Полный текст (10 576 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
شديداً ثم قال: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى ﷺ جاء النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة، فقال له النبي ﷺ : يا عباس، يا عم النبي، نفسٌ تنجيها خيرٌ لك من إمارة لا تحصيها، إن الإمارة حسرةٌ وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل. فبكى هارون بكاءً شديداً ثم قال له: زدني رحمك اله. فقال: يا حسن الوجه! أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة؟ فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، إساك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي ﷺ قال: من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة. فبكى هارون بكاءً شديداً حتى غشي عليه. ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم. دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن ساءلني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. فقال: إنما أعني من دين العباد. فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا؛ أمرني أن أصدق وعده، وأن أطيع أمره. فقال: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق " فقال له: هذه ألف دينار، خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك، فقال: سبحان الله! أنا أدلك على النجاة وتكافئني يمثل هذا! سلمك الله ووفقك. ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال لي هارون: يا عباسي إذا دللتني على رجلٍ فدلني على مثل هذا، هذا أزهد المسلمين اليوم.
زاد في رواية: فدخلت عليه ارمأة من نسائه فقالت: يا هذا! ترى سوء ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال تفرجنا له. فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قومٍ كان لهم بعيرٌ يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه. فلما سمع هارون الكلام قال: أدخل فعسى أن يقبل المال: فدخلنا، فلما علم به الفضيل خرج فجلس على ترابٍ في السطح وجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلم يجبه. فبينما نحن كذلك إذ
стр. 7142
خرجت جاريةٌ سوداء فقالت: يا هذا آذيت الشيخ منذ الليلة؛ فانصرف رحمك الله. قال فانصرفنا.
قال: وقال الفضيل: تقرأ في وترك: " نخلع ونترك من يفجرك " ثم تعدو إلى الفاجر فتعامله! قال: وقال الفضيل: لا تنظر إليهم من طريق الغلظة عليهم، ولكن انظر من طريق الرحمة. يعني السلطان.
وقال فضيل: لا تجعل الرجال أوصياءك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك؟ وأنت قد ضيعتها في حياتك! وأنت بعدها تصير إلى بيت الدود، وبيت الوحشة، وبيت الظلمة، ويكون زائرك فيه منكر ونكير، فقبرك روضةٌ من رياض الجنة. أو حفرةٌ منحفر النار. ثم بكى وقال: أعاذنا الله وإياكم من النار.
وقال: حسناتك من عدوك أكثر منها من صديقك. قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: لأن صديقك إذا ذكرت بين يديه قال: عافاه الله. وعدوك إذا ذكرت بين يديه يغتابك الليل والنهار، وإنما يدفع المسكين حسناته إليك، فلا ترض حتى إذا ذكر بين يديك تقول اللهم الهلكة، لا بل ادع الله له: اللهم أصلحه، اللهم راجع به، فيكون الله يعطيك أجر ما دعوت له.
قال فضيل: آفة العلم النسيان، وآفة القراء العجب والغيبة، وأشد الناس عذاباً يوم القيامة الساعي والنمام، واحذروا أبواب الملوك فإنها تزيل النعم. وتذهب بالنعم. قلنا: يا أبا علي، هذا الحديث الذي جاء " إن عليها فتناً كمبارك الإبل "؟ قال: لا، ولكنه هو الرجل يكون عليه من الله نعمة، لا يكون به إلى خلقٍ من خلق الله حاجة، فإذا دخل
стр. 7143
على هؤلاء ورأى ما قد بسط لهم استصغر ما هو فيه، فمن ثم تذهب النعمة أو تزول النعمة.
وقال فضيل:
ليس الآمر الناهي الذي يدخل عليهم يأمرهم وينهاهم ثم يدعونه بعد إلى طعامهم وشرابهم فيجيبهم، إنما الآمر الناهي الذي اعتزلهم ولم يدخل عليهم، فهو الآمر الناهي.
قال الفضيل: لم يتزين العباد بشيءٍ أفضل من الصدق، والله سائلٌ الصادقين عن صدقهم، فكيف بالكذابين المساكين؟! وقال: لم ينبل من نبل بالحج، ولا بالجهاد، ولا بالصوم، ولا بالصلاة، إنما نبل عندنا من كان يعقل أيشٍ يدخل جوفه. يعني الرغيفين من حله.
وقال الفضيل: المؤمن ينظر بنور الله، الناس منه في راحة، وهو بركةٌ على من جلس إليه لا يغتاب أحداً، كريم الخلق، لين الجانب؛ والمنافق عياب خياب، خشن الجانب، خشن الكلام، إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى زلةً كشفها، غضب الله عليه، ومأواه جهنم، لأن الله قال: " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ".
وقال: إن الفاحشة تشيع في الذين آمنوا، حتى إذا بلغت الصالحين كانوا لها خزاناً.
وقال: رحم الله عبداً كسب طيباً وأنفق قصداً، وقدم فضلاً ليوم فقره وفاقته، رحم الله من ترحم على أصحاب رسول الله، فإنما نحسن هذا كله بحبك أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال الفضيل: من أراد الآخرة أضر بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة، ألا فأضروا في الدنيا فإنها دار فناء، واعملوا لدار البقاء.
стр. 7144
وقال: ليكن شغلك في نفسك ولا يكن شغلك في غيرك، فمن كان شغله في غيره فقد مكر به.
وقال: المؤمن في الدتيا مغموم يتزود ليوم معاده، قليل فرحه. ثم بكى.
وقال: وإياكم والعجب فإنه يمحو العمل؛ ومن رمى محصناً أحبط الله عمله؛ ومن قال في رجلٍ مالا يعلم كتب عند الله كذاباً، ومن كتب عند الله كذاباً فقد هلك.
وقال: من علم الله منه أن يحب أن يصلح بين الناس، أصلح الله الذي بينه وبينه وغفر له ذنبه، وأصلح له أهله وولده؛ ومن أحب أن يفسد بين الناس أفسد الله عليه معيشته.
وكان الفضيل يقول: هل ترك الموت للمؤمن فرحاً؟ وإنما المؤمن يصبح مغموماً ويمسي مغموماً، وإنما دهره الهرب بدينه إلى الله .
وكان يقول: خلقٌ كثير من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا يقبل الله منهم ذلك. وذلك لأنهم يريدون به غير الله، وقد يكون الرجل الواحد يأمر العباد فيقبلون منه، فينجي الله به العباد والبلاد.
وكان يقول: طوبى لمن نظر في مطعمه ومشربه وجعله من حله، وبكى على خطيئته.
وكان يقول: عليكم بالشكر فإنه قل قومٌ كانت عليهم من الله نعمة فزالت عنهم إلا لم تعد إليهم أبداً.
وكان يقول: من ازداد علماً فليزدد شكراً، إن المنافق كلما ازداد علماً ازداد عمى.
وقال: إن لله عباداً لا يرفع لهم إلى الله عمل، وهم أصحاب الرياء الذين يكون حبهم في غير الله، إن أعطوا رضوا، وإن منعوا سخطوا، فمن كان كذلك وريه الله العمى.
وقال الفضيل: اجعلوا دينكم بمنزلة صاحب الجوز، إن أحدكم يشتري الجوز فيحركه، فما كان من
стр. 7145
جيد جعله في كمه، وما كان من رديء رده؛ وكذلك الحكمة، من تكلم بحكمة فاقبل منه، ومن تكلم بسوى ذلك فدعه.
وقال الفضيل: لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام. قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى صيرتها في نفسي لم تجزني، ومتى صيرتها في الإمام، فإصلاح الإمام إصلاح العباد والبلاد، قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ فسر لنا هذا، قال: أما إصلاح البلاد فإذا أمن الناس ظلم الإمام عمروا الخراب، فتزكو الأرض، وأما العباد فينظر إلى قومٍ من أهل الجهل، يقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره، فيجمعهم في دار، خمسين خمسين، أقل أو أكثر، يقول لرجل: لك ما يصلحك وعلم هؤلاء أمر دينهم. وانظر ما أخرج الله من فيهم مما يزكي الأرض فرجه عليهم. فقال: كذا صلاح البلاد والعباد.
قال رباح الكوفي: إن ابن المبارك قبل جبهته في جبهته في عذا الحديث فقال: يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك؟ وقال الفضيل: ما لكم وللملوك؟ ما أعظم منتهم عليكم أن قد تركوا لكم طريق الآخرة! فاركبوا طريق الآخرة، ولكن لا ترضون، تعيبونهم بالدنيا ثم تزحمونهم على الدنيا! ما ينبغي لعالم أن يرضى بهذا لنفسه.
وقال الفضيل:
إنما ينبغي للدنيا أن تتلاعب بالجاهل لا بالعالم. وقالوا له: لو كلمت هارون في أمر الرعية فإنه يحبك. قال: لست هناك؛ فكرر القول عليه فقال: لو كنت داخلاً عليه يوماً ما كلمته إلا في علماء السوء، أقول: يا أمير المؤمنين، إنه لا بد للناس من راعٍ. ولا بد للراعي من عالم يشاوره، ولا بد له من قاضٍ ينظر في أحكام المسلمين، وإذا كان لا بد من هذين الرجلين فلا يأتك عالمٌ ولا قاضٍ إلا على حمار بإكافٍ خلفه أغبر، فبالحري أن
стр. 7146
يؤدوا إلى الراعي والرعية النصيحة؛ يا أمير المؤمنين، متى يطمع العلماء والقضاة أن يؤدوا إليك النصيحة ومركب أحدهم بكذا وكذا؟ فإذا حملتهم على حمرٍ بأكف، فبالحري أن يؤدوا إليك النصيحة.
