Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
عبد الله بن عمر بن عبد العزيز
ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي ولي الكوفة ليزيد بن الوليد.
روى عن أبيه بسنده عن عثمان بن عفان: أن النبي ﷺ صعد حراء، فارتج بهم، فقال رسول الله ﷺ : " اسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق، أو شهيد " وعليه رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد بن زيد - وزاد في رواية أخرى: وعبد الرحمن بن عوف.
وروى عن أبيه عن جده قال: وحج معاوية بن أبي سفيان، فلما انتهى إلى المدينة - قال: وسعيد بن العاص، وعبد الله بن الزبير قاعدان، فلما انتهى إليهما قام سعيد بن العاص - قال: فقال معاوية: أخوك أفقه منك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سره إذا رأته الرجال مقبلاً أن تمثل له قياماً بنى الله له بيتاً في النار ".
وقال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم إني أعوذ بك من أن أبدل نعمةً لك كفراً، أو أنكرها بعد أن أعرفها، أو أنساها فلا أثني بها.
قال محمد بن سعد: فولد عمر بن عبد العزيز: عبد الله، وبكراً، وأم عمار؛ وأمهم لميس بنت علي بن الحارث بن عبد الله بن الحصين ذي الغصة بن يزيد بن شداد بن قنان الحارثي.
стр. 4517
عن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: قال لي أبي: ما نقش خاتمك؟ قال: قلت: لكل عملٍ ثواب، قال: إذاً يا بني فادأب لرب الأرباب.
وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: يا بني، ذكروني آية الأربعين، فإن كنت أذكرها زدتموني ذكراً، وإن كنت قد نسيتها ذكرتموني: " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنةً ".
وكان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ملازماً للمقابر، ومعه كتاب لا يفارقه، فقيل له في ذلك، فقال: ما شيء أوعظ من قبرٍ، ولا آنس من كتاب، ولا أسلم من الوحدة.
وكان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أكولاً؛ كان يأكل في اليوم تسع مراتٍ، وينتبه من السحر، فيدعو بالطعام، فيأكل أكل من لم يطعم طعاماً منذ أيام.
واستعمل على البصرة فحفر لهم نهر ابن عمر.
وولي العراق سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن أقل من أربعين سنة، ولما قتل ابن هبيرة عبيدة بن سوار الخارجي وأصحابه، وسار إلى واسط وثب من كان في المدينة فسدوا باب القصر على ابن عمر باللبن حتى أتاه ابن هبيرة فأرسل به إلى مروان فحبسه بحران مع إبراهيم بن محمد بن علي، ثم قتله غيلة، ويقال: بل مات في السجن من وباء وقع بحران.
عبد الله بن عمر بن عمرو
ابن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو عثمان، ويقال: أبو عمر الأموي الشاعر المعروف بالعرجي نسب إلى عرج الطائف لسكناه به، من الشعراء المجيدين، قدم الشام غازياً، واجتاز بدمشق.
стр. 4518
ذكر أبو بكر البلاذري: أن العرجي غزا مع مسلمة بن عبد الملك في البحر في خلافة سليمان بن عبد الملك، فقال: يا معشر التجار، من أراد من الغزاة المعدمين شيئاً فأعطوهم، فأعطوهم عليه عشرين ألف دينار، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز قال: بيت المال هو أولى بمال هؤلاء التجار من مال العرجي فقضى ذلك من بيت المال.
وأمه آمنة بنت عمر بن عثمان بن عفان.
روى أبو الفرج من طريقه: أن العرجي كان أزرق كوسجاً ناتئ الحنجرة، وكان صاحب غزل وفتوة، وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم.
وروى المرزباني في معجم الشعراء: أن العرجي سجن في تهمة دمٍ، فلم يزل في السجن حتى مات، وهو القائل في الحبس: من الوافر
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
وخلوني لمعترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها لنحري
كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عمرو
وقال في ذلك أيضاً: من البسيط
стр. 4519
يا ليت سلمى رأتنا لا يراع لنا ... لما هبطنا جميعاً أبطح السوق
وكشرنا، وكُبُول القين تنكبنا ... كالأسد تكشر عن أنيابها الروق
والناس صفان من ذي بغضةٍ حنقٍ ... وممسكٍ بدموع العين مخنوق
وفي السطوح كأمثال الدمى خرد ... يكتمن لوعة حبٍّ غير ممزوق
من كل ناشرةٍ فرعاً لرؤيتنا ... ومفرقٍ ذي نبات غير مفروق
يضربن حر وجوهٍ لا يلوحها ... لفح السموم، ولا شمس المشاريق
كأن أعناقهن التلع مشرفةً ... من الزهو كأعناق الأباريق
حج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وخرج معه بأشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير، ويعقوب بن مجاهد بن جبير القاضي، فبعث إليه العرجي وهو محبوس يسأله أن يتكلم فيه، ويعني به، فوعده ذلك، ثم نفر النفر الأول، ولم يكن منه فيما سأله العرجي شيء، فقال له العرجي: من الطويل
عذرت بني عمي إلى الضعف ما هم ... وخالي، فما بال ابن عمي تنكبا
تعجل في يومين عني بنفسه ... وآثر يعقوباً عليَّ وأشعبا
أنشد ابن أبي عتيق قول عبد الله بن عمر العرجي: من الطويل
يا ليلة الاثنين لست ببالغٍ ... جزاء الذي أوليتني آخر الدهر
стр. 4520
فما ليلة عندي وإن قيل جمعة ... ولا ليلة الأضحى، ولا ليلة الفطر
بعادلة الاثنين عندي وبالحرى ... يكون سواءً مثلها ليلة القدر
فما أنس مِ الأشياء لا أنس قولها ... لخادمها: قومي سلي لي عن الوتر
فقالت: يقول الناس في ست عشرةٍ ... فلا تعجلي عنه، فإنك في أجر
قال الزبير بن بكار: ولسكينة بنت مصعب بن الزبير، ولأم ولدٍ، ولعثيمة بنت بكير يقول عبد الله بن عمر العرجي: من الخفيف
إن عثمان والزبير أحلا ... بيتها باليفاع إذ ولداها
إنها بنت كل أبيض قرم ... نال في المجد من قُصَيٍّ ذراها
سكن الناس بالظواهر منها ... فتبوّا لنفسه بطحاها
فهي أترجة تحير ماءً ... مألف الظل بالعشي خباها
منهم الطيب النبي به الل ... هـ إلى كل باب خيرٍ هداها
من ترابٍ بين المقام إلى الرك ... ن براها الإله حين براها
وأنشد مصعب الزبيري للعرجي: من البسيط
خمس بعثن رسولاً في ملاطفةٍ ... ثقفاً إذا أسقط الهيّابة الوهم
إلي أن ائتنا وهناً إذا غفلت ... أحراسنا وافتضحنا إن هم علموا
стр. 4521
أقبلت أمشي على هول أُجشِّمه ... تجشم المرء هولاً في الهوى كرم
قالت كلابة من هذا فقلت لها ... هذا الذي أنت من أعدائه، زعموا
إني امرؤ لج بي فأجرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم
فأنعمي نعمة تجزي بأحسنها ... فربما مسّني من أهلك النعم
قالت رضيت ولكن جئت في قمر ... هلا تلبثت حتى تدخل الظلم
خلت عناني كما خليت ذا عذرٍ ... إذا رأته إناث الخيل ينتحم
عبد الله بن عمر بن يزيد بن الحكم
ويقال: ابن زيد بن الحكم أبو زرارة الحكمي قال: حضرت عمر بن عبد العزيز في عسكره حين كتب إلى الأجناد يمنع من طبخ الطلاء الذي قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فكلمه فيه أصحابه من أهل الشام وقالوا: أحله عمر ونهيت عنه؟ فقال: نهيت عن طبخه ليترك حرامه.
