← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

المؤمنين، إنك تكفأ هذا. فأخذ لبنة فرماه بها، وقال: أترغب بي عن عبد الله؟! وعن حبة قال: لما قدم علي الكوفة أتاه نفر من أصحاب عبد الله فسألهم عنه حتى رأوا أنه يمتحنهم. قال: وأنا أقول فيه مثل ما قالوا وأفضل: قرأ القرآن، فأحل حلال، وحرم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنة. وعن علي أنه أتي في فريضة ابني عم، أحدهما أخ لأم، فقالوا: أعطاه ابن مسعود المال كله، فقال: يرحم الله ابن مسعود إن كان لفقيهاً، لكني أعطيه سهم الأخ من الأم من قبل أمه، ثم أقسم المال بينهما. وعن أبي عمرو الشيباني قال: أتى رجل ابن مسعود فقال: في حجري بنت عم لي، وإن امرأتي خافتني عليها، فأرضعتها، فقال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، أبا موسى، فقال: حرمت عليك، قال: إنه لا يقول شيئاً، لا أحرم من الرضاع إلا ما أثبت اللحم والدم، فأتيت أبا موسى فذكرت ذلك له فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم، فوالله لقد رأيته وما أراه إلا عند آل محمد ﷺ وعن أبي عطية قال: جاء رجل إلى أبي موسى فقال: إن امرأتي ورم ثديها فمصصت، فدخل حلقي شيء فسبقني، فشدد عليه أبو موسى، فأتى ابن مسعود فقال: سألت أحداً غيري؟ قال: نعم، أبا موسى فشدد علي. قال: فأتى أبا موسى فقال: أرضع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم. سأل رجل أبا موسى عن امرأة تركت ابنتها وابنة ابنها وأختها، فقال: النصف للبنت وللأخت النصف، وقال: ائت ابن مسعود فإنه سيتابعني. قال: فأتوا ابن مسعود فأخبروه بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ للابنة النصف، ولا بن الابن السدس الكلمة الثلثين، وما بقي فللأخت،

стр. 4727

فأتوا أبا موسى فأخبروه بقول ابن مسعود فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء مادام هذا الحبر بين أظهركم. وعن أبي موسى قال: لمجلس كنت أجالسه عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عملي سنة. وعن عمر بن ميمون قال: قدم معاذ بن جبل على عهد النبي ﷺ فوقع حبه في قلبي، فلزمته حتى واريته في التراب، ثم لزمته بالشام، ثم لزمت أفقه الناس من بعده: عبد الله بن مسعود. وعن مسروق قال: شاممت أصحاب محمد ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وشاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي، وعبد الله. وفي حديث غيره: ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عمر، وعلي، وعبد الله. وعن مسروق قال: جالست أصحاب محمد ﷺ فكانوا كالإخاذ، يروي الراكب، والإخاذ يروي الراكبين، والإخاذ يروي العشرة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، وإن عبد الله من تلك الأخاذ. وعن تميم بن حذلم قال: جالست أصحاب محمد ﷺ أبا بكر وعمر فما رأيت أحداً أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أحب إلي أن أكون في مسلاخه منك يا عبد الله بن مسعود.

стр. 4728

وعن الأعمش قال: ذكر أبو وائل أبا بكر وعمر فذكر فضلهما وسابقتهما فقلت: فعبد الله فلا تنسه، قال: ذاك رجل لا أعد معه أحداً. وعن الأعمش قال: سمعت أبا وائل يقول: ذاك رجل ما أعدل به أحداً، يعني عبد الله. بعث عمر بن الخطاب إلى أبي مسعود وابن مسعود فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول الله ﷺ ؟! ولم يكن هذا من عمر على وجه التهمة لابن مسعود، وإنما أراد التشديد في باب الرواية لئلا يتجاسر أحد إلا على رواية ما تتحقق صحته، وقد كان من حسن رأيه في ابن مسعود وثنائه عليه ما يدل على عدالته عنده، هذا مع ما روي عن ابن مسعود من تحرزه في الرواية وتخوفه من السهو فيها، وذلك بين فيما روي عن مسروق قال: كان عبد الله بن مسعود يأتي عليه الحول قبل أن يحدثنا عن رسول الله ﷺ بحديث. وعن مسروق عن عبد الله قال: حدث يوماً فقال: سمعت رسول الله ﷺ فأخذته الرعدة، ورعدت ثيابه ثم قال نحو هذا أو هكذا. وحدث الشعبي عن عمه قال: جالست ابن مسعود سنة فلم أسمعه يحدث عن النبي ﷺ بشيء، وحدث يوما بحديث فانتفض انتفاض السعفة. وعن عمرو بن ميمون قال: كان عبد الله بن مسعود تأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول الله ﷺ بحديث. فحدث ذات يوم عنه بحديث، فتغير وجهه، وعلته كآبة، فجعل العرق يتحدر من جبينه ويقول: نحو هذا أو قريب من هذا.

стр. 4729

وعن عبد الله بن مسعود أنه حدث ذات يوم أصحابه بحديث عن رسول الله ﷺ فأخذته رعدة شديدة، فقالوا له: مالك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إني حدثت بحديث عن النبي ﷺ فتخوفت أن أزيد فيه شيئاً أو انقص منه شيئاً. قال الأعمش: كان عبد الله إذا صلى كأنه ثوب ملقى. وعن عبد الله أنه كان إذا قام إلى الصلاة يغض بصره وصوته ويده. وعن عبيد الله بن عبد الله قال: كان عبد الله إذا هدأت العيون قام فسمعت له دوياً كدوي النحل حتى يصبح. وكان عبد الله حسن الصوت بالقرآن. وعن يحيى بن أبي كثير قال: أراد ابن مسعود أن يقوم من الليل يصلي، فأخذت امرأته بثوبه فقالت: أين تقوم؟! علينا ليل، فقال: اللهم إنهما اثنان وأنا واحد، فأعني عليهما، يعني: امرأته والشيطان. وعن أبي وائل قال: بعثني ابن مسعود إلى قرية له وأمرني أن أعمل فيها بما كان يعمل العبد الصالح - رجل كان في بني إسرائيل - أن أتصدق بثلث، وأخلف فيها ثلثاً، وآتيه بثلث. وعن عبد الله بن مسعود قال: لأن أكون أعلم أن الله تقبل مني عملاً أحب إلي من أن يكون لي ملء الأرض ذهباً. وعن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال رجل عند عبد الله: ليتني من أصحاب اليمين. قال عبد الله: ليتني إذا مت لم أبعث.

стр. 4730

وعن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره ما أصبح عند آل عبد الله ما يرجون أن يعطيهم الله به خيراً أو يدفع عنهم به سوءاً إلا أن الله تعالى قد علم أن عبد الله لا يشرك به شيئاً. وعن عبد الله قال: لو تعلمون ذنوبي ما تبعني منكم رجلان، ولوددت أني دعيت عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنباً من ذنوبي. وعن الحارث بن سويد قال: أكثروا على عبد الله ذات يوم فقال: والذي لا إله غيره لو تعلمون علمي لحثيتم التراب على رأسي. وقال عبد الله: وددت أن الله غفر لي خطيئة من خطاياي، وأنه لم يعرف نسبي. وكان ابن مسعود يقول في دعائه: خائف مستجير، تائب مستغفر، راغب راهب. وعن عبد الله بن مسعود قال: لو سخرت من كلب لخشيت أن أكون كلياً، وإني لأكره أن أرى الرجل فارغاً ليس في عمل آخرة ولا دنيا. قال أبو الأحوص: دخلنا على عبد الله بن مسعود وعنده بنون، لهم غلمان كأنهم الزنابير حسناً، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال عبد الله: كأنكم تغبطوني. قلنا: والله إن مثل هؤلاء يغبط بهم الرجل المسلم، فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير قد عشش فيه الخطاف وباض فقال: والذي نفسي بيده لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم أحب إلي من أن يخر عش هذا الخطاف فينكسر بيضه.