وقال الفضيل: لو تعلمون ما أعلم لم يهبكم طعامٌ ولا شراب.
مات ولد بعض العلماء بمكة، فأتاه جماعةٌ من العلماء يعزونه فلم يتعز، فأتاه الفضيل فقال: يا هذا، ما ترى في رجلٍ كان في سجن هو وولده. فأخرج ولده من السجن، فأولى به أن يفرح أو يحزن؟ فقال الرجل: أولى به أن يفرح، قال: فإنك كنت أنت وابنك في سجن وأخرج ابنك من السجن. فقال: تعزيت والله.
قال الفضيل: أتيت في منامي فقيل لي: يا فضيل اذكر الله، فإنه ما من أحد يوم القيامة إلا ود أنه زيد في صحيفته مثقال حبةٍ من خردلٍ من بر، ولو كان داود ﵇.
احتبس على الفضيل بن عياض وله فقال: سدي! أطلقه عني. فما بال، فقال في الثانية: وعزتك لو قطعتني إرباً إرباً ما ازددت لك إلا حبا. فما بال، فقال في الثالثة: بحبي لك إلا ما أطلقته عني. فما برحنا حتى بال.
قال فضيل بمكة: لا تؤذوني ما خرجت إليكم حتى ثلاثٍ وستين مرة أو نحواً من ستين مرة. وذلك قبل الظهر.
ومما أنشد فضيل بن عياض: من الرجز
ياأيها الذاهب في غيه ... محصول ما تطلبه القوت
والأمر قدامك مستعظمٌ ... قد جل أمر بدؤه الموت
стр. 7147
قال رجلٌ من أهل مكة: كنا جلوساً مع الفضيل فقلنا: يا أبا علي كم سنك؟ فقال: من المتقارب
بلغت الثمانين أو جزتها ... فماذا أؤمل أو أنتظر
أتت لي ثمانون من مولدي ... ودون الثمانين ما يعتبر
علتني السنون فأبلينني.........................
ثم نهض، فلما ولى التفت وقال:
........................ فدق العظام وكل البصر
قال القاضي: ولدت سنة ستين ومئة. وأنشدنا: من البسيط
عقد الثمانين عقد ليس يبلغه ... إلا المؤخر للأخبار والعبر
ومن شعر الفضيل بن عياض: من البسيط
إنا لنفرح بالأيام ندفعها ... وكل يومٍ مضى نقصٌ من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً ... فإنما الربح والخسران في العمل
توفي الفضيل بن عياض سنة ست وثمانين ومئة. وقيل سبع وثمانين بمكة.
قال بعض المكيين: رأيت سعيد بن سالم القداح في النوم فقلت: من أفضل من في هذه المقبرة؟ فقال: صاحب هذا القبر، قلت: بم فضلكم؟ قال: إنه ابتلى فصبر، قلت: ما فعل فضيل بن عياض؟ قال: هيهات! كسي حلة لا تقوم لها الدنيا بحواشيها.
стр. 7148
فقيم بن الحارث
شهد صفين مع معاوية بن أبي سفيان.
كانت راية بجيلة في أحمس مع أبي شداد بصفين، واسمه قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن عامر بن علي بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار. فقالت بجيلة: خذ رايتنا اليوم. فقال لهم: غيري خيرٌ لكم مني. فقالوا: ما نريد غيرك، فقال: والله لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب. وعلى رأس معاوية رجلٌ قائمٌ معه ترسٌ مذهب يستره من الشمس - قالوا: اصنع ما شءت. فأخذها ثم زحف نحوهم وهو يقول: من مشطور الرجز
إن عليا ذو أناةٍ صارم
جلدٌ إذا ما تحضر العرائم
لما رأى ما يفعل الأشائم
قام لدى ذروته الأكارم
الأشيبان مالك وهاشم
ثم زحف فجعل يقاتل حتى انتهى إلى صاحب الترس، وكان في خيلٍ عظيمة، فاقتتل الناس هناك قتالاً شديداً، وكان صاحب الخيل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فشد أبو شداد بسيفه نحو صاحب الترس، فعرض له رومي لمعاوية فضرب قدم أبي شداد فقطعها.
стр. 7149
وضربه أبو شداد فقتله، وأشرعت إليه الأسنة فقتل فأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي فجعل يقاتل ويقول: من مشطور الرجز
لا يبعد الله أبا شداد
حيث أجاب دعوة المنادي
وشد بالسيف على الأعادي
نعم الفتى قد كان في الطراد
وفي طعان الخيل والجلاد
وقاتل حتى قتل، فأخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع فقتل، فأخذها عفيف بن إياس الأحمسي، فلم تزل بيده حتى تحاجز الناس، وقتل حازم بن أبي حازم الأحمسي أخو قيس بن أبي حازم وقتل نعيم بن شهيد بن الثعلبية فأتى ابن عمه فقيم بن الحارث إلى معاوية - وكان مع معاوية - فقال: إن هذا القتيل ابن عمي، فهبه لي أدفنه، فقال: لا تدفنهم فإنه ليسوا لذلك بأهل، فوالله ما قدرنا على دفن عثمان إلا سراً. فقال: لتأذنن لي في دفنه أو لألحقنهم ولأدعنك. فقال له معاوية: ترى أشياخ العرب لا نواريهم وأنت تسألني دفن ابن عمك! دفنه إن شئت أو فدعه. فأتاه فدفنه.
стр. 7150
فليح بن العوراء المكي
مولى بني مخزوم قال إبراهيم بن المهدي: كتب إلي جعفر بن يحيى وأنا عامل الرشيد على جند دمشق: قد قدم علينا فليح بن العوراء فأفسد علينا بأهزاجه وخفيفه كل غناءٍ سمعناه قبله، وأنا محتال لك في تحصيله عندك لتستمتع به كما استمتعنا. فلم ألبث أن ورد علي فليح بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثة آلاف دينار، فورد علي منه رجلٌ ذكرني لقاؤه الناس، فأخبرني أنه قد ناهز المئة سنة، فأقام عندي ثلاث سنين، فأخذ عنه جواري كل ما كان معه من الغناء، وانتشر بعض أغانيه بدمشق. قال يوسف: ثم قدم علينا شاب من المغنين مع علي بن زيد بن الفرج الحراني عند مقدم عنبسة بن إسحاق فسطاط مصر يقال له موفق، فغناني من غناء فليح: من السريع
يا قرة العين اقبلي عذري ... ضاق بهجراتكم صدري
لو هلك الهجر استراح الهوى ... ما لقي الوصل من الهجر
فلم أر بين ما غناه وبين ما سمعت في دار أبي إسحاق فرقاً، فسألته: من أين أخذه؟ فقال: أخذته بدمشق. فعلمت أنه مما أخذه أهل دمشق عن فليح بن العوراء.
فهد بن سليمان بن يحيى
أبو محمد الكوفي النحاس سمع بدمشق.
حدث عن أبي مسهر بسنده إلى أن سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس.
стр. 7151
وحدث عن قطبة بن العلاء الغنوي بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ما ذئبان ضاربان في حظيرةٍ وثيقة، يأكلان ويفرسان بأسرع فيها من حب الشرف وحب المال في دين المسلم.
توفي فهد بمصر سنة خمسٍ وسبعين ومئتين. وكان ثقةٌ ثبتا.
فهد بن موسى بن أبي رباح
أبو الخير الأزدي الإسكندري قاضي الإسكندرية. قدم دمشق.
حدث بدمشق عن عبد الله بن عبد الحكم بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : لا يضر أحدكم بقليلٍ من ماله يروح أم بكثير إذا أشهد.
وحدث عنه بسنده إلى أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: من عمل عمل قوم لوط فارجموه وارجعوا من يفعل به.
توفي فهد سنة سبعين ومئتين.
فياض بن عبد الله الدمشقي
روى عن سعيد بن عمرو بسنده إلى ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته.
стр. 7152
فياض بن عمرو
كاتب يحيى بن حمزة، القاضي.
حدث عن الزهري مرسلاً عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: من أتى الجمعة فليغتسل.
ووجد في كتاب فياض بن عمرو عن صدقة بن عبد الله بسنده إلى أب يهريرة عن النبي ﷺ قال: إن الله يقول: إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة.
فياض بن القاسم بن الحريش
ابن خرب بن الحريش، أبو علي حدث عن شعيب بن عمرو بسنده إلى النزال قال: قال أبو مسعود: أغمي على حذيفة أول الليل ثم أفاق فقال: أي الليل هذا يا أبا مسعود؟ فقلت: السحر الأكبر الأعلى. فقال: عائذ بالله من جهنم - يقول ذلك مرتين أوثلاثاً - ابتاعوا لي ثوبين ولا تغالوا فيهما فإن صاحبكم إن يرض عنه يكس خيراً منهما ولا يسلبهما سلباً سريعاً.
وحدث سنة ثلاثين وثلاث مئة عن أبي محمد شعيب بن عمرو بسنده إلى عبد الله قال: قال النبي ﷺ : حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً.
توفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة.
فيروز أبو عبد الرحمن
ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو الضحاك الديلمي
وفد على سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو الذي قتل الأسود الكذاب. ووفد على معاوية.
قال فيروز: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنا أصحاب كروم وأعناب، وقد
стр. 7153
نزل تحريم الخمر، فماذا نصنع بها؟ فقال: تتخذونه زبيباً. قال: فنصنع بالزبيب ماذا يا رسول الله؟ قال: تنقعونه على غدائكم وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم. قال: قلت: يا رسول الله أفلا نتركه حتى يشتد؟ قال: فلا تجعلوه في الدنان.
