيل له: تنزع الماء من عينيك، على أنك لا تصلي سبعة

стр. 4324

أيام، فقال: لا إنه منترك الصلاة سبعة أيام وهو يقدر عليها لقي الله وهو غضبان عليه. وعن ابن عباس أنه قال حين أصيب بصره: ما آسى على شيء من الدنيا إلا لو أني كنت مشيت إلى بيت الله ، فإني سمعت الله يقول: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ". وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحراً ينشق له من الأمر الأمور. وكان رسول الله ﷺ قال: " اللهم، ألهمه الحكمة، وعلمه التأويل ".فلما عمي أتاه ناس من أهل الطائف، ومعهم علم من علمه أو كتب من كتبه، فجعلوا يستقرؤونه، وجعل يقدم ويؤخر. فلما رأى ذلك قال: إني تلهت من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، أو كتب من كتبي فليقرأ علي، فإن إقراري له به كقراءتي عليه. قال: فقرؤوا عليه، زاد في حديث آخر: ولا يكن في أنفسكم من ذلك شيء. تله الرجل إذا تحير. والأصل وله. والعرب قد تقلب الواو تاء، يقولون: تجاه، والأصل: وجاه. ولما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان ارتحل عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية بأولادهما ونسائهما حتى نزلوا مكة، فبعث عبد الله بن الزبير إليهما يبايعان فيأبيا، وقالا: أنت وشأنك، لا نعرض لك ولا لغيرك، فأبى، وألح عليهما إلحاحاً شديداً. وقال فيما يقول: والله لتبايعن أو لأحرقنكم بالنار، فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة إلى شيعتهم بالكوفة وقالا: إنا لا نأمن من هذا الرجل، فمشوا في الناس، فانتدب أربعة آلاف، فحملوا السلاح حتى دخلوا مكة، فكبروا تكبيرة سمعها أهل مكة، وابن الزبير في المسجد، فانطلق هارباً حتى دخل دار الندوة ويقال: تعلق بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ الله. قال: ثم ملنا إلى ابن عباس وابن الحنيفة وأصحابهما، وهم في

стр. 4325

دور قريب من المسجد قد جمع الحطب، فأحاط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر، لو أن ناراً تقع فيه مارئي منهم أحد حتى تقوم الساعة، فأخرناه عن الأبواب، وقلنا لابن عباس: ذرنا نرح الناس منه، فقال: لا، هذا بلد حرام حرمه الله، ما أحله لأحد إلا للنبي ﷺ ساعة، فامنعونا وأجيرونا. قال: فتحملوا، وإن منادياً ينادي في الجبل: ما غنمت سرية بعد نبيها ما غنمت هذه السرية، إن السرايا تغنم الذهب والفضة، وإنما غنمتم دماءنا فخرجوا بهم حتى أنزلوهم منى، فأقاموا ما شاء الله، ثم خرجوا بهم إلى الطائف، فمرض عبد الله بن عباس. قال: فبينا نحن عنده إذ قال في مرضه: إني أموت في خير عصابة على وجه الأرض أحبهم إلى الله وأكرمهم عليه، وأقربهم إلى الله زلفى، فإن كت فيكم فأنتم هم، فما لبث إلا ثمان ليال بعد هذا القول حتى توفي، ﵀. فصلى عليه محمد بن الحنيفة، وولينا حمله ودفنه. قال منذرالثوري: سمعت محمد بن علي بن أبي طالب يقول يوم مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذ الأمة. وفي رواية عن كلثوم: اليوم مات رباني العلم. وعن بجير بن أبي عبيد قال: مات ابن عباس بالطائف. فلما خرجوا بنعشه جاء طير عظيم أبيض من قبل وج زاد في رواية: يقال له الغرنوق حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، زاد في رواية: قال: فكانوا يرون أنه علمه. قال ميمون بن مهران: شهدت جنازة عبد الله بن عباس بالطائف. فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى دخل في أكفانه، فالتمس فلم يوجد. فلما سوي عليه سمعنا صوتاً، نسمع صوته ولا