стр. 4731

وعن عبد الله بن مسعود قال: حبذا المكروهان: الموت والفقر، وايم الله ما هو إلا الغنى والفقر، وما أبا لي بأيهما ابتدئت لن حق الله في كل واحد منهما واجب، إن كان الغنى إن فيه للعطف، وإن كان الفقر إن فيه للصبر. وعن عبد الله قال: إن الناس قد أحسنوا القول كلهم، فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبخ نفسه. وعن عبد الله بن مسعود قال: والله الذي لا إله إلا هو ما على ظهر الأرض شيء أحق بطول سجن من لسان. وعن عبد الله بن مسعود قال: لوددت أني من الدنيا فرد، كالراكب الغادي الرائح. وعن عدسة الطائي قال: مر بنا ابن مسعود ونحن بزمالة: فأتينا بطائر، فقال: من أين صيد هذا الطائر؟ فقلنا: من مسيرة ثلاث؛ فقال: وددت أني حيث هذا الطائر لا يكلمني بشر ولا أكلمه حتى ألقى الله . وعن عبد الله قال: من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، يا قوم، فأضروا بالفاني للباقي. وعن عبد الله أنه قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمانهم، ولكنهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم، فهانوا عليهم، سمعت نبيكم ﷺ يقول: من جعل الهموم هماً واحداً، همه المعاد كفاه الله سائر همومه، ومن شعبته الهموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك.

стр. 4732

كان ابن مسعود يقول: قولوا خيراً، تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، ولا تكونوا عجلاً، مذاييع، بذراً. قال ابن مسعود: اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحمد أحداً على رزق الله، ولا تلم أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعلمه وحكمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: علمني كلمات جوامع نوافع، فقال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتزول مع القرآن أينما زال، ومن جاءك بصدق من صغير أو كبير وإن كان بعيداً بغيضاً فاقبله منه، ومن جاءك بكذب وإن كان حبيباً قريباً فاردده عليه. كان عبد الله بن مسعود إذا قعد يقول: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيراً يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شراً يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع ما زرع، ولا يسبق بطيء حظه ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، فمن أعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقي شراً فالله وقاه. العلماء سادة، والفقهاء قادة، مجالستهم زيادة. قال عبد الله بن مسعود: ارض بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس، واجتنب المحارم تكن من أورع الناس، وأد ما افترض عليك تكن من أعبد الناس.

стр. 4733

قال وجاءه رجل يشتكي إليه جاراً له، فقال: إنك إن سببت الناس سبوك، وإن نافرتهم نافروك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن فررت منهم ادركوك، وإن جهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، كل زمام بسبعين ألف ملك. وعن عبد الله قال: لا أعرفن رجلاً يستلقي لحلاوة القفا، يجعل رجلاً فوق رجل - ولعله أن يكون شبع - يتغنى، ويدع أن يقرأ كتاب الله تعالى، وقد جعلوا يفعلون. وعن أبي الأحوص أنه سمع عبد الله يقول: مستريح ومستراح منه، فأما المستريح فالمؤمن استراح من هم الدنيا، وأما المستراح منه فالفاجر. وعن عبد الله بن مسعود قال: جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجودههم فاكفهروا في وجوههم. وعن عبد الله قال: انظروا إلى حلم المرء عند غضبه، وإلى أمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟ وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟ ولا يعجبنكم صاحبكم حتى تنظروا على أي شقية يقع. وعن عبد الله بن مسعود قال: لا تعجلوا بحمد الناس، ولا بذمهم، فإنك لعلك ترى من أخيك اليوم شيئاً يسرك، ولعلك يسوؤك منه غداً؛ ولعلك ترى منه اليوم شيئاً يسوؤك ولعلك يسرك منه غداً. والناس يغيرون، وإنما يغفر الذنوب الله، والله أرحم بالناس من أم واحد فرشت له بأرض فيء ثم لمست، فإن كانت لدغة كانت بها قبله، وإن كانت شوكة كانت بها قبله.

стр. 4734

قال ابن مسعود: مجالس الذكر محياة للعلم، وتحدث للقلب خشوعاً. وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في خطبته: إن أصدق الحديث كلام الله، وأثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وأحسن القصص هذا القرآن، وأحسن السنن سنة محمد ﷺ . وأشرف الحديث ذكر الله، وخير الأمور عزائمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت مثل الشهداء، وأعمى الضلالة بعد الهدى، وخير الهدي ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من السفلى، وما قل كفى خير مما كثر وألهى، ونفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، وشر المعذرة عند حضرة الموت، وشر الندامة ندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً، ومن الناس من لا يذكر الله هجراً وأعظم الخطايا اللسان الكذوب وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والريب من الكفر، والنوح من عمل الجاهلية، والغلول من جمر جهنم، والكبر كير من النار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يكفي أحدكم ما قنعت به نفسه، وإنما يصير إلى موضع أربعة أذرع والأمر بآخره، وأملك العمل به خواتيمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آتٍ قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل ماله من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن تباك على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزايا يعقبه الله، ومن يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكر، ومن يستكبر يضعه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن ينو الدنيا تعجزه، ومن يطع الشيطان يعص الله، ومن يعص الله يعذبه. وعن عبد الله بن مسعود قال: ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله ، فمن كانت راحته في لقاء الله فكأن قد.

стр. 4735

وعن سلمة بن تمام قال: لقي رجل ابن مسعود فقال: لا تعدم حالماً مذكراً: رأيتك البارحة ورأيت النبي ﷺ على منبر مرتفع، وأنت دونه وهو يقول: يا بن مسعود، هلم إلي، فلقد جفيت بعدي، فقال: الله أنت رأيته؟ قال: نعم. قال: فعزمت أن تخرج من المدينة حتى تصلي علي، فما لبث إلا أياماً حتى مات، رحمة الله عليه، فشهد الرجل الصلاة عليه. أوصى عبد الله بن مسعود فكتب: إن وصيتي إلى الله وإلى الزبير بن العوام وإلى ابنه عبد الله بن الزبير وإنهما في حل وبل، فيما وليا وقضيا في تركتي، وإنه لا تزوج امرأة من نسائي إلا بإذنهما. قال أنس بن مالك: دخلنا على عبد الله بن مسعود نعوده في مرضه فقلنا: كيف أصبحت أبا عبد الرحمن؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخواناً، قلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجد قلبي مطمئناً بالإيمان. قلنا له: ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟ قال: أشتكي ذنوبي وخطاياي، قلنا: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي مغفرة الله ورضوانه، قلنا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني. وفي حديث آخر قال: الطبيب أنزل بي ما ترون، قال: ثم بكى عبد الله ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن العبد إذا مرض يقول الرب ﵎: عبدي في وثاقي فإن كان نزل به المرض في فترة منه قال: اكتبوا له من الأمر ما كان في فترته، فأنا أبكي أنه نزل بي المرض في فترة، ولوددت أنه كان في اجتهاد مني. وزاد في حديث آخر قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به، قال: تركة نسائك، قال: لا حاجة لهن به. وفي حديث غيره قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً.

