← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

كلا يا أمير المؤمنين، يدفع الله عنك. فقال معاوية متمثلا: من الكامل وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال لمن حضره من أهله: اتقوا الله فإن الله يقي من اتقاه، ولا تقى لمن لا يتقي الله. ثم قضى ﵀. قال مكحول: لما حضرت معاوية الوفاة جمع بنيه وولده ثم قال لأم ولد له: أريني الوديعة التي استودعتك إياها. قال: فجاءت بسفط مختوم، مقفلاً عليه، قال: فظننا أن فيه جوهراً، فقال: إنما كنت أدخر هذا لهذا اليوم. ثم قال: افتحيه. ففتحته فإذا منديل عليه ثلاثة أثواب فقال: هذا قميص رسول الله ﷺ كساني، وهذا رداء رسول الله ﷺ كساني لما قدم من حجة الوداع. قال: ثم مكثت بعد ذلك ملياً ثم قلت: يا رسول الله! اكسني هذا الإزار الذي عليك. قال: إذا ذهبت إلى البيت أرسلت به إليك يا معاوية. قال: ثم إن رسول الله ﷺ أرسل به إلي، ثم إن رسول الله ﷺ دعا الحجام، فأخذ من شعره ولحيته فقلت: يا رسول الله هب لي هذا الشعر. قال: خذه يا معاوية. فهو مصرور في طرف الرداء، فإذا أنا مت، فكفنوني في قميص رسول الله ﷺ وأدرجوني في ردائه وأزروني بإزاره، وخذوا من شعر رسول الله ﷺ فاحشوا به شدقي ومنخري وذروا سائره على صدري، وخلوا بيني وبين رحمة أرحم الراحمين. وعن الشافعي قال: كان يزيد في بعض المواضع، فجاءه الرسول بمرض معاوية، فركب وهو يقول: من البسيط

стр. 8787

جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا وقال: إنه حضر ودخل إلى معاوية وهو مغمور. قالوا: والصحيح أن يزيد لم يدركه حياً وإنما جاء بعد موته. ولما مات معاوية أخرجت أكفانه فوضعت على المنبر، ثم قام الضحاك بن قيس الفهري خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أمير المؤمنين معاوية كان في جد العرب، وعوذ العرب؛ وحد العرب، قطع الله به الفتنة وملكه على العباد، وسير جنوده في البر والبحر، وبسط به الدنيا، وكان عبداً من عبيد الله، دعاه الله فأجابه، فقد قضى نحبه رحمة الله عليه، وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره، ومخلوه وعمله فيما بينه وبين ربه، إن شاء رحمه، وإن شاء عذبه، ثم هو الهرج إلى يوم القيامة، فمن أراد حضوره بعد الظهر فليحضره، فإنا رائحون به. وصلى عليه الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائباً حين مات معاوية بحوارين، فلما ثقل معاوية أرسل إليه الضحاك، فقدم وقد مات معاوية ودفن، فلم يأت منزله حتى أتى قبره، فصلى عليه ودعا له، ثم أتى منزله فقال: من البسيط

стр. 8788

جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قالوا الخليفة أمسى مثبتاً وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أعين من أركانها انقلعا لما انتهينا وباب الدار منصفق ... لصوت رملة ريع القلب فانصدعا من لا تزل نفسه توفي على شرف ... توشك مقادير تلك النفس أن تقعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه ... كانا تكونا جميعاً قاطنين معاً أغر أبلج يستسقي الغمام به ... لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا وما أبالي إذا أدركن مهجته ... ما مات منهن بالبيداء أو ظلعا ثم خطب يزيد الناس فقال: إن معاوية كان عبداً من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضع الله، وهو خير ممن بعده، ودون من قبله، ولا أزكيه على الله، هو أعلم به، إن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئاً كان. اذكروا الله واستغفروه. فقال أبو الورد العنبري يرثي معاوية: من الوافر ألا أنعى معاوية بن حرب ... نعاة الحل للشهر الحرام نعاه الناعجات بكل فج ... خواضع في الأزمة كالسهام فهاتيك النجوم وهن خرس ... ينحن على معاوية الشآمي

стр. 8789

وقال أيمن بن خريم: من الوافر رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا ورد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا فإنك لو شهدت بكاء هند ... ورملة إذ يصفقن الخدودا بكيت بكاء معولة قريح ... أصاب الدهر واحدها الفريدا قال سعيد بن حريث: لما كان الغداة التي مات معاوية في ليلتها فزع الناس إلى المسجد، ولم يكن خليفة قبله في الشام غيره، فلما ارتفع النهار وهم يبكون في الخضراء، وابنه يزيد غائب في البرية، وهو ولي عهده، وكان خليفته على دمشق الضحاك بن قيس إذ قعقع باب النحاس الذي يخرج إلى المسجد من الخضراء، فدلف الناس إلى المقصورة، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا رجل على يده اليسرى ثياب ملفوفة، فإذا هو الضحاك بن قيس، فاتكأ على المنبر بيده اليسرى، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إني قائل لكم قولاً، فرحم الله امرأ وعى ما سمع مني، تعلمون أن معاوية كان حد العرب، مكن الله له في البر والبحر، وأذاقكم معه الخفض والطمأنينة، ولذاذة العيش - وأهوى بيده إلى فيه - وإنه هلك ﵀ وهذه أكفانه على يدي ونحن مدرجوه فيها ودافنوه وإياها، ثم هي البلايا والملاحم والفتن، وما توعدون إلى يوم القيامة. ثم دخل الخضراء، فلم يخرج إلا لصلاة الظهر، فصلى ثم أخرجوا جنازة معاوية،

стр. 8790

فدفنوه، فلبثنا حتى كان مثل يوم الجمعة، فبلغنا أن ابن الزبير خرج بالمدينة وحارب، وكان معاوية قد غشي عليه قبل ذلك غشية، فركب به الركبان، فلما بلغ ذلك ابن الزبير خرج، ثم كان مثل ذلك اليوم الجمعة المقبلة صلى بنا الضحاك بن قيس الظهر، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعلمون أن خليفتكم يزيد بن معاوية، قد أظلكم، ونحن خارجون غداً وملتقوه، فمن أحب أن يتلقاه معنا فعل. فركبنا الصبح، وسار إلى ثنية العقاب، وما بين باب توما وبين ثنية العقاب بيت مبني بقرى إلى قرى العجم، فلما صعدنا في ثنية العقاب إذا بأثقال يزيد قد تحدرت في الثنية، ثم سرنا غير كثير، فإذا يزيد في ركب من أخواله من كلب، وهو على بختي له رحل ورائطة مثنية في عنقه، ليس عليه سيف ولا عمامة، وكان رجلاً كثير اللحم، عظيم الجسم، كثير الشحم، كثير الشعر، وقد أجفل شعره وشعث، فسلم الناس عليه وعزوه، ودنا منه الضحاك بن قيس بين أيديهم فليس منا أحد يتبين كلامه، إلا أنا نرى فيه الكآبة والحزن وخفض الصوت، والناس يعيبون منه ذلك ويقولون: هذا الأعرابي الذي ولاه أمر الناس، والله سائله عنه! وسار مقبلاً إلى دمشق فقلنا: يدخل من باب توما، حتى دنا منها فلم يفعل، ومضى مع الحائط إلى باب الشرقي، فقال الناس: يدخل من باب الشرقي، فإنه باب خالد بن الوليد الذي دخل منه حين فتح. فلما دنا من الباب أجازه إلى باب كيسان، ثم أجاز باب كيسان إلى باب الصغير، فلما وافى الباب رمى بزمام بختيته فاستناخ ثم تورك فبرك، ونزل الضحاك بن قيس، ومضى يمشي بين يديه إلى قبر معاوية، فصلى عليه وصففنا خلفه، وكبر أربعاً ثم أمر بنعليه حين خرج من المقابر فركبها حتى أتى الخضراء ثم أذن المؤذن الصلاة جامعة، لصلاة الظهر، وقد اغتسل ولبس ثياباً نقية وجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر موت معاوية قال: إن

стр. 8791

معاوية كان يغزيكم البر والبحر، ولست حاملاً أحداً من المسلمين في البحر؛ وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم، ولست مشتياً أحداً من المسلمين بأرض الروم؛ وإن معاوية كان يخرج لكم العطايا أثلاثاً، وأنا أجمعه لكم كله. قال: فافترقوا وما يفضلون عليه أحداً. وقف مروان بن الحكم على قبر معاوية فقال: رحمك الله يا أبا عبد الرحمن! أكل على مائدته وأطعم عليها أربعين سنة، عشرين أميراً وعشرين خليفة ثم قال: من الطويل وما الدهر والأيام إلا كما أرى ... رزية مال أو فراق حبيب فلا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب دخل علي بن عبد الله بن عباس على عبد الملك بن مروان في يوم بارد وبين يديه وقود قد ألقي عليه عود مقد دخن، فقال عبد الملك: ها هنا، إلي يا أبا محمد! فأجلسه معه فقال علي: احمد الله يا أمير المؤمنين فيما أنت فيه من الإدفاء، والناس فيما هم فيه من شدة البرد - وفي رواية: وهو في فرش قد كاد يغيب فيها - فقال: يا أبا محمد! أبعد ابن هند بالشام أربعين سنة أميراً وخليفة أمسى يهتز على قبره ينبوتة؟! ثم دعا بالغداء فتغديا جميعاً. وفي رواية: ثم هو ذاك على قبره ثمامة نابتة، وكانت خلافة معاوية عشرين سنة إلا أشهر. ودفن بين باب الجابية وباب الصغير.

стр. 8792

وكان محارباً لأهل العراق خمس سنين، وهلك وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ومات سنة ستين. توفي سيدنا رسول الله ﷺ لعشر سنين من التاريخ، وولي أبو بكر ﵁ سنتين وأشهراً، وولي عمر ﵁ عشر سنين وأشهراً، وولي عثمان ﵁ ثنتي عشرة سنة، وكانت الفتنة لخمس سنين، وملك معاوية عشرين سنة. خطب معاوية فقال: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين، وأنا ابن ثلاث وستين. ولكنه عمر بعد هذا حتى بلغ الثمانين، وقد قيل: إنه توفي ابن اثنتين وثمانين سنة. جاء نعي معاوية إلى ابن عباس والمائدة بين يديه فقال لغلامه: ارفع، ارفع. ثم قال: اللهم أنت أوسع لمعاوية. ثم قال: خير ممن يكون بعده، وشر ممن كان قبله. ثم قال: من الكامل جبل تزعزع ثم مال بجمعه ... في البحر لارتقت عليك الأبحر ولما نعي معاوية قال عبد الله بن الزبير: ذهب والله عز بني أمية، كان والله كما قال الشاعر: من المتقارب ركوب المنابر ذو همة ... معن بخطبته مجهر تثوب إليه هوادي الكلام ... إذا ضل خطبته المهمر وقيل: إن ابن الزبير لما بلغه خطب فقال: رحم الله ابن هند، لوددت أنه بقي لنا ما بقي من أبي قبيس حجر، على مثل ما فارقنا عليه، كان كما قال بطحاء العذري:

стр. 8793

ركوب المنابر ذو همة ... معن بخطبته مجهر تثوب إليه هوادي الكلام ... إذا ضل خطبته المهمر ولد معاوية بمكة في دار أبي سفيان، وقيل: في دار عتبة بن ربيعة. معاوية بن طويع ابن جشيب اليزني الداراني حدث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : كل شيء للرجل حل من المرأة في صيامه، ما خلا ما بين رجليها. وعن معاوية قال: قال أبو هريرة: المروءة الثبوت في المجلس، وإصلاح المال، والغداء بأفنية البيوت. معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي وفد على يزيد بن معاوية، ثم عمر، حتى وفد على يزيد بن عبد الملك. حدث عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: مر النبي ﷺ على ناس يرمون كبشاً بالنبل، فكره ذلك وقال: لا تمثلوا بالبهائم. لما حضرت عبد الله بن جعفر الوفاة دعا ابنه معاوية، فنزع شنفاً من أذنه، وأوصى إليه، وفي ولده من هو أسن منه وقال: إني لم أزل أؤهلك لها. فلما توفي عبد الله احتال معاوية بدين أبيه، وخرج يطلب فيه حتى قضاه، وقسم أموال أبيه بين ولده، ولم يستأثر بشيء عليهم.

стр. 8794

قال جويرية: لما مات عبد الله بن جعفر أمر ابنه معاوية رجلاً فنادى: من كان له على عبد الله بن جعفر شيء فليعد بالغداة، ومن أراد أن يشتري من عقده شيئاً فليعد بالغداة. قال: فغدا التجار والغرماء، فباع عقدة وقضى دينه. ومن كانت له بينة أعطي، ومن لم يكن له بينة استحلف وأعطي. وكان عليه ألف ألف. وكان معاوية بن عبد الله مقدماً يوصف بالفضل والعلم؛ ومرض مرضة فدخل عليه قوم يعودونه فقالوا له: كيف تجدك؟ قال: إني وجدت فضل ما بين البليتين نعمة. يعني أني أبتلى ويبتلى غيري بما هو أشد منه. غنت حبابة يزيد صوتاً لابن سريج وهو: من المنسرح ما أحسن الجيد من مليكة وال ... لبات إذ زانها ترائبها فطرب يزيد وقال: هل رأيت أحداً قط أطرب مني؟ قالت: نعم، ابن الطيار معاوية بن عبد الله بن جعفر. فكتب فيه إلى عبد الرحمن بن الضحاك، فحمل إليه، فلما قدم أرسلت إليه حبابة: إنما بعث إليك لكذا وكذا وأخبرته، فإذا دخلت عليه وتغنيت فلا تظهرن طرباً حتى أغني الصوت الذي غنيته. فقال: سوأة! على كبر سني! فدعا به يزيد وهو على طنفسة خز، ووضع لمعاوية مثلها، وجاؤوا بجامين فيهما مسك، فوضعت إحداهما بين يدي يزيد، والأخرى بين يدي معاوية، فلم أدر كيف أصنع فقلت: أنظر كيف يصنع فأصنع مثله، فكان يقلبه فيفوح ريحه، وأفعل مثل ذلك، فدعا بحبابة، فلما غنت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور وينادي: الدخن بالنوى - يعني اللوبياء - فأمر له بصلات عدة دفعات، إلى أن خرج فكان مبلغها ثمانية آلاف دينار. أنشد محمد بن سلام لمعاوية بن عبد الله بن جعفر: من الكامل

стр. 8795

أنس غرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الحديث زوانياً ... ويصدهن عن الخنا الإسلام معاوية بن عبيد الله ابن يسار أبو عبيد الله الأشعري مولى عبد الله بن عضاه الأشعري، وزير المهدي ولاه هشام بن عبد الملك صدقات عذرة. حدث عن المهدي بسنده إلى ابن عباس قال: عارض النبي ﷺ جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحم، جزاك الله خيراً يا عم. وحدث عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه أن كعباً قدم إيلياء مرة من المرار، فرشا حبراً من أحبار يهود بضعة عشر ديناراً، على أن دله على الصخرة التي قام عليها سليمان بن داود حين فرغ من بناء المسجد، وهي مما يلي ناحية باب الأسباط، فقال كعب: قام سليمان بن داود على هذه الصخرة، ثم استقبل القدس كله، ودعا الله بثلاث، فأراه الله تعجيل إجابته إياه في دعوتين، وأرجو أن يستجيب له في الآخرة. فقال: اللهم هب " لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب ". فأعطاه الله ذلك؛ وقال: اللهم هب لي ملكاً وحكماً يوافق حكمك. ففعل الله ذلك به، ثم قال: اللهم لا يأتي هذا المسجد أحد يريد الصلاة فيه إلا أخرجته من خطيئته كيوم ولدته أمه.

стр. 8796

قال أبو عبيد الله: جاء قوم إلى المهدي يتظلمون من عباد الوصيف، فأغلظ لهم المهدي، فخرج شيخ وهو يقول: ليسمع المهدي ومن حضر، اللهم لا صبر لنا على أناتك، وأتينا هذا وأيسنا من عزل عباد، فاعزله أنت عنا يا أرحم الراحمين. قال: فمات عباد من ليلته. وصف رجل أبا عبيد الله كاتب المهدي فقال: ما رأيت أوفر من حلمه، ولا أطيش من قلمه. أبلى أبو عبيد الله مصليين وأشرع في الثالث - أو ثلاثة وأشرع في الرابع - موضع الركبتين والوجه والقدمين لكثرة صلاته؛ وكان له كل يوم كر دقيق يتصدق به على المساكين وكان يلي ذلك مولى له، فاشتد الغلاء فقال له: قد غلا السعر، فلو نقصنا من هذا. فقال: أنت شيطان - أو رسول شيطان - صيره كرين، فكان له في كل يوم كران يخبزان للمساكين. ويوم مات امتلأ الجسور، قلما يعبر عليها إلا من تبع جنازته من مواليه واليتامى والأرامل والمساكين. بعث أبو عبيد الله إلى عبد الله بن مصع بألفي دينار صلة، وعشرين ثوباً، فلم يقبلها. وكتب إليه: أن لو كان قابلاً من سوى الخليفة قبلها، وكتب إليه: أصلحك الله وأمتع بك، ما لسببك ومناحتك آخيناك، ولا لاستقلال ما بعثت به والسخط له كان ردنا إياه عليك، ولكنا آخيناك ووددناك وشكرناك لفضلك ونبلك، وقسم الله لك في رأيك ومعرفتك ورعايتك حق ذوي الحقوق؛ ولقد أصبحت عندنا بالمنزل الذي لا يزيدك فيه صلة وصلتنا بها، ولا يضرك ردناها. قال عبد الأعلى بن أبي المساور: دخلت الديوان في خلافة المهدي وأبو عبيد الله جالس في صدر الديوان، فسلمت فرد علي، وما هش إلي ولا حفل بي، فجلست إلى بعض كتابه، فقلت: حدثنا الشعبي

стр. 8797

فسمعني أبو عبيد الله فقال لي: رأيت الشعبي؟ فقلت: نعم ورأيت أبا بردة بن أبي موسى وهو خير من الشعبي! فقال: ارتفع ارتفع، كتمتنا نفسك حتى كدت أن تلحقنا ذماً لا ترحضه المعاذير. ثم أقبل علي واشتغلبي حتى فرغت من حاجتي وانصرفت بشكره. قال عمران بن شهاب الكاتب: استعنت على أبي عبيد الله في أمر ببعض إخوانه، فلما قام قال لي: لولا أن حقك حق لا يحد ولا يضاع لحجبت عنك حسن نظري، أظننتني أجهل الإحسان حتى أعلمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى أعرفه؟! لو كان ما ينال ما عندي إلا بغيري لكنت بمنزلة البعير الذلول، عليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد وإن أنيخ برك، لا يملك من نفسه شيئاً. فقلت: معرفتك بمواقع الصنائع أثقب من معرفة غيرك، ولم أجعل فلاناً شفيعاً، إنما جعلته مذكراً. فقال لي: فأي اذكار لمن رعى حقك أبلغ من تسليمك عليه ومصيرك إليه؟ إنه متى لم يتصفح المأمول أسماء مؤمليه بقلبه غدواً ورواحاً لم يكن للآمل محلاً، وجرى القدر لمؤمليه على يديه بما قدر وهو غير محمود على ذلك ولا مشكور، وما لي إمام أدرسه بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال التأميل لي، وما أبيت ليلة حتى أعرضهم على قلبي؛ فلا تستعن على شريف إلا بشرفه، فإنه يرى ذاك عنياً لمعروفه. ومن شعر أبي عبيد الله: من البسيط لله دهر أضعنا فيه أنفسنا ... بالجهل لو أنه بعد النهى عادا أفسدت ديني بإصلاحي خلافتهم ... وكان إصلاحها للدين إفسادا ما قربوا أحداً إلا ونيتهم ... أن يعقبوا قربة بالغدر إبعادا

стр. 8798

قال جعفر بن يحيى: أخبرني الفضل بن الربيع أن الموالي كانوا يشنعون أبا عبيد الله عند المهدي، ويسعون عليه عنده، وكانت كتب أبي عبيد الله تنفذ إلى المنصور بما يدبر من الأمور، ويتخلى الموالي بالمهدي، فيبلغونه عن أبي عبيد الله ويحرضونه عليه. قال الفضل: وما كانت كتب أبي عبيد الله إلى أبي تترى، يشكو الموالي وما يلقى منهم، فلا يزال يذكره عند المنصور ويخبره، ويستخرج الكتب إلى المهدي بالوصية به وترك القبول فيه، ولما رأى أبو عبيد الله غلبة الموالي على المهدي وخلوهم به، نظر إلى أربعة رجال من قبائل شتى من أهل الأدب والعلم، فضمهم إلى المهدي، فكانوا في صحابته، فلم يكونوا يدعون الموالي يتخلون به، ثم إن أبا عبيد الله كلم المهدي في بعض أموره إذ اعترض رجل من هؤلاء الأربعة في الأمر الذي تكلم فيه، فسكت أبو عبيد الله، فلم يراده وخرج، فأمر بحجبه عن المهدي، فحجبه عنه، وبلغ خبره أبي. قال: وحج أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي من أمر المهدي بما قام به من أمر البيعة وتجديدها على أهل بيت أمير المؤمنين، والقواد، والموالي؛ فلما قدم تلقيته بعد المغرب، فتجاوز منزله وترك دار المهدي ومضى إلى أبي عبيد الله، فقلت له: تترك أمير المؤمنين ومنزل أهلك وتأتي أبا عبيد الله؟! قال: يا بني! هو صاحب الرجل، وليس ينبغي أن نعامله على ما كنا نعامله عليه، ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره من نصرتنا له، فمضينا حتى أتينا باب أبي عبيد الله، فما زال واقفاً حتى صليت العتمة، فخرج الجاجب فثنى رجله وثنيت رجلي، فقال: إنما استأذنت لك يا أبا الفضل وحدك. قال: اذهب فأخبره أن الفضل معي. ثم أقبل علي فقال: وهذا أيضاً من ذلك. فخرج الحاجب فأذن لنا فدخلنا فإذا أبو عبيد الله في صدر المجلس على مصلى متكئ على وسادة، فقلت: يقوم إلى أبي إذا دخل عليه، فلم يقم، فقلت: يستوي جالساً، فلم يفعل، فقلت: يدعو له بمصلى، فلم يفعل، فجلس بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل يسائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقع أن يسأله عما كان منه في أمر المهدي

стр. 8799

وتجديد بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئ ذكره فقال: قد بلغنا نبؤكم. فذهب أبي لينهض، فقال: لا أرى الدروب إلا وقد أغلقت، فلو أقمت. فقال أبي: إن الدروب لا تغلق دوني. قال: بلى قد أغلقت. قال: فظن أبي أنه يريد أن يحبسه ليسكن من مسيره، ويريد أن يسأله. قال: فأقيم. قال: يا غلام، اذهب فهيئ لأبي الفضل في منزل محمد بن عبيد الله مبيتاً. فلما رأى أبي أنه يريد أن يخرج من الدار قال: فليس تغلق الدروب دوني. فاعتزم فقام، فلما خرجنا من الدار أقبل علي وقال: يا بني! أنت أحمق. قال: قلت: وما حمقي أنا؟ قال: تقول لي كان ينبغي لك أن لا تجيء، وكان ينبغي إذ جئنا ألا نقيم حتى صليت العتمة، وأن ترجع فتنصرف ولا تدخل، وكان ينبغي إذ دخلت فلم يقم إليك أن ترجع ولا تقيم عليه، ولم يكن الصواب إلا ما علمت كله، ولكن والله الذي لا إله إلا هو - واستغلق في اليمين - لأخلقن جاهي، ولأنفقن مالي حتى أبلغ مكروه أبي عبيد الله. ثم جعل يضطرب بجهده ولا يجد مساغاً إلى مكروهه، ويحتال الحيل، إلى أن ذكر الرجل الذي كان أبو عبيد الله حجبه، فأرسل إليه: إنك قد علمت ما ركبك به أبو عبيد الله، وقد بلغ مني كل غاية من المكروه، وقد أذعت أمره بجهدي، فما وجدت عليه طريقاً، فعندك حيلة في أمره؟ فقال: إنما يؤتى أبو عبيد الله من وجوه ثلاثة: يقال هو جاهل بصناعته، وأبو عبيد الله أحذق الناس؛ أو يقال هو ظنين في الذي يتقلده، وأبو عبيد الله أعف الناس، لو كانت بنات المهدي في حجره لكان لهن موضعاً؛ أو يقال هو يميل إلى أن يخالف السلطان، فليس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك، إلا أنه يميل إلى القول بالقدر، وليس يتسلق عليه بذاك، ويقال هو متهم في الله، فعند أبي عبيد الله عقد وثيق، ولكن هذا كله مجتمع لك في ابنه. فتناوله الربيع فقبل بين

стр. 8800

عينيه، ثم رب لابن أبي عبيد الله، فما زال يحتال ويدس إلى المهدي ويتهمه ببعض حرم المهدي حتى استحكم عند المهدي الظنة لمحمد بن أبي عبيد الله، فأمر فأحضر وأخرج أبو عبيد الله فقال: يا محمد! اقرأ. فذهب ليقرأ، فاستعجم عليه القرآن فقال: يا معاوية! ألم تعلمني أن ابنك جامع للقرآن؟! قال: قد أخبرتك، ولكنه فارقني منذ سنين، وفي هذه المدة التي نأى فيها عني ما نسي القرآن. قال: قم فتقرب إلى الله بدمه. قال: فذهب يقوم فوقع، فقال العباس بن محمد: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تعفي الشيخ. ففعل، وأمر به فضربت عنقه. قال: واتهمه المهدي في نفسه، فقال له الربيع: قتلت ابنه وليس ينبغي أن يكون معك، ولا أن تثق به. قال: فأوحش المهدي. وكان الذي كان من أمره وبلغ الربيع ما أراد. قال عبد الله بن يعقوب: ضرب المهدي رجلاً من الأشعريين، فأوجعه، فتغضب أبو عبيد الله له، وكان مولى لهم وقال: القتل يا أمير المؤمنين أحسن من هذا. فقال له المهدي: يا يهودي! اخرج من معسكري لعنك الله! فقال: ما أدري إلى أين أخرج إلا إلى النار. قال: قلت يا أمير المؤمنين: من الكامل وأخو هناه مثلها يتوقع دخل الربيع على المهدي وأبو عبيد الله جالس يعرض كتباً، فقال له أبو عبيد الله: يا أمير المؤمنين! يتنحى هذا - يعني الربيع - فقال له المهدي: تنح. قال: لا أفعل. قال: كأنك تراني بالعين الأولى. قال: بل أراك بالعين التي أنت بها. قال: فلم

стр. 8801

لا تنتحي إذا أمرتك؟ قال: لا آمن أن يكون معه حديدة ينالك بها وأنت سفره المسلمين، وقد قتلت ابنه. فقام المهدي مذعوراً، وأمر بتفتيشه، فوجدوا بين جوربيه وخفيه سكيناً فردت الأشياء إلى الربيع، فجعل كاتبه يعقوب بن داود فقال فيه الشاعر: من مجزوء الكامل أدخلته فعلا علي ... ك كذاك شؤم الناصيه يعقوب يحكم في الأمو ... ر وأنت تنظر ناحيه توفي أبو عبيد الله سنة سبعين، وقيل سنة تسع وستين، وله سبعون سنة. وكان مولده في سنة مئة. معاوية بن عثمان ابن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي أمه كلبية، وهي الكاملة بنت زياد بن عتعت الكلبي، وعمها عوف الكلبي القائل: من الطويل تباشر أعدائي بديني ولم يكن ... ليدان ذاك الدين غير كريم سأخرج من تلك الديون مسلماً ... ومجدي لدى الأقوام غير ذميم

стр. 8802

معاوية بن عمرو بن عتبة ابن أبي سفيان صخر بن حرب من فصحاء قريش. وفد على هشام بن عبد الملك، وكان عند الوليد بن يزيد حين بدأ يزيد بن الوليد في الدعاء لنفسه، وكلم الوليد ناصحاً له، فقال له لما بلغه خوض الناس: يا أمير المؤمنين! إنك تبسط لساني بالأنس بك، وأكففه بالهيبة لك، وأنا أسمع ما لا تسمع، وأخاف عليك ما أراك تأمن، أفأتكلم ناصحاً، أو أسكت مطيعاً؟ قال: كل مقبول منك، وإنه فينا علم غيب، نحن صائرون إليه، ولو علم بنو مروان ما توقدون على رضف تلقونه في أجوافهم ما فعلوا، وتعود فأسمع منك. معاوية بن قرمل المحاربي يقال إن له صحبة، قال: كنت مع خالد بن الوليد حين غزا الشام، فخرجنا فرفع لنا دير، فدخلنا فقلنا: السلام عليكم. فخرج إلينا قس فقال: من أصحاب هذه الكلمة الطيبة؟ معاوية بن قرة بن إياس بن هلال ابن رئاب بن عبيد بن سواءة بن سارية أبو إياس المزني البصري، والد إياس بن معاوية وفد على عبد الملك بن مروان مع الحجاج بن يوسف. حدث معاوية بن قرة عن أبيه، أن رجلاً جاء بابنه إلى النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : أتحبه؟ قال: أحبك الله كما أحبه. فتوفي الصبي ففقده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 8803

فقال: أين فلان؟ فقال: يا رسول الله توفي ابنه. فقال رسول الله ﷺ : أما ترضى ألا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا جاء يسعى حتى يفتحه لك؟ قالوا: يا رسول الله! أله وحده أو لكلنا؟ قال: لا بل لكلكم. قال معاوية بن قرة: سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي ﷺ يوم الفتح وهو على ناقته - أو جمله وهو يحبر - وهو يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قراءة لينة. قال معاوية: لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت لكم اللحن. قال وجعل يرجع. وحدث معاوية عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. وحدث معاوية عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على عمل فقال: يا رسول الله! خر لي. قال: الزم بيتك. قدم الحجاج على عبد الملك وافداً ومعه معاوية بن قرة، فسأله عبد الملك معاوية عن الحجاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله. فنظر إليه الحجاج، فقال له عبد الملك: لا تعرض له. فنفاه الحجاج إلى السند، وكان يذكر من بأسه. ولد أبو إياس يوم الجمل؛ وإياس يكنى أبا واثلة.

