Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
سئل ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح بستشيره. قيل: فإن لم يكن؟ قال صمت طويل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل.
كان عبد الله بن المبارك كثيراً كان يتمثل بأييات حميد النحوي: الخفيف
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغاً مستريحا
وإذا ما هممت بالنطق في البا ... طل فاجعل مكانه تسبيحا
فاغتنام السكوت أفضل من خوضَ ... وإن كنت بالحديث فصيحا
سمع ابن المبارك رجلاً يتكلم بما لا يعنيه فقال: المتقارب
تعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله
قال محمد بن إدريس الحنظلي: قال عبد الله بن المبارك: المنسرح
أدبت نفسي فما وجدت لها ... من بعد تقوى الإله من أدب
في كل حالاتها وإن قصرت ... أفضل من صمتها عن الكذب
وغيبة الناس إن غيبتهم ... حرمها ذو الجلال في الكتب
إن كان من فضةٍ كلامك يا ... نفس فإن السكوت من ذهب
قال أبو أمية الأسود: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الصالحين وأنا شر منهم، ثم أنشأ عبد الله يقول: مجزوء الكامل
الصمت أزين بالفتى ... من منطقٍ في غير حينه
والصدق أجمل بالفتى ... في القول عندي من يمينه
стр. 4692
وعلى الفتى بوقاره ... سمة تلوح على جبينه
فمن الذي يخفى عليك ... إذ نظرت إلى قرنيه
رب امرئٍ متيقنٍ ... غلب الشقاء على يقينه
فأزاله عن رأيه ... فابتاع دنياه بدينه
كان عبد الله بن المبارك يقول:
سخاء النفس عما في أيدي الناس أكثر من سخاء النفس بالبذل، والقناعة والرضا أكثر من مروءة الإعطاء، وانشد: البسيط
ماذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعاً ما عاش مفتقرا
فالعرف من يأته تحمد عواقبه ... ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا
وعن عبد الله بن المبارك: البسيط
لا تضرعن لمخلوقٍ على طمعٍ ... فإن ذاك مضر منك بالدين
واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون
ألا ترى كل من ترجو وتامله ... من البرية مسكين ابن مسكين؟
قال عبد الله بن المبارك: لن يخلو المؤمن من ثلاثة: من نفس تدعوه، وشيطان يبغيه، ومنافق يحسده.
سئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قال: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قال: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه. قيل له: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة بن حازم وأصحابه. قيل له: فمن الدنيء؟ قال: الذي يذكر غلاء السعر عند الضيف.
كان ابن المبارك يقول: من طلب العلم تعلم العلم، ومن تعلم العلم خاف من الذنب، ومن خاف من الذنب هرب من الذنب، ومن هرب من الذنب نجا من الحساب.
стр. 4693
قال زرقان: سمعت ابن المبارك يقول على سور طرسوس: الكامل
ومن البلاء وللبلاء علامة ... ألا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع مرة ويجوع
أنشد الحسن بن إبراهيم البجلي لعبد الله بن المبارك: الكامل
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
قال الأصمعي: سمعت ابن المبارك يقول: الرمل
خالق المناس بخلقٍ حسنٍ ... لاتكن كلباً على الناس تهر
كان ابن المبارك يقلو: إذا تاكد الإخاء قبح الثناء.
قال عبد الله بن المبارك: إن العبد إذا استخف بستر الله عليه أنطق الله لسانه بمعايب نفسه حتى يكفي الناس مؤنته.
سأل حاتم بن عبد الله العلاف ابن المبارك حين أراد الخروج إلى مكة فقال: أما توصينا؟ فقال عبد الله بن المبارك: الوافر
إذا صاحبت في الأسفار قوماً ... فكن لهم كذي الرحم الشفيق
بعيب النفس ذا بصرٍ وعلمٍ ... غني النفس عن عيب الرفيق
ولا تأخذ بعثرة كل قومٍ ... ولكن قل هلم إلى الطريق
فإن تأخذ بعثرتهم يقلوا ... وتبقى في الزمان بلا صديق
قال عبد الله بن المبارك: حفروا بخراسان حفيراً، فوجدوا رأس إنسان فوزنوا سناً من أسنانه فإذا فيه سبعة اسانين
стр. 4694
وفي رواية: فوزنهما أو وزن أحدهما فإذا فيه منوان وزيادة في كل سن، فقال عبد الله من أبيات: المتقارب
أرى الناس يبكون موتاهم ... وما الحي أبقى من الميتينا
أليس مصيرهم للفناء ... وإن عمر القوم أيضاً سنينا
يساقون سوقاً إلى يومهم ... فهم في السياق وما يشعرونا
فإن كنت تبكين من قد مضى ... فبكي لنفسك في الهالكينا
أتيت بسنين قد رمتا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا
على وزن منيين إحداهما ... تقل به الكف شيئاً رزينا
ثلاثين أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا
فماذا يقوم لأجرامهم ... وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكرت أجسامهم ... تصاغرت النفس حتى تهونا
وكل على ذاك لاقي الردى ... فبادوا جيمعاً فهم خامدونا
وعن أبي موسى الأشعري قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي. ثم قال عبد الله بن المبارك: البسيط
وطارت الصحف في الأيدي منشرةً ... فيها السرائر والأخبار تطلع
فكيف سهوك والأنباء واقعة ... عما قليلٍ ولا تدري بما يقع
أفي الجنان وفوز لا انقطاع له ... أم الجحيم فما تبقي وما تدع
تهوي بسكانها طوراً وترفعهم ... إذا رجوا مخرجاً من غمها وقعوا
طال البكاء فلم ينفع تضرعهم ... هيهات لا رقة تجزي ولا جزع
стр. 4695
لن ينفع العلم قبل الموتٍ عالمه ... قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا
كان ابن المبارك يقول في دعائه: اللهم، إني أسألك الشهادة في غير جهد بلية ولا تبديل نية، فأجيبت دعوته، فمات شهيداً غريباً في غير تربته من غير جهد في الشهادة ولا تبديل في الإرادة.
ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه: اجعل رأسي على التراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؛ قال: أذكر ما كنت فيه من النعيم، وأنت هو ذا تموت فقيراً غريباً فقال له: اسكت، فإني سألت الله ﵎ أن يجنبني جباه الأغنياء، وان يميتني ميتة الفقراء. ثم قال: لقني، ولا تعد علي إلا أن أتكلم بكلام ثان.
لما حضر ابن المبارك جعل رجل يلقنه: قل: لا إله إلا الله، فأكثر عليه، فقال: إنك ليس تحسن، وأخاف أن تؤذي بها رجلاً مسلماً بعدي. إذا لقنتني فقلت: لا إله إلا الله ثم لم أحدث كلاماً بعدها فدعني، فإذا أحدثت كلاماً بعدها فلقني حتى تكون آخر كلامي.
لما احتضر ابن المبارك فتح عينيه وضحك وقال: " لمثل هذا فليعمل العاملون ".
لما مات ابن المبارك قال هارون أمير المؤمنين: مات سيد العلماء.
قال ابن المديني: مات خيار الرض جميعاً في سنة واحدة: مالك، وحماد، وخالد، وسلام بن سليم أبو الأحوص، وعبد الله بن المبارك سنة تسع وسبعين ومئة.
قال: وهذا القول وهم، والمحفوظ أن عبد الله خرج إلى العراق سنة إحدى وأربعين ومئة ومات بهيت وعانات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة. مات سحراً ودفن بهيت، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكان منصرفاً من الغزو.
стр. 4696
وولد عبد الله بن المبارك بمرو سنة ثمان عشرة ومئة. وقيل: سنة تسع عشرة.
قال عبد الله بن رستم: رئي على قبر عبد الله بن المبارك مكتوب: السريع
الموت بحر موجه غالب ... تذهل فيه حيل السابح
لا يصحب المرء إلى قبره ... غير التقى والعمل الصالح
قال أبو حاتم الفربري: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام واقفاً على باب الجنة، بيده مفتاح فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، ما يوقفك ها هنا؟ قال: مفتاح باب الجنة دفعه إلي محمد ﷺ وقال: حتى أزور الرب، فكن أميني في السماء كما كنت أميني في الأرض.
