← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

الشهوات على العباد كلها، والمعاصي صغيرها وكبيرها، كلما عرض على عبدٍ باباً من الحرام فلم يوافق شهوته، ولم يطع فيه عرض عليه آخر حتى يصادف هواه، فيستهويه عند ذلك، ويتركه حيران لا يدري أين توجه، كلما مل العبد شهوةً من الحرام أطرفه بأخرى، وأخبره أنه قد تاب من الأولى، كلما غلق في عينه باب من أبواب المعاصي جدد له آخر، وزينه له، فهو يعلل العبد بالشهوات، ويعده بالغرور، ويلهيه بالأماني والأمل كما يعلل الصبي حتى يقذفه في النار، ثم يتبرأ منه. وعن ابن عون قال: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري يقبل منك أم لا، ولا تأمن من ذنوبك فإنك لا تدري هل كفرت عنك أم لا، إن عملك عنك مغيب كله، ما تدري ما الله صانع فيه؛ أيجعله في سجين أم في عليين. وقال: وددت أني خرجت من العلم كفافاً، ما أنا على شيء مقيم؛ أخاف أن يدخلني النار غيره. جاء شرطي يطلب رجلا في مجلس ابن عون، وهو في المجلس، قال: يا أبا عون فلان رأيته؟ قال: ما في كل الأيام يأتينا فلان، فذهب وتركه. عن عبد الله بن عون قال: أوصى إلي ابن عم لي وأنا غائب، فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين، فقال: اقبض وصيته، قال: فأخذتها وكتبت إلى نافع أسأله: هل علمت ابن عمر رد وصية أحدٍ من أقاربه، أو من غيرهم من إخوانه من المسلمين؟ فكتب: إني لا أعلم ابن عمر رد وصية أحدٍ من أقاربه، ولا من غيرهم من إخوانه من المسلمين، قال: فقبلها. قال ابن عون: رأيت في المنام كأني مع محمد في بستان، قال: فجعل يمشي فيه، فيمر على الجدول،

стр. 4552

فيثبه، وأنا خلفه أفعل ذلك، قال: فأتيته فقصصتها عليه، فرأيت أنه عرفها، فقال: ما شاء الله، هذا رجل يتبع رجلاً يتعلم منه الخير. عن محمد بن فضاء قال: رأيت النبي ﷺ في النوم وهو يقول: " زوروا ابن عونٍ؛ فإن الله ورسوله يحبه، أو أنه يحب الله ورسوله ". عن النضر بن كثير قال: رأيت ابن عون في أعلى منارةٍ في المسجد الجامع التي في مؤخر المسجد مستقبل القبلة، وإصبعه في أذنه، وهو يقول: هذا صراط ابن عون المستقيم. قال مولى سليمان بن علي: رأيت ابن عون مقيداً يمشي في سكك المربد. قال بكار بن محمد: كان ابن عون يتمنى أن يرى النبي ﷺ ، فلم يره إلا قبل وفاته بيسير، فسر بذلك سروراً شديداً، فنزل من درجته إلى مسجد كان في الدار، قال: فسقط، فأصيب في رجله، فلم يعالجها حتى مات، وكفن في برد شراؤه مائتي درهم فماكسنا بنوه، وقالوا: لا نشتري إلا بدون ذلك، فقالت عمتي، وكانت امرأته: احسبوا الباقي علي، وحضرته الوفاة، فكان موجّهاً حتى قبض يذكر الله حتى غرغر بالموت، وما رأيت أحداً أشد عقلاً منه عند الموت، ومات في السحر فما قدرنا على أن نصلي عليه حتى وضعناه في محراب المصلى، غلبنا عليه الناس ومات وعليه من الدين بضعة عشر ألفاً، وأوصى بخُمس ماله بعد دينه إلى أبي في قرابته المحتاجين وغير المحتاجين، وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر، وصلى عليه جميل بن محفوظ الأزدي صاحب شرطة عقبة بن مسلم. قال أبو الربيع الزهراني: وكان من خيار الناس، حدثني جار لنا قال: رأيت ابن عون في النوم، فقلت:

стр. 4553

ما صنع الله بك؟ فقال: ما غربت الشمس من يوم الاثنين حتى عرضت على صحيفتي وغفر لي. عبد الله بن العلاء بن زبر أبو عبد الرحمن الربعي روى عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ جاءه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال رسول الله ﷺ : " هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ " قال: فذكر كلمةً، قال: " هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: " فأنى ذلك؟ " قال: لعل عرقاً نزعه، فقال رسول الله ﷺ : " فلعل هذا نزع ابنك ". عن عبد الله بن العلاء وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر قالا: ثنا أبو سلاّم، حدثني أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بخٍ بخٍ! خمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم، فيحتبسه ". وروى عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: أهللت مع رسول الله ﷺ بعمرةٍ في حجته - وفي رواية أخرى: أهل رسول الله ﷺ بعمرةٍ وحجة. ولد عبد الله بن العلاء بن زبر سنة خمس وسبعين، وتوفي سنة أربع وستين ومائة - وقيل: سنة خمس وستين ومائة. وكان ثقة لا بأس به.

стр. 4554

عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو الحارث القرشي المخزومي المديني ولد بأرض الحبشة في عهد النبي ﷺ ، وقيل أنه رأى النبي ﷺ ، وقدم دمشق غازياً. عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: دخل رسول الله ﷺ بعض بيوت آل بني ربيعة، إما لعيادة مريض، وإما لغير ذلك، فقالت له أسماء بنت المخربة التميمية وكانت أم الجلاس، وهي أم عبد الله بن عياش ابن أبي ربيعة: يا رسول الله، ألا توصني؟ فقال رسول الله ﷺ : " يا أم الجلاس، ائتني إلى أختك ما تحبين أن تأتي إليك، وأحبي لأختك ما تحبين لك " ثم أُتي رسول الله ﷺ بصبي من ولد عياش، وكانت أم الجلاس ذكرت لرسول الله ﷺ مرضاً بالصبي، أو علة، فجعل رسول الله ﷺ يرقي الصبي، ويتفل عليه، وجعل الصبي يتفل على رسول الله ﷺ كلما تفل رسول الله ﷺ ، فجعل بعض أهل البيت ينهى الصبي ويكفهم رسول الله ﷺ عن ذلك. وقال: ما قام رسول الله ﷺ لتلك الجنازة، إلا أنها كانت يهودية، فآذاه ريح بخورها، فقام حتى جازته. قال الزبير بن بكار: وولد عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: عبد الله بن عياش - ونِعْم عبد الله كان - حكي عن نافع مولى ابن عمر أنه قيل له: أكان عبد الله بن عمر يقول لمن يصحبه في السفر: إن كنت تصوم فلا تصحبنا؟ قال: قد كان يصحبه ابن عياش، وهو يصوم، فيأمر له بسحورٍ، وأم عبد الله بن عياش بنت سلامة بن مخرِّبه بن جندل.

стр. 4555

قال نافع: سمعت من عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة حديثاً، لا أدري عمن حدث به، قال: يبعث الله ريحاً بين يدي الساعة، لا تدع أحداً في قلبه من الخير شيء إلا أماتته. عن محمد بن ميناء: أن عبد العزيز أبا عمر بن عبد العزيز بعث إلى ابن عمر بمالٍ في الفتنة، فقبله، وبعث إلى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة فلم يقبل. عن نافع قال: رأيت عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بطريق مكة يسعيان على أرجلهما، وإنهما لشيخان. قتل عبد الله بن عياش بسجستان سنة ثمان وسبعين. عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو محمد الأنصاري الكوفي فقدم دمشق، وأبو ليلى له صحبة، وقد اختلف في اسمه. حدث عن عبد الله بن جبير، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ في إناءٍ يسع رطلين، وكان يغتسل بصاعٍ. عن عبد الله بن عيسى قال: لقيت زيد بن علي بالشام، فذاكرته المسح على الخفين، وقلت له: إن علياً مسح، قال: أنتم أعلم بعلي منا، كان فيكم، أما أنا ففي نفسي منه شيء، قال: وحدثته بحديث، فكتبه في ألواح معه صغار.

стр. 4556

وقال: رآني عبد الرحمن بن أبي ليلى وأنا أصلي، فقال: ألزق أنفك بالأرض يا بن عيسى، وكان عبد الله بن عيسى ابن أخي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كانوا يقولون: هو أفضل من عمه، وهو أسن من عمه، وكان ثقةً صالحاً. قال علي بن المديني: عبد الله بن عيسى الذي روى عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : " ليس منا من خبّب امرأة على زوجها " هو عندي منكر الحديث. هلك عبد الله بن عيسى سنة ثلاثين ومائة. عبد الله بن الفرج بن عبيد الله ويقال: ابن عبد الله أبو محمد القرشي، المعروف بابن البرامي روى عن القاسم بن عثمان الجوعي بسنده إلى أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن هذه الآية: " إنك لا تهدي من أحببت " أفي أبي جهل وأبي طالبٍ نزلت؟ قال: نعم. عبد الله بن فروخ مولى عائشة، شامي، تابعي، ثقة. روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافعٍ، وأول مُشفَّع ".

стр. 4557

عبد الله بن فيروز أبو بشر ويقال: أبو بسر الديلمي وكانت لأبيه صحبة، وأبوه من أبناء اليمن، صحب عبد الله معاذ بن جبل بالشام إلى أن مات، وسكن فلسطين، ويقال: الأردن، ووفد على عمر بن عبد العزيز. عن عبد الله بن فيروز الديلمي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله خلق خلقه في الظلمة، ثم ألقى - وفي رواية: فألقى - عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، ولذلك - وفي رواية: فلذلك - أقول: جف القلم عن علم الله ". عن أبي بسر عبد الله الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ : أن سليمان بن داود لما فرغ من بنيان بيت المقدس سأل الله حكماً يصادف حكمة، وملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، ولا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فقال رسول الله ﷺ : " أما اثنتان فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة ". عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أُبي بن كعب، فقلت: يا أبا المنذر، إنه وقع في نفسي شيء من القدر قد خشيت أن يكون فيه هلاك ديني، أو أمري، فحدثني من ذلك شيئاً، لعل الله أن ينفعني، فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته، وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أحدٍ - أو مثل جبل أحد - ذهباً، فأنفقته في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن

стр. 4558

تأتي أخي عبد الله بن مسعود، فأتيت عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك، وقال: لا عليك أن تأتي أخي حذيفة بن اليمان، فتسأله، فأتيت حذيفة، فسألته، فقال مثل ذلك، وقال: لو أتيت زيد بن ثابت، فأتيت زيد بن ثابت فسألته، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله لو عذب أهل سماوته، وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد - أو مثل جبل أحد - ذهباً أنفقته في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فإن مت على غير هذا دخلت النار ". عن ابن الديلمي قال: كنت ثالث ثلاثةٍ ممن يخدم معاذ بن جبل، فلما حضرته الوفاة قلنا: يرحمك الله، إنما صحبناك، وانقطعنا إليك لمثل هذا اليوم، ولتحدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ننتفع به، قال: ساء ساعة الكذب هذه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من مات وهو مؤمن بثلاث: أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور دخل الجنة - أو قال: نجا من النار ". كان عبد الله بن الديلمي يصحب عبد الملك بن مروان، ويجالسه. خرج عبد الله بن الديلمي إلى صنعاء، فلما أراد أن يخرج شيعه وهب بن منبه، فقال: يا أبا بشر أين منزلك؟ فأخبره، فقال: إن استطعت ألا تنام إلا في موضع ترى فيه أهلك فافعل، قال: فاشترى داراً بكورة بيت جبرين في قرية يقال لها: معلولا.

стр. 4559

عبد الله بن القاسم بن الحكم ابن عبد الرحمن بن معاوية بن عبد الله بن أبان بن عثمان بن عفان، أبو محمد العثماني حدث عن يونس بن عبد الأعلى بسنده إلى مالك: أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني، إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كبرت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تسير إليها أقرب إليك من دارٍ تخرج منها. عبد الله بن القاسم بن سهل بن جوهر أبو الحسن الموصلي الفقيه الصواف روى عن أحمد بن محمد بن إسحاق بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " يستأنى بالجراحات سنةً ". عبد الله بن قرط الأزدي الثمالي من أهل دمشق - يقال: هو أخو عبد الرحمن صاحب رسول الله ﷺ ثم سكن حمص، وولاه إياها معاوية، وشهد فتح دمشق على ما ذكره عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي في كتابه: فتوح الشام، وبعثه يزيد بن أبي سفيان بكتابه إلى أبي بكر، وشهد اليرموك، وذكر الواقدي أنه كان من جند دمشق. عن عبد الله بن قرط أن رسول الله ﷺ قال: " إن أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر، يستقر الناس

стр. 4560

فيه، وهو الذي يلي يوم النحر " وقُدّم إلى رسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه، بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبهن قال كلمةً خفيةً لم أفهمها فقلت للذي إلى جنبي: ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: " من شاء اقتطع ". عن مسلم بن عبد الله الأزدي قال: جاء عبد الله بن قرط الأزدي إلى رسول الله ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : " ما اسمك؟ " قال: شيطان بن قرط، فقال له النبي ﷺ : " أنت عبد الله بن قرط ". وقيل: إن عبد الله بن قرط خرج يعس وهو والٍ على حمص على شاطئ الساحل، فنام على فرسه لم يشعر حتى أخذته الروم، فقتلته في هذا الموضع - يعني عند برج ابن قرط، وذلك سنة ست وخمسين. قال سليم بن عامر: سمعت عبد الله بن قرط الأزدي على المنبر يقول في يوم أضحى أو فطرٍ؛ ورأى على الناس ألوان الثياب فقال: يا لها من نعمةٍ ما أسبغها، ويا لها من كرامة ما أظهرها! وإنه ما زال عن جادة قومٍ أشد من نعمة لا يستطيعون ردها، وإنما تلبث - وفي رواية: تثبت - النعمة بشكر المنعم عليه للمنعم. وقد روي نحو هذه الخطبة عن أخيه عبد الرحمن بن قرط من وجه آخر. عن عروة بن رويم: أن عمر بن الخطاب تصفح الناس، فمر به أهل حمص، فقال: كيف أميركم؟ قالوا: خير أمير، إلا أنه بنى علية يكون فيها، فكتب كتاباً، وأرسل بريداً، وأمره أن

стр. 4561

يحرقها، فلما جاءها جمع حطباً وحرق بابها، وأخبر بذلك، فقال: دعوه! فإنه رسول. ثم ناوله الكتاب، فلم يضعه من يده حتى ركب إليه، فلما رآه عمر قال: احبسوه عني في الشمس ثلاثة أيام، فلما مضت قال: يا بن قرط، الحقني إلى الحرة - وفيها إبل الصدقة - قال: انزع ثيابك، فألقى إليه نمرة من أوبار الإبل، ثم قال: امتح، واسقِ هذه الإبل! فلم ينزع حتى تعب، ثم قال: متى عهدك يا بن قرط بهذا؟ قال: قريب يا أمير المؤمنين، قال: فلذلك بنيت العلية وارتفعت بها على المسكين والأرملة واليتيم؟ ارجع إلى عملك ولا تعد! عن أبي حذيفة إسحاق بن بشر قال: وقد كان عمر بن الخطاب وجّه عبد الله بن قرط إلى حمص، ثم وجد عليه عمر، فعزله، وولى عبادة بن الصامت الأنصاري حمص، فلما قدمها قام في الناس خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ثم قال: ألا إن الدنيا خضرة يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيه ملك قادر، ألا وإن للدنيا بنين، وللآخرة بنين، فكونوا من بني الآخرة، ولا تكونوا من بني الدنيا؛ فإن كل أم يتبعها بنوها يوم القيامة. قم يا شداد بن أوسٍ فعظِ الناس - وكان شداد مفوهاً، قد أعطي لساناً وحكمةً وبياناً - فقال: يا أيها الناس، تعاهدوا كتاب الله ، وإن تركه كثير من الناس، فإنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه، ثم إن الله قد جمع الخير كله بحذافيره، فجعله في الجنة، وجمع الشر كله بحذافيره، فجعله في النار، وإن الجنة حزنة، وإن النار سهلة، ألا وإن الجنة حفت بالمكاره والصبر، ألا وإن النار حفت بالهوى والشهوات، فمن كشف حجاب الكره والصبر أسفر عن الجنة، ومن أسفر عن الجنة كان من أهلها؛ ألا فاعملوا

стр. 4562

بالحق تنزلوا بالحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق. وكتب إلى عبادة بن الصامت أن يشخص إليه عبد الله بن قرط الثمالي، فلما قدم عليه قال: لأردنك إلى بلادك ورعية الإبل! فرده إلى بلاد ثمالة، فمكث بها سنةً، ثم كتب إليه فقدم عليه، ورضي عنه، وأذن له إلى حمص، فكان بها حتى كان من آخر أصحاب رسول الله ﷺ وفاةً. عبد الله بن قيس بن سليم ابن حضار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر - وهو نبت - بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان أبو موسى الأشعري كان عامل النبي ﷺ على زبيد وعدن وساحل اليمن، واستعمله عمر على الكوفة، والبصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، ثم قدم دمشق على معاوية. عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ، وكان القوم يصعدون ثنية أو عقبةً، فإذا صعد الرجل قال: لا إله إلا الله والله أكبر، قال: أحسبه قال: بأعلى صوته، ورسول الله ﷺ على بغلته يعترضها في الخيل، فقال النبي ﷺ : " أيها الناس، إنكم لا تنادون أصم، ولا غائباً " ثم قال: " يا عبد الله بن قيس - أو يا أبا موسى الأشعري - ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: " قل لا حول ولا قوة إلا بالله ".

стр. 4563

عن أبي يوسف الحاجب قال: قدم أبو موسى الأشعري، فنزل بعض الدور بدمشق، وكان معاوية يخرج ليلاً، فيسمع قراءته. قال خليفة: ولي لعمر بن الخطاب البصرة، واستعمله عثمان بن عفان على الكوفة بعد أن فتح الله به البلدان الكثيرة، وبنى بها داراً إلى جنب المسجد، وقُتل عثمان وهو على الكوفة، وله بها عقب. وأم أبي موسى ظبية بنت وهب من عك، كانت أسلمت، وماتت بالمدينة، وكان أبو موسى الأشعري قدم مكة، فحالف سعيد بن العاص بن أمية أبا أُحَيحة، وأسلم بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينتين على رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر بثلاث، قسم لهم النبي ﷺ ولم يقسم لأحدٍ لم يشهد الفتح غيرهم، وكان تولى فتح أصبهان في وقت عمر بن الخطاب، وكان أحسن أصحاب النبي ﷺ صوتاً، فقال رسول الله ﷺ : " لقد أُوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود " دعا له النبي ﷺ يوم أوطاس فقال: " اللهم اغفر له ذنبه، وأدخله مدخلاً كريماً ". تزوج أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأولدها موسى بن أبي موسى. وكان رجلاً خفيف الجسم، خفيف اللحية، قصيراً. عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: ليس أبو موسى من مهاجرة الحبشة، وليس له حلف في قريش، وقد كان أسلم بمكة قديماً، ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول

стр. 4564

الله ﷺ فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، ووافوا رسول الله ﷺ بخيبر، فقالوا: قدم أبو موسى مع أصحاب السفينتين. ويقولون: إنما أصابوا دماً باليمن، فخرجوا منها، وهم عشرة، ورأسهم أبو عامر حتى قدموا مكة، فنزلوا بالمعلاة حيث يقال: بيت أبي موسى، وحالفوا آل سعيد بن العاص، ثم شخصوا حين سمعوا بالنبي ﷺ بالمدينة، فركبوا في السفينة عند جدة، فقدموا على النبي ﷺ ، فاتفق قدومهم، وقدوم جعفر، فأطعمهم النبي ﷺ من خيبر طعمة وهي معروفة، يقال لها: طعمة الأشعريين، وشهدوا معه حنيناً، وهم عشرة، فلما انهزمت هوازن وجه رسول الله ﷺ أبا عامر في طلبهم، فلحقهم بأوطاس، فنزل إليه رجل منهم، فدعا إلى البراز، فخرج إليه أبو عامر، وقال: اللهم اشهد، فقتله، ثم آخر، فخرج إليه أبو عامر، فقال: اللهم اشهد، فقتله، حتى قتل منهم تسعة، ثم خرج العاشر، فبرز له أبو عامر، فقال: اللهم اشهد، فقال العاشر: اللهم لا تشهد، فقتل أبا عامر، وأخذ الراية أبو موسى، فقتل قاتله، وانهزم القوم، وصارت الرئاسة لأبي موسى. عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ، ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوان لي أنا أصغرهما، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم - إما قال: بضعاً، وإما قال ثلاثة، أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي - فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، قال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. قال: فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً، قال: فوافقنا رسول الله ﷺ عليه وسلم حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحدٍ غاب عن فتح خيبر شيئاً إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفرٍ وأصحابه؛

стр. 4565

قسم لهم معهم، قال: قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة -: سبقناكم بالهجرة، قال: فدخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا، على حفصة ذا مرة - وفي رواية: حفصة زوج النبي ﷺ زائرةً - وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، فقال عمر: آلحبشيه هذه، آلبحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، ونحن أحق برسول الله ﷺ ، فغضبت، وقالت: كلمةً يا عمر، كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ ، يطعم جائعكم، ويعظ - وفي رواية: ويعلم - جاهلكم، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ ، وايم الله لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شرباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، وأسأله، ووالله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك. فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ : " فما قلت له؟ " قالت: قلت كذا وكذا، قال: " ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان " قال: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال رسول الله ﷺ . قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث. قال أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : " يقدم عليكم غداً قوم هم أرق قلوباً للإسلام منكم " قال: فقدم الأشعريون، فيهم أبو موسى الأشعري، فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون يقولون: غداً نلقى الأحبه ... محمداً وحزبه فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا هم أول من أحدث المصافحة.

стр. 4566

قال عياض الأشعري: لما نزلت: " فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه " قال رسول الله ﷺ : " هم قومك يا أبا موسى " وأومى رسول الله ﷺ بيده إلى أبي موسى. عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: يا بني، لو رأيتنا ونحن مع نبينا ﷺ ، وأصابتنا السماء لحسبت ريحنا ريح الضأن؛ وإنما لباسنا الصوف، وطعامنا الأسودان: الماء والتمر. عن أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، ونحن ستة نفرٍ بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، قال: فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك، فقال: ما كنت أصنع بأن أذكر هذا الحديث، قال: لأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه، الله يجزي به. عن أبي موسى قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيشٍ إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريداً، وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامرٍ، قال: فرمي أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم بسهمٍ، فأثبته قي ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم، من رماك؟

стр. 4567

فأشار أبو عامر إلى أبي موسى: إن ذاك قاتلي، تراه، ذاك الذي رماني، قال أبو موسى: فقصدت له، فاعتمدت له، فلحقته، فلما رآني ولى عني ذاهباً، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت، ألا تستحي، ألست عربياً؟ فكف فالتقيت أنا وهو، فاختلفنا أنا وهو ضربتين، فضربته بالسيف، فقتلته، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء، قال: يا بن أخي، انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فأقره مني السلام، وقل له: يقول لك: استغفر لي، قال: فاستخلفني أبو عامر، ومكث يسيراً، ثم إنه مات، فلما رجعت إلى رسول الله ﷺ ، دخلت عليه، وهو في بيت على سرير، قد أثّر السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه، فأخبرته خبرنا وخبر أبي عامرٍ، فقلت: إنه قد قال: استغفر لي - وفي رواية: قل له يستغفر لي - قال: فدعا رسول الله ﷺ بماءٍ، فتوضأ منه، ثم رفع يديه، ثم قال: " اللهم اغفر لعُبيدٍ أبي عامر " ثم قال: " اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير خلقك - أو من الناس - " فقلت: وليّ يا رسول الله فاستغفر، فقال رسول الله ﷺ : " اللهم اغفر لعبد الله بن قيسٍ ذنبه، وأدخله مدخلاً كريماً " قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى. عن أبي موسى قال: كنت عند النبي ﷺ ، وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة، ومعه بلال، فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابي، فقال: ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني؟ فقال له رسول الله ﷺ : " أبشر " فقال الأعرابي: أكثرت عليَّ من أبشر، ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فأقبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: " إن هذا قد رد البشرى فاقبلا أنتما " فقالا: قبلنا يا رسول الله، ثم دعا رسول الله ﷺ بقدحٍ فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه، ثم قال لهما: " اشربا منه، وأفرغا منه على وجوهكما،

стр. 4568

ونحوركما وأبشرا " فأخذا القدح، ففعلا ما أمرهما رسول الله ﷺ ، فنادتهما أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما مما في إنائكما، فأفضلا لها منه طائفةً. خرج بريدة عشاءً، فلقيه النبي ﷺ فأخذ بيده، فأدخله المسجد، فإذا صوت رجلٍ يقرأ، فقال النبي ﷺ : " تراه يرائي؟ " فأسكت بريدة، فإذا رجل يدعو، فقال: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده - أو قال: والذي نفس محمد بيده - لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب " قال: فلما كان من القابلة خرج بريدة عشاءً، ولقيه النبي ﷺ فأخذ بيده، فأدخله المسجد، فإذا صوت رجل يقرأ فقال النبي ﷺ : " تراه مرائياً؟ " فقال بريدة: أتقوله مرائياً يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : " لا بل مؤمن منيب، لا بل مؤمن منيب " فإذا الأشعري يقرأ بصوتٍ له في جانب المسجد، فقال رسول الله ﷺ : " إن الأشعري - أو إن عبد الله بن قيس - أُعطي مزماراً من مزامير داود "، فقلت: ألا أخبره يا رسول الله؟ فقال: " بلى فأخبره " فأخبرته، فقال: أنت لي صديق، أخبرتني عن رسول الله ﷺ بحديث. عن أنسٍ قال: قعد أبو موسى في بيتٍ - وفي رواية: في بيته - واجتمع إليه ناس، وأنشأ يقرأ عليهم القرآن، قال: فأتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ألا أعجبك من أبي موسى! إنه قعد في بيتٍ، واجتمع إليه ناس، وأنشأ يقول عليهم القرآن، فقال رسول الله ﷺ : "

стр. 4569

أتستطيع أن تقعدني حيث - وفي رواية: من حيث - لا يراني منهم أحد؟ " قال: نعم، فخرج رسول الله ﷺ فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد، فسمع قراءة أبي موسى، قال: فقال: " إنه يقرأ - وفي رواية: ليقرأ - على مزمارٍ من مزامير آل داود ". عن أنسٍ: أن أبا موسى الأشعري قام ليلةً يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ صوته، وكان حلو الصوت، فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له: النساء كن يستمعن، فقال: لو علمت لحبّرتكن تحبيراً، ولشوقتكن تشويقاً - وفي رواية: لحبرتكم وشوقتكم. عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، وقل طعامهم - وفي رواية: أو قل طعام عيالهم - بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم ". عن أبي عامر الأشعري، عن النبي ﷺ قال: " نِعْم الحي الأسد، والأشعريون لا يفرون في القتال، ولا يغلون، هم مني وأنا منهم " قال عامر ابن أبي عامر: فحدثت به معاوية، فقال: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ ولكنه قال: " هم مني وإليَّ " فقلت: ليس هكذا حدثني أبي عن النبي ﷺ ولكنه قال: " هم مني وأنا منهم " قال: فأنت أعلم بحديث أبيك.

стр. 4570

عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا، بالقرآن، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالليل، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل - أو قال: العدو - قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنتظروهم ". حدث كعب بن عاصم الأشعري قال: ابتعت قمحاً أبيض، ورسول الله ﷺ حي، فأتيت به أهلي، فقالوا: تركت القمح الأسمر الجيد وابتعت هذا؟ والله لقد أنكحني رسول الله ﷺ إياك، وإنك لعيي اللسان، دميم الجسم، ضعيف البطش، وصنعت منه خبزةً، فأردت أن أدعو عليها أصحابي الأشعريين أصحاب العقبة، فقلت: أتجشأ من الشبع، وأصحابي جياع، فأتت رسول الله ﷺ تشكو زوجها، وقالت: انزعني من حيث وضعتني، فأرسل إليه رسول الله ﷺ ، فجمع بينهما، فحدثه حديثها، فقال رسول الله ﷺ : " لم تنقمي منه شيئاً غير هذا؟ " قالت: لا، قال: " فلعلك تريدين أن تختلعي منه، فتكوني كجيفة الحمار؟ أو تبغين ذا جمة فينانة على كل جانب من قُصَّته شيطان قاعد؟ ألا ترضين أني أنكحتك رجلاً من نفرٍ ما تطلع الشمس على نفَرٍ خير منهم؟ " قالت: رضيت، فقامت المرأة حتى قبلت رأس زوجها، وقالت: لا أفارق زوجي أبداً. خطب رسول الله ﷺ الناس قائماً، فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر الطوائف من المسلمين، فأثنى عليهم خيراً، ثم قال: " ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم، ولا يفقهونهم، ولا يفطنونهم، ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم؟ ما بال أقوامٍ لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يفقهون، ولا يفطنون!؟ والذي نفسي بيده لتعلمن جيرانكم، ولتفقهنهم ولتعظنهم، ولتأمرنهم، ولتنهنهم؛ وليتعلمن قوم من جيرانهم، وليتفقهن وليتفطنن أو لأعجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا " ثم نزل رسول الله ﷺ فدخل بيته، فقال أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 4571

بينهم: من يعني بهذا الكلام؟ قالوا: ما نعلم بهذا الكلام إلا الأشعريين؛ إنهم فقهاء علماء، ولهم جيران من أهل المياه جفاة جهلة، فاجتمع جماعة من الأشعريين، فدخلوا على النبي ﷺ ، فقالوا: ذكرت طوائف المسلمين بخير، وذكرتنا بشرٍ، فما بالنا؟ فقال رسول الله ﷺ : " لتعلمن جيرانكم، ولتفقهنهم، ولتفطننهم، ولتأمرنهم، ولتنهنهم، أو لأعاجلنكن بالعقوبة في دار الدنيا " فقالوا: يا رسول الله أمّا إذاً فأمهلنا سنةً ففي سنةٍ، نعلمهم ويتعلمون، فأمهلهم سنةً ثم قرأ رسول الله ﷺ : " لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ". قال نعيم بن يحيى التميمي: قال رسول الله ﷺ : " سيد الفوارس أبو موسى ". عن أبي بردة قال: قال ابن عمر: علمت أن أباك لقي أبي، فقال: يا أبا موسى، أتحب أن تخلص عملك مع رسول الله ﷺ وأنك تفلت كفافاً؟ قال: لا، قد علمت الناس، وأقرأتهم، قال عمر: ولكن وددت أنه يخلص عملي مع رسول الله ﷺ وأني أنفلت كفافاً، قال: إن أباك كان أفقه من أبي. قال الأسود بن يزيد: لم أر بالكوفة من أصحاب محمدٍ ﷺ أعلم من علي بن أبي طالب والأشعري. قال الشعبي: كان الفقهاء من أصحاب محمد ﷺ ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وزيد، وأبو موسى، وأُبي بن كعب. وقال: قضاة هذه الأمة أربعة: عمر، وعلي، وزيد، وأبو موسى الأشعري، ودهاة هذه الأمة أربعة: عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة، وزياد.

стр. 4572

عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال أبي: تعلمت المعجم بعد وفاة رسول الله ﷺ فكان كتابي مثل العقارب. قال سليمان أو غيره: ما كان يشبه كلام أبي موسى إلا الجزار الذي لا يخطئ المفصل. قال عمر بن الخطاب: بالشام أربعون رجلاً، ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلا أجزأه، فأرسل إليهم، فجاء رهط منهم، فيهم: أبو موسى الأشعري، فقال: إني أرسلت إليكم لأرسلك إلى قومٍ عسكر الشيطان بين أظهرهم، قال: فلا ترسلني، فقال: إن بها جهاداً، وإن بها رباطاً، قال: فأرسله إلى البصرة. عن الحسن قال: بعث عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري وهو بالشام، فقدم عليه، فلما قدم عليه قال له: إني إنما بعثت إليك لخيرٍ، لتؤثر حاجتي على حاجتك؛ أما حاجتك فالجهاد في سبيل الله، وأما حاجتي فأبعثك إلى البصرة، فتعلمهم كتاب ربهم وسُنة نبيهم، وتجاهد بهم عدوهم، وتقسم بينهم فيئهم. قال الحسن: ففعل والله، لقد علمهم كتاب ربهم، وسُنة نبيهم، وجاهد بهم عدوهم، وقسم بينهم فيئهم، فوالله ما قدم عليهم راكب كان خيراً لهم من أبي موسى. قال ابن شوذب: كان إذا صلى الصبح أمر الناس فثبتوا في مجالسهم، ثم استقبل الصفوف رجلاً رجلاً يقرئه القرآن، حتى يأتي على الصفوف، ودخل على جملٍ أورق، وخرج عليه حين عُزل. عن أبي مرية قال: جعل أبو موسى الأشعري يعلم سنتهم ودينهم فقال: ولا يدافعن أحد منكم في

стр. 4573

بطنه غائطاً ولا بولاً، وإن حك أحدكم فرجه فمرشة أو مرشتين، وليكن ذلك خفيفاً، فشخصت أبصارهم - أو قال: فصرفوها عنه - فقال: ما صرف أبصاركم عني؟ قالوا: الهلال، أيها الأمير، قال: أفذاك الذي أشخص أبصاركم عني؟ قالوا: نعم، قال: فكيف بكم إذا رأيتم الله جهرةً؟! وقال لأهل البصرة: إن أمير المؤمنين عمر بعثني أعلمكم كتاب ربكم، وسُنة نبيكم، وأنظف لكم طرقكم. عن أبي المليح الهذلي قال: كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد؛ فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يأيس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر والصلح بين المسلمين إلا صلح أحل حراماً أو حرّم حلالاً، لا يمنعك قضاء قضية راجعت فيه نفسك، وهُديت فيه لرشدك أن تراجع الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسُنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فأحبه إليّ أحبه إلى الله، وأشبهها بالحق فيما يرى، اجعل للمدعي أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذ حقه، وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك أجلى للعمى، وأبلغ للعذر، والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلود في حد، أو مجرب في شهادة زورٍ، أو ظنين في ولاءٍ أو قرابةٍ، إن الله تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات، ثم إياك والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذخر، فإنه من يصلح نيته فيما بينه وبين الله ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن

стр. 4574

تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشنه الله، فما ظنك بثواب غير الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام عليك. عن أبي بردة قال: كتبت حديث أبي، فقال: ألا أراك تكتب حديثي؟ قلت: أجل، قال: فاتني به، قال: فأتيته به، فمحاه، وقال: احفظ كما حفظت. قال قتادة: بلغ أبا موسى أن قوماً منعهم من الجمعة أن ليس لهم ثياب، قال: فخرج على الناس في عباءة. عن السميط بن عبد الله السدوسي قال: قال أبو موسى وهو يخطب: إن باهلة كانت كراعاً، فجعلناها ذراعاً، قال: فقام رجل، ألا أنبئك بألأم منهم؟ قال: من؟ قال: عك والأشعريون، قال: أولئك وأبيك آبائي، يا ساب أميره، تعال؛ قال: فضرب عليه فسطاطاً فراحت عليه قصعة، وغدت أخرى، فكان ذاك سجنه. قدم أبو موسى البصرة والياً سنة سبع عشرة بعد عزل المغيرة، فلم يزل عليها حتى قتل عمر. وكتب إليه عمر: أن سر إلى كور الأهواز، فسار أبو موسى، واستخلف على البصرة عمران ابن حصين، فأتى الأهواز، فافتتحها - يقال: عنوةً، ويقال: صلحاً - فوظف عليها عمر عشرة آلاف ألف وأربعمائة ألف، وفي سنة ثمان عشرة افتتح الرها، وافتتح سميساط، وما والاها عنوة. وكان أبو عبيدة بن الجراح وجه عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى

стр. 4575

بعد فتح هذه المدائن، فمضى ومعه أبو موسى، فافتتحا حران، ونصيبين وطوائف الجزيرة عنوةً - ويقال: وجه أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى الجزيرة فوافق أبا موسى الأشعري قد افتتح الرها، وسميساط، فوجه خالد أبا موسى وعياضاً إلى حران فصالحا أهلها، ومضى خالد إلى نصيبين فافتتحها، ثم رجع إلى آمد، فافتتحها صلحاً وما بينهما عنوةً، وفيها: فتح جنديسابور، والسوس صلحاً، صالحهم أبو موسى، ثم رجع إلى الأهواز، وفي سنة عشرين كانت وقعة تستر، وفتحها. سار أبو موسى الأشعري إلى تستر، وفيها الهرمزان، وكان من أهل مهرجان كذق، وكان شهد جلولاً، مع الناس، فلما هزم لحق بيزدجرد، فقال له: ائذن لي فأرجع إلى عملي بالأهواز، فأحبس عنك العرب من هذا الوجه، وأمدك بالأموال، فأذن له، فجاء حتى أتى تستر، وأجفلت الأساورة، وعظماء الأعاجم إليه، وأمده. ونزل الهرمزان على حكم أمير المؤمنين عمر بعد أن هزمه الله، فبعثه أبو موسى مع أنس إلى عمر، فقدم به عليه، فقال عمر: تكلم لا بأس عليك، فاستحياه، فأسلم، وفرض له. وفي ذلك يقول ابن ذي نمر الخزاعي: من المتقارب قدمنا المدينة بالهرمزان ... عليه القلائد والمنطقه يزف إليك زفاف العروس ... على بغلةٍ سهوةٍ معتقه قد أنزله الله من حصنه ... على الحكم، أرجوك أن تعتقه وذا الأشعري لنا والد ... وأم بنا برة مشفقه

стр. 4576

تهيء المهاد لأولادها ... وتنفض عن لطعها المرفقه ترى الوجه منه طليقاً لنا ... ونلقاه بالأوجه المشرقه فلسنا نريد به غيره ... عليه الجماعة مستوسقه ولا تشمتن بنا حاسداً ... رماه بأسهمه المفرقه قال: فأشرق وجه عمر سروراً بكلامه. قال عبد الله بن يزيد الباهلي: دخل ضبة بن محصن من الليل، فتحدث عندي حتى خشيت عليه الحرس، قال: فكان فيما حدثني قال: شاكيت أبا موسى في بعض ما يشاكي الرجل أمره، قال: فانطلقت أبووا عليه عند عمر، قال: وذلك عند حضور وفادة أبي موسى إلى عمر، فكتب أبو موسى إلى عمر - والبرد إذ ذاك على الإبل - قال: السلام عليك، أما بعد فإني كتبت إليك، وأنا خارج إليك في كذا وكذا، قال: وكتب إليه، وضبة بن محصن قد خرج من عندي عاصياً بغير إذن بيني وبينك، فأحببت أن تعلم ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فسبقني كتابه، فقدمت المدينة، فجئت إلى باب عمر، فقلت: السلام عليكم، يدخل ضبة بن محصن، فقال عمر: لا مرحباً ولا أهلاً! قال: فقلت: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل ولا مال! قال: فأعدت ذلك ثلاث مرات، وأعادهن ثلاثاً، ثم قال: ادخل، أو قال: أذن لي، فدخلت، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين الرجل يظلمه سلطانه، فإذا انتهى إلى أمير المؤمنين لم يجد عنده خيراً، فوالله يا أمير المؤمنين إن الأرض لواسعة، وإن العدو لكثير، قال: فكأنما كُشف عن وجهه غطاء، فقال: ادن دنوك، فقال: إيه، ثم قال: إيه، قال: قلت: أبو موسى اصطفى لنفسه أربعين من الأساورة. قال: فقال: اكتب، فكتب. قال: ثم قال: إيه؟ قلت: أبو موسى له مكتالان يكيل للناس بغير الذي يكتال به، قال: اكتب، فكتب قال: قلت: عقيلة سريته، لها قصعة غادية رائحة يأكل منها أشراف الجند، قال: اكتب، فكتب. فما لبث إلا يسيراً حتى قدم أبو موسى، قال: فمشيت إلى جنبه، أعطفه، وأذكر أمير المؤمنين قال: حتى

стр. 4577

انتهى إلى أمير المؤمنين، قال: فقال له: ما بال أربعين اصطفيتهم لنفسك من أبناء الأساورة؟ قال: يا أمير المؤمنين، اصطفيتهم، وخشيت أن يخدع الجند عنهم، ففاديتهم، واجتهدت في فدائهم، وكنت أعلم بفدائهم، ثم خمست وقسمت، قال ضبة: وصادقاً، والله ما كذبه أمير المؤمنين وما كذبته، قال: فما بال مكتالٍ تكتال به، وتكيل للناس بغيره؟ قال: مكتال أكيل به قوت أهلي، وأرزاق دوابي، وما كلت به لأحدٍ، وما اكتلت به من أحد، قال ضبة: وصادقاً والله، فوالله ما كذبه أمير المؤمنين وما كذبته، قال: فما بال قصعة عقيلة الغادية الرائحة؟ قال: فسكت ولم يعتذر منها بشيءٍ، قال: فقال عمر لوفده: أنشد الله رجلاً أكل منها، قال: فسكت القوم، ثم عاد ثلاث مرات، قال: فقال وكيع بن قشير التميمي: قبح الله تلكم القصعة، فإني إخالنا قد أصبنا منها، قال: فقال عمر: لا جرم، والذي نفسي بيده لا ترى عقيلة العراق ما دمت أملك شيئاً! فاحتبسها عنده. عن أنس بن مالك قال: قال الأشعري وهو على البصرة: جهزني، فإني خارج يوم كذا وكذا، فجعلت أجهزه، فجاء ذلك اليوم، وقد بقي من جهازه شيء لم أفرغ منه، فقال: يا أنس إني خارج، فقلت: لو أقمت حتى أفرغ من بقية جهازك، فقال: إني قد قلت لأهلي إني خارج يوم كذا وكذا، وإني إن كذبت أهلي كذبوني، وإن خنتهم خانوني، وإن أخلفتهم أخلفوني، فخرج وقد بقي من حوائجه بعد شيء لم يفرغ منه. قال محمد بن عمر: وفي سنة تسع وعشرين عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وكان عامله عليها سبع سنين، وولى عبد الله بن عامر بن كريز. قال خليفة: وفيها - يعني سنة تسع وعشرين - عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وفيها -

стр. 4578

يعني سنة أربع وثلاثين - أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، وولوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولي أبا موسى، فولاه، وأقر عثمان أبا موسى الأشعري على البصرة أربع سنين. عن أبي مجلز قال: صلى أبو موسى بأصحابه، وهو مرتحل من مكة إلى المدينة، فصلى العشاء ركعتين، وسلم، ثم قام، فقرأ مائة آية من سورة النساء في ركعة، فأُنكر ذلك عليه، فقال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله ﷺ ، وأن أصنع مثل الذي صنع رسول الله ﷺ . كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى ربما قال له: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ. وكان يقرأ بين يدي عثمان بن عفان في غير صلاة. وكان أبو موسى إذا قرأ: " يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم " قال: يعني الجهل، ويبكي. وإذا قرأ: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وهم لكم عدو " بكى. عن أبي موسى قال: غزونا غزوةً في البحر نحو الروم، فسرنا، حتى إذا كنا في لجة البحر، وطابت لنا الريح، فرفعنا الشراع إذ سمعنا منادياً ينادي: يا أهل السفينة، قفوا أخبركم، قال: فقمت، فنظرت يميناً وشمالاً، فلم أر شيئاً، حتى نادى سبع مرات، فقلت: من هذا؟ ألا ترى على أي حالٍ نحن؟! إنا لا نستطيع أن نُحبس قال: ألا أخبرك بقضاءٍ قضاه الله على نفسه؟ قال: قلت: بلى، قال: فإنه من عطش نفسه لله في الدنيا في يومٍ حار كان على الله أن يرويه يوم القيامة.

стр. 4579

فكان أبو موسى لا نكاد نلقاه إلا صائماً في يوم حار. عن أبي إدريس قال: صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له: لو أجممت نفسك؟ فقال: هيهات، إنما يسبق من الخيل المضمرة! عن أبي موسى قال: ما استويت قائماً لغسل منذ أسلمت. وكان إذا اغتسل في بيتٍ مظلمٍ تحادب وحنى ظهره حتى يأخذ ثوبه، ولا ينتصب، وكان له سراويل يلبسه بالليل إذا نام، مخافة أنت تنكشف عورته. قال أبو موسى: من كثر صديقه ركب رقاب أعدائه. وقال: إن هذه الفتنة فتنة باقرة كوجع البطن لا يُدرى أنى يؤتى، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، كسروا القسي، وقطعوا الأوتار. وقال: قال النبي ﷺ : " إذا كانت معك أسهم فخذ بنصولها لا تجرح مسلماً، أو تخرق ثوبه ". قال أبو موسى: فهؤلاء يأمرونني أن أستقبل بها حدق المسلمين. قال عمار بن ياسر: يا أبا موسى، أنشدك الله، ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: " من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " وأنا سائلك عن حديثٍ، فإن صدقت، وإلا بعثت عليك من أصحاب رسول الله ﷺ من يقررك به، أنشدك الله، أليس إنما عناك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 4580

فقال: " إنها ستكون فتنة بين أمتي، أنت - يا أبا موسى فيها نائماً خير منك قاعداً، وقاعداً خير منك قائماً، وقائماً خير منك ماشياً " فخصك رسول الله ﷺ ولم يعم الناس؟ فخرج أبو موسى ولم يرد عليه شيئاً. عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله ﷺ : " يكون في هذه الأمة حكمين ضالين، ضال من اتبعهما " فقلت: يا أبا موسى، انظر لا تكون أحدهما، قال: فوالله ما مات حتى رأيته أحدهما. عن عكرمة قال: لما كان يوم الحكمين، فحكم معاوية من قبله عمرو بن العاص قال الأحنف بن قيس لعلي: يا أمير المؤمنين، حكم ابن عباس، فإنه نحوه وابن عباس رجل مجرب، قال علي: فأنا أفعل، فحكم ابن عباس، فأتت اليمانية، وقالوا: لا، حتى يكون منا رجل، ودعوا إلى أبي موسى الأشعري، فجاء ابن عباس إلى علي فقال: علام تحكم أبا موسى؟ فوالله لقد عرفت رأيه فينا، فوالله ما نصرنا وهو يرجو ما نحن فيه، فتدخله الآن في معاقد الأمر، مع أن أبا موسى ليس بصاحب ذاك، فإذا أبيت أن تجعلني مع عمرو فاجعل الأحنف بن قيس، فإنه مجرب من العرب، وهو قرن لعمرو بن العاص، فقال علي: فأنا أجعل الأحنف، فأتت اليمانية أيضاً، وقالوا: لا يكون فيها إلا يمان، فلما غلب علي جعل أبا موسى. وقال ابن عباس: قلت لعلي يوم الحكمين: لا تحكم الأشعري، فإنه معه رجلاً حذر مرس قارح من الرجال، فَلُز بي إلى جنبه، فإنه لا يحل عقدة إلا عقدتها، ولا يعقد عقدة إلا حللتها، قال: يا بن عباس، فما أصنع؟ إنما أوتى من أصحابي، قد ضعفت بينهم، وكلوا في الحرب، هذا الأشعث بن قيس يقول: لا يكون فيها مضريان أبداً حتى يكون أحدهما يمان، قال ابن عباس: فعذرته، وعرفت أنه مضطهد، وأن أصحابه لا نية لهم.

стр. 4581

قال أبو صالح: قال علي: يا أبا موسى، احكم ولو على حز عنقي. وعن عبد الله بن الحسن قال: قال علي في الحكمين: أحكمكما على أن تحكما بكتاب الله، وكتاب الله كله لي، فإن لم تحكما بكتاب الله فلا حكومة لكما. عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أن معاوية كتب إليه: سلام عليك، أما بعد فإن عمرو بن العاص قد تابعني على ما أريد، وأقسم بالله لئن بايعتني على الذي بايعني لأستعملن ابنيك، أحدهما على الكوفة والآخر على البصرة، ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة، وقد كتبت إليك بخط يدي، فاكتب إلي بخط يدك. قال: فقال لي أبي: يا بني إنما تعلمت المعجم بعد وفاة رسول الله ﷺ ، قال: فكتب إليه كتاباً مثل العقارب، فكتب: سلام عليك، أما بعد فإنك كتبت إلي في جسيم أمر أمة محمد ﷺ ، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه؟ ليس لي فيما عرضت من حاجةٍ، والسلام عليك. وكتب معاوية بن أبي سفيان بعد الحكومة إلى أبي موسى الأشعري، وهو يومئذ عائذ بمكة من علي، وأراد بكتابه إليه أن يضمه إلى الشام: أما بعد، فلو كانت النية تدفع خطأ لنجا المجتهد، وأعذر الطالب، ولكن الحق لمن قصد له فأصابه، ليس لمن عارضه فأخطأه، وقد كان الحكمان إذا حكما على رجلٍ لم يكن له الخيار عليهما، وقد اختار القوم عليك، فاكره منهم ما كرهوا منك؛ وأقبل إلى الشام؛ فإنها أوسع لك. وكتب إليه بهذه الأبيات: من الطويل

стр. 4582

وفي الشام أمر واسع ومعول ... وعذرك مبسوط وقولك جائز وإن كنت قد أعطيت عقلاً فشبته ... بتركك وجه الحق والحق بارز وإن كنت أبصرت الهدى فاتبع الهدى ... وإن كنت لم تبصر فإنك عاجز جمعت بخرقٍ منك خلعي وخلعه ... كما جمع السيرين في الخرز خارز فأصبحت فيما بيننا متذبذباً ... تهادى بما قد كان منك العجائز قدم أبو موسى على معاوية بعد الجماعة، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، قال: فرحب به معاوية؛ ثم قال: بايع يا أبا موسى، قال: لنا وعلينا؟ فقبض معاوية يده، وخرج أبو موسى من عنده، فأتى منزله، فأتاه عبد الله بن عضاه، فدخل عليه منزله، فقال: يا أبا موسى إنك والله ما أنت في زمان أبي بكر، ولا زمان عمر، ولا عثمان، فاتق على نفسك؛ فإني أخاف أن تقتل، وخرج ابن عضاه، فقال أبو موسى لأبي بردة: اتبع الرجل، فانظر أين يدخل؟ قال: فتبعه، فدخل ابن عضاه إلى معاوية، فرجع أبو بردة إلى أبي موسى، فأخبره، فقال أبو موسى: معاوية أرسله، ثم راح أبو موسى إلى معاوية، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قال: ما الذي أنكرت من سلامي عليك بالأمس؟ قد كنا نسلم على عمر، وعلى عثمان بأمير المؤمنين، وبالأمير، إذا سلمنا عليك بالإمرة فنحن المؤمنون، وأنت أمير المؤمنين، وإن لم نقلها لك، وما الذي أنكرت من قولي لك: لنا وعلينا؟ لنا أجرها، وعلينا الوفاء بها! ثم قال: امدد يدك يا أبا موسى، قد علمت أنك لم تأتنا حتى زممتها، وخطمتها! قال: ثم بايع، فأمر له بعطاء خمس سنين كان حرمه إياها. قال أبو بردة: أوصى أبو موسى حين حضره الموت، فقال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا المشي، ولا يتبعني مجمر، ولا تجعلوا في لحدي شيئاً يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلوا على قبري

стр. 4583

بناءً، وأشهدكم أني بريء من كل حالقة، أو سالقة، أو خارقة، قالوا: أو سمعت فيه شيئاً؟ قال: نعم من رسول الله ﷺ . عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب قال: دعا أبو موسى فتيانه حين حضرت الوفاة، قال: اذهبوا فما حفروا، وأوسعوا وأعمقوا. فجاؤوا فقالوا: قد حفرنا، وأوسعنا وأعمقنا، فقال: والله إنها لإحدى المنزلتين، إما ليوسعن علي قبري حتى تكون كل زاوية منه أربعين ذراعاً، ثم ليفتحن لي باب إلى الجنة فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي، وما أعد الله لي من الكرامة، ثم لأكونن أهدى إلى منزلي مني اليوم إلى بيتي، ثم ليصيبني من ريحها، ورَوحها حتى أبعث، ولئن كانت الأخرى، ونعوذ بالله منها، ليضيقن علي قبري حتى يكون أضيق من القناة في الزج، ثم ليفتحن لي باب من أبواب جهنم، فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي وقرنائي، ثم لأكونن إلى مقعدي من جهنم أهدى مني اليوم إلى بيتي، ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث. عن ثابت بن قيس قال: أرسل أبو موسى إلى امرأته وهو مريض، فلما أتته بكت قال: مه، ألم تعلمي أني بريء ممن تبرأ منه رسول الله ﷺ ، إذا أنا مت فغسليني وعلي قميصي، فإذا فرغت فانزعيه عني أو شقيه. ومات أبو موسى الأشعري بالكوفة في خلافة معاوية، واختلف في تاريخ وفاته، فقيل: سنة ثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة ثنتين وخمسين.

стр. 4584

عبد الله بن قيس بن مخرمة ابن المطلب بن عبد مناف قصي بن كلاب القرشي المطلبي يقال: إن له صحبة، ووفد على عبد الملك بن مروان. روى عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن الليلة صلاة رسول الله ﷺ ، فتوسدت عتبته، أو فسطاطه، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة. عن عبيد الله بن موهب قال: أول من فرق بين هاشم والمطلب في الدعوة عبد الملك بن مروان، قدم عليه عبد الله بن قيس ابن مخرمة، أخو بني عبد المطلب، فقال له عبد الملك: أقد رضيت يا عبد الله أن تُدعى لغير أبيك، فتجيب؟ قال: ومن يدعوني لغير أبي؟ قال: أليس يدعى ببني هاشم ولا يدعى بنو المطلب فتجيب؟ قال: أمر صنعه رسول الله ﷺ ، فكيف لي بذلك. قال: سلني أن أقركم على عريفٍ، فأفعل، فلما أذن للناس من الغد قام عبد الله بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، إنا أصبحنا ليس لنا عريف، إنما تدعى بنو هاشم فنجيب، فاجعل لنا عريفاً، فكتب له: أن تعرفوا على عريف، ويكون ذلك عبد الله بن قيس يليها، ويوليها من أحب. قال الزبير بن بكار: وكان لقيس بن مخرمة من الولد: عبد الله، ومحمد، وعبد الملك، ونساء؛ أمهم: درة بنت عقبة ابن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري، استخلف

стр. 4585

حجاج بن يوسف عبد الله بن قيس بن مخرمة على المدينة حين استعمله عبد الملك بن مروان على الكوفة والبصرة. قال محمد بن سعد: أسلم عبد الله بن قيس يوم فتح مكة. قال الحافظ: هذا وهم من ابن سعد، عبد الله بن قيس تابعي، لا أعرف له صحبة. قال عبد الله بن قيس بن مخرمة: أقبلت من مسجد بني عمرو بن عوف بقباء على بغلةٍ لي، قد صليت فيه، فلقيت عبد الله بن عمر ماشياً، فلما رأيته نزلت عن بغلتي، ثم قلت: اركب ابن عمر، قال: أي ابن أخي، لو أردت أن أركب الدواب لوجدتها، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمشي إلى هذا المسجد، حتى يأتي، فيصلي فيه، فأنا أحب أن أمشي إليه كما رأيته يمشي، قال: فأبى أن يركب، ومضى على وجهه. قال خليفة: ولاها - يعني المدينة - عبد الملك الحجاج بن يوسف سنة ثلاث وسبعين، فاستقضى الحجاج عبد الله بن قيس بن مخرمة. عبد الله بن قيس أبو بحرية التراغمي الحمصي شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وقدم دمشق. روى عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : " الملحمة العظمى، وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر ".

стр. 4586

عن أبي بحرية قال: قدمت الشام، فجئت المسجد، فإذا أنا بحلقة مشيخة، فيهم فتى شاب يحدثهم قد أنصتوا له، قلت: من هؤلاء؟ قالوا أصحاب محمد، قلت: ومن الشاب؟ قالوا: معاذ بن جبل، فرحت إلى المسجد، وكان يُهجِّر فجئته، وقد قضى سبحته، وجلس، فجلست، فقلت: إني لأحبك في الله، فأخذ بججزتي، فجذبها وقال: الله؟ قلت: الله، مرتين أو ثلاثاً، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " وجبت رحمتي - أو قال: محبتي - للذين يتحابون فيّ، ويتجالسون فيّ، ويتزاورون فيّ، ويتباذلون فيّ ". قال حسان بن عطية: دخل أبو كبشة السلولي مسجد دمشق، فقام إليه عبد الله بن أبي زكريا ومكحول وأبو بحرية في أناسٍ، قال حسان: فكنت فيمن قام إليه، فحدثنا قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ : " أربعون حسنة أعلاها منيحة العنز لا يعمل رجل بخصلةٍ منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إلا أدخله بها الجنة ". قال حسان: فذهبنا نعد: رد السلام، وإماطة الحجر، ونحو ذلك مما دون منيحة العنز، فما أجزنا خمسة عشر. عن أبي بحرية قال: عُدنا أبا عبيدة بن الجراح بالشام في رهطٍ من أصحابنا، فلما جلسنا إليه قال رجل منا: أبشر بالأجر من الله يا أبا عبيدة، فقال: أي بني - أو ابن أخي - إنما الأجر في سبيل الله، ولكن المرض يحط الخطايا والذنوب كما تحط عن الإبل أوثاقها إذا هي جاءت من أرض نائية.

стр. 4587

عن محمد بن عمر الواقدي في كتاب الصوائف: أن عثمان كتب إلى معاوية أن أغز الصائفة رجلاً مأموناً على المسلمين، رفيقاً بسياستهم، فعقد لأبي بحرية بن عبد الله بن قيس الكندي، وكان ناسكاً فقيهاً، يُحمل عنه الحديث وكان عثماني الهوى، حتى مات في زمن الوليد بن عبد الملك، وكان معاوية وخلفاء بني أمية يعظمونه، وكان فيمن غزا مع عمير بن سعد الصائفة، أول صائفة قطعت درب الروم على عهد عمر، فكان ذا غناء وجرأة - فغزا أبو بحرية بالناس. عن أبي بكر بن عبد الله بن حويطبٍ قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عبد الملك، إذ دخل شيخ من شيوخ الشام يقال له: أبو بحرية مجتنح بين شابين، فلما رآه عبد الله قال: مرحباً بأبي بحرية، فأوسع له بيني وبينه، وقال: ما جاء بك يا أبا بحرية؟ أتريد أن نضعك من البعث؟ قال: لا أريد أن تضعني من البعث، ولكن تقبل مني أحد هذين - يعني ابنيه - ثم قال: من هذا عندك؟ قال: هو يخبرك عن نفسه، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا أبو بكر بن عبد الله بن حويطب، فقال: مرحباً، وأهلاً بابن أخي، أما إني في أول جيش - أو قال: في أول سريةٍ - دخلت أرض الروم زمن عمر بن الخطاب. وهذا دليل على أن أبا بحرية عاش إلى خلافة عبد الملك بن مروان. عبد الله بن قيس الهمداني الحمصي شهد عمر بالجابية قال: كنت فيمن تلقى عمر بن الخطاب مقدمه الشام والجابية يريد قسم ما فتحنا من الأرضين، قال: فتلقيناه خلف أذرعات مع أبي عبيدة بن الجراح، قال: فبينا هو يساير

стр. 4588

أبا عبيدة إذ لقيه المقلسون من أهل أذرعات، فأنكرهم عمر، وأمر بردهم، فقال أبو عبيدة: إنها بيعة الأعاجم، فإنك إن تمنعهم من هذا يرون أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال عمر: دعوهم؛ عمر وآل عمر في طاعة أبو عبيدة، قال: ثم مضى حتى نزل الجابية، فذكر عمر قسم الأرضين، فأشار عليه معاذ بن جبل بإيقافها، فأجاب عمر إلى إيقافها. قال سيف بن عمر: كان عبد الله بن قيس على كردوسٍ يوم اليرموك. عبد الله بن قيس الفزاري ويقال: الأنصاري ولاه معاوية غزو البحر، وركب من ساحل دمشق. عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: كنا في البحر وعلينا عبد الله بن قيس الفزاري، ومعنا أبو أيوب الأنصاري؛ فمر بصاحب المقاسم، وقد أقاموا السبي، فإذا بامرأةٍ تبكي، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: فرقوا بينها وبين ولدها، قال: فأخذ بيد ولدها حتى وضعه في يدها، فانطلق صاحب المقاسم إلى عبد الله بن قيس، فأخبره فأرسل إلى أبي أيوب: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من فرق بين والدةٍ وولدها فرق الله بينه وبين الأحبة يوم القيامة ".

стр. 4589

عن صفوان بن عمرو: أن عبد الله بن قيس لقي في مسيره إلى القسطنطينية بمحرَّقاته محرَّقات الروم على الخليج، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمت محرقات المسلمين محرقات الروم، وجاؤوا بالأسارى من الروم، فضرب أعناقهم يزيد بن معاوية، والروم تنظر إليهم. فتح عبد الله بن قيس الفزاري سقلية في خلافة معاوية، فكانت غنائمهم يومئذٍ مائتي دينارٍ، وأوقية تبرٍ، وقمقم صفْرٍ. وفي سنة سبعٍ وخمسين شتا عبد الله بن قيس بأرض الروم. عبد الله بن أبي قيس ويقال ابن قيس أبو الأسود النصري ويقال: عبد الله بن أبي موسى عن عبد الله بن أبي قيس أنه سمع عائشة زوج النبي ﷺ تقول: كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان. عن أبي الأسود عبد الله بن قيس: أن عطية بن عازب أرسله إلى أم المؤمنين عائشة يسألها عن ثلاث خصالٍ، فقرأ ﵍ من عطية وأهدى هديةً، فقالت: ابن عفيفٍ؟ قال: نعم، أمرني أن أسألك عن وصال النبي ﷺ ، فقالت: كان يصوم يوماً وليلةً، وسألها عن صيامه، فقالت: يصل شعبان برمضان، وسألها عن ركعتين بعد العصر، فنهت عنهما، وقالت: سألت عائشة عن ذُرّية المؤمنين، وذرية المشركين، فقالت: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: " ذرية المؤمنين مع آبائهم " قالت: قلت: بلا عمل؟ قال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " قلت: ذرية المشركين؟ قال: " مع آبائهم " قلت: بلا عمل؟ قال: " اللهم أعلم بما كانوا عاملين ".

стр. 4590

وقال عبد الله بن أبي قيس: خرجت مع عفيف بن الحارث نريد بيت المقدس، فلما أتينا دمشق قال عفيف: لو انطلقنا إلى أبي الدرداء، فسلمنا عليه فقال لعفيفٍ: أين تريد؟ قال: نؤم بيت المقدس، قال أبو الدرداء: إن كنت لا بد فاعلاً فلا تزد على صلاة يوم وليلةٍ، والق أبا ذر، فقل له: إن أبا الدرداء أخاك يقرئك السلام، ويقول لك: اتق الله، وخف الناس. قال: فلما أتينا بيت المقدس لقينا أبا ذرٍ قائماً يصلي، وإذا قيامه قريب من ركوعه، وركوعه قريب من سجوده، فجلسنا حتى فرغ من صلاته، سلمنا عليه، فقلنا له: إن أخاك أبا الدرداء يقرئك السلام، ويقول: اتق الله، وخف الناس. فقال: رحم الله أبا الدرداء إن كنا قد سمعنا فقد سمع، وإن كنا قد جالسنا فقد جلس، أو ما علم أني قد بايعت رسول الله ﷺ ألا أخاف في الله لومة لائم. وقال عبد الله بن أبي قيس: رأيت عمر يطوق بالكعبة، ويقبّل الحجر ويقول: والله إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبّلك ما قبّلتك. عبد الله بن كثير القارئ الطويل إمام جامع دمشق. روى عن سعيد بن عبد العزيز بسنده، عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى رسول الله ﷺ في نذرٍ كان على أمه، فهلكت قبل أن تقضيه، فأمره أن يقضي عنها. وروى عن شيبان، عن منصور، عن إبراهيم قال: " الذين هم على صلاتهم دائمون " قال: هي الصلاة المكتوبة.
следующие страницы →