Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.
стр. 8821
قال معبد: بدت لي حاجة إلى خولة بنت منظور بن زبان، وهي أم حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وأم إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، قال: فجعلت ذريعتي إليها أن غنيتها شعراً فيها وهو: من الوافر
كأنك مزنة برقت بليل ... لعطشان يضيء له سناها
فلم تمطر عليه وجاوزته ... وقد أشفى عليها أو رجاها
قال: فاهتزت العجوز لهذا الشعر كما يهتز الغصن تحت الرياح وقالت: يا عبد آل قطن! قيل هذا الشعر في، وأنا أحسن من النار الموقدة.
غدا الأحوص على امرأة لها شرف، وهي في قصرها بالعقيق، فوجد عندها معاذاً الزرقي - وكان حسن الغناء - ومعبداً المغني، وابن صياد النجاري وكان مضحكاً مليحاً، فطلب إذن عليها، فرد عن بابها فانصرف وهو يقول: من البسيط
ضنت عقيلة لما جئت بالزاد ... وآثرت حاجة الثاوي على الغادي
فقلت والله لولا أن تقول له ... قد باح بالسر أعدائي وحسادي
قلنا لمنزلها حييت من طلل ... وللعقيق ألا بوركت من وادي
إني وهبت نصيبي من مودتها ... لمعبد ومعاذ وابن صياد
لابن اللعين الذي يخبى الدخان له ... وللمغني رسول السوء قواد
أما معاذ فإني غير ذاكره ... كذاك أجداده كانوا لأجدادي
قال: وإنما ترك معاذاً لأنه كان جلداً خاف أن يضربه، وغضب عليه معبد وقال: لا أغني بشعره أبداً. فبلغ ذلك الأحوص، فركب راحلته وحمل معه مذرعاً
стр. 8822
فيه طلاء. فأتى معبداً وهو بالعقيق، فأعرض عنه معبد فلم يكلمه، فقال له الأحوص: يا أبا عباد أتهجرني؟! وجعلت زوجته تقول: أتهجر أبا محمد مع حسن أياديه؟! ولم تزل به حتى رضي عنه. فنزل الأحوص عن راحلته واحتمل معبداً على عنقه حتى أدخله منزله وقال: والله لأسمعن في بيتك الغناء، ولأشربن الطلاء، ولآكلن الشواء. فقال له معبد: قد والله أخزاك، هذا الشواء أكلته، وهذا الغناء سمعته، فأين الطلاء؟ قال: هو هذا خلف راحلتي أردفتها إياه فأنزله في ذلك المذرع - وهي شيء من أدم يجعل فيه النبيذ - وخذ الدنانير التي تحت وطاء الرحل فاشتر بها طعاماً. ففعل، فقالت زوجته أم كردم لمعبد: أي عدو نفسه! أتغضب على من إن جاءنا ملأنا فضلاً، وإن تولى أغدر فينا نعماً! قبح الله رأيك. فأقام الأحوص عنده حتى صلى العصر، ثم رحل إلى المدينة فمر بين الدارين في المصلى يميل بين شعبتي رحله.
قال كردم بن معبد المغني مولى ابن قطن: مات أبي وهو في عسكر الوليد بن يزيد، وأنا معه، فنظرت حين أخرج نعشه إلى سلامة جارية يزيد بن عبد الملك، وقد أضرب الناس عنه ينظرون إليها وهي آخذة بعمود السرير وهي تندب أبي وتقول: من مجزوء الرمل
قد لعمري بت ليلي ... كأخي الداء الوجيع
ونجي الهم مني ... بات أدفى من ضجيعي
كلما أبصرت ربعاً ... خالياً فاضت دموعي
قد خلا من سيد كا ... ن لنا غير مضيع
لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بخشوع
قال كردم: وكان يزيد أمر أبي أن يعلمها هذا الصوت، فعلمها إياه، فرثته به يومئذ، فلقد
стр. 8823
رأيت الوليد بن يزيد والغمر أخاه متجردين في قميصين ورداءين يمشيان بين يدي سريره، حتى أخرج من دار الوليد، لأنه تولى أمره وأخرجه من داره إلى موضع قبره.
معبد بن هلال العنزي البصري
حدث معبد بن هلال قال:
اجتمع رهط من أهل البصرة وأنا فيهم، فأتينا أنس بن مالك وتشفعنا إليه بثابت البناني، فدخلنا عليه، فأجلس ثابتاً معه السرير؛ فقلت: لا تسلوه عن شيء غير هذا الحديث. فقال ثابت: يا أبا حمزة! إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث رسول الله ﷺ في الشفاعة فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيؤتى آدم فيقولون: يا آدم! اشفع لذريتك. فيقول: لست لها، ولكن ائتوا إبراهيم فإنه خليل الله. فيؤتى إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله. فيؤتى موسى صفوة الله، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته. فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد ﷺ . فأوتى، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فأقوم بين يديه مقاماً فيلهمني فيه محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقول لي: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: أيرب! أمتي أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال برة، أو مثقال شعيرة من إيمان فأخرجه. فأنطلق، فأفعل ثم أعود فأحمد بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: أي رب! أمتي أمتي. فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال ذرة - أو مثقال خردلة - من إيمان فأخرجه منها. فأنطلق، فأفعل ثم أرجع، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع. فأقول: أي رب! أمتي أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال خردلة من إيمان فأخرجه من النار.
стр. 8824
فلما رجعنا من عند أنس قلت لأصحابي: هل لكم في الحسن وهو مستخف في منزل أبي خليفة في عبد القيس؟ فأتيناه فدخلنا عليه فقلنا: جئنا من عند أخيك أنس، فلم نسمع مثلما حدثنا في الشفاعة. فقال: كيف حدثكم؟ فحدثناه الحديث، حتى إذا بلغنا قال: هيه. قلنا: لم يزدنا على هذا. قال: قد حدثنا هذا الحديث وهو جميع، حدثني منذ عشرين سنة، ولقد ترك شيئاً فلا أدري أنسي الشيخ أم كره أن يحدثكموه فتتكلوا. حدثني ثم قال: في الرابعة، ثم أعود فأخر له ساجداً، ثم أحمد بتلك المحامد، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: أي رب! ائذن فيمن قال لا إله إلا الله - بها صادقاً - قال: فيقول: ليس لك، وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. قال: فأشهد على الحسن لحدثنا بهذا الحديث يوم حدث به أنس.
وحدث معبد بسنده إلى عوف بن مالك: أن رسول الله ﷺ قعد إلى أبي ذر - أو قعد أبو ذر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ فقال: يا رسول الله! وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم يا أبا ذر، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: ما هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قلت: يا رسول الله! ما الصلاة؟ قال: خير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر. قلت: يا رسول الله، فما الصوم؟ قال: فرض مجزئ. فقلت: يا رسول الله! فما الصدقة؟ قال: أضعاف مضعفة وعند الله مزيد. قلت: يا رسول الله! فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وبسر إلى سر. قلت: يا رسول الله! كم المرسلين؟ قال: ثلاث مئة وخمسة عشر الجم الغفير. قلت: أرأيت
стр. 8825
آدم ﵇ كان نبياً؟ قال: نعم، ومكلماً. ثم قال: إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي.
وعن معبد سمع أنساً عن النبي ﷺ : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر.
معبد مولى الوليد بن معاوية
قال معبد: لما مر محمد بن عبد الملك بن مروان إلى الزاب، فنظر إلى دمشق قال: ويحك يا إرم! رميت عند جرانك، وفيك تعقل العروش.
معبد أبو المخارق الراهبي
من أهل الراهب، محلة كانت بدمشق خارج البلد بقرب المصلى.