قال إسماعيل بن إبراهيم بن أبي جعفر المصيصي: رأيت الحارث بن عطية في النوم، فقلت: ما فعل الله بك يا أبا عبد الله؛ قال: غفر لي. قلت: فأين ابن المبارك؟ قال: بخٍ بخٍ، ابن المبارك في عليين ممن يلج على الله في كل يوم مرتين.
قال صخر بن راشد: رأيت عبد الله بن المبارك في منامي بعد موته، فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى. قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب. قلت: فسفيان الثوري؟ قال: بخٍ بخٍ، ذاك: " مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ".
قال محمد بن فضيل بن عياض: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه. قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم. قلت: فأي شيء صنع بك ربك؟ قال غفر لي مغفرة تتبعها مغفرة، وكلمتني امرأة من أهل الجنة، أو امرأة من الحور العين.
وفي حديث آخر: قلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: وجهي هذا الذي مت فيه. قال: فقلت له: فالحديث؟ قال: قدم الحديث.
стр. 4697
عبد الله بن محمود بن أحمد
أبو علي البرزي المعروف بالخشبي حدث عن أبي الحسن محمد بن عوف بن أحمد المزي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال:
بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب، أصابها في بعض المغازي، فجاء بها رسول الله ﷺ عن ركنه الأيمن، فقال: يا رسول الله، خذها مني صدقه، فوالله مالي مال غيرها، فأعرض عنه، ثم جاءه عن ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، ثم جاءه من بين يديه فقال مثل ذلك، فقال: هاتها، مغضباً، فحذفه بها حذفة لو أصابته لأوجعته أو لعقرته، ثم قال: يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره فيتصدق به، ثم يقعد بعد ذلك يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غناء. خذا الذي لك، فلا حاجة لنا به، فأخذ الرجل ماله وذهب.
عبد الله بن محيريز بن جنادة
ابن وهب بن لوذان بن سعد بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب أبو محيريز القرشي الجمحي المكي نزل بيت المقدس، واجتاز بدمشق غازياً. وقيل في اسمه عبد الرحمن بن محيريز. وقيل: هو عبد الله. وله ابن يقال له عبد الرحمن بن عبد الله بن محيريز، وكان يتيماً في حجر أبي محذورة.
حدث عن معاوية عن النبي ﷺ قال: إن السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له.
وحدث عن أي سعيد الخدري أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا نصيب سبايا فما ترى في العزل؟
стр. 4698
فقال: وإنكم لتفعلون ذلك، لا عليكم ألا تفعلوه، إنه ليس نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي خارجة.
قال رجاء بن جيوة: إن يفخر عينا أهل المدينة بعابدهم عبد الله بن عمر فإنا نفخر عليهم بعابدنا عبد الله بن محيريز.
قال خالد بن دريك: كانت في ابن محيريز خصلتان ما كانتا في أحد ممن أدركت من هذه الأمة: كان من أبعد الناس أن يسكت عن حق بعد أن يتبين له، يتكلم فيه، غضب في الله من غضب ورضي فيه من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده.
وعن الأوزاعي أنه قال: من كان مقتدياً فليقتد بمثل ابن محيريز. فإن الله لم يكن ليضل أمة فيها ابن محيريز.
قال ابن محيريز لرجل وهو يوصيه: إن استطعت أن تعرف ولا تعرف، ويسأل ولا تسأل، وتمشي ولا يمشي إليك فافعل.
وعن يحيى بن أبي عمرو قال: قال لنا ابن محيز: إني أحدثكم فلا تقولوا: حدثنا ابن محيرز، فإني أخاف أن يصرعني ذلك يوم القيامة مصرعاً يسوؤني.
وعن ابن محيريز قال: كفى بالمرء شراً أن يشار إليه بالأصابع في دينٍ أو دنيا.
وكان ابن محيرز يجيء إلى الجمعة يوم الخميس من قريته، يقيم حتى يصلي الجمعة ثم يروح. وهي أربعة أميال من الرملة.
دخل ابن محيريز حانوتاً بدابق يريد أن يشتري ثوباً، فقال رجل لصاحب
стр. 4699
الحانوت: هذا ابن محيريز فأحسن بيعه، فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: إنما نريد أن نشتري بأموالنا. لسنا نشتري بديننا.
قال سلم بن أبي العلاء: رأيت ابن محيريز واقفاً بدابق فسمع رجلاً وهو يساوم رجلاً وهو يقول: لا والله، وبلى والله. فقال: ما هذا؟ لا يكونن الله أهون بضاعتك عليك.
قال همام بن مسلم القرشي: كنت مع ابن محيريز بمرج الديباج، فرأيت منه خلوة، فسألته عن مسألة فقال لي: ما تصنع بالمسائل؟ قلت: لولا المسائل ذهب العلم. قال: لا تقل ذهب العلم، لا يذهب العلم ما قرئ القرآن، ولكن لو قلت: لذهب الفقه.
قال أبو زرعة: غل رجل مئة دينار. فلما حضرته الوفاة أوصى أن يسأل عنها ابن محيريز، فما قال فيها من شيء عمل به. فلما مات لقيه الوصي، فقال له ابن محيريز: اسأل غيري. فقال له الرجل: إنما أمرت أن أسألك، ولا أسأل غيرك. فقال له ابن محيريز: هل تستطيع أن تجمع ذلك الجيش؟ قال: لا، وكيف وقد تفرقوا؟ قال: فلا شيء إلا ذلك.
وعن ابن محيريز قال: ما ملأت بين جنبي بعد فيء يعدل فيه بين اسود والأحمر أحب إلي من مال تاجرٍ صدوق.
قال عبد الرحمن بن محيريز: لما ثقل أبي وهو سائر يريد الصائفة قال: قلت له: يا أبة، لو أقمت، قال: أي بني، لا تدع أن تغدو بي وتروح في سبيل الله. قال: فما زلت أغدو به وأروح حتى مات.
стр. 4700
وعنه قال: مات أبي وهو غاز فهمني من يحضره. قال: فغشيني جماعة من الناس كثيرة فصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى معي عليه صفوف، قال: جماعة كثيرة.
وعن رجاء بن حيوة أنه كان يقول:
إن بقاء ابن محيريز بين أظهر هؤلاء الناس أمان لهم. يقول: لن يعذب الله أمة فيها مثل ابن محيريز. وكان ابن محيريز يقول: إن بقاء ابن عمر بين أظهر هؤلاء الناس أمان لهم.
قال رجاء بن حيوة: أتانا يعني: ابن عمر ونحن في مجلس ابن محيريز، فقال ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء ابن عمر أماناً لأهل الأرض. وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز: وأنا والله إن كنت لأعد بقاء ابن محيريز أماناً لأهل الأرض.
توفي ابن محيريز في ولاية الوليد بن عبد الملك. وقيل إنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
عبد الله بن المخارق بن سليمان
وقال ابن سليم ابن حصيرة بن مالك بن قيس بن شيبان بن حمار بن حارثة بن عمرو ابن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة الشيباني، والمعروف بنابغة بني شيبان شاعر من شعراء الأمويين، وفد على عبد الملك، وعلى يزيد ابنه، وعلى هشام بن عبد الملك، وعلى الوليد بن يزيد. وكان مداحاً لهم وكان نصرانياً. وقيل: كان اسمه جميل بن سعد بن معقل. والأول أثبت، وهو إسلامي كثير الشعر، وهو القائل: من الطويل
стр. 4701
وكائن ترى من ذي همومٍ تفرجت ... وذي غربةٍ عن داره سيؤوب
ومغتبطٍ ناءٍ بأرضٍ يحبها ... ستذهل عنها نفسه وتطيب
وقد ينطق الشعر العيي لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو لبيب
ومن شعره: من البسيط
من يلق بؤساً يصبه بعدها فرج ... والناس بني ذوي روحٍ ومكروب
لاتحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب
لما هم عبد الملك بن مروان بخلع عبد العزيز أخيه وولاية ابنه الوليد العهد، وكان نابغة بني شيبان منقطعاً إلى عبد الملك، مداحاً له، فدخل إليه في يوم حفل، والناس حوله وولده قدامه، فأنشده من أبيات: من المنسرح
آل أبي العاص أهل مأثرةٍ ... غر عتاق بالخير قد نفخوا
خير قريشٍ وهم أفاضلها ... في الجد جد وإن هم فرحوا
أرحبها ذرعاً وأصبرها ... أنتم إذا القوم في الوغى كلحوا
أما قريش فأنت وارثها ... تكف من شغبهم إذا طمحوا
حفظت ما ضيعوا وزندهم ... أوريت إن أصلدوا وإن قدحوا
آليت جهداً وصادق قسمي ... برب عبدٍ لله ينتصح
يظل يتلو الإنجيل يدرسه ... من خشية الله قلبه نقح
لابنك أولى بملك والده ... وعمه إن عصاك مطرح
داود عدل فاحكم بسيرته ... ثم ابن حربٍ فإنهم نصح
وهم خيار فاعمل بسنتهم ... واحي بخيرٍ واكدح كما كدحوا
стр. 4702
قال: فتبسم عبد الملك، ولم يتكلم في ذلك بإقرار ولا دفع، فعلم الناس أن رأيه خلع عبد العزيز. فبلغ ذلك من قول النابغة عبد العزيز فقال: لقد أدخل ابن النصرانية بنفسه مدخلاً ضيقاً، وأوردها مرداً خطراً. والله لئن ظفرت به لأخضبن قدمه بدمه.
