Полный текст (10 576 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وعن أنس قال: ما رأيت رجلاً قط التقم أذن رسول الله ﷺ فينحي رأسه حتى ينحي الرجل رأسه. وما رأيت رجلاً قط أخذ بيد رسول الله ﷺ فيُنزل يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزل يده. وما مسست قط ألين من قدم رسول الله ﷺ ، وما وجدت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ . وعنه قال: ما شممت مسكةً ولا عنبرة أطيب رائحة من رسول الله ﷺ ، ولا مسست خزّة ولا حريرة ألين من كف رسول الله ﷺ . وعنه قال: صحبت رسول الله ﷺ عشر سنين وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهة رسول الله ﷺ . وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: كنت أصافح النبي ﷺ أو يمس جلدي جلده فأعرف في يدي بعد ثالثةٍ أطيب من ريح المسك. وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني زوجت ابنتي، وأنا أحب أن تعينني بشيء. ولكن إذا كان غدٌ فائتني بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة، فأنه بيني وبينك أن تدق ناحية الباب. قال: فلما كان من الغد أتاه بقارورة واسعة الرأس، وعود شجرة. قال: خذها ومُر بها ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة وتطيب به، قال: فكانت إذا تطيبت شم أهل المدينة رائحة ذلك الطيب. فسُموا بيوت المطيبين.
стр. 492
ما ذكر من حيائه وظهر من عهده ووفائه
عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عرفنا ذلك في وجهه. وعن عائشة ﵂ قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العواتق في خدورهنّ. أخبر الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع أخبره: أنه أقبل ركبان من قريش إلى رسول الله ﷺ . قال: فلما رأيت النبي ﷺ أُلقي في قلبي الإسلام. فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله ﷺ : إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي في قلبك الآن فارجع. قال: فرجعت إليهم، ثم إني أقبلت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت. وكان أبو رافع قبطياً. وعن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي فقال لها رسول الله ﷺ : من أنت؟ قالت: أنا حنانة المزينة. قال: بل أنت حسانة المزينة وفي رواية قالت: أنا حثامة المزينة. قال: بل أنت حضانة كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قالت: فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال! قال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة. وإن حسن العهد من الإيمان. وعن عائشة ﵂ قالت: كانت عجوز تأتي النبي ﷺ فيبش بها ويكرمها. فقلت: بأبي أنت وأمي، إنك
стр. 493
لتصنع بهذه العجوز شيئاً لا تصنعه بأحدٍ؟ قال: إنها كانت تأتينا عند خديجة. أما علمت أن كرم الودّ من الإيمان؟ وعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث ببيع، فبقي له عليّ شيء فوعدته أن آتيه مكانه، فنسيت أن آتيه يومه ذلك ومن الغد، فأتيته اليوم الثالث، فوجدته في مكانه ذلك. فقال لي: لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاثة أيام وفي رواية: أنتظرك. وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثٌ ليس لأحد من الناس فيهن رخصة: بر الوالدين مسلماً كان أو كافراً، والوفاء بالعهد لمسلم كان أو كافر، وأداء الأمانة إلى مسلم كان أو كافر ".
стр. 494
ما ورد من مزاجه وسعة صدره
عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا أقول إلا حقاً ". فقال بعض الصحابة: فإنك تداعبنا يا رسول الله. فقال: لا أقول إلا حقاً. وعنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تمزح معنا، قال: لا أقول إلا حقاً. وعن عائشة: أنها مزحت عند رسول الله ﷺ فقالت: إنها بعض دعابات هذا الحي من بني كنانة. فقال رسول الله ﷺ : بل بعض مزحنا، هذا الحي من قريش. وعن أنس قال: كان النبي ﷺ من أفكه الناس. وعن عائشة أن النبي ﷺ كان مزاحاً، وكان يقول: إن الله لا يؤاخذ المّزاح الصادق في مزاحه. وعن عكرمة قال: كان في رسول الله دعابة قليلة. يعني المزاح. وعن أنس بن مالك قال: كان لي أخ يقال له: أبو عمير، وكان له عصفور يلعب به فمات العصفور، وكان النبي ﷺ يدخل بيتنا فيقول: يا أبا عمير ما فعل النُّغير؟
стр. 495
وفي حديث آخر: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً. وكان لي أخ يقال له: أبو عمير أحسبه فطيما فطماً، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير ما فعل النغير. وعن أنس بن مالك: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : إنا حاملوك على ولد الناقة. فقال: يا رسول الله، وما أصنع بولد الناقة؟! قال: فقال رسول الله ﷺ وهل تلد الإبل إلا النوق؟. وعن ابن عباس: أن رجلاً سأله فقال: أكان رسول الله ﷺ يمزح؟ قال ابن عباس: نعم. فقال الرجل: فما كان مزاحه؟ قال ابن عباس إنه ﷺ كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوباً واسعاً، فقال لها: البسيه واحمدي الله وجري منه ذيلاً كذيل العروس. وعن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: يا ذا الأذنين. وعن سفينة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، وكان إذا أعيا بعض القوم ألقى عليّ سيفه، ألقى علي ترسه. حتى حملت من ذلك شيئاً كثيراً، فقال النبي ﷺ : أنت سفينة.
وعن عائشة قالت: أتيت النبي ﷺ بحريرة طبختها، فقلت لسودة والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي فأبت. فقلت: لتأكلنّ أو لأُلطخنَّ وجهك فأبت، فوضعت يدي فيها فطلبت وجهها، فضحك النبي ﷺ فوضع فخذه لها وقال لها: الطخي وجهها، فلطخت وجهي، فضحك النبي ﷺ لها، فمر عمر بن الخطاب فقال: يا عبد الله، يا عبد الله، فظن النبي ﷺ أنه سيدخل فقال: قوما فاغسلا وجوهكما. فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله ﷺ منه.