وفي رواية: فلا تجعلوه في القلال ولا في الدباء. واجعلوه في الشنان، فإنه إن تأخر عن عصره صار خلاً. قال: قلت يا رسول الله، نحن ممن قد علمت، ونحن بين ظهراني من قد علمت، فمن ولينا؟ قال: الله ورسوله. قال: قلت حسبنا يا رسول الله.
حدث عبد الله بن الديلمي عن أبيه قال: قدمنا على النبي ﷺ برأس الأسود العنسي الكذاب، فقلنا: يا رسول الله، قد علمت من نحن، فإلى من نحن؟ قال: إلى الله ورسوله ... الحديث مر فيروز بن الديلمي يريد الشام إلى معاوية، فلم يدخل على عائشة، فلما أقبل من الشام دخل عليها، فقالت: يا بن الديلمي! ما منعك أن تمر بي، أرهبة معاوية؟ لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الكذاب وقاتله مدخلاً واحداً. ما أذنت لك.
وكان باليمن من أصحاب رسول الله ﷺ فيروز بن الديلمي - وهو من الأبناء - فانتسبوا إلى بني ضبة وقالوا: أصابنا سبيٌ في الجاهلية.
وقيل: إن فيروز من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، فنفوا الحبشة عنها وغلبوا عليها. وفيروز هو الذي قتل الأسود بن كعب العنسي الذي كان تنبأ باليمن، فقال رسول الله ﷺ : قتله الرجل الصالح فيروز بن الديلمي. وبعضهم يقول: فيروز الحميري، وهما واحد. وقيل له الحميري لنزوله في حمير، ومخالفته إياهم. وتوفي فيروز زمن عثمان بن عفان.
وعن ابن الديلمي أنه سأل النبي ﷺ إنا منك بعيد، ونشرب شراباً من قمح، فقال: أيسكر؟ قلت: نعم. قال: لا تشربوا مسكراً. فأعاد ثلاثاً قال: كل مسكرٍ حرام.
стр. 7154
وهو فيروز بن يسع بن سعد بن ذي حباب بن مسعود. وفد مع معذ بن جبل على سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو الذي قتل الأسود العنسي المتنبئ. وقدم برأسه على النبي ﷺ ، وقيل على أبي بكر.
وقيل في مقتل العنسي أن داذويه وقيساً وفيروز دخلوا عليه، فحطم فيروز عنقه فقتله. ويقال قتله قيس بن مكشوح.
حدث النعمان بن برزج قال:
خرج الأسود الكذاب، وكان رجلاً من بني عنس ثم من بني صعب. وكان معه شيطانان يقال لأحدهما سحيق وللآخر شقيق، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمر الناس، فسار الأسود حتى أخذ ذمار، وكان باذان إذ ذاك مريضاً بصنعاء، فجاءه الرسول فقال له بالفارسية كلاماً وأجابه ومات، فجاء الأسود شيطانه في عصارٍ من الريح وهو على قصر ذمار، فأخبره بموت باذان. فنادى الأسود في قومه فقال: يا يحابر - ويحابر فخذٌ من مراد - إن سحيقاً قد أجار ذمار وأباح لكم صنعاء، فاركبوا واعجلو. فسار الأسود ومن معه من عنس وبني عامر ومراد وحمير حتى نزلوا بهم المقرانة، فخرج عليهم الأساور عليهم ذاذويه، وكان قد استخلفه باذان - وكان دادويه ابن أخت باذان - فكره إمارة داذويه الذين كانوا مع وهرز ومع المرزبان؛ فلما سمع ذلك دادويه منهم صرف فرسه فرجع إلى صنعاء قبل أن يلقاهم، وانصرف جميع قومه واتبعهم الأسود ومن معه، والقرية يومئذ بأبوابها فأوثقوا بينهم وبينه الأبواب، ونزل الأسود ومن معه على باب قصر النوبة فقال الأسود: إن الأرض أرضي وأرض آبائي فاخرجوا منها والحقوا بأرضكم وأنتم آمنون
стр. 7155
شهراً على أن تعطوني السلاح. فصالحوه على ذلك، فخرج منهم إلى المضمار من خرج، وارتحل منهم من ارتحل؛ كل أهل رستاق وحدهم وبقيتهم متجهزون. ودخل الأسود ومن معه إلى القرية. فاستنكح المرزبانة ارمأة باذان، فأرسلت إلى داذويه وفيروز وخرزاذ بن برزج واسمه عبد الحميد، وإلى جرجست بن الديلمي فقالت: فرشتموني هذا الشيطان فأتمروا به وأنا أكفيكموه. وكان قيس بن عبد يغوث قال للأسود: قد عرفت الذي بيني وبين أهل هذه القرية وأنا أتخوفهم. فاستأذنه أن ينزل خارجاً عن القرية، فأذن له فنزل هو وقومه تحت نقم، وكان يتخوف قتل الأسود وداذويه وأصحابه، وكان لا يستطيع رجلٌ منهم أن يكلم صاحبه لأن سحيقاً كان يبلغ ذلك الأسود فيخبرهم الأسود بذلك. وكان الأسود يخرج كل يوم إلى الجبانة فيجلس فيها ويخط عليه خطاً فيأتيه رجلٌ فيقول: السلام عليك يا رسول الله، وكان الأسود يقول لقيس إن سحيقاً يقول: لتنزعن قبة قيسٍ العليا أو ليفعلن بك أمراً يرى. فيقول قيس: أيها الملك، ما كنت لأفعل. فجاء قيس إلى داذويه وأصحابه ثلاث مرات يقول لهم: ألا تقتلون هذا الشيطان! فلا يردون عليه شيئاً تخوفاً أن يبلغ ذلك الأسود، وكانوا يظنونه غدراً من قيس وكان الأسود إذا غضب على رجلٍ حرقه بالنار.
فجاء قيس إلى فيروز - وهو أصغر القوم - فذكر ذلك له فقال له فيروز: إن كنت صادقاً فأتنا الليلة. فجاءهم من الليل، فاجتمع داذويه وفيروز وجرجست ومعهم قيس، وكان على باب الأسود ألف رجلٍ يحرسونه وهو في بيوت باذان، وكان بيوت باذان في مؤخر المسجد اليوم، وكان موضع المسجد حائطاً لباذان، فأرسلت إليهم المرزبانة أني أكفيكموه. فجعلت تسقيه خمر ضلع، فكلما قال: شوبوه صبت عليه من خمر ثات حتى سكر،
стр. 7156
فدخل في فراش باذان - وكان من ريش - فانقلب عليه الفراش، وجعل داذويه وأصحابه ينضحون الجدر بالخل ويحفرونه من نحو بيوت أهل برزج ويحفرونه بحديدة حتى فتحوا الجدر قريباً منه، فلما فتحوا قالوا لقيس: أنت خامنا ونحن نتخوف غدرك، فوالله لا ترثنا الحياة إن قدر علينا ولكنه يدخل منا رجلان ورجلان عندك. فدخل داذويه وجرجست ووقف فيروز وخرزاذ مع قيس، فجعلت المرأة تشير إليه أنه في الفراش فلم يرزقا قتله فخرجا إلى أصحابهما، فقال لهما فيروز: ما فعلتما؟ قالا: لم يوافقنا الأمر. قال: امكثا عند قيس. ودخل فيروز الديلمي وابن برزج، فأشارت إليهما المرأة أنه في الفراش، فتناول فيروز برأسه ولحيته فقصر عنقه فدقها، وطعنه ابن برزج بالخنجر فشقه من ترقوته إلى عانته، ثم احتز رأسه وخرجوا، وأخرجوا المرأة معهم وما أحبوا من متاع البيت إلى غمدان.
قال النعمان: وحملت أمي على عنقي حتى أدخلتها معهم وما أحبوا قصر غمدان. فاستحرزوا فأصبحوا قد سدوه عليهم، فتناول قيس رأس الأسود فرمى به من رأس القصر إلى الحرس الذين كانوا على بابه؛ وصرخ القوم: المضمار المضمار! فظنوا أن الرأس جاء من المضمار، فلما رمى قيس بالرأس أخذ فيروز برجله ليرمي به من رأس القصر، فاحتضنه دادويه من ورائه فمنعه وقال: خون خون. وأغار صحابة الأسود إلى المضمار، فقاتلهم الذين كانوا بالمضمار بالحجارة حتى أدخلوهم القرية؛ فلما أدخلوهم القرية عقدوا اللواء، وكان الذي عقده سعيد بن بالويه، وقتل هو وأصحابه صحابة الأسود حتى خاضت الخيل إلى ثننها، وخرج فيروز وأصحابه فلقي منهم أربعين رجلاً من رؤوسهم فأدخلوا القلمس، فاستوثقوا منهم وقالوا: لا تبرحوا أبداً حتى يرد كل شيءٍ أخذ من صنعاء من صغيرٍ أو كبيرٍ أو متاع، وإلا ضربنا أعناقكم. فجعلوا لهم أن يفعلوا، وجزوا نواصيهم. قال: فارتهنوها كل ناصية رجل بما كان في قومه. وكانوا يردون القدر يجدونها بعد السنة:
стр. 7157
ولم يكن الأسود مكث بصنعاء إلا خمس ليال، فقتل في الليلة الخامسة؛ فلما فرغ من الأسود وأصحابه، وتفرق من كان معه قال قيس لداذويه وفيروز وهو يريد أن يغدر بهما: اذهبا بنا نتحرق بثات حتى يأتينا بيان أمر هذا الرجل - يعني سيدنا رسول الله ﷺ وكان لقيس امرأة بثات وهي بنت حمزة بن كاربن، فخرجا معه حتى دخلوا ثات، فنزل داذويه وفيروز في بيت باذان الذي بثات، وهو في مسجد أهل ثات اليوم. وكان قيس يرسل إليهما بالطعام والشراب وهو ينظر كيف يغدر بهما، وكان فيروز في حجر داذويه، وكان قيس قد حذق بكلام الفارسية، فأشرف قيس إلى داذويه وفيروز من بيته، ولم يكن بين منزلهما وبيت قيس إلا السكة، فقال لداذوية بالفارسية: يا أبا سعيد، هل لك في غداءٍ حميري؟ فقال داذويه: وما هو؟ نان كرمه وسنبدام كندره وماهية تازه. قال: نعم. قال: فإن كان ذلك من حاجتك فارتفع إلي. فلما قام إليه داذويه منعه فيروز فقال داذويه: إنك صبي أحمق، وما يهمني منهم. وكان داذويه إذا أخذ سيفه لم يبال لو لقي ألف رجل؛ وكان قيس قد خبأ له في مؤخر البيت اثني عشر رجلاً، وقال لهم: لا تخرجوا إليه أبداً حتى تعلموا أنه قد وضع سيفه. فجاء داذويه وأبى فيروز أن يأتيه، فجعل يحمل عليه الخمر حتى صرعه الخمر، فقال: يا أبا سعيد! ضع هذا السيف لا يعيثك، وضع رأسك حتى تفيق. فعلق سيفه فوق رأسه واضطجع، فخرج عليه القوم الذين خبأ قيس بأسيافهم، فكلما أراد أن يأخذ سيفه صرع حتى قتلوه. وأشرف على فيروز فقال: أترهبني يا بن الديلمي؟ فقال: أما وهذا السيف معي فلا. وخرج بفرسه يقوده. وأرسل بسرجه مع وليدته تلقاه به إلى الماء في مشغلها. فقال: أين تريد بفرسك؟ قال: أريد أن أسقيه. فأسرج فرسه ثم جعل يخب إلى جنبه. وأرسل قيس إلى بني صعب أن عندي قاتل أخيكم إن أردتموه. فجاء منهم ستون فارساً وقد خرج فيروز يخب خبب فرسه.
