← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

فاطمة بنت عبد العزيز أبي الحسن القاضي ابن عبد الرحمن بن أحمد بن إبراهيم القزويني أم العز روت عن أبي الحسين أحمد بن علي الجوهري الموصلي بسنده إلى أنس بن مالك قال: خرج رسول الله ﷺ ومعاذ بالباب فقال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله ﷺ : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة فقال معاذ: يا رسول الله! ألا أخبر الناس؟ قال: لا، دعهم فلينافوا في الأعمال، فإني أخاف أن يتكلوا عليها. فاطمة بنت عبد الملك بن مروان ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية زوج عمر بن عبد العزيز وولدت له إسحاق ويعقوب ابني عمر. ثم خلف عليها سليمان الأعور بن داود بن مروان؛ فقال الناس: هذا الخلف الأعور. قال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز: قد زوجك أمير المؤمني فاطمة بنت عبد الملك، فقال: وصلك الله يا أمير المؤمنين فقد كفيت المسألة وأجزلت العطية. فأعجب به. فقال بعض ولد عبد الملك: هذا كلام تعلمه فأداه؛ فدخل على عبد الملك فقال: يا عمر كيف نفقتك؟ قال: بين البينين، قال: وما هما؟ قال: قول الله: " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك فواما " فقال عبد الملك: من علمه هذا؟! قال عمارة بن غزية: حضرت عرس عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك، فكانوا يسرجون القناديل بالغالية مكان الزيت.

стр. 7177

وقال: لما بنى عمر بها أسرج في تلك الليلة في مسارجها الغالية. وكان على قبتها مكتوباً: من الكامل بنت الخليفة والخليفة جدها ... أخت الخلائف والخليفة بعلها قال خليد بن عجلان: كان عند فاطمة بنت عبد الملك جوهر، فقال لها عمر: من أين صار إليك هذا؟ قالت: أعطانيه أمير المؤمنين. قال: إما أن ترديه إلى بيت المال، وإما أن تأذني في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت. قالت: لا، بل أختارك على أضعافه لو كان لي. فوضعته في بيت المال، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قال لها: إن شئت رددته عليك أو قيمته، قالت: لا أريده، طبت به نفساً في حياته وأرجع فيه بعد موته! لا حاجة لي فيه. فقسمه يزيد بين أهله وولده. كان عمر بن عبد العزيز عند سليمان بن عبد الملك بمنزله، وكان سليمان يقول: ما هو إلا أن يغيب عني هذا الرجل، فما أجد أحداً يفقه عني! فقال له عمر بن عبد العزيز يوماً: ألا تدفع حق هذه المرأة إليها؟ قال: وأي امرأة؟ قال: فاطمة بنت عبد الملك، فقال سليمان: أو ما علمت وصية أمير المؤمنين عبد الملك؟ قم يا فلان فأتني بكتاب أمير المؤمنين - وكان كتب أنه ليس للبنات شيء - فقال له عمر: إلى المصحف أرسلته؟! فقال ابن لسليمان عنده: ما يزال رجالٌ يعيبون كتب الخلفاء وأمرهم حتى تضرب وجوههم. فقال عمر: إذا كان هذا الأمر إليك وإلى ضربائك كان ما يدخل على العامة من ضرر ذلك أشد مما يدخل على ذلك الرجل من ضرب وجهه. فغضب عند ذلك سليمان، فسب ابنه ذلك وقال: تستقبل أبا حفصٍ بهذا! فقال عمر: إن كان عجل علينا فقد استوفينا. وهذا الابن أيوب بن سليمان. دخل عمر بن عبد العزيز على فاطمة ارمأته في كنيسةٍ بالشام، فطرح عليها خلق

стр. 7178

ساجٍ عليه، ثم ضرب على فخذها فقال: يا فاطمة، لنحن ليالي دابق أنعم منا اليوم. فذكرها ما كانت نسيت من عيشها: فضربت يده ضربةً فيها عنف تنحيها عنها وقالت: لعمري لأنت اليوم أقدر منك يومئذ. فأكسعته - أي عبس وتحزن من ذلك - فقام يريد آخر الكنيسة وهو يقول بصوتٍ حزين: يا فاطمة " إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يومٍ عظيم " فبكت فاطمة وقالت: اللهم أعذه من النار. وعن المغيرة بن عبد العزيز كان قد ضجر على جاريةٍ من جواريها في مرضه الذي هلك فيه، فكان لا يراها إلا انتهرها وقال: أخرجوها. فلما كان يوم.... ونزلنا بعض الشام، قال: دخلت علينا فانتهرها ثم قال: اخرجوا عني. ثم شخص ببصره إلى كوةٍ في القيطون فقال: مرحباً وأهلاً! والله إني لأرى وجوهاً ما هي بوجه إنسٍ ولا جن، فارتبعوا عني. وقال: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ". قالت: فخرجنا فمكثنا مليا، ثم قال مسلمة لي: يا أخته! قد طال مكثنا عن أمير المؤمنين. قالت: فدخلنا عليه فإذا هو مسجى بثوبه كأنما حرفه أهله جميعاً وقد استقبل به القبلة. والله ما كان على القبلة. قالت فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعةً من نهار. فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده فجلست في بيتٍ آخر بيني وبينه باب وهو في قبةٍ له، فسمعته يقول: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في

стр. 7179

الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " ثم هدأ، فجعلت لا أسمع له حركة ولا كلاماً فقلت لوصيفٍ كان يخدمه: ويحك! انظر أمير المؤمنين أنائم هو؟ فلما دخل عليه صاح، فوثبت فدخلت عليه فإذا هو ميت قد استقبل القبلة وأغمض نفسه فوضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه. فاطمة بنت علي بن الحسين ابن جدا، أم أبيها بنت أبي الحسن العكبري قدمت دمشق في طلب ابنٍ لها كان يخدم العسكرية في سياسة الدواب: وسمع عليها سنة ست وعشرين وخمس مئة. حدثت عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد بن المسلمة بسنده إلى أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول: ويل للعرب من شر قد اقترب! فتنٌ كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليل، المتمسك فيهم يومئذٍ على دينه كالقابض على خبط الشوك أو جمر الغضا. فاطمة بنت علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب، الهاشمية أمها أم ولدٍ، قدم بها دمشق في عيال الحسين - بعد قتله - على يزيد. قال موسى الجهني: دخلت على فاطمة بنت علي، فقال لها رفيقي أبو مهلٍ: كم لك؟ قالت: ست

стр. 7180

وثمانون سنة. قال: ما سمعت من أبيك شيئاً؟ قالت: حدثتني أسماء بنت عميس أن رسول الله ﷺ قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي. وفي رواية: إلا أنه لا نبي بعدي. قال عروة بن عبد الله بن قشير: دخلت على فاطمة بنت علي بن أبي طالب فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكتين وهي عجوز كبيرة فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال. ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها أن علي بن أبي طالب دفع إلى نبي الله ﷺ وقد أوحى إليه فجلله بثوبه، فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس - يقول غابت - قال: فلما سري عن رسول الله ﷺ رفع رأسه فقال: صليت يا علي العصر؟ قال: لا، قال: فقال رسول الله ﷺ : اللهم ردها على علي. قالت أسماء: فوالله لنظرت إليها بيضاء على هذا الجبل حتى صلى، فرأيتها طلعت حتى صارت في وسط المسجد. قالت فاطمة بنت علي بن أبي طالب: شكوت إلى محمد بن علي كثرة السهر والفكر فقال: اجعلي سهرك وفكرك في ذكر الموت. قالت: ففعلت فذهب علي السهر والفكر. قال عيسى بن عثمان: كنت عند فاطمة بنت علي. فجاء رجلٌ يثني على أبيها عندها. فأخذت رماداً سفت في وجهه. قال الطبري: في سنة سبع عشرة ومئة ماتت فاطمة ابنة علي وسكينة ابنة الحسين بن علي ﵇.