стр. 496
وعن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال لعائشة ذات يوم: ما أكثر بياض عينك. وعن أبي جعفر الخطمي: أن رجلاً كان يكنى أبا عمرة فقال له النبي ﷺ : يا أم عمرة، فضرب الرجل يده إلى مذاكيره، فقال له النبي ﷺ : مه. قال: والله ما ظننت إلا أني امرأة لما قلت لي يا أم عمرة. فقال النبي ﷺ : إنما أنا بشر مثلكم أمازحكم. وعن خوّات بن جبير قال: نزلت مع رسول الله ﷺ مر الظهران، وخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن. قال: فأعجبني. قال: فرجعت فأخرجت حلة لي من عندي فلبستها ثم جلست إليهن، وخرج رسول الله ﷺ من قبته فقال: أبا عبد الله، ما يجلسك إليهن؟! قال: فهبت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، جمل لي شرود، فأنا أبتغي له قيداً. قال: فمضى رسول الله ﷺ وتبعته. قال: فألقى إلي رداء ودخل الأراك. فلكأني أنظر إلى بياض قدميه في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ ثن جاء فقال: أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال السلام عليكم أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟ قال: فتعجلت إلى المدينة، واجتنبت المسجد ومجالسة رسول الله ﷺ . فلما طال ذلك علي تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فجعلت أصلي، فخرج رسول الله ﷺ من بعض حجره. قال: فجاء فصلى ركعتين خفيفتين ثم جلس، وطولت الصلاة رجاء أن يذهب ويدعني فقال: طوّل أبا عبد الله ما شئت، فلست بقائم حتى تنصرف. فقلت: والله لأعتذرن إلى رسول الله ﷺ ولأبرئن صدره. قال: فانصرفت، فقال: السلام عليكم يا أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟ فقلت: والذي بعثك بالحق، ما شرد ذاك الجمل منذ أسلمت. فقال: رحمك، مرتين أو ثلاثاُ. ثم أمسك عني فلم يعد. وسئل بعض السلف عن مرح الرسول ﷺ فقال: كانت له مهابة. فكان يبسط الناس بالدعابة.
стр. 497
باب جامع في صفة أحواله وأفعاله وأقواله
وعن عائشة قالت: كان أحب الأعمال إلى رسول الله ﷺ أربعة؛ فعملان يجهدان ماله، وعملان يجهدان جسده. فأما اللذان يجهدان ماله فالجهاد والصدقة، وأما اللذان يجهدان جسده فالصوم والصلاة. وعن أنس بن مالك قال: ما أخرج رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً ركبتيه بين يدي جليس له، ولا ناول يده أحداً قط فتركها حتى يكون هو يدعها. وما جلس إلى النبي ﷺ أحدٌ قط فقام حتى يقوم. وما وجدت ريحاً قط أطيب ريحاً من رسول الله ﷺ . وعن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه. ولم يُر مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له. وعن أبي غالب قال: قلت لأبي أمامة: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: كان حديث رسول الله ﷺ القرآن، ويكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الضعيف والمسكين حتى يقضي حاجته وفي رواية: والأرملة. وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان لا يلتفت وراءه إذا مشى، وكان ربما يتعلق رداؤه بالشجرة ولا
стр. 498
يلتفت حتى يرفعوه عليه. قال: لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون قد أمنوا التفاته. وعن عائشة أنها سئلت: ما كان رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: ما كان إلا بشراً من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: قيل لعائشة: يا أم المؤمنين، ما كان رسول الله ﷺ يصنع إذا خلا في بيته؟ فقالت: والله ما كان إلا بشراً، ولكن الله أكرمه، والله إن كان ليخصف نعله، ويعالج ثوبه، وأشباه ذلك، ويحدث أحاديث الناس، ولقد كان يحدثنا عن حديث من قد مضى. وعن عائشة: أنها سئلت: ما كان النبي ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. وعن أبي بردة قال: قلت لعائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله، يعني: خدمتهم. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ طويل العمد. وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب التيامن ما استطاع، في طهوره ونعله وترجله، وفي شأنه كله. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نظر في المرآة قال: " الحمد لله الذي حسَّن خَلقي
стр. 499
وخُلقي وزان مني ما شان من غيري "، وإذا اكتحل جعل في كل عين اثنين وواحد بينهما، وكان إذا لبس نعليه بدأ باليمين، وإذا خلع باليسرى. وكان إذا دخل المسجد أدخل رجله اليمنى، وكان يحب التيمن في كل شيء أخذٍ وإعطاء. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا عطس خمر وجهه، وغض أو خفض بها صوته. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يمشي مشياً نعرف أنه ليس بعاجز ولا كسلان. وعن عائشة قال: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم. وعن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم، وكان أصحابه يجلسون فيتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم معهم إذا ضحكوا. يعني: النبي ﷺ . وعن أنس بن مالك الأشجعي عن أبيه قال: كنا نجلس إلى النبي ﷺ ، فما رأيت أطول صمتاً منه، فكانوا إذا أكثروا تبسم. وعن البراء قال: كان النبي ﷺ إذا غضب رأينا لوجهه ظلالاً. وعن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط. كان إذا أتي به إن اشتهى أكله، وإن كرهه تركه. وفي رواية: إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.
стр. 500
وعن كعب بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعاماً يلعق أصابعه الثلاث التي ينال بهن الطعام. وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها. وعن أنس: أن النبي ﷺ كان إذا شرب تنفس في الإناء ثلاثاً. وقال: هو أهنأ، وأمرأ، وأبرأ.
стр. 501
ما ورد في شعره وشيبه وخضابه وثيابه
عن أنس قال: كان شعر النبي ﷺ إلى أنصاف أذنيه وفي رواية: إلى شحمة أذنيه وفي رواية: يضرب منكبيه. وعن قتادة قال: قلت لأنس: كيف كان شعر رسول الله ﷺ ؟ قال: كان شعراً رجلا، ليس بالجعد ولا بالسبط، بين أذنيه وعاتقه. وعن أنس قال: كان لرسول الله ﷺ جمة جعدة. وعن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ فرق شعره، وكانت له جمة. وعن البراء قال: كان النبي ﷺ شديد البياض، كثير الشعر، يضرب شعره منكبيه. وعن جابر بن سمرة قال: كأني أنظر إلى رأس رسول الله ﷺ ، وجمته تضرب هذا المكان، ويضرب بيده على صدره فوق ثندؤته. وفي رواية: فوق ثدييه.