وأخبر ذو رغين بن عبد كلال أن فيروز محصور بثات. فأرسل مئة فارس
стр. 7158
لينصروه. وأخذ فيروز نحو جنان يريد إلى أخته. فأبصر خيل ذي رعين مقبلة، والعنسيون خلفه، فلما أبصر هؤلاء هؤلاء وقد كانتا رجلاه تقطعتا، فلما أبصرهم ركب فرسه فرمى به إلى الذين بين بديه وهو يظن أنهم يقاتلونه فقالوا: إنما أرسلنا ذو رعين للنصرك، فوقف معهم، فلما أبصرهم العنسيون رجعوا. وسار فيروز حتى نزل عند أخته.
فلما توفي سيدنا رسول الله ﷺ بعث أبو بكر أبان بن سعيد القرشي إلى اليمن فكلمه فيروز في دم داذويه فقال: إن قيساً قتل عمي غدراً على غدائه، وقد كان دخل في الإسلام وشارك في قتل الطذاب. فأرسل أبان إلى قيس يعلى بن أمية إلى ثات - وكان يعلى من صحابة أبان - فقال أبان ليعلى: اذهب إلى قيس فقل: أجب أبان بن سعيد، فإن تردد عليك فاضربه بسيفك. فقدم عليه يعلى على بغلة والبغال لا ترى باليمن يومئذ، وعند قيسٍ الدنيا مما أخذ من الأموال التي للناس. فقال له يعلى: أجب الأمير أبان بن سعيد وانظر إلى هذا السي، فقال: ومن أنت؟ قال: أنا يعلى بن أمية، ثم من بني حنظلة من بني تميم. فقال له قيس: أنت ابن عمي فأخبرني لم أرسل إلي؟ وأرغبه، فقال: إن ابن الديلمي كلم فيك أنك قتلت عمه رجلاً مسلماً غدراً على غائك. فقال قيس: ما كان مسلماً لا هو ولا أنا، وكنت طالب ذحل قد قتل أمي وقتل عمي عبيده، وقتل أخي الأسود؛ ولكن أدخلني على حين غفلةٍ من أهل صنعاء واجعلني على بغلتك فأتنقب عليها، واركب أنت على راحلتي واكشف عن وجهك حتى تدخلني على الأمير فتمكني منه أربع كلمات وقد خلاك ذم. فدخل به حين اشتد حر النهار وغفل الناس، والناس يومئذ قليل، فدخل على أبان فقال: أجئت بالرجل؟ فقال: نعم، جئتك بسيد أهل اليمن، فقال أبان لقيس: أقتلت رجلاً قد دخل في الإسلام وشارك في دم الكذاب؟! فقال: قد قدرت أيها الأمير فاسمع مني: أما الإسلام فلم يسلم لا هو ولا أنا، وكنت رجلاً طالب ذحل، وأما فرس باذان الأعصم، وسيف ابن الصباح الوجيه فأهديه لك، وأما الإسلام فتقبل مني أبايعك عليه، وأم أختي كبسة فأزوجك معشوقة من المعشوقات؛ وأما يميني هذه فهي لك بكل حدثٍ يحدثه إنسانٌ من مذحج. قال: قد قبلنا منك؛ فأمر أبان المؤذن أن يؤذن بالصلاة، وذاك قبل نصف النهار، ففزع الناس وقالوا: إن هذا لحدث! فبلغ فيروز أنه
стр. 7159
قد نادى، فعجب فقال: ما بال هذا!؟ فقالوا: إنه قد أتى بقيس؛ فخرج فيروز فلبس سلاحه وتوشح بسيفه؛ فخرج أبان يقاود قيساً، فقال قيس لفيروز: كيف أنت يا أبا عبد الرحمن ألك حاجة إلى الأمير؟ فقال فيروز: نعم، حاجتي أن أضرب عنقك! فصلى أبان بالناس صلاةٌ خفيفةٌ ثم خطب فقال: إن رسول الله ﷺ قد وضع كل دمٍ كان في الجاهلية، فمن أحدث في الإسلام حدثاً أخذناه به. ثم جلس فقال: يا بن الديلمي! تعال خاصم صاحبك؛ فاختصما فقال أبان: هذا دم قد وضعه رسول الله ﷺ فلا تتكلم فيه. فقال أبان لقيس: الحق بأمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب - وأنا أكتب لك أني قد قضيت بينكما، فإني أرى قوماً ليسوا بتاركيك. فكتب إلى عمر أن يروزاً وقيساً اختصما عندي في دم داذويه، فأقام قيس البينة أنه كان في الداهلية، فقضيت بينهما.
وخرج قيس فاتبعه فيروز حتى خاصمه عند عمر في دم داذويه، فأخرج قيس كتاب أبان إلى عمر، فقال عمر: قد تولى أبان ب هذا وإثمه، والله أعلم بما قضى، ولو يرد مثل هذا يا بن الديلمي لم يجز بين الناس قضاء. فقال فيروز: فإني قد بعت نفسي وهاجرت. فال عمر: أعزم عليك إلا رجعت إلى ايمن، فإنها لا تصلح إلا بك، فإنك في هجرة. قال: فسمع عمر قيساً يحدث رجلاً من قريش أنه هو الذي قتل الكذاب، فدخل فيروز وقيس يكلم القرشي، فقال: بلى قتله هذا الليث. ثم قال عمر لفيروز: كيف قتلت الكذاب؟ قال: الله قتله يا أمير المؤمنين. قال: نعم ولكن أخبرني. فقص عليه القصة، ورجع فيروز إلى اليمن.
كتب عمر بن الخطاب إليى فيروز الديلمي: أما بعد، فقد بلغني أنه شغلك أكل النبات بالعسل، فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم على بركة الله، فاغز في سبيل الله. فقدم فيروز فاستأذن على عمر، فأذن له، فزاحمه قومٌ من قريش، فرفع فيروز يده فلطم أنف القرشي فدخل القرشي على عمر مستدمى فقال له عمر: من بك؟ قال: فيروز وهو على الباب. فأذن لفيروز بالدخول، فدخل، فقال: ما هذا يا فيروز؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنا كنا حديث عهد بملك، وإنك كتبت إلي ولم تكتب إليه،
стр. 7160
وأذنت لي بالدخول ولم تأذن له، فأراد أن يدخل في إذني قبلي، فكان مني ما قد أخبرك. قال عمر: القصاص، قال فيروز: لا بد؟ قال: لا بد. قال: فجثا فيروز على ركبتيه، وقام الفتى ليقتص منه، فقال له عمر: على رسلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيءٍ سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ ذات غداة وهو يقول: قتل الظليمة الأسود العنسي الكذاب، قتله العبد الصالح فيروز الديلمي. أفتراك مقتصاً منه بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال الفتى: قد عوت عنه بعد إذ أخبرتني عن رسول الله ﷺ بهذا. فقال فيروز لعمر: أفترى هذا مخرجي مما صنعت، إقراري له وعفوه غير مستكره؟ قال: نعم. قال فيروز: فأشهدك أن سيفي وفرسي وثلاثين ألفاً من ماي هبةٌ له، قال: عفوت مأجوراً يا أخا قريش وأخذ مالاً.
توفي فيروز الديلمي سنة ثلاثٍ وخمسين.
الفيض بن الخصر بن أحمد
ويقال الفيض بن محمد أبو الحارث التميمي الطرسوسي الأولاسي أحد الزهاد المشهورين، من قدماء المشايخ وجلتهم.