стр. 8804

قال معاوية بن قرة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، إذا كان يوم الجمعة اغتسلوا ولبسوا من صالح ثيابهم ومسوا من طيب نسائهم، ثم أتوا الجمعة فصلوا ركعتين، ثم جلسوا يبثون العلم والسنة حتى يخرج الإمام. وقال معاوية بن قرة: أدركت سبعين رجلاً من أصحاب محمد ﷺ لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئاً مما أنتم فيه إلا الأذان. وعن معاوية بن قرة: اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم، يعلمون بطاعتك، فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عموا بطاعتك فرضيت عنهم، فارزقنا أن نعمل بطاعتك وارض عنا. قال معاوية بن قرة: كنا لا نحمد ذا فضل لا يفضل عليه فضله، فصرنا اليوم نحمد ذا شر لا يفضل عنه شره. ثم قال: لا تطلب من الناس اليوم الخير، اطلب منهم كف الأذى، فمن كف أذاه عنك اليوم فهو بمنزلة من كان يعطيك الجوائز. وقال معاوية: أشد الناس حساباً يوم القيامة الصحيح الفارغ. وقال معاوية: بكاء العمل أحب إلي من بكاء العين. وقال معاوية: من يدلني على رجل بكاء بالليل، بسام بالنهار؟ جلس معاوية بن قرة ورجل من التابعين وتذاكرا، فقال أحدهما: إني أرجو وأخاف. وقال الآخر: إنه من رجا شيئاً طلبه، وإنه من خاف شيئاً هرب منه، وما حسب امرئ يرجو شيئاً لا يطلبه، وما حسب امرئ يخاف شيئاً لا يهرب منه.

стр. 8805

قال معاوية: أن لا يكون في نفاق أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ كان عمر يخشاه وآمنه أنا؟! نظر قوم إلى معاوية بن قرة في يوم صائف، وقد أقبل من مكان بعيد وعليه عباءة له، مؤتزر بها، فقال بعضهم لبعض: ما أبو إياس من الطيبين معاقد الأزر. فسمعها الشيخ فقال: إنما طابت معاقد الأزر ممن طابت معاقده، أنهم لم يعقدوها على فجرة ولا معصية. قال محمد بن عيينة: كان معاوية بن قرة إذا أتانا في حلقتنا لم يجلس حيث نوسع له، إنما يجلس حيث ينتهي. حدث معاوية بن قرة عن أبيه قال: يا بني! إذا كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل السلام عليكم، فإنك شريكهم فيما يصيبون في ذلك المجلس. قال معاوية: جالسوا وجوه الناس، فإنهم أحلم وأعقل من غيرهم. قال معاوية: لقد أتى علينا زمان وما أحد يموت على إسلام إلا ظننا أنه من أهل الجنة، حتى إذا كان الآن خلطتم علينا. قال معاوية: دخل الموت بين الأقارب والأهل ففرق بينهم في الدنيا، فطوبى لمن جمع بينه وبين أحبابه بعد الفرقة واليأس منه! ثم يبكي.

стр. 8806

قال معاوية بن قرة عام مات: رأيت كأني وأبي على فرسين، فجرينا عليهما جميعاً فلم أسبقه ولم يسبقني. وعاش ستة وتسعين سنة، وقد بلغت سنه فمات في ذلك العام. وتوفي سنة ثلاث عشرة ومئة. معاوية بن محمد بن دنبويه أبو عبد الرحمن الأذري حدث عن الحسن بن جرير بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأكون أول من يبعث، فأخرج أنا وأبو بكر إلى أهل البقيع، فيبعثون ثم يبعث أهل مكة، فأحشر بين الحرمين. وحدث عن أحمد بن إبراهيم بن بكار القرشي بسنده إلى كلثوم بن جوشن قال: جاء رجل عند الحسن وقد ولد له مولود، فقيل له: يهنئك الفارس! فقال الحسن: وما يدريك؟ أفارس هو؟ قالوا: كيف نقول يا أبا سعيد؟ قال: تقول: بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، ورزقت بره، وبلغ أشده. توفي معاوية سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. معاوية بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية، أبو المغيرة القرشي الأموي أخو عبد الملك بن مروان. قال عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي: لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخيه، وهما لأب وأم، مثل قول المغيرة بن حبناء لأخيه صخر: من الوافر أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... تفاضلت الطبائع والظروف

стр. 8807

وأمك حين تنسب أم صدق ... ولكن ابنها طبع سخيف وكان عبد الملك بن مروان إذا نظر إلى أخيه معاوية - وكان ضعيفاً - يتمثل بهذين البيتين. معاوية بن مصاد بن زهير ويقال: ابن زياد الكلبي سيد أهل المزة كان بطلاً شديداً من أبطال كلب. بايع ليزيد أكثر أهل دمشق سراً، وبايع أهل مزة غير معاوية بن مصاد، وهو سيد أهل المزة، فمضى يزيد من ليلته إلى معاوية بن مصاد ماشياً في نفير من أصحابه، وبين دمشق والمزة ميل أو أكثر، فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية ففتح لهم، فدخل، فقال ليزيد: الفراش أصلحك الله. قال: إن في رجلي طيناً وأكره أن أفسد بساطك. قال: الذي تريدنا عليه أفسد. وكلمه يزيد، فبايعه معاوية، ورجع يزيد إلى دمشق. وقيل: إن صاحب هذه القصة عبد الرحمن بن مصاد أخو معاوية بن مصاد. معاوية بن معدي كرب أخو إسماعيل بن معدي كرب قال عبد الحميد بن حريث: خاصمت معاوية بن معدي كرب إلى عمر بن عبد العزيز - وهو بخناصرة - فنازعته، فقال معاوية: برئت من الإسلام يا أمير المؤمنين إن كان كما قال. فقال له عمر:

стр. 8808

إلى ما تؤول بعد الإسلام؟! والله لا كلمتك بعدها أبداً. واحتجب منه عمر بكمه. وفي سنة إحدى وتسعين فتح على معاوية بن معدي كرب موقان. معاوية بن يحيى أبو روح الصدفي الدمشقي كان على بيت المال للمهدي. حدث عن الزهري بسنده إلى أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. وحدث عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : من أسلم على يديه رجل فله ولاؤه. وحدث عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء. وحدث عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: جاءني رجل من الأنصار في لسانه ثقل، وسألني: فكان في كلامه تعتب على عثمان، فلما فرغ قلت: يا هذا! إنا كنا نتحدث على عهد رسول الله ﷺ : إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وخيرها بعد أبي بكر عمر، وخيرها بعد عمر عثمان، وإنا والله ما نرى أن عثمان أتى أمراً يستحل به دمه، ولكنه هذا المال، إن أعطاكموه رضيتم، وإن أعطاه ذا قرابته سخطتم، وإنما تريدون أن تكونوا كفارس والروم، لا يدعون لهم أميراً إلا قتلوه. قال: فأقبلت عيناه بأربع من الدمع ثم قال: اللهم إنا لا نريد أن نكون كفارس والروم. ضعفه قوم.

стр. 8809

معاوية بن يحيى أبو مطيع الدمشقي الأطرابلسي حدث عن محمد بن عبد الرحمن بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : من علم آية من كتاب الله علمه - أو باب من علم - أنمى الله أجره إلى يوم القيامة. وحدث عن الحكم بن عبد الله الأيلي بسنده إلى أم رومان قالت: رآني أبو بكر أتميل في صلاتي، فزجرني زجرة انصرف. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا قام أحدكم في صلاته فليسكن أطرافه، ولا يتميل كما يتميل اليهود. وثقه قوم، وضعفه آخرون. معاوية بن يحيى أبو عثمان الشامي حدث عن الأوزاعي بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله عباداً يختصهم بالنفع لمنافع العباد، فمن بخل بتلك المنافع عن العباد نقل الله تلك النعم عنهم، وحولها إلى غيرهم.

стр. 8810

قال معاوية بن يحيى: حدثت بهذا الحديث يزيد بن هارون فقال: لو ذهب إنسان في هذا الحديث إلى خراسان لكان قليلاً. وحدث عن الأوزاعي بسنده إلى عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : من أعان أخاه المسلم بكلمة، أو مشى له خطوة، حشره الله يوم القيامة مع الأنبياء والرسل آمناً، وأعطاه على ذلك أجر سبعين شهيداً قتلوا في سبيل الله. وحدث عن الأوزاعي بسنده إلى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: اتقوا الحرام في البنيان فإنه أساس الخراب. معاوية بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان أبو عبد الرحمن، ويقال أبو يزيد، ويقال أبو ليلى القرشي الأموي بويع له بالخلافة بعد موت أبيه يزيد في ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان رجلاً صالحاً ولم تطل مدته. وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم، ويقال ابنة هاشم، وهما أخوان، أبناء عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. عاش بعد أمه أربعين يوماً ولم يعهد. وله يقول الشاعر - قيل إنه عبد الله بن همام السلولي: من الوافر تلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوي عن يزيدا فإن دنياكم بكم اطمأنت ... فأولوا أهلها خلقاً جديدا ولما حضرت معاوية بن يزيد الوفاة قيل له: اعهد. قال: لا أتزود مرارتها وأترك لبني أمية حلاوتها؛ وإن كان خيراً فقد استكثر منه آل أبي سفيان. وقيل: إنه ولي ثلاثة أشهر، فلم يخرج إلى الناس ولم يزل مريضاً، والضحاك بن

стр. 8811

قيس يصلي بالناس، فقيل له: اعهد. فقال: لا يسألني الله عن ذلك، ولكن إذا مت فليصل للناس الوليد بن عتبة، والضحاك بن قيس حتى يقوم بالخلافة قائم. ومات وهو ابن إحدى وعشرين سنة، أو عشرين سنة؛ وقيل: ابن ثمان عشرة سنة. وكان قد بايع له الناس إلا ما كان من ابن الزبير وأهل مكة. ولما دفن قام على قبره مروان فقال: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: معاوية بن يزيد. فقال: هذا أبو ليلى. فقال أزنم الفزاري: من البسيط إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا وكان كما قال مروان، فوثب مروان بأهل الشام على الأمة، واستعلى ابن الزبير، وخرج القراء والخوارج بالبصرة، عليهم نافع بن الأزرق، وخرج نجدة بن عامر الحنفي باليمامة، وخرج بنو ماحوز إلى الأهواز وفارس، وكان نقش خاتم معاوية بن يزيد: بالله يثق معاوية. وعن ابن معتب قال: نجد في كتاب أن خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية أربعين ليلة، سلام عليك إنك لمن الصالحين: قال ابن لهيعة: وسألته أمه بثدييها أن يستخلف أخاه

стр. 8812

خالد بن يزيد بن معاوية، فأبى وقال: لا أتحملها حياً وميتاً. ولما حضرته الوفاة قيل له: لو استخلفت. فقال: كفيتها حياً وأتضمنها ميتاً!؟ معبد بن خالد بن ربيعة بن مرين ابن حارثة بن ناضرة بن عمرو بن سعد أبو القاسم الجدلي، وجديلة بنت مر بن أد بن طابخة وهي أم يشكر بن عدوان حدث معبد بن خالد عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تصدقوا، فسيأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته، فيقول الرجل: لو جئت بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم فلا حاجة لي فيها. وحدث عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : أهون أهل النار عذاباً رجل يجعل في أخمص قدميه جمراً يغلي منهما دماغه.

стр. 8813

كان معبد ثقة وكان يقرأ في كل ليلة سبع القرآن - أو ثلث القرآن. وقال معبد: ما قمت ليلة إلا صليت حتى أصبح. لما قدم عبد الملك بن مروان الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير جلس يعرض أحياء العرب، قال معبد بن خالد: فتقدمنا إليه معشر عدوان، وقدمنا رجلاً وسيماً جسيماً جميلاً، وتأخرت - وكان معبد دميماً - فقال عبد الملك بم مروان: من؟ فقال الكاتب: عدوان. فقال عبد الملك: من الهزج عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض بغى بعضهم بعضاً ... فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض ثم أقبل على الجميل فقال: إيه. فقال: لا أدري. فقلت من خلفه: ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي ومنهم من يجيز الحج ... ج بالسنة والفرض قال: ثم تركني عبد الملك وأقبل على الجميل فقال: من يقول هذا؟ فقال: لا أدري. فقلت من خلفه: ذو الإصبع فأقبل على الجميل وقال: لم سمي ذو الإصبع؟ قال: لا أدري. قلت من خلفه: لأن حية عضت إصبعه فقطعها. فأقبل على الجميل

стр. 8814

فقال: ما كان اسمه؟ فقال: لا أدري. فقلت من خلفه حرثان بن الحارث. فأقبل على الجميل فقال: من أيكم كان؟ قال: لا أدري. فقلت من خلفه: من بني ناج من الطويل أبعد بني ناج وسعيك بينهم ... فلا تتبعن عينيك من كان هالكا إذا قلت معروفاً لأصلح بينهم ... يقول وهيب لا أصالح هالكا ثم أقبل على الجميل فقال: كم عطاؤك؟ فقال سبع مئة. فقال لي: في كم أنت؟ قلت: في ثلاث مئة. فأقبل على الكاتبين فقال: حطا من عطاء هذا أربع مئة وزيداها في عطاء هذا. فرجعت وأنا في سبع مئة وهو في ثلاث مئة. توفي معبد بن خالد سنة ثمان عشرة ومئة. معبد بن عبد الله بن عويمر ويقال: معبد بن خالد، ويقال: معبد بن عبد الله ابن عكيم - الذي روى حديث الدباغ - الجهني هو أول من تكلم في القدر بالبصرة؛ استقدمه عبد الملك بن مروان دمشق لينفذه إلى ملك الروم، ثم جعله مع ابنه سعيد بن عبد الملك يودبه ويعلمه. حدث معبد الجهني عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : الحمى حظ المؤمن من النار يوم القيامة.

стр. 8815

وحدث معبد الجهني قال: كنت عند عثمان فدعا بوضوء، فتوضأ، فلما فرغ قال: توضأ رسول الله ﷺ كما توضأت، ثم تبسم فقال: هل تدرون مم ضحكت؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: إن العبد المسلم إذا توضأ فأتم وضوءه، ثم دخل في صلاته، فأتم صلاته خرج من صلاته كما يخرج من بطن أمه من الذنوب. كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن ابعث إلي عالماً أبعثه إلى ملك الروم. فبعث إليه معبداً، فلما قدم معبد حدثه أن عبد الملك بن مروان قال له: ما تقول في المكاتب؟ فإن عمر كان يقول: هو عبد ما بقي عليه شيء؛ وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: يؤدي ما بقي عليه في مكاتبته، ويكون ما بقي لولده. قلت: قضاء معاوية أحب إلي من قضاء عمر. قال: ولم؟ أليس عمر أفضل من معاوية؟ قلت: بلى، وداود أفضل من سليمان ففهمها سليمان. قال معبد الجهني: قلت لعبد الله بن عمر: رجل لم يدع من الخير شيئاً إلا عمل به، إلا أنه كان شاكاً؟ قال: هلك للنية. قال: فقلت: رجل لم يدع من الشر شيئاً إلا عمل به، غير أنه يشهد أن لا إله إلا الله. قال: عش ولا تغتر. قال: ثم لقيت ابن عباس فقلت له مثل ذلك، فقال لي مثل ذلك. اجتمع القراء إلى معبد الجهني - كان ممن شهد دومة الجندل موضع الحكمين - فقالوا