стр. 7181

فاطمة بنت مجلي امرأة صالحة. قالت ستيت الداراني رأيت فاطمة بنت مجلي بعد ما ماتت في النوم، وإذا عليها ثيابٌ حرير وأسورةٌ من ذهب. قالت: فقلت لها: من أين لك هذا؟ فقالت: أما تقرئين القرآن؟ قلت: بلى، قالت: أما تقرئين فيه: " يحلون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير "؟ قالت: فقلت لها: فأختك كيف حالها؟ فقالت: أختي أرفع حالاً مني، قالت: قلت: بماذا؟ قالت: بصبرها على زوجها. قال: وكانت فاطمة هذه تقاربني من النساء، وكانت قد بانت من الدنيا وزهدت فيها، فكانت تصوم النهار وتقوم الليل، وتتقلل من كل شيء وتكثر الصدقة والصة للأرحام، وغير ذلك من المعروف حتى ماتت رحمها الله. وبقيت أختها بعدها. فاطمة بنت مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية، أخت عبد الملك قال نوفل بن الفرات: كانت بنو أمية ينزلون فلانة بنت مروان على أبواب القصور، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال: لا يلي إنزالها أحد غيري. فأدخلوها على دابتها إلى باب قبته، فأنزلها. ثم طبق لها وسادتين إحداهما على الأخرى براً، ثم أنشأ بمازحها - ولم يكن من شأنها المزاح - قال: أما رأيت الحرس الذي على الباب؟ قالت: بلى، فربما رأيتهم عند من هو خيرٌ منك! فلما رأى الغضب لا يتحلل عنها أخذ في الجد وترك المزاح فقال: يا عمة، إن

стр. 7182

رسول الله ﷺ قبض فترك الناس على نهر مورود. فولى ذلك النهر بعده رجل، فلم يستنقص منه شيئاً - وفي رواية: فلم يستخص منه بشيء - ثم ولي ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فلم يستنقص منه شيئاً، ثم ولي ذلك النهر يعد ذلك الرجل رجل آخر، فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس يكرون منه السواقي حتى تركوه يابساً ليس فيه قطرة؛ وايم الله، لئن أبقاني الله لأسكرن تلك السواقي حتى أعبده إلى مجراه الأول. قالت: فلا يسبوا عندك إذاً، قال: ومن يسبهم؟! إنما يرفع إلي الرجل مظلمته فأردها عليهم. فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم أخت خالد بن الوليد كانت مع زوجها الحارث بن هشام يوم أحد، قبل أن تسلم، ثم أسلمت ولها صحبة، وخرجت مع زوجها الحارث بن هشام، واستشارها خالدٌ في بعض أمره فأشارت عليه، فقام فقبل رأسها وكانت بنت الوليد بالشام تلبس الثياب من الجباب الخز، ثم تتزر، فقيل لها: أما يغنيك هذا عن الإزار؟! قالت: فإني سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالإزار. ولما كان يوم الفتح أسلمت فاطمة بنت الويد وأتت رسول الله ﷺ فبايعته. قال محمد بن عمر: في سنة عشرين تزوج عمر بن الخطاب بنت الوليد بن المغيرة أم عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

стр. 7183

فسيلة بنت واثلة بن الأسقع حدث فسيلة أنها سمعت أباها يقول: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا، ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم. وفي رواية: قال: يا رسول الله، الرجل يجب قومه، أعصبي هو؟ قال: لا. قلت: فمن العبي يا رسول الله؟ قال: الذي يعين قومه على الظلم. والله أعلم. تم الجزء العشرون من ختصر تاريخ دمشق ويتلوه إن شاء الله حرف القاف قابيل بن آدم علقه عبد الله محمد بن المكرم أبي الحسن الأنصاري الكاتب، عفا الله عنه وفرغ منه في ليلة الأحد الثاني والعشرين من المحرم المبارك سنة أربعٍ وتسعين وست مئة والحمد لله رب العالمين كما هو أهله وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل /

стр. 7184

أسماء الرجال على حرف القاف قابيل ويقال قابين ويقال له قاين وهو قابيل بن آدم أبي البشر الذي قتل أخاه. قيل أنه كان يسكن قينية خارج باب الجابية، وإنه قتل أخاه في جبل قاسيون عند مغارة الدم. قال أبو بكر الخطيب: قاين - بياء منقوطة باثنتين من تحتها - هو قاين بن آدم أبي البشر المعروف بقابيل، قاتل أخيه هابيل. وقد ذكر الله قصتهما في كتابه، فقال: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق " الآيات كلها إلى آخر القصة. عن محمد بن إسحاق قال: كان اكبر ولد آدم قابيل وتؤمه. عن عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيدة الله بن أبي المهاجر قال: كان قابيل في قينية وكان صاحب زرع. عن أنس ين مالك عن رسول الله ﷺ قال: " أوحى الله إلى آدم: أي آدم، حج هذا البيت قبل أن يحدث بك حدث الموت، قال: وما يحدث علي يا رب؟ قال ما لا يدرى، وهو الموت، قال: وما الموت، قال:

стр. 7185

سوف تذوق، قال من أستخلف في أهلي؟ قال: أعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال. فعرض على السماوات، فأبت، وعرض على الأرض، فأبت، وعرض على الجبال، فأبت وقبله ابنه، قاتل أخيه. فخرج آدم من أرض الهند حاجاً، فما نزل منزلاً أكل فيه وشرب إلا صار عمراناً بعده. وجرى حتى قدم مكة، فاستقبلته الملائكة بالبطحاء، فقالوا: السلام عليك يا آدم، بر حجك، أما إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام - قال أنس: قال رسول الله ﷺ : " والبيت يومئذ ياقوتة جوفاء لها بابان، من يطوف يرى من في جوف البيت، ومن في جوف البيت يرى من يطوف " - فقضى آدم نسكه، فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم، قضيت نسكك؟ قال نعم يا رب، قال: فسل حاجتك تعط. قال: حاجتي أن تغفر لي ذنبي وذنب ولدي. قال: أما ذنبك، يا آدم، فقد غفرناه حين وقعت بذنبك، وأما ذنب ولدك فقد عرفني، وآمن بي، وصدق رسلي وكتابي غفرنا له ذنبه ". عن سعيد بن المسيب: أن الله أمر آدم أن يفرق في النكاح من كل بطن هذا لتلك، وتلك لها حتى كان أمر هابيل وقابيل. عن ابن عباس وكعب وعبد الله ابن سلام قالوا: ولدت حواء مع قابين جاريةً يقال لها لوذا أجمل بنات آدم، وولدت مع هابيل جارية يقال لها إقليميا، فخطبا إلى أبيهما، فقال: أنكحك يا هابيل لوذا، وقال لقابين: - ويقال قابيل، والله أعلم - زوجتك إقليميا، فقال قابين: ما أرضى بهذا، أختي أجمل، فقال آدم، إن الله أمرني أن أفرق بينكما في النكاح، فإن كنت لا ترضى فقربا قرباناً، فقربانكما سيقضي بينكما، قال: وكيف يقضي بيننا؟ قال: من يقبل قربانه فهي له. قال آدم لجبريل: يا جبريل، أليس تاب الله علي؟ قال: بلى، قال، فما لي لا أسمع خفق أجنحة الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة؟ قال: فانطلق جبريل إلى الله، وذلك بغيته، فقالت الملائكة: يا رب، ما فعل عبدك الذي خلقته بيدك، وأمرتنا بالسجود

стр. 7186

له، وأسكنته الجنة؟ قال: إنه عصاني، فأخرجته من الجنة. فاشتاقت الملائكة إلى آدم، فقال جبريل: يا رب، إن آدم اشتاق الملائكة، فقال الله: يا جبريل، إن الملائكة قد اشتاقت إلى آدم كما اشتاق آدم إليهم، فقال رسول الله ﷺ : " كذلك الأرواح تتعارف ". قال الله: يا جبريل، انطلق بالبيت المعمور، فاهبط به إلى الأرض، وضعه في حرمي، وقل لآدم يحجه، ويوافي ملائكتي هناك. فجاء جبريل وهما يختصمان: قابين وهابيل، فأخبر آدم، فقال لهما آدم: قربا القربان. قال: وكان قابين صاحب زراعة، وهابيل صاحب غنم، فقرب هابيل كبشاً، وكان قائد عنمه يقال له: رذين، وهو الكبش الذي فدى الله به إسحاق. وقرب قابين من زوان؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ حرثه. وفي رواية: جاء أحدهما بخير ماله، وجاء الآخر بشر ماله، فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما وهو هابيل، وتركت قربان الآخر، فحسده، فقال: " لأقتلنك ". وأما قوله: " إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك " فقيول:: " تبوأ بأثم قتلي وإثمك ". وأما قوله تعالى: " فبعث الله غراباً يبحث في الأرض "؛ فإنه قتل غراب غراباً، فجعل يحثو عليه، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه حين رآه: " يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين ". وقيل: إن هابيل قرب مع الكبش زبداً ولبناً، فكانت النار تجيء من السماء ناراً بيضاء، فإذا أراد الله أن يقبل قرباناً عبد جاءت النار حتى أحاطت بالقربان وصاحبه، فتشم صاحب القربان، ثم تعدل إلى القربان، فتأكله، وإذا لم يتقبل الله قربان العبد جاءت النار حتى أحاطت بالقربان، فشمته، ثم عدلت عنه، فلم تأكله. قال قابين: قبل قربانك، ولم يتقبل قرباني، لأقتلنك أو تعتزل أختي وتدعها، قال: لا أفعل، " إنما يتقبل الله من المتقين "؛ يعني الذين يتقون سفك الدماء الحرام. قال: فجاءا إلى أبيهما،

стр. 7187

فأخبراه، فقال لهما: إن الله قد فصل بينكما، فلا تشغلاني، ودعاني حتى أنطلق، فأقضي نسكي؛ فإن ربي أمرني أن أوافي الملائكة هناك، وقد زوجتكما. فمضى آدم. فقال قابين: لا أمشي في الناس، وتقول أخوتي: إن هابيل خير منك، فأراد قتله. فخاطبه أخوه يوماً إلى أن ذهب أكثر ذلك اليوم فقال: اتق الله يا أخي لا تقتلني، فقد علمت ما نزل بآدم حين عصى ربه، إنك أن قتلتني ألقى الله عليك الوحشة والمذلة، وصرت طريداً لا ترى شيئاً إلا راعك، ولا تسمع صوناً إلا خفت. فأبى إلا قتله، فقال له أخوه: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك؛ إني أخاف الله رب العالمين. إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك " يعني تستوجب بإثمي، وإثمك الذي عملت، " فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ". يقول الله جل وعز: " فطوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله فأصبح من الخاسرين "، فلما انصرف آدم سأل عن ولده، ثم سأل عن هابيل وقابيل، فقالوا: قتل هابيل قابيل، قال لعنة الله. فأوحى الله إليه: إني قد لعنته. عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاث هن أصل كل خطيئة، فاتقوهن، واحذروهن، وثلاث إذا ذكرن فامسكوا: إياكم والكبر؛ فإن إبليس إنما منعه الكبر أن يسجد لآدم ﵇، وإياكم والحرص؛ فإن آدم إنما حمله الحرص على أن أكل من الشجرة، وإياكم والحسد، فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً، فهن أصل كل خطيئة، فاتقوهن واحذروهن. والثلاث: إذا ذكر القدر فامسكوا، وإذا ذكر النجوم فامسكوا، وإذا ذكر أصحابي فامسكوا ". عن ابن عباس قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟، فذبحه. قال: وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه، كان مخزوناً حتى فدى به إسحاق، وكان ابن آدم الآخر قرب حرثاً فلم يتقبل منه.

стр. 7188

عن محمد بن علي بن حسين أنه سئل عن ابن آدم القاتل؟ فقال: جعل مع عين الشمس. عن بهز بن حكيم أنه قال: إن قابين عاش حتى ولد له الأولاد، ثم أهلكه الله بعد ذلك، وإن آدم نفى ولده عن ولده، وأمر ولده بمفارقتهم، وترك خلطتهم، فالله أعلم. عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل ". عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " أشقى الناس رجلان: عاقر الناقة ناقة ثمود، وابن آدم الذي قتل أخاه؛ ما يسفك على الأرض دم إلا لحقه منه شيء، لأنه أول من سن القتل ". عن عبد الله بن عمرو أن ابن آدم الذي قتل أخاه يقاسم أهل النار نصف عذاب جهنم قسمةً صحاحاً. عن ابن عباس: أن فيهما نزلت: " من أجل ذلك " يعني من أجل قابيل وهابيل، " كتبنا على بني إسرائيل " في التوراة " أنه من قتل نفساً " محرمة " بغير نفس " لم تستوجب قتلاً من قود، ولا ارتداد، ولا زنى بعد إحصان " فكأنما قتل الناس جميعاً "، أي لا عقاب له إلا النار، بمنزلة من قتل الناس جميعاً " ومن أحياها "، فعفا عن القاتل، أو فداه " فكأنما أحيا الناس جميعاً "، ليس له ثواب إلا الجنة.

стр. 7189

عن علي في قوله: " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس "، قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " من هجر أخاه سنةً لقي الله بخطيئة قابيل بن آدم، لا يفكه شيئ دون ولوج النار ". عن أبي أيوب اليماني أن رجلاً من قومه يقال له عبد الله ركب في البحر في نفر من قومه، فأظلم عليهم البحر ثلاثاً، ثم انجلت تلك الظلمة وهم فيها، فإذا قرية على البحر، فخرج يستقي الماء، فإذا القرية، وإذا أبواب مغلقة، فجعل يهتف، فلم يجبه أحد حتى طلع عليه فارسان، تحت كل فارس منهما قطيفة بيضاء، فقالا له: يا عبد الله مالك، وما أنت، وما أمرك؟ فأخبرهما خبره، وما أصابهم في الظلمة في البحر، وإني خرجت أطلب الماء، فناديت في هذه القرية، فلم يجبني احد ورأيت أبواباً مغلقة. قالا لي: يا عبد الله انطلق في هذه، فإنها تنتهي إلى بركة، فاستق منها، ولا يهولنك منها ما ترى. فمضيت في السكة حتى انتهيت إلى بركة فيها ماء، فإذا رجل معلق بين السماء والأرض، ولا أرى ما عليه، وهو يتناول الماء فلا يناله. فلما رآني هتف بي، وقال يا عبد الله اسقني. قال فغرفت بالقدح ماءً، فذهبت أناوله، قال: فقبضت يدي، قال: قلت: يا عبد الله، غرفت بالقدح لأسقيك، فقبضت يدي، فاخبرني من أنت؟ قال: أنا قابيل بن آدم، وأنا أول من سفك دماً في الأرض. قال: وقد كنت سألت الفارسين عن البيوت التي تتجلجل فيها الريح، وهي مغلقة الأبواب، قالا: فيها أرواح المؤمنين.