قال أبو الحارث الأولاسي: كنت في بعض مساجد دمسق جالساً، فدخل فقير عليه خلقان رثة، فركع وجلس، فدنوت منه وسلمت عليه، وكان معي قطيعة فذهبت فاشتريت بها عنباً وطرحته في زاوية المسجد فقلت له عند المغرب: تأكل من هذا العنب؟ فقال: دعه الساعة. فما زال يركع إلى عشاء الآخرة فلما صلى عشاء الآخرة قلت له: تأكل من هذا العنب؟ قال: وتحب ذلك؟ قلت: نعم. فأكل حبات ثم قال: أين تريد؟ قلت: الرملة. فقال: وتحب لأن نكون جميعاً؟ قلت: نعم. قال: فما زال عامة الليل يركع، ثم التفت إلي وقال: قم إن شئت. فقمت معه، وخرجنا من دمشق، وسرنا ساعة، وإذا بسرجٍ وبيوت، ونحن نسير بين أحمال تين، فقلت لبعض من يسير معنا: أيشٍ هذه السرج والبيوت؟ فقال: أيش حالك هذه الرملة! فالتفت أطلب صاحبي فلم أره.
стр. 7161
قال الزعفراني: قلت لأبي الحارث الأولاسي: أنا أعرفك أمير الحرب بنصيبين، فأيش الذي أخرجك إلى الله؟ قال: غدوت في آخر الليل إلى الحمام وكان على باب داري، فإذا أنا بأنين في القامين، فعدلت فإذا برجلٍ عليل، مطروح في الزبل عريان، فقلت له: لك حاجة؟ فقال لي: أريد يزال ما علي من وسخ، وثوب نظيف، ورائحة طيبة، وطعام طيب. فقلت: هات يدك؛ فأدخلته معي الحمام فنظفته وتقلدت أنا خدمته، وأخرجته إلى ثوبٍ من ثيابي، وأحضرت طعاماً طيباً، وطيبته وقلت: لك من حاجة؟ فقال لي: جبرك الله. ومات، فكفنته ودفنته، فلما كان العصر خرجت إلى الله في عباءة.
قال أبو الحارث: رأيت في منامي كأني واقفٌ بين يدي الله، فقال لي: يا عبدي سل حاجتك. فقلت: يا رب! تعلم حاجتي. فقال: أنا أعلم. وكيف لا أعلم وأنا كونتها وكمنتها في صدرك؟! ولكن أحب أن أسأل، والمسارعة في اتباع محبتي منك أولى بك من التعلق بمحبتك، أسرع وأسبق منك إلى أن بدأت تركيبها في قلبك من قبل أن تعقلها، وأطلقت لسانك بمسألتها عندي. اجمع بين مرادي من الأمور كلها وبين مرادك مني. فإن يكن مخالفاً لمرادي فإنك لن تزال في دهرك منقطعاً عني، فابتغ عندي محابي من الأمور وإن خالف منك المحبة. أجهد بدنك، واحذر الخلاف في اتباع الهوى بحب دارٍ أبغضتها وحذرتكها وأخرج قلبك منها، وكن فيها حذراً، فإن متاعها قليل، والعيش فيها قصير، وتقرب إلي ببغضها وبغض أهلها، وكن متحرزاً منها ومن أهلها، وقف بين يدي مقام من أسقط نفسه وحيلته وتعلق بمالكه.
قال أبو الحارث:
رأيت النبي ﷺ في النوم كأنه معرض عني فقلت: ما أعرضك عني؟ بأبي وأمي، فقد فهمت عنك ما أمرتني ولكن أخاف أن أكون قد حرمت التوفيق. فقال: لا ولكن ليس ثم داعية يحركك لطلب، ولا رهبة تقلقك لهرب، فأنت بين الآمال الكاذبة متردد حيران قد
стр. 7162
أطلت الأمل وسوفت العمل. قلت: فمن الآن فأوصني، فقال: عليك بالقلة، ووان شخصك، وكن جلساً من أحلاس بيتك، فقد أمسى وأصبح كثيرٌ من الناس في أمرٍ مريج، وإنك إن تتبع أهواءهم وتلتمس رضاهم يضلك عن سبيل ربك، وهو الخسران المبين.
قال أبو الحارث الأولاسي: رأيت في المنام كأني في صحراء، بين جبال، وكأن منادياً ينادي: الباب الباب الباب - من وراء تلك الجبال - أيها الناس! هلموا وأسرعوا فإنا نريد غلق الباب. والناس فيما هم فيه من الشغل والضجة ما يشعرون بالنداء إلا نفرٌ يسير، خيل ورجالة، فجعلوا يسعون ويركضون نحو النداء. وقبض الله تعالى لي فرساً عربياً فركبته، وجعل يجري بي أشد جري وأنا اتخوف أن أسقط منه، حتى أتى بي على وحلة، فخفت أن يقف بي في تلك الوحلة، فجعل لا يزداد إلا شدة الجري في ذلك الوحل حتى خرج منه، ثم إنه أتى بي إلى عقبة صعبة. فخفت أن يقوم فرسي، فما أزداد إلا سرعة، حتى علا بي رأس العقبة، وأشرفت على المنادي وكأنه جالسٌ على رأس العقبة، عليه ثياب بياض، منكس الرأس، وهو يقرأ: " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون " وجعل ينكث الأرض كأنه حزين، فقلت: يا هذا، مالي أراك حزيناً؟ فقال: أما ترى ما في الأرض؟ فاطلعت، فرأيت سواداً متراكباً وضجة شديدة، فقلت: ما هذا السواد وما هذه الضجة؟ فقال: أما السواد فهي الفتن، وأما الضجة فالهرج المرج، قلت: رحمك الله فالمخرج من ذلك؟ قال: أربعة: لسانك ويديك وبطنك وفرجك؛ فأما لسانك فتمسكه عن الكلام إلا من ثلاثة: ذكر دائم، ورد سلام، أو حاجة لا بد منها؛ فأما يديك، فتمسكها عما ليس لك فيه حق، وتحذر المعاونة بهما؛ وأما بطنك فلا يدخله إلا الحلال! وكذلك فرجك، فإن لم تجد فالقلة القلة، كل الدون والبس الدون. وأربعٌ ألا خذ بهن: الحزم في زمانك، لا تقل لأحد اذهب، ولا قم، ولا كل، ولا لاتأكل، ولا اعمل، ولا لاتعمل، ولا هذا حلال، ولا هذا حرام. قلت: أما الصمت فإني أجهد نفسي فيه، وأما الناس فأعاهد الله على أن
стр. 7163
لا أقول شيئاً من ذلك إلا أكون ناسياً؛ وأما القلة من المطعم واللباس فإنه يصعب علي، وأرجو أن يعين الله تعالى عليه. فجعل يقول: يصعب علي! أفلا يصعب عليك طول القيام بين يدي الله وعسر الحساب؟! أم والله لو اتقيت لصدقت، ولو صدقت لأتقيت، ولو اتقيت لخفت، ولو خفت لحذرت، ولو حذرت لجانبت. القلة القلة، الخفة الخفة، الصمت الصمت، الهرب الهرب، النجاء النجاء، الوحاء الوحاء، الباب الباب، لجوا فيه قبل أن يغلق دونكم، فتحل بكم الندامة.
قال أبو الحارث: من استغل بما لم يكن فكان، فأنه من لم يزل ولا يزال.
قال أبو الحارث: كتب إلي بعض إخواني: أيش تشتهي من هذه الدنيا؟ فقلت: أشتهي وجهاً مصفراً، وخداً مغفراً، ودمعاً مقطراً وطمراً مشمراً، وعيشاً مكدراً، وقلباً منوراً كالقنديل يزهر، وقوتاً مقتراً. قال: فكتب إلي: يا أخي ما أحسن ما اشتهيت من هذه الدنيا! ولكن ما أحسن الليل على الساجد! والاتصال بالماجد! والزهد على الزاهد أحسن من الحلي على الناهد. ثم قال: يا أخي احفظ الله في خفي كل نظرة، وفتش كل لقمة، وزن كل خطوة، وانتخب الأحوال، وأحب كل أخٍ صحيح المودة، ثم قال: يا أخي، من عرف الله عاش، ومن أحب الدنيا طاش، والأحمق يغدو ويروح في لاش، والعاقل لذنوبه فتاش.
قال أبو الحارث:
دخلت مسجد طرسوس، فرأيت فتيين يتكلمان في علم الأنفة وسوء أدب الخلق،
стр. 7164
وحسن صنيع الله تعالى إليهم، ويذمان نفوسهما فيما يجب لله تعالى عليهما؛ فقال أحدهما لصاحبه: يا أخي قد تحدثنا في العلم، فتعال نعامل الله به. فيكون لعلمنا فائدة ومنفعة. فعزما على أن لا يتناولا شيئاً مسته أيدي بني آدم ولا ما للخليقة فيه صنع. قال أبو الحارث: فقلت وأنا معكما، فقالا: فخرجنا من طرسوس وجئنا إلى جبل لكام، فأقمنا فيه ما شاء الله تعالى. قال أبو الحارث: أما أنا فضعفت نفسي وقام العلم بين عيني إن مت على ما انا عليه مت ميتة الجاهلية. فتركت صاحبي بالكام سنة ورجعت إلى طرسوس، ولزمت ما كنت أعرفه من صلاح نفسي، وأقام صاحبي باللكام سنة، فلما كان بعد مدة، دخلت المسجد فإذا أنا بأحد الفتيين جالساً في المسجد، فسلمت عليه فقال: يا أبا الحارث خنت الله تعالى في عهدك ولم تف به، أما إنك لو صبرت معنا أعطيت ثلاثة أحوال. وقد أعطينا. قلت: وما الثلاثة؟ قال: طي الأرض. والمشي على الماء، والحجبة إذا أردنا. واحتجب عني عقيب كلامه. فقلت: بالذي أوصلك إلى ما قد رأيت إلا ظهرت لي حتى أسالك عن مسألة: فظهر لي وقال: سل وأوجز، فقلت له: كيف لي بالرجوع إلى هذه الحالة؟ ترى إن رجعت قبلت؟ فقال: هيهات يا أبا الحارث، بعد الخيانة لا تقبل الأمانة فكوى قلبي بكيه. لا يخرج من قلبي حتى ألقى الله .
قال أبو الحارث: رأيت إبليس في المنام على بعض سطوح أولاس وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة، وعليهم ثياب لطاف. فقال لطائفةٍ منهم: قولوا، فقالوا وغنوا، فاستفزني طيبه حتى تيممت أن أطرح نفسي من السطح، ثم قال: ارقصوا، فرقصوا أطيب ما يكون، ثم قال لي: يا أبا الحارث، ما أصيب شيئاً أدخل به عليكم إلا هذا.
стр. 7165
وقال أبو الحارث: مكثت ثلاثين سنة ما يسمع لساني إلا من سري، ثم تغيرت الحال، فمكثت ثلاثين سنة لا يسمع سري إلا من ربي.
وقال أبو الحارث: رأيت إبليس له جمة شعر، وعلى حلقه شعر مثل شعر الكلب، فأقبلت عليه أتملقه وأقول له: ويحك! من أنا في هذا الخلق؟ خلني وربي لا تعترض فيما بيني وبين ربي، فقال: هيهات هيهات، كيف أخليك، وفيك وفي أبيك هلكت! لا، أو تهلكوا معلي، فأخذت برأٍه فجعلته على حجر، وأخذت بحلقه أخنقه ثم قلت: كيف أقدر على قتله وقد أخره الله إلى يوم القيامة، ولكن أرفق به، فجعلت أتملقه وهو يأبى، فقلت له: دلني على ما ينفعني، فقال: أدلك على السكر الطبرزذ بالرانج، وتمر برني والأزاذ بالزبد، وأدلك على الجبن الرطب، والمعقود والبط، والحملان، والجواذابات، وأدلك على الدراهم والدنانير أن تكثر منها. فقلت له: يا ملعون! أنا أسألك تدلني على شيءٍ ينفعني في أمر آخرتي تدلني على الدنيا! وما أصنع أنا بهذا وما حاجتي إليه؟ فقال: من ها هنا صار رأسي وخلقي في يدك تقلبه كيف شئت وتلعب به. قلت: قد أفدتني علماً لا جرم إني لأرجو أن لا أنال منها شيئاً إلا ما لاغناء بي عنه. فقال: إن تركتك فاصعد العقبة. قلت: فأين الله ؟ قال: في السماء وهو الذي سلطني عليك، فبه قويت عليك وعلى غيرك، وأما أنت فأستعين الله عليك بولد جنسك الذي زينت في أعينهم ما قبح في هينك، فأجابوني إليه، فبهم أستعين عليك فيأتونك من مأمنك.
توفي أبو الحارث الأولاسي الفيض بطرسوس، سنة سبعٍ وتسعين ومئتين.
стр. 7166
الفيض بن محمد الثقفي
عن ابن شهاب في رجلٍ حلفه السلطان بالسلطان، فسأله عن أمرٍ يخاف فيه على نفسه القتل، فيحلف ما فعل، وقد فعل ذلك الأمر؟ قال: يجوز عليه الطلاق، قد قضى عمر بن عبد العزيز في الفيض بن محمد الثقفي في امرأته ابنة النعمان بن بشير، فرق بينهما عمر حين حلف الفيض لابن المهلب وهو يعذبه ليؤدين إليه المال إلى أجلٍ قد سماه، فلم يؤده إليه.
قال عمر: ما أنا براجعها إليك بعد أن طلقتها. ثم أتى يزيد بن عبد الملك في ذلك، فحكم فيه بحكم عمر بن عبد العزيز.
الفيض بن محمد بن الفياض الغساني
قال الفيض:
رأيت يحيى بن حمزة الحضرمي وهو جالسٌ في مجلس القضاء عند الدرج، درج المسجد، وهو يكتب محضراً، ومنادٍ على الدرج ينادي على متاع: عشرين ودانق، عشرين ودانق، فاشتغل، قلت: يحيى! فكتب: عشرين ودانق عشرين ودانق، في سطرين، ثم استفاق، فقام إليه فأخذ بأذنيه، فجعل يعركهما ويقول له: عشرين ودانق عشرين ودانق وذاك يضج ثم خلاه.
قال: فما ينبغي لأحدٍ أن يحدث إنساناً وهو يكتيب، فيدهشه عن كتابه فيغلط.
стр. 7167
أسماء النساء على حرف الفاء
فاختة بنت عنبة بن سهيل
ابن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب القرشية العامرية كانت مع جدها سهيل بن عمرو بالشام، فلما هلك أهلها بالشام رجعت إلى المدينة؛ وكان الحارث بن هشام ترك ابنه عبد الرحمن بن الحارث فحمل ذلك عمر بن الخطاب، وهما صغيران، فترحم على أبويهما وأجلسهما على فخذيه وقال: زوجوا الشريد الشريدة، عسى الله أن ينشر منهما. ففعلوا وولي تزويجهما عمر بن الخطاب، وسماهما عمر بن الخطاب الشريدين، وأقطعهما عمر بالمدينة خطة فأوسعهما لهما، فقيل له: أكثرت لهما يا أمير المؤمنين، فقال عسى الله أن ينشر منهما. ونشر الله منهما ولداً كثيراً رجالاً ونساء.
وعنبة: بعين مهملة مكسورة، ونون مفتوحة، وباء بواحدة.
فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو
ابن نوفل بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، القرشية زوج معاوية بن أبي سفيان غزت معه قبرس في خلافة عثمان بن عفان سنة خمسٍ وعشرين في البحر.
قال عبد الله بن محمد: راود معاوية ابنة قرظة فنخرت نخرة شهوةٍ، ثم وضعت يدها على وجهها، فقال: لا سوأة عليك، والله لخيركن النخارات الشخارات.
стр. 7168
قال عمر بن شبة: كان الأحنف بن قيس عند معاوية، ليس عنده غيره فغنت جاريةٌ من جواري معاوية في جانب الدار، فأقبل على الأحنف فقال: يا أبا بحر، لا ترم حتى أعود إليك، إني لأطلب خلوة هذه فما أكاد أقدر على ذلك. ثم قام في إثرها، فكأنما كانت لابنة قرظة امرأة معاوية عينٌ على معاوية، فأقبلت به ملببته فقلت لها: أكرمي أسراكم. قالت: اسكت يا قواد! وكان معاوية يحب ابنة قرظة امرأته حبا شجيجاً، فجرى بينهما وبين يزيد كلامٌ، فأغلظ لها يزيد، فوثبت عن مجلسها مغضبة كأنها رمحٌ هز أسفله فاضطرب أعلاه فأتبعها معاوية بصره، ثم التفت إلى ابنه فقال: يا بني إنه ليس لأبيك صبرٌ عما ترى، فأحسن حمل رأسك.
فاطمة بنت الحسن
أم أحمد العجلية قالت أم أحمد: كان بالثغر رجلٌ من تناء البلد من المجاهدين، فلقوا في بعض الغزوات العدو، فكانت على المسلمين هزيمة، وكان تحته فرسٌ يضن به، فحركه للمضي، فوقف، فقال: يا مبارك بسم الله، فالتفت إليه الفرس فقال: أنت تسلم علفي إلى السواس يأخذونه ولا يطعموني منه إلا القليل، فقال: لك علي عهد الله إن أعلفتك الشعير إلا في حجري. فحركه فجرى به وسلم. فكان الناس يجيئون إليه وهو يعلف الفرس في حجره، فيسمعون منه هذه الحكاية. فبلغ خبره ملك الروم فقال: بلدٌ يكون فيه مثل هذا الرجل لا يقدر عليه. فأنفذ إليه بعض من تنصر من المسلمين، فجاء إليه وأراه عبادةٌ وصلاةٌ وصياماً واجتماعاً فنفق عليه، فما تمكن منه قال: قد اشتهينا نخرج نمشي في الصحراء، فلم يصدق بذلك صاحب الفرس، فخرجا جميعاً، فلم يزل يستجره إلى أن وصلوا إلى قبةٍ على أصل قناة
стр. 7169
البلد، وإذا يعلجٍ قد خرج معه بغل، فأراد أن يكتف الرجل، فعلم أنها حيلة، فرفع طرفه إلى السماء وقال: يا رب! بك خدعني. فخرج سبعان إليهما، فأخذاهما ورجع الرجل سالماً.
فاطمة بنت الحسين بن علي
ابن أبي طالب كانت فيمن قدم بها دمشق بعد قتل أبيها، ثم خرجت إلى المدينة.
حدثت فاطمة أنها سمعت ابن عباسٍ يقول: نهانا رسول الله ﷺ أن نديم النظر إلى المجذومين وقال: لا تديموا النظر إليهم.
زاد في حديثٍ آخر: وإذا كلمتموهم فليكن بينكم وبينهم قيد رمح.
وحدثت فاطمة عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك.
قالوا: وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، إنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أشهراً.
وعن فاطمة بنت الحسين عن فاطمة الكبرى قالت: قال رسول الله ﷺ : إن لكل بني أم عصبةٌ ينتمون إلا ولد فاكمة، فأنا وليهم وأنا عصبتهم.