стр. 4736

قال أبو سيف: كان ابن مسعود قد ترك عطاءه حين مات عمر، وفعل ذلك رجال من أهل الكوفة أغنياء، واتخذ ضيعة براذان، فمات عن تسعين ألف مثقال سوى رقيق، وعروض وماشية بالسيلحين. فلما رأى الشر ودنو الفتنة استأذن عثمان فلم يأذن له. وقرب موته، فقدم على عثمان فلم يلبث أن مات فوليه عثمان، وبينهما أشهر. قال الشعبي: لما حضر عبد الله بن مسعود الموت دعا ابنه فقال: يا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، إني موصيك بخمس خصال فاحفظهن عني: أظهر اليأس للناس، فإن ذلك غنى فاضل، ودع مطلب الحاجات إلى الناس، فإن ذلك فقر حاضر، ودع ما يعتذر منه من الأمور، ولا تعمل به، وإن استطعت ألا يأتي عليك يوم إلا وأنت خير منك بالأمس فافعل، وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع كأنك لا صلاة بعدها. كان عبد الله بن مسعود أوصى إلى الزبير، وقد كان عثمان حرمه عطاءه سنين، فأتاه الزبير فقال: إن عياله أحوج إليه من بيت المال، فأعطاه عطاءه عشرين ألفاً أو خمسة وثمانين ألفاً. وفي حديث آخر: فأخذ عطاءه بعد وفاته فدفعه إلى ورثته. أوصى عبد الله بن مسعود: إذا أنا مت أن يصلي عليه الزبير بن العوام. قيل: إن عبد الله بن مسعود مات سنة ثمان وعشرين. قبل: قبل عثمان، وقيل: هذا وهم. قال أبو نعيم: مات ابن مسعود سنة ثمان عشرة من متوفى النبي ﷺ . وقال ابن عباس: توفي عبد الله بن مسعود سنة اثنتين وثلاثين من مهاجر النبي ﷺ . وتوفي

стр. 4737

بالمدينة ودفن بالبقيع، وهو ابن بضع وستين سنة. وقيل: صلى عمار بن ياسر. وقيل: صلى عليه عثمان، وهو أثبت. وقيل: توفي سنة ثلاث وثلاثين، وله ثلاث وستون. ولما جاء نعي عبد الله إلى أبي الدرداء قال: ما ترك بعده مثله. عبد الله بن مسلم بن عبيد الله ابن عبد الله بن شهاب بن الحارث أبو محمد القرشي الزهري المدني، أخو أبي بكر الزهري قدم الشام غازياً القسطنطينية مع مسلمة بن عبد الملك، أيام سليمان. حدث عن أنس بن مالك أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله،. ما الكوثر؟ قال رسول الله ﷺ : هو نهر، أعطانيه ربي في الجنة، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إنها لناعمة، فقال: آكلها أنعم منها. وعنه قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل لرسول الله ﷺ : ما الكوثر الذي أعطاك ربك؟ قال: نهر جميل، ما بين صنعاء إلى أيلة من أرض الشام، آنيته أكثر من عدد نجوم السماء، يرده طائر لها أعناق كأعناق البخت، فقال عمر بن الخطاب: والله يا رسول الله إنها لناعمة، فقال رسول الله ﷺ : آكلها أنعم منها. وفي حديث آخر بمعناه: فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنها لناعمة فقال رسول الله ﷺ : آكلها أنعم منها. وعن عبد الله بن مسلم قال: رأيت ابن عمر وجد تمرة، فعض بعضها، ثم أرى سائلاً فأعطاه بعضها. توفي محمد بن مسلم بن عبيد الله بت شهاب سنة أربع وعشرين ومئة، وتوفي أخوه عبد الله بن مسلم قبله.

стр. 4738

عبد الله بن مسلم بن رشيد أبو محمد الهاشمي مولاهم من أهل دمشق. حدث عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ. وحدث عن إبراهيم بن هدية عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. ظن به أنه مات بعد الأربعين والمئتين. عبد الله بن مسلم القرشي الدمشقي فرق أبو بكر الخطيب بينه وبين ابن رشيد المذكور قبله. ومسلم بفتح السين واللام المشددة. حدث عن الوليد بن مسلم بسنده إلى ابن عمر قال: لما طعن عمراً أمر بالشورى، دخلت عليه ابنته حفصة فقالت له: يا أبتاه، إن الناس قد تكلموا، فقال: أسندوني. فلما أسند قال: ما عسى يقولون في علي بن أبي طالب؟ سمعت النبي ﷺ يقول: يا علي، يدك في يدي، تدخل معي يوم القيامة حيث أدخل. ما عسى يقولون في عثمان بن عفان؟! سمعت النبي ﷺ يقول: يوم يموت عثمان تصلي عليه ملائكة السماء. قال: قلت: يا رسول الله، عثمان خاصة أو الناس عامة؟ قال: لعثمان خاصة ما عسى يقولون في طلحة بن عبيد الله؟! سمعت النبي ﷺ وقد سقط رحله يقول: من يسوي رحلي، فهو معي في الجنة؟ فبرز طلحة

стр. 4739

فسواه له حتى ركب، فقال النبي يا طلحة، جبريل يقرئك السلام ويقول لك: أنا معك في أهوال القيامة، أنجيك منها. ما عسى يقولون في الزبير بن العوام؟! رأيت رسول الله ﷺ وقد نام فجلس الزبير عند وجهه حتى استيقظ، فقال له: أبا عبد الله لم تزل؟ قال: لم أزل بأبي وأمي، قال: هذا جبريل يقرئك السلام ويقول لك: أنا معك يوم القيامة حتى أذهب عن وجهك شرر جهنم. ما عسى يقولون في سعد بن أبي وقاص؟! سمعت النبي ﷺ يوم بدر وقد لوي قوسه أربع عشرة مرة يقول له: ارم فداك أبي وأمي. ما عسى يقولون في عبد الرحمن بن عوف؟! رأيت النبي ﷺ وهو في منزل فاطمة والحسن والحسين يبكيان جوعاً ويتضوران فقال النبي ﷺ من يصلنا بشيء؟ فطلع عبد الرحمن بن عوف بصحفة فيها حيسة، ورغيفين بينهما إهالة، فقال له النبي ﷺ : كفاك الله أمر دنياك، فأما آخرتك فأنا لها ضامن. عبد الله بن معافى بن أحمد ابن محمد بن بشير بن أبي كريمة الصيداوي، أخو محمد بن المعافى حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. عبد الله بن معانق أبو معانق الشعري الدمشقي ويقال: إنه من الأردن. حدث عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى والناس نيام.

стр. 4740

وحدث عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي عامر الأشعري عن النبي ﷺ قال: إسباغ الوضوء نصف الإيمان، والحمد تملأ الميزان، والتسبيح نصف الميزان، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك وعليك، والناس غادون: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها. وحدث عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: من سأل القتل في سبيله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل، فله أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله، أو نكب نكبة فإنها تأتي يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها كالزعفران، وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراج في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء. عبد الله بن معاوية بن أبي سفيان أبو الخير، ويقال: أبو سليمان كان يلقب بمبقت. وكان مضعف العقل. مر عبد الله بن معاوية يوماً بطحان قد شد بغله في الرحى للطحن، وجعل في عنقه جلاجل فقال له: لم جعلت في عنق بغلك هذا هذه الجلاجل؟ فقال الطحان: جعلتها في عنقه لأعلم أن قد قام فلم يدر الرحى، فقال له: أرأيت إن هو قام وحرك رأسه؟ كيف تعلم إنه لا يدير الرحى؟ فقال له الطحان: إن فعل هذا أصلح الله الأمير فليس له عقل مثل عقل الأمير.

стр. 4741

عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب أبو معاوية الهاشمي الجعفري وفد على بعض خلفاء بني أمية، وكان صديقاً للوليد بن يزيد قبل أن تفضي إليه الخلافة. حدث عن أبيه معاوية بن عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : علي أصلي، وجعفر فرعي، أو جعفر أصلي، وعلي فرعي. وحدث عن أبيه عن جده قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو يقول: الناس من شجرة، يعني أنا وجعفر من شجرة. حدث عبد الله بن معاوية الهاشمي أن عبد المطلب جمع بنيه عند وفاته، وهم يومئذ عشرة، فأمرهم، ونهاهم، وقال: وإياكم والبغي، فوالله ما خلق الله شيئاً أعجل عقوبة من البغي، ولا رأيت أحداً بقي على البغي إلا إخوتكم من بني عبد شمس. كان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر صديقاً للوليد يأتيه ويؤانسه، فجلسا يوماً يلعبان بالشطرنج، وأتاه الإذن، فقال: أصلح الله الأمير، رجل من أخوالك من أشراف ثقيف قدم غازياً، وأحب السلام عليك، فقال: دعه، فقال عبد الله: وما عليك؟ ائذن له، فقال: نحن على لعبنا وقد أنجحت عليك، قال: فادع بمنديل فضع عليها، ويسلم الرجل، ونعود، ففعل، ثم قال: ائذن له فدخل يشمر، له هيئة، بين عينيه أثر السجود، وهو معتم، قد رجل لحيته، فسلم ثم قال: أصلح الله الأمير، قدمت غازياً فكرهت أن أجوزك حتى أقضي حقك، قال: حياك الله وبارك عليك، ثم سكت عنه. فلما أنس أقبل عليه الوليد فقال: يا خال، هل جمعت