стр. 502
وعن أبي رمثة قال: كان النبي ﷺ يخضب بالحناء والكتم. وكان شعره يبلغ كتفيه، أو منكبيه. وعن عروة قال: قالت لي عائشة: يا بن أختي، كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة ودون الجمة. وعن ابن عباس قال: كان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب في بعض مالم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته ثم فرق بعد. روى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت: كنت إذا فرقت لرسول الله ﷺ رأسه صدعت فرقيه عن يافوخه، فأرسلت ناصيته بين عينيه، فالله أعلم أذلك لقول رسول الله ﷺ : كنا لا نكف شعراً، ولا ثوباً أم هي سيماء كان يتسوم بها. وقد قال محمد بن جعفر بن الزبير: وكان فقيهاً: ما هي إلا سيماء من سيماء الأنبياء تمسكت بها النصارى من بين الناس. وعن أم هانئ قالت: قدم رسول الله ﷺ مكة، وله أربع غدائر، يعني: ذوائب. وعن أبي إياس قال: سئل أنس عن شيب رسول الله ﷺ فقال: ما شانه الله ببيضاء. لعل أنساً أراد: بلحية بيضاء. فقد روى عنه وعن غيره من الصحابة أنه كان شاب بعض شعره ﷺ . وعن محمد بن سيرين قال: سألنا أنساً: هل كان رسول الله ﷺ خضب؟ قال: لم يبلغ الخضاب. كانت في
стр. 503
لحيته شعرات بيض قال: فقلت له: أكان أبو بكر يخضب قال: نعم بالحناء والكتم. وفي حديث آخر عن قتادة قال: سألت أنساً " هل خضب رسول الله ﷺ ؟
قال: لم يبلغ ذلك. إنما كان شيبه في صدغيه، ولكن أبا بكر وعمر خضبا بالحناء والكتم. وعن ثابت قال: سئل أنس عن خضاب رسول الله ﷺ فقال: لو شئت أن أعد شعرات في رأسه لفعلت. وقال: لم يختضب، وقد اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء. وعن أنس بن مالك قال: لم يبلغ الشيب الذي كان بالنبي ﷺ عشرين شعرة. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: كان الشيب الذي كان بالنبي ﷺ سبع عشرة شعرة شيبة. وعن حميد قال: سئل أنس عن الخضاب فقال: خضب أبو بكر بالحناء والكتم، وخضب عمر بالحناء وحده. فقيل: رسول الله ﷺ ؟ فقال: لم يكن في لحيته عشرون يعني: شعرة بيضاء. قال: وأصغى حميد إلى رجل إلى جنبه فقال: كن سبع عشرة. يعني: شعرة. وعن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قلت لأنس: أكان رسول الله ﷺ خضب؟ قال: ما أرى كان في رأسه ولحيته خمس عشرة بيضاء. قال: فإني رأيت في شعر رسول الله ﷺ الذي كان في بيتنا شعراً فيه صفرة. فقال له: كان يمس أصوله الصفرة؟ قال أبو بكر بن عياش: قلت لربيعة، جالست أنس بن مالك؟ قال: نعم، قلت: سمعت منه؟ قال:
стр. 504
نعم، قال: كان رسول الله ﷺ لا يخضب، قد شاب في مقدم لحيته شيبة لو عدها العاد أحصاها. قال له أبو بكر: شبت يا رسول الله! قال: شيبتني سورة هود والواقعة. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته. فإذا ادهن ومشطه لم يتبين، وإذا شعث رأيته. وكان كثير الشعر واللحية. فقال رجل: وجهه مثل السيف، قال: لا، مثل الشمس والقمر، مستدير. قال: ورأيت خاتمه عند كتفه مثل بيضة النعامة تشبه جسده. وعن عبد الله بن همام قال: قلت: يا أبا الدرداء، أي شيء كان يخضب رسول الله ﷺ ؟ قال: يا بن أخي أو يا بني ما كان بلغ من الشيب أن يخضب. ولكن قد كان منه هاهنا وأشار بيده إلى عنفقته شعرات بيض فكان يغسله بالحناء والسدر. وعن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي جحيفة قال: رأيت النبي ﷺ فقلت: صفه لي فقال: أبيض قد شمط. قال حريز: لقيت عبد الله بن بسر السلمي فقلت: أكان رسول الله ﷺ شيخاً قال: كان في عنفقته شعرات بيض. وعن القاسم بن زهر الأسلمي قال: رأيت شيبة رسول الله ﷺ في عنفقته وناصيته. حزرته يكون ثلاثين شيبة عدداً.
وعن بشير مولى المازنيين قال: سألت جابر بن عبد الله: هل خضب رسول الله ﷺ فقال: لا. ما كان شيبه يحتاج إلى الخضاب. كان وضح في عنفقته وناصيته، ولو أردنا أن نحصيها أحصيناها. قال محمد بن سيرين: سألنا أنساً: هل كان رسول الله ﷺ خضب؟ قال: فقال: نعم، بالحناء والكتم.
стр. 505
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: أتينا بمشاقة من شعر رسول الله ﷺ مخضوبة بالحناء. وعن أبي سعيد، رجل من أهل الشام قال: دخلت مع مولاي على بعض أزواج النبي ﷺ فأخرجت إلينا شعراً أحمر فقالت: هذا شعر النبي ﷺ . وقد روي أنه خضب بالصفرة. قال: عبيد بن جريج: رأيت ابن عمر يصفر لحيته، فقلت له في ذلك فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصفر لحيته. وعن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها! قال: وما هي؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهلل أنت حتى يكون يوم التروية، فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله ﷺ يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال السبتية التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. وأما الصفرة، فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها.
وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته. وعن أبي بكر الصديق قال: قلت: يا رسول الله، عجل عليك الشيب! قال: " شيبتني هود وصواحباتها "، يعني: الواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت. وعن ابن عباس قال: ألظ النبي ﷺ بالواقعة، والحاقة، وعم يتساءلون، والنازعات، وإذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، فاستطار منه القتير. فقال أبو بكر: قد أسرع فيك
стр. 506
القتير، بأبي وأمي، قال: شيبتني هود وصواحباتها هذه، وفيها المرسلات. وقال عطاء: أخواتها: اقتربت الساعة، والمرسلات عرفاً، وإذا الشمس كورت. وعن أنس بن مالك قال: بينما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب جالسان في نحو المنبر إذ طلع عليهما رسول الله ﷺ من بيوت نسائه، يمسح لحيته ويرفعها فينظر إليها. قال أنس: وكانت لحيته أكثر شيباً من رأسه. فلما وقف عليهما، قال أنس: وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، وكان عمر رجلاً غليظاً، فقال أبو بكر: بأبي وأمي، لقد أسرع إليك الشيب يا رسول الله! فرفع لحيته بيده فنظر إليها، فاغرورقت عينا أبي بكر، ثم قال رسول الله ﷺ : أجل، شيبتني هود وأخواتها. قال أبو بكر: بأبي وأمي، وما أخواتها؟ قال: الواقعة، والقارعة، وسأل سائل بعذاب واقع، وإذا الشمس كورت. وفي رواية: قال أبو صخر: فأخبرت هذا الحديث ابن قسيط فقال: يا حميد، ما زلت أسمع هذا الحديث من أشياخي فما تركت الحاقة ما الحاقة.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أنا أكبر منك مولداً، وأنت خيرٌ مني وأفضل. فقال رسول الله ﷺ : شيبتني هود وأخواتها. وما فُعل بالأمم قبل. قال أبو علي الشبَّوي: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت له: روي عنك أنك قلت: شيبتني هود. قال: نعم. فقلت: ما الذي شيبك منها، قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: لا، ولكن قوله: " فاستقم كما أمرت ". وعن أنس: أن النبي ﷺ أراد أن يكتب إلى الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم. فاتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من فضة نقشه: محمد رسول الله. كأني أنظر إلى بصيصه في يده. وفي رواية عنه أيضاً:
стр. 507
لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم. وذكر باقي الحديث. وعنه قال: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: سطر: محمد، وسطر: رسول، وسطر: الله. وعنه قال: كان خاتم النبي ﷺ من فضة كله، وفصه منه، قال: فسألت حميداً عن الفص كيف هو، فحدثني أنه لا يدري. وعن أنس: أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ورق له فص حبشي، ونقشه: محمد رسول الله. وعنه: أن رسول الله ﷺ لبس خاتماُ من فضة في يمينه فيه فص حبشي، وكان يجعل فصه في بطن كفه. وعنه: أن معاذ بن جبل بعث إلى رسول الله ﷺ بخاتم من اليمن من ورق، فصه حبشي كتب عليه: محمد رسول الله وبوجهه ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ يتختم به، ويتختم به أبو بكر، ويتختم به عمر، ويتختم به عثمان ست سنين من إمارته، فبينا هو على بئر أريس سقط منه فنزحت البئر فلم يوجد. وعن أنس بن مالك: أنه رأى رسول الله ﷺ في يده خاتم من ورق يوماً واحداً، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم. قال البيهقي: ويُشبه أن يكون ذكر الورق وهماً سبق إليه لسان الزهري فحملوه منه على الوهم.
стр. 508
وهذا كما قال البيهقي ﵀. فإن الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ كان من ذهب، ويدل على ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يلبس خاتماً من ذهب، ثم قام رسول الله ﷺ فنبذه وقال: لا ألبسه أبداً، فنبذ الناس خواتيمهم. وعنه: أن رسول الله ﷺ صنع خاتماً من ذهب، وكان يجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه في يده اليمنى. فاصطنع الناس خواتيم من ذهب، فجلس رسول الله ﷺ على المنبر فنزعه وقال: " إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه في بطن كفي، فرمى به وقال: والله لا ألبسه أبداً "، فنبذ رسول الله ﷺ ، ونبذ الناس خواتيمهم. وعنه: أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب ثم ألقاه، واتخذ خاتماً من ورق ونقش محمد رسول الله، ﷺ . ونهى الناس أن ينقشوه، فكان إذا لبسه جعل الفص مما يلي بطن كفه، وهو الخاتم الذي سقط من معيقيب في بئر أريس. وهذا لفظ العباس. وقال إبراهيم: لبس النبي ﷺ الخاتم وجعل فصه مما يلي كفه، وقال: لا ينقش أحد على نقش خاتمي. وعنه: أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب فلبسه ثلاثة أيام، ففشت خواتيم الذهب في أصحابه فرمى به، واتخذ خاتماً من ورق نقش فيه: محمد رسول الله. فكان في يده حتى مات. وفي يد أبي بكر حتى مات. وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين. فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار يختم به، فأتى قَليباً لعثمان فسقط فيها، فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ خاتماً من ورق نقش فيه: محمد رسول الله.
حدث إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده المعيقيب، وجده من قبل أمه ابن أبي ذُباب قال: كان خاتم النبي ﷺ ملوى بفضة. فربما كان في يدي، وكان معيقيب على خاتم رسول الله ﷺ .
стр. 509
وعن عمرو بن يحيى بن سعيد القرشي عن جده قال: دخل عمرو بن سعيد بن العاص حين قدم من الحبشة على رسول الله ﷺ فقال: ما هذا الخاتم في يدك يا عمرو؟! قال: هذه حلقة رسول الله ﷺ . قال: فما نقشها؟ قال: محمد رسول الله، قال: فأخذه رسول الله ﷺ فتختمه، فكان في يده حتى قبض، ثم في يد أبي بكر حتى قبض، ثم في يد عمر حتى قبض، ثم في يد عثمان. فبينا هو يحفر بئراً لأهل المدينة يقال لها بئر أريس، فبينما هو جالس على شفتها يأمر بحفرها سقط الخاتم في البئر، وكان عثمان يكثر إخراج خاتمه من يده وإدخاله، فالتمسوه فلم يقدروا عليه. وفي حديث أنس: قال أنس: فاختلفنا مع أمير المؤمنين ثلاثة أيام، نطلبه فلم نقدر عليه. وعن عبد الله بن جعفر: أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه. وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: كأني أنظر إلى وميض خاتم رسول الله ﷺ في يده اليسرى، وهو يخطبنا. وعن نافع بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يساره. ووجه الجمع بين هذه الروايات أنه ﷺ لبس الخاتم الذهب في يمينه ثم نبذه، واتخذ خاتم الورق ولبسه في يساره. يبين ذلك ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ تختم خاتماً من ذهب في يده اليمنى على خنصره، حتى رجع إلى البيت فرماه فما لبسه، ثم تختم خاتماً من ورق فجعله في يساره. وأن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وحسناً وحسيناً ﵃ كانوا يتختمون في يسارهم. وعن عائشة: أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه ثم حوله في يساره. وعن جابر: أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء.
стр. 510
وروى الزهري عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء. قال: ولا يصح هذا عن الزهري إنما حديثه: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر. وعن أنس بن مالك: أنه رأى النبي ﷺ يعتم بعمامة سوداء. وعن جابر قال: كان للنبي ﷺ عمامة سوداء. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عصابة دسمة، وروي دسماء. وعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة قالا: ما خرج رسول الله ﷺ في يوم جمعة قط إلا وهو معتم، وإن كان في إزار ورداء. وإن لم يكن عنده عمامة وصل الخرق بعضها إلى بعض واعتم بها. قال أبو عبد السلام: سألت ابن عمر: كيف كان النبي ﷺ يعتم؟ قال: كان يدير العمامة على رأسه، ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه. وعن عبد الرحمن بن عوف قال: عممني رسول الله ﷺ فأرسلها من بين يدي ومن خلفي. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ : أنه كان يلبس القلانس البيض والمزرورات وذوات الأردان. وعن ابن عمر وعن أنس: أن النبي ﷺ كان يلبس كمة بيضاء.