قال عيسى بن عمر: كان نابغة بني شيبان ينشد الشعر فيكثر، حتى إذا فرغ قبض على لسانه فقال: لأسلطن عليك ما يسؤوك: سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر.
عبد الله بن مخمر الشرعبي
حمصي، ويقال: دمشقي، كان قد أدرك الجاهلية، وقدم دمشق، واستشاره معاوية في قتل حجر بن عدي وأصحابه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن تعاقبهم فقد أصبت، وإن تعف فقد أحسنت.
وعبد الله بن مخمر الشرعبي عامل يزيد بن معاوية على حمص.
ومخمر: بفتح الميم الأولى وكسر الميم الثانية والخاء ساكنة، وقيل: مخمر بكسر الميم الأولى وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية.
حدث عبد الله بن مخمر أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: احتجبي من النار ولو بشق التمرة.
وعن عبد الله بن مخمر أنه قال وهو على المنبر، وقد رأى الناس وقد تلبسوا: واحسناه، واجمالاه بعد العدم والسدم من الدم والحوتكية والبرود، أصبحتم
стр. 4703
زهراً وأصبح الناس عبراً، يعطون انتم تأخذون، وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون، وأصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون، وأصبح الناس يزرعون وانتم تأكلون.
وأول من اتخذ صاحب حرس معاوية، وأول من وضع ديوان الخاتم معاوية، وكان على رأس الحرس أبو المختار مولى لحمير، وعلى الخاتم عبد الله بن مخمر الحميري قاضي القضاة.
قيل: إنه توفي زمن يزيد بن معاوية.
عبد الله بن مخيمرة
قال: لقيت شيخاً بدمشق قد جالس كعب الأحبار فقال: سمعت كعباً يقول: يتصل العمران ما بين باب الجابية إلى البضيع.
عبد الله بن مدرك بن عبد الله
أبو مدرك الأزدي حدث أبو مدرك أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن أمه أسماء بنت أبي بكر قالت: ذبحنا فرساً فأكلنا نحن وأهل بيت رسول الله ﷺ .
وحدث أبو مدرك عن عباية عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعدة من النار.
عبد الله بن مروان بن معاوية
أبو حذيفة الفزاري سمع بدمشق وغيرها.
стр. 4704
حدث عن عبد الله بن رجاء بسنده إلى علي قال: ما رأيت يهودياً أصدق من فلان، زعم أن نار الله الكبرى هي البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع الله فيه الشمس والقمر والنجوم ثم بعث عليه الدبور فسعر به.
أنشد أبو حذيفة: الوافر
ومنتظر سؤالك بالعطايا ... وأفضل من عطاياه السؤال
إذا لم يأتك المعروف عفواً ... فدعه فالتنزه عنه مال
وكيف يلذ ذوأدبٍ نوالاً ... ومنه لوجهه فيه ابتذال
إذا كان النوال ببذل وجهٍ ... وإلحاحٍ فلا كان النوال
وقيل في اسمه: عبيد الله بن مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن عيينية بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، بزيادة ياء، وهو وهم، وكان صدوقاً. سمع أبو القاسم البغوي من أبي حذيفة سنة إحدى وثلاثين ومئتين.
عبد الله بن مروان أبو علي
قيل إن أصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمه جرجاني.
حدث عن عيسى الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان في مجلس فقال رجل: يا سعد، وقال آخر: يا سعد، وقال آخر: يا سعد فقال رسول الله ﷺ : ما جمع ثلاثة سعود في حديث إلا سعد أهله.
وحدث عبد الله بن مروان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: من انهمك في أكل الطين فقد أعان على نفسه.
وحدث عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: قالرسول الله ﷺ : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
стр. 4705
عبد الله بن مساحق بن عبد الله
ابن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي العامري من بني حسل حدث عن ابن عمز قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تجندون أجناداًن فقال رجل: خر لي يا رسول الله، قال: عليك بالشام، فإنها صفوة الله من بلاده، فيها حيرته من عباده، فمن رغب عن ذلك فليلحق بيمنه، وليسق من غدرة، فإن الله قد تكلف بالشام وأهله.
وعن عبد الله بن مساحق قال: كل وتر لا يكون بعده ركعتان فهو أبتر. قال الزبيدي: ثم يقول راشد: سلوا عن عبد الله بن مساحق من كان.
عبد الله بن مسافع بن عبد الله
الأكبر بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي ابن كلاب بن مرة القرشي، العبدري، المكي الحاجب وفد على سليمان بن عبد الملك فأدركه أجله عنده.
حدث عبد الله بن مسافع عن مصعب بن شيبة بسنده إلى عبد الله بن جعفر عن النبي ﷺ قال: من شك في صلاته فليسجد سجدتين وهو جالس.
وفي حديث آخر: من شك في صلاة فليسجد سجدتين بعدما يسلم.
قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: فلم يزل سليمان بن عبد الملك معسكراً بدابق لا يريد القفول دون أن
стр. 4706
يفتح يعني: القسطنطينية أو تؤدى الجزية، فشتا بدابق شتاء بعد شتاء، إذ ركب ذات عشية من يوم جمعة فمر بالتل الذي يقال له: تل سليمان اليوم، فالتفت فإذا بقبر ثري فقال: من صاحب هذا القبر؟ قالوا قبر ابن مسافع القرشي المكي، فقال: يا ويحه، لقد أمسى فترة بدار غربة. قال ابن جابر: ويمرض ويموت ويدفن إلى جانب قبر عبد الله بن مسافع الجمعة التي تليه أو الثانية.
عبد الله بن مسعدة
ويقال ابن مسعود بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري
له رؤية من سيدنا رسول الله ﷺ قيل: إنه كان من سبي فزارة وأن النبي ﷺ وهبه لفاطمة ابنته فأعتقته وكان غلاماً ربته فاطمة وعلي، وكان بعد ذلك مع معاوية أشد الناس على علي. وذكر الواقدي أن عبد الله بن مسعدة قتل في حياة النبي ﷺ ولعل هذا أخ له سمي باسمه. وسكن دمشق وكان مع معاوية بصفين، وبعثه يزيد بن معاوية على جند دمشق يوم الحرة، وبقي إلى أن بايع مروان بن الحكم بالخلافة بالجابية.