стр. 4326

نرى شخصه " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ". قال هشام بن محمد بن السائب: صلى محمد بن علي على عبد الله بن عباس، وكبر عليه أربعاً، وضرب على قبره فسطاطاً. قال ابن بكير: توفي عبد الله بن عباس سنة خمس وستين. ويقال: ثمان وستين. وصلى عليه محمد بن الحنفية، وأدخله من قبل القبلة، وقيل: توفي سنة سبع وثمانين. وتوفي ابن الحنفية بعده. وكان ابن عباس يصفر لحيته، وتوفي وسنه اثنتان وسبعون سنة، وقيل: إحدى وسبعون سنة، وقيل: أربع وسبعون سنة. والصحيح قول من قال: إنه توفي سنة ثمان وستين. والله أعلم. ولما دفن قال محمد بن الحنفية: مات والله اليوم حبر الأمة. قال الزبير: ويقال: قالت أم الفضل وهي ترقص عبد الله بن عباس: ثكلت نفسي وثكلت بكري ... إن لم يسد فهراً وغير فهر بحسب زاك وبذل الوفر عبد الله بن العباس بن الوليد ابن مزيد العذري البيروتي حدث عن أبيه بسنده إلى حميد بن عبد الرحمن قال: استوى معاوية على المنبر فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت

стр. 4327

رسول الله ﷺ يقول: " هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله علينا صيامه، وأنا صائمه، فمن شاء صامه، ومن شاء أفطره ". عبد الله بن عبد الله بن الحارث ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو يحيى الهاشمي النوفلي. حدث عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. أنه اجتمع ربيعة بن الحارث وعباس بن عبد المطلب فقالا: والله، لو بعثنا هذين الغلامين قال: لي وللفضل بن عباس إلى رسول الله ﷺ فأمرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيب الناس من المنفعة. قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب، فقال: ماذا تريدان؟ فأخبراه بالذي أرادا فقال: لا تفعلا، فوالله ما هو بفاعل، فقالا: لم تصنع هذا؟ فما هذا منك إلا نفاسة علينا، فوالله لقد صبحت رسول الله ﷺ ونلت صهره فما نفسنا ذلك عليك، فقال: أنا أبو حسن، أرسلوهما، ثم اضطجع. فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى مر بنا، فأخذ بآذاننا، ثم قال: اخرجا ما تصرران، ودخل، فدخلنا معه، وهو حينئذ في بيت زينب بنت جحش. قال: فكلمناه، فقلت: يا رسول الله، جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس. قال: فسكت رسول الله ﷺ ورفع رأسه إلى سقف البيت حتى أردنا أن نكلمه. قال: فأشارت إلينا زينب من وراء حجابها كأنها تنهانا عن كلامه، فأقبل فقال: ألا إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادع لي محمية بن الجزء وكان على العشور وأبا سفيان بن الحارث. قال: فأتياه، فقال لمحمية بن جزء: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل فأنكحه، وقال لأبي سفيان: أنكح هذا الغلام ابنتك فأنكحني، ثم قال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس.

стр. 4328

وحدث عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: سألت لأجد أحداً يخبرني أن رسول الله ﷺ سبح في سفر. فلم أجد أحداً يخبرني بذلك، حتى أخبرتني أم هانئ بنت أبي طالب أنه قدم عام الفتح فأمر بستر فستر عليه، فاغتسل ثم سبح ثمان ركعات. وحدث عبد الله بن عبد الله أن أباه عبد الله بن الحارث بن نوفل كان يسبح سبحة الضحى. قال: فسألت وحرصت أن أجد أحداً من أصحاب النبي ﷺ يحدثني: هل سبح النبي ﷺ تسبيحة الضحى، فلم أجد أحداً من الناس يخبرني أن النبي ﷺ سبحها غير أم هانئ بنت أبي طالب، أخبرتني أن النبي جاء يوم الفتح، مكة، بعدما ارتفعت الشمس فأمر بثوب فستر عليه، ثم اغتسل، ثم قام يصلي، فركع ثمان ركعات. قال: فلا أدري: أقيامه فيهن أطول أم ركوعه، ولا أدري: أركوعه فيهن أطول أم سجوده. وكان ذلك فيهن متقارباً. قال: فلم أر رسول الله ﷺ سبح سبحة الضحى قبل ولا بعد غير تلك المرة. وأم عبد الله بن عبد الله خالدة بنت معتب بن أبي لهب بن عبد المطلب. وحدث عبد الله بن عبد الله عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا سمع المؤذن قال: مثل ما يقول. توفي عبد الله بن عبد الله بن الحارث سنة تسع وتسعين، قتلته السموم، ودفن بالأبواء وهو مع سليمان بن عبد الملك، وصلى عليه، وكان قد حج معه، فمات بالأبواء. عبد الله بن عبد الله أبي دجانة ابن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري حدث عن عمه أبي زرعة بسنده إلى فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، فمن اجتنى أرضاً مواتاً فهي له ".