стр. 511
وعن عائشة قالت: كان لرسول الله ﷺ قلنسوة بيضاء لاطئة يلبسها. وعنها قالت: كان رداء رسول الله ﷺ أربعة أذرع وشبراً في ذراع وشبر.
وعن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يلبس رداء مربعاً. وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: لك يكن من الثياب شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من القميص. وعن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يلبس قميصاً فوق الكعبين مستوي الكمين بأطراف أصابعه. وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ له قميص قبطي قصير الطول، وقصير الكمين وفي رواية: قميص قطن وفي رواية: قميص قطني. وعن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم رسول الله ﷺ إلى الرصغ. وعن المغيرة: أن النبي ﷺ لبس جبة رومية ضيقة الكمين. وعنه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض ما كان يسافر، فسرنا، حتى إذا كان في وجه الصبح انطلق حتى توارى عنا، ضرب الخلاء، ثم جاء فدعا بطهور وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، فأدخل يده من تحت الجبة ثم غسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين.
стр. 512
وعن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء. وعن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي ﷺ يصلي، ويستحب أن يصلي على فروة مدبوغة. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " عليكم بالثياب البيض فيلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها أمواتكم، وعليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر ". وفي رواية سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : " البسوا الثياب البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطهر وأطيب. وفي رواية: فإنها من خير ثيابكم ". وفي حديث آخر عنه: وقد كان ﷺ يعجبه لبس الحبرات وهي البرود اليمانية. وقال قتادة: سألت أنساً: أي اللباس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ، أو أعجب، قال: الحبرة. وعن قدامة الكلابي قال: رأيت رسول الله ﷺ عشية عرفة وعليه حلة حبرة.
وعن جابر بن سليم، أو سليم بن جابر قال: أتيت النبي ﷺ ، وإذا هو جالس مع أصحابه. قال: فقلت: أيكم النبي ﷺ ؟ قال: فإما أن يكون أومأ إلى نفسه، وإما أن يكون أشار إليه القوم فإذا هو محتبٍ ببردة قد وقع هدبها على قدميه. قال: فقلت: يا رسول الله؛ أجفو عن أشياء فعلمني. قال: " اتق الله ، ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإياك والمخيلة، فإن الله ﵎ لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك
стр. 513
وعيرك بأمرٍ يعلمه فيك فلا تعيره بأمر تعلمه فيه ليكون لك أجرة، وعليه إثمه، ولا تشتمن أحداً ". وقد لبس النبي ﷺ الثياب السود. وعن عائشة أنها قالت: صنعت لرسول الله ﷺ بردة سوداء من صوف فلبسها فأعجبته، فلما عرق فيها، فوجد فيها ريح النمرة قذفها. وعن عائشة قالت: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل، ومن شعر أسود. وقد لبس النبي ﷺ الثياب الخضر. عن أبي رمثة قال: قدمت المدينة ولم أكن رأيت رسول الله ﷺ . قال: فخرج وعليه ثوبان أخضران. وذكر الحديث. قال قتادة: خرجنا مع أنس بن مالك إلى أرض له يقال لها الراوية، فقال حنظلة السدوسي: ما أحسن هذه الخضرة، فقال أنس: كنا نتحدث أن أحب الألوان إلى الله الخضرة. وقد لبس النبي ﷺ الثياب الصفر. وعن عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران: رداء وعمامة. وعن قيلة: أنها رأت رسول الله ﷺ وهو قاعد القرفصاء، وعليه أسمال مليتين كانتا تزعفران وقد نفضتا.
стр. 514
وقد لبس النبي ﷺ الثياب الحمر. وعن عون عن أبيه: أن النبي ﷺ خرج في حلة حمراء، فركز عنزةً، فجعل يصلي إليها بالبطحاء يمر من ورائها الكلب والحمار والمرأة. وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت رجلاً قط أحسن من رسول الله ﷺ في حلة حمراء. وعن جابر: أن رسول الله ﷺ كان يلبس بردة الأحمر في الجمعة والعيدين. وعن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: والله ما شمل النبي ﷺ في بيته ثلاثة أثواب. ولا شمل أبو بكر في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل عمر في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب. غير أني كنت أرى كساءهم إذا أحرموا، كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل لعلها كلها بثمن درع أحدكم. والله لقد رأيت النبي ﷺ يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل العباء ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين. وإني أعرف في وقتي هذا من يجيز بالمئة ولو شئت لقلت ألفاً.
وعن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله ﷺ السوق، فقعد إلى البزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم. قال: وكان لأهل السوق رجل يزن بينهم الدراهم يقال له: فلان الوزان. قال: فجيء به يزن ثمن السراويل فقال له النبي ﷺ أتزن وأرجح؟ فقال له الوزان: إن هذا القول ما سمعته من أحد من الناس، فمن هذا الرجل؟ قال أبو هريرة: قلت: حسبك من الزهو والجفاء في دينك ألا تعرف نبيك ﷺ . قال: فقال: أهذا رسول الله ﷺ ؟
стр. 515
قال: فأخذها يعني يده ليقبلها فجذبها رسول الله ﷺ وقال: مه إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها. وإني لست بملك، وإنما أنا رجل منكم. قال: ثم جلس، فاتزن الدراهم وأرجح كما أمره النبي ﷺ ، فلما انصرفنا تناولت السراويل من رسول الله ﷺ لأجملها عنه، فمنعني وقال: صاحب الشيء أحق بحمله إلا أن يكون ضعيفاً، يعجز عنه، فيعينه عليه أخوه المسلم. قلت: يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم. بالليل والنهار، وفي السفر والحضر قال الإفريقي: وشككت في قوله: مع أهلي إني أمرت بالتستر، فلم أجد ثوباً أستر من السراويل. وعن علي قال: كنت قاعداً عند النبي ﷺ بالبقيع في يوم دجن مطر، فمرت امرأة على حمار، ومعها مكاري، فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي ﷺ عنها بوجهه. فقالوا: يا رسول الله، إنها متسرولة فقال: " اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي. ثلاثاً. يا أيها الناس، اتخذوا السراويلات، فإنها من أستر ثيابكم، وخصوا بها نساءكم إذا خرجن ". وعن أنس قال: كان لنعل النبي ﷺ قبالان. وعن تمام قال: نظر هشام بن عروة إلى نعل الصلت بن دينار ولها قبالان. فقال هشام: عندنا نعل النبي ﷺ معقبة مخصرة ملسنة. وعن عمرو بن حُريث قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في نعلين مخصوفتين.