قال الليث: أبى الحسين بن علي أن يستأسر، فقاتلوه وقتلوه وقتلوا ابنه وأصحابه الذين قاتلوا معه في الطف وانطلق بعلي بن حسين وفاطمة بنت حسين وسكينة بنت حسين إلى
стр. 7170
عبيد الله بن زياد، وعلي يومئذ غلام قد بلغ، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية فأمر بسكينة فجعلها خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها وذوي قرابتها، وعلي بن الحسين في غل، فوضع رأسه فضرب على ثنيتي الحسين وقال: من الطويل
نفلق هاماً من أناسٍ أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقال علي بن الحسين: " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير " فثقل على يزيد أن تمثل ببيت شعر وتلا علي آية من كتاب الله، فقال يزيد: بل " بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " فقال: أما والله لو أن رسول الله ﷺ مغلولين لأحب أن يحلنا من الغل. قال: صدقت. فحلوهم من الغل. قال: ولو وقفنا بين يدي رسول الله ﷺ على بعد لأحب أن يقربنا، قال: صدقت فقربوهم. فجعلت فاطمة وسكينة تتطاولان لتريا رأس أبيهما، وجعل يزيد يتطاول في مجلسه ليستر عنهما رأس أبيهما. ثم أمر بهم فجهزوا وأصلح إليهم وأخرجوا إلى المدينة.
كان الحسن ين الحسن خطب إلى عمه الحسين بن علي، فقال له الحسين: يا بن أخي، قد انتظرت هذا منك، انطلق معي. فأدخله منزله، وأخرج إليه بنتيه فاطمة وسكينة فقال: اختر، فاختار فاطمة، فزوجه إياها، فكان يقال: إن امرأتين سكينة مرذولتهما لمنقطعة الحسن. فلما حضرت الحسن الوفاة قال لفاطمة: إنك امرأة مرغوب فيك، فكأني بع اله بن عمرو بن عثمان إذا خرج بجنازتي قد جاء على فرسٍ مرجلاً جمته لابساً حلته، يسير في جانبٍ من الناس يتعرض لك، فانكحي من شئت سواه، فإني لا أدع من الدنيا ورائي هما غيرك. قالت: آمن من ذلك. وأثلجته بالإيمان من العتق والصدقة لا تتزوجه. ومات الحسن بن الحسن، وخرج بجنازته فوافه عبد الله بن
стр. 7171
عمرو في الحال التي وصف الحسن. وكان يقال لعبد الله بن عمرو المطرف من حسنه، فنظر إلى فاطمة حاسراً تضرب وجهها، فأرسل إليها: إن لنا في وجهك حاجة فرافقي به. فاسترخت يداها - وعرف ذلك فيها - وخمرت وجهها. فلما حلت أرسل إليها يخطبها، فقالت: كيف بيمين التي حلفت بها؟ فأرسل إليها لك مكان كل مملوك مملوكان، ومكان كل شيءٍ شيئان فعوضها من يمينها فنكحته وولد محمداً الديباج، والقاسم، ورقية، ومحمد هو الذي قال جميل: إني لأراه يخطر على الصفا فأغار على بثينة من أجله.
وكان عبد الله بن الحسن وهو أكبر ولدها يقول: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمرو أحداً، وما أحببت حب ابنه محمدٍ أخي أحداً. وكان يقول: لقد زوجت عبد الله بن عمرو وما في الدنيا أبغض إلي منه. وكأن فاطمة أرسلت إلى ابنها عبد الله بن الحسن وهو في سويقة أن اقدم زوجني. فقدم على حمار، فزوجها طاعةٌ لها وبرأيها. وكان عمر بن عبد العزيز على المدينة، ففرق عمر من الوليد بن عبد الملك أن يخطبها بغير إذنه، فكتب إليه يستأذنه فيها، وخطبها عبد الله بن عمرو، فتزوجها وقدم على عمر الكتاب بالإذن فيها وقد بنى بها عبد اله بن عمرو.
قال أبو اليقظان: نظرت فاطمة بنت الحسين إلى جنازة زوجها الحسن بن الحسن ثم غطت وجهها وقال: من الطويل
وكانوا ثم أمسوا رزيةً ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
ولما مات الحسن بن الحسن اعتكفت فاطمة بنت الحسين امرأته على قبره سنةً، ضربت على قبره فسطاطاً، وكانت فيه، فلما مضت السنة قلعوا الفسطاط ودخلت المدينة، فسمعوا صوتاً من جانب البقيع: هل وجدوا ما فقدوا؟ فسمع من الجانب الآخر: بل يئسوا فانقلبوا.
ولما حلت للأزواج خطبها الرجال، فقالت: على ابن عمي ألف ألف دين، فلست
стр. 7172
أتزوج إلا على ألف ألف أقضي بها دينه. فخطبها ابن عمرو بن عثمان، فاستكثر الصداق، فشاور عمر بن عبد العزيز فقال: ابنة الحسين وابنة فاطمة، انتهزها. فتزوجها على ألف ألف وبعث إليها بالصداق كاملاً، فقضت دينها ودخل بها.
خطب الحسن بن الحسن إلى المسور بن مخرمة ابنته، وكانت فاطمة بنت الحسين تحته، فقال: يا بن رسول الله، لو خطبت إلي على شسع نعلك لزوجتك، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما فاطمة شجنةٌ مني يرضيني ما أرضاها ويسخطني ما أسخطها. فأنا أعلم أنها لو كانت حية فتزوجت على ابنتها لأسخطها ذلك، فما كنت لأسخط رسول الله ﷺ .
لما زوجت فاطمة بنت الحسين ابنتها من عبد الله بن عمرو بن عثمان هشام بن عبد الملك دخلت عليه هي وسكينة فقال هشام لفاطمة: صفي لنا يا بنة حسين ولدك من ابن عمك، وصفي لنا ولدك من ابن عمنا. قال: فبدأت بولد الحسن فقالت: أما عبد الله فسيدنا وشريفنا والمطاع فينا، وأما الحسن فلساننا ومدرهنا، وأما إبراهيم فأشبه الناس برسول الله ﷺ شمائلاً وتطلعاً ولوناً. وكان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلع، فلا يكاد عقباه تقعان بالأرض. وأما اللذان من ابن عمكم فإن محمداً جمالنا الذي نباهي به، والقاسم عارضتنا التي نمتنع بها، وأشبه الناس بأبي العاص بن أمية عارضة ونفساً. فقال: والله لقد أحسنت صفاتهم يا بنت حسين. ثم وثب، فجبذت سكينة بنت الحسين بردائه وقالت: والله يا أحول لقد أصبحت تهكم بنا، أما والله ما أبرزنا لك إلا يوم الطف. قال: أنت امرأةٌ كثيرة الشر.
وكانت فاطمة بنت الحسين أعطت ولدها من حسن بن حسن مورثها من حسن بن حسن، وأعطت ولدها من عبد الله بن عمرو مورثها من عبد الله بن عمرو، فوجد ولدها
стр. 7173
من حسن بن حسن في أنفسهم من ذلك، لأن ما ورثت من عبد الله بن عمرو أكثر. فقالت: يا بني، إني كرهت أن يرى أحدكم شيئاً من مال أبيه بيد أخيه فيجد في نفسه، فلذلك فعلت ذلك.
قال محمد بن عبد الله بن عمرو: جمعنا أمنا فاطمة بنت الحسين فقالت: يا بني، إنه والله ما نال أحدٌ من أهل السفه بسفههم، ولا أدركوا ما أدركوه من لذاتهم إلا وقد أدركه أهل المروءات بمروءاتهم، فاستتروا بجميل ستر الله.
وكانت فاطمة بنت حسين تسبح بخيوطٍ معقود فيها.
قال يحيى بن أبي يعلى: لما قدم المال - يعني غلة الكتيبة من حمير وكانت خمس رسول الله ﷺ على أبي بكر بن حزم فقسمه على بني هاشم، أصاب كل إنسانٍ خمسين ديناراً قال: فدعتني فاطمة بنت حسين فقالت: اكتب، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من فاطمة بنت حسين، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فأصلح الله أمير المؤمنين وأعانه على ما ولاه. وعصم له دينه، فإن أمير المؤمنين كتب إلى أبي بكر بن حزم أن يقسم فينا مالاً من الكتيبة ويتحرى بذلك ما كان يصنع من كان قبله من الأثمة الراشدين المهديين: فقد بلغنا ذلك وقسم فينا فوصل الله أمير المؤمنين، وجزاه من والٍ خير ما جزى أحداً من الولاة. فقد كانت أصابتنا جفوةٌ، واحتجنا إلى أن يعمل فينا بالحق، فأقسم لك بالله يا أمير المؤمنين، لقد اختدم من آل رسول الله ﷺ من كان لا خادم له. واكتسى من كان عارياً، واستنفق من كان لا يجد ما يستنفق.
وبعثت إليه رسولاً، فقدم عليه، فقرأ كتابها، وإنه ليحمد الله ويشكره. وأمر له
стр. 7174
بعشرة دنانير، وبعث إلى فاطمة بخمس مئة دينار وقال: استعيني بها على ما يعروك. وكتب إليها كتاباً يذكر فضلها وفضل أهل بيتها، ويذكر ما أوجب الله لهم من الحق، ووصل إليها ذلك المال.
روى جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين قال: لما قتل الحسين ﵇ جاء غرابٌ فوقع في دمه وتمرغ، ثم طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين بن علي - وهي الصغرى - ونعب، فرفعت رأسها إليه ونظرت إليه وبكت بكاءً شديداً وأنشأت تقول: من مجزوء الكامل
نعب الغراب فقلت من ... تنعاه ويلك يا غراب
قال الإمام فقلت من ... قال الموفق للصواب
قلت الحسين فقال لي ... حقاً لقد سكن التراب
إن الحسين بكر بلا ... بين الأسنة والضراب
فابكي الحين بعبرةٍ ... ترضي الإله مع الثواب
ثم استقل به الجنا ... ح فلم يطق رد الجواب
فبكت مما حل بي ... بعد الوصي المستجاب
قال علي بن الحسين: فنعته لإهل المدينة فقالوا: قد جاءتنا بسحر عبد المطلب. فما كان بأسرع من أن جاءهم الخبر بقتل الحسين ﵇.