قال: أربع من أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة: العدل في الغضب والرضا؛ والقصد في الفقر والغنى؛ وخشية الله في السر والعلانية؛ وحمد الله على كل حال. وأربع من أوتيهن فقد أوتي خير ما أوتي آل داود: قلب شاكر؛ وبدن صابر؛ ولسان ذاكر؛ وزوجة إذا نظر إليها سرته.
معدان بن طلحة
ويقال: ابن أبي طلحة اليعمري حدث عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ أنه قال: أما يستطيع أن يقرأ أحدكم ثلث القرآن في ليلة؟ قالوا: نحن أعجز من ذلك
стр. 8826
وأضعف. قال: إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل " قل هو الله أحد " جزءاً من القرآن. وفي رواية: ثلاثاً من أجزاء القرآن.
وحدث عنه أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فأخبرته فقال: أنا صببت لرسول الله ﷺ وضوءه.
وعن معدان قال: قدمت دمشق على أبي الدرداء فكان أول ما سألني عن منزلنا والقرآن، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من ثلاثة في بدو ولا حضر لا يقيمون الصلاة إلا كان الشيطان رابعهم، فعليكم بالجماعة، فإن الذئب إنما يأخذ القاصية.
قال عبادة بن نسي: كان رجل بالشام يقال له معدان، كان أبو الدرداء يقرئه القرآن، ففقده أبو الدرادء، فلقيه يوماً وهو بدابق، فقال له أبو الدرداء: يا معدان! ما فعل القرآن الذي معك؟ كيف أنت والقرآن اليوم؟ قال: قد علم الله منه فأحسن. قال: يا معدان! أفي مدينة تسكن اليوم أو في قرية؟ قال: لا، بل في قرية، قريب من المدينة. قال: مهلاً ويحك يا معدان! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من خمسة أهل أبيات لا يؤذن فيهم بالصلاة، وتقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، وإن الذئب يأخذ الشاذة، فعليك بالمدائن، ويحك يا معدان.
ضرب الوليد بن عبد الملك سالم بن أبي الجعد ومعدان بن أبي طلحة مئة سوط مئة سوط في الترفض.
стр. 8827
معرور الكلبي
أراه جد النضر بن يحيى بن معرور.
حدث عن رجل أن عثمان أمر منادياً فنادى إن الذكاة في الحلق واللبة لمن قدر. وأقروا الأنفس حتى تزهق.
معروف بن سويد مولى علي
ابن عبد الله بن عباس وأبي عبد الله بن جعفر بدمشق قال معروف: كنت مع مولاي علي بن عبد الله حين مضى إلى دمش فقال وهو راكب على بغلته وقد أردفني خلفه إذ رأيته نزل عن البغلة، فجاء إلى شيخ طوال، حسن الوجه، حسن كل شيء منه، فقبل يديه ورجليه، وحمله على البغلة، ومشى تحت ركابه حتى بلغه إلى منزله، ثم حمله فأنزله وقبل يديه، وأدخله إلى منزله، وركب البغلة فقلت له: يا مولاي! من هذا الشيخ؟ قال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا. فقال: هذا عبد الله بن جعفر ذي الجناحين وقد قال رسول الله ﷺ : غفر الله لمن رآني، ومن رأى من رآني، ومن رأى من رأى من رآني. فقالت أم الحسن: قد رأيت معروفاً ورأى معروف عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن جعفر رأى رسول الله ﷺ . ونحن نرجو المغفرة.
стр. 8828
معروف بن عبد الله أبو الخطاب الخياط
مولى عبيد الأعور مولى بني أمية حدث معروف الخياط عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : بكاء الصبي إلى سنتين، يقول: لا إله إلا الله، وما كان بعد ذلك فاستغفار لأبويه؛ وما عمل من حسنة فلأبويه، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على أبويه، حتى يجري عليه القلم.
قال معروف: كنت في مجلس واثلة بن الأسقع إذ أقبل رجل يشهد على بضاعة اشتراها، فلما ولى البيع والمشتري قال واثلة: ردوا علي المشتري. فلما رجع قال: اذهب خذ مالك، فقد دلس عليك. فرجع الرجل فأخذ ماله، فقيل للبائع: تدري من رده إليك؟ قال: واثلة بن الأسقع. فرجع البائع إلى واثلة، فلما قام على مجلسه قال له: يا صاحب رسول الله ﷺ ! مثلك يسعى! فقال: كذبت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل لمسلم أن يطلع على دلسة على مسلم إلا أخبره بها.
وحدث معروف أنه رأى واثلة يشرب الفقاع.
وحدث أنه رأى أنس بن مالك خادم النبي ﷺ يشرب الفقاع.
وحدث معروف قال: رأيت رجلاً قام إلى واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله ﷺ فقال: ما تقول في الطلاء؟ قال: اطبخه حتى يذهب ثلثاه، وزد قليلاً.
стр. 8829
وقال معروف: رأيت واثلة بن الأسقع بصلي على جنائز الرجال والنساء، فيجعل الرجال يلونه والنساء أما القبلة، وإن كان رجل قام نحو صدره، وإن كانت امرأة قام حذو رأسها.
وقال معروف: رأيت واثلة بن الأسقع يرتعش من الكبر، وكان يمسح رأسي ويقول: يا معروف! أخشى عليك الكبر. فعلمت أنها كلمة ألقاها الله تعالى في قلبه.
معروف بن محمد بن معروف
أبو المشهور النخعي الزنجاني الواعظ حدث سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة بإسناده لأبي نجيح قال: سأل رجل ابن عمر عن صيام يوم عرفة فقال: حججت مع رسول الله ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه. كان أبو المشهور يذكر أنه من ولد مالك بن الحارث، الأشتر النخعي، وهو من أهل زنجان. وطعن الناس في نسبه.
معروف بن أبي معروف البلخي
حدث عن جرير بن عبد الحميد بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : دخلت الجنة فما فيها شجرة ولا ورقة إلا عليها مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذا النورين.
معروف بن أبي معروف يسرق الحديث.
وبه قال: قال رسول الله ﷺ : وزنت بالخلق كلهم فرجحت بهم، ثم وزن أبو بكر
стр. 8830
فرجح بهم، ثم وزن عمر فرجح بهم، ثم وزن عثمان فرجح بهم، ثم رفع الميزان قال: وهذا كالحديث الأول.
معقس بن عمران بن حطان السدوسي
قال: دخلت مع أبي على أم الدرداء: فسألها أبي: ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأ؟ قال حدثتني عائشة قالت: جعل درج الجنة على عدد آي القرآن - وفي آخر: إنه ليقال: اقرأ وارق. فإنه ليقرأ ويرقى حتى ينفذ ما معه - فمن قرأ ثلث القرآن ثم دخل الجنة كان على الثلث من درجها، ومن قرأ نصف القرآن كان على النصف من درجها، ومن قرأ كله كان في عليين، لم يكن فوقه إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وحدث عن أم الدرداء، عن عائشة: ليس أحد ممن دخل الجنة أفضل ممن قرأ القرآن.
وحدث معقس عن عبد الله، سمع أبا ذر يقول: الجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء.
معقل بن سنان بن مظهر بن عركي
ابن فتيان بن سبيع بن بكر بن أشجع أبو محمد ويقال أبو سنان ويقال أبو عيسى ويقال أبور.... الأشجعي له صحبة، قدم دمشق على يزيد بن معاوية، ورجع إلى المدينة ساخطاً على يزيد، وخلعه، وكان مع أهل الحرة وقتل بها.