стр. 516
وعن بريدة: أن النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين أسودين ساذجين، فتوضأ ومسح عليهما. وعن عائشة قالت: كان ضجاع رسول الله ﷺ الذي ينام عليه وسادة بالليل من أدمٍ حشوها ليف. وعن أبي بردة قال: دخلنا على عائشة، فأخرجت إلينا إزاراً غليظاً مما يصنع باليمن. وكساء من هذه التي تدعونها الملبدة، فقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين الثوبين.
стр. 517
ذكر تواضعه لربه ورحمته لأمته ورأفته بصحبه
عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: " لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبده. فقولوا: عبد الله ورسوله ". وعن أنس قال: إن رجلاً قال لنبي الله ﷺ : يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال النبي ﷺ : " يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولا تستهوينكم الشياطين، أنزلوني حيث أنزلني الله. أنا عبد الله ورسول الله ". وفي رواية عنه: ولا يستخزينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، رسول الله. ووالله ما أحب. إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة. فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك: أملكاً نبياً نجعلك أو عبداً رسولاً؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: بل عبداً رسولاً. وعن عائشة قالت: أُتي رسول الله ﷺ بطعام فقلت: ألا تأكل وأنت متكىء، فإنه أهون عليك؟
стр. 518
قالت: فأصغى بجبهته حتى كاد يمسح بها الأرض قال: آكل كما يأكل العبيد، وأنا جالس. فما رأيته أكل متكئاً حتى مضى لسبيله. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " أتاني ملك جرمة يساوي الكعبة. فقال اختر أن تكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً. فأومأ إليه جبريل ﵇ أن تواضع لله تعالى فقال: بل أحب أن أكون عبداً نبياً، فشكر ربي ذلك فقال: أنت أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع ". وفي حديث آخر عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " يا عائشة، لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة.
وذكر بقية الحديث ". وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قلت لأنس بن مالك: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﷺ ولا تحدثنا عن غيره قال: كان النبي ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض وثيابه عليها. ويجيب دعوة الكهول، ويعتقل العنز ويحلبها. وسمعته ﷺ يقول: " لو دعيت إلى كراع لأجبت ". قال: كذا قال: وثيابه عليها. قال: وأحسبه: وينام عليها. وعن أنس قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو يأكل متكئاً فقال: التُكأة من النعمة فاستوى قاعداً. فما رُئي بعد ذلك متكئاً. وقال: " إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد ".
стр. 519
وعن علي بن حسين قال: قيل لرسول الله ﷺ : لو اتخذنا لك شيئاً ترتفع عليه تُكلم الناس. فقال: " لا أزال بينكم تطوون عقبى حتى يكون الله يرفعني. ثم قال: لا ترفعوني فوق حقي فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً ". وعن أبي موسى قال: كان النبي ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار ويأتي مدعاة الضعيف. وعن أبي أيوب قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويخصف النعل، ويرقع القميص، ويقول: " من رغب عن سنتي فليس مني ". وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويركب الحمار ويردف معه، ويجيب دعوة المسكين. وعن أنس: يجيب دعوة العبد. وعنه قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة الكهول، ويركب الحمار. وكان يوم خيبر ويوم قريظة والنضير على حمار مخطوم، بجبل من ليف، وتحته إكاف من ليف. وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " من لبس الصوف، وانتعل المخصوف، وركب حماره، وحلب شاته، وأكل معه عياله فقد نحى الله منه الكبر، أنا عبد ابن عبد، أجلس جلسة العبد وآكل أكل العبد وذلك أن النبي ﷺ لم يطرف طعاماً قط إلا وهو جاث على ركبتيه إني قد أوحي إلي أن تواضعوا، ولا يبغي أحد على أحد. إن يد الله مبسوطة في خلقه. فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضع نفسه رفعه الله وما يمشي امرؤ على الأرض شبراً يبتغي فيها سلطان الله إلا أكبه الله ".
стр. 520
وعن أبي هريرة قال: كان في رسول الله ﷺ ثلاث خلال ليست في الجبارين: كان يركب الحمار، وكان لا يدعوه أسود ولا أحمر إلا أجابه، وكان يجد التمرة ملقاة فيلقيها في فيه. وعن أنس قال: لما دخل النبي ﷺ مكة استشرفه الناس، فوضع رأسه على رحله تخشعاً. وقال أنس بن مالك: كان لا يشاء العبد الأسود أن يأتي رسول الله ﷺ فيأخذ بيده فيمضي به حيث سأله إلا أقعى لحاجته.
وخطب عثمان بن عفان فقال: إنا والله صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا ويتبع جنائزنا، ويواسينا بالقليل والكثير. وإن ناساً يعلموني به وعسى ألا يكون أحدهم رآه قط. وعن سهل بن حنيف قال: كان رسول الله ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم. وعن عاصم بن حدرة قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان قط، ولا مشى معه سواد، وما كان له بواب قط. وعن الحسن: أنه ذكر رسول الله ﷺ فقال: لا والله، ما كانت تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجبة، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح عليه بها، ولكنه كان بارزاً، من أراد أن يلقى نبي الله ﷺ لقيه. وكان والله يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغيظ، ويركب الحمار، ويردف معه ويلعق والله يده. وعن ابن مسعود الأنصاري قال: إن النبي ﷺ كلم رجلاً فأرعد فقال: هون عليك، فإني لست بملك. إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.