قالوا: إسناد هذه الحكاية لا يثبت. وقد ذكر أنها كانت مع عيال الحسين بكربلاء. والله أعلم.
فاطمة ست العجم
بنت سهل بن بشر بن أحمد الإسفراييني المعروفة بالعالمة الصغيرة كانت تعظ النساء في بعض المساجد، وفي الأعزية.
وكان ابن مغيث زوج أختها، فطلقها وتزوج بفاطمة قبل انقضاء عدة أختها، فأتت
стр. 7175
إلى القاضي أبي المفضل بن عساكر تسأله عن قصتها فقال لها: مذهب الشافعي جواز نكاح الأخت في عدة الأخت. فقالت: أنا شافعية وأقامت على نكاحه ومضت معه إلى مصر فماتت هناك.
فاطمة بنت عبد الله بن مطيع
ابن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عوف القرشية العدوية زوج الوليد بن عبد الملك بن مروان لما أهديت فاطمة إلى الوليد، وكان الوليد مطلاقاً قالت له: يا أمير المؤمنين، أكرياؤنا يريدون الشخوص فنحبسهم أو يذهبون؟ فقال: قاتل الله بنت المنافق ما أظرفها! ثم طلقها بعد ذلك.
وإنما نسب الوليد أباها إلى النفاق لأنه شهد الحرة مع أهل المدينة ثم لحق بابن الزبير! فقاتل معه حتى قتل بمكة مع ابن الزبير وه القائل: من مشطور الرجز
أنا الذي فررت يوم الحره
والشيخ لا يفر غير مره
لأجزين كرة بفره
فاطمة بنت عبد الله
زوج أبي الحسين زيد بن عبد الله البلوطي حدثت عن أبي إسحاق إبراهيم بن حاتم التستري البلوطي قالت: سمعته يقول: طويت ستين يوماً.
стр. 7176
فاطمة بنت عبد العزيز
أبي الحسن القاضي ابن عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم القزويني أم العز روت عن أبي الحسين أحمد بن علي الجوهري الموصلي بسنده إلى أنس بن مالك قال: خرج رسول الله ﷺ ومعاذ بالباب فقال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله ﷺ : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة فقال معاذ: يا رسول الله! ألا أخبر الناس؟ قال: لا، دعهم فلينافوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا عليها.
فاطمة بنت عبد الملك بن مروان
ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية زوج عمر بن عبد العزيز وولدت له إسحاق ويعقوب ابني عمر. ثم خلف عليها سليمان الأعور بن داود بن مروان؛ فقال الناس: هذا الخلف الأعور.
قال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز: قد زوجك أمير المؤمني فاطمة بنت عبد الملك، فقال: وصلك الله يا أمير المؤمنين فقد كفيت المسألة وأجزلت العطية. فأعجب به. فقال بعض ولد عبد الملك: هذا كلام تعلمه فأداه؛ فدخل على عبد الملك فقال: يا عمر كيف نفقتك؟ قال: بين البينين، قال: وما هما؟ قال: قول الله: " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك فواما " فقال عبد الملك: من علمه هذا؟! قال عمارة بن غزية: حضرت عرس عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك، فكانوا يسرجون القناديل بالغالية مكان الزيت.
стр. 7177
وقال: لما بنى عمر بها أسرج في تلك الليلة في مسارجها الغالية. وكان على قبتها مكتوباً: من الكامل
بنت الخليفة والخليفة جدها ... أخت الخلائف والخليفة بعلها
قال خليد بن عجلان: كان عند فاطمة بنت عبد الملك جوهر، فقال لها عمر: من أين صار إليك هذا؟ قالت: أعطانيه أمير المؤمنين. قال: إما أن ترديه إلى بيت المال، وإما أن تأذني في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت. قالت: لا، بل أختارك على أضعافه لو كان لي. فوضعته في بيت المال، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قال لها: إن شئت رددته عليك أو قيمته، قالت: لا أريده، طبت به نفساً في حياته وأرجع فيه بعد موته! لا حاجة لي فيه. فقسمه يزيد بين أهله وولده.
كان عمر بن عبد العزيز عند سليمان بن عبد الملك بمنزله، وكان سليمان يقول: ما هو إلا أن يغيب عني هذا الرجل، فما أجد أحداً يفقه عني! فقال له عمر بن عبد العزيز يوماً: ألا تدفع حق هذه المرأة إليها؟ قال: وأي امرأة؟ قال: فاطمة بنت عبد الملك، فقال سليمان: أو ما علمت وصية أمير المؤمنين عبد الملك؟ قم يا فلان فأتني بكتاب أمير المؤمنين - وكان كتب أنه ليس للبنات شيء - فقال له عمر: إلى المصحف أرسلته؟! فقال ابن لسليمان عنده: ما يزال رجالٌ يعيبون كتب الخلفاء وأمرهم حتى تضرب وجوههم. فقال عمر: إذا كان هذا الأمر إليك وإلى ضربائك كان ما يدخل على العامة من ضرر ذلك أشد مما يدخل على ذلك الرجل من ضرب وجهه. فغضب عند ذلك سليمان، فسب ابنه ذلك وقال: تستقبل أبا حفصٍ بهذا! فقال عمر: إن كان عجل علينا فقد استوفينا.
وهذا الابن أيوب بن سليمان.
دخل عمر بن عبد العزيز على فاطمة ارمأته في كنيسةٍ بالشام، فطرح عليها خلق
стр. 7178
ساجٍ عليه، ثم ضرب على فخذها فقال: يا فاطمة، لنحن ليالي دابق أنعم منا اليوم. فذكرها ما كانت نسيت من عيشها: فضربت يده ضربةً فيها عنف تنحيها عنها وقالت: لعمري لأنت اليوم أقدر منك يومئذ. فأكسعته - أي عبس وتحزن من ذلك - فقام يريد آخر الكنيسة وهو يقول بصوتٍ حزين: يا فاطمة " إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يومٍ عظيم " فبكت فاطمة وقالت: اللهم أعذه من النار.
وعن المغيرة بن عبد العزيز كان قد ضجر على جاريةٍ من جواريها في مرضه الذي هلك فيه، فكان لا يراها إلا انتهرها وقال: أخرجوها. فلما كان يوم.... ونزلنا بعض الشام، قال: دخلت علينا فانتهرها ثم قال: اخرجوا عني. ثم شخص ببصره إلى كوةٍ في القيطون فقال: مرحباً وأهلاً! والله إني لأرى وجوهاً ما هي بوجه إنسٍ ولا جن، فارتبعوا عني. وقال: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ". قالت: فخرجنا فمكثنا مليا، ثم قال مسلمة لي: يا أخته! قد طال مكثنا عن أمير المؤمنين. قالت: فدخلنا عليه فإذا هو مسجى بثوبه كأنما حرفه أهله جميعاً وقد استقبل به القبلة. والله ما كان على القبلة.
قالت فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعةً من نهار. فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده فجلست في بيتٍ آخر بيني وبينه باب وهو في قبةٍ له، فسمعته يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في
стр. 7179
الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " ثم هدأ، فجعلت لا أسمع له حركة ولا كلاماً فقلت لوصيفٍ كان يخدمه: ويحك! انظر أمير المؤمنين أنائم هو؟ فلما دخل عليه صاح، فوثبت فدخلت عليه فإذا هو ميت قد استقبل القبلة وأغمض نفسه فوضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه.
فاطمة بنت علي بن الحسين
ابن جدا، أم أبيها بنت أبي الحسن العكبري قدمت دمشق في طلب ابنٍ لها كان يخدم العسكرية في سياسة الدواب: وسمع عليها سنة ست وعشرين وخمس مئة.
حدثت عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد بن المسلمة بسنده إلى أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول: ويل للعرب من شر قد اقترب! فتنٌ كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، المتمسك فيهم يومئذٍ على دينه كالقابض على خبط الشوك أو جمر الغضا.
فاطمة بنت علي بن أبي طالب
ابن عبد المطلب، الهاشمية أمها أم ولدٍ، قدم بها دمشق في عيال الحسين - بعد قتله - على يزيد.
قال موسى الجهني: دخلت على فاطمة بنت علي، فقال لها رفيقي أبو مهلٍ: كم لك؟ قالت: ست
стр. 7180
وثمانون سنة. قال: ما سمعت من أبيك شيئاً؟ قالت: حدثتني أسماء بنت عميس أن رسول الله ﷺ قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي.
وفي رواية: إلا أنه لا نبي بعدي.
قال عروة بن عبد الله بن قشير:
دخلت على فاطمة بنت علي بن أبي طالب فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكتين وهي عجوز كبيرة فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال. ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها أن علي بن أبي طالب دفع إلى نبي الله ﷺ وقد أوحى إليه فجلله بثوبه، فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس - يقول غابت - قال: فلما سري عن رسول الله ﷺ رفع رأسه فقال: صليت يا علي العصر؟ قال: لا، قال: فقال رسول الله ﷺ : اللهم ردها على علي. قالت أسماء: فوالله لنظرت إليها بيضاء على هذا الجبل حتى صلى، فرأيتها طلعت حتى صارت في وسط المسجد.
قالت فاطمة بنت علي بن أبي طالب: شكوت إلى محمد بن علي كثرة السهر والفكر فقال: اجعلي سهرك وفكرك في ذكر الموت. قالت: ففعلت فذهب علي السهر والفكر.
قال عيسى بن عثمان: كنت عند فاطمة بنت علي. فجاء رجلٌ يثني على أبيها عندها. فأخذت رماداً سفت في وجهه.
قال الطبري: في سنة سبع عشرة ومئة ماتت فاطمة ابنة علي وسكينة ابنة الحسين بن علي ﵇.
следующие страницы →