стр. 4329

عبد الله بن أبي عبد الله أبو عون الأنصاري الأعور حدث عن أبي إدريس الخولاني قال: سمعت معاوية وهو يخطب بالناس قال: وكان قليل الحديث عن رسول الله ﷺ قال: فسمعته يقول: سمعت رسول الله قال: " كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافراً، والرجل يقتل المؤمن متعمداً ". عبد الله بن عبيد الله بن عاصم ابن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي المديني قدم على عمر بن عبد العزيز للخؤولة، لأن أم عمر أم عاصم بنت عاصم بن عمر. روى عن عمر بن عبد العزيز خطبة له قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز حين استخلف. قال: وجاءه الناس من كل مكان. قال: فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد. أيها الناس، فالحقوا ببلادكم، فإني أنساكم ها هنا، وأذكركم في بلادكم فلا إذن له علي ألا ولا أرينه. وأيم الله، إني كنت منعت نفسي وأهل بيتي هذا المال، ثم ضننت به عليكم، إني إذاً لضنين، والله لولا أن أنعش سنة، وأسير بحق، ما أحببت أن أعيش فواقاً. قال عبيد الله: فلم يخطب بعدها.

стр. 4330

عبد الله بن عبد الأعلى بن أبي عمرة أبو عبد الملك الشيباني مولاهم أخو عبد الصمد بن عبد الأعلى. قال أبو هفان: كان عبد الله شاعراً، وكان أبوه عبد الأعلى شاعراً، وكان عبد الله متهماً في دينه، ويقال: إن سليمان بن عبد الملك ضمه إلى ابنه أيوب فزندقه، فدس له سليمان سماً، فقتله وعبد الله كثير الأمثال في شعره، أنفذ أكثر قوله في الزهد والمواعظ، وهو القائل: من الطويل: صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد ولما مات هشام بن عبد الملك اجتمع وجوه الناس وأشرافهم، وفيهم ابن عبد الأعلى الشاعر. فلما علا على مغتسله رمى ابن عبد الأعلى بطرفه نحو الباب الذي يغتسل فيه، ثم أنشأ يقول: الطويل: وما سالم عما قليل بسالم ... ولو كثرت أحراسه وكتائبه ومن يك ذا باب شديد وحاجب ... فعما قليل يهجر الباب حاجبه ويصبح بعد العز يفيضه أهله ... رهينة لحد لم تسو جوانبه فما كان إلا الدفن حتى تفرقت ... إلى غيره أجناده ومواكبه وأصبح مسروراً به كل كاشح ... وأسلمه أحبابه وأقاربه فنسك فاكسبها السعادة والتقى ... فكل امرئ رهن بما هو كاسبه قال عبد الملك بن مروان لبنيه في مرض موته: كونوا كما قال عبد الله بن عبد الأعلى: من الكامل ألقوا الضغائن والتخاذل بينكم ... عند المغيب وفي الحضور الشهد