стр. 4522
عبد الله بن عمرو بن أويس الأكبر بن سعد بن أبي سرح
ابن الحارث بن حُبيّب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري كان رسول يزيد بن معاوية إلى ابن عمه الوليد بن عتبة أمير المدينة بموت أبيه، وأخذ البيعة له.
سمع عبد الملك بن مروان يقول لقبيصة بن ذؤيب: هل سمعت في الوداع بدعاء؟ فقال: لا، فقال عبد الملك: ولا أنا.
عبد الله بن عمرو بن الحارث
مولى بني عامر بن لؤي كان على بيت مال الوليد بن عبد الملك، وسليمان، وهشام، وكان أبوه على خاتم عبد الملك بن مروان بعد قبيصة.
روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أُتي بأسير أسره مسلمة بن عبد الملك، وأن أهله سألوه أن يفتدوه بمائة مثقال، فرده عمر إليهم، وفداه بمائة مثقال.
عبد الله بن عمرو بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي
قال الحافظ: أظنه عبد الله بن عمرو بن عبد الله بن صفوان.
سكن دمشق، وأقطعه العباسيون بها إذ دخلوا إقطاعاً لدلالته إياهم على بني أمية.
стр. 4523
عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم
ابن عيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، أبو محمد.
ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو نصير السهمي صاحب رسول الله ﷺ ، وكان من أكثر أصحابه عنه حديثاً، وقيل: كان اسمه العاص فسماه رسول الله ﷺ عبد الله.
عن عبد الله بن عمرو قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فنودي بالصلاة جامعة، فركع ركعتين بسجدة، ثم قام؛ فركع ركعتين بسجدة، ثم جلس حتى جُلِّي عن الشمس، فقالت عائشة: ما سجد سجوداً، ولا ركع ركوعاً قط أطول منه.
وعنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد، يصرفه حيث يشاء " ثم قال رسول الله ﷺ : " اللهم مُصرِّف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك ".
كتب معاوية بن أبي سفيان إلى مسلمة بن مخلد: أن سل عبد الله بن عمرو بن العاص أسمع رسول الله ﷺ يقول: " لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ويأخذ الضعيف حقه من القوي غير مضطر "؟ فإن أخبرك أنه سمع من رسول الله ﷺ فابعثه إلي على مركبة من البريد، فقدم على البريد، فقال: أنت
стр. 4524
سمعته من رسول الله ﷺ يقوله؟ قال: نعم، قال معاوية: وأنا سمعته منه كما سمعته.
قال الزبير بن بكار: كان عبد الله بن عمرو يصوم الدهر، ويقوم الليل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال له: " صم، وأفطر، وصل، ونم ".
أم عبد الله بن عمرو ريطة بنت مُنبِّه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم، أسلم قبل أبيه، وكان له من الولد: محمد وبه كان يكنى، وهشام، وهاشم، وعمران، وأم إياس، وأم عبد الله، وأم سعيد، وشهد الفتح بمصر، واختط بمصر، استأذن النبي ﷺ في الكتابة عنه في حال الغضب والرضى، فأذن له، وحفظ عن النبي ﷺ ألف مثل، وكان قد قرأ الكتب، وكان يرغب عن غثيان النساء، ولم يعل عمرو بن العاص ابنه في السن إلا بثنتي عشرة سنةً.
وكان عبد الله بن عمرو رجلاً سميناً طوالاً أحمر عظيم البطن.
عن عبد الله بن الحارث بن جزءٍ قال: توفي صاحب لنا غريب بالمدينة، وكنا على قبره، فقال النبي ﷺ : " ما اسمك؟ " فقلت: العاص، وقال لعبد الله بن عمر: " ما اسمك؟ " فقال: العاص، وقال لعبد الله بن عمرو: " ما اسمك؟ " فقال: العاص، فقال: " أنزلوه فاقبروه، فأنتم عبيد الله " قال: فقبرنا أخانا وخرجنا وقد بدلت أسماؤنا.
عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: " نِعْم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله ".
عن أبي أمامة قال: مر ابن العاص على رسول الله ﷺ ، وهو مسبل إزاره، ومسبل جُمَّته، فقال: "
стр. 4525
نِعْم الفتى ابن العاص لو شمر من مئزره، وقصر من لمته " قال: فحلق رأسه، وقصر، ورفع إزاره إلى الركبة.
عن عبد الله بن عمرو قال: دخل رسول الله ﷺ بيتي هذا، فقال: " يا عبد الله، ألم أخبرك أنك تكلفت قيام الليل، وصيام النهار؟ " قال: قلت: إني لأفعل، قال: فقال: " إن من حسبك - ولم يقل افعل - أن تصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيامٍ؛ الحسنة بعشر أمثالها، فكأنك قد صمت الدهر كله "، قال: قلت: يا رسول الله إني أجد قوة، وإني أحب أن تزيدني، قال: " فخمسة أيامٍ " قال: قلت: إني أجد قوة، فإني أحب أن تزيدني، قال: سبعة أيام " قال: فجعل يستزيده ويزيده يومين يومين حتى بلغ النصف، فقال: " إن أخي داود كان أعبد البشر، وإنه كان يقوم نصف الليل، ويصوم نصف الدهر؛ إن لأهلك عليك حقاً، وإن لعبدك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً " فكان عبد الله بعدما كبر وأدركه السن يقول: ألا كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحب إلي من أهلي ومالي.
وقال: قال رسول الله ﷺ : " اقرأ القرآن في شهرٍ " فقلت: إني أقوى، فقال: " اقرأه في خمسٍ وعشرين " قلت: إني أقوى، قال: " اقرأه في عشرين " قلت: إني أقوى: قال: " اقرأه في خمس عشرة " قلت: إني أقوى، قال: " اقرأه في عشر " قلت: إني أقوى، قال: " اقرأه في خمسٍ " قلت: إني أقوى، قال: " لا ".
عن عبد الله: أنه رأى في المنام كأن في إحدى يديه عسلاً، وفي الأخرى سمناً، فإنه يلعقهما، فأصبح فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " تقرأ الكتابين التوراة والقرآن " فكان يقرؤهما.
стр. 4526
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " تدري من معنا في البيت؟ جبريل ﵇ وقد سلم عليك ".
وقال: كنت أكتب كل شيءٍ أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيءٍ تسمعه من رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضى، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق ".
قال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإني كنت أعي بقلبي ويعي بقلبه، ويكتب.
عن مجاهد قال: دخلت على عبد الله بن عمرو بن العاص، فتناولت صحيفة تحت رأسه، فتمنّع عليَّ، فقلت: تمنعني شيئاً من كتبك؟ فقال: إن هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وسلمت لي هذه الصحيفة والوهط لم أبال ما صنعت الدنيا.
عن سليمان بن الربيع العدوي قال: لقينا عمر، فقلنا: إن عبد الله بن عمرو حدثنا بكذا وكذا، فقال عمر: عبد الله بن عمرو أعلم بما يقول؛ قالها ثلاثاً، ثم نودي بالصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه، فخطبهم عمر، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله ".
стр. 4527
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: ابن عباس أعلمنا بما مضى، وأفقهنا فيما نزل مما لم يأت فيه شيء، قال عكرمة: فأخبرت ابن عباس بقوله، فقال: إن عنده لعلماً، ولقد كان يسأل رسول الله ﷺ عن الحلال والحرام.