стр. 4742

القرآن، قال: لا، كانت تشغلنا عنه شواغل، قال: هل حفظت من سنة رسول الله ﷺ ومغازيه وأحاديثه شيئاً؟ قال: كانت تشغلنا من ذلك أموالنا، قال: فأحاديث العرب وايامها وأشعارها؟ قال: لا، قال: فأحاديث أهل الحجاز ومضاحكها؟ قال: لا، قال: فأحاديث العجم وآدابها؟ قال: إن ذلك شيء ما كنت أطلبه، فرفع الوليد المنديل وقال: شاهك. قال عبد الله بن معاوية: سبحان الله، قال: لا والله ما معنا في البيت أحد. فلما رأى ذلك الرجل خرج، وأقبلوا على لعبهم. قال المصنف: ما اعجب كلام الوليد هذا وألطفه، ويشبهه ما روي أن رجلاً خاطب معاوية فأكثر اللغو في كلامه، فضجر معاوية وأعرض عنه، فقال: أسكت يا أمير المؤمنين؟! فقال: وهل تكلمت؟! ولعمري إن ذا الجهل والغباوة إلى منزلةٍ من النقص وسقوط القدر وغن اتفق لهم بالجد إعظام كثير من الناس لهم. وقد ذكر أن بزرجمهر سئل: ما نعمة لا يحسد صاحبها عليها؟ قال: التواضع، قال: فما بلية لا يرحم صاحبها؟ قال: الكبر. قيل: فما الذي إذا انفرد لم يساو شيئاً؟ قال: الحسب بلا أدب. وكان عبد الله بن معاوية جواداً، شاعراً، وخرج عبد الله بن معاوية بالكوفة في خلافة مروان بن محمد، فبعث إليه مروان جنداً، فلحق بأصبهان، فغلب عليها وعلى تلك الناحية، واجتمع إليه قوم كثير في سنة إحدى وثلاثين ومئة، ثم قتل بمدينة جي. وقيل: بل هرب ولحق بخرسان وأبو مسلم يدعو بها، فبلغه مكانه، فأخذه فحبسه في السجن حتى مات في سنة إحدى وثلاثين ومئة. وكان عبد الله بن معاوية ظهر وبويع له بالخلافة بأصبهان سنة سبع وعشرين ومئة في خلافة مروان بن محمد، وملك فارس وكرمان، وكثر تبعه، وجبى الأموال، وملك تلك البلاد، وقوي أمره، وكانت بينه وبين عمال مروان وقائع وحروب كثيرة، ولم يزل هناك إلى أن جاءت الدولة العباسية ثم حاربه مالك بن الهيثم صاحب أبي مسلم، فظفربه، وحمله إلى أبي مسلم، فحبسه وقتله. وقيل: بل مات في سجنه.

стр. 4743

كتب بند إلى عمران بن هند أن عبد الله بن معاوية بعث إليك مع فلان بعشرين ألف درهم صلة وبخمسين ثوباً وجارية وخدماً من الغلمان، فقطع بذلك المال في جبال الأكراد، وذكر له أنه قد اجتمع الخلق من الناس إليه، فكتب عمران بن هند إلى بند: الطويل أتاني كتاب منك يا بند سرني ... يخبرني فيه بإحدى الرغائب تخبرني أن العجوز تزوجت ... على كبرٍ منها كريم الضرائب فهناكم الله المليك نكاحها ... وراش بكم كل ابن عم وصاحب يكني عن الخلافة بالعجوز. ومن شعر عبد الله بن معاوية من ولد ذي الجناحين: الخفيف أيها المرء لا تقولن قولاً ... ليس تدري ما يعيبك منه الزم الصمت إن في الصمت حكماً ... وإذا أنت قلت قولاً فزنه وإذا القوم ألغطوا في حديث ... ليس يعنيك شأنه فاله عنه ومن شعره: الطويل رأيت فضيلاً كان شيئاً ملفقاً ... فكشفه التمحيص حتى بداليا أأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا فلا زاد ما بيني وبينك بعدما ... بلوتك في الحاجات إلا تماديا فلست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضياً فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا ونسب ابن طلاب هذه الأبيات لجعفر بن محمد الصادق، وهو وهم. والفضيل في الشعر هو الفضيل بن السائب بن الأقرع الثقفي، قاله فيه حين لم ينهض بحاجته.

стр. 4744

قالوا. وظهر أبو مسلم في رمضان سنة تسع وعشرين ومئة فحبس عبد الله بن معاوية وأخويه ثم قتله، ثم خلى عن أخويه في سنة ثلاثين ومئة. عبد الله بن معاوية بن يحيى الهاشمي ويعرف بابن شمعلة كان ثقة. حدث عن أيوب بن مدرك الحنفي عن مكحول عن واثلة. قال: قال رسول الله ﷺ : لا تمنعوا عباد الله فضل ماءٍ ولا كلأٍ ولا نار، فإن الله جعلها متاعاً للمقوين وقواماً للمستغيثين. عبد الله بن مغيث بن أبي بردة ابن أسير بن عروة بن سواد بن الهيثم الأنصاري الظفري المديني استقدمه يزيد بن عبد الملك فكان عنده مع الزهري. حدث عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيخرج من الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسةً لا يدرسها أحد بعده. وحدث عبد الله بن مغيث قال: أرسلت أم عامرٍ الأشهلية بقعبة فيها حيس إلى رسول الله ﷺ وهو في قبته، وهو

стр. 4745

عند أم سلمة فأكلت أم سلمة حاجتها، ثم خرج بالبقية فنادى منادي رسول الله ﷺ إلى عشائه فأكل أهل الخندق حتى نهلوا وهي كما هي. مغيث بغين معجمة وياء بنقطتين تحتها وثاء بثلاث نقط عبد الله بن مفرج أبو محمد الأندلسي قدم دمشق. حدث عن أبي عبد الله محمد بن الفرج بن عبد الولي الأنصاري بسنده إلى عطاء بن يسار عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته. ولد في سنة سبع عشر وأربع مئة. عبد الله بن منصور بن عبد الله أبو نصر إمام مسجد المربعة. حدث عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بسنده إلى عم حزام بن حكيم أن رسول الله ﷺ قال: أنكم قد أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه؛ كثير من يعطي، قليل من يسأل، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه، قليل فقهاؤه، كثير من يسأل، قليل من يعطي، العلم فيه خير من العمل.

стр. 4746

عبد الله بن منصور بن عمران أبو بكر الربعي الواسطي المقرئ قدم دمشق. أنشد لأبي الحسن محمد بن علي بن أبي الصقر الواسطي لنفسه ارتجالاً وقد دخل عزاء لصبي وهو في عشر المئة، وبه ارتعاش، فتغامز عليه الحاضرون فقال: المتقارب إذا دخل الشيخ بين الشباب ... وقد مات طفل صغير رأيت اعتراضاً على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير فقل لابن شهرٍ وقل لابن ألفٍ ... وما بين ذاك: هذا المصير عبد الله بن أبي موسى التستري نويل بيروت، ونزيل الشام. حدث عن ابن عجلان بسنده عن عائشة رضوان الله عليها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ من هذه النساء ما أدركنا لنهاهن عن الخروج إلى المساجد كما نهي نساء بني إسرائيل. قالت عمرة: فقلت لعائشة: ونهي نساء بني إسرائيل؟ قالت: نعم. قال عبد الله بن أبي موسى: قيل لي: حيثما كنت فكن من قرب فقيه. قال: فأتيت بيروت إلى الأوزاعي. قال: فبينا أنا عنده إذ سألني عن امرئ، فأخبرته. - قال: وكان أسلم - فقال لي: ألك أب؟ قلت: نعم، تركته بالعراق مجوسياً. قال: فهل لك أن ترجع إليه لعل الله أن يهديه على يديك؟ قال: ترى لي ذاك؟ قال: نعم، فأتيت أبي فوجدته مريضاً فقال لي: يا بني أي شيء أنت عليه؟ وساءله عن أمره، قال: فأخبرته أني أسلمت. قال:

стр. 4747

فقال لي: اعرض علي دينك. قال: فأخبرته بالإسلام وأهله، قال: فإني أشهدك أني قد أسلمت. قال: فمات في مرضه ذاك، فدفنته، ورجعت إلى الأوزاعي فأخبرته. عبد الله بن موهب الهمداني، ويقال الخولاني الفلسطيني القاضي وفد على عمر بن عبد العزيز. حدث عن قبيصة بن ذؤيب قال: أغار رجل من أصحاب النبي ﷺ على سرية من المشركين، فانهزمت فغشي رجل من المسلمين رجلاً من المشركين وهو منهزم، فلما أراد أن يعلوه بالسيف قال الرجل: لا إله إلا الله، فلم ينثن عنه حتى قتله، ثم وجد في نفسه من قتله، فذكر حديثه لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : فهلا نفثت عن قلبه، فإنما يعبر عن القلب اللسان. فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى توفي ذلك الرجل القاتل، فدفن، فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله ﷺ بذلك فقال: ادفنوه، فدفنوه، فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : إن الأرض قد أبت أن تقبله، فاطرحوه في غارٍ من الغيران. وعن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : ما السنة في الرجل الكافر يسلم على يدي المسلم؟ فقال رسول الله ﷺ : هو أولى الناس بمحياه ومماته، قال عبد العزيز بن عمر: وشهدت عمر بن عبد العزيز قضى بذلك في رجل أسلم على يدي رجل، فمات وترك مالاً وابنةً له، فأعطى عمر ابنته النصف والذي أسلم على يديه النصف. زاد في حديث: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله بهذا الحديث وأمرهم أن يأخذوا به.

стр. 4748

وعن عمرو بن مهاجر قال: حضرت عمر بن عبد العزيز واختصم إليه رجلان، اشترى أحدهما من الآخر جارية صغيرة، واشترط البائع على المبتاع عتقها، فسأل عنها عمر ابن موهب فقال: يبطل البيع، وسأل عنها ابن حلبس فقال: جاز البيع، وبطل الشرط، قال عمر: لم ذلك؟ قال: من أجل الظهار. قال: صدقت، فأجاز البيع، وأبطل الشرط. قال المعلى بن رؤية التميمي: كانت لي حاجة إلى رجاء بن حيوة وكان عند سليمان بنيعان، فلقيته في الطريق، فقال: ولى الأمير عبد الله بن موهب القضاء، ولو خيرت بين أن أحمل إلى حفرتي وبين ما ولي ابن موهب لا خترت أن أحمل إلى حفرتي. قال: قلت له: إن الناس يزعمون أنك الذي أشرت به. قال: صدقوا، إني إنما نظرت للعامة ولم أنظر له. وعن ابن موهب قال: ثلاث إذا لم تكن في قاضٍ فليس بقاضٍ: يسأل وإن كان عالماً، ولا يسمع من أحد شكية ليس معه خصمه، ولا يقضي إلا بعد أن يفهم. عبد الله بن مهاجر الشيعيثي النصري حدث عن عنبسة بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: من صلى قبل الظهر أربعاً حرمه الله على النار.

стр. 4749

عبد الله بن ملاذ الأشعري من أهل دمشق. حدث عن نمير بن أوس بسنده إلى آبي عامر الأشعري عن النبي ﷺ قال: نعم الحي الأسد، والأشعريون لا يفرون في القتال ولا يغلون، هم مني وأنا منهم. قال عامر بن أبي عامر: فحدثت به معاوية قال: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ ولكنه قال: هم مني وإلي، فقلت: ليس هكذا حدثني أبي عن النبي ﷺ قال: هم مني وأنا منهم. قال: فأنت إذاً أعلم بحديث أبيك. عبد الله بن ميمون وهو عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني مولى آل المنكدر التيميين، واسم أبي سلمة ميمون. وقدم دمشق مع عروة بن الزبير، وفدا على الوليد بن عبد الملك حين أصيب عروة بابنه ورجله. حدث عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: غدونا مع رسول الله ﷺ زمناً إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر. قال مصعب بن عبد الله: توفي محمد بن عروة مع أبيه وعروة يومئذٍ عند الوليد بن عبد الملك، وفي ذلك السفر أصيبت رجل عروة، وكان محمد بن عروة من أحسن الناس، وكان عروة يحبه حباً شديداً. قال: فقام محمد بن عروة على سطح فيه خلاء، فقام من الليل فسقط من الخلاء في اصطبل الدواب، فتخبطته حتى مات، وكان الماجشون مع عروة بالشام، فكره أصحاب عروة وغلمانه أن يخبروه خبره، فذهبوا إلى الماجشون فأخبروه،

стр. 4750

فجاء من ليلته، فاستأذن على عروة، فوجده يصلي، فاذن له في مصلاه، فقال له: هذه الساعة؟! قال: نعم، يا أبا عبد الله طال علي الثواء، وذكرت الموت، وزهدت في كثير مما كنت أطلب، وخطر ببالي ذكر من مضى من القرون، فبكى، فجعل الماجشون يذكر فناء الناس، وما مضى ويزهد في الدنيا ويذكر بالآخرة حتى أوجس عروة فقال: قل فما تريد؟ فإنما قام محمد من عندي آنفاً، فمضى في قصته، ولم يذكر شيئاً، ففطن عروة، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، واحتسب محمداً عند الله، فعزاه الماجشون عليه، وأخبره بموته. وقيل: إن الوليد حمل عروة على بغلة كان الحجاج أهداها إلى الوليد، فخرج من عنده محمد ابنه فضربته البغلة، فمات، فأسقط في يد غلمانه، ولم يخبر أحد بخبره، ومضوا إلى الماجشون.. الحديث. قال: فما رئي أصبر منه. ولما قطعوا رجله قالوا له: تسقى شيئاً؟ قال: فتمسك. قال: وبسطها على مرفقه حتى نشرت وحسمت، فما تكلم، ولا تأوه. عبد الله بن ميمون بن عياش بن الحارث ويقال: عبد الله بن محمد بن ميمون أبو الحواري التغلبي الغطفاني والد أحمد بن أبي الحواري الزاهد. كان من الزهاد أيضاً، وكان بدمشق. وقيل: كان كوفياً وانتقل ابنه إلى دمشق. قال عبد الله: سمعت وهيب بن الورد يقول: إذا دخل العبد في لاهوتية الرب، ومهيمنة الصديقين، ورهبانية الأبرار لم يلق أحداً يأخذه بقلبه، ولا يلحقه عينه. قال أحمد بن عبد الله بن أبي الحواري: حدثت به أبا سليمان فقال: أما اللاهوتية فالعظمة. قال: فما المهيمنية؟ قلت: لا أدري؟ قال: اليقين. قال: فما الرهبانية؟ قال: قلت: لا ادري. قال: هو الزهد.

стр. 4751

وحدث عن وهيب بن الورد قال خلق ابن آدم وخلق الخبز معه، فما زاد على الخبز فهو شهوة، قال: فحدثت به سليمان بن أبي سليمان فقال: صدق، والخبز مع الملح شهوة. وحدث عبد الله بن أبي الحواري عن أبيه أنه رأى موضع أركان قبة دمشق وقد بلغت الماء. قال أحمد بن أبي الحواري: لبست الصوف وأبي حي، فقال لي: يا بني، ما أراك تقوى على هذا، هذه طريقة الأنبياء - وكانت مرقعة - وكان عبد الله بن ميمون أبو الحواري والد أحمد من مذكوري المشايخ وابنه أحمد أخذ عنه الطريقة. قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أبي: يا بني، لا تكثر البكاء فإنه يغشي القلب. وقال: سمعت آبي يقول: من كانت نيته في العافية ملأ الله حضنه بالعافية. عبد الله بن نافع بن ذؤيب ويقال ذويد من أهل دمشق. حدث عن أبيه قال: قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك فخرج برجله قرحة الأكلة، فبعث إليه الوليد بالأطباء فأجمع رأيهم على إن لم ينشروها قتلته، فقال: شأنكم بها، فقالوا: نسقيك شيئاً كيلا تحس بما نصنع، فقال: لا، شأنكم بها، قال: فنشروها بالمنشار، فما حرك عضواً عن عضو وصبر. فلما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقلبها في يده فقال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بها إلى حرام، أو قال: معصية. قال الوليد: قال عبد الله بن نافع بن ذويب أو غيره من أهل دمشق عن أبيه أنه حضر عروة حين فعل به ذلك قال هذه المقالة، ثم أمر بها فغسلت وطيبت، ولفت في قبطية، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين.

стр. 4752

عبد الله بن نزار العبسي أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ووجهه أبو بكر الصديق بكتابه إلى أبي عبيدة بن الجراح حين توجه إلى فتح دمشق. عن ابن عباس قال: ثم سار - يعني أبا عبيدة - حتى إذا دنا من باب الجابية أتاه آتٍ فقال له: إن هرقل بأنطاكية، وقد جمع لك من الجنود جمعاً لم يجمعه أحد من الأمم ممن كان قبله، فانصر نصرك الله، فاختبر أبو عبيدة عن ذلك فوجده حقاً، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي بكر الصديق خليلفة رسول الله ﷺ من أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنا نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله عزاً منيعاً وأن يفتح لهم فتحاً يسيراً، فإنه بلغني أن ملك الروم نزل قرية من قرى الروم يقال لها أنطاكية، وأنه بعث إلى أهل مملكته يحشرهم إليه، وأنهم خرجوا إليه على الصعبة والذلول، فقد رأيت أن أعلمك ذاك فترى رأيك، ورأيك موفق رشيد والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال: فكتب إليه أبو بكر: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ إلى أبي عبيدة بن الجراح - ومنهم من قال: إنما كتب من أبي بكر، وكان عمر هو الذي أحدث من عبد الله عمر أمير المؤمنين، فكتب أبو بكر - سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت من أمر هرقل ملك الروم، فأما نزوله بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه، وفتح من الله عليك وعلى المسلمين إن شاء الله، وأما حشره لكم بمملكته وجمعه لكم الجموع فإن ذلك إنا نعلم وأنتم تعلمون أنه سيكون منهم ما كان قوم ليدعوا سلطانهم، ولا ليخرجوا من ملكهم بغير قتال، ولقد علمت - والحمد الله - أن قد غزاهم رجال كثير من المسلمين يحتسبون من الله في قتالهم الأجر العظيم، ويحبون الجهاد في سبيل الله أشد من حبهم أبكار نسائهم، وعقائل أموالهم،

стр. 4753

الرجل منهم عند الهيج خير من ألف رجل من الروم، فالقهم بجندك، ولا تستوحش لمن غاب عنك من المسلمين، فإن الله معك، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال بعد الرجال حتى تكتفي ولا تحب أن تزداد، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وبعث بالكتاب مع عبد الله بن نزار العبسي. عبد الله بن نصر بن هلال السلمي والد أبي الفضل. حدث عن محمد بن المبارك الصوري بسنده إلى واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ها هنا، وأومأ بيده إلى القلب. قال: وحسب امرئ من الشر أن يخفر أخاه المسلم. عبد الله بن نصر أبو محمد التبريزي القاضي حدث عن الشيخ أبي نصر أحمد بن محمد بن شبيب الكاغدي البلخي الإمام المفسر، وإمام خراسان بسنده إلى عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إن لملك الموت حربة مسمومة، طرف لها بالمشرق، وطرف لها بالمغرب، يقطع بها عرق الحياة، والذي لا إله إلا هو، والذي نفس محمد بيده، والذي بعثني بالحق نبياً إن معالجته أشد من ألف ضربة بالسيف، وألف نشرة بالمناشير، وألف طبخة في القدور، وإن الصراط مسيرة ثلاثة آلاف عام، ألف طالع وألف نازل وألف استواء، أدق من الشعر وأحد من السيف، ثم قال: والذي بعثني بالحق نبياً من أكرم عالماً مات ولم يعلم وجاز الصراط ولم يعلم. قال الحافظ: الحديث منكر.

стр. 4754

عبد الله بن نعيم بن همام القيني ذكر أنه دمشقي، وذكر في كتاب تسمية كتاب أمراء دمشق، فقيل: كان كاتب الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب الأشعري، وقيل: كان من كتاب عمر بن عبد العزيز. حدث عبد الله بن نعيم عن الضحاك بن عبد الرحمن بن غرزب الأشعري عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ عقد لأبي عامر الأشعري يوم حنين على خيل الطلب، فلما انهزمت هوازن طلبها حتى أدرك دريد بن الصمة، فأسرع به فرسه فقتل ابن دريد أبا عامر. قال: أبو موسى: فشددت على ابن دريد فقتله، وأخذت اللواء، وانصرفت بالناس. فلما رآني رسول الله ﷺ واللواء بيدي، قال: أبا موسى، قتل أبو عامر؛ قلت: نعم، قال: فرفع يديه يدعو له ويقول: اللهم، أبا عامر اجعله في الأكثرين يوم القيامة. هذا أو نحوه. وحدث عن الضحاك أيضاً أنه أخبره أن عبد الرحمن بن غنم أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: ليمت يهودياً أو نصرانياً - يقولها ثلاث مرات - رجل مات ولم يحج، وجد لذلك سعة، وخليت سبيله، لحجة أحجها وأنا صرورة أحب إلي من ست غزوات أو سبع - ابن نعيم يشك - ولغزوة أغزوها بعدما أحج أحب إلي من ست حجات أو سبع، ابن نعيم يشك فيهما. وحدث أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول لابنه عبد الملك وبصق عن يمينه وهو في مسيره فنهاه عمر عن ذلك فقال: إنك تؤذي صاحبك، ابصق عن شمالك. القيني: بالقاف والياء المعجمة باثنتين تحتها ونون.

стр. 4755

عبد الله بن واقد الجرمي شهد قتل الوليد بن يزيد. قال: دخلوا على الوليد وقد ظاهر بين درعين وبيده السيف صلتاً، فأحجموا عنه فنادى مناديهم: اقتلوا اللوطي قتلة قوم لوط، فقتل. عبد الله بن وقاص قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذنه فقال معاوية كما قال المؤذن، حتى إذا قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قال حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. عبد الله الأصغر بن وهب ابن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي الزمعي وفد على معاوية. حدث عن ام سلمة قالت: دعا رسول الله ﷺ فاطمة بعد الفتح فنا جاها فبكت، ثم حدثها فضحكت، فقالت أم سلمة: فلم أسألها عن شيء حتى توفي رسول الله ﷺ سألتها عن بكائها وضحكها قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أنه يموت فبكيت، ثم حدثني أني سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فضحكت. وحدث عنها أيضاً قالت: قال رسول الله ﷺ : ما من أحد يحيي أرضاً فتشرب منها كبد حرى أو يصيب منها عافية إلا كتب الله له بها أجراً.