стр. 4331

بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مد في عمري وإن لم يمدد فلمثل ريب الدهر ألف بينكم ... بتواصل وترحم وتودد والقوا الضغائن والتخاذل عنكم ... بتكرم وتوسع وتعهد حتى تلين قلوبكم وجلودكم ... لمسود منكم وغير مسود وتكون أيديكم معاً في أمركم ... ليس اليدان لذي التعاون كاليد إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيد عزت فلم تكسر وإن هي بددت ... فالكسر والتوهين للمتبد ثم طفئ من ساعته. عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة أبو عبد الرحمن الخولاني قاضي مصر وابن قاضيها. وفد على عمر بن عبد العزيز في قضاء مصر من قبل قرة بن شريك أمير مصر من قبل الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين. حدث عن أبيه عن ابي هريرة أن رسول الله ﷺ أوصى سلمان الخير فقال له: يا سليمان، إن رسول الله ﷺ يريد أن يمنحك كلمات تسألهن الرحمن وترغب إليه فيهن، وتدعو بهن في الليل والنهار. قل: اللهم إني أسألك صحة في إيمان، وإيماناً في حسن خلق، ونجاحاً يتبعه فلاح، ورحمة منك وعافية، ومغفرة منك ورضواناً. قال إبراهيم بن نشيط: رأيت عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، وكانت تحته امرأة من وعلان هي مولاة ابن نشيط، وقد تغدى فقال: أتتغدى؟ قال: قلت نعم، قال: أعيدي عليه الغداء يا جارية، فأتت بعدس على طبق خوص وكعك وماء، فقال: ابلل وكل. فلم تتركنا الحقوق نشبع من الخبز.

стр. 4332

قال ابن نشيط: وأتاه رجل يذكر له حاجة، فقال: تعود، فسأل عنه، فإذا هو صادق، فأعطاه ثمانية عشر ديناراً، فأتاه في مجلس القضاء يثني عليه، فقال: أخروه عني. عبد الله بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن سليمان بن خيثمة بن سليمان بن حيدرة أبو بكر القرشي الأطرابلسي. حدث عن أبي بكر محمد بن العباس بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر ". وروي هذا الحديث بزيادة: " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ". وحدث أبو بكر أيضاً عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن محمد البرمكي بسنده عن أنس عن النبي ﷺ قال: " من كذب علي حسبته قال: متعمداً فليتبوأ بيته من النار ". عبد الله بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي العجائز سعيد بن خالد بن حميد بن صهيب بن كليب بن البخيت بن علقمة بن الصبر الأزدي، أزد شنوءة أبو محمد القاضي. ولي القضاء بدمشق نيابة. حدث عن أبي محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تتقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صياماً فليصمه ".

стр. 4333

ولد القاضي أبو محمد بن أبي العجائز في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة. وبخيت: أوله ياء مضمومة، وبعدها خاء معجمة مفتوحة، وآخره تاء معجمة باثنتين من فوقها. وتوفي القاضي أبو محمد بن أبي العجائز في رجب سنة اثنتين وستين وأربع مئة. عبد الله بن عبد الرحمن بن عتبة ابن إياس ويقال ابن أبي إياس بن عبد أسد بن جحدم بن عمرو بن عابس بن ظرب بن الحارث بن فهر، القرشي الفهري. ولي إمرة دمشق من قبل يزيد بن عبد الملك، ولي لعمر بن عبد العزيز صدقات بني تغلب. حدث ابن جحدم: أن عمر بن عبد العزيز بعثه على صدقات بني تغلب، فكان عهده إليه أن يقبضها ثم يردها في فقرائهم. قال: فكنت آتي الحي فأدعوهم بأموالهم، فأقبض ما كان فيها، ثم أدعو فقراءهم فأقسمها عليهم حتى إنه ليصيب المسكين الفريضتين والثلاث، فما أفارق الحي وفيه فقير. ثم آتي الحي الآخر، فأصبح به كذلك، فلم أنصرف إليه بدرهم. قال عبد الله بن أبي عبد الله: قحطت السماء في زمان يزيد بن عبد الملك، وعلى دمشق عبد الله بن عبد الرحمن الفهري، فخرج بنا إلى مضمار دمشق يستسقي، فجلس على درجة دون المجلس من المنبر، فدعا الله، وعظمه، ومجده طويلاً، ثم قال: اللهم أي رب، إنا لم نكن لنجيء بأجمعنا إلى أحد دونك وكل شيء هو دونك في أمر لا ينقصه شيئاً، وهو بنا رافق إلا أعطاناه، اللهم، ولك المثل الأعلىن جئناك الغداة نطلب في أمر لا ينقصك شيئاً وهو بنا رافق، فأعطنا برحمتك، يا أرحم الراحمين. فلم نبرح حتى مطرنا.