عن عروة بن الزبير أن عائشة قالت له: يا بن أخت، إني قد أخبرت أن عبد الله بن عمرو حاج في عامه هذا، فالقه، فإنه قد حفظ عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرةً.
التقى كعب الأحبار وعبد الله بن عمرو، فقال كعب: أتطيُّر يا عبد الله؟ قال: نعم، قال: فما تقول؟ قال: الله لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك، ولا حول ولا قوة إلا بك، فقال: أنت أفقه العرب؛ إنها لمكتوبة في التوراة كما قلت.
وقدم كعب مكة، وبها عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال كعب: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو عالم؛ سلوه عن شيء من الجنة وضعه الله للناس في الأرض، وسلوه ما أول ماء وضع بالأرض، وما أول شجرة غرست بالأرض، فسئل عبد الله عنها، فقال: الشيء الذي وضعه الله للناس في الأرض فهذا الركن الأسود، وأول ماء وضع بالأرض فبرهوت ماء باليمن ترده هام الكفار، وأما أول شجرةٍ غرسها الله في الأرض فالعوسجة التي اقتطع منها موسى عصاه، فلما بلغ ذلك كعباً قال: صدق، الرجل والله عالم.
عن مولى لعمرو بن العاص: أن عبد الله بن عمرو نظر إلى المقبرة، فلما نظر إليها نزل، فصلى ركعتين، فقيل
стр. 4528
له: هذا شيءٍ لم تكن تصنعه، فقال: ذكرت أهل القبور، وما حيل بينهم وبينه فأحببت أن أتقرب إلى الله بهما.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لأن أعمل اليوم عملاً أقر عليه أحب إلي من ضعفه فيما مضى؛ لأنا حين أسلمنا وقعنا في عمل الآخرة، فأما اليوم فقد خلبتنا الدنيا.
وقال: إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله فإن المنبت لا بلغ بعداً، ولا أبقى ظهراً، وأعمل عمل امرئ يظن ألا يموت إلا هرماً، واحذر حذر امرئٍ يحسب أنه يموت غداً.
وقال: لأن أكون عاشر عشرةٍ مساكين يوم القيامة أحب إلي من أن أكون عاشر عشرةٍ أغنياء، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا - يقول: يتصدق يميناً وشمالاً.
قال ابن أبي مليكة:
بينما عبد الله بن عمرو بن العاص يصلي وراء المقام، وهو يبكي، وقد كسف - أو خسف - القمر إذ مر به العلاء بن طارق، فوقف يسمع، فقال: ما توقفك يا بن أخي؟ تعجب من أني أبكي؟! والله إن هذا القمر يبكي من خشية الله، أما والله لو تعلمون اليقين لبكى أحدكم حتى ينقطع صوته، ولسجد حتى ينقطع صلبه.
عن عبد الله بن يزيد قال: قلت لعبد الله بن عمرو: بلغني أنك كنت من أحسن قريشٍ عيناً، فما الذي أرى بهما؟ قال: البكاء.
стр. 4529
وقال عبد الله بن عمرو: ما أُعطي إنسان شيئاً خيراً من صحة، وعفة، وأمانة، وفقه.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يضرب فسطاطه في الحل، ويجعل مصلاه في الحرم، فقيل له: لِمَ تفعل ذلك؟ قال: لأن الأحداث في الحرم أشد منها في الحل.
قال عمرو بن العاص لابنه: يا بني، ما الشرف؟ قال: كف الأذى، وبذل الندى، قال: فما المروءة؟ قال: عرفان الحق، وتعاهد الصنعة، قال: فما المجد؟ قال: احتمال المغارم، وابتناء المكارم.
وسأله: ما الغي؟ قال: طاعة المفسد، وعصيان المرشد، قال: فما البله؟ قال: عمى القلب، وسرعة النسيان.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لأخواله - حي من عنزة يقال لهم بنو فلان - يا بني أمي إنه ليس الواصل الذي يصل من وصله، ويقطع من قطعه، وليس الحليم الذي يحلم عمن يحلم عنه، ويجهل على من يجهل، قالوا: فمن ذاك؟ قال: ذاك المنصف، إنما الحليم الذي يحلم عمن يحلم عنه، ويحلم عمن يجهل عليه.
هم أخوال أبيه عمرو بن العاص، وهذا الكلام محفوظ من كلام عمرو بن العاص.
عن حميد بن هلال قال: كان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: دع ما لست منه في شيءٍ، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك.
قال الشعبي: قيل لعبد الله بن عمرو وهو قاعد بالكعبة: إن كنت تريد أن تذكر فقد ذكرت،
стр. 4530
وإن كنت تريد أن يشاع حديثك فقد أشيع، حدثنا شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ودعنا مما وجدت في خرجك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ".
كانت راية عمرو بن العاص يوم اليرموك يحملها ابنه عبد الله بن عمرو.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص على الميمنة بصفين مع معاوية.
عن حنظلة بن خويلد العنزي قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمارٍ، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه؛ فإني سمعت - يعني رسول الله ﷺ يقول: " تقتله الفئة الباغية " فقال معاوية: ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : " أطع أباك ما دام حياً، ولا تعصه ما دام حياً " وأنا معكم ولست أقاتل.
وقال عبد الله بن عمرو: كنت مع رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة " ثم جاء عمر، فاستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة " ثم جاء عثمان فاستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة " قال: قلت: فأين أنا؟ قال: " أنت مع أبيك ".
وقال: قال رسول الله ﷺ : " كيف بك إذا بقيت في حثالةٍ من الناس، قد مرجت عهودهم ومواثيقهم، وكانوا هكذا " - فخالف بين أصابعه - قال: تأمرني بأمرٍ
стр. 4531
يا رسول الله؟ قال: " تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتعمل بخاصة نفسك، وتدع الناس وعوام أمرهم " قال: فلما كان يوم صفين قال له أبوه عمرو بن العاص: يا عبد الله بن عمرو، اخرج فقاتل، فقال: يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل، وقد سمعت ما سمعت يوم يعهد إلي رسول الله ﷺ ما يعهد؟ فقال: أنشدك الله يا عبد الله بن عمرو ألم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله ﷺ أن أخذ بيدك فوضعها بيدي، ثم قال: " أطع أباك " قال: اللهم بلى، قال: فإني أعزم عليك أن تخرج فتقاتل، فخرج عبد الله بن عمرو، فقاتل يومئذٍ متقلداً بسيفين، فلما انكشف الحرب أنشأ عمرو بن العاص يقول: من الرمل
شبت الحرب فأعددت لها ... مفرغ الحارك مروي الثبجْ
يصل الشد بشدٍّ فإذا ... دنت الخيل من الشد معج
جرشع أعظمه جفرته ... فإذا ابتل من الماء حدج
قال: وأنشأ عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: من الطويل
فلو شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفين يوماً شاب منها الوائب
عشية جا أهل العراق كأنهم ... سحاب ربيعٍ دفعته الجنائب
وجئناهم نردي كأن صفوفنا ... من البحر موج موجه متراكب
إذا قلت: قد ولوا سراعاً بدت لنا ... كتائب منهم، وارجحنّت كتائب
стр. 4532
فدارت رحانا واستدارت رحاهم ... سراة النهار ما تولي المناكب
كان عبد الله بن عمرو بن العاص في زمن عمر وعثمان بمصر يجلس يحدث، وكان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنها ستكون فتنة عمياء صماء الراقد فيها خير من اليقظان، والجالس فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي " فلما كانت الفتنة التي كانت بين معاوية وعلي حضر عبد الله بن عمرو صفين فقاتل فيها، فاستعمل معاوية بذلك عمرو بن العاص على مصر، فلما ولي عبد الله مصر جلس ذلك المجلس الذي كان يجلسه في زمن عمر وعثمان، فحدث كيف كان القتال بصفين، فقال له رجل من أهل مصر: قاتلت؟ قال: بلى، قال: والله لا أكلمك كلمةً بعد هذا.
عن عبد الله بن أبي مُليكة قال: كان عبد الله بن عمرو يأتي الجمعة من المغمَّس، فيصلي الصبح، ثم يرتفع إلى الحجر ويكبر حتى تطلع الشمس، ثم يقوم في جوف الحجر، فيجلس إليه الناس، فقال يوماً: ما أفرق على نفسي إلا من ثلاثٍ: مواطن في دم عثمان. فقال له عبد الله بن صفوان: إن كنت رضيت قتله فقد شركت في دمه، وأني آخذ المال، فأقول: أقرضه الله هذه الليلة، فيصبح في مكانه، فقال ابن صفوان: أنت امرؤ لم توق شح نفسك، ويوم صفين.
عن سليمان بن الربيع قال: انطلقت في رهْطٍ من نسألك أهل البصرة إلى مكة، فقلنا: لو نظرنا رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ فتحدثنا إليه، فدللنا على عبد الله بن عمرو بن العاص، فأتينا منزله، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة، قال: فقلنا: على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو؟ قالوا: نعم؛ وهو ومواليه وأحباؤه، قال: فانطلقنا إلى البيت، فإذا نحن برجلٍ
стр. 4533
أبيض الرأس واللحية، بين بردين قطريين، عليه عمامة، ليس عليه قميص، قال: فقلنا: أنت عبد الله بن عمرو، وأنت صاحب رسول الله ﷺ ، ورجل من قريش، وقد قرأت الكتاب الأول، وليس أحد نأخذ عنه أحب إلينا - أو قال: أعجب إلينا - منك، فحدثنا بحديث لعل الله أن ينفعنا به. فقال لنا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق، فقال: إن من أهل العراق قوماً يَكذِبون ويُكَذِّبون، ويسخرون، قال: قلنا: ما كنا لنكذِّبك، ولا نكذب عليك، ولا نسخر منك، حدثنا بحديثٍ لعل الله أن ينفعنا به، فحدثهم بحديث في بني قنطور بن كركر.
وفي رواية أخرى قال:
أما ورب هذا المسجد الحرام، والبلد الحرام، واليوم الحرام، والشهر الحرام، أسميت اليمين أم لا، قال: قلنا: قد اجتهدت، قال: ليوشك بنو قنطور بن كركر؛ قوم خنس الأنوف صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، في كتاب الله المنزل أن يسوقوكم بخراسان وسجستان سياقاً عنيفاً، قوم يرزقون اللحم، وينتعلون الشعر، ويحتجزون السيوف على أوساطهم حين ينزلون الأبلة، قال: وكم الأبلة من البصرة؟ قلنا: أربعة فراسخ، قال: ويعقدون بكل نخلة من نخل دجلة رأس فرس، ثم يرسلون إلى أهل البصرة اخرجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل البصرة من البصرة، فيلحق لاحق ببيت المقدس، ويلحق لاحق بالمدينة، ويلحق آخر بمكة، ويلحق آخرون بالأعراب، ثم يسيرون حتى ينزلوا البصرة، فيلبثون بها سنة، ثم يرسلون إلى أهل الكوفة أن اخرجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل الكوفة منها، فيلحق لاحق ببيت المقدس ويلحق لاحق المدينة، ويلحق آخر بمكة، ويلحق آخرون بالأعراب، فلا يبقى في الأرض من المسلمين إلا قتيل أو أسير، في أيديهم في دمه ما يشاؤون، فانصرفنا عنه، وساءنا الذي حدثنا، ومشينا من عنده غير بعيد، ثم انصرف إليه المنتصر بن الحارث، فقال: يا عبد الله بن عمرو، إنك قد حدثتنا بحديث قد قطعتنا، وإنا لا ندري من يدركه
стр. 4534
منا، فحدثنا هل بين يدي ذلك من علامة؟ قال: نعم لا تعدم عقلك، بين يدي ذلك أمارة، قال: فقال له المنتصر: وما الأمارة؟ قال: الأمارة العلامة، قال: وما تلك العلامة؟ قال: إمارة الصبيان، فإذا رأيت إمارة الصبيان قد طبقت الأرض فاعلم أن الذي حدثتك قد جاء.
فانصرف عنه المنتصر، فمشى قليلاً، ثم رجع إليه، فقلنا: مهلاً، علام تؤذي هذا الشيخ؟ قال: والله لا أفارقه حتى يتبين لي، فلما رجع بين.
قال طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي: كان عبد الله بن عمرو إذا جلس لم تنطق قريش، فقال يوماً: كيف أنتم بخليفةٍ يملككم ليس هو منكم؟ قالوا: فأين قريش يومئذٍ؟ قال: يفنيها السيف.
عن عبيد الله بن سعيد: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاص المسجد الحرام، والكعبة محرَّقة حين أدبر جيش الحصين بن نمير، والكعبة تتناثر حجارتها، فوقف ومعه ناس غير قليل، فبكى حتى إني لأنظر إلى دموعه تسيل على وجنتيه، فقال: والله لو أن أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلوا ابن نبيكم، ومحرقوا بيت ربكم لقلتم: ما أحد أكذب من أبي هريرة؛ أنحن نقتل نبينا، ونحرق بيت ربنا ؟ فقد والله فعلتم، فانتظروا نقمة الله فوالذي نفسي بيده ليلبسنّكم الله شيعاً، ويذيق بعضكم بأس بعضٍ - قالها ثلاثاً - ثم نادى بصوت فأسمع: أين الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر؟ والذي نفس عبد الله بيده، لقد ألبسكم الله شيعاً، وأذاق بعضكم بأس بعض، لبطن الأرض خير لمن عليها لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر.
قال عمرو بن صفوان: كان لعبد الله بن عمرو ابن سبع سنين مثل الدينار، فلدغته حية، فمات، فقال: من الوافر
стр. 4535
فلولا الموت لم يهلك كريم ... ولم يصبح أخو عزٍّ ذليلا
ولكن المنية لا تبالي ... أغراً كان أم رجلاً جليلا
لقد أهلكت حية بطن وادٍ ... كريماً ما أريد به بديلا
مقيماً ما أقام جبال لبسٍ ... فليس بزائلٍ حتى يزولا
وكان عبد الله بن عمرو قد صار إلى قريته بعسقلان، وهي حبس من عمرو بن العاص لولده، فلم يزل بها حتى مات، ودفن بقريةٍ يقال لها أولاميس، وهي من عسقلان على فرسخين.
قالوا: توفي عبد الله بن عمرو ليالي الحرة في ولاية يزيد بن معاوية.
وكانت الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وقيل بعد ذلك.
عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي وفد على عبد الملك بن مروان.
روى عن الحسين بن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " الولد للفراش ".
عن عبد الله بن نافع قال: كان ثابت بن عبد الله بن الزبير إذا قدم على عبد الملك نهى بني أمية عن كلامه.
стр. 4536
فخرج من عنده مرةً فمر بعبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو جالس مع أهل الشام، فجعل ثابت يتصفح وجوههم، فقال له عبد الله: إلام تنظر؟ هؤلاء قتلة أبيك! قال: لكن أبوك ما قتله إلا حملة القرآن.
قال الزبير بن بكار: وولد عمرو بن عثمان بن عفان: عبد الله الأكبر؛ وأمه: حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان يقال لعبد الله بن عمرو المطرف من حسنه وجماله.