стр. 7190

قال عبد الله بن مسلم الدينوري: في حديث كعب أن عمر قال: لأي ابني آدم كان النسل؟ قال: ليس لواحد منهما نسل؛ أما المقتول فدرج، وأما القاتل فهلك نسله في الطوفان. قال: والناس من بني نوح، ونوح من بني شيث بن آدم. القاسم بن إسماعيل بن عرباض أبو محمد روي عن أبي بكر محمد بن تمام الحمصي بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يكون قوم تسبق شهادتهم أيمانهم، وأيمانهم شهادتهم ". وروي عن أبي صالح القاسم بن الليث بن مسرور الرسعني بسنده إلى أبي هريرة: أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فأرملوا، فجاءه أناس يسألونه في نحر إبلهم، فأذن لهم، فجاءه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، إبلهم تحملهم، وتبلغهم عدوهم، وترجعهم! بل ادع يا رسول الله بعيرات الزاد، فادع فيها بالبركة، قال: أجل. فدعا بعيرات الزاء فجاء الناس بما بقي معهم فخلطه بيده فدعا فيه بالبركة. ثم دعاهم بأوعيتهم، فملؤوا كل وعاء، ففضل فضل كثير، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأني عبده ورسوله، من لقي الله بهما غير شاك دخل الجنة ".

стр. 7191

القاسم بن الحسن بن محمد بن يزيد أبو محمد الهمذاني الصائغ قدم دمشق سنة اثنتين وأربعين ومائتين. حدث عن روح بن عبادة بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال - أو قال: من الناس - ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا ". قال الخطيب: مات القاسم بن الحسن بن يزيد الصائغ سنة اثنتين وسبعين ومائتين في الجانب الشرقي في شارع باب خراسان - وقال ابن قانع: مات بمصر - وكان ثقةً. القاسم بن سعيد بن شريح ابن عذرة - يعرف بالتجوبي - التجيبي مولاهم المصري. كان أحد الخطباء والبلغاء من أهل مصر، وله فيهم ذكر. ووفد على مروان بن محمد فأعجبه، فجعله يجيب الخطباء في الآفاق. ولولده بقيةً. قال ابن ماكولا: أما التجوبي - أوله تاء معجمة باثنين من فوقها وبعدها جيم وبعد الواو باء معجمة بواحدة ثم ياء - فهو: معاوية بن سعيد بن شريح بن عذرة مولى بني فهم من تجيب، مصري. كان هو وأخوه القاسم يكتبان في ديوان الجند بمصر.

стр. 7192

القاسم بن سلام أبو عبيد البغدادي الفقيه القاضي الأديب المشهور. صاحب التصانيف المشهورة، والعلوم المذكورة. قدم دمشق طالب علم. روي عن سفيان بن عيينة بسنده إلى عمار بن ياسر: أنه توضأ، فخلل لحيته، فقيل له: أتفعل هذا؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وروي عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي ريحانة، عن سفينة صاحب رسول الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويطهره المد. وفي رواية: يتطهر بالمد. قال محمد بن سعد: القاسم بن سلام، يكنى أبو عبيد، وهو من أبناء أهل خراسان. كان مؤدياً صاحب نحو وعربية، وطلب الحديث والفقه. ولي قضاء طرطوس أيام ثابت بن نصر بن مالك ولم يزل معه ومع ولده. وقدم بغداد ففسر بها " غريب الحديث " وصنف كتباً، وسمع الناس منه. وحج، فتوفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين. عن أبي بكر الخطيب قال: أبو عبيد القاسم بن سلام التركي، مولى الأزد، وصاحب الكتب المصنفة منها: " غريب الحديث " و" غريب المصنف " و" كتاب الأموال "، و" كتاب القراءات "، و" كتاب الأمثال "، و" الناسخ والمنسوخ "، وغير ذلك. وكان أحد الأئمة في الدين، وعلماً من أعلام المسلمين. ولد أبو عبيد بهراة. وكان أبوه سلام عبداً لبعض أهل هراة، وكان يتولى الأزد.

стр. 7193

قال عبد الله بن طاهر: كان للناس أربعة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والقاسم بن معن في زمانه، وأبو عبيد القاسم بن سلام في زمانه. رثى عبد الله بن طاهر أبا عبيد، فقال: " من البسيط " يا طالب العلم قد أودى بن سلام ... قد كان فارس علم غير محجام أودى الذي كان فينا ربع أربعة ... لم يلف مثلهم إسناد أحكام خير البرية عبد الله عالمها ... وعامر ولنعم التلو يا عام هما أنافا بعلم في زمانهما ... والقاسمان ابن معن وابن سلام قال هلال بن العلاء الرقي: من الله على هذه الأمة بأربعة لولاهم لهلك الناس: من الله عليهم بالشافعي حين بين المجمل من المفسر، والخاص من العام، والنسخ من المنسوخ، ولولاه لهلك الناس، ومن الله عليهم بأحمد بن حنبل حتى صبر في المحنة والضرب، فنظر غيره إليه فصبر، ولم يقولوا بخلق القرآن، ولولاه لهلك الناس، ومن الله عليهم بيحيى بن معين حتى بين الضعفاء من الثقات، ولولاه لهلك الناس، ومن الله عليهم بأبي عبيد حتى فسر غريب حديث رسول الله ﷺ ، ولولاه لهلك الناس. قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أبو عبيد أوسعنا علماً وأكثرنا أدباً، وأجمعنا جمعاً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.

стр. 7194

قال إسحاق بن راهوية: الحق يجب لله أبو عبيد القاسم بن سلام أفقه مني، وأعلم مني. قال حمدان بن سهل: سألت يحيى بن معين عن الكتبة عن أبي عبيد والسماع منه، فقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس. لقد كنت عند الأصمعي يوماً إذ أقبل أبو عبيد، فشق إليه بصره حتى اقترب منه، ثم قال: أترون هذا المقبل؟ قالوا: نعم، قال: لن تضيع الدنيا - أو لن يضيع الناس - ما حيي هذا المقبل. قال أحمد بن حنبل: أبو عبيد القاسم بن سلام ممن يزداد عندنا كل يوم خيراً. قال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثةً لن ترى مثلهم أبداً، تعجز النساء أن يلدن مثلهم: رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام، ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث، فما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلاً، ورأيت أحمد بن محمد بن حنبل، فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف يقول ما يشاء، ويمسك ما يشاء. روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن حجاج بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته.

стр. 7195

وروي عن يحيى بن سعيد بسنده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: رأت عائشة عبد الرحمن يتوضأ، فقالت: يا عبد الرحمن، أسبع الوضوء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ويل للأعقاب من النار ". قال أبو العباس ثعلب: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً. قال الخطيب: بلغنا أنه: كان إذا ألف كتاباً أهداه إلى عبد الله بن طاهر، فيحمل إليه مالاً خطيراً استحساناً لذلك، وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد، والرواة عنه مشهورون ثقات، ذوو ذكر ونبل. وقد سبق إلى جميع مصنفاته؛ فمن ذلك " الغريب المصنف " وهو من أجل كتبه في اللغة، فإنه احتذى فيه كتاب النضر بن شميل المازني الذي يسميه " كتاب الصفات " وبدأ فيه بخلق الإنسان، ثم بخلق الفرس، ثم بالإبل، فذكر صنفاً بعد صنف حتى أتى على جميع ذلك. وهو أكبر من كتاب أبي عبيد وأجود. ومنها كتابه " الأمثال "، وقد سبقه إلى ذلك جميع البصريين والكوفيين: الأصمعي، وأبو زيد، وأبو عبيدة، والنضر بن شميل، والمفضل الضبي، وابن الأعرابي؛ إلا أنه جمع روايتهم في كتابه، فبوبه أبواباً، وأحسن تأليفه. وكتاب " غريب الحديث "، أول من عمله أبو عبيدة معمر بن المثنى، وقطرب، والأخفش، والنضر بن شميل، ولم يأتوا بالأسانيد. وعمل أبو عدنان النحوي البصري كتاباً في غريب الحديث، وذكر فيه الأسانيد، وصنفه على أبواب السنن والفقه إلا أنه ليس بالكبير؛ فجمع أبو عبيدة عامة ما في كتبهم، وفسره، وذكر الأسانيد.

стр. 7196

وصنف المسند على حدته وأحاديث كل رجل من الصحابة والتابعين على حدته، وأجاد تصنيفه، فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجون إليه فيه. وكذلك كتابه في " معاني القرآن "، وذلك أن أول من صنف في ذلك من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثنى، ثم قطرب بن المستنير، ثم الأخفش. وصنف من الكوفيين: الكسائي، ثم الفراء؛ فجمع أبو عبيد من كتبهم، وجاء فيه بالآثار وأسانيدها، وتفاسير الصحابة والتابعين والفقهاء. وروى النصف منه ومات قبل أن يسمع باقيه، وأكثره غير مروي عنه. وأما كتبه في الفقه، فإنه عمد إلى مذهب مالك والشافعي، فتقلد أكثر ذلك، وأتى بشواهده، وجمعه من حديثه ورواياته، واحتج فيها باللغة والنحو، فحسنها بذلك. وله في القرآن كتاب جيد، ليس لأحد من الكوفيين قبله مثله. وكتابه " في الأموال " من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده. قال أبو الحسن محمد بن جعفر بن هارون التميمي النحوي: كان طاهر بن الحسين حين مضى إلى خراسان نزل بمرو، وطلب رجلاً يحدثه ليلةً، فقيل ما هاهنا إلا رجل مؤدب؛ فأدخل عليه أبو عبيد القاسم بن سلام، فوجده أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه، فقال له: من المظالم تركك أنت بهذا البلد؛ فدفع إليه ألف دينار، وقال له: أنا متوجه إلى خراسان إلى حول، وليس أحب اصطحابك شفقاً عليك، فأنفق هذه إلى أن أعود إليك، فألف أبو عبيد " غريب المصنف "، إلى أن عاد طاهر بن الحسين من خراسان، فحمله معه إلى سر من رأى. وكان أبو عبيد ديناً ورعاً جواداً. قال الفسطاطي: كان أبو عبيد مع ابن طاهر، فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد مدة شهرين،

стр. 7197

فأنفذ أبا عبيد إليه، فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة غيره، فلا آخذ ما فيه علي نقص، فلما عاد إلى طاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف، فقال له: أيها الأمير، قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً، وأوجه بها إلى الثغر، ليكون الثواب متوافراً على الأمير. ففعل. قال أبو عبيد: كنت في تصنيف هذا الكتاب - يعني غريب الحديث - أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة. وأحدكم يجيئني، فيقيم عندي أربعة أشهر، " أو " خمسة أشهر، فيقول: قد أقمت الكثير. وأول من سمع هذا الكتاب من أبي عبيد يحيى بن معين. واستحسنه أحمد بن حنبل، وقال: جزاه الله خيراً، وكتبه. وكان طاهر بن عبد الله ببغداد، فطمع في أن يسمع من أبي عبيد، وطمع أن يأتيه في منزله، فلم يفعل أبو عبيد حتى كان هذا يأتيه. فقدم علي بن المديني، وعباس العنبري، فأراد أن يسمعا " غريب الحديث "، فكان يحمل كل يوم كتابه، ويأتيهما في منزلهما، فيحدثهما فيه. قال أبو عبيد القاسم ابن سلام: لأهل العربية لغةً، ولأهل الحديث لغةً، ولغة أهل العربية أقيس، ولا نجد بداً من اتباع لغة أهل الحديث من أجل السماع.

стр. 7198

قال أبو عمرو بن الطوسي: قال لي أبي: غدوت إلى أبي عبيد ذات يوم، فاستقبلني يعقوب بن السكيت، فقال: إلى أين؟ فقلت: إلى أبي عبيد، فقال: أنت أعلم منه. قال: فمضيت إلى أبي عبيد، فحدثته بالقصة، فقال لي: الرجل غضبان، فقال: قلت: من أي شيء؟ قال: جاءني منذ أيام. فقال لي: اقرأ علي " غريب المنصف "، فقلت: لا، ولكن تجيء مع العامة، فغضب. قال أبو بكر بن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل ثلاثاً؛ فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويضع الكتب ثلثه. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: دخلت البصرة لأسمع من حماد بن زيد، فقدمت، فإذا هو قد مات، فشكوت ذلك إلى عبد الرحمن بن مهدي، فقال: مهما سبقت به فلا تسبقن بتقوى الله ، وقال: ما دققت على محدث بابه قط لقول الله : " ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم ". وقال: إن من شكر العلم أن تقعد مع كل قوم، فيذكرون شيئاً لا تحسنه، فتتعلم منهم، ثم تقعد بعد ذلك في موضع آخر، فيذكرون ذلك الشيء الذي تعلمته، فتقول: والله ما كان عندي شيء حتى سمعت فلاناً يقول كذا وكذا، فتعلمته. فإذا فعلت ذلك فقد شكرت العلم. قال موسى بن نجيح السلمي: جاء رجل إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فسأله عن الربابة، فقال: هو الذي

стр. 7199

يتدلى دوين السحاب. وأنشده بيتاً لعبد الرحمن بن حسان: " من المتقارب " كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل فقال: لم أرد هذا، قال: فالرباب اسم امرأة؛ وأنشده: " من الكامل " إن الذي قسم الملاحة بيننا ... وكسا وجوه الغانيات جمالا وهب الملاحة للرباب وزادها ... في الوجه من بعد الملاحة خالا فقال: لم أرد هذا، فقال: عساك أردت قول الشاعر: " من الهزج " رباب ربة البيت ... تصب الخل في الزيت لها سبع دجاجات ... وديك حسن الصوت فقال: هذا أردت. فقال له: من أين أنت؟ فقال: من البصرة، فقال على أي شيء جئت، على الظهر أم على الماء، قال؟ في الماء، قال: كم أعطيت؟ قال: أربعة دراهم، قال: فاسترجع منه ما أعطيته، وقل له: لم تحمل شيئاً! قال أبو عبيد: مثل الألفاظ الشريفة والمعاني الطريفة مثل القلائد اللائحة في الترائب الواضحة، وقال: إني لأتبين في عقل الرجل أن يدع الشمس، ويمشي في الظل. مات أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومائتين بمكة - وقيل قبل ذلك - وقد بلغ سبعاً وستين سنةً.

стр. 7200

القاسم بن شمر أبو سفيان خرج من دمشق سائحاً، وسكن الجبال مدة فراراً بدينه. روى أبو سفيان بن شمر سنة سبع وتسعين ومائة أنه بلغه عن النبي ﷺ أنه قال: " من فر بدينه شبراً فقد وجبت له الجنة، ومن قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة كان معي، ومع عيسى في الجنة هكذا - وبسط رسول الله ﷺ كفه - فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الفرارون بدينهم؟ اتبعوا عيسى بن مريم، فإنه كان يفر بدينه من قرية إلى قرية، ومن مدينة إلى مدينة ". القاسم بن صفوان بن إسحاق ويقال: ابن صفوان بن عوانة - أبو بكر - ويقال: أبو سعيد - البرذعي حدث عن أبي حاتم الرازي بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب ". القاسم بن عبد الله بن إبراهيم ابن سلمة بن الهذيل بن عبد الرحمن بن موسى بن عمران بن عبد الرحمن أبو العباس الكلاعي روى عن يونس بن عبد الأعلى بسنده إلى بريدة قال: دخلت مع رسول الله ﷺ المسجد، فسمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت

стр. 7201

الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال رسول الله ﷺ : " لقد سأل الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى ". وروى عن يونس بن عبد الأعلى بسنده إلى سهل بن سعد الساعدي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " والذي نفسي بيده لروحةً في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ". توفي أبو العباس الكلاعي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي الكوفي القاضي قدم دمشق مجتازاً، إلى بيت المقدس. روى عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " إنه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنة، ويحدثون بدعةً، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها ". قال ابن مسعود: يا رسول الله، كيف بي إن أدركتهم؟ قال: " ليس - يا بن أم عبد - طاعةً لمن عصى الله "، قالها ثلاث مرات. عن القاسم قال: قال عبد الله: أربع قد فرغ منهن: الخلق، والخلق، والرزق، والأجل. عن محارب بن دثار قال: صحبنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود إلى بيت المقدس، ففضلنا بثلاث: بكثرة الصلاة، وطول الصمت، وسخاء النفس.

стр. 7202

قال ابن سعد: القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، ولي قضاء الكوفة في ولاية خالد بن عبد الله القسري. وكان ثقةً كثير الحديث. وقال العجلي: كان لا يأخذ على القضاء أجراً. ثقة كثير الحديث. قال سفيان: قلت لمعسر: من أشد توقياً في الحديث؟ فقال: ما رأيت أحداً أشد توقياً في الحديث من القاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار. وقال: ما رأيت أثبت من عمرو بن دينار والقاسم بن عبد الرحمن. عن الأعمش قال: كنت أجلس إلى القاسم بن عبد الرحمن وهو على القضاء. عن المسعودي، عن القاسم. أنه كان يكره الأخذ على أربع: على قراءة القرآن، والآذان، والقضاء، والمقاسم. قال الأعمش: قال لي القاسم بن عبد الرحمن: لو جئت فجلست إلي، قال: فجاء، فجلس إليه، فأخذ عليه الأعمش في قضائه. عن مزاحم بن زفر أنه أخبره قال: قدمت على عمر بن عبد العزيز، فسألني: من على قضائكم؟ قلت: القاسم بن عبد الرحمن. قال: كيف علمه؟ قلت عالم فيما فهم، قال: فمن أعلم أهل الكوفة؟ قلت أتقاهم.

стр. 7203

قال خليفة: في آخر ولاية خالد - يعني خالد بن عبد الله القسري - مات القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. وذكر خليفة أن عزل خالد كان في سنة عشرين ومائة. القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية وهو القاسم بن أبي القاسم. من فقهاء أهل دمشق قال القاسم أبو عبد الرحمن - يرفع الحديث إلى عقبة بن عامر - عن رسول الله ﷺ قال: " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام ". وحدث عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: " تدنو الشمس يوم القيامة على قيد ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي منه الهوام كما تغلي القدر على الأثافي، يعرقون منها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق ". وعن أبي أمامة. عن النبي ﷺ قال: " إن من المؤمنين من يدخل بشفاعته الجنة مثل ربيعة ومضر ".

стр. 7204

قال ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام: القاسم بن عبد الرحمن، ويكنى أبا عبد الرحمن، مولى جويرية بنت أبي سفيان بن حرب - وقيل: مولى معاوية - مات سنة اثنتي عشرة ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك، وله حديث كثير. في بعض حديث الشاميين أنه أدرك أربعين بدرياً. قال عبد الرحمن بن يزيد: ما رأيت خيراً منه؛ وذكر عنه أشياء في غزوة مسلمة. وثقة يحيى والعجلي. وقال إبراهيم بن يعقوب السعدي: كان القاسم جيداً فاضلاً، أدرك أربعين رجلاً من المهاجرين والأنصار. عن القاسم أبي عبد الرحمن قال: قدم علينا سلمان الفارسي بدمشق. أنكره أحمد بن حنبل، وقال: كيف يكون له هذا اللقاء، وهو مولى لخالد بن يزيد بن معاوية. فذكر لأحمد حديث القاسم أبي عبد الرحمن قال: رأيت الناس مجتمعين على شيخ، فقلت: من هذا؟ قالوا: سهل بن الحنظلية. فسكت أحمد، ولم يرده كما رد لقاء القاسم سلمان. عن إبراهيم أبي الحصين قال: كان القاسم من فقهاء دمشق. وذكر لأحمد بن حنبل حديث عن القاسم الشامي، عن أبي أمامة: " إن الدباغ طهور " فأنكره، وحمل على القاسم. قال يعقوب بن شيبة: القاسم أبو عبد الرحمن كان من أصحاب أبي لأمامة، وقد أختلف الناس فيه؛ فمنهم من يضعف روايته، ومنهم من يوثقه.

стр. 7205

قال إبراهيم بن موسى الفراء الرازي: رأيت النبي ﷺ في المنام، قال: فعرضت عليه أحاديث من أحاديث القاسم عن أبي أمامة، فأنكرها، وجعل يقول: " القاسم عن أبي أمامة، القاسم عن أبي أمامة ". قال أبو عبيد القاسم بن سلام: سنة اثنتي عشرة ومائة - فيها توفي القاسم أبو عبد الرحمن. ويقال: مات القاسم سنة ثمان عشرة. القاسم بن عبد الرحمن بن عضاه الأشعري دمشقي. بعثه سليمان بن عبد الملك إلى قتيبة بن مسلم أمير خراسان في وفد، وغزا مع قتيبة فرغانة. القاسم بن عبد الغني بن جمعة أبو حذيفة الهاشمي روى عن عتبة بن حماد أبي خليد بسنده إلى أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " قد فرغ الله إلى كل عبد من خلقه من خمس خصال قبل أن يخلقه: أثره، وعمله، وأجله، ورزقه، ومضجعه ". قال أبو خليد: وجدت مصداق هذا الحديث في كتاب الله المنزل، في الأثر: " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين "، وفي العمل: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً "، وفي الأجل: " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون "، وفي الرزق: "

стр. 7206

نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات "، وفي المضجع: " لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ". القاسم بن عبيد الله بن الحبحاب السلولي مولاهم كان مع أبيه بدمشق، وخرج إلى مصر، وولي إمرتها خلافةً عن أبيه في خلافة هشام، ثم أقره هشام عليها حين خرج أبوه إلى إفريقية أميراً عليها. القاسم بن عثمان أبو عبد الملك العبدي الجوعي الزاهد روى عن عبد الله بن نافع المدني بسنده عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ". قال أبو عبد الرحمن السلمي: قاسم بن عثمان الجوعي من جلة المشايخ. قال أبو بكر بن أبي داود: كان يقدم في الفضل على ابن أبي الحواري. وقال أبو جعفر الحداد: دخلت دمشق، فوقفت على قاسم الجوعي وهو يتكلم، وهو شيخ الدمشقيين، فسمعته يتكلم في الإيثار، فدخل عليه رجل من خارج الحلقة حتى جاء إلى القاسم وفي

стр. 7207

رأسه عمامة، فأخذها، وجعل يلفها على رأسه، وقاسم يدير له رأسه حتى أخذها، ولم يكلمه القاسم، ولا أحد من أصحابه، ولم يقطع كلامه. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: دخلت دمشق على كتبة الحديث، فمررت بحلقة قاسم الجوعي، فرأيت نفراً جلوساًحوله، وهو يتكلم عليهم، فهالني منظرهم، فتقدمت إليهم، فسمعته يقول: اغتنموا من أهل زمانكم خمساً، منها: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئاً لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئاً لم تعطوا به. وأوصيكم بخمس أيضاً: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مدحتم لم تفرحوا، وإن ذممتم لم تجزعو، وإن كذبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا. قال: فجعلت هذا فائدتي من دمشق. قدم يحيى بن أكثم مع المأمون إلى دمشق سنة ست عشرة ومائتين، فبعث إلى أحمد بن أبي الحواري، فسمع منه، وجالسه، واستعذبه، وخلع عليه ثياباً سرية، وقلنسوةً وشيئاً من قلانسه طويلة، ودفع إليه خمسة آلاف درهم، وقال: يا أبا الحسن، فرق هذه حيث ترى. فدخل بها المسجد، وصلى صلوات بالقلنسوة، وأقامت عليها أياماً، فقال بعض جلساء قاسم لقاسم: يا معلم، هذا أحمد بن أبي الحواري، أخذ دراهمه، ولبس قلنسوته. فالتفت قاسم، فنظر إليه، فقال: أخذ دراهم اللصوص، ولبس قلانس اللصوص! وكان قاسم إذا راح إلى المسجد في وقت الزوال يدخل من باب الفراديس، ويأخذ في الأسطوان الغربي حتى يصير إلى المصعد، ثم يأخذ قبلةً حتى يدخل من أقصى الأبواب إلى مجلسه. فلما كان من الغد، من يوم نظره إلى أحمد، دخل من باب الفراديس حتى وافى باب القبة، ثم مر حتى مر بأحمد وهو جالس يتشهد في ركوعه، والقلنسوة على رأسه، فلما حاذى به رفع يده فلطم القلنسوة، فالتفت أحمد بن أبي الحواري، فنظر إليه فسلم، ثم التفت إلى ابنه إبراهيم، فقال: يا إبراهيم، خذ القلنسوة، وامض بها إلى البيت. فقال له من رآه: يا أبا الحسن، ما رأيت ما فعل بك هذا الرجل؟! فقال: ﵀!

стр. 7208

قال سعيد بن عبد العزيز الحلبي: سمعت قاسم الجوعي، وقال له رجل: ادع لي، فإن السلطان يطلبني وأنا مظلوم، قال: ما أخدعك، أنا ما أدعو لنفسي، أنا أعرف أيش تحت ثيابي! قال ابن سيد حمدويه: كان أستاذي قاسم الجوعي عند باب الساعات في الجامع، قال: من يمضي بكتابي إلى بعض إخواني إلى صور؟ فقلت: أنا يا أستاذ. فأخذت الكتاب، ودعا لي، ثم سرت إلى صور، فدفعت الكتاب إلى الشيخ، ثم قدم لي شيئاً، فأكلت. وكانت ليلة مقمرة، وكنت أشرف على البحر، فإذا برجل قد دخل على الشيخ، فسلم عليه وقال له: هذا كتاب قاسم الجوعي، يقرأ عليك فيه السلام. فلما صليت الغداة ناولني الشيخ الكتاب، فقلت له: يا سيدي، من كان ذلك الرجل الذي دخل عليك البارحة، وسلم عليك، وسلمت أنت عليه؟ فقال: الخضر ﵇ فأخذ الكتاب، فزاد فيه شيئاً. ثم قدمت على أستاذي قاسم الجوعي، فقال لي: إيش الذي منعك أن تمضي بكتابي؟ فقلت له: قد مضيت، وهذا جواب الكتاب، فقرأه، ثم قال لي: أبشر، فإن الشيخ قد كتب إلي يوصيني بك، ويقول: إن هذا الغلام قد رأى أخانا الخضر ﵇ فقلت: هذا ببركتك. ودعا لي. قال القاسم بن عثمان الجوعي: التوبة رد المظالم، وترك المعاصي، وطلب الحلال، وأداء الفرائض. وقال: رأس الأعمال كلها الرضى عن الله، والورع عماد الدين، والجوع مخ العبادة، والحصن الحصين ضبط اللسان. ومن شكر الله حشر من ميدان الزيادة، ومن تم عمله عرف المصائب. وقال: السلامة كلها في اعتزال الناس، والفرح كله في الخلوة بالله . وقال: من أصلح فيما بقي من عمره غفر له ما مضى، وما بقي، ومن أفسد فيما بقي من عمره أخذ بما مضى، وما بقي. وقال: إن لله عباداً قصدوا الله بهمهم، وأفردوه بطاعتهم، واكتفوا به في توكلهم،

стр. 7209

ورضوا به عوضاً من كل ما خطر على قلوبهم من أمر الدنيا؛ فليس لهم حبيب غيره، ولا قرة عين إلا فيما قرب إليه. وقال: الاعتبار بالنطق، والذكر باللسان، والفكر بالقلوب، والمراقبة أصل الحذر، والحياء جامع لكل خير. وقال: رأيت في الطواف حول البيت رجلاً، فتقربت منه، فإذا هو لا يزيد على قوله: اللهم قضيت حاجة المحتاجين وحاجتي لم تقض. فقلت له: مالك لا تزيد على هذا الكلام؟ فقال: أحدثك: كنا سبعة رفقاء من بلدان شتى، غزونا أرض العدو، فاستأسرونا كلنا، فاعتزل بنا لتضرب أعناقنا. فنظرت إلى السماء، فإذا سبعة أبواب مفتحةً، عليها سبع جوار من الحور العين، على كل باب جارية، فقدم رجل منا، فضربت عنقه، فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض، حتى ضربت أعناق ستة، وبقيت أنا، وبقي باب وجارية، فلما قدمت لتضرب عنقي استوهبني بعض رجاله، فوهبني له، فسمعتها تقول: أي شيء فاتك يا محروم؟! وأغلقت الباب. وأنا يا أخي متحسر على ما فاتني. قال قاسم بن عثمان: أراه أفضلهم؛ لأنه رأى ما لم يروا، وترك يعمل على الشوق. ومن شعره: " مخلع البسيط " اصبر على كسرة وملح ... فالصبر مفتاح كل زين واقنع فإن القنوع عز ... لا خير في شهوة بدين قال أبو الحسن محمد بن الفيض: قام أبو بكر بن عتاب في مجلس قاسم بن عثمان الجوعي، وكان غلامً جميلاً حسن الوجه، وكان صفوان بن صالح جالساً، وسليمان بن عبد الرحمن جالس عند باب المئذنة وغيرهم، فقال: يا قوم، هذا قاسم، يا أبا عبد الملك، ويا أبا أيوب، دخلت إليه البيت، فجذبني، وقبلني، وأراد أن يفعل بي كذا، وكذا حتى انفلت منه.

стр. 7210

قال أبو الحسن بن الفيض: وكنت حينئذ صغيراً في المجلس، فوثب إليه رجال، فضربوه، وعنفوه في ذلك، وضربه أبوه، وعنفه في ذلك. قال أبو الحسن: كان القاسم أورع من ذلك، وإنما أراد أن يوقع عليه بذلك أمراً. توفي القاسم بن عثمان سنة ثمان وأربعين ومائتين. القاسم بن عبي حكى عن أحمد بن السري الأنطاكي قال: كان بالبصرة شاب متعبد، وكانت عمة له تقوم بأمره. فأبطأت عليه مرة، فمكث ثلاثة أيام يصوم، ولا يفطر على شيء. فلما كان بعد ثلاث قال: يا رب، رفعت رزقي! فألقي إليه من زاوية المسجد مزود ملئ سويقاً، فقيل له: هاك يا قليل الصبر! القاسم بن عمر بن معاوية الربعي حدث عن عقبة بن علقمة بسنده إلى أبي ذر أن رسول الله ﷺ رأى رجل خاتماً من ذهب، فقرع يده بالعصا، فأخذ الرجل الخاتم، فألقاه، ثم أقبل رسول الله ﷺ فقال: " أين خاتمك؟ " فقال: ألقيته يا رسول الله، قال: " أظننا قد أوجعناك وأغرمناك ". القاسم بن عيسى بن إبراهيم ابن عيسى بن يحيى العصار روى عن محمد بن هاشم البعلبكي بسنده إلى عطاء: أنه سأل عائشة: هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب؟ قالت: لم يرخص لهن في ذلك في شدة، ولا رخاء.

стр. 7211

قال عبد الغني وأبو نصر بن ماكولا: العصار بالعين المهملة. القاسم بن عيسى بن إدريس ابن معقل بن سيار بن شمخ بن سيار بن عبد العزى بن دلف ابن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب أبو دلف العجلي ولي دمشق في أيام المعتصم. وكان من الأجواد الممدحين. تولى محاربة الخرمية فأفناهم. وكان شاعراً أديباً وبطلاً شجاعاً. ذكر محمد بن داود بن الجراح البغدادي: أن المعتصم بالله كان قد غضب على أبي دلف، واعتزم على قبض ماله، فاحتال له عبد الله بن طاهر حتى ولي دمشق، ونحاه عن الجبل حتى سكن أمره. فهجا أبو السري أحمد بن يزيد الشاعر ابنه عجل بن أبي دلف، فقال: " من البسيط " يا عجل أنت غراب البين والصرد ... في الشؤم منك لحاك الواحد الصمد أنت البسوس التي أفنت بناقتها ... بكراً وتغلب حتى أقفر البلد قد كان شؤمك نحى قاسماً فمضى ... إلى دمشق ودمع العين يطرد لولا المهذب عبد الله ما رفعت ... يوماً إلى قاسم كأس المدام يد

стр. 7212

يريد عبد الله بن طاهر. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي، عن أبيه: كنت في مجلس الرشيد، إذ دخل عليه غلام أمرد له ذؤابة، فسلم بالخلافة، فقال الرشيد: لا سلم الله على الآخر، أفسدت علينا بالجبل، يا غلام، قال: فأنا أصلحه يا أمير المؤمنين، قال: وكيف تصلحه؟ قال: أفسدته يا أمير المؤمنين وأنت علي، وأعجز عن إصلاحه وأنت معي؟ فأمر الرشيد، فخلع عليه، وعقد له على الجبل. فلما خرج الغلام قلت: من هذا؟ فقيل لي: هذا أبو دلف العجلي. قال إبراهيم: فسمعت الرشيد وقد ولى الغلام خارجاً من عنده يقول: إني أرى غلاماً يرمي من وراء همة بعيدة! قال المأمون يوماً وهو مقطب لأبي دلف: أنت الذي يقول فيك الشاعر: إنما الدنيا أبو دلف ... عند مغزاه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره فقال: يا أمير المؤمنين، شهادة زور، وقول غرور، وملق معتف، وطالب عرف، وأصدق منه ابن أخت لي حيث يقول: " من الطويل " دعيني أجوب الأرض ألتمس الغنى ... فلا الكرج الدنيا ولا الناس قاسم فضحك المأمون وسكن غضبه. وأبو دلف القائل: " مجزوء الكامل " طلب المعاش مفرق ... بين الأحبة والوطن ومصير جلد الرجا ... ل إلى الضراعة والوهن

стр. 7213

قال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنا في موكب المأمون، فترجل له أبو دلف، فقال له المأمون: ما أخرك عنا؟ فقال: علة عرضت لي، فقال: شفاك الله وعافاك، اركب، فوثب من الأرض على الفرس، فقال له المأمون: ما هذه وثبة عليل؟! فقال: بدعاء أمير المؤمنين شفيت. قال عيسى بن عبد العزيز الحارثي: خرجت رفقةً إلى مكة فيها القاسم بن عيسى، فلما تجاوزت الكوفة حضرت الأعراب، وكثرت تريد اغتيال الرفقة، فتسرع قوم إليهم، فزجهم أبو دلف، وقال: مالكم ولهذا! ثم اتصل بأصحابه، فعبأ عسكره ميمنة وميسرة وقلباً. فلما سمع الأعراب أن أبا دلف حاضر انهزموا من غير حرب. ثم مضى بالناس حتى حج، فلما رجعوا أخبرت القافلة بأن الأعراب قد احتشدوا احتشاداً عظيماً، وهم قاصدون القافلة. وكان في القافلة رجل أديب شاعر في ناحبة طاهر بن الحسين وآله، فكتب إلى أبي دلف بهذا الشعر: " من الوافر " جرت بدموعها العين الذروف ... وظل من البكاء له حليف بلاد تنوفة ومحل قفر ... وبعد أحبة ونوى قذوف نبادر أول القطرات نرجو ... بذلك أن تخطانا الحتوف أبا دلف وأنت عميد بكر ... وحيث العز والشرف المنيف تلاف عصابةً هلكت فما إن ... بها إلا تداركها خفوف فلما قرأ أبو دلف الأبيات أجاب عنها بغير إطالة فكر، ولا روية، فقال: رجال لا تهولهم المنايا ... ولا يشجيهم الأمر المخوف وطعن بالقنا الخطي حتى ... تحل بمن أخافكم الحتوف

стр. 7214

ونصر الله عصمتنا جميعاً ... وبالرحمن ينتصر اللهيف قال ابن النطاح في أبي دلف: " من الكامل " وإذا بدا لك قاسم يوم الوغى ... يختال خلت أمامه قنديلا وإذا تلذذ بالعمود ولينه ... خلت العمود بكفه منديلا وإذا تناول صخرة ليرضها ... عادت كثيباً في يديه مهيلا قال أبو بكر الصولي: تذاكرنا يوماً عند المبرد الحظوظ وأرزاق الناس من حيث لا يحتسبون، قال: هذا يقع كثيراً، فمنه قول ابن أبي فنن في أبيات عملها لمعنى أراده: " من البسيط " مالي ومالك قد كلفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف تمشي المنون إلى غيري فأكرهها ... فكيف أسعى إليها بارز الكتف أم هل حسبت سواد الليل شجعني ... أو أن قلبي في جنب أبي دلف فبلغ هذا الشعر أبا دلف فوجه بأربعة آلاف درهم جاءته على غفلة. قال العتابي: كنا على باب أبي دلف خلق كثير من الشعراء يعدنا بأمواله من الكرج وأعمالها، فلما أتته الأموال أمر بصبها على الأنطاع، وأجلسنا حوله، ثم تقلد سيفه وخرج علينا، فسلم

стр. 7215

علينا فقمنا إليه، فأقسم علينا بالجلوس، فجلسنا، ثم اتكأ على قائم سيفه، ثم أنشأ يقول: " من الطويل " ألا أيها الزوار لا يد عندكم ... أياديكم عندي أجل وأكبر وإن كنتم أفردتموني للرجا ... فشكري لكم من شكركم لي أكثر كفاني من مال دلاص وسابح ... وأبيض مت صافي الحديد ومغفر ثم أمر بنهب تلك الأموال، فأخذ كل واحد منا على قدر طاقته. عن إدريس بن معقل قال: اجتمع على باب أبي دلف جماعة من الشعراء، فمدحوه، وتعذر عليهم الوصول إليه، وحجبهم حياء لضيقة نزلت به، فأرسل إليهم خادماً له، يعتذر إليهم، ويقول: انصرفوا في هذه السنة، وعودوا في القابلة، فإني أضعف لكم العطية، وأبلغكم الأمنية. فكتبوا إليه: " من الخفيف " أيهذا العزيز قد مسنا الده ... ر بضر وأهلنا أشتات وأبونا شيخ كبير فقير ... ولدينا بضاعة مزجاة قل طلابها فبارت علينا ... وبضاعاتنا بها الترهات فاغتنم شكرنا وأوف لنا الكي ... ل وصدق فإننا أموات فلما وصل إليه الشعر ضحك وقال: علي بهم. فلما دخلوا قال: أبيتم إلا " أن " تضربوا
следующие страницы →