Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.
стр. 8891
وحدث عن معاوية عن النبي ﷺ قال: صوموا الشهر وسرره.
قال الأوزاعي: سرره: آخره. هو كقوله: صوموا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين.
وعن أبي الأزهر قال: من ركع بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم كانتا له عدل عمرة.
أوصى أبو الأزهر أن تحلق عانته بعد موته، فقال مكحول: كانت هذه من كنوز أبي الأزهر.
المغيرة بن المغيرة
أبو هارون الربعي الرملي حدث عن أسيد بن عبد الرحمن بسنده إلى معاذ بن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ضيق منزلاً أو قطع طريقاً أو آذى مؤمناً فلا جهاد له.
مفضل بن غسان بن المفضل
ابن عمرو ويقال: ابن غسان بن خالد بن معاوية أبو عبد الرحمن الغلابي البصري حدث عن أبي داود الطيالسي بسنده إلى رجل من بكر قال: انطلقت مع أبي إلى النبي ﷺ فناجاه أبي دوني فقلت لأبي: ما قال لك
стр. 8892
رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لي: إذا أردت أمر فعليك بالتؤدة، حتى يجعل الله لك فرجاً. أو قال: مخرجاً.
وحدث عن أبيه بسنده إلى بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، عن رسول الله ﷺ قال: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم.
زاد في غيره: وقربة إلى الله، وتكفير للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد.
وقال في نسب آبائه: عمرو بن خالد بن غلاب، وغلاب أمه، وهو خالد بن الحارث بن أوس بن النابغة بن عمير الغلابي.
مفضل بن محمد بن مسعر
ابن محمد أبو المحانس التنوخي المعري الفقيه على مذهب أبي حنيفة. وكان ينوب في القضاء بدمشق عن بني أبي الجن، وولي قضاء بعلبك. وكان ينحو في مذهبه الاعتزال والتشيع.
حدث في صفر سنة ثمان وثلاثين وأربع مئة عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة بسنده إلى عطية العوفي أنه سأل أبا سعيد الخدري عن قوله تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " فأخبره أنها نزلت في رسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين، رضوان الله عليهم.
توفي ابن مسعر سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وأربع مئة. ويقتضي أن يكون مولده بعد السبعين وثلاث مئة بالمعرة، وبها مات.
стр. 8893
وذكر عنه أنه كان يضع من الشافعي ﵀. وصنف كتاباً ذكر فيه الرد على الشافعي فيما خالف الكتاب والسنة.
وذكر أنه بلغ والده أنه ارتشى، فعزله عن الحكم ببعلبك.
ولأبي المحانس رسالة في وجوب غسل الرجلين.
مفضل بن المهلب بن أبي صفرة
ظالم بن سارق، أبو غسان، وقيل أبو حسان الأزدي قدم على سليمان بن عبد الملك.
حدث عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم.
وفي رواية: قاربوا بين أبنائكم.
وعن المفضل بن المهلب أن ملك اليمن حضرته الوفاة، فقالوا: يا ربنا! ملك العباد والبلاد. فقال: أيها الناس! لا تجلهوا، فإنكم في مملكة من لا يبالي أصغيراً أخذ منكم أم كبيراً.
وعن المفضل بن المهلب أنه قال: الثقلاء ثلاثة، والرابع أشدهم علي: رجل كان يزور قوماً فاستثقلوه وسألوا الله أن يريحهم منه، فغاب عنهم أياماً، فانفسحت أبصارهم وطابت أنفسهم؛ ثم أتاهم معتذراً وقال: ما حبسني عنكم إلا الشغل. ورجل أتى رجلين وهما في حديث قد خلوا به دون الناس، فأخذ بأنفاسهما، حتى إذا بلغ منهما قال: لعلكما في حاجة وفي سر فقطعت عليكما؛ فاستحييا منه وقالا: لا. ورجل انتهى إلى حلقة قوم ورجل يحدثهم، فأقبل على الذي يليه فقال: أي شيء يحدثكم هذا؟ فرجع يسمع من هذا ويودي إلى هذا
стр. 8894
ولا يعرف أول الحديث من آخره. والرابع الشاب المتشيخ قد أرخى شعيرته.
وفي سنة اثنتين ومئة بعث مسلمة بن عبد الملك في طلب آل المهلب، وقتل المفضل بن المهلب، وانهزم الناس، وقيل: إن المفضل لما قتل أخوه يزيد هرب إلى سجستان، فقتل هو وإخوانه عبد الملك، ومدرك، وزياد، ومعاوية بنو المهلب.
وكان الذي تولى ذلك منهم هلال بن أحوز المازني، ولم يعرض للنساء ولم يفتشهن، وبعث بالعيال والأسارى إلى يزيد بن عبد الملك.
مقاتل بن حكيم العكي
من أهل مرو، كان أميراً على حران من قبل المنصور في أيام السفاح، فأسره عبد الله بن علي ووجه به إلى دمشق إلى ابن سراقه ليعتقله؛ فلما علم بهرب عبد الله بن علي سأل مقاتلاً أن يكتب له كتاباً، ثم قتله.