стр. 521
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما بعث الله نبياً إلا راعي غنم. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط ". وعن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل وأهل الغنم عند رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : " السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل ". وقال رسول الله ﷺ : " بعث موسى وهو يرعى غنماً لأهله. قال: وبعثت أنا، وأنا أرعى غنماً لأهلي بأجياد ". وعن أنس: أن نبي الله ﷺ قال: " إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه ". وعنه قال: كان رسول الله ﷺ أرحم الناس بالعيال والصبيان. وعنه قال: كان رسول الله ﷺ في طريق ومعه أناس من أصحابه، فعرضت له امرأة فقالت: يا رسول الله، لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان، اجلسي في أدنى نواحي السكك حتى أجلس إليك، ففعلت فجلس إليها حتى قضت حاجتها.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم، إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه، إنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة ". وعن أبي سعيد الخدري قال: غشى رسول الله ﷺ الأمداد من أهل اليمن وهو في المسجد مسجده، فجعلوا يتمسحون به فلما غشوه قام موئلاً إلى بيته يقول: فاراً وركبوه. قال أبو سعيد: وكنت فيمن
стр. 522
يدفع عنه، وغلبونا عليه حتى انتزعوا رداءه وحتى أصاب منكبه الباب فأوجعه، وقعد في حجرة عائشة منبهراً مما لقي منهم يقول: اللهم العنهم، اللهم العنهم. فلما سري عن رسول الله ﷺ قالت له عائشة: هلك والله القوم يا رسول الله. قال: وما ذاك يا عائشة. قالت: أولم أسمعك تقول: اللهم العنهم؟ فقال ﷺ كلا والله، لقد اشترطت على ربي فقلت: " اللهم، إنما أنا بشر أغضب كما يغضبون وأجد كما يجدون، فأي المسلمين ضربت أو سببت أو لعنت أو آذيت فاجعلها له مغفرة ورحمة وقربة تقربه بها يوم القيامة. كلا والله يا عائشة ". وعن الفضل بن عباس قال: دخلت على النبي ﷺ في مرضه وعلى رأسه عصابة حمراء أو قال: صفراء فقال: ابن عمي، خذ هذه العصابة فاشدد بها رأسي. فشددت بها رأسه. قال: ثم توكأ علي حتى دخلنا المسجد فقال: " يا أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم. ولعله أن يكون قد قرُب مني خفوف من بين أظهركم. فمن كنت أصبت من عرضه أو من شعره أو من بشره أو من ماله شيئاً، هذا عرض محمد وشعره وبشره وماله فليقم فليقتص، ولا يقولن أحد منكم: إني أتخوف من محمد العداوة والشحناء. ألا وإنهما ليسا من طبيعتي وليسا من خلقي ". قال: ثم انصرف. فلما كان من الغد أتيته فقال: " ابن عمي، لا أحسب أن مقامي بالأمس أجزأ عني، خذ هذه العصابة فاشدد بها رأسي ". قال: فشددت بها رأسه. قال: ثم توكأ علي حتى دخلنا المسجد فقال مثل مقالته بالأمس ثم قال: " فإن أحبكم إلينا من اقتص ". قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت يوم أتاك السائل فسألك فقلت: من معه شيء يقرضنا فأقرضتك ثلاث دراهم؟ قال: فقال: " يا فضل أعطه ". قال: فأعطيته. قال: ثم قال: " ومن غلب عليه شيء فليسألنا ندع له ". قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل جبان كثير النوم. قال: فدعا له. قال الفضل: فلقد رأيته أشجعنا وأقلنا نوماً. قال: ثم أتى بيت عائشة فقال للنساء مثلما قال للرجال. ثم قال: " ومن غلب عليه شيء فليسألنا ندع له. قال: فأومأت امرأة إلى لسانها. قال: فدعا لها. قالت: فلربما قالت لي: يا عائشة، أحسني صلاتك.
стр. 523
وعن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم " ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " وقال عيسى " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ورفع يديه ثم قال: اللهم، أمتي أمتي وبكى. فقال الله : يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم فقال الله : يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. وعن أبى ذر قال: قام النبي ﷺ بآية حتى اصبح يرددها. والآية " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ".
стр. 524
ذكر تقلله وزهده وتبتله في العبادة
عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ في يوم مرتين حتى مات. وعنها قالت: إن كان ليمر بنا الشهر ونصف الشهر ما توقد في بيت رسول الله ﷺ نار لمصباح ولا لغيره. قال: قلت: سبحان الله! فبأي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: بالماء والتمر، كان لنا نسوة جيران من الأنصار لهن منائح، فربما أهدوا إلينا منها شيئاً. وفي رواية أخرى قالت: والله، لقد كان يأتي على آل محمد شهر ما نختبز فيه. قال: فقلت: يا أم المؤمنين، فما كان يأكل رسول الله ﷺ فقالت: كان لنا جيران من الأنصار جزاهم الله خيراً، كان لهم شيء من لبن يهدون منه إلى رسول الله ﷺ . وعنها قالت: كان يأتي على آل محمد الشهر ما يوقدون فيه ناراً، إنما هو التمر والماء، إلا أن يؤتى باللحم. وعن عائشة قالت: لقد أهدى لنا أبو بكر رجل شاة لحم، فإني لأقطعنها أنا ورسول الله ﷺ في ظلمة البيت، فقلت لها: هلا أسرجتم؟ فقالت: لو كان لنا ما نسرج به لأكلناه.
стр. 525
وعن عائشة قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما في بيتي إلا شطر من شعير فكلته ففني، فليتني لم اكله. وقالت: توفي رسول الله ﷺ وما خلف ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً. وعنها قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين. وعنها قالت: والذي بعث محمداً ﷺ بالحق، ما أرى منخلاً ولا أكل خبزاً منخولاً مذ بعثه الله إلى أن قبض ﷺ . فقلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف، أف. وعن عائشة قالت: ما رفع النبي ﷺ غداءً لعشاء ولا عشاء قط لغداء. ولا اتخذ من شيء زوجين: لا قميص، ولا رداءين ولا من النعال، ولا رُئي قط فارغاً في بيته.
إنما يخصف نعلاً لرجل مسكين أو يخيط ثوباً لأرملة. وعن عائشة أنها قالت: ما شبع آل محمد ﷺ ثلاثة أيام متتابعة من خبز البر حتى ذاق محمد ﷺ الموت. وما زالت الدنيا علينا عسرة كدرة حتى مات النبي ﷺ . فلما مات النبي ﷺ انصبت الدنيا علينا صباً. وعنها قالت: لقد توفي رسول الله ﷺ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني.
стр. 526
قال مسروق: دخلت على عائشة يوماً فدعت لي بطعام، فقالت لي: كل. فلقلما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت. قال: قلت: يا أم المؤمنين، وذاك ممه؟ قالت: أذكر الحال التي فارقنا رسول الله ﷺ . ما شبع رسول الله ﷺ في يوم مرتين من خبز الشعير حتى لحق بالله .