стр. 8816

له: قد طال أمر هذين الرجلين فلو لقيتهما فسألتهما عن بعض أمرهما. فقال: تعرضوني لأمر أنا له كاره! والله ما رأيت كهذا الحي من قريش، كأن قلوبهم أقفلت بأقفال من حديد، وأنا صائر إلى ما سألتم. قال معبد الجهني: فخرجت فلقيت أبا موسى الأشعري فقلت له: صحبت رسول الله ﷺ فكنت من صالحي أصحابه، واستعملك فكنت من صالحي عماله، وقبض وهو عنك راض، وقد وليت أمر هذه الأمة، فانظر ما أنت صانع. فقال لي: يا معبد! غداً يدعو الناس إلى رجل لا يختلف فيه اثنان. فقلت في نفسي: أما هذا فقد عزل صاحبه، فطمعت في عمرو، فخرجت فلقيته وهو راكب بغلته يريد المسجد، فأخذت عنانه، فسلمت عليه فقلت: أبا عبد الله! إنك قد صحبت رسول الله ﷺ فكنت من صالحي أصحابه. قال: بحمد الله. قلت: واستعملك فكنت من صالحي عماله. فقال: بتوفيق الله. قلت: وقبض وهو عنك راض. فقال: بمن الله. ثم نظر إلي شزراً فقلت: وقد وليت هذه الأمة، فانظر ما أنت صانع. فخلع عنانه من يدي ثم قال لي: إيها تيس جهينة، ما أنت وهذا؟! لست من أهل السر ولا من أهل العلانية، والله ما ينفعك الحق، ولا يضرك الباطل، ثم مضى وتركني. فأنشأ معبد يقول: من البسيط إني لقيت أبا موسى فأخبرني ... بما أردت وعمرو ضن بالخبر شتان بين أبي موسى وصاحبه ... عمرو لعمرك عند الفصل والخطر هذا له غفلة أبدت سريرته ... وذاك ذو حذر كالحية الذكر وكان معبد رأساً في القدرن قدم المدينة فأفسد بها ناساً. قال إبراهيم بن يعقوب السعدي: وكان قوم يتكلمون في القدر، احتمل الناس حديثهم لما عرفوا من اجتهادهم في الدين، وصدق ألسنتهم وأمانتهم في الحديث، لم يتوهم عليهم الكذب، وإن بلوا بسوء رأيهم، منهم قتادة، ومعبد الجهني هو رأسهم.

стр. 8817

قال يحيى بن يعمر: كان رجل من جهينة فيه زهو، وكان يترقب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقص عل الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زعم أن العمل أنف؛ من شاء عمل خيراً، ومن شاء عمل شراً. قال ابن عون: أمران أدركتهما وليس بهذا المصر منهما شيء، وأنا بين أظهركم كما ترون: الكلام في القدر، إن أول من تكلم فيه رجل من الأساورة يقال له سستوه كان لحيقا. قال: ما سمعته قال لأحد لحيقا غيره. قال: فإذا ليس له تبع عليه إلا الملاحين. ثم تكلم فيه بعده - يعني رجلاً قد كانت له مجالسة، يقال له معبد الجهني، فإذا له عليه تبع. قال: وهؤلاء الذين يدعون المعتزلة. وسستويه بالتاء. قال أبو عون: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقير يقال له سستويه البقال. وكان أول من تكلم في القدر، فقال حماد: فما ظنكم برجل يقول له ابن عون هنا حقير؟! قال يونس بن عبيد: أدركت البصرة وما بها قدري إلا سستويه ومعبد الجهني، وآخر ملعون في بني عوانة. قال الأوزاعي: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد.

стр. 8818

قال أنس بن مالك: إن رسول الله ﷺ خرج من باب البيت وهو يريد باب الحجرة سمع قوماً يتراجعون بينهم في القرآن - زاد في آخر: في القدر - ألم يقل الله في آية كذا وكذا؟ ألم يقل الله في آية كذا وكذا؟ ففتح رسول الله ﷺ باب الحجرة وكأنما فقئ على وجهه حب الرمان فقال: أبهذا أمرتم؟! أو بهذا عنيتم؟ إنما هلك الذين من قبلكم بأشباه هذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، أمركم الله بأمر فاتبعوه، ونهاكم عن شيء فانتهوا. قال: فلم يسمع الناس بعد ذلك أحداً تكلم في القدر، حتى كان ليالي الحجاج بن يوسف، فأول من تكلم فيه معبد الجهني، فأخذه الحجاج بن يوسف فقتله. قال محمد بن زيد الألهاني: كنا في المسجد إذ مر بمعبد الجهني إلى عبد الملك بن مروان، فقال الناس: إن هذا لهو البلاء. قال: فسمعت خالد بن معدان يقول: إن البلاء كل البلاء إذا كانت الأئمة منهم. قال الحسن: إياكم ومعبد الجهني فإنه ضال مضل. قال يونس بن عبيد: أدركت الحسن وهو يعيب قول معبد يقول: هو ضال مضل. قال: ثم تلطف له معبد فألقى في نفسه ما ألقى. كان مسلم بن يسار وأصحابه يقولون: إن معبداً الجهني يقول بقول النصارى. قال ابن عون: كنا جلوساً في مسجد بني عدي، وفينا أبو السوار، فدخل معبد الجهني من بعض أبواب المسجد فقال أبو السوار: ما أدخل هذا مسجدنا؟ لا تدعوه يجلس إلينا. بينا طاوس يطوف بالبيت لقيه معبد الجهني، فقال له طاوس: أنت معبد؟ قال: نعم. فالتفت إليهم طاوس فقال: هذا معبد، فأهينوه.

стр. 8819

وقال طاوس: احذروا معبد الجهني فإنه كان قدرياً. قال أبو الزبير المكي: مررت أنا وطاوس فإذا معبد الجهني جالس في جانب المسجد، قلت لطاوس: هذا الذي يقول في القدر ما يقول. فعدل إليه طاوس حتى وقف عليه وقال: أنت المفتري على الله القائل ما لا تعلم؟ قال معبد: يكذب علي. قال أبو الزبير: عدلنا إلى ابن عباس فذكرنا شأن من يقول في القدر، فقال ابن عباس: ويحكم! أروني بعضهم. قلنا: ما أنت صانع به؟ قال: والذي نفسي بيده، لئن أريتموني منهم أحداً لأجعلن يدي في رأسه ثم لأدقن عنقه. قال مالك بن دينار: لقيت معبد الجهني بمكة بعد ابن الأشعث وهو جريح، وقد قاتل الحجاج في المواطن كلها فقال: لقيت الفقهاء والناس، لم أر مثل الحسن: ياليتنا أطعناه. كأنه نادم على قتال الحجاج. كان الحجاج يعذب معبداً الجهني بأصناف العذاب، ولا يجزع ولا يستعتب، فكان إذا ترك من العذاب يرى الذباب مقبلة تقع عليه فيصيح ويضج، قال: فيقال له، قال: أما إن هذا من عذاب بني آدم فأنا أصبر عليه، وأما الذباب من عذاب الله فلست أصبر عليه. فقتله. وقيل: إن عبد الملك قتل معبداً وصلبه بدمشق في سنة ثمانين أو بعد الثمانين.

стр. 8820

معبد بن محمد البيروتي حدث ببيروت سنة سبع وثمانين ومئتين عن العباس بن الوليد بسنده إلى حسان بن عطية قال: من حلمك وعلمك ورفقك حملك ما شئت من خلقك، ولولا ذلك لم يطق حملك شيء، ومن حلمك وعلمك ورفقك وسعك ما شئت من خلقك، ولولا ذلك لم يسعك شيء، ومن حلمك وعلمك ورفقك سترك ما شئت من خلقك، ولولا ذلك لم يسترك شيء. وحدث عنه بسنده إلى عمر بن عبد العزيز أنه قال: كفاك من شر وشؤم صحبة الفاجر يوم؛ ثم كأنه استكثره فقال: أو نصف يوم. معبد بن وهب ويقال: ابن قطني ويقال: ابن قطن أبو عباد المديني مولى العاص بن وابصة المخزومي وقيل: مولى معاوية بن أبي سفيان وقيل مولى ابن قطن، وابن قطر مولى معاوية أحد الأدباء الفصحاء وهو الذي يضرب به المثل في جودة الغناء. وفد على الوليد، وكان مقبول الشهادة عند حكام المدينة إلى أن نادم الوليد بن يزيد فردت شهادته على ما قيل. سأل أبان القارئ معبداً المغني عن دواء الحلق فقال: حدثتني أم جميل الحدباء أنها سألت الجن عن ذلك فقالوا: دواؤها الهوان.