وعن عبد الله بن مسعود أنه قضى برأيه في امرأة مات زوجها، وكان تزوجها ولم يفرض لها شيئاً، أن لها
стр. 8831
مثل صداق نسائها ولها ميراث وعليها العدة؛ ولم يكن سمعه من رسول الله ﷺ ، فقدم المدينة فلقي معقل بن سنان فسأله عبد الله بن مسعود: كيف قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق الأشجعية التي مات زوجها في القليب، وكان تزوجها ولم يفرض لها شيئاً؟ فأخبره معقل بن سنان أن رسول الله ﷺ قضى مثل قضائه، فقال عبد الله: الحمد لله الذي وفقني لقضائه.
قال أبو سعيد: ما خلق الله بروع بنت واشق قط، ولم يقدم معقل بن سنان الأشجعي قط الكوفة.
وشهد معقل الفتح مع سيدنا رسول الله ﷺ ، وكان شاباً طرياً، وقتل يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، فقال الشاعر: من الطويل
ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها ... وأشجع تبكي معقل بن سنان
وقدم معقل المدينة في زمن عمر، ونفاه عمر عن المدينة لما قيل فيه، وكان جميلاً: من الطويل
أعوذ برب الناس من شر معقل ... إذا معقل راح البقيع مرجلا
فبلغ ذلك عمر فنفاه، وكانت له وفرة، فبعث إليه عمر فضم شعره. وكان معقل بن
стр. 8832
سنان على المهاجرين يوم الحرة فقتله مسرف بن عقبة المري.
وعركي: بفتح العين والراء وكسر الكاف وآخره ياء مشددة.
ومظهر بظاء معجمة وهاء مشددة مكسورة.
وكان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بعث معقل بن سنان ببيعة يزيد بن معاوية، فاجتمع معقل بن سنان ومسلم بن عقبة الذي يعرف بمسرف فقال معقل - وكان آنسه وحادثة إلى أن ذكر معقل يزيد بن معاوية فقال -: إني خرجت كارهاً لبيعة هذا الرجل، وقد كان من القضاء والقدر خروجي إليه، رجل يشرب الخمر وينكح الحرم! ونال منه فلم يترك، ثم قال لمسرف: أحببت أن أضع ذلك عندك. فقال مسرف: أما أن أذكر ذلك لأمير المؤمنين يومي هذا فلا والله لا أفعل، ولكن لله عهد علي وميثاق أن لا تمكني يداي منك ولي عليك مقدرة، إلا ضربت الذي فيه عيناك.
فلما قدم مسرف المدينة، وأوقع بهم أيام الحرة وكان معقل يومئذ صاحب المهاجرين، فأتي به مسرف مأسوراً فقال له: يا معقل، أعطشت؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير قال: خوضوا له شربة بلوز. فخاضوها له، فشرب، فقال له: أشربت ورويت؟ قال: نعم. قال: أما والله لا تستهنئ بها، يا مفرج، قم فاضرب عنقه، ثم قال: اجلس. ثم قال لنوفل بن مساحق: قم فاضرب عنقه. فقام إليه فضرب عنقه. ثم قال: ما كنت لأدعك بعد كلام سمعته منك تطعن فيه على إمامك. فقتله صبراً.
وقيل: إن مسلماً لما دعا الناس إلى البيعة قال: يا ليت شعري، ما فعل معقل بن سنان؟ وكان له مصافياً، فخرج ناس من أشجع يطلبونه، فأصابوه في قصر العرصة، وقيل أصابوه في جبل أحد، فقالوا له: الأمير يسأل عنك، فارجع إليه. قال: أنا أعلم
стр. 8833
به منكم، إنه قاتلي. قالوا: كلا. فأقبل معهم، فقال له مسلم: أهلاً بأبي محمد، أظنك ظمآناً، وأظن هؤلاء أتعبوك. قال: أجل. قال: شوبوا له عسلاً بثلج، من العسل الذي حملتموه لنا من حوارين. فسقوه فقال: سقاك الله أيها الأمير من شراب الجنة. قال: لا جرم والله لا تشرب بعدها - لا أم لك - شراباً حتى تشرب من حميم جهنم. قال: أنشدك الله والرحم. قال: ألست القائل ليلة لقيتك بطبرية وأنت منصرف من عند أمير المؤمنين، وقد أحسن جائزتك: سرنا شهراً وحسرنا ظهراً ورجعنا صفراً، نرجع إلى المدينة، فنخلع الفاسق شارب الخمر، ونبايع رجلاً من المهاجرين أو أبناء المهاجرين؟ يا تيس أشجع! فيم غطفان وأشجع من الخلع والتأمير؟! إني عاهدت الله لا ألقاك في حرب أقدر فيها على قتلك إلا قتلتك. وأمر به فقتل، وقال لعمرو بن محرز: واره. فقال: تقتله أنت وأواريه أنا!؟ قال: نعم.
قالوا: ولما أمر مسلم بقتل معقل قال: أسألك بالرحم. قال: ما عذري عند أمير المؤمنين إذاً؛ أن أقتل بني عمه وتركت بني عمي؟ وقتله. فقال عاصم الأشجعي يرثي معقلاً: من الطويل
وقائلة تبكي بعين سخينة ... جزى الله خيراً معقل بن سنان
فتى كان غيثاً للفقير ومعقلاً ... حريزاً لما يخشى من الحدثان
وقال يذم عمرو بن محرز إذ ترك دفنه: من الطويل
بني محرز هلا دفنتم أخاكم ... ولم تتركوه للضباع الخواضع
تلعبتم جهلاً بلحم ابن عمكم ... وأسلمتوه للسيوف القواطع
تعاوره أرماحكم وسيوفكم ... وتلك لعمر الله إحدى البدائع
وقال أرطاة بن سهية يرد على عاصم: من الطويل
стр. 8834
يعد علينا عاصم قتل معقل ... فما ذنبنا إن كان أجرى وأوضعا
وما ذنبنا إن كان فارس بهمة ... أصاب فلم يترك لرأسك مسمعا
معلل بن خالد الهجيمي البصري
وفد على هشام بن عبد الملك وعنده الأبرش الكلبي، فقال له الأبرش: يا أخا تميم، لمن يقال: من الكامل
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان
فقال: لنا يقال، وإنكم يا معشر كلب! لتغفرن النساء، وتجزون الشاء، وتكدرون العطاء، وتؤخرون العشاء، وتبيعون الماء. فضحك هشام! فلما خرجوا قال الأبرش: يا أخا تميم! أما كانت لك بقية؟ قال: أنت بدأت.
معلى بن أيوب أبو العلاء الكاتب
وهو ابن خالة الفضل والحسن ابني سهل.
من كتاب المأمون، قدم دمشق مع المأمون، وبقي إلى أن كتب للمتوكل، وكان ممن حضر الجامع بدمشق للكشف عن أحوال المتظلمين من التعديل والمساحة.
قال المعلى بن أيوب: دخلت على المأمون فرأيته مقبلاً على شيخ شديد بياض الثوب، حسن اللحية، على رأسه لاطئة، وقد أقبل عليه المأمون، فقلت للحسن بن أبي سعيد وهو ابن خالة
стр. 8835
المعلى، وكان حاجب المأمون على العامة: من هذا؟ فقال: ألا تعرفه؟ فقلت: لو عرفته ما سألتك عنه. قال: هذا أبو العتاهية. فأقبل عليه المأمون فقال: أنشدني أحسن شعرك في ذكر الموت. فأنشده: من مجزوء الكامل
أنساك محياك المماتا ... فطلبت في الأرض الثباتا
أوثقت بالدنيا وأن ... ت ترى جماعتها شتاتا
وعزمت منك على الحيا ... ة وطولها عزماً بتاتا
دار تواصل أهلها ... ستعود نأياً وانبتاتا
إن الله يميت من ... أحيا ويحيى من أماتا
يا من رأى أبويه في ... من قد رأى كانا فماتا
هل فيهما لك عبرة ... أم خلت أن لك انفلاتا
ومن الذي طلب التفل ... لت من منيته ففاتا
كل تصبحه المني ... ية أو تبيته بياتا
فلما نهض تبعته إلى آخر الصحن أو في الدهليز وكتبها عنه.