стр. 4334

عبد الله بن عبد الرحمن بن عضاه بن الكركير الأشعري شهد صفين مع معاوية، وبعثه يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير يدعوه لبيعته، ومعه جامعة من فضة، وبرنس خز، فقدم على ابن الزبير وهو جالس بالأبطح، ومعه أيوب بن عبد الله بن زهير بن أبي أمية المخزومي، وعلى مكة يومئذ الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة، فكلمه ابن عضاه وابن الزبير ينكت في الأرض، فقال له أيوب: يا أبا بكر، لا أراك غرضاً للقوم، فرفع ابن الزبير رأسه فقال: أقلت: حلف ألا يقبل بيعتي حتى يؤتى بي في جامعة؟ لا أبر الله قسمه، وتمثل ابن الزبير: البسيط ولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر ثم قال: والله، لا أبايع يزيد، ولا أدخل له في طاعة. قال خالد سبلان: كنت فيمن ضهد صفين: فبينا نحن هناك إذ جاء الخبر إلى معاوية أنه قد بايع رجلاً من همدان اثنا عشر ألفاً من همدان بيعة الموت ليغتدن شاهرين سيوفهم فلا ينثنون دون أن يقتلوا معاوية، أو ينهزم الناس، أو يموتوا من آخرهم، فأعظهم ذلك معاوية، وأقبل على عمرو بن العاص فقال: اثنا عشر ألفاً كلهم قد بايع بيعة الموت، من يطيق هؤلاء؟ فقال له عمرو: اضربهم بمثلهم من فوقهم، فأرسل إلى عضاه أو قال: ابن عضاه فأخبره عن الهمداني وأصحابه وقال: ما عندك؟ قال: ألقاهم بمثل عدتهم من همدان. قال: فخرج إليه قبائل همدان، فخطبهم متوكئاً على قوسه، فذكر عثمان، وما انتهك من حرمته، وركب به يعني: قتلوا حتى نسخوا ثم ذكر الذين قتلوه، وأنه لحق على كل مسلم أن يطلب دم عثمان، والقود من قتله، ونحواً من هذا الكلام، وإن الهمداني قد بايعه منكم، فأخبرهم بما صنعوا، فما عندكم؟ قالوا: عندنا أن نلقاهم بيعة الموت. قال: بيعة الموت؟ قالوا: بيعة الموت. فأعادها، ثم استدار على قوسه، ووثبوا وثبة رجل فاستداروا مرات،

стр. 4335

واعتنق بعضهم بعضاً، وبكى بعضهم إلى بعض، فغدا الهمداني في أصحابه فاقتتلوا فيما بين أول النهار إلى صلاة العصر، ما ينهزم هؤلاء ولا هؤلاء، فأرسل علي إلى معاوية يناشده الله في البقية إلى كف أصحابه، ويكف أصحابه. فلم يزل معاوية يكف أصحابه ويزعهم، وعلي مثل ذلك حتى حجزوا بينهم. /

стр. 4336

عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ابن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب أبو سلمة، وهو عبد الله الأصغر قيل: اسمه عبد الله، وقيل: اسمه إسماعيل، وقيل: اسمه وكنيته واحد. كان ثقة فقيهاً كثير الحديث، وأمه تماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب بن هُبَل من كاب قضاعة، استقضاه سعيد بن العاص لما ولي المدينة لمعاوية، فلم يزل قاضياً حتى عزل سعيد بن العاص. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قلت لعائشة: إنما فاقنا عروة بدخوله عليك كلما أراد، قال: وأنت إذا أردت فاجلس من وراء حجاب، فتسألني عما أحببت: فإنا لم نجد أحداً بعد النبي ﷺ أوصل لنا من أبيك، وقال رسول الله ﷺ : " لا يحني عليكن إلا الصادق البار " وهو عبد الرحمن بن عوف. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: تذاكرنا ليلة القدر في نفرٍ من قريش، فأتيت أبا سعيد الخدري، وكان صديقاً لي، فقلت: اخرج بنا إلى النخل، فخرج وعليه خميصة له.

стр. 4337

وقال أبو سلمة: لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علماً جماً. وكان أبو سلمة يسأل ابن عوف، فيخزن عليه، وكان عبيد الله بن عبد الله يلطفه، فكان يغره غراً. قال محمد بن أبي يعقوب: قدم علينا أبو سلمة بن عبد الرحمن في إمارة بشر بن مروان، وكان رجلاً صبيحاً، كأن وجهه دينار هرقلي. عن سعد بن إبراهيم: أنه رأى أبا سلمة يصبغ بالسواد، وقال مرة: يصبغ بالوسمة. قال أبو إسحاق: أبو سلمة في زمانه خير من ابن عمر في زمانه. قال الزهري: أدركت بحوراً أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وأبا سلمة ابن عبد الرحمن، وكان أبو سلمة يماري ابن عباس فحرم بذلك علماً كثيراً. وقال: قدمت مصر على عبد العزيز بن مروان، وأنا أحدث عن سعيد بن المسيب، قال: فقال لي إبراهيم بن عبد الله بن قارظ: ما أراك تحدث إلا عن ابن المسيب، فقلت: أجل، فقال: لقد تركت رجلين من قومك لا أعلم أكثر حديثاً منهما: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وعن سليمان بن عبد الرحمن بن خباب قال: أدركت رجالاً من المهاجرين، ورجالاً من الأنصار من التابعين يقتنون بالليل،

стр. 4338

فأما المهاجرون: فسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والقاسم، وسالم، وذكر الأنصار. وقال يحيى بن سعيد القطان: فقهاء أهل المدينة عشرة: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقبيصة بن ذؤيب، وأبان بن عثمان، وسقط من الكتاب العاشر. قال هشام بن محمد بن السائب: ولي أبو سلمة شرط سعيد بن العاص بالمدينة. قال إسماعيل بن أبي خالد: مشى أبو سلمة بن عبد الرحمن يوماً بيني وبين الشعبي، فقال له الشعبي: من أعلم أهل المدينة؟ قال: رجل يمشي بينكما. قال الشعبي: فسألته عن أربع مسائل، فأخطأ فيهن كلهن. وكان أبو سلمة ينازع ابن عباس في المسائل ويماريه، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: إنما مثلك، يا أبا سلمة، مثل الفروج سمع الديكة تصيح، فصاح معها؛ يعني: إنك لم تبلغ مبلغ ابن عباس وأنت تماريه. قال سعيد الجريري عن أبي بصرة: لما قدم أبو سلمة البصرة أتيته أنا والحسن، فقال للحسن: أنت الحسن؟ ما كان بالبصرة أحد أحب إلي لقاءً منك، وذلك أنه بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله ﷺ ، أو كتاب منزل. قال محمد بن إسحاق: رأيت أبا سلمة بن عبد الرحمن يأخذ بيد الصبي من الكتاب، فيذهب به إلى البيت، فيملي عليه الحديث ويكتب له.

стр. 4339

عن أبي الأسود قال: كان أبو سلمة مع قومٍ، فرأوا قطيعاً من غنم، فقال: اللهم إن كان في سابق علمك أن أكون خليفة فاسقنا من لبنها، فانتهى إليها، فإذا هي تيوس كلها. وعن يونس بن أبي سالم: أن أبا سلمة بن عبد الرحمن اشترى قطاً بالعرج، وهو محرم، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب، فأرسل إليه وقال: لأنت صغيراً أفقه منك كبيراً. مات أبو سلمة بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. وروي من طرقٍ أنه مات سنة مائة، وقيل: سنة أربع ومائة. عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام أبو محمد الدارمي السمرقندي الحافظ المشهور. رحل، وطوف. روى عن مروان بن محمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: " ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". رواه مسلم عن الدارمي.

стр. 4340

وروى عن مروان بن محمد بسنده عن ابن عباس قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طعمة للمساكين، وطهرة للصائم من اللغو والرفث، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاةً مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود عن الدارمي. وروى عن يحيى بن حسان بسنده عن عائشة، عن النبي ﷺ : " نِعم الإدام الخل ". رواه مسلم وأبو عيسى عن الدارمي. قال محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي: عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي الحافظ السمرقندي، كنيته أبو محمد، وكان على غايةٍ من العقل والديانة، من يضرب به المثل في الحلم والدراية والحفظ والعبادة والزهادة، أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب، وكان مفسراً كاملاً، وفقيهاً عالماً. قال أبو حاتم: ثقة صدوق، إمام أهل زمانه. وقال الخطيب: كان أحد الرحالين في الحديث، والموصوفين بحفظه وجمعه والإتقان له مع الثقة والصدق والورع والزهد. واستقضي على سمرقند، فأبى، فألح عليه السلطان حتى تقلده، وقضى قضيةً واحدة ثم استعفى، فأعفي، وكان على غاية العقل، وفي نهاية الفضل يضرب به المثل في الديانة والحلم والرزانة والاجتهاد والعبادة والزهادة والتقلل، وصنف المسند والتفسير، والجامع.

стр. 4341

قال الدارمي: ولدت في سنة مات ابن المبارك، سنة إحدى وثمانين ومائة. قال أبو سعيد الجزري عمرو بن الحسن: كنت بمصر والشام ما رأيت أحداً من أهل العلم إلا وهو يعرف عبد الله بن عبد الرحمن. وسئل أحمد بن حنبل عن الحماني فقال: تركناه لقول عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي. قال محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي: يا أهل خراسان، ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره. قال إسحاق بن أحمد بن خلف: كنا عند محمد بن إسماعيل، فورد عليه كتاب فيه نعي عبد الرحمن، فنكس رأسه، ثم رفع واسترجع، وجعل تسيل دموعه على خديه، ثم أنشأ يقول: من الكامل إن تبق تفجع بالأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبا لك أفجع قال الخطيب: مات سنة خمسٍ وخمسين ومائتين، وهو ابن خمسٍ وسبعين سنةً. وقيل: مات سنة خمسين ومائتين، ووهم هذا القول الخطيب. عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد أبو محمد الأزدي الأردني. الشيخ الصالح. روى عن أحمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي بسنده عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : " من مشى إلى صاحب بدعةٍ ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام ".

стр. 4342

وروى عن أبي بكر محمد بن علي الموازيني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من يأخذ عني هؤلاء الكلمات، فيعمل بهن، أو يعلمهن من يعمل بهن؟ " قال: فقلت: أنا يا رسول الله، قال: فأخذ بيدي، وعقد فيها خمساً فقال: " اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وارضَ للناس ما ترض لنفسك تكن مسلماً، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، ولا تكثر الضحك، فإن الضحك يقسي القلب ". وروى عن الشريف أبي محمد جعفر بن القاسم بن جعفر الهاشمي قال: كتبت من مكة إلى أهلي من منىً: من الطويل أمعشر أحبابي سلام عليكم ... رحلنا وخلفنا القلوب لديكم وبعد فأنتم قيد من سار عنكم ... وذكركم زاد المشوق إليكم عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية ابن حديج بن جفنة بن قتيرة بن حارثة بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أسامة بن سعد ابن أشرس ابن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة الكندي ثم التُّجيبي المصري. ولي إمرة الإسكندرية في خلافة هشام بن عبد الملك، ووفد في وجوه أهل مصر على يزيد بن الوليد بن عبد الملك حين بويع، ثم ولي مصر لأبي جعفر المنصور في شهر ربيع الآخر اثنتين وخمسين ومائة، وهو أول من خطب بمصر في السواد، وخرج إلى المنصور في شهر رمضان سنة أربع وخمسين، ورجع في آخر سنة أربع، وتوفي وهو واليها يوم الأحد مستهل صفر سنة خمس وخمسين ومائة. قال ابن ماكولا: حُدَيج: بضم الحاء وفتح الدال.