стр. 8821

قال معبد: بدت لي حاجة إلى خولة بنت منظور بن زبان، وهي أم حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، وأم إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، قال: فجعلت ذريعتي إليها أن غنيتها شعراً فيها وهو: من الوافر كأنك مزنة برقت بليل ... لعطشان يضيء له سناها فلم تمطر عليه وجاوزته ... وقد أشفى عليها أو رجاها قال: فاهتزت العجوز لهذا الشعر كما يهتز الغصن تحت الرياح وقالت: يا عبد آل قطن! قيل هذا الشعر في، وأنا أحسن من النار الموقدة. غدا الأحوص على امرأة لها شرف، وهي في قصرها بالعقيق، فوجد عندها معاذاً الزرقي - وكان حسن الغناء - ومعبداً المغني، وابن صياد النجاري وكان مضحكاً مليحاً، فطلب إذن عليها، فرد عن بابها فانصرف وهو يقول: من البسيط ضنت عقيلة لما جئت بالزاد ... وآثرت حاجة الثاوي على الغادي فقلت والله لولا أن تقول له ... قد باح بالسر أعدائي وحسادي قلنا لمنزلها حييت من طلل ... وللعقيق ألا بوركت من وادي إني وهبت نصيبي من مودتها ... لمعبد ومعاذ وابن صياد لابن اللعين الذي يخبى الدخان له ... وللمغني رسول السوء قواد أما معاذ فإني غير ذاكره ... كذاك أجداده كانوا لأجدادي قال: وإنما ترك معاذاً لأنه كان جلداً خاف أن يضربه، وغضب عليه معبد وقال: لا أغني بشعره أبداً. فبلغ ذلك الأحوص، فركب راحلته وحمل معه مذرعاً

стр. 8822

فيه طلاء. فأتى معبداً وهو بالعقيق، فأعرض عنه معبد فلم يكلمه، فقال له الأحوص: يا أبا عباد أتهجرني؟! وجعلت زوجته تقول: أتهجر أبا محمد مع حسن أياديه؟! ولم تزل به حتى رضي عنه. فنزل الأحوص عن راحلته واحتمل معبداً على عنقه حتى أدخله منزله وقال: والله لأسمعن في بيتك الغناء، ولأشربن الطلاء، ولآكلن الشواء. فقال له معبد: قد والله أخزاك، هذا الشواء أكلته، وهذا الغناء سمعته، فأين الطلاء؟ قال: هو هذا خلف راحلتي أردفتها إياه فأنزله في ذلك المذرع - وهي شيء من أدم يجعل فيه النبيذ - وخذ الدنانير التي تحت وطاء الرحل فاشتر بها طعاماً. ففعل، فقالت زوجته أم كردم لمعبد: أي عدو نفسه! أتغضب على من إن جاءنا ملأنا فضلاً، وإن تولى أغدر فينا نعماً! قبح الله رأيك. فأقام الأحوص عنده حتى صلى العصر، ثم رحل إلى المدينة فمر بين الدارين في المصلى يميل بين شعبتي رحله. قال كردم بن معبد المغني مولى ابن قطن: مات أبي وهو في عسكر الوليد بن يزيد، وأنا معه، فنظرت حين أخرج نعشه إلى سلامة جارية يزيد بن عبد الملك، وقد أضرب الناس عنه ينظرون إليها وهي آخذة بعمود السرير وهي تندب أبي وتقول: من مجزوء الرمل قد لعمري بت ليلي ... كأخي الداء الوجيع ونجي الهم مني ... بات أدفى من ضجيعي كلما أبصرت ربعاً ... خالياً فاضت دموعي قد خلا من سيد كا ... ن لنا غير مضيع لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بخشوع قال كردم: وكان يزيد أمر أبي أن يعلمها هذا الصوت، فعلمها إياه، فرثته به يومئذ، فلقد

стр. 8823

رأيت الوليد بن يزيد والغمر أخاه متجردين في قميصين ورداءين يمشيان بين يدي سريره، حتى أخرج من دار الوليد، لأنه تولى أمره وأخرجه من داره إلى موضع قبره. معبد بن هلال العنزي البصري حدث معبد بن هلال قال: اجتمع رهط من أهل البصرة وأنا فيهم، فأتينا أنس بن مالك وتشفعنا إليه بثابت البناني، فدخلنا عليه، فأجلس ثابتاً معه السرير؛ فقلت: لا تسلوه عن شيء غير هذا الحديث. فقال ثابت: يا أبا حمزة! إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث رسول الله ﷺ في الشفاعة فقال: حدثنا محمد ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيؤتى آدم فيقولون: يا آدم! اشفع لذريتك. فيقول: لست لها، ولكن ائتوا إبراهيم فإنه خليل الله. فيؤتى إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله. فيؤتى موسى صفوة الله، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته. فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد ﷺ . فأوتى، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فأقوم بين يديه مقاماً فيلهمني فيه محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقول لي: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: أيرب! أمتي أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال برة، أو مثقال شعيرة من إيمان فأخرجه. فأنطلق، فأفعل ثم أعود فأحمد بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: أي رب! أمتي أمتي. فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال ذرة - أو مثقال خردلة - من إيمان فأخرجه منها. فأنطلق، فأفعل ثم أرجع، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع. فأقول: أي رب! أمتي أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال خردلة من إيمان فأخرجه من النار.

стр. 8824

فلما رجعنا من عند أنس قلت لأصحابي: هل لكم في الحسن وهو مستخف في منزل أبي خليفة في عبد القيس؟ فأتيناه فدخلنا عليه فقلنا: جئنا من عند أخيك أنس، فلم نسمع مثلما حدثنا في الشفاعة. فقال: كيف حدثكم؟ فحدثناه الحديث، حتى إذا بلغنا قال: هيه. قلنا: لم يزدنا على هذا. قال: قد حدثنا هذا الحديث وهو جميع، حدثني منذ عشرين سنة، ولقد ترك شيئاً فلا أدري أنسي الشيخ أم كره أن يحدثكموه فتتكلوا. حدثني ثم قال: في الرابعة، ثم أعود فأخر له ساجداً، ثم أحمد بتلك المحامد، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: أي رب! ائذن فيمن قال لا إله إلا الله - بها صادقاً - قال: فيقول: ليس لك، وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. قال: فأشهد على الحسن لحدثنا بهذا الحديث يوم حدث به أنس. وحدث معبد بسنده إلى عوف بن مالك: أن رسول الله ﷺ قعد إلى أبي ذر - أو قعد أبو ذر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ فقال: يا رسول الله! وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم يا أبا ذر، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: ما هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قلت: يا رسول الله! ما الصلاة؟ قال: خير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر. قلت: يا رسول الله، فما الصوم؟ قال: فرض مجزئ. فقلت: يا رسول الله! فما الصدقة؟ قال: أضعاف مضعفة وعند الله مزيد. قلت: يا رسول الله! فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وبسر إلى سر. قلت: يا رسول الله! كم المرسلين؟ قال: ثلاث مئة وخمسة عشر الجم الغفير. قلت: أرأيت

стр. 8825

آدم ﵇ كان نبياً؟ قال: نعم، ومكلماً. ثم قال: إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي. وعن معبد سمع أنساً عن النبي ﷺ : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر. معبد مولى الوليد بن معاوية قال معبد: لما مر محمد بن عبد الملك بن مروان إلى الزاب، فنظر إلى دمشق قال: ويحك يا إرم! رميت عند جرانك، وفيك تعقل العروش. معبد أبو المخارق الراهبي من أهل الراهب، محلة كانت بدمشق خارج البلد بقرب المصلى. قال: أربع من أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة: العدل في الغضب والرضا؛ والقصد في الفقر والغنى؛ وخشية الله في السر والعلانية؛ وحمد الله على كل حال. وأربع من أوتيهن فقد أوتي خير ما أوتي آل داود: قلب شاكر؛ وبدن صابر؛ ولسان ذاكر؛ وزوجة إذا نظر إليها سرته. معدان بن طلحة ويقال: ابن أبي طلحة اليعمري حدث عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ أنه قال: أما يستطيع أن يقرأ أحدكم ثلث القرآن في ليلة؟ قالوا: نحن أعجز من ذلك
следующие страницы →