حدث عبد الصمد بن العباس قال بكرت إلى الهيثم بن عدي يوماً، فجئته قبل أن يأتيه الناس، فسلمت عليه وجلست، فقال لي: يا هاشمي، ما أحسن طلبك العلم، لا جرم لأحدثنك حديثاً قل من سمعة مني، فقال: حدثني أبي عن عبد الله بن مسعود الفزاري قال: لما أوفدني معاوية بن أبي سفيان إلى ملك الروم دخلت عليه، فوجدت عنده رجلاً على سرير دون سرير الملك، فكلمني بالعربية فقلت له: من أنت؟ فقال: جبلة بن الأيهم، فإذا انصرفت من عنده فائت إلى منزلي. فلما انصرفت أتيته فدخلت عليه، فإذا هو على سرير وبين يديه شراب، وعنده جاريتان تغنيان بشعر حسان بن ثابت، فتحدثنا وتساءلنا وحملني رسالة إلى معاوية بن أبي سفيان، ورأيت بين يديه كتاباً ينظر فيه فظننت أنه الإنجيل أو التوراة، فقلت له: ما هذا الكتاب؟ فيه التوراة؟ قال: لا. قلت: الإنجيل؟
стр. 4707
قال لا. ولكنه أخبار الأنبياء. فقلت له: أنظر فيه، فقال: دونك، فإذا أوله: بسم الرب الشفيق المتحنن على خلقه. حدثنا شمعون بن خنوع بن مارغ عن زكريا بن غمريل بن دان بن يحيى قال: مما أثر علماؤنا عن نبي الله سليمان بن داود ﵉ أنه مر ببساطه فبسط، وحف بكراسي وجلس عليه معه رجال من بني إسرائيل ثم أمر بالسحاب فأظلته، وأمر بالريح فحملته، وسار متنزهاً. فلما سار غير بعيد هبط عليه جبريل ﵇، قال: يا نبي الله، إلى أين سفرك هذا؟ فقال: أردت أن أروح عن قلبي، وأفتح عيني، وأنظر إلى نبات بلاد ربي ، فقال له جبريل: إن الله جل وعز ملائكة وكلهم بالمسافرين، فإذا خرج الرجل من بلده مسافراً تلقاه ملك فيقول له: أين تقصد في وجهك هذا؟ فإن قال: أغزو في سبيل الله، أطلب ثواب الله، قال الملك: اللهم اصحبه بالسلامة في سفره، والغنيمة في معيشته، واخلفه بخير، وإن قال: ألتمس التمحيص لذنوبي بالشهادة، قال الملك: اللهم، ارزقه شهادة سعيدة تمحص عنه ذنوبه وتحط بها أوزاره، وإن قال: خرجت طالباً للعلم والفقه في ديني، قال: اللهم، آته من الحكمة ما تفقهه في دينه وعلمه من تأويل كتابك، وأتبعه سنة نبيك. فإن قال: أور أخاً لي، قال الملك: أبينك وبينه رحم تصلها، أو له عندك معروف، أو يد تكافئه بذلك عليها؟ فإن قال: لا إلا أني أحبه في الله، قال الملك: اللهم، اكتب بخطاه حسنات، وامح بعدها سيئات، وإن قال: أقصد فلاناً الملك ألتمس من نائله، قال له الملك: أي ملك أعظم من الله سبحانه ملكاً، واوسع منه رزقاً، وأسرع منه عطاء؟ وإن قال: خرجت أتعرض من فضل الله، وأعود به على عيالي، قال الملك: اللهم، احفظ عليه ماله وأوسع ربحه وأسرع أوبته، وإن قال: خرجت متنزهاً ومتصيداً، قال الملك: أما علمت أن الله جل ثناؤه سيسألك يوم القيامة عن ما له الذي أعطاك فيم أنفقته؟ وعن عمرك فيم أفنيته؟ وعن قوتك فيم استعملتها؟ وعن بدنك فيم أتبعته؟ قال: فاستحيا سليمان من جبريل ﵇، ورجع من ساعته، فما عاد ليسفر إلا في سبيل الله.
стр. 4708
وعن خديج خصي لمعاوية أن معاوية قال له: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته، وكان آدم شديد الأدمة، فقال: دونك هذه، يعني جارية، بيض بها ولدك.
دخل أبو قتادة على معاوية، فأجلسه معه على سريره، فقال له أبو قتادة: يا معاوية، فقال عمرو بن سعدة الفزاري وهو ابن عم عيينة؟ من هذا الذي يسمي أمير المؤمنين؟ فأشار إليه معاوية أن أسكت، فأبى أن يسكت، فقال أبو قتادة: من هذا المتكلم؟ قال: عمرو بن مسعدة الفزاري. قال: ابن سارق لقاح رسول الله ﷺ ، أما والله إني لصاحب أبيك حين أدركته فطعنته بالرمح في جاعرته فما اتقاني إلا بسلحه، فما منعني من سلبه إلا ذلك، فقال معاوية: أرغم الله أنفك.
عبد الله بن مسعود بن غافل
ابن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو عبد الرحمن الهذلي حليف بني زهرة وابن أختهم، وفي نسبه اختلاف، وجده غافل سماه ابن سعد غافلا بالغين المعجمة والفاء. وسماه خليفة عاقلاً بالعين المهملة والقاف. وفار: قاله الطبري بالفاء وفي جمهرة النسب عن ابن الكلبي فارى بالفاء، بزيادة ياء.
стр. 4709
من المهاجرين الأولين، شهد بدراً، وهاجر الهجرتين، وشهد اليرموك، وكان غل النفل.
حدث عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ فذكر الله على وضوئه كان طهوراً لسائر جسده، ومن توضأ ولم يذكر الله لم يطهر منه إلا ما أصابه، يعني الماء.
وعن عائذ الله أبي إدريس الخولاني قال: قام فينا عبد الله بن مسعود على درج هذه الكنيسة - وفي رواية: على درج كنيسة دمشق - فما أنسى أنه يوم خميس، فقال: يا أيها الناس عليكم بالعلم قبل أن يرفع، فإن من رفعه أن يقبض أصحابه، وإياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق فإنه سيكون في آخر هذه الأمة أقوام يزعمون أنهم يدعون إلى ثواب الله وقد تركوه وراء ظهورهم.
وأم عبد الله بن مسعود أم عبد بنت الحارث بن زهرة وقيل: أمه أم عبد بنت ود بن سوي بن فويم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل. وأمها هند بنت عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب. بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة معلماً ووزيراً، وسكن الكوفة، وهو فقههم وأقرأهم القرآن، وكان على بيت المال، وهو الذي أجاز على أبي جهل يوم بدر وضرب عنقه بعد أن أثبته ابنا عفراء. وشهد أحداً والخندق والمشاهد كلها مع سيدنا رسول الله ﷺ وليس يعدل أهل الكوفة بقوله شيئاً، وليس أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ أنبل صاحباً من ابن مسعود. قال علي: أصحاب عبد الله سرح هذه القرية وثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يدعون قولهم لقول ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ : كان ابن مسعود يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى الأشعري يدع قوله لقول علي، وزيد بن ثابت يدع قوله لقول أبي.
стр. 4710
وكان إسلامه فيما روي عنه أنه قال: لقد رأيتني سادس ستةٍ ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وكان آدم له ضفيرتان، عليه مسحة أهل البادية، دقيق الساقين، وكناه النبي ﷺ أبا عبد الرحمن قبل أن ولد له، وكان سادس الإسلام سبقاً وإيماناً. وهو أحد الأربعة من القراء الذين قال فيهم النبي ﷺ : استقرئو القرآن من الأربعة. تلقن من في رسول الله ﷺ سبعين سورة. قال فيه: من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه بقراءة، وأخبر أن ساقيه في الميزان أثقل من أحد. وامر أمته أن يتمسكوا بعهد ابن أم عبد. وقال: رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد. وقال له حين سمع دعاءه وثناءه: سل تعطه. وقال له: إذنك علي أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي حتى أنهاك. كان أشبه الناس هدياً ودلاً بسيدنا رسول الله ﷺ علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أنه من أقربهم إلى الله وسيلة. نفله رسول الله ﷺ سيف أبي جهل حين أتاه برأسه. بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة، وولاه بيت المال، وكتب فيه إليهم: هو من النجباء وآثرتكم بعبد الله على نفسي فاقتدوا به. وقال: هو كنيف ملئ علماً وفقهاً. وقال فيه علي: قرأ القرآن، وقام عنده، وكفي به. وقال أبو موسى: كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حجبنا. وقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم.
وقال فيه معاذ بن جبل حين حضره الموت وأوصى أصحابه: التمسوا العلم عند أربعة: عند ابن أم عبد. كان أحد الثمانية الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح. وكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكة. وهو أول من أفشى القرآن بمكة من في رسول الله ﷺ ، وكان يوقظ النبي ﷺ إذا نام، ويستره إذا اغتسل، ويرحل له إذا سافر، ويماشيه في الأرض الوحشاء. أحد النفر الذين دار عليهم علم القضاء والأحكام من الصحابة. توفي بالمدينة، وأوصى أن يصلي عليه الزبير بن العوام، عاده عثمان بن عفان في مرضه فقال: كيف تجدك؟ فقال: مردود إلى قول الحق. ترك تسعين ألفاً. وعقبه بالكوفة. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى عليه الزبير للمؤاخاة التي بيتهما. وكان أحمش الساقين، عظيم البطن،
стр. 4711
قضيفاً، لطيفاً، فطناً، له ضفيرتان يرسلهما من وراء أذنيه. وقيل: كان آدم، خفيف اللحم، قصيراً، شديد الأدمة، لا يغير، وكان من أجود الناس ثوباً أبيض، من أطيب الناس ريحاً. أسند عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلم نيفاً وثلاث مئة حديث.
عن زيد من بن وهب قال قال عبد الله إن أول شيء علمت من أمر رسول الله ﷺ قدمت مكة مع عمومةٍ لي أو ناسٍ من قومي نبتاع منها متاعاً، فكان في بغيتنا شراء عطر، فأرشدونا على العباس بن عبد المطلب، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض، تعلوه حمرة، وله وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه أشتم، أقنى، أذلف، أدعج العينين، براق الثنايا، دقيق المسربة، شثن الكفين والقدمين، كث اللحية، عليه ثوبان أبيضان، كأنه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام، حسن الوجه مراهق أو محتلم، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر فاستلمه ثم استلمه الغلام واستلمته المرأة، ثم طاف بالبيت سبعاً والغلام والمرأة يطوفان معه، ثم استقبل الركن، فرفع يديه وكبر، وقامت المرأة خلفهما، فرفعت يديها وكبرت، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه من الركوع، فقنت ملياً، ثم سجد وسجد الغلام معه والمرأة، يتبعونه، يصنعون مثلما يصنع، فرأينا شيئاً أنكرناه، لم نكن نعرفه بمكة، فأقبلنا على العباس فقلنا: يا أبا الفضل، إن هذا الدين حدث فيكم، أو أمر لم نكن نعرفه فيكم! قال: أجل، والله، ما تعرفون هذا؟ قال: قلنا: لا والله ما نعرفه. قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله، والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته. أما والله ما على وجه الأرض أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة.
وعن عبد الله بن مسعود: كنت غلاماً يافعاً في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها، فأتى النبي ﷺ وأبو بكر معه
стр. 4712
فقال: يا غلام، هل معك من لبن؟ فقلت: نعم ولكني مؤتمن، قال: آتني بشاة لم ينز عليها الفحل، فأتيته بعناق أو جذعة فاعتقلها رسول الله ﷺ ثم جعل يمسح ويدعو حتى انزلت. فاتاه أبو بكر بصخرة، فاحتلب فيها ثم قال لأبي بكر: اشرب فشرب أبو بكر، ثم شرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلم بعدة ثم قال للضرع: اقلص فقلص. فعاد كما كان. قال: ثم أتيت النبي ﷺ بعد فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا الكلام أو من هذا القرآن. فمسح رأسي وقال: إنك غلام معلم. قال: فلقد أخذت من فيه سبعين سورة ما نازعني فيها بشر.
وفي حديث بمعناه: فإنك غلام معلم، فأسلمت فأتيت النبي ﷺ فبينما نحن عنده على حراء إذ نزلت عليه سورة المرسلات، فأخذتها وإن فاه ليرطب بها فلا أدري بأية الآيتين ختمت " وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون " " فبأي حديثٍ بعده يؤمنون ".
وعن سعد بن أبي وقاص قال:
كنا مع رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك فلا يجترئون علينا. فكنت أنا وعبد الله بن مسعود ورجل من هذيل ورجلان قد نسيت اسمهما، فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله، وحدث به نفسه، فأنزل الله تعالى: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " الآية، " وكذلك فتنا بعضهم ببعضٍ ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ".
وعن علي قال: أول من قرأ آية من كتاب الله عن ظهر قلبه عبد الله بن مسعود.
وعن ابن جريج " ولو أنا كتبنا عليهم أن أقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم " في عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر.
стр. 4713
وعن أنس أن النبي ﷺ آخى بين الزبير وبين عبد الله بن مسعود وعن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً، ولم نولهم الدبر، وهم الذين انزل الله عليهم السكينة. قال: ورسول الله ﷺ على بغلته، فمضى قدماً فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله، فقال: ناولني كفاً من التراب. قال: فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم تراباً، قال: أين المهاجرون والأنصار؟ قلت: هم هنا، قال: اهتف بهم، فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كانها الشهب، وولى المشركون أدبارهم.
وعن ابن مسعود قال: أنا صاحب رسول الله ﷺ يوم بدر ويم أحد وبيعة الرضوان. في حديث طويل.
وعن ابن عباس قال: ما بقي مع النبي ﷺ يوم أحد إلا أربعة أحدهم عبد الله بن مسعود.
وعن عبد الله في قول الله : " الذين استجابوا لله وللرسول " قال: كنا ثمانية عشر رجلاً.
وعن زيد بن وهب قال: كنا جلوساً عند حذيفة وأبي موسى في المسجد فقال أحدهما: سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا. قال: فسمعته أنت؟ قال: لا، قال: فإن صاحب هذه الدار زعم أنه سمعه - يعني عبد الله بن مسعود - قال: فو الله لئن قال ذاك، لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حجبنا.
стр. 4714
وعن أبي الأحوص قال: كنت في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أحداً أعلم من هذا القائم. قال أبو موسى: أما لئن قلت ذاك لقد كان يشهد إذا غبنا ويؤذن له إذا حجبنا.
وعن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمين فمكثنا حيناً وما نحسب ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ لكثرة دخولهم وخروجهم عليه.
قال أبو عمرو الشيباني: أتيت أبا موسى فذكرت له قول ابن مسعود فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم. فوالله لقد رأيته وما أراه إلا عبداً لآل محمد ﷺ .
وعن عبد الله بن مسعود قال: كانت أمي تكون مع نساء النبي ﷺ بالليل، وكنت ألزمه بالنهار.
وعن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : إذنك علي أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي حتى أنهاك. قال سفيان: سوادي: سري.
قالوا: السواد: السرار.
وقالوا: المحادثة. وذكروا أن امرأة حملت من غلام لها، فقيل لها: ما حملك على هذا؟! قالت: قرب الوساد وطول السواد. وقد قال: أساود ربها أي: أخادعه عنها.
وعن عبيد الله بت عبد الله بن عتبة قال: كان عبد الله بن مسعود صاحب سواد رسول الله ﷺ يعني سره - ووساده - يعني: فراشه وسواكه وسوتكه ونعليه وطهوره. وهذا يكون في السفر.
وعن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان عبد الله يلبس رسول الله ﷺ نعليه، ثم يمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى
стр. 4715
مجلسه نزع نعليه، فأد خلهما في ذارعيه وأعطاه العصا. فإذا أراد رسول الله ﷺ أن يقوم ألبسه نعليه ثم مشى بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة قبل رسول الله ﷺ .
وعن عبد الله بن مسعود قال:
ما كذبت منذ أسلمت إلا كذبة واحدة. قيل: وما هي يا أبا عبد الرحمن؟ قال: كنت أرحل لرسول الله ﷺ فأمر برجل من الطائف ليرحل له فقال الرجل: من كان يرحل لرسول الله ﷺ ؟ فقيل: ابن أم عبد. قال: فأتاني فقال: أي الراحلة كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقلت: الطائفية المنكبة. قال: فرحل بها لرسول الله ﷺ فركب بها وكانت من أبغض الراحلة إلى رسول الله ﷺ فقال: من رحل هذه؟ فقالوا: الرجل الطائفي. فقال رسول الله ﷺ : مروان ابن أم عبد فليرحل لنا، فردت الراحلة إلي.
وعن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ حائطاً فأتبعته بإداوة من ماء فقال: من أمرك بهذا؟ قلت: لا أحد. قال: أحسنت. قال: وقال: أبشر بالجنة، والثاني والثالث والرابع، فجاء أبو بكر وجاء عمر فبشرته وجاء علي فبشرته.
وعن أبي ظالم قال: جاء رجل إلى سعيد بن زيد فقال: إني أحببت علياً حباً لم أحبه أحداً. قال: أحببت رجلاً من أهل الجنة. ثم إنه حدثنا قال: كنا مع رسول الله ﷺ على حراء فذكر عشرة في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن مالك، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود.
وعن ابن عباس في هذه الآية " ونزعنا ما في صدورهم من غل " قال: نزلت في عشرة: في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود.
وعن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا
стр. 4716
ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " الآية. قال رسول الله ﷺ : أنت منهم.
وعن عبد الله أن رسول الله ﷺ مر بين أبي بكر وعمر، وعبد الله يصلي، فافتتح سورة النساء، ويسجلها فقال رسول الله ﷺ : من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد. ثم سأل في الدعاء، فجعل رسول الله ﷺ يقول: سل تعطه، سل تعطه، سل تعطه، فقال فيما قال: اللهم، إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد، فأتى عمر عبد الله ليبشره فوجد أبا بكر خارجاً قد سبقه فقال: إن فعلت إنك لسباق بالخير.
وعن عبد الله قال: مر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وأنا أمجد الله وأعظمه وأصلي على النبي ﷺ فقال: سل تعطه، ولم أسمعه، فأدلج إلي أبو بكر يبشرني بما قال النبي ﷺ ثم أتاني عمر فأخبرني بما قال لي النبي ﷺ فقلت: قد سبقك إليها أبو بكر، فقال عمر: يرحم الله أبا بكر، ما استبقنا بخير قط إلا سبقني إليه، إنه كان سباقاً بالخيرات. قال: فقال عبد الله: قد صليت منذ كذا وكذا، ما صليت فريضة ولا تطوعاً إلا دعوت الله في دبر كل صلاة: اللهم، إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبيك محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد، فأنا أرجو أن اكون قد دعوت بهن البارحة.
وفي حديث آخر بمعناه عن قيس بن مروان أنه أتى عمر فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، فتركت بها رجلاً يملي المصاحف عن ظهر قلبه. فغضب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرجل، فقال: ومن هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود، فما زال يطفأ ويسير عنه الغضب حتى عاد إلى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك، والله ما أعلم بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه. الحديث.
стр. 4717
وعن عمار قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يسمع القرآن جديداً غضاً كما أنزل فليسمعه من ابن مسعود. قال: فلما كان الليل ذهب عمر إلى بيت ابن مسعود يستمع قرآنه، فوجد أبا بكر قد سبقه، فاستمعا، فإذا هو يقرأ قراءة هينة مفسرة حرفاً حرفاً. قال: كانت تلك قراءة ابن مسعود.
وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : لو كنت مستخلفاً أحداً من غير مشورة لاستخلفت ابن أم عبد.
وفي رواية عنه: لو كنت مؤمراً أحداً دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد.
وعن أم موسى قالت:
ذكرت عبد الله بن مسعود عند علي فذكر من فضله ثم قال: لقد ارتقى مرة شجرة أراك يجتني لأصحابه، فضحك أصحابه من دقة ساقه، فقال رسول الله ﷺ ما يضحككم! فلهي أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد.
وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده، إن عبد الله بن مسعود أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد.
وعن أبي الوليد سعيد بن مينا قال: لما فرغ أهل مؤتة ورجعوا أمر رسول الله ﷺ بالمسير إلى مكة. فلما انتهى الى مر نزل بالعقيقة، وأرسل الجناة يجتنون اللباب، فقلت لسعيد: وما هو؟ قال: ثمر الأراك، فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني، فجعل الرجل إذا أصاب حبة طيبة يدقها في فيه، وكانوا ينظرون إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة، فيضحكون، فقال رسول الله ﷺ : تعجبون من دقة ساقية؛ فو الذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد. وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيء جاء به وخياره فيه إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا جناي وخياره فيه، إذ كل جانٍ يده إلى فيه.
стр. 4718
وعن عبد الله بن مسعود قال: لما قتلت أبا جهل قال نفر من أصحاب رسول الله ﷺ : قوة ابن مسعود لقوة أبي جهل، وحمشة ساق عبد الله ودقته، وإن رسول الله ﷺ صرف إليهم بصره ولحن كلامهم ثم قال: والذي نفس رسول الله ﷺ بيده لساقا عبد الله يوم القيامة أشد وأعظم من أحد وحراء.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد.
وفي حديث آخر بمعناه: وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه.
وعن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: إني رضيت لأمتي ما رضي لهم ابن أم عبد.
وعن عمرو بن حريث قال: قال النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود: اقرأ. قال: أقرأ وعليك أنزل! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ " فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً " فاستعبر رسول الله ﷺ وكف عبد الله، فقال له رسول الله ﷺ : تكلم، فحمد الله في أول كلامه، وأثنى على الله وصلى النبي ﷺ وشهد شهادة الحق وقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، ورضيت لكم ما رضي الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : رضيت لكم ما رضي لكم ابن أم عبد.
وعن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ فخطب خطبة خفيفة. فلما فرغ رسول الله ﷺ من خطبته قال: يا أبا بكر قم، فاخطب، فقام أبو بكر فخطب فقصر دون النبي ﷺ . فلما فرغ أبو بكر من خطبته قال: يا عمر قم فاخطب، فقام عمر فخطب فقصر دون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 4719
ودون أبي بكر. فلما فرغ من خطبته قال: يا فلان، قم فاخطب. قال: قلت: يا أبا عبد الله، من ذاك؟ قال: إما أن يكون ذكر لي فنسيته، وإما لم يذكر فاستوفى القول. قال رسول الله ﷺ : اجلس أو اسكت، قال: التشقيق من الشيطان والبيان من السحر. ثم قال: يا بن أم عبد، قم فاخطب، فقام ابن أم عبد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الله ربنا، والقرآن إمامنا، وإن البيت قبلتنا، وإن هذا نبينا - ثم أومأ بيده إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أصاب ابن أم عبد وصدق. مرتين. رضيت بما رضي الله به لأمتي وابن أم عبد، وكرهت ما كره الله لأمتي وابن أم عبد.
رواه سعيد بن جبير عن أبي الدرداء. قال الحافظ: سعيد بن جبير لم يدرك أبا الدرداء.
وعن أبي نوفل العرنجي قال: لما حضر عمرو بن العاص جزع جزعاً شديداً جعل يبكي، فقال له ابنه: لم تجزع! فقد كان رسول الله ﷺ يستعملك ويدنيك، قال: قد كان يفعل، ولا أدري أحب ذلك منه أو تآلف يتألفني به، ولكن أشهد على رجلين توفي رسول الله ﷺ وهو يحبهما: ابن سمية - يعني عماراً - وابن مسعود.
وعن عبد الرحمن بن يزيد قال:
أتينا حذيفة فقلنا له: حدثنا بأقرب الناس برسول الله ﷺ هدياً وسمتاً ودلا نأخذ عنه، ونسمع منه. قال لك كان أقرب الناس برسول الله ﷺ هدياً وسمتاً ودلا عبد الله بن مسعود، حتى يتوارى عنا في بيته. ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أنه من أقربهم إلى الله زلفى.
وفي حديث مختصر: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة يوم القيامة.
стр. 4720
وعن شقيق قال: سمعت حذيفة يقول: إن أشبه الناس هدياً وسمتاً ودلا بمحمد ﷺ عبد الله بن مسعود، من من حين أن يدخل إلى أن يرجع، ما أدري ما يصنع في بيته.
وعن علقمة قال: كان عبد الله يشبه بالنبي ﷺ في هدية ودله وسمته. وكان علقمة يشبه بعبد الله.
وعن إبراهيم بن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضاً، فقال رسول الله ﷺ : إن أصبح، أو امسى ابن مسعود لكريماً. ثم تلا إبراهيم " وإذا مروا باللغو مروا كراماً ".
وعن جابر بن عبد الله قال: لما استوى رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة قال: اجلسوا. فسمع ذلك ابن مسعود، فجلس عند باب المسجد فرآه رسول الله ﷺ فقال: تعال يا عبد الله بن مسعود.
كتب عمر إلى أهل الكوفة: إنني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من اصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فاقتدوا بهما واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي.
وعن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره، لقد قرأت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغني الإبل إليه لأتيته.
وعن مسروق قال: كنا نأتي عبد الله بن عمرو فنتحدث عنده، فذكرنا يوماً عبد الله بن مسعود، فقال: لقد ذكرتم رجلاً لا أزال أحبه منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: خذوا القرآن من
стр. 4721
أربعة: من ابن أم عبد - فبدأ به - ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة.
وعن مسروق قال: قال عبد الله حين صنع بالمصاحف ما صنع: والذي لا إله غيره، ما أنزلت من سورة إلا أعلم حيث أنزلت، وما من آية إلا أعلم فيم أنزلت، ولو أني أعلم أجداً أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغنيه الإبل لأتيته.
وعن مسروق قال: كان عبد الله وحذيفة وأبو موسى في منزل أبي موسى فقال حذيفة: اما أنت يا عبد الله بن قيس فبعثت إلى أهل البصرة أميراً ومعلماً، فأخذوا من أدبك ومن لغتك ومن قراءتك وأما أنت يا عبد الله بن مسعود فبعثت إلى أهل الكوفة معلماً، فأخذوا من أدبك ومن لغتك ومن قراءتك، فقال عبد الله: أما إني إذاً لم أضلهم، وما في كتاب الله آية إلا أعلم حيث نزلت، وفيم نزلت، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغنيه الإبل لرحلت إليه.
وعن أبي وائل قال: خطبنا عبد الله فقال: والله، إني لأعلم أصحاب رسول الله ﷺ بكتاب الله ، وما أنا بخير منهم، ولو علمت مكان رجل أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لرحلت إليه. قال أبو وائل: فجلست في الحلق بعد ذلك فما رأيت أحداً ينكر ما قال.
وعن عبد الله بن مسعود قال: عجبت - وفي رواية: عجب الناس - فتركتم قراءتي، وأخذتم قراءة زيد، وقد أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، وزيد بن ثابت غلام صاحب ذؤابة، يجيء ويذهب في المدنية.
وعن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ سبعين سورة أحكمتها، قبل أن يسلم زيد بن ثابت.
وعن خمير بن مالك قال: أمر بالمصاحف أن تغير. قال: قال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه
стр. 4722
فليغله فإنه من غل شيئاً جاء به يوم القيامة. قال: ثم قال: قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ ؟! وعن أبي وائل قال:
خطب ابن مسعود على المنبر فقال: من يغلل يأت بما غل يوم القيامة، غلوا مصاحفكم، كيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، ما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بأكبركم، ولو أعلم مكاناً تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق فما أحد ينكر ما قال.
وعن خمير بن مالك قال: سمعت ابن مسعود يقال: إني غال مصحفي، فمن استطاع أن يغل مصحفاً فليغلل، فإن الله يقول: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ". الحديث.
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، فقال: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ كتاب المصاحف، ويولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب أبيه كافر - يريد زيد بن ثابت - ولذلك قال عبد الله: يا أهل الكوفة - أو يا أهل العراق - اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فغن الله يقول: " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " فالقوا الله بالمصاحف. قال الزهري: فبلغني أن ذلك كره من مقالة ابن مسعود كرهه رجال من أفاضل أصحاب النبي ﷺ . قال ابن أبي داود: عبد الله بن مسعود بدري وزيد ليس هو بدرياً وإنما ولوه لأنه كاتب رسول الله ﷺ .
стр. 4723
وعن علقمة قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: كنا نعد عبد الله حناناً فما باله يواثب الأمراء؟! وعن ابن عباس قال: أي القراءتين تعدون أول؟ قال: قلنا: قراءة عبد الله. قال: لا، إن رسول الله ﷺ كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان مرة إلا العام الذي قبض فيه، فإنه عرض عليه مرتين بحضرة عبد الله، فشهد ما نسخ منه وما بدل. قال: وإنما شق ذلك على ابن مسعود لأنه عدل عنه مع فضله وسنه وفوض ذلك إلى من هو بمنزلة ابنه، وإنما ولى عثمان زيد بن ثابت لحضوره وغيبة عبد الله، ولأنه كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ وكتب المصحف في عهد أبي بكر الصديق. وقد روي عن ابن مسعود أنه رضي بذلك وتابع ووافق رأي عثمان في ذلك. وراجع فيما روي عن عبد الله بن مسعود أنه أتاه ناس من أهل الكوفة فقرأ ﵈، وأمرهم بتقوى الله وألا يختلفوا في القرآن ولا يتنازعوا فيه، فإنه لا يختلف ولا ينسى ولا ينفذ لكثرة الرد، أفلا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة حدودها وفرائضها وأمر الله فيها، ولو كان شيء من الحرفين يأتي بشيء ينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف، ولكنه جامع لذلك كله، وإني لأرجو أن يكون قد اصبح فيكم اليوم من الفقه والعلم من خير ما في الناس، ولو أعلم أحداً تبلغنيه الإبل هو أعلم بما أنزل على لقصدته حتى أزداد علماً إلى علمي، فقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يعرض عليه القرآن كل عام مرة فعرض عام توفي فيه مرتين، فكنت إذا قرأت عليه أخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعه رغبة عنه، وإن من جحد بحرف منه حجد به كله.
ولما أراد عبد الله أن يأتي المدينة جمع أصحابه فقال: والله، إنني لأرجو أن يكون قد أصبح اليوم فيكم من أفضل ما أصبح في أجناد المسلمين من الدين والفقه والعلم بالقرآن. إن هذا القرآن أنزل على حروف، والله إن كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط، فإذا قال القارئ: هذا أقرأني قال: أحسنت، وإذا قال الآخر قال: كلاكما محسن فأقرأنا: إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، والكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار، واعتبروا ذاك بقول أحدكم لصاحبه: كذب وفجر، وبقوله له
стр. 4724
إذا صدق: صدقت وبررت، إن هذا القرآن لا يختلف ولا يستشن ولا يتفه لكثرة الرد، فمن قرأه على حرف فلا يدعه رغبة عنه، ومن قرأه على شيء من تلك الحروف التي علم رسول الله ﷺ فلا يدعه رغبة عنه، فإنه من يجحد بآية منه يجحد به كله، فإنما هو كقول أحدكم لصاحبه: أعجل وحيهلا. والله لو أعلم رجلاً أعلم بما أنزل الله على محمد ﷺ مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي. إنه سيكون قوم يميتون الصلاة، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا أصلابكم معهم تطوعاً، وإن رسول الله ﷺ كان يعارض بالقرآن في كل رمضان، وإني عرضت عليه في العام الذي قبض مرتين فأنبأني أني محسن، وقد قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة.
وعن فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم ناتك زائرين ولكن جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم ﷺ من سبعة أبواب على سبعة أحرف - او حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل - أو نزل - من باب واحد على حرف واحد معناهما واحد.
وعن عبد الله قال: كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه. فقيل لشريك: من العمل؟ قال: نعم.
وعن أبي البختري قال: قيل لعلي بن أبي طالب: حدثنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال: عن أيهم؟ قالوا: عن عبد الله بن مسعود، فقال: قرأ القرآن وعلم السنة ثم انتهى وكفي بذاك.
وفي حديث بمعناه فقال: قرأ القرآن ثم قام عنده وكفي به.
стр. 4725
وعن النزال بن سبرة الهلالي قال: قالوا - يعني لعلي -: تحدثنا عن ابن مسعود؟ قال: ذاك امرؤ قرأ القرآن، تعلم حلاله وحرامه، وعمل بما فيه، ونزل عنده وختم. في حديث طويل.
وعن أبي بريدة " قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً " قال: عبد الله بن مسعود.
وعن زيد بن وهب قال: إني لجالس مع عمر إذ جاءه ابن مسعود يكاد الجلوس يوارونه من قصره، فضحك عمر حين رآه، فجعل يكلمه عمر ويضاحكه وهو قائم عليه ثم ولى فاتبعه عمر بصره حتى توارى فقال: كنيف ملئ علماً.
وعن رجل يكنى أبا خالد قال: وفدنا إلى عمر بن الخطاب، ففضل أهل الشام على أهل الكوفة في الجائزه فقلنا له: تفضل أهل الشام علينا؟! قال يا أهل الكوفة، أتجزعون أني فضلت عليكم أهل الشام لبعد شقتهم؟! فقد آثرتكم بابن أم عبد.
وعن أبي عبيدة قال: سافر عبد الله سفراً:؛ فذكروا أن العطش قتله هو وأصحابه، فذكر ذلك لعمر فقال: لهو أن يفجر الله له عيناً يسقيه منها وأصحابه أظن عندي من أن يقتله عطشاً.