عن نافع: أن ابنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت تحت عبد الله بن عمرو بن عثمان، فطلقها البتة، فانتقلت، فأنكر ذلك عليه عبد الله بن عمر.
قال مصعب بن عثمان: قدم الوليد بن عبد الملك المدينة وهو خليفة، فوضع أربع كراسي عليها أربعة أشرافٍ من قريش كلهم أمه من بني عدي بن كعب: عبد الله بن عمرو بن عثمان، وأمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن المنذر بن الزبير؛ أمه: عاتكة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وطلحة بن عبد الله بن عوف؛ وأمه: بنت مطيع بن الأسود، ونوفل بن مساحق؛ وأمه: بنت مطيع بن الأسود.
قال جميل لبثينة: ما رأيت عبد الله بن عمرو بن عثمان يخطر على البلاط إلا أخذتني الغيرة عليك وأنت بالجناب.
ولعبد الله يقول الفرزدق: من الوافر
أعبد الله إنك خير ماشٍ ... وساعٍ بالجراثيم الكبار
стр. 4537
نمى الفاروق أمك وابن أروى ... أباك فأنت منصدع النهار
هما قمرا السماء وأنت نجم ... به الليل يدلج كل ساري
هل في الناس من أحدٍ يساوي ... يديك إذا تبوع للفخار
كلا أبويك عبد الله نور ... رفيع في المنازل والديار
عن يزيد بن عياض بن جعدبة قال: خرج الحسن بن الحسن بن علي، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الصحراء، فأخذتهما السماء، فأويا إلى سرحة، فكتب الحسن بن الحسن على السرحة: من الخفيف
خبرينا خصصت يا سرح بالغي ... ث بصدقٍ والصدق فيه شفاء
هل يموت المحب من لاعج الشو ... ق ويشفي من الحبيب اللقاء؟
وقال الآخر: من الخفيف
إن جهلاً سؤالك السرح عما ... ليس فيه على اللبيب خفاء
ليس للعاشق المحب من الحبْ ... بِ سوى لذة اللقاء شفاء
مات عبد الله بن عمرو بن عثمان بمصر سنة ست وتسعين.
стр. 4538
عبد الله بن عمرو بن غيلان
ابن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف بن منبه ابن بكر بن هوازن الثقفي أصله من دمشق، وولاه معاوية البصرة.
روى عن عبد الله بن مسعود أنه حدثه عن النبي ﷺ قال: " لا يستنج أحدكم إذا خرج إلى الخلاء بعظمٍ ولا ببعرةٍ، ولا بروثة ".
عن أبي رجاء العطاردي قال: عزل سمرة بن جندب عن البصرة سنة خمسٍ وخمسين، واستعمل عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، فاقر زرارة بن أوفى على القضاء، ثم استعمل عبيد الله بن زياد على البصرة.
وقال: ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان بن سلمة الثقفي ستة أشهر ثم عزله.
عبد الله بن عمرو السعدي
ابن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب أبو محمد القرشي العامري، ويعرف بابن السعدي لأن أباه عمراً كان مسترضعاً في بني سعد بن بكر، ولعبد الله صحبة، وسكن الأردن.
قال: وفدت في نفرٍ من بني سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ، فقضوا حوائجهم، وخلفوني في رحالهم، فجئت رسول الله ﷺ ،
стр. 4539
فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن حاجتي، فقال: " ما حاجتك؟ " قلت: انقطعت الهجرة، فقال رسول الله ﷺ : " أنت خيرهم حاجة - أو قال: حاجتك من خير حاجاتهم - لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار ".
وفي رواية: وفدت على رسول الله ﷺ في سبعةٍ أو ثمانيةٍ أو تسعةٍ، كلنا يطلب حاجةً، فكنت آخرهم دخولاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إني تركت من خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت، فقال: حاجتك خير حاجاتهم ".
وعن ابن السعدي أن النبي ﷺ قال: " لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل ".
وقال عبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي ﷺ قال: " لا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولةً حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت من المغرب خُتم على كل قلبٍ بما فيه، وكفي الناس العمل ".
وقال عبد الله بن السعدي: قدمت على عمر بن الخطاب، فأرسل إلي بألف دينار، فرددتها، فقال: لم رددتها؟ قلت: أنا عنها غني، وستجد من هو أحوج إليها مني، فقال: خذها، فإن رسول الله ﷺ أعطاني عطاءً فقلت: يا رسول الله، أنا عنه غني، وستجد من هو أحوج إليه مني، فقال: " خذه هذا رزق الله إذا ساق الله إليك رزقاً لم تسأله، ولم تشره إليه نفسك، فهو رزق الله ساقه إليك، فخذه ".
стр. 4540
قال الزبير بن بكار: وولد وقدان بن عبد شمس: عبداً، وعمراً، وهو السعدي، وأمهما: عقيلة بنت غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، ومن ولد السعدي: عبد الله بن السعدي، كانت له صحبة.
قال محمد بن سعد: عبد الله بن السعدي أسلم يوم فتح مكة، ثم تحول فنزل دمشق، فمات هناك، وأم عبد الله بن السعدي ابنة الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم.
عن عبد الله بن السعدي قال: بينا أنا نائم على جبلٍ، فبينا أنا عليه طلعت علي ثلة من هذه الأمة قد سدت الأفق، حتى إذا دنوا مني دفعت عليهم الشعاب بكل زهرة من الدنيا، فمروا، ولم يلتفت إليها منهم راكب، فلما جاوزوها قلصت الشعاب بما فيها، فلبثت ما شاء الله أن ألبث، ثم طلعت علي ثلة مثلها، حتى إذا بلغوا مبلغ الثلة الأولى دفعت عليهم الشعاب بكل زهرة من الدنيا، فالآخذ والتارك، وهم على ظهْرٍ، حتى إذا جاوزوها قلصت الشعاب بما فيها، ولبثت ما شاء الله، ثم طلعت الثلة الثالثة، حتى إذا بلغوا مبلغ الثلتين دفعت الشعاب بكل زهرةٍ من الدنيا، فأناخ أول راكبٍ، فلم يجاوزها راكب، فنزلوا يهتالون من الدنيا، فعهدي بالقوم يهتالون، وقد ذهبت الركاب.
مات عبد الله بن السعدي سنة سبع وخمسين.
وقال ابن حبان: مات في خلافة عمر بن الخطاب.
قال الحافظ ابن عساكر: ولا أراه محفوظاً، والله أعلم.
стр. 4541
عبد الله بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط أبان
ابن أبي عمرو بن أمية، أبو وهب القرشي الأموي، وهو ابن أبي قطيفة الشاعر كان في زمان هشام بن عبد الملك، وبينه وبينه مراجمة بالشعر قال له هشام بن عبد الملك: من الطويل
أبلغ أبا وهب إذا ما لقيته ... بأنك شر الناس عيباً لصاحب
ثم قال: والله لئن هجوتني لأبلغن في عقوبتك.
عبد الله بن عمرو بن هلال
ويقال: عبد الله بن عمرو بن عوف ويقال: عبد الله بن عمرو بن مسعود بن عمرو بن النعمان ابن سلمان بن صبح بن مازن بن حلاوة بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان - وهو: مزينة - بن عمر بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المزني والد بكر بن عبد الله المزني. له صحبة، وشهد مع النبي ﷺ غزوة الفتح، وكان معه أحد ألوية مزينة، وخرج مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، وتوجه منها إلى دومة الجندل، ثم نزل البصرة، ذكر هذا النسب خليفة بن خياط في ترجمة ابنه، وفرق بين نسب بكر بن عبد الله، وبين نسب علقمة بن عبد الله.
стр. 4542
عن علقمة بن عبد الله المزني عن أبيه: أن رسول الله ﷺ نهى أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأسٍ: أن يكسر الدرهم، فيجعل فضة، ويكسر الدينار فيجعل ذهباً.
قال محمد بن عمر الواقدي في غزوة دومة الجندل، قالوا: فكان عبد الله بن عمرو يقول: كنا أربعين رجلاً من مزينة مع خالد بن الوليد، وكانت سُهماننا خمس فرائض كل رجلٍ مع سلاح يقسم علينا درع ورماح.
قال الواقدي: يقول الله تعالى: " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون " هؤلاء البكاؤون، وهم سبعة: أبو ليلى المازني، وسلمة بن صخر الزرقي، وثعلبة بن عنمة السلمي، وعلبة بن زيد الحارثي، والعرباض بن سارية السلمي، وعبد الله بن عمرو المزني، وسالم بن عمير.
قال: وبعث رسول الله ﷺ يعني حين أراد الخروج لفتح مكة - إلى مزينة بلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو المزني، وكانت مزينة - يعني من حضر منها الفتح - ألفاً، فيها من الخيل مائة فرس ومائة درع، وفيها ثلاثة ألوية: لواء مع النعمان بن
стр. 4543
مقرن، ولواء مع بلال بن الحارث، ولواء مع عبد الله بن عمرو.
عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال لي علقمة بن عبد الله المزني:
غسل أباك أربعة من أصحاب البدر - وفي رواية: أربعة من أصحاب النبي ﷺ فما زاد على أن حسروا عن سواعدهم، وجعلوا ثيابهم في حجزهم، فلما فرغوا توضؤوا ولم يغتسلوا.
عبد الله بن عمرو الدوسي
ممن أدرك عصر النبي ﷺ ، وقتل يوم أجنادين، وكانت أجنادين سنة ثلاث عشرة.
عبد الله بن عمير
روى عن بلال بن سعد قال: أُتي رسول الله ﷺ بشرابٍ، وهو في أصحابه، فنظر في وجوههم فقال: " أعطه أبا عبيدة بن الجراح، فإن البركة مع أكابرهم ".
عبد الله بن عنبسة بن سعيد
ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي من وجوه قريش، كان مع الوليد بن يزيد حين قتل، واستشاره الوليد في بعض أمره، ثم تحول إلى الحجاز، فقتل فيمن قتل من بني أمية؛ قتله داود بن علي، وهو صاحب القصر الذي يقال له: قصر ابن عنبسة.
стр. 4544
عبد الله بن عوف
أبو القاسم الكناني القارئ سمع أبا جمعة جنبذ بن سبع يقول: قاتلت النبي ﷺ أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وكنا ثلاثة رجال، وسبع نسوةٍ، وفينا أنزلت: " ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات " الآية.
وسمع عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد بن العاص قال لبشير بن عقربة: يا أبا اليمان، إني قد احتجت اليوم إلى كلامك، فقم، فتكلم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من قام بخطبةٍ لا يريد بها إلا رياء وسمعة وقفه الله يوم القيامة موقف رياء وسمعة ".
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوف القارئ: إذا أتاك كتابي هذا، فاركب أنت ومن معك إلى البيت النجس الذي برفح فاقلعه من أساسه، ثم أذره في البحر.
عبد الله بن عون بن أرطبان
أبو عون مولى مزينة، من أهل البصرة، أحد الأئمة، أدرك أنس بن مالك، قدم دمشق.
روى عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من أتى الجمعة فليغتسل ".
стр. 4545
روى عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً بعشائرهم وقبائلهم، لا يزاد فيهم رجل، ولا ينقص منهم، وخلق النار، وخلق لها أهلاً بعشائرهم وقبائلهم، لا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم " قيل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".
وروى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ".
قال ابن عون: أنا رأيت غيلان القدري مصلوباً على باب دمشق.
قال ابن عون: حدثني أبي، عن جدي أرطبان قال: لما عتقت اكتسبت مالاً، فأتيت عمر بن الخطاب بزكاته، فقال لي: ما هذا؟ قلت: زكاة مالي، قال: أولك مال؟ قلت: نعم، قال: بارك الله لك في مالك وولدك.
وكان أرطبان شماساً في بيعة ميسان، فوقع في السهم لعبد الله بن ذرة المزني، وقيل: لعبد الله ابن معقل المزني.
قال ابن عون: رأيت على أنس بن مالك جبةً وعمامةً وكساء خزٍّ، ورأيته تقاد به دابته، لا يلقى ما ألقى أنا، لقد تركوني ما أقدر أن أخرج إلى حاجة!
стр. 4546
قال حماد بن زيد: مكث ابن عون بالبصرة نحواً من سبعين سنة أو سنتين وليس له في أيدي الناس إلا ثمانية أو سبعة أحاديث حتى مات أيوب.
قال شعبة: شك ابن عون أحب إلي من يقين غيره.
ولد ابن عون سنة ست وستين، ومات سنة إحدى وخمسين ومائة.
حدث هشام بن حسان مرةً، فقال له رجل: من حدثك به؟ قال: من لم تر عيناي والله مثله قط؛ عبد الله بن عون، وما استثني الحسن، ولا ابن سيرين، وقدم هشام مرةً من مكة، فأتى ابن عون، فقال: والله ما أتيت أهلي، ولا أحداً حتى أتيتك.
قال مالك بن أنس للثوري: يا أبا عبد الله، من خلفت بالعراق؟ قال: فكرهت أن أذكر له أهل الكوفة، قال: فقلت له: تركت بها أيوب، ويونس بن عبيد، وابن عون والتيمي، قال: فقال لي: ذكرت الناس.
عن أبي إسحاق الفزاري قال: كنت عند الأوزاعي، فقال: لو خيرت لهذه الأمة من ينظر لها، ويختار لها ما اخترت لها إلا سفيان بن سعيد، وعبد الله بن عون.
وقال: إذا مات ابن عون وسفيان الثوري استوى الناس.
قال سفيان الثوري:
دخلت البصرة فرأيت أربعة أئمة: سليمان التيمي، وأيوب السختياني، وابن عون، ويونس، كل يقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فرجعت عن قولي، فقلت كما قالوا: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وكان قوله: بكر، وعمر، وعلي، وعثمان.
عن ابن عون أنه نادته أمه، فأجابها، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين.
стр. 4547
عن عباد المهلبي قال: أتيت ابن عون، فسلمت عليه، قال: فرجعت إلى البيت، فإذا أنا بإنسان قد ضرب الباب، فإذا هو ابن عون، فقلت: ادخل فما جاء به إلا أمر، وإنما فارقته الساعة، فقلت: يا بن عون، مه؟ قال: أردت أن آتيك، فأسلم عليك، فكرهت أن أعوّد نفسي هذه العادة؛ أن أنوي شيئاً ثم لا أفي به.
قال ابن المبارك: ما رأيت أحداً ذُكر لي قبل أن ألقاه ثم لقيته إلا وهو على دون ما ذكر لي، إلا حيوة بن شريح، وابن عون، وسفيان؛ فأما ابن عون فلوددت أني لزمته حتى أموت، أو يموت.
وقيل لابن المبارك: ابن عون بمَ ارتفع؟ قال: بالاستقامة.
كان يقال لابن عون سيد القراء في زمانه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
وكان ابن عون إذا غضب على أحدٍ من أهله قال: بارك الله فيك، فقال: أنا بارك الله فيّ؟ قال: نعم، فقال بعض من حضر: ما قال لك إلا خيراً، قال: ما قال لي هذا حتى أجهد. وكان يأتيه السابري من سابور؛ فإذا أراد أن يبيعه أخرجه إلى صحن الدار، فيريهم المتاع، قال: فيشترونه منه، قال: وكان له جار مجوسي يأتيه السابري من سابور، فإذا أراد أن يبيعهم أدخلهم في موضع مظلم، فكانوا لا يشترون من المجوسي شيئاً حتى لا يصيبوا عند ابن عون شيئاً.
قال بكار بن محمد: صحبت ابن عونٍ دهراً من الدهر حتى مات، وأوصى إلى أبي، فما سمعته حالفاً على يمينٍ برةٍ ولا فاجرة حتى فرق الموت بيننا، وما رأيت بيد ابن عون ديناراً، ولا درهماً
стр. 4548
قط، ولا رأيته يزن شيئاً قط، وكان إذا توضأ للصلاة لا يعينه عليه أحد، وكان يمسح وجهه بالمنديل إذا توضأ أو بخرقة، وكان لا يبكر إلى الجمعة ذاك التبكير الذي يُعرف، ولا يؤخرها، وكان أحب الأمور إليه أوسطها، والاختلاط بالجماعة، وكان يغتسل للجمعة والعيدين، ويتطيب للجمعة والعيدين، ويرى ذلك سُنة، وكان طيب الريح في سائر الأيام، لين الكسوة، وكان يلبس للجمعة والعيدين أنظف ثيابه، وكان يأتي الجمعة ماشياً وراكباً، ولا يقيم بعد صلاة الجمعة، وكان في شهر رمضان لا يزيد على المكتوبة في الجماعة، ثم يخلو في بيته، وكان إذا خلا في منزله إنما هو صامت، ولا يزيد على الحمد لله ربنا، وكان إذا وصل إنساناً وصله سراً، وإن صنع شيئاً صنع سراً، يكره أن يطلع عليه أحد، وكان لابن عون سُبْع يقرؤه كل ليلة، فإذا لم يقرأه بالليل أتمه بالنهار.
عن عباد المهلبي قال: سأل رجل ابن عون عن الوتر، أي متى يُوتر؟ قال: فحدثه بما كانوا يفعلون، قال: فقال: حدثني كيف تفعل أنت، فقال: كفى بالرجل ما يخطئ في نفسه.
قال بكار بن محمد: كان ابن عون يغزو على ناقته إلى الشام، فإذا صار إلى الشام ركب الخيل، قال: وبارز ابن عون رومياً، فقتله، وكان إذا جاءه إخوانه فكأن على رؤوسهم الطير، لهم خشوع وخضوع ليس أراه لأحد، وكان يرد عليهم: وعليكم السلام ورحمة الله، وكان لا يدع أحداً من أصحاب الحديث، ولا غيرهم يتَّبعه، واتبع ابن عون محمد بن سيرين يوماً، فقال: ألك حاجة؟ قال: لا، قال: فانصرف، وما رأيت ابن عون يمازح أحداً، ولا يماري أحداً، ولا ينشد شعراً؛ وكان مشغولاً بنفسه، وكان إذا صلى الغداة مكث مستقبلاً القبلة في مجلسه يذكر الله، فإذا طلعت الشمس صلى، ثم أقبل على
стр. 4549
أصحابه، وما رأيت ابن عون شاتماً أحداً قط: عبداً، ولا أمةً، ولا شاةً، ولا دجاجةً، ولا شيئاً، ولا رأيت أحداً أملك للسانه منه.
وكان ابن عون قد سمع بالكوفة علماً كثيراً، فعرضه على محمد، قال محمد: ما أحسن هذا! حدث به. وما كان سوى ذلك أمسك عنه حتى مات وكان إذا حدث بالحديث تخشع عنده حتى نرحمه، مخافة أن يزيد أو ينقص.
عن سلام بن أبي مطيع قال:
لما بعث سليمان بن علي بالألفين إلى يونس وابن عون، فقبلها يونس، فدخلت عليه، فقال: يا أبا سعيد ما اكتسبت مالاً قط أطيب عندي منه، قال: وكان الرسول فيها حميد، قال: وأما ابن عون فأقبل على حميد فقال: ما لي ولك يا حميد، ما لي ولك يا حميد! أتستطيع أن تخرجني مما أدخلتني فيه؟! قال: فأبى أن يقبلها.
قال عصام بن يوسف: سمعت خارجة بن مصعب يقول: صحبت ابن عون ثنتي عشرة سنة، فما رأيته تكلم بكلمة كتبها عليه الكرام الكاتبون.
قال بكار بن محمد: حدثني بعض أصحاب ابن عون قال: كان له ناقة يغزو عليها، ويحج عليها، وكان بها معجباً، فأمر غلاماً له يستقي عليها، فجاء بها وقد ضربها على وجهها، فسالت عينها على خدها، قلنا: إن كان من ابن عون شيء فاليوم! قال: فلم يلبث أن نزل إلينا فلما نظر إلى الناقة قال: سبحان الله أفلا غير الوجه؟ بارك الله فيك، اخرج عني، اشهدوا أنه حر! وقال بكار بن محمد: ما سمعت ابن عون ذاكراً بلال بن أبي بردة بشيءٍ قط، ولقد بلغني أن قوماً قالوا:
стр. 4550
يا أبا عون، بلال فعل، فقال: إن الرجل يكون مظلوماً فلا يزال يقول حتى يكون ظالماً، ما أظن أحداً منكم أشد على بلالٍ مني، قال: وكان بلال قد ضربه بالسياط لأنه كان تزوج امرأة عربية.
قيل لابن عون: ألا تتكلم، فتؤجر؟ قال: أما يرضى المتكلم بالكفاف؟ قال إبراهيم بن رستم: كنت عند ابن عون ببغداد إذا جاءت الجارية وبيدها قصعة، فسقطت القصعة من يدها، وفزعت، فنظر إليها ابن عون، فقال لها بالفارسية: أخفت مني؟ قالت: نعم، فقال لها: فأنت حرة، فأنت حرة.
قال ابن عون: يا إخوتاه، أوصيكم بثلاثٍ: بقراءة القرآن، ولزوم السنة، والكف عن الناس.
سلم عمرو بن عبيد على ابن عون فلم يرد عليه، وجلس إليه، فقام عنه.
قال سليم بن أخضر: أردت السفر إلى مكة، فأتيت ابن عون لأودعه، فقال: يا سليم، اتق الله، وعليك بالإحسان؛ فإن المحسن معان، " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ".
عن عبد الله بن عون: أما بعد، فاتهم الشيطان على دينك، واحذره على نعمة الله عليك أن يفتنك كما أخرج أبويك من الجنة، فإنه عدو مضل مبين، عدو للحق، ولي للباطل، قاعد بصراط الله المستقيم، يصد عن صراط الجنة، ويدعو إلى سبيل النار، وقد صارع كل خصلةٍ من الطاعة شهوة من المعصية، وكل شريعة من الهدى شريعة من الضلالة، حريص على أن يصدق ظنه، وأن يكثر نفعه، من هنالك سأل النظرة إلى الوقت المعلوم، اعلم أنه يعرض
стр. 4551
الشهوات على العباد كلها، والمعاصي صغيرها وكبيرها، كلما عرض على عبدٍ باباً من الحرام فلم يوافق شهوته، ولم يطع فيه عرض عليه آخر حتى يصادف هواه، فيستهويه عند ذلك، ويتركه حيران لا يدري أين توجه، كلما مل العبد شهوةً من الحرام أطرفه بأخرى، وأخبره أنه قد تاب من الأولى، كلما غلق في عينه باب من أبواب المعاصي جدد له آخر، وزينه له، فهو يعلل العبد بالشهوات، ويعده بالغرور، ويلهيه بالأماني والأمل كما يعلل الصبي حتى يقذفه في النار، ثم يتبرأ منه.
وعن ابن عون قال: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري يقبل منك أم لا، ولا تأمن من ذنوبك فإنك لا تدري هل كفرت عنك أم لا، إن عملك عنك مغيب كله، ما تدري ما الله صانع فيه؛ أيجعله في سجين أم في عليين.
وقال: وددت أني خرجت من العلم كفافاً، ما أنا على شيء مقيم؛ أخاف أن يدخلني النار غيره. جاء شرطي يطلب رجلا في مجلس ابن عون، وهو في المجلس، قال: يا أبا عون فلان رأيته؟ قال: ما في كل الأيام يأتينا فلان، فذهب وتركه.
عن عبد الله بن عون قال: أوصى إلي ابن عم لي وأنا غائب، فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين، فقال: اقبض وصيته، قال: فأخذتها وكتبت إلى نافع أسأله: هل علمت ابن عمر رد وصية أحدٍ من أقاربه، أو من غيرهم من إخوانه من المسلمين؟ فكتب: إني لا أعلم ابن عمر رد وصية أحدٍ من أقاربه، ولا من غيرهم من إخوانه من المسلمين، قال: فقبلها.
قال ابن عون: رأيت في المنام كأني مع محمد في بستان، قال: فجعل يمشي فيه، فيمر على الجدول،
стр. 4552
فيثبه، وأنا خلفه أفعل ذلك، قال: فأتيته فقصصتها عليه، فرأيت أنه عرفها، فقال: ما شاء الله، هذا رجل يتبع رجلاً يتعلم منه الخير.
عن محمد بن فضاء قال:
رأيت النبي ﷺ في النوم وهو يقول: " زوروا ابن عونٍ؛ فإن الله ورسوله يحبه، أو أنه يحب الله ورسوله ".
عن النضر بن كثير قال: رأيت ابن عون في أعلى منارةٍ في المسجد الجامع التي في مؤخر المسجد مستقبل القبلة، وإصبعه في أذنه، وهو يقول: هذا صراط ابن عون المستقيم.
قال مولى سليمان بن علي: رأيت ابن عون مقيداً يمشي في سكك المربد.
قال بكار بن محمد: كان ابن عون يتمنى أن يرى النبي ﷺ ، فلم يره إلا قبل وفاته بيسير، فسر بذلك سروراً شديداً، فنزل من درجته إلى مسجد كان في الدار، قال: فسقط، فأصيب في رجله، فلم يعالجها حتى مات، وكفن في برد شراؤه مائتي درهم فماكسنا بنوه، وقالوا: لا نشتري إلا بدون ذلك، فقالت عمتي، وكانت امرأته: احسبوا الباقي علي، وحضرته الوفاة، فكان موجّهاً حتى قبض يذكر الله حتى غرغر بالموت، وما رأيت أحداً أشد عقلاً منه عند الموت، ومات في السحر فما قدرنا على أن نصلي عليه حتى وضعناه في محراب المصلى، غلبنا عليه الناس ومات وعليه من الدين بضعة عشر ألفاً، وأوصى بخُمس ماله بعد دينه إلى أبي في قرابته المحتاجين وغير المحتاجين، وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر، وصلى عليه جميل بن محفوظ الأزدي صاحب شرطة عقبة بن مسلم.
قال أبو الربيع الزهراني: وكان من خيار الناس، حدثني جار لنا قال: رأيت ابن عون في النوم، فقلت:
стр. 4553
ما صنع الله بك؟ فقال: ما غربت الشمس من يوم الاثنين حتى عرضت على صحيفتي وغفر لي.
عبد الله بن العلاء بن زبر
أبو عبد الرحمن الربعي روى عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ جاءه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال رسول الله ﷺ : " هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ " قال: فذكر كلمةً، قال: " هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: " فأنى ذلك؟ " قال: لعل عرقاً نزعه، فقال رسول الله ﷺ : " فلعل هذا نزع ابنك ".
عن عبد الله بن العلاء وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر قالا: ثنا أبو سلاّم، حدثني أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بخٍ بخٍ! خمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم، فيحتبسه ".
وروى عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: أهللت مع رسول الله ﷺ بعمرةٍ في حجته - وفي رواية أخرى: أهل رسول الله ﷺ بعمرةٍ وحجة.
ولد عبد الله بن العلاء بن زبر سنة خمس وسبعين، وتوفي سنة أربع وستين ومائة - وقيل: سنة خمس وستين ومائة. وكان ثقة لا بأس به.
стр. 4554
عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة
ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو الحارث القرشي المخزومي المديني ولد بأرض الحبشة في عهد النبي ﷺ ، وقيل أنه رأى النبي ﷺ ، وقدم دمشق غازياً.
عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: دخل رسول الله ﷺ بعض بيوت آل بني ربيعة، إما لعيادة مريض، وإما لغير ذلك، فقالت له أسماء بنت المخربة التميمية وكانت أم الجلاس، وهي أم عبد الله بن عياش ابن أبي ربيعة: يا رسول الله، ألا توصني؟ فقال رسول الله ﷺ : " يا أم الجلاس، ائتني إلى أختك ما تحبين أن تأتي إليك، وأحبي لأختك ما تحبين لك " ثم أُتي رسول الله ﷺ بصبي من ولد عياش، وكانت أم الجلاس ذكرت لرسول الله ﷺ مرضاً بالصبي، أو علة، فجعل رسول الله ﷺ يرقي الصبي، ويتفل عليه، وجعل الصبي يتفل على رسول الله ﷺ كلما تفل رسول الله ﷺ ، فجعل بعض أهل البيت ينهى الصبي ويكفهم رسول الله ﷺ عن ذلك.
وقال: ما قام رسول الله ﷺ لتلك الجنازة، إلا أنها كانت يهودية، فآذاه ريح بخورها، فقام حتى جازته.
قال الزبير بن بكار:
وولد عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: عبد الله بن عياش - ونِعْم عبد الله كان - حكي عن نافع مولى ابن عمر أنه قيل له: أكان عبد الله بن عمر يقول لمن يصحبه في السفر: إن كنت تصوم فلا تصحبنا؟ قال: قد كان يصحبه ابن عياش، وهو يصوم، فيأمر له بسحورٍ، وأم عبد الله بن عياش بنت سلامة بن مخرِّبه بن جندل.
стр. 4555
قال نافع: سمعت من عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة حديثاً، لا أدري عمن حدث به، قال: يبعث الله ريحاً بين يدي الساعة، لا تدع أحداً في قلبه من الخير شيء إلا أماتته.
عن محمد بن ميناء: أن عبد العزيز أبا عمر بن عبد العزيز بعث إلى ابن عمر بمالٍ في الفتنة، فقبله، وبعث إلى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة فلم يقبل.
عن نافع قال: رأيت عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بطريق مكة يسعيان على أرجلهما، وإنهما لشيخان.
قتل عبد الله بن عياش بسجستان سنة ثمان وسبعين.
عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى
أبو محمد الأنصاري الكوفي فقدم دمشق، وأبو ليلى له صحبة، وقد اختلف في اسمه.
حدث عن عبد الله بن جبير، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ في إناءٍ يسع رطلين، وكان يغتسل بصاعٍ.
عن عبد الله بن عيسى قال: لقيت زيد بن علي بالشام، فذاكرته المسح على الخفين، وقلت له: إن علياً مسح، قال: أنتم أعلم بعلي منا، كان فيكم، أما أنا ففي نفسي منه شيء، قال: وحدثته بحديث، فكتبه في ألواح معه صغار.
следующие страницы →