стр. 4343

عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر ابن حزم بن زيد بن لوذان أبو طوالة الأنصاري المديني. وفد على عمر بن عبد العزيز فولاه القضاء بالمدينة، فلم يزل قاضياً بها حتى توفي عمر. سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". قال أبو طوالة: سمعت عمر بن عبد العزيز سأل عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية في السقط فقال: بلغني، ورفع إليه ديناً فوعده. قال محمد بن سعد: عبد الله بن عبد الرحمن، كان قاضياً بالمدينة لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والي عمر بن عبد العزيز على المدينة، فكان يقضي في المسجد. قال عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خِراش: كان صدوقاً، وكان مالك يرضاه. وقال الدارقطني: شامي ثقة. قال مالك: كان قاضياً في خلافة سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وكان يسرد الصوم، وكان يحدث حديثاً حسناً. قال أبو طوالة: ليت لنا مع إسلامنا أحلام آبائنا - وفي رواية: مثل أخلاق آبائنا مع إسلامنا.

стр. 4344

قال عبد الرحمن العمري الزاهد: جمع أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم بن معمر بن حزم الأنصاري ولده عند موته، فقال: يا بَنِيّ اتقوا الله، فإنكم إن اتقيتم الله فأنتم مني على الصدر والنحر، وإن لم تتقوا الله لم أبال ما صنع الله بكم. عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر أبو إسماعيل الأردني الداراني روى عن أبيه بسنده عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ أن قال: " بينما أنا نائم انطلق بي إلى جبلٍ وعرٍ، فقيل لي: اصعد، قال: قلت: لست أستطيع الصعود، قيل: أنا سنسهله لك، قال: فصعدت حتى إذا كنت في أسوأ الجبل إذا أنا بأصواتٍ، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قيل: هذه أصوات أهل جهنم، قال: ثم انطلق بي حتى مررت بقوم أشده انتفاخاً، وأسوأه منظراً، وأنتنه ريحاً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قيل: الكفار، ثم انطلق بي حتى مر بي على قومٍ أشد شيءٍ انتفاخاً، وأسوأ منظراً، وأنتنه ريحاً، ريحهم كريح المراحيض. قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني، ثم انطلق بي حتى مُرَّ بي على نسوةٍ معلقاتٍ بثديهن، تنهش ثديهن الحيات، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلق بي حتى مررت على قومٍ معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل إنجاز صومهم - قال أبو يحيى: سمعت أبا أمامة يقول: خابت اليهود والنصارى، فلا أدري شيء سمعه من رسول الله ﷺ أم قاله من قبل نفسه - ثم انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفرٍ يشربون من خمرٍ لهم، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا زيد، وجعفر، وابن رواحة، قال: ثم انطلق بي حتى أشرفت على غلمان يلعبون بين نهرين، قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: ذراري المؤمنين يحضُنُهم إبراهيم ﵇. قال: ثم انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفرٍ،

стр. 4345

قلت: من هؤلاء؟ قال: إبراهيم، وموسى، وعيسى، وهم ينتظرونك ". وروى عن عطاء الخراساني بسنده عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ ، بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجٍ، وأنزل فيه. فسرنا حتى فرغ رسول الله ﷺ من غزوته وقفل، ثم دنوا من المدينة، فآذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذن بالرحيل، فلمست صدري عقداً من جزع أظفَارٍ قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي. واحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكن إذ ذاك النساء خفافاً لم يمتلئن، وإنما نأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه ورحلوه، وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا البعير وساروا، ووجدت عِقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس به داعٍ، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني، فيرجعون إلي، فبينا أنا لبيثة في منزلة إذا غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فادلج، فأصبح في المنزل، فرأى سواد إنسان نائماً، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، وولى ما يكلمني بكلمةٍ، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، ووطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كِبْرَه منهم عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول.
следующие страницы →