قال معلى بن أيوب: دخل صديق لعبد الله بن طاهر عليه كان يعرفه قديماً، فأجلست معه على السرير وأنشد:
أميل مع الذمام على ابن عمي ... وأحمل للصديق على الشقيق
فإن ألفيتني ملكاً عظيماً ... فإنك واجدي عبد الصديق
أفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق
стр. 8836
حدث معلى بن أيوب الكاتب عن أحمد بن صالح بن أبي فنن الشاعر قال: كان محمد بن يزيد بن مزيد الشيباني أجود بني آدم في عصره، كان لا يرد طالباً ولا راغباً عن حاجته، فإن لم يحضر مال لم يقل لا، ولكن يعد، ثم يستدين وينجزه، وكان بين وعده وإنجازه كعطفة لام على ألف! قال: وأنشدني ابن أبي فنن يمدحه: من الكامل
عشق المكارم فهو مشتغل بها ... والمكرمات قليلة العشاق
وأقام سوقاً للثناء ولم يكن ... سوق الثناء يعد في الأسواق
بث الصنائع في البلاد فأصبحت ... تجبى إليه محامد الآفاق
حدث المعلى بن أيوب عن بعض الأعراب قال: إني وابن عم لي بأكناف نجد إذا نحن بنسوة كأنهن لآلئ يمشين، فأتت إلي امرأة منهن فقالت: ابنة عم لك تسألك الدنو منها لاستماع كلامها وحمل رسالتها. قلت: من هي؟ قالت: إذا رأيتها عرفتها. قال: فدنوت منهن، فإذا نسوة كأنهن الدمى حسناً! ومنهن جارية قد بذتهن جمالاً وأربت عليهن كمالاً فقالت لي: يا فتى هل لك في اكتساب أجر واتخاذ شكر؟ قلت: ما بي عما ذكرت من رغبة وإن بي من قضاء وطرك لأعظم الحاجة قالت: قل لابن عمك: من البسيط
كم قد تجرعت من غيظ ومن كمد ... إذا تجدد حزن هون الماضي
وكم سخطت فما باليتم سخطي ... حتى رضيت فقلتم ساخط راضي
فأنشدته البيتين عنها، فتغير لونه، وأنكرت ما كنت أعرفه به. ثم قال: ارجع فقل لها: من الطويل
وما هجرتك النفس ياليل إنها ... قلتك ولكن قل منك نصيبها
стр. 8837
فأتيتها فأنشدتها، فقالت: ابتدأت فمننت، فإن شفعت فبفضلك. قلت: أفعل. قالت: قل له: من الطويل
أتوك بما لا والذي سبحت له ... قريش وأعناق المطي تسوم
بأمر صليت النار إن كنت قلته ... ولكن عيب الكاشحين وخيم
فأتيته بالبيتين فزفر زفرة ظننت أن قلبه قد انصدع فقلت له: ويحك! بلغ بك الوجد ما أرى؟ فقال: من الطويل
وجدي بها وجد الموافى بغلة ... لعشر فلم يدرك على الماء ساقيا
وقد شارف الأمر الجليل فلم يجد ... على الماء إلا المعطشين الأعاديا
فأنشدتها البيتين فشهقت شهقة ظننت أن فؤادها انخلع، ثم قالت: من الطويل
كما لقي المهموم من علة الهوى ... وأكثر فيه الناظرون التماديا
فلما استبانوا ما به عدلوا به ... عن الإلف حتى ظن أن لا تلاقيا
فأودى به سقمان سقم صبابة ... وسقم هيام فهو يلقى الدواهيا
فقلت لأولئك النسوة: هل لكن في إحيائهما واحتساب الأجر في الجمع بينهما؟ قلن: إي والله. ثم رفعنا أزراً على أربع عصي، فصار كالرواق، فأدخلناهما فيه وجعلنا نتساقط حديثهما، ثم خرج إلي فقلت له: كيف رأيت يومك؟ قال: أعداني إحسانها على إساءة الدهر، وأظفرني محبوبها بمكروه الأيام، فأنا مستأنف لباقي عمري في ارتياد ساعة أخرى. ثم قال: من الطويل
فقل بعدها للدهر يأتي بصرفه ... وقل لليالي اصنعي ما بدا لك
توفي المعلى بن أيوب سنة خمس وخمسين ومئتين، وكان عفيفاً كافياً.
стр. 8838
معلى بن سلام أبو عبد الله
القرشي الخباز الرفاء حدث معلى وعبد الرحمن الكتاني عن معروف الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع يتوضأ للصلاة من نهر قلوط.
وحدث معلى عن عبد الملك المغازلي قال: رأيت واثلة بن الأسقع يشرب الفقاع، ورأيت عليه عمامة سوداء.
معلى بن عيسى الدمشقي
حدث عن مالك بن أنس بسنده إلى عائشة قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه؛ وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها.
معلى بن منصور أبو يعلى الرازي
حدث عن صداقة بن خالد بسنده إلى بلال بن سعد، عن أبيه وكان قد أدرك النبي ﷺ قال: قيل يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: أنا وأصحابي. قال: قلنا: ثم ماذا؟ قال: ثم القرن الثاني. قال: قلنا ثم ماذا؟ قال: القرن الثالث. قال ثم يجيء قوم يشهدون من قبل أن يستشهدوا، ويحلفون من قبل أن يستحلفوا ويؤتمنون فلا يفوا.
وحدث عنه وعن يحيى بن حمزة بسندهما إلى أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ : لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها.
стр. 8839
قال سهل بن عمار: كنت عند المعلى بن منصور وإبراهيم بن حرب النيسابوري في أيام خاض الناس في القرآن، فدخل علينا إبراهيم بن مقاتل المروزي فذكر للمعلى أن الناس قد خاضوا في أمره. قال: في ماذا؟ قال: يقولون إنك تقول القرآن مخلوق. فقال: ما قلته، ومن قال القرآن مخلوق فهو عندي كافر.
قال يحيى بن معين: كان المعلى بن منصور الرازي يوماً يصلي فوقع على رأسه كور الزنانير، فما التفت ولا انفتل حتى أتم صلاته، فنظروا فإذا رأسه قد صار هكذا من شدة الانتفاخ.
كان معلى بن منصور ثقة صاحب سنة نبيلاً، طلبوه على القضاء غير مرة فأبى.
توفي معلى بن منصور سنة إحدى عشرة أو اثنتي عشرة ومئتين.
معمر بن محمد بن يزيد
أبو الهيذام الفزاري الإمام حدث عن عيسى بن إدريس البغدادي بسنده إلى ابن مسعود: أنه قال لأصحابه: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل جدد القلوب خلعان الثياب، تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض.
وحدث سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة عن يحيى بن علي بن هاشم الخفاف بسنده إلى ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت عند حجرة النبي ﷺ فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول: سبحان الله رب العالمين الهوي! ثم يقول: سبحان الله وبحمده.
стр. 8840
وفي طريق آخر عن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فكان يقوم بالليل فيقول: سبحان ربي وبحمده! سبحان ربي وبحمده الهوي، سبحان رب العالمين! سبحان رب العالمين! سبحان رب العالمين الهوي. قال: فقال رسول الله ﷺ : هل لك حاجة؟ قلت: يا رسول الله أحب مرافقتك في الجنة. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود.
معمر بن يعمر أبو عامر
الليثي الدمشقي من أهل دمشق.
حدث عن معاوية بن سلام بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه.
وحدث عنه بسنده إلى أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ما من وال إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، فمن وقي شرهما فقد وقي، وهو من التي غلبت عليه منهما.
ومعمر: بضم الميم الأولى، وفتح العين، وتشديد الميم الثانية وفتحها، ويعمر: أوله ياء معجمة باثنتين تحتها.
стр. 8841
معمر بن راشد
أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي مولاهم البصري حدث عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير.
وحدث عن الزهري، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة. قال: وهذا مما غلط فيه معمر.
وغلط في حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يأخذ منهن أربعاً. قال معمر: ذهبت إلى حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة طلق نساءه وقسم ماله بين ولده، فبلغ ذلك عمر فقال: بلغني أنك طلقت نساءك وقسمت مالك بين ولدك، والله إني لأظن أن الشيطان فيما يسترق من السمع، سمع بموتك وألقاه في نفسك، والله إن لم ترجع نساءك وترجع في مالك ثم مت لأورثنهم منك، ولآمرن بقبرك أن يرجم كما رجم قبر أبي رغال. قال: فراجع نساءه ورجع في ماله.
стр. 8842
قال معمر: فأخبرني أيوب أنه ما لبث سبعاً حتى مات.
كان معمر بن راشد تاجراً يختلف إلى الشام، فوافى أل مروان ولهم وليمة وعرس، فاستعاروا منه متاعاً لعرسهم، فأعارهم، فلما انقضى عرسهم بروه، قال: إنما أنا عبد وكلما بررتموني به فهو لمولاي، ولكن كلموا هذا الرجل يحدثني - يعني الزهري - فكلموه، فحدثه.
توفي باليمن سنة أربع وخمسين ومئة، وقيل سنة ثلاث وخمسين وقيل سنة خمسين ومئة.
قال معمر: جالست قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما من شيء سمعته في تلك السنين إلا كأنه مكتوب في صدري وقال قتادة: جالست الحسن ثنتي عشرة سنة، ومثلي يجالس مثله، وصليت الصبح معه ثلاث سنين.
قال ابن عيينة: قال لي ابن أبي عروبة: شرفنا معمراً، روينا عنه وهو حدث. قال: قلت: أنت شرفته؟ الله شرفه.
وعن ابن جريج قال: عليكم بهذا الرجل - يعني معمراً - فإنه لم يبق من أهل زمانه أعلم منه.
سئل ابن جريج عن شيء من التفسير فأجاب، فقيل له: إن معمراً قال: كذا وكذا، فقال: إن معمراً شرب من العلم بأنقع.
يعني الماء الذي يجتمع على الصخر في مواضع كله طيب، فيأخذ من أيها شاء. ويقال: فلان شراب بأنقع، أي معاود للأمور التي تكره. ومنه قول الحجاج في
стр. 8843
خطبته؛ إنكم يا أهل العراق شرابون علي بأنقع. وقال أبو زيد: يقال إنه شراب بأنقع، أي معاود للخير والشر. وقيل: أصل هذا في الطائر إذا كان حذراً ورد المنافع في الفلوات حيث لا تبلغ الغياض ولا تنصب الأشراك.
ولما دخل معمر صنعاء كرهوا أن يخرج من بين أظهرهم، فقال لهم رجل: قيدوه. قال: فزوجوه.
قال مالك: نعم الرجل كان معمر، لولا روايته التفسير عن قتادة!.
قال معمر: لقد طلبت هذا الشأن وما لنا فيه نية، ثم رزقنا الله النية بعد.
وعن معمر قال: كان يقال: إن الرجل ليتعلم العلم لغير الله فيأبى العلم عليه حتى يصير لله.
وكان في معمر تشيع، وكان في أبي الأسود تشيع.
توفي معمر في رمضان سنة اثنتين وخمسين ومئة. وقيل: سنة ثلاث وخمسين ومئة. وقيل: في سنة أربع وخمسين ومئة. وقيل سنة خمس وخمسين ومئة.
دخل معمر على أهله فإذا عندها فاكهة، فأكل منها فقال: من أين لك هذه الفاكهة؟ قالت: أهدته لنا فلانة النواحة. فقام معمر فتقيأ.
стр. 8844
وبعث إليه معن بن زائدة والي اليمن دنانير فردها وقال لأهله: لئن علم بهذا غيري وغيرك لا يجتمع رأسي ورأسك أبداً. قال عبد الرزاق: وهذه أشد. يعني الكتمان.
معمر بن المثنى أبو عبيدة التيمي
البصري النحوي العلامة حدث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يخصف نعله، وكنت أغزل، فنظرت إلى رسول الله ﷺ فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نوراً! قالت: فبهت فيه، فنظر إلي فقال: مالك بهت؟ فقالت: يا رسول الله! نظرت إليك فجعل جبينك يعرقك، وجعل عرقك يتولد نوراً، فلو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره. قال: وما يقول يا عائشة أبو كبير الهذلي؟ فقال: يقول: من الكامل
ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل
قالت: فقام النبي ﷺ وقبل بين عيني وقال: جزاك الله يا عائشة عني خيراً، ما سررت مني كسروري منك.
أنشد أبو عبيدة عن يونس: من الكامل
خلقان لا أرضى فعالهما ... تيه الغنى ومذلة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطراً ... وإذا افتقرت فته على الدهر
стр. 8845
واصبر فلست بواجد خلقاً ... أدنى إلى فرج من الصبر
وأنشد أبو حاتم عن أبي عبيدة: من المجتث
لي صاحب ليس بخلو ... لسانه من جراحي
يجيد تمزيق عرضي ... على طريق المزاج
ولد أبو عبيدة سنة عشر ومئة في الليلة التي مات فيها الحسن البصري.
قال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه.
وتوفي سنة تسع ومئتين، وقيل عشر، وقيل إحدى عشر، وقيل سنة ثلاث عشرة. وله ثمان وتسعون سنة.
معن بن أوس بن نصر بن زيادة
ويقال: زياد بن أسحم، ويقال: ابن زيادة ابن أسعد بن أسحم بن ربيعة المزني
شاعر مجيد، أدرك عمر بن الخطاب، وعاش إلى فتنة ابن الزبير، ومروان بن الحكم، وكان معاوية يفضله ويقول: كان أشعر أهل الجاهلية من مزينة وهو زهير وكان أشعر أهل الإسلام منهم ابنه كعب ومعن بن أوس.
دخل معن بن أوس على معاوية فاستنشده معاوية، فأنشده: من الطويل
فو الله ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول
فقال له معاوية: أنشدنيها عبد الله بن الزبير. فقال معن: اشتركنا فيها يا أمير المؤمنين،
стр. 8846
عقدت القوافي وحشا فيها الكلام. فضحك معاوية وقال: فلثوالي أيكما شاءت. قال معن: فذكرت ذلك لابن أبي عتيق فقال: والله لولا شغل معاوية بالخلافة لكنتما معه في الطين، فأيكما والت؟ قلت: إياي، أسلمها لي أبو بكر ورجع إلى حظه من قراءته وصلاته. قال ابن أبي عتيق: رجعت الإبل إلى مباركها. وكان عبد الله بن الزبير راضع بعض ولد معن بلبان قديم. فكان معن أباه من الرضاعة.
سافر معن بن أوس إلى الشام، وخلف ابنته ليلى في جوار عمر بن أبي سلمة، وأم سلمة أم المؤمنين، وفي جوار عاصم بن عمر بن الخطاب، فقال له بعض عشيرته: على من خلفت ابنتك ليلى بالحجاز وهي صبية ليس لها من يكفلها؟ فقال معن: من الطويل
لعمرك ما ليلى بدار مضيعة ... وما شيخها إذ غاب عنها بخائف
وإن لها جارين لن يغدرا بها ... ربيب النبي وابن خير الخلائف
وقد قيل: إنه قال هذين البيتين في نخله بأحوس من الأكحل وهي:
لعمرك ما نخلي بحال مضيعة ... ولا ربها إن غاب عنها بخائف
والبيت الثاني.
وقال مصعب بن عبد الله: أراد معن بقوله: وابن خير الخلائف عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، كانت صدقة عاصم بالأكحل له قبل عاصم، فلما قدم مصعب بن الزبير من العراق يريد ابن الزبير بمكة قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعاصم بن عمر: اذهب بنا إلى مصعب حتى نستجديه من مال العراق. فجاءه فأعطى عبد الله بن جعفر أربعين ألف دينار، وأعطى عاصم بن
стр. 8847
عمر عشرين ألف دينار حكمه فيها فاحتكمها، فاشترى بها صدقته بالأكحل، وقد كانت قبله لعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال عبد الله بن جعفر. مالك لم تحكمني كما حكمت عاصم بن عمر؟ قال: كرهت أن تخزيني أو تبخلني. قال: لو فعلت لفعلت.
ومن شعر معن بن أوس من قصيده التي أولها: من الطويل
لعمرك ما أدري وإني لأوجل....................................
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كل يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مرحل
قال محمد بن عبيد: لم يترك عروة بن الزبير ورده في الليلة التي قطعت فيها رجله، وتمثل بأبيات معن بن أوس: من الطويل
لعمري ما أهويت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
كان عبد الملك يوماً في عدة من ولده وأهل بيته فقال: لينشد كل رجل منكم أشعر ما يروى من الشعر. فأنشدوه لزهير والنابغة وامرئ القيس وطرفة ولبيد، فقال عبد الملك: أشعر منهم الذي يقول - والشعر لمعن بن أوس المزني -: من الطويل
وذي رحم قلمت أظفار ظغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
يحاول رغمي لا يحاول غيره ... وكالموت عندي أن يحل به الرغم
فإن أعف عنه أغض عيناً على قذى ... وليس له بالصفح عن ذنبه علم
стр. 8848
وإن أنتصر منه أكن مثل رائش ... سهام عدو يستهاض بها العظم
صبرت على ما كان بيني وبينه ... وما يستوي حرب الأقارب والسلم
ويشتم عرضي بالمغيب جاهداً ... وليس له عندي هوان ولا شتم
إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها تلك السفاهة والإثم
وإن أدعه للنصف يأب ويعصني ... ويدع لحكم جائر غيره الحكم
وقد كنت أكوي الكاشحين وأشتفي ... وأقطع قطعاً ليس ينفعه الحسم
وقد كنت أجزي النكر بالنكر مثله ... وأحلم أحياناً ولو عظم الجرم
ولولا اتقاء الله والرحم التي ... رعايتها حق وتعطيلها ظلم
إذاً لعلاه بارقي وحطمته ... بوسم سنان لا يشاكله وسم
ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي ... وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
يود لو أني معدم ذو خصاصة ... وأكره جهدي أن يخالطه العدم
ويعتد غنماً في الحوادث نكبتي ... وما إن له فيها شفاء ولا غنم
أكون له إن ينكب الدهر مدرهاً ... أكالب عنه الخصم إذ عضه الخصم
وألجم عنه كل أبلخ ظالم ... ألد شديد الخصم غايته الغشم
فما زلت في لين له وتعطف ... عليه كما تحنو على الولد الأم
وقولي إذ أخشى عليه مصيبة ... ألا اسلم فذاك الخال والرفد والعم
وصبري على أشياء منه تريبني ... وكظم على غيظي وقد ينفع الكظم
لأستل منه الضغن حتى استللته ... وقد كان ذا حقد يضيق به الخرم
стр. 8849
رأيت انثلاماً بيننا فرقعته ... برفقي وإحنائي وقد يرقع الثلم
وأبرأت غل الصدر منه توسعاً ... بحلمي كما يشفي بالأدوية الكلم
فأطفأت نار الحرب بيني وبينه ... وأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم
ومن شعر معن بن أوس بن زهير بن أبي سلمى: من البسيط
ما مسني من غنى يوماً ولا عدم ... إلا وقولي عليه الحمد لله
قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
معن بن ثور بن يزيد بن الأخنس السلمي
من الصدر الأول.
قال حبيب بن مسلمة لمعن بن ثور السلمي: هل تدري لم اتخذت النصارى الديارات؟ قال معن: ولم؟ قال: إنه لما أحدثت الملوك في دينها البدع وضيعوا أمر النبيين وأكلوا الخنزير اعتزلوهم في الديارات، وتركوهم وما ابتدعوا، فتخلوا للعبادة. قال حبيب لمعن: فهل لك؟ قال: ليس بيوم ذاك.
قتل معن بن ثور بمرج راهط سنة خمس وستين.
стр. 8850
معن بن يزيد بن الأخنس
ابن حبيب بن جرو بن زعب بن مالك بن خفاف ابن امرئ القيس، أبو يزيد السلمي له ولأبيه ولجده صحبة. وشهد معن فتح دمشق، وكان ذا بلاء في الغزو، وكان له مكان عند عمر بن الخطاب، وشهد صفين مع معاوية.
قال معن بن يزيد: بايعت رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي، وخاصمت إليه فأفلجني، وخطب علي فأنكحني.
وقال معن: لا تحل غنيمة حتى تقسم على الناس كفة واحدة فإذا قسم حل لي أن أعطيك.
وفي رواية أن معن بن يزيد قال: خاصمت إلى رسول الله ﷺ فأفلجني. قلت له: ما كانت خصومتك؟ قال: كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم، فجاء ذات ليلة ومعه صرة، فظن أني بعض من يعرفه، فلما أصبح تبين له فقال: ردها. فأبيت، فاختصمنا إلى النبي ﷺ ، فأجاز لي الصدقة وقال: لك أجر ما نويت.
وعن معن بن يزيد: أن النبي ﷺ خطب وقال فيه: إن من البيان سحراً!.
ومعن ويزيد بن الأخنس قتلا براهط، ومعن وأبوه وجده شهدوا بدراً.
قال يزيد بن حبيب: ولا أعلم رجلاً هو وابنه وابن ابنه مسلمين شهدوا بدراً غيرهم.
стр. 8851
قال: ولا أعلم ليزيد بن حبيب متابعاً على شهودهم بدراً.
قال الدارقطني: زغب، بغين معجمة.
قالوا: وهو غلط ظاهر، وهو زعب، بعين مهملة، مشهور. وإلى اليوم خلق منهم بالحجاز زعبيون، ولهم خفارة في طريق مكة.
قال عقبة بن رافع: غزونا الصائفة وعلينا معن بن يزيد الخفافي، فنزل منزلاً حتى أشفينا على أرض العدو، فقام في الناس فحمد اله وأثنى عليه فقال: ياأيها الناس! إنا لا نريد أن نقسم الغنم والعلف، وأشباه ذلك، فخذوا منه ما أحببتم، فقد أحللناكم منه.
قدم معن بن يزيد بن الأخنس السلمي في رجال من بني سليم نحواً من مئة، فقال أبو بكر: لو كانوا هؤلاء أكثر مما هم أمضيناهم. فقال له عمر: والله لو كانوا عشرة لرأيت أن تمد بهم إخوانهم، ووالله إني لأرى أن نمدهم بالرجل الواحد إذا كان ذا حزم وغناء. فقال حبيب بن مسلمة الفهري: وعندي نحو من عدتهم، رجال من أفناء القبائل، ذو رغبة في الجهاد، فاجمعنا وهؤلاء جميعاً يا خليفة رسول الله، ثم ابعثنا مدداً إخواننا من المسلمين. فقال أبو بكر: فاخرج بهم جميعاً فأنت أمير القوم حتى تقدم على إخوانك. فعسكر بهم وجمع إليه أصحابه، ومضى بهم حتى قدم على يزيد بن أبي سفيان.
قال معاوية: ما ولدت قرشية لقرشي خيراً لها في دينها من محمد ﷺ ، وما ولدت قرشية لقرشي
стр. 8852
خيراً لها في دنياها مني. فقال معن بن يزيد السلمي: ما ولدت قرشية لقرشي خيراً لها في دينها من محمد ﷺ ، ولا شراً لها في دنياها منك. قال: ولم؟ قال: لأنك عودتهم عادة كأني بهم قد طلبوها من غيرك، فكأني بهم صرعى في الطرق. قال: ويحك! والله إني لأكاتمها نفسي منذ كذا وكذا.
دخل معاوية بن يزيد على معاوية وهو بين جاريتين تدفئانه وترفعان عنه اللحاف، فلما نظر إليه معن بكى، فقال له معاوية: ما يبكيك؟ هذا الذي كنتم تلتمسون لي. يريد البقاء.
مغلس البغدادي
كان شيخاً ثقة.
وحدث عن هشام بن خالد بسنده إلى جابر، أن النبي ﷺ قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها.
مغيث بن سمي أبو أيوب الأوزاعي
حدث عن عبد الله بن عمرو قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان. فقالوا: صدوق اللسان قد عرفناه، فما مخموم القلب؟ قال: التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد. قالوا: فمن يليه يا رسول الله؟ قال: الذين شنؤوا الدنيا وأحبوا الآخرة. قالوا: فما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله ﷺ ، فمن يليه؟ قال: مؤمن في خلق حسن.
وحدث مغيث بن سمي قال: صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر، فصلى فغلس، وكان يسفر بها، فلما سلم
стр. 8853
قلت لعبد الله بن عمر: ما هذه الصلاة؟ - وهو إلى جانبي - فقال: هذه صلاتنا مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما قتل عمر أسفر بها عثمان.
مغيث: بعد الميم غين منقوطة، وتحت الياء نقطتان، وفوق الثاء ثلاث نقط.
أقبل مغيث بن سمي إلى مكحول وأوسع له إلى جنبه، فأتى وجلس مقابل القبلة وقال: هذا أشرف المجالس وأجل دعوة تحضر.
المغيرة بن زياد
أبو هاشم البجلي الموصلي حدث عن عطاء عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر.
وحدث عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوساً فقلت: ليست لي بمال، وأرمي عنها في سبيل الله. فسألت النبي ﷺ فقال: إن سرك أن تطوق بها طوقاً من نار فاقبلها.
وحديث عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب فلبسه ثلاثة أيام، ففشت خواتيم الذهب في أصحابه، فرمى به وأتخذ خاتماً من ورق، نقش فيه: محمد رسول الله، فكان في يده حتى مات، وفي يد أبي بكر حتى مات، وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين، فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار يختم به، فأتى قليباً لعثمان فسقط فيها، كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار يختم به، فأتى قليباً لعثمان فسقط فيها، فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ خاتماً من ورق نقش فيه: محمد رسول الله.
стр. 8854
وكان مغيرة بن زياد حسن الوجه، طويل اللحية جيد القامة، كانت له لحية وافرة، وخضابه بالحناء.
ودعي إلى القضاء فلم يجب إلى ذلك، وكان ثقة. وقيل إنه كان مضطرب الحديث. وحدث بأحاديث مناكير، فطعنوا في الأحاديث التي رواها.
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر
ابن مسعود بن معتب ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي، وهو ثقيف؛ أبو عيسى، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو محمد الثقفي
صحب سيدنا رسول الله ﷺ ، وشهد اليرموك، وأصيبت عينه بها، وقدم دمشق على معاوية.
قال المغيرة بن شعبة: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً.
وعن المغيرة بن شعبة قال: لقد سرت مع رسول الله ﷺ وأصحابه أكثر ما كانوا، فأصابهم عطش، قال: فوقف رسول الله ﷺ في أوائل الناس، فجعل إذا مر عليه أحد قال: هل معك ماء؟ فيقول: لا. حتى أتيت عليه وإني لفي آخر الناس، فقال: يا مغيرة! هل معك ماء؟ قلت: نعم. قال: هاتها، رد على أوائل الناس. قال: فجعل يصب لهم في قدح حتى شربوا كلهم قال: فبقيت أنا وهو، قال: فصب فقال: اشرب. قلت: اشرب أنت، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: لا، إن الساقي يشرب آخر القوم.
قال أبو إدريس الخولاني: قدم المغيرة بن شعبة دمشق فأتيته فسألته عما حضر فقال: وضأت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فمسح على خفيه.
стр. 8855
وكان المغيرة داهية لا يشتجر في صدره أمران إلا وجد في أحدهما مخرجاً وكان يقال له مغيرة الرأي، وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وقدم وفد ثقيف فأنزلهم عليه، فأكرمهم، وبعثه رسول الله ﷺ مع أبي سفيان بن حرب إلى الطائف، فهدموا الربة.
قال المغيرة: وكنت أحمل وضوء رسول الله ﷺ فرأيته يوماً من ذلك، توضأ ومسح على خفيه، وكنت معه في حجة الوداع، قال: ولما توفي رسول الله ﷺ بعثني أبو بكر إلى أهل النجير، ثم شهدت اليمامة، ثم شهدت فتوح الشام مع المسلمين، ثم شهدت اليرموك وأصيبت عيني يوم اليرموك، ثم شهدت القادسية وكنت رسول سعد إلى رستم، ووليت لعمر بن الخطاب البصرة، ففتح ميسان، ودست ميسان وأبزقباذ، ولقي العجم بالمرغاب فهزمهم، وفتح سوق الأهواز، وغزا نهر تيرى ومناذر الكبرى، فهرب من
стр. 8856
فيها من الأساورة إلى تستر، وفتح همذان وشهد نهاوند وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، وكان عمر كتب: إن هلك النعمان فالأمير حذيفة، فإن هلك فالأمير المغيرة. والمغيرة أول من وضع ديوان البصرة، وجمع الناس ليعطوا عليه، وولي الكوفة لعمر بن الخطاب، وقتل عمر وهو عليها، ووليها بعد ذلك لمعاوية بن أبي سفيان، فمات بها وهو وال عليها سنة خمسين وهو يومئذ ابن سبعين سنة.
قال الزهري: كان من دهاة الناس في الفتنة خمسة نفر: عمرو بن العاص؛ ومعاوية؛ ومن الأنصار قيس بن سعد؛ ومن ثقيف المغيرة بن شعبة؛ ومن المهاجرين عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي. وكان مع علي رجلان: قيس وعبد الله؛ واعتزل المغيرة بن شعبة.
وكانت أم المغيرة أمامة بنت الأفقم بن أبي عمرو. وقيل: أمه امرأة من بني نصر بن معاوية، وكان طوالاً، أصهب الشعر، أجعد، ضخم الهامة، عبل الذراعين، أقلص الشفتين، يخضب بالحمرة، يفرق رأسه فروقاً أربعة، مهتوماً، بعيد ما بين المنكبين، وكان أول من رشا في الإسلام، رشا يرفأ حاجب عمر.
ومعتب، بضم الميم، وفتح العين المهملة وتشديد التاء المعجمة باثنتين فوقها، وبعدها باء معجمة بواحدة.
قال المغيرة بن شعبة: كناني رسول الله ﷺ بأبي عيسى؛ قال زيد بن أسلم: جاء رجل فنادى: يستأذن أبو عيسى على أمير المؤمنين. فقال عمر: من أبو عيسى؟ قال المغيرة بن شعبة: أنا. فقال
стр. 8857
عمر: وهل لعيسى من أب؟ فكناه بأي عبد الله.
وعن عائشة قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها فذهبت عينه.
وعن المغيرة بن شعبة قال:
كنا قوماً من العرب متمسكين بديننا ونحن سدنة اللات، فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتهم، فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس، وأهدوا له هدايا، فأجمعت الخروج معهم، فاستشرت عمي عروة بن مسعود، فنهاني وقال: ليس معك من بني أبيك أحد. فأبيت إلا الخروج، فخرجت معهم، وليس معهم أحد من الأحلاف غيري حتى دخلنا الإسكندرية، فإذا المقوقس في مجلس مطل على البحر، فركبت زورقاً حتى حاذيت مجلسه، فنظر إلي فأنكرني، وأمر من يسألني من أنا وما أريد؟ فسألني فأخبرته بأمرنا وقدومنا عليه، فأنزلنا في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافة، ثم دعا بنا، فنظر إلى رأس بني مالك فأدناه وأجلسه معه وسأله: أكل القوم من بني مالك؟ فقال: نعم، إلا رجل واحد من الأحلاف، فعرفه إياي، فكنت أهون القوم عليه، ووضعوا هداياهم بين يديه فسر بها، وأمر لهم بجوائز، وفضل بعضهم على بعض، وقصر بي فأعطاني شيئاً قليلاً لا ذكر له، وأقبل بنو مالك يشترون الهدايا لأهلهم وهم مسرورون، ولم يعرض علي رجل منهم مواساة.
وخرجوا وحملوا معهم الخمر، فكانوا يشربون وأشرب معهم وتأبى نفسي تدعني ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا، وما حباهم الملك ويخبرون قومي بتقصيره بي وازدرائه إياي، فأجمعت على قتلهم، فلما كنا ببيسان تمارضت وعصبت رأسي، فوضعوا شرابهم ودعوني، فقلت:
стр. 8858
رأسي يصدع، ولكن أجلس فأسقيكم. فلم ينكروا شيئاً، وجلست أسقيم وأشرب القدح بعد القدح، فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب، فجعلت أصرف لهم ورع الكأس، فيشربون ولا يدرون، فأهمدتهم الكأس حتى ناموا ما يعقلون، فقتلتهم جميعاً وأخذت جميع ما كان معهم، وقدمت على النبي ﷺ فأجده جالساً في المسجد مع أصحابه، وعلي ثياب سفري فسلمت بسلام الإسلام، فنظر إلي أبو بكر بن أبي قحافة، وكان بي عارفاً فقال: ابن أخي عروة؟ قال: قلت نعم. جئت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله الذي هداك للإسلام. فقال أبو بكر: أمن مصر أقبلتم؟ قلت: نعم. قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قلت: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب، ونحن على دين الشرك فقتلتهم وأخذت أسلابهم، وجئت بها إلى رسول الله ﷺ ليخمسها أو يرى فيها رأيه، فإنما هي غنيمة من مشركين، وأنا مسلم مصدق بمحمد ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : أما إسلامك فنقبله، ولا آخذ من أموالهم شيئاً، ولا أخمسه، لأن هذا غدر، والغدر لا خير فيه. قال: فأخذني ما قرب وما بعد وقلت: يا رسول الله! إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمت حين دخلت عليك الساعة قال: فإن الإسلام يجب ما كان قبله.
وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنساناً، فبلغ ذلك ثقيفاً بالطائف، فتداعوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن يحمل عمي عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية. قال المغيرة: وأقمت مع النبي ﷺ حتى اعتمر عمرة الحديبية، في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فكانت أول سفرة خرجت معه فيها، وكنت أكون مع أبي بكر الصديق ﵁، وألزم رسول الله ﷺ فيمن يلزمه، وبعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى النبي ﷺ ليكلمه، فأتاه فكلمه وجعل يمس لحية رسول الله ﷺ . والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ مقنع في الحديد، فقال لعروة: كف يدك قبل أن لا تصل إليك. فقال عروة: يا محمد! من هذا؟ ما أفظه وأغلظه! فقال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. فقال عروة: يا غدر! والله ما غلست عني سوأتك إلا بالأمس. وانصرف عروة إلى قريش فأخبرهم بما كلم به رسول الله ﷺ .
стр. 8859
وعن الواقدي قال: قالوا: ولما نزل رسول الله ﷺ الحديبية.. فذكر القصة وفيها: فقال عروة بن مسعود الثقفي: يا معشر قريش! تتهموني؟! ألستم الوالد وأنا الولد؟ وقد استنفرت أهل عكاظ لنصركم فلما بلحوا علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني. فقالوا: قد فعلت؟! فقال: وإني لكم ناصح، عليكم شفيق ولا أدخر عنكم نصحاً. قال: فإن بديل جاءكم بخطة رشد لا يردها أحد أبداً إلا أخذ شراً منها، فاقبلوها منه وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده وأنظر إلى من معه، وأكون لكم عيناً آتيكم بخبره.
فبعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل عروة بن مسعود حتى أناخ راحلته عند رسول الله ﷺ ، ثم أقبل حتى جاءه ثم قال: يا محمد! إني تركت قومك كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي على أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وقد استنفروا لك الأحابيش، هم ومن أطاعهم، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: أن تجتاح قومك - فلم نسمع برجل اجتاح أصله قبلك؛ أو بين أن يخذلك من يرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشاً من الناس، لا أعرف وجوهم ولا أنسابهم. فغضب أبو بكر وقال: امصص بظر اللات، أنحن نخذله! فقال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها بعد لأجبتك. وكان
стр. 8860
عروة قد استعان في حمل دية، فأعانه الرجل بالفريضتين والثلاث، وأعانه أبو بكر بعشر فرائض؛ فكانت هذه يد أبي بكر عند عروة بن مسعود.
قالوا: وكان مع المغيرة لما خرج مع بني مالك وأوقع بهم حليفان له، يقال لأحدهما دمون - رجل من كندة - والآخر الشريد، وإنما كان اسمه عمرو، فلما صنع المغيرة بأصحابه ما صنع شرد فسمي الشريد فلما قتلهم ونظر إليهم دمون تغيب عنه وظن أن المغيرة إنما حمله على قتلهم السكر، فجعل المغيرة يطلب دمون ويصيح به ويقلب القتلى فلا يراه، فبكى، فلما رأى ذلك دمون خرج إليه فقال له المغيرة: ما غيبك؟ قال خشيت أن تقتلني كما قتلت القوم. قال المغيرة: إنما قتلت بني مالك لما صنع بهم المقوقس. وأخذ المغيرة أمتعتهم وأموالهم ولحق بالنبي ﷺ . وأسلم المغيرة، وقدم الشريد مكة، فأخبر أبا سفيان بن حرب بما صنع المغيرة ببني مالك، فبعث أبو سفيان معاوية إلى عروة بن مسعود يخبره الخبر.
قال معاوية: خرجت حتى إذا كنت بنعمان قلت في نفسي: إن أسلك ذا غفار فهي أبعد وأسهل، وإن سلكت ذا العلق فهي أغلظ وأقرب؛ فسلكت ذا غفار، فطرقت عروة بن مسعود من الليل فأخبرته الخبر، فقال عروة: انطلق إلى مسعود بن عمرو المالكي، فو الله ما كلمته منذ عشر سنين، والليلة أكلمه، فخرجنا إلى مسعود، فناداه عروة، فقال: من هذا؟ فقال عروة: فأقبل مسعود إلينا وهو يقول:
أطرقت عراهية
أم طرقت بداهية
بل طرقت بداهية
следующие страницы →