стр. 4756

وحدث عنها قالت: لعن النبي ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم. وحدث قال: سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: لقد خرج أبو بكر على عهد رسول الله ﷺ تاجراً إلى بصرى، لم يمنع أبا بكر من الضن برسول الله ﷺ وشحة على نصيبه منه من الشخوص إلى التجارة، وذلك لإعجابهم بكسب التجارة وحبهم للتجارة، ولم يمنع رسول الله ﷺ أبا بكر من الشخوص في تجارته لحبه صحابته، وضنه بأبي بكر، وقد كان بصحابته معجباً لاستحباب رسول الله ﷺ التجارة وإعجابه بها. لما اجتمع الناس على معاوية خرج إليه عبد الله بن وهب الأصغر طالباً بدم أخيه عبد الله بن وهب بن زمعة الأسدي، وقال: إما وجدت قاتله فأمكنني منه فقتله، وإما لم أجده فكان ذلك وسيلة لي إليه، فقدم عليه. فلما حضر الطعام قال له معاوية: ادن يا بن مسلم بن مسلم، قال: فتقدمت إلى الغداء، وما يسوغ لي أبداً في آبائي، وأعود فلا أجد فيهم مسلماً، فرجعت إلى المدينة، وقد كان معاوية قال له: أما قاتل أخيك فلا يعرف، قتل في فتنة واختلاط من الناس، ولكن هذه الدية فهي لك، وأعطاه الدية، وأحسن جائزته. قال: فانصرفت، فدخلت المدينة فسألتني زوجتي كريمة بنت المقداد بن عمرو عن سفري، فأخبرتها بما قال لي معاوية، فقالت: صدق، كان جدك أسد بن عبد العزى لا يدع مهتجرين من قريش إلا أصلح بينهما فسمي مسلماً. فلما توفي قام ذلك المقام المطلب بن أسد فسمي مسلماً. فلما توفي قام ذلك المقام أبو زمعة الأسود بن المطلب فسمي مسلماً، فأنت أبن مسلم ابن مسلم ابن مسلم. قال: فخرجت إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ فذكرت لها قول معاوية، فقالت مقالة كريمة بنت المقداد، فقلت: والله لأرجعن إلى معاوية، فرجعت إليه لذلك لا يفزعني غيره. فلما حضر الغداء قالك ادن يا بن مسلم ابن مسلم، قال؛ قلت: أي والله، إني لابن مسلم ابن مسلم ابن مسلم، قال لك علمت فتعلمت! قلت: إنما العلم بالتعلم. كان أخوه عبد الله بن وهب الأكبر قتل مع عثمان بن عفان في الدار.

стр. 4757

عبد الله بن وهيب بن عبد الرحمن ابن عمر بن حفص أبو العباس ويقال: أبو إسحاق الجذامي الغزي حدث عن العباس بن الوليد بن مزيد بسنده إلى ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في منفعة أو تيسير من عسرة أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام. توفي أبو العباس الغزي سنة إحدى وثلاث مئة. عبد الله بن هارون بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس - ويقال: أبو جعفر المأمون بن الرشيد قدم دمشق دفعات، وأقام بها مدة. قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة. فلما سلم كبر الناس، فرأيت المأمون خلف الدرابزين وعليه كمة بيضاء وهو يقول: لا يا غوغاء لا يا غوغاء، غداً سنة أبي القاسم ﷺ . قال: فلما كان يوم الأضحى حضرت الصلاة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.. حدثنا هشيم بن بشير أخبرنا ابن شبرمة عن الشعبي عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ : من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم قدمه لأهله، ومن ذبح بعد أن يصلي فقد أصاب السنة، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، اللهم، أصلحني واستصلحني وأصلح على يدي.

стр. 4758

قال أحمد بن إبراهيم الموصلي: كنت بالشماسية والمأمون يجري الحلبة فسمعته يقول ليحيى بن أكثم وهو ينظر إلى كثرة الناس: أما ترى؟ ثم قال: حدثنا يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : الخلق كلهم عيال الله ، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله. وحدث المأمون عن هشيم عن منصور عن الحسن عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : الحياء من الإيمان. ولد المأمون في ربيع الأول سنة سبعين ومئة، ليلة مات موسى الهادي، واستقامت له الولاية في المحرم سنة ثمان وتسعين ومئة، ومات سنة ثمان عشرة ومئتين، فكانت ولايته عشرين سنة وخمسة أشهر وأياماً، ودعي له بالخلافة بخراسان في حياة أخيه الأمين ثم قدم بغداد بعد قتله. وكان إبراهيم يقول: مات خليفة، وولي خليفة، وولد خليفة في ليلة واحدة: مات موسى، وولي الرشيد، وولد المأمون في ليلة واحدة. وكان المأمون بايع لعلي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسماه الرضا، وطرح السواد وألبس الناس الخضرة، فمات علي بسرخس، وقدم المأمون بغداد سنة أربع ومئتين في صفر وطرح الخضرة، وعاد إلى السواد، وامر المأمون في آخر عمره أن يكون أخوه أبو إسحاق الخليفة من بعده. وكانت كنيته أولاً أبو العباس، فلما ولي الخلافة اكتنى بأبي جعفر. وأمه أم ولد يقال لها: مراجل الباذغيسية، توفيت في نفاسها به، وكان ولي عهد أبيه الرشيد بعد أخيه محمد الأمين، وكان يدعى للمأمون بالخلافة ومحمد حي، دعي له من آخر سنة خمس وتسعين ومئة إلى أن قتل محمد، واجتمع الناس عليه، وتفرق عماله في البلاد، ومحمد حي، ودعي له بالحرمين، وأقيم الحج للناس بإمامته في سنتي ست وسبع وتسعين ومئة، وهو مقيم بخراسان، والكتب تنفذ عنه، والأموال تحمل إليه، وأمره ينفذ في الآفاق، فاجتمع الناس عليه بعد قتل محمد، وبويع له ببغداد على يدي طاهر بن الحسين في المحرم سنة ثمان وتسعين وورد الخبر عليه وهو

стр. 4759

بمرو في صفر سنة ثمان وتسعين. ولم يزل المأمون مقيماً بمرو. ووجه الحسن بن سهل صنو ذي الرياستين إلى بغداد وجعله خليفته بالعراق، وعقد له عليه، وكان وجه قبله منصور بن المهدي إلى بغداد، ودفع إليه خاتمه، وأمره أن يكاتب عنه. فلما قدم الحسن بن سهل لم يكن لمنصور من الأمر شيء غير المكاتبة والختم. وعقد المأمون بخراسان العهد بعده لعلي بن موسى بن جعفر وسماه الرضا، وخلع السواد، وألبس الناس الخضرة في سنة إحدى ومئتين. فلما اتصل ذلك بمن في العراق من العباسيين من ولد الخلافة وغيرهم عظم عليهم، وأنكروه، واجتمعوا، فكتبوا إلى المأمون كتاباً في ذلك، وورد كتابه على الحسن بن سهل يأمره بأخذ البيعة على الناس لعلي بن موسى بعده فأعظم الناس ذلك وأبوه وخالفوا الأمر فيه ودعاهم ذلك إلى أن بايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، وخلعوا المأمون. وكان المأمون أبيض، ربعة، حسن الوجه، قد وخطه الشيب، تعلوه صفرة، أغبر، طويل اللحية رقيقها، ضيق الجبين، على خده خال، وكان ساقاه من سائر جسده صفراوين، حتى كأنهما طليتا بالزعفران. قال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري. قال: فأتيته يوماً وهو داخل، فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني، فأبطأ علي، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر، قال: أجل، ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدامه، ولقوا منه أذى شديداً فقومه بالأدب. فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر. قال: فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل له: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلاً، فمسح عينيه من البكاء، وجمع ثيابه، وقام إلى فرشه، فقعد عليها متربعاً ثم قال: ليدخل، فدخل، فقمت عن المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى

стр. 4760

منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه، وضحك إليه. فلما هم بالحركة دعا بدابته، وأمر غلمانه، فسعوا بين يديه، ثم سأل عني فجئت، فقال: خذ على ما بقي من جزئي. فقلت: ايها الأمير - أطال الله بقاءك - لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى فلو فعلت ذلك لشكر لي، فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذه؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه؟ إني أحتاج إلى أدب. إذاً يغفر الله لك بعد ظنك، ووجيب قلبك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبداً، ولو عدت في كل يوم مئة مرة. أراد الرشيد سفراً فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك، وأعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع، فمضى الأسبوع ولم يخرج، فاجتمع الناس إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك، ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر فكتب إليه المأمون: السريع يا خير من دنت المطي به ... ومن تقدى بسرجه فرس هل غاية في المسير نعرفها ... أم أمرنا في المسير ملتبس؟ ما علم هذا إلا إلى ملكٍ ... من نوره في الظلام نقتبس إن سرت سار الرشاد متبعاً ... وإن تقف فالرشاد محتبس فقرأها الرشيد وسر بها، ووقع فيها: يا بني، ما أنت والشعر إنما الشعر أرفع حالات الدنيء، وأقل حالات السري والمسير إلى ثلاث أن شاء الله. حدث ذو الرياستين في شوال سنة اثنتين ومئتين أن المأمون ختم في شهر رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمة. أما سمعتم في صوته بحوحة؟ إن محمد بن أبي محمد اليزيدي في أذنه صمم، كان يرفع صوته ليسمع، وكان يأخذ عليه. قال محمد بن عباد: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون.

стр. 4761

حدث يحيى بن أكثم القاضي قال: قال لي المأمون يوماً: يا يحيى إني لرأيت أن أحدث، فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: ضعوا لي منبراً بالحلبة، فصعد وحدث، فأول حديث حدثنا به من هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار. ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثاً، ثم نزل فقال لي: يا يحيى، كيف رأيت مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس، يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة، فقال: لا، وحياتك، ما رأيت لكم حلاوة، إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر، يعني من أصحاب الحديث. قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: لما فتح المأمون مصر قام فرج الأسود فقال: الحمد الله الذي كفاك أمر عدوك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ فقال له: ويحك يا فرج، إلا أنه بقيت لي خلة، وهو أن أجلس في مجلس، ويستملي يحيى فيقول: من ذكرت رضي الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمادان: حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم قالا: حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: من عال ابنتين أو ثلاثاً أو أختين أو ثلاثاً حتى يمتن أو يموت عنهن كان معي كهاتين في الجنة. وأشار بالمسبحة والوسطى. قال أبو بكر الخطيب: في هذا الخبر غلط فاحش. قال: ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين، وذلك أن مولد المأمون في سنة سبعين ومئة، ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين ومئة، قبل مولده بثلاث سنين، وأما حماد بن زيد فمات في سنة تسع وسبعين ومئة. قال محمد بن سهل بن عسكر: وقف المأمون يوماً للإذن، ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: ما تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئاً، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم، وحدثنا حجاج بن محمد، وحدثنا فلان حتى ذكر الباب، ثم سأله عن بابٍ باب فلم يذكر فيه شيئاً، فذكره

стр. 4762

المأمون، ثم نظر إلى أصحابه فقال: أحدهم يطلب الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث؟! أعطوه ثلاثة دراهم. قال محمد بن حفص الأنماطي: تغدينا مع المأمون في يوم عيد. قال: فأظنه وضع على مائدته أكثر من ثلاث مئة لون. قال: فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال: هذا نافع لكذا، ضار لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا، ومن قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا. قال: فوالله إن زالت تلك حاله في كل لون يقدم إليه حتى رفعت الموائد، فقال له يحيى بن أكثم: يا امير المؤمنين، إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم كنت هرمس في حسابه، او في الفقه كنت علي بن أبي طالب في علمه، أو ذكر السخاء كنت حاتم طيئ في صفته، أو صدق الحديث فأنت أبو ذر في لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مالك في فعاله، أو الوفاء فأنت السموءل بن عادياء في وفائه. فسر بهذا الكلام، وقال: يا أبا محمد، إن الإنسان إنما فضل بعقله، لولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم. قال: ونظر يوماً إلى رؤوس آنيته محشوة بقطن، وكانت قبل ذلك بأطباق فضة، فقال لصاحب الشراب: أحسبت يا بني أنما تباهي بالذهب والفضة من قلاً عنده، واما نحن فينبغي أن نباهي بالفعال الجميلة والأخلاق الكريمة، فإياك أن تحشو رؤوس أوانيك إلا بالقطن، فذلك بالملوك أهيأ وأبهى. قال يحيى بن أكثم القاضي: ما رأيت أكمل آلة من المأمون وجعل يحدث بأشياء استحسنها من كان في مجلسه ثم قال: كنت عنده - يعني ليلة أذاكره أو أحدثه، ثم نام وانتبه فقال: يا يحيى، انظر إيش عند رجلي، فنظرت فلم أر شيئاً، فقال: شمعة، فتبادر الفراشون فقال: انظروا، فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب، فقال: معاذ الله، ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال: مجزوء الكامل

стр. 4763

يا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى قال: فانتبهت، فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد، فتأملت ما قرب فكان ما رأيت. قال عمارة بن عقيل: قال ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن المأمون أمير المؤمنين لا يبصر الشعر؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه، والله إنا لننشد أول البيت، فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه. قال: إني أنشدته بيتاً أجدت فيه، فلم أره تحرك له، وهذا البيت فاسمعه: البسيط أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقلت له: مازدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحة. فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولاً عنها؟ فهو المطوق بها، ألا قلت كما قال عمك جرير لعبد العزيز بن الوليد: الطويل فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: كنت واقفاً على رأس المأمون، وهو يتفكر، ثم رفع رأسه فقال: يا إبراهيم، بيتا شعر قيلا لم يسبق قائلهما إليهما أحد، ولا يلحقهما أحد. قلت: من هما يا أمير المؤمنين؟ قال: أبو نواس وشريح، فتبسمت فقال: أمن أبي نواس وشريح؟ قلت: نعم. قال: خذ، قال أبو نواس: الطويل إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدوٍ في ثياب صديق قال: قلت أحسن يا أمير المؤمنين، فما قال شريح؟ فقال: قال شريح الطويل تهون على الدنيا الملامة أنه ... حريص على استصلاحها من يلومها

стр. 4764

فقلت: أحسن يا أمير المؤمنين، فقال: أحسن منها ما سمعته أنا: كنت أسير في موكبي فألجأني الزحام إلى دكان، عليه أسمال، فنظر إلي نظر من رحمني أو متعجب مما أنا فيه فقال: الطويل أرى كل مغرور تمنيه نفسه ... إذا ما مضى عام سلامة قابل قال النضر بن شميل: دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو وعلي أطمار متر عبلة، فقال لي: يا نضر، أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟! فقلت: يا أمير المؤمنين، إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق. قال: لا، ولكنك تتقشف فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز، قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم. حدثني عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي ﷺ قال: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز، وكان المأمون متكئاً، فاستوى جالساً وقال: السداد لحن يا نضر؟ قلت: نعم هاهنا، وإنما لحن هشيم، وكان لحاناً، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد: القصد في السبيل، والسداد: البلغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد. قال: أفتعرف العرب ذلك؟ قلت نعم. هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان يقول: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغرٍ فأطرق المأمون ملياً ثم قال: قبح الله من لا أدب له، ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب. قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان: المنسرح

стр. 4765

تقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوماً فلم أقم أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لأي وجهٍ إلا إلى الحكم متى يقل حاجبا سرادقه: ... هذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... هيهات إذ حل أعطني سلمي فقال المأمون: لله درك، فكأنما شق لك عن قلبي. أنشدني أنصف بيت قالته العرب، قلت: قول ابن أبي عروبة المدني بأمير المؤمنين: الكامل إني وإن كان ابن عمي عاتباً ... لمراجم من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان امرأ ... مترحرحاً في أرضه وسمائه وأكون والي سره وأصونه ... حتى يحين إلي وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه وإذا دعا باسم ليركب مركباً ... صعباً قعدت له على سيسائه وإذا أتى من وجهه بطريقة ... لم أطلع فيما وراء خبائه وإذا ارتدى ثوباً جميلاً لم أقل: ... يا ليت أن علي حسن ردائه فقال: أحسنت يا نضر. أنشدني الآن أقنع بيت للعرب، فأنشدته قول ابن عبدل: المنسرح
следующие страницы →