وعن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا بن مسعود فارفع إزارك، فقال له عبد الله: إني لست مثلك إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس، فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل، ويقول: ترد على ابن مسعود؟! كان عمر على دار لعبد الله بالمدينة ينظر إلى بنائها فقال رجل من قريش: يا أمير
стр. 4726
المؤمنين، إنك تكفأ هذا. فأخذ لبنة فرماه بها، وقال: أترغب بي عن عبد الله؟! وعن حبة قال: لما قدم علي الكوفة أتاه نفر من أصحاب عبد الله فسألهم عنه حتى رأوا أنه يمتحنهم.
قال: وأنا أقول فيه مثل ما قالوا وأفضل: قرأ القرآن، فأحل حلال، وحرم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنة.
وعن علي أنه أتي في فريضة ابني عم، أحدهما أخ لأم، فقالوا: أعطاه ابن مسعود المال كله، فقال: يرحم الله ابن مسعود إن كان لفقيهاً، لكني أعطيه سهم الأخ من الأم من قبل أمه، ثم أقسم المال بينهما.
وعن أبي عمرو الشيباني قال:
أتى رجل ابن مسعود فقال: في حجري بنت عم لي، وإن امرأتي خافتني عليها، فأرضعتها، فقال: سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، أبا موسى، فقال: حرمت عليك، قال: إنه لا يقول شيئاً، لا أحرم من الرضاع إلا ما أثبت اللحم والدم، فأتيت أبا موسى فذكرت ذلك له فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم، فوالله لقد رأيته وما أراه إلا عند آل محمد ﷺ وعن أبي عطية قال: جاء رجل إلى أبي موسى فقال: إن امرأتي ورم ثديها فمصصت، فدخل حلقي شيء فسبقني، فشدد عليه أبو موسى، فأتى ابن مسعود فقال: سألت أحداً غيري؟ قال: نعم، أبا موسى فشدد علي. قال: فأتى أبا موسى فقال: أرضع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم.
سأل رجل أبا موسى عن امرأة تركت ابنتها وابنة ابنها وأختها، فقال: النصف للبنت وللأخت النصف، وقال: ائت ابن مسعود فإنه سيتابعني. قال: فأتوا ابن مسعود فأخبروه بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ للابنة النصف، ولا بن الابن السدس الكلمة الثلثين، وما بقي فللأخت،
стр. 4727
فأتوا أبا موسى فأخبروه بقول ابن مسعود فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء مادام هذا الحبر بين أظهركم.
وعن أبي موسى قال: لمجلس كنت أجالسه عبد الله بن مسعود أوثق في نفسي من عملي سنة.
وعن عمر بن ميمون قال: قدم معاذ بن جبل على عهد النبي ﷺ فوقع حبه في قلبي، فلزمته حتى واريته في التراب، ثم لزمته بالشام، ثم لزمت أفقه الناس من بعده: عبد الله بن مسعود.
وعن مسروق قال: شاممت أصحاب محمد ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وشاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي، وعبد الله.
وفي حديث غيره: ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عمر، وعلي، وعبد الله.
وعن مسروق قال: جالست أصحاب محمد ﷺ فكانوا كالإخاذ، يروي الراكب، والإخاذ يروي الراكبين، والإخاذ يروي العشرة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم، وإن عبد الله من تلك الأخاذ.
وعن تميم بن حذلم قال: جالست أصحاب محمد ﷺ أبا بكر وعمر فما رأيت أحداً أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أحب إلي أن أكون في مسلاخه منك يا عبد الله بن مسعود.
стр. 4728
وعن الأعمش قال: ذكر أبو وائل أبا بكر وعمر فذكر فضلهما وسابقتهما فقلت: فعبد الله فلا تنسه، قال: ذاك رجل لا أعد معه أحداً.
وعن الأعمش قال: سمعت أبا وائل يقول: ذاك رجل ما أعدل به أحداً، يعني عبد الله.
بعث عمر بن الخطاب إلى أبي مسعود وابن مسعود فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول الله ﷺ ؟! ولم يكن هذا من عمر على وجه التهمة لابن مسعود، وإنما أراد التشديد في باب الرواية لئلا يتجاسر أحد إلا على رواية ما تتحقق صحته، وقد كان من حسن رأيه في ابن مسعود وثنائه عليه ما يدل على عدالته عنده، هذا مع ما روي عن ابن مسعود من تحرزه في الرواية وتخوفه من السهو فيها، وذلك بين فيما روي عن مسروق قال: كان عبد الله بن مسعود يأتي عليه الحول قبل أن يحدثنا عن رسول الله ﷺ بحديث.
وعن مسروق عن عبد الله قال: حدث يوماً فقال: سمعت رسول الله ﷺ فأخذته الرعدة، ورعدت ثيابه ثم قال نحو هذا أو هكذا.
وحدث الشعبي عن عمه قال: جالست ابن مسعود سنة فلم أسمعه يحدث عن النبي ﷺ بشيء، وحدث يوما بحديث فانتفض انتفاض السعفة.
وعن عمرو بن ميمون قال: كان عبد الله بن مسعود تأتي عليه السنة لا يحدث عن رسول الله ﷺ بحديث.
فحدث ذات يوم عنه بحديث، فتغير وجهه، وعلته كآبة، فجعل العرق يتحدر من جبينه ويقول: نحو هذا أو قريب من هذا.
стр. 4729
وعن عبد الله بن مسعود أنه حدث ذات يوم أصحابه بحديث عن رسول الله ﷺ فأخذته رعدة شديدة، فقالوا له: مالك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إني حدثت بحديث عن النبي ﷺ فتخوفت أن أزيد فيه شيئاً أو انقص منه شيئاً.
قال الأعمش: كان عبد الله إذا صلى كأنه ثوب ملقى.
وعن عبد الله
أنه كان إذا قام إلى الصلاة يغض بصره وصوته ويده.
وعن عبيد الله بن عبد الله قال: كان عبد الله إذا هدأت العيون قام فسمعت له دوياً كدوي النحل حتى يصبح.
وكان عبد الله حسن الصوت بالقرآن.
وعن يحيى بن أبي كثير قال: أراد ابن مسعود أن يقوم من الليل يصلي، فأخذت امرأته بثوبه فقالت: أين تقوم؟! علينا ليل، فقال: اللهم إنهما اثنان وأنا واحد، فأعني عليهما، يعني: امرأته والشيطان.
وعن أبي وائل قال: بعثني ابن مسعود إلى قرية له وأمرني أن أعمل فيها بما كان يعمل العبد الصالح - رجل كان في بني إسرائيل - أن أتصدق بثلث، وأخلف فيها ثلثاً، وآتيه بثلث.
وعن عبد الله بن مسعود قال: لأن أكون أعلم أن الله تقبل مني عملاً أحب إلي من أن يكون لي ملء الأرض ذهباً.
وعن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال رجل عند عبد الله: ليتني من أصحاب اليمين. قال عبد الله: ليتني إذا مت لم أبعث.
стр. 4730
وعن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره ما أصبح عند آل عبد الله ما يرجون أن يعطيهم الله به خيراً أو يدفع عنهم به سوءاً إلا أن الله تعالى قد علم أن عبد الله لا يشرك به شيئاً.
وعن عبد الله قال: لو تعلمون ذنوبي ما تبعني منكم رجلان، ولوددت أني دعيت عبد الله بن روثة وأن الله غفر لي ذنباً من ذنوبي.
وعن الحارث بن سويد قال: أكثروا على عبد الله ذات يوم فقال: والذي لا إله غيره لو تعلمون علمي لحثيتم التراب على رأسي.
وقال عبد الله: وددت أن الله غفر لي خطيئة من خطاياي، وأنه لم يعرف نسبي. وكان ابن مسعود يقول في دعائه: خائف مستجير، تائب مستغفر، راغب راهب.
وعن عبد الله بن مسعود قال: لو سخرت من كلب لخشيت أن أكون كلياً، وإني لأكره أن أرى الرجل فارغاً ليس في عمل آخرة ولا دنيا.
قال أبو الأحوص: دخلنا على عبد الله بن مسعود وعنده بنون، لهم غلمان كأنهم الزنابير حسناً، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال عبد الله: كأنكم تغبطوني. قلنا: والله إن مثل هؤلاء يغبط بهم الرجل المسلم، فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير قد عشش فيه الخطاف وباض فقال: والذي نفسي بيده لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم أحب إلي من أن يخر عش هذا الخطاف فينكسر بيضه.
следующие страницы →