وعن عائشة قالت: توفي رسول الله ﷺ ولم يترك ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً، ولم يوص بشيء. وعن عمرو بن الحارث ختن رسول الله ﷺ أخي جويرية بنت الحارث قال: والله، ما ترك رسول الله ﷺ عند وفاته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ التفت إلى أُحد فقال: " والذي نفسي بيده ما يسرني أن أُحداً تحول لآل محمد ذهباً أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أحدهما لدين إن كان ". فمات وما ترك ديناراً ولا درهماً ولا عبداً، ولا وليدة، وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعاً شعير. وعن عائشة قالت: دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة وقيل: عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه صوف، ودخل علي رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟! قالت: قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك، فذهبت فبعثت إلي بهذا. فقال: " رديه يا عائشة. فو الله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة ". قالت: فلم أرده، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذاك ثلاث مرات قال: فقال: " رديه يا عائشة، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة ".
стр. 527
وعن زر بن حبيش قال: سألت عائشة أم المؤمنين عن ميراث رسول الله ﷺ . قالت: عن ميراث رسول الله ﷺ تسأل لا أبالك؟! والله ما ورّث رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً ولا عبداً ولا أمة. وعن عائشة قالت: لو أردت أن أخبركم بكل شعبة شعبها رسول الله ﷺ حتى مات لفعلت. وعن عمران بن يزيد قال: حدثني والدي قال: دخلنا على عائشة فقلنا: سلامٌ عليك يا أمّه فقالت: وعليك، ثم بكت فقلنا: ما بكاؤك يا أمّه؟ قالت: بلغني أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتى يلتمس لذلك دواء يمريه، فذكرت نبيكم ﷺ . فذلك الذي أبكاني. خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين. كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز، وإذا شبع من الخبز لم يشبع من التمر. وعن عائشة قالت: اشتد وجع رسول الله ﷺ وعندنا سبعة دنانير أو تسعة. فقال: يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟ قالت: هي عندي، قال: فتصدقي بها. قالت: فشغلت، ثم قال: يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟ فقلت: عندي. قال: تصدقي بها. قالت: فشغلت ثم قال الثالثة: ما فعلت تلك الذهب؟ فقلت: هي عندي فقال: ائتني بها، فوضعها في يده ثم قال: " ما ظن محمد لو لقي الله وهذه عنده، ما ظن محمد لو لقي الله وهذه عنده ". وفي رواية قالت: فأخذها فبددها. وعن عطاء قال: زار أبو هريرة قومه فأتوه برقاق من الرقاق الأول. فلما رآه بكى. فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟ فقال " ما رأى رسول الله ﷺ هذا بعينه قط.
стр. 528
وعن أبي هريرة قال: إن كان ليمر بآل رسول الله ﷺ الأهلة ما يسرج في بيت أحد منهم سراج، ولا توقد فيه نار.
إن وجدواً زيتاً ادهنوا به، وإن وجدوا ودكاً أكلوه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ". وعنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: " والله لا يقسم ورثتي ديناراً، ما تركت من شيء بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ". وعنه قال: جاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ما لي أرى لونك منكفتاً! قال الخمص، فانطلق الأنصاري إلى رحله فلم يجد فيه شيئاً، فخرج يطلب فإذا هو بيهودي يسقي نخلاً له فقال الأنصاري لليهودي: أسقي نخلك؟ قال: نعم، كل دلو بتمرة، واشترط الأنصاري عليه ألا يأخذ منه خدرة ولا تارزة ولا حشفة، ولا يأخذ إلا جيدة. فاستسقى له بنحو من صاعين تمراً، فجاء به رسول الله ﷺ فقال: من أين لك هذا؟ فأخبره الأنصاري. وكان يسأل عن الشيء إذا أُتي به، فأرسل إلى نسائه بصاع، وأكل هو وأصحابه صاعاً. وقال للأنصاري: أتحبني؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق يعني: إني لأحبك قال: إن كنت فاتخذ البلاء كفافاً، فوالذي نفسي بيده للبلاء أسرع إلى من يحبني من الماء الجاري من قلب الجبل إلى حضيض الأرض ثم قال: " اللهم، فمن أحبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده ".
стр. 529
وعن أنس قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان ولا في سُكرُّجة، ولا خبز له مرقق. قال: قلت لقتادة: فعلام كاونوا يأكلون؟ قال: على السفر. وعن أنس: أن النبي ﷺ كان لا يدخر شيئاً لغد. وعن أبي ربيع قال: كنا مع أنس بن مالك في بستان له إذ أُلقيت له طنفسة، ثم جيء بخوان فوضع، ثم جيء بزهومة فوضعت على الخوان، فلما رأى ذلك أنس بكى. قال: قلنا: ما يبكيك يا أبا حمزة؟ قال: ما رأيت رسول الله ﷺ قاعداً على طنفسة قط. ولا رأيت بين يديه خواناً قط. وعن أنس: أن خياطاً بالمدينة جعل للنبي ﷺ طعاماً فأتى بخبز شعير وإهالة سنخة وإذا فيها قرع، فرأيت النبي ﷺ يعجبه القرع، فجعلت أُقربه قدامه. قال أنس: فلم يزل القرع يعجبني منذ رأيت رسول الله ﷺ يعجبه. وعن أنس قال " كان رسول الله ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب، ولقد كانت له درع رهناً عند يهودي. فما وجد ما يفتكها حتى مات ﷺ . وعن أنس قال: لبس رسول الله ﷺ الصوف، واحتذى المخصوف.
стр. 530
وقال: أكل رسول الله ﷺ بشعاً، ولبس خشناً. قال: سئل الحسن: ما البشع؟ قال: غليظ الشعير، لايكاد يسيغه إلا بجرعة ماء. وعن أنس: أن فاطمة جاءت بكسرة خبز لرسول الله ﷺ فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزته، فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام. وعن جابر بن عبد الله قال: لما حفر النبي ﷺ وأصحابه الخندق أصاب النبي ﷺ والمسلمون جهداً شديداً، فمكثوا لا يجدون طعاماً حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجراً من الجوع. وعن ابن البجير، وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: أصاب يوماً النبي ﷺ الجوع، فوضع على بطنه حجراً ثم قال: ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة. ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم. ألا يا رب منحوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله. ما له عند الله من خلاق، ألا وإن عمل الجنة حزنة بربوة، ألا وإن عمل النار سهل بشهوة. ألا يا رب شهوة ساعة أورثت خزناً طويلاً. وعن سماك أنه سمع النعمان بن بشير يخطب وهو يقول: احمدوا الله ﵎: فربما أتى على رسول الله ﷺ الشهر يظل يتلوى، ما شبع من الدقل.
وعن أبي حازم قال: سألت سهل بن سعد فقلت: هل أكل رسول الله ﷺ النقي فقال سهل: ما
следующие страницы →