قالوا: ولما انتهى عبد الله بن علي إلى حران أغلقوها دونه، وكان فيها مقاتل بن حكيم، قد أخذ البيعة لأبي جعفر، وشغلوه عن المسير إلى العراق، وخاف أن يقع بين عدوين، فحاصرها أربعة أشهر حتى افتتحها صلحاً، على أن لا يعرض لأحد من الناس. فلما دخلها أخذ مقاتلاً وابنه، وجماعة من القواد فوجههم إلى عثمان بن عبد الأعلى بن سراقه إلى دمشق؛ وكان خليفته عليها، فحبسهم عنده، ولم يزل مقاتل بن حكيم وخالد بن مقاتل وأصحابهما محبوسين عند عثمان حتى بلغهم الخبر بهزيمة عبد الله، فدخل إليهم عثمان بن سراقة إلى الحبس فقال لمقاتل: أريتكم إن أنا خليت عنكم وتمضون حيث شئتم، أتكتبون لي كتاباً أنه إن تغيرت بعبد الله بن علي حال أنكم لا تبتغوني بشيء كان مني، ولا تطالبوني بأمر سلف؟ قالوا: نعم، فافعل. فذهب ليأتيهم بصحيفة ودواة
стр. 8895
ليكتبوا له، فسمع مقاتلاً يقول لابنه: ويحك يا خالد! أحلف حقاً أن هذا ما سألنا الأمان إلا وقد حدث في صاحبه حدث؛ وما ينبغي لنا أن نؤمنهم إلا بعد مؤامرة أمير المؤمنين ومعرفة رأيه. فاشتمل عثمان على السيف ثم دخل عليهم فقال: من أراد أمانكم فهو كلب ثم قتلهم جميعاً.
وقيل: إن عبد اله بن علي قتل مقاتلاً حين استنزله من حصن حران.
مقاتل بن حيان أبو بسطام النبطي
البلخي مولى بكر بن وائل، ويقال: مولى بني تيم الله كان خرازاً، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وعلى هشام بن عبد الملك.
حدث عن عمرة عن عائشة أنها قالت: كنا ننتبذ لرسول الله ﷺ غدوة في سقاء ولا نخمره، ولا نجعل فيه عكراً، فإذا أمسى تعشى فشرب على عشائه، فإن بقي شيء فرغته أو صببته ثم نغسل السقاء فننبذ من العشي، فإذا أصبح تغدى فشرب على غدائه، فإن فضل شيء صببته أو فرغته. ثم نغسل السقاء. فقيل له: أفيه غسل السقاء مرتين؟ قال: مرتين.
وحدث عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: حرم الله الخمر، وكل مسكر حرام.
وحدث عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: لكل شيء قلب، وإن قلب القرآن ياسين. ومن قرأ ياسين كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات.
стр. 8896
وحدث مقاتل عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
قال مقاتل بن حيان:
كنا جلوساً عند عمر بن عبد العزيز إذ دخل عليه أبو بردة فقال: يا أمير المؤمنين! ألا أهدي لك هدية هي خير من الدنيا وما فيها؟ قال: ليس شيء من الخير وإن صغر إلا وهو خير من الدنيا وما فيها؛ لقد أنبأني أبو سلمة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إن الله خلق الدنيا منذ خلقها فلم ينظر إليها بعد، إلا مكان المتعبدين منها، وليس بناظر إليها إلى يوم ينفخ في الصور، ويأذن في هلاكها. مقتاً لها، ولم يؤثرها على الآخرة.
قال مقاتل: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما كان ساعة دخل عليه رجل، فأقبل عليه عمر بوجهه وحدثه. فلما خرج قلت: يا أمير المؤمنين! من هذا الذي رأيتك أقبلت عليه تحدثه؟ قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم. قال: أنت رأيته؟ - مرتين أو ثلاثاً - قلت: نعم. قال: ذلك الخضر.
قال: فسر بمقاتل بعد وأعجب به.
وكان مقاتل بن حيان ثقة، صدوقاً، صالح الحديث.
وعن مقاتل بن حيان قال: ليس لملول صديق، ولا لحسود غناء، وطول النظر في الحكمة تلقيح للعقل؛ وأهل هذه الأهواء آفة أمة محمد ﷺ ؛ إنهم يذكرون النبي ﷺ وأهل بيته، فيتصيدون بهذا الذكر الحسن الجهال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقي الصبر باسم العسل! ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق! فأبصرهم، فإنك إلا تكن أصحبت في بحر الماء، فقد أصبحت في بحر الأهواء، الذي هو أعمق غوراً، وأشد اضطراباً، وأكثر عواصفاً، وأبعد مذهباً من البحر وما فيه؛ فلتكن مطيتك التي تقطع التي تقطع بها سفر الضلال اتباع السنه، فإنهم هم السيارة الذين إلى الله يعمدون.
стр. 8897
قالوا: وهرب مقاتل بن حيان مولى مصقله بن هبيرة الشيباني، وزياد بن عبد الرحمن القشيري، وغالب مولى تميم، أيام أبي مسلم، فاستجاروا بزنبيل ملك الهند، فكره مقاتل المقام في أرض الشرك، وناء ثم، فخرج من هنال، فلما سار ليلتين مات.
وكان مقاتل ببلخ في شهر رمضان يصلي بقوم، فيذهب قوم ويبقى قوم، فيصلي بهم ويعظهم، فما يزال هذه حاله حتى يصبح
مقاتل بن سليمان أبو الحسن البلخي
صاحب التفسير.
حدث عن ثابت البناني بسنده إلى كعب بن عجرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من جاء بالحسنة فله خير منها " لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك. قال: فهذه تنجي وهذه تردي.
وحدث عن ابن الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تؤكل التمرتين جميعاً.
وحدث مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله! استخلف علينا بعدك رجلاً نعرفه وننهي إليه أمرنا، فإنا لا ندري ما يكون بعدك. فقال: إن استعملت عليكم رجلاً فأمركم بطاعة الله فعصيتموه كان معصيته معصيتي، ومعصيتي معصية الله؛ وإن أمركم بمعصية الله فأطعتموه كانت لكم الحجة علي يوم القيامة. ولكن أكلكم إلى الله.
стр. 8898
جلس مقاتل بن سليمان في مسجد بيروت فقال: لا تسألوني عن شئ مما دون العرش إلا أنبأتكم به.
وكان مقاتل حافظاً للتفسير، وكان لا يضبط الإسناد، وأصله من بلخ، ولم يكن في الحديث بذاك.
كان أبو جعفر المنصور جالساً، فألح عليه ذباب يقع على وجهه، وألح في الوقوع مراراً حتى أضجره فقال: انظروا من بالباب. فقيل: مقاتل بن سليمان. فقال: علي به. فلما دخل قال له: هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟ قال نعم، ليذل الله به الجبارين. فسكت المنصور.
قال أبو نصير: صحبت مقاتل بن سليمان ثلاث عشرة سنة فما رأيته لبس قميصاً قط إلا لبس تحته صوفاً.
قال عبد المجيد من أهل مرو: سألت مقاتل بن حيان قلت: يا أبا بسطام، أنت أعلم أو مقاتل بن سليمان؟ قال: ما وجدت علم مقاتل بن سليمان في علم الناس إلا كالبحر الأخضر في سائر البحور.
ذهب رجل بجزء من أجزاء تفسير مقاتل إلى عبد الله، فأخذه عبد الله منه وقال: دعه. فلما ذهب يسترده. قال: يا أبا عبد الرحمن، كيف رأيت؟ قال: يا له من علم؟ لو كان له إسناد.
стр. 8899
قال سفيان: سمعت مسعراً يقول لرجل: كيف رأيت الرجل؟ يعني مقاتلاً إن كان ما يجئ به علماً فما أعلمه!.
الرجل هو حماد بن عمرو.
قال أبو الحارث الجوزجاني: حكي لي عن الشافعي أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة: على مقاتل في التفسير؛ وعلى زهير بن أبي سلمة في الشعر؛ وعلى أبي حنيفة في الكلام.
وعن الشافعي قال: من أحب الأثر الصحيح فعليه بمالك، ومن أحب الجدب فعليه بأصحاب أبي حنيفة، ومن أحب التفسير فعليه بمقاتل.
وكان الشافعي يقول: كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه.
وزاد في آخر: ومن أراد التجر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال الكسائي.
قال يحيى بن شبل: قال لي عباد بن كثير: ما يمنعك من مقاتل؟ قال: قلت إن أهل بلادنا كرهوه. قال: فلا تكرهنه، فما بقي أحد أعلم بكتاب الله تعالى منه.
قيل لحماد بن أبي حنيفة: إن مقاتلاً أخذ التفسير عن الكلبي. قال: كيف يكون هذا وهو أعلم بالتفسير من الكلبي؟!.
قعد مقاتل بن سليمان فقال: سلوني عما دون العرش إلى لوناثا فقال له رجل: آدم
стр. 8900
حيث حج من حلق رأسه؟ فقال: ليس هذا من عملكم ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي.
وفي رواية: أنه قام إليه رجل فقال: أرأيت الذرة أو النملة معاها في مقدمها أو مؤخرها؟ فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له. قال سفيان: فظننت أنها عقوبة عوقب بها.
سئل ابن المبارك عن مقاتل بن سليمان وأبي شيبة الواسطي؟ فقال: ارم بهما، ومقاتل بن سليمان ما أحسن تقسيره لو كان ثقة!.
قال يحيى بن شبل: كنت جالساً عند مقاتل بن سليمان فجاء شاب فسأله: ما تقول في قول الله تعالى: " كل شيء هالك إلا وجهه "؟ قال: فقال مقاتل: هذا جممي. فقال: ما أدري ما جهم، إن كان عندي علم فيما أقول وإلا فقل لا أدري. قال: ويحك! إن جهماً والله ما حج هذا البيت، ولا جالس العلماء إنما كان رجلاً أعطي لساناً، وقوله تعالى: " كل شيء هالك إلا وجهه " إنما هو كل شيء فيه الروح، كما قال هاهنا لملكه سبأ " وأوتيت من كل شيء " لم تؤت إلا ملك بلادها، وكما قال: " وآتيناه من كل شيء سبباً " لم يؤت إلا ما في يده من الملك، ولم يدع في القرآن كل شئ، وكل شيء إلا سرد علينا.
سئل وكيع عن كتاب التفسير عن مقاتل بن سليمان فقال: لا تنظر فيه. قال: ما أصنع به؟ قال: ادفنه. ثم قال: أليس زعموا أنه كان يفظ؟ كنا نأتيه فيحدثنا، ثم نأتيه بعد أيام فيقلب الإسناد والحديث.
стр. 8901
وقيل عن وكيع أنه قال: كان مقاتل بن سليمان كذاباً.
سأل الخليفة مقاتلاً: بلغني أنك تشبه. فقال: إنما أقول: " قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد " فمن قال غير ذلك فقد كذب.
قال أحمد بن سيار بن أيوب يقول: مقاتل بن سليمان من أهل بلخ، تحول إلى مرو، ومات بالعراق، وهو تهم متروك الحديث، مهجور القول؛ وكان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه.
قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم في الدنيا نظير - يعني في البدعة والكذب -: جهم بن صفوان، وعمر بن صبح، ومقاتل بن سليمان.
قال أبو حنيفة: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه. وقال مرة عنهما: كلاهما مفرط، أفرك جهم حتى قال: إنه ليس بشيء؛ وأفرط مقاتل حتى جعل الله مثل خلقه.
قال خارجة بن مصعب: كان جهم ومقاتل بن سليمان عندنا فاسقين فاجرين.
قال خارجة: لم أستحل دم يهودي ولا ذمي، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان في موضع لا يراني فيه أحد لقتلته.
قيل لمقاتل: سمعت من الضحاك؟ قال: ربما أغلق علي وعليه باب. قال سفيان: ينبغي أن يكون أغلق عليهما باب المدينة.
стр. 8902
قال جوبير: مات الضحاك ومقاتل بن سليمان له قرطان وهو في الكتاب.
وعن المحاربي قال: مقاتل روى عنه المحابي، يقال: مقاتل دوال دوز.
قال ابن عيينة: سمعت مقاتلاً يقول: إن لم يخرج الدجال الأكبر سنة خمسين ومئة فاعلموا أني كذاب.
سكتوا عنه، ولم يذكره البخاري.
وقال الخطيب: المحفوظ ابن دوال دوز هو ابن حيان لا ابن سليمان.
قال عبد الصمد بن عبد الوارث: قدم علينا مقاتل بن سليمان فجعل يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح، ثم حدثنا بتلك الأحاديث نفسها عن الضحاك بن مزاحم، ثم حدثنا بها عن عمرو بن شعيب فقلنا له: ممن سمعتها؟ قال: عنهم كلهم. ثم قال بعد: لا والله ما أدري ممن سمعتها. قال: ولم يكن بشيء.
قال الوليد: سألت مقاتل بن سليمان عن أشياء، فكان يحدثني بأحاديث، كل واحد ينقض الآخر، فقلت: بأيهم آخذ؟ قال: بأيهم شئت.
قال عبيد الله كاتب المهدي:
لما أتانا نعي مقاتل اشتد ذلك علي، فذكرته لأمير المؤمنين أبي جعفر فقال: لا يكبر عليك، فإنه كان يقول لي: انظر ما تحب أن أحدثه فيك حتى أحدثه.
стр. 8903
قال أبو عبيد الله: قال لي المهدي الأموي: ألا ترى ما يقول لي هذا؟ يعني مقاتلاً - قال: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس. قال: قلت لا حاجة لي فيها.
وعن ما لم: أنه بلغه ن مقاتلاً جاءه إنسان فقال به: إن إنساناً سألني: ما لون كلب أصحاب الكف؟ فلم أدر ما أقول له. فقال له مقاتل: ألا قلت هو أبقع، فلو قتله لم تجد أحداً يرد عليك قولك.
قال نعيم بن حماد: أول ما ظهر من مقاتل من الكذب هذا، قال للرجل: يا مائق، لو قلت أصفر أو كذا أو كذا، من كان يرد عليك!.
قال السعدي: مقاتل بن سليمان كان دجالاً.
جلس مقاتل بن سليمان في مسجد بيروت فقال: لا تسألوني عن شيء مادون العرش إلا أنبئكم عنه. فقال الأوزاعي لرجل: قم إليه فاسأله، ما ميراثه من جدته. فحار ولم يكن عنده جواب، فما بات فيها إلا ليلة، ثم خرج بالغداة.
قال عبد الله بن المبارك: سمعت مقاتل بن سليمان يقول: الأم أحق بالصلة، والأب بالطاعة.
وقيل: إن ابني المبارك لم يرو عن مقاتل إلا هذين الحرفين.
وقال الكلبي: مقاتل يكذب علي.
وقال وكيع: كان مقاتل كاذباً.
стр. 8904
قالوا: وكان مقاتل قاصاً، فترك الناس حديثه.
قال أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي: الكذابون المعرفون بوضع الحديث على سيدنا رسول الله ﷺ أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن شعيب يعرف بالمصلوب بالشام.
توفي مقاتل بن سليمان في سنة خمسين ومئة.
مقاتل بن مكوذ بن أبي نصر يمريان
أبو محمد المغربي السوسي المقرئ حدث عن أبي علي أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بسنده إلى علي بن أبي طالب وبريدة قالا: نهى رسول الله ﷺ عن زياد القبور فزوروها، فغنها تذكركم الآخرة؛ ونهيتكم عن حبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، فاحبسوها ما بدا لكم؛ ونهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيها ما بدا لكم، وإياكم وكل مسكر.
وحدث عن أبي علي الحسن بن علي إبراهيم خوزستان بسنده إلى أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري السابق إلى الإيمان قال: قلت يا رسول الله، ما كان في صحف موسى؟ قال: كان فيه: عجبت لمن آمن بالموت كيف يفرح بالدنيا!؟ وعجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك!؟ وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يعمل السيئات!؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر وهو ينصب!؟ وعجبت لمن
стр. 8905
يرى زوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها!؟ وعجبت لمن أيقن بالجنة ولا يعمل الحسنات!؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قلت يا رسول الله! أوصني. قال: يا أبازد! عليك بتقوى الله فإنه رأس مالك. قال: قلت يا رسول الله زدني. قال: عليك بذكر الله وقراءة القرآن فإنه نور لك في السماء وذكر لك في الأرض. قلت: يا رسول الله زدني. قال: عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي. قلت: يا رسول الله زدني. قال: أقل الكلام إلا من ذكر الله، فإنك تغلب الشيطان. قلت يا رسول الله زدني. قال: انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من فوقك. قلت يا رسول الله زدني. قال: إياك وكثرة الضحك فإنه يقسي القلب ويذهب بنور الوجه.
وجد بخط أبي محمد مقاتل على ظهر جزء له، لبعضهم: من الخفيف
خذ كلامي محبراً وامتحنه ... وبميزان عقل رأسك زنه
طاعة الله خير ما لبس الع ... د فكن طائعاً ولا تعصينه
ما خلاك النفوس إلا المعاصي ... فتوق الخلاك لا تقربنه
إن شيئاً هلاك نفسك فيه ... ينبغي أن تصون نفسك عنه
سئل مقاتل عن مولده فقال: في ذي الحجة سنة ست عشرة وأربع مئة. وتوفي في صفر سنة خمسة وتسعين وأربع مئة بدمشق.
مقاتل مولى عمر بن عبد العزيز
قال عبد الله بن سعيد بن قيس الهمداني:
قدمنا دمشق مع مسلمة بن عبد الملك من غزة القسطنطينية فقال عمر بن عبد العزيز: هات يا مسلمة حدثني عن بلاد الروم. فقال مقاتل مولى عمر بن عبد العزيز: سمعت يقول لعمر: ما رأيت بلاداً تشبه القسطنطينية! فذكر وصفه
стр. 8906
لها. قال مقاتل: فلما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قال له: يا مقاتل! إنه بلغني عن النبي ﷺ أن الإمام العادل إذا وضع في قبره ترك علة يمينه، فإذا كان جائراً نقل من يمينه على يساره، فاطلع حتى تنظر إلي. قال: فاطلعت فرأيته على يمينه والحمد لله. قال مقاتل: رأيته قبل أن يخرج الروح من حسده وهو يضحك وهو يقول: لمثل هذا فليعمل. ثم مات ﵀.
قالوا: إسناده ضعيف.
مقاس الأسدي ثم الفقعسي
شاعر له قصة مع هشام بن عبد الملك.
كانت وليمة في قريش تولى أمرها مقاس الفقعسي، فاجلس عمارة الكلبي فوق هشان بن عبد الملك، فأحفظه ذلك وآلى على نفسه أنه متى أفضت إليه الخفلاة عاقبة. فلما جلس في الخلافة أمر أن يؤتى به وتقلع أضراسه وأظفار يديه، ففعل به ذلك، فأنشأ يقول: من مجزوء الرمل
عذبوني بعذاب ... قلعوا جوهر رأسي
ثم زادوني عذاباً ... نزعا عني طساسي
بالمدى حزر لحمي ... وبأطراف المواسي
قال القالي: قال أبو المياس: الطساس، الأظفار، ولم أجد واحداً من مشايخنا يعرفه. قال: ثم أخبرني رجل من أهل اليمن قال: يقال عندنا: كشهه، إذا تناوله بأطراف أصابعه.
وكان أبو المياس من أروى الناس للرجز، وهو من أهل سر من رأى.
стр. 8907
مقبل بن عبد الله
ويقال معقل - وهو وهم - الكناني الفلسطيني حديث عن هانئ بن كلثوم أن صاحب جيش الشام لما فتحت الشان كتب إلى عمر بن الخطاب: إنا فتحنا أرضاً كثيرة الطعام والعلف، فكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك إلا بأمرك، فاكتب إلي بأمرك في ذلك.
فكتب إليه عمر: أن دع الناس يأكون ويعلفون، فمن باع شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين.
وحدث عن عطاء بن يزيد الليثي قال: أكثر الناس عليه ذات يوم يسألون فقال: إنكم أكثرتم في أرأيت أرايت، لا تعلموا لغير الله، ترجون الثواب من الله، ولا يعجبن أحدكم علمه وإن كثر، فإنه لا يبلغ عند من عظمه الله كقائمة من قوائم ذباب.
قال مقبل بن عبد الله الكناني: لست أخاف على نفسي أن أتعمد الكذب إنما أخاف على نفسي الكذب في تردادي الحديث.
مقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك
ابن ربيعة بن ثمامة بن مطرود، أبو الأسود ويقال أبو عمر، يوقال أبو معبد الكندي صاحب سيدنا رسول الله ﷺ وسمي ابن الأسود لأن الأسود بن عبد يغوث الزهري حالفه وتبناه.
وهو من المهاجرين الأولين ممن هاجر الهجرتين، وشهد بدراً واليرموك، وشهد الجانية مع عمر بن الخطاب، وكان على ربع أهل المن، وخرج مع عمر أيضاً في خرجته
стр. 8908
الثانية التي رجع فيها من سرع اميراً على ربع اليمن.
قال المقداد:
قدمت على رسول الله ﷺ ومعي رجلان من أصحابي، فطلبنا هل يضيفنا أحد؟ فلم يضيفنا أحد؟ فلم يضيفنا أحد، فدفع إلينا أربعة أعنز فقال: يا مقداد! خذ هذه فاحتلبها، فجزئها أربعة أجزاء، جزءاً لي، وجزءاً لك وجزءين لصاحبيك. فكنت أفعل ذلك، فلما كان ذلك ليلة شربت جزئي وشرب صاحباي جزأيهما، وجعلت جزء النبي ﷺ في العقب، وأطبقت عليه فاحتبس النبي ﷺ فقالت لي نفسي: إن رسول الله ﷺ قد دعاه أهل بيت من المدينة فتعشى معهم، ورسول الله ﷺ لا يحتاج إلى هذا اللبن، فلم تزل نفسي تدبرني حتى قمت إلي القعب فشربت ما فيه، فلما تقار في بطني أخذني ما قدم وما حدث، فقالت لي نفسي: يجئ رسول الله ﷺ وهو جائع ظمآن، فيرفع القعب، فلا يجد فيه شيئاً، فيدعو عليك. فتجيت كأني نائم، وما كان بي نوم، فجاء رسول الله ﷺ فسلم تسليمه أسمع اليقظان ولم يوقظ النائم، فلما لم ير في القعب شيئاً رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم أظعم من أطعمنا واسق من سقانا. فاغتنمت دعوة رسول الله ﷺ فأخذت الشفرة وأنا أريد أن أذبح بعض تلك الأعنز فأطعمه، فضربت بيدي فوقعت على ضرعها، فإذا هي حافل، ثم نظرت إليهن جميعاً فإذا هن حفل، فحلبت في القعب حتى امتلأ، ثم أتيته وأنا أبتسم، فقال: بعض سوآتك يا مقداد. قلت يا رسول الله! اشرب ثم أخبر الخبر. ثم شرب
стр. 8909
وشربت ما بقي ثم أخبرته فقال: يا مقداد! هذه بركة كان ينبغي لك أن تعلمني حتى نوقظ صاحبنا فنسقيهما من هذه البركة. قال: قلت يا رسول الله! إذا شربت أنت البركة وأنا فما أبالي من أخطأت.
قال جبير بن نفير: جلسنا إلى المقداد بن الأسود بدمشق وهو يحدثنا وهو على تابوت، ما به عنه فضل، فقال له رجل: لو قعدت العام عن الغزو. قال: أبت البحوث - يعني سورة التوبة - قال اله : " انفروا خفافاً وثقالا. قال أبو عثمان: بحثت المنافقين.
قالوا: وكان القارئ يوم اليرموك المقداد؛ ومن السنة التي سن رسول الله ﷺ بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللقاء - وهي الأنفال - ولم يزل الناس بعد على ذلك.
قال صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل: قلت لأبي: المقداد بن الأسود، هو المقداد بن عمرو؟ قال: نعم، ولما نزل القرآن العزيز: " ادعوهم لآبائهم " قيل: المقداد بن عمرو.
وكان من الرماة المذكورين من أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ ، وغزا إفريقية مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين.
وكان آدم، أبطن، اصفر اللحية، أقنى، طويلاً، كثير شعر الرأس، أعين، مقرون الحاجبين، يصفر لحيته.
стр. 8910
وآخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الله بن رواحة.
قال عبد الله بن معسود: كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد؛ فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أب يطالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وقد صهروهم، فما منهم أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله ، وهان على قومه، فأخذه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد.
وقد طعنوا في إسناد هذا الحديث.
وعن عكرمة: " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم " قال: أتى شيبة وعتبة ابنا ربيعة ونفر معهما - سماهم - أبا طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك محمد يطرد موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعسافءنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا. فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه، فأنزر الله تعالى: " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم "، " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغادة والعشي " قال: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر مولى ابن المغيرة، وسالم مولى أبي حذيفة بن عتبة، وصبيح مولى أسيد؛ ومن الحفلاء اين مسعود والمقداد بن عمرو وغيرهم.
وخرج رسول الله حروف من المدينة خرجه أخرى فبلغ ودان، فنزل وبعث ستين راكباً من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وأمر عليهم عبيدة بن الحارث بن
стр. 8911
الملطب، وأمره أن يسير إلى جيش المشركين، فإنهم قد خرجوا من مكة، وكان معهم المقداد بن الأسود، فكتب إلى رسول الله ﷺ : إن المشركين قد خرجوا من مكة يريدون أن يسيروا إلى تهامه ويدنوا من المدينة، ويرجعون. فلذلك بعث رسول الله ﷺ عبيدة بن الحارث والذين معه، فالتقوا بثينة المرأة، فارتموا بالنبل، فانحاز المسلمون على حامية، حتى هبطوا من الثنية، ثم انكفأ بعضهم على بعض، ورمى يومئذ سعد بن أبي وقاص بأسهم في أعداء الله، فأصاب بكل سهم رمى به رجلاً، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله. ويومئذ لحق المقداد بالمسلمين، وكان خرج في جيش المشركين فتوصل بهم ليلحق بنبي الله ﷺ ، ففعل ذلك حتى لقي المسليمن، ورجع المسلمون إلى رسول الله ﷺ فقدموا المدينة فأقاموا بها إلى ما شاء الله.
وعن أنس: أن رسول الله ﷺ شاور الناس يوم بدر فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقالت الأنصار: يا رسول الله أوص فقال المقداد بن الأسود: والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد فعلنا، فشأنك يا رسول الله. وذكر الحديث.
قال: وهذا الكلام محفوظ لسعد بن عبادة وهو أنصاري، وأما المقداد فله كلام آخر، وهو أن أبا أيوب قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العبرة، لعل الله يغنمناها. فقلنا: نعم. فهرج وخرجنا، فلما سرنا يوماً أو يومين ثم قال لنا: ما ترون في القوم؟ فإنهم قد أخبروا
стр. 8912
بمخرجكم. فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال: ما ترون في قتال القوم؟ فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذاً لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون. قال: فتمنينا معشر الأنصار لو أنا قلنا كما قال المقداد، أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم. وذكر حديثاً طويلاً.
وفي رواية: إنا ها هنا قاعدون، ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك وعن يمينك وعن شملك ومن خلفك حتى يفتح الله عليك.
وفي رواية: فرأيت رسول الله ﷺ أشرق وجهه لذلك وسره.
وفي رواية: ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون.
وعن علي بن قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد أيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح.
وفي رواية: إلا المقداد على فرس أبلق.
قال المقداد: شهدت بدراً على فرس يقال سبحة فضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ولفرسي بسهم، فكان لي سهمان.
وعن يزيد بن رومان أن رسول الله ﷺ لم يكن معه يوم بدر إلا فرسان: فرس عليه المقداد بن عمرو حليف الأسود خال رسول الله ﷺ ؛ وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي، حليف حمزة بن عبد المطلب. وكان مع المشركين يومئذ مئة فرس؛ وقيل كانت ثلاثة أفراس، فرس عليه الزبير بن العوام.
قال القاسم بن عبد الرحمن: إنه كان أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود.
وعن القاسم أيضاً قال: أول من أفشى القرآن بمكة في زمن النبي ﷺ عبد الله بن مسعود؛ وأول
стр. 8913
من بنى مسجداً يصلى فيه عمار؛ وأول من أذن من أذن بلال؛ وأول من غزا في سبيل الله المقداد؛ وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد؛ وأول من قتل من المسليمن مهجع مولى عمر بن الخطاب؛ وأول مع النبي ﷺ جهينة؛ وأول من أدى الصدقة طائعين من قبل أنفسهم بنو عذرة بن سعد.
وعن زر: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب؛ وأول من رفعت له راية في الإسلام عبد الله بن جحش؛ وأول مال خمس مال عبد الله بن جحش؛ وأول من قرأ آية من ظهر قلبه عبد الله بن مسعود، وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن مالك؛ وأول من قاتل على ظهر فرسه المقداد بن الأسود.
وعن سعيد بن جبير قال:
قتل النبي ﷺ يوم بدر ثلاثة صبراً: عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث؛ وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر رسول الله ﷺ بقتله قال المقداد: يا رسول الله! أسيري. فقال له النبي ﷺ إنه كان يقول في كتاب الله ورسوله ما يقول. قال: فأمر بقتله، فقال: يا رسول الله! أسيري. فقال: إنه كان يقول في كتاب الله ورسوله ما يقول. يقال: يا رسول الله! أسيري. فقال رسول الله ﷺ : اللهم أغن المقداد من فضلك. قال: هذا الذي أردت. قال: ففيه نزلت هذه الآية: " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إلا أساطير الأولين ".
عن ابن عباس قال: هبط جبريل على رسول الله ﷺ يوم أحد وقد طرح المسلمون أسلحتهم، وعلى ثنايا جبريل أثر النقع فقال: يا محمد! قد طرحتم أسلحتكم والملائكة تقاتل! من هذا الذي قد حملك على ظهره؟ قال: هذا طلحة بن عبيد الله. قال: أقره السلام، وأعلمه الذي قد حملك على ظهره؟ قال: هذا طلحة بن عبيد الله. قال: أقره السلام، وأعلمه أني لا أراه في هول من أهوال يوم القيامة إلا استنقذته منه؛ من هذا الذي على البحر الذي
стр. 8914
تعجب الملائكة من فريه! قال: هذا علي بن أبي طالب. قال: إن هذه المواساة. قال: إنه مني وأنا منه. قال: وأنا منكما. يا محمد! من هذا الذي بين يديك يبقي عليك؟ قال: هذا عمار بن ياسر. قال: حرمت النار على عمار، ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه؛ من هذا الذي عن يمينك؟ قال: هذا المقداد. قال: إن الله يحبه ويأمرك بحبه.
قال سعيد بن المسيب: كانت راية رسول الله ﷺ يوم أحد مرط أسود كان لعائشة ﵂. فذكر الحديث، وفيه: الزبير على الرجال، ويقال: المقداد.
وعن أبي كبشة الأنماري قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة كان الزبير بن العوام على المجنبة اليسرى، وكان لامقداد بن الأسود على المجنبة اليمنى؛ فلما دخل رسول الله ﷺ مكة وهدأ الناس جاءا بفرسيهما، فقام رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجههما بثوبه ثم قال: إني جعلت للفرس سهمين وللفارس سهماً، فمن نقصهما نقصه الله.
بعث رسول الله ﷺ سرية وأمر عليهم المقداد، فلما رجعوا قال: كيف وجدت الإمارة يا أبا معبد؟ قال: خرجت يا رسول الله وأنا كأحدهم، ورجعت وانا أراهم كالعبيد لي. قال: كذلك الإمارة أبا معبد، إلا من وقاه الله شرها. قال: لا جرم، والذي بعثك بالحق، لا أتأمر على رجلين بعدها.
وعن محمود بن لبيد قال: نادي: الفزع الفزع ثلاثاً، ثم وقف واقفاً على فرسه حتى طلع رسول الله ﷺ في الحديد مقنعاً، فوقف واقفاً، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرة، وعليه الدرع والمغفر، شاهراً سيفه، فقعد له رسول الله ﷺ لواء في رمحه وقال: امض حتى تلحقك
стр. 8915
الخيول إنا على أثرك. قال المقداد: فخرجت وأنا أسأل الله الشهادة، حتى أدرك أخريات العدو وقد آذم بهم فرس لهم، فأقتحم فارسه وردف أحد أصحابه، فآخذ الفرس المذم فإذا مهر ضرع أشقر عتيق، لم يقو على العدو، وقد عدوا عليه من أقصى الغابة فحسر، فأرتبط في عنقه قطعة وتر وأخليه، وقلت: إن مر به أحد وأخذه حثته بعلامتي فيه، فأدرك مسعدة فأطعنه بالرمح فيه اللواء فزل الرمح، وعطف علي بوجهه فطعنني وآخذ الرمح بعضدي فكسرته، وأعجزني هرباً وأنصب لوائي فقلت: يراه أصحابي ويلحقني أبو قتادة معلماً بعمامة صفراء على فرس له، فسايرته ساعة ونحن ننظر إلى دبر ابن مسعدة فاستحث فرسه فتقدم على فرسي، فبان سبقه، وكان أجود من فرسي حتى غاب عني فلا أراه، ثم ألحقه فهذا هو ينزع بردته، فصحت: ما تصنع؟ قال: خير أصنع كما صنعت بالفرس، فإذا هو قد قتل سمعدة وسجاه ببردة. ورجعنا، فإذا فرسي في يد علبة بن زيد الحارثي، فقلت: فرسي وهذه علامتي. فقال: تعال إلى النبي ﷺ ، فجعله مغنماً.
وخرج سلمة بن الأكوع على رجليه يعدو ويسبق الخيل مثل السبع، قال سلمة: حتى لحقت القوم، فجعلت أراميهم بالنبل وأقول حين أمرمي:
خذها وانا ابن الأكوع
على خيل من خيلهم، فإذا وجهت نحوي انطلقت هارباً، فأسبقها وأعمد إلى المكان
стр. 8916
المعمور فأشرف عليه وأرمي بالنبل إذا أمكنني الرمي وأقول: من منهوك الرجز
خذها وأنا ابن الأكوع
اليوم يوم الرضع
فما زلت أكافحهم وأقول: قفوا قليلاً يلحقكم أربابكم من المهاجرين والأنصار؛ فيزدادون علي حنقاً، فيكرون علي، فأعجزهم هرباً، حتى انتهيت بهم إلى ذي قرد ولحقنا رسول الله ﷺ والخيول عشاء فقلت: يا رسول الله! إن القوم عطاش، أو ليس لهم ماء دون أحساء كذا وكذا؟ فلو بعثتني في مئة رجل استنقذت مما بأديديهم من السرح، وأخذت بأعناق القوم، فقال النبي: ملكت فأسجح. ثم قال النبي ﷺ : إنهم ليقرون في غطفان.
فحدثني خالد بن إلياس عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم قال: توافت الخيل وهم ثمانية: المقداد، وأو قتادة، ومعاذ بن ماعص، وسعد بن زيد، وأبو عياش
стр. 8917
الزرقي، ومحرز بن نضلة، وعكاشة بن محصن، وربيعة بن أكثم.
وعن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد. فقال: ادعوا لي المقداد. فقال: يا مقداد! أقتلت رجلاً قال لا إله إلا الله؟ فكيف بلا إله إلا الله غداً؟ فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ست مؤمناً " إلى قوله: " وكذلك كنتم من قبل "، فقال رسول الله ﷺ للمقداد: كان رجلاً مؤمناً يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، كذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة قبل.
وعن الحارث بن سويد قال: كان المقداد بن الأسود في سرية فحصرهم العدو، فعزم الأمير أن لا يحسر أحد دابته، فحسر رجل دابته، لم تبلغه العزيمة، فضربه فرجع الرجل وهو يقول: ما رأيت كما لقيت قط. على المقداد فقال: ما شأنك؟ وذكر له قصته، فتقلد السيف وانطلق معه حتى انتهى إلى الأمير فقال: أقده من نفسك. فأقاده، فعفى الرجل لا سيف، فرجع المقداد وهو يقول: لأموتن والإسلام عزيز.
وعن ابن عباس في قول الله : " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " قال: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبو بكر، وعمر،
стр. 8918
وعلي، وعبد الله بم مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود الكندي، وسالم مولى أب حذيفة بن عتبة؛ اجتمعوا في دار مظعون الجمحي، فتواثقوا أن يجبوا أنفسهم وأن يعتزلوا النساء، ولا يأكلوا لحماً ولا دسماً، وأن يلبسوا المسوح، ولا يأكلوا من الطعام إلا قوتاً، وأن يسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ من أمرهم، فتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجده في منزله، ولا إياهم، فقال لأمرأه عثمان أم حكيم بنت أبي أمية بن حارثة السلمية: أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ قالت: ما هو يا رسول الله؟ فأخبرها، وكرهت أن تحدث رسول الله ﷺ حين سألها، وكرهت أن تبدي على زوجها فقالت: يا رسول الله! إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك. فقال لها رسول الله ﷺ : قولي لزوجك وأصحابه إذا رجعوا إن رسول الله ﷺ يقول لكم: إني آكل وأشرب، وآكل اللحم والدسم، وأنام، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امرأته بما خبرها رسول الله ﷺ فقالوا: لقد بلغ رسول الله ﷺ أمرنا فما أعجبه؟ فذروا ما ركه رسول الله ﷺ . ونزل فيهم: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما حل الله لكم " قال: من الطاعم والشارب والجماع " ولا تعتدوا " قال: في قطع المذاكر " إن الله لا يحب لمعتدين " قال: للحلال من الحرام.
وعن ثابت قال:
كان عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود جالسين بتحدثان فقال له عبد الرحمن: ما يمنعك أن تزوج؟ فقال له المقداد: زوجني إنك. قال: فاغلظ له وجبهه، فسكت المقداد عنه. قال: ولم يصب أحداً منهم غم ولا غيظ ولا فتنة إلا شكى ذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ قال: وقام المقداد فأتى رسول الله ﷺ ، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فعرف الغم في وجهه، فقال: ما شأنك يا مقداد؟ قال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، كنت عند عبد الرحمن بن عوف جالساً فقال لي: ما منعك يا مقداد أن تزوج؟ فقلت له: زوجني أنت ابنتك، فاإلظ ي وجبهني. فقال له
стр. 8919
رسول الله ﷺ : لكني أزوجك - ولا فخر - ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. قال ثابت: وكان بها من الجمال والعقل والتمام مع قرابتها من رسول الله ﷺ .
وعن ضباعة بنت الزبير - وكانت تحت المقداد بن عمرو - قالت: إنما كان الناس إنما يذهبون فرطاليوم والليلة - وفي حديث: اليوم واليومين والثلاثة - فيبعرون كل تبعر الإبل، فلما كان ذات يوم خرج المقداد لحاجته، حتى أتى بقيع الخبجبة، وهو بقيع الغرقد، فدخل خربة لحاجته، فبينا هو جالس إذ أخرج جرذ من حجر ديناراً، فلما يزل يخرج ديناراً ديناراً حتى أخرج سبعة عشر ديناراً، ثم أخرج طرف خرقة حمراء، قال المقداد: فقمت فأخذتها فوجدت فيها ديناراً فقمت ثمانية عشر ديناراً، فاخذتها فخرجت بها حتى جئت بها رسول الله ﷺ فأخبرته خبرها، قال: فقال هل أتبعك يدك الجحر؟ قال: قلت لا والذي بعثك بالحق. قال: لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها. قالت ضباعة: فما فني آخرها حتى رأيت غرائر الورق في بيت المقداد.
وعن بريدة، عن النبي ﷺ قال: أمرني الله بحب أربعة من أصحابي. قال: وأخبرني أنه يحبهم: علي منهم، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد الكندي ﵃.
وعن علي، عن رسول الله ﷺ قال: ألا أن الجنة اشتاقت إلى أربعة من أصحابي. فأمرني ربي أن أحبهم: فانتدب صهيب، وبلال بن رباح، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر؛ فقالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الأربعة حتى نحبهم؟ فقال رسول الله ﷺ : يا عمار! أنت عرفك الله المنافقين، وأما هؤلاء الأربعة فأحدهم علي بن أبي طالب، والثاني المقداد بن الأسود الكندي، والثالث سلمان الفارسي، والرابع أبو ذر الغفاري.
وعن علي قال: قال رسول الله ﷺ : إن لكل نبي سبعة نقباء نجباء، وإني قد أعطيت أربعة عشر نقيباً: علياً،
стр. 8920
وابنيه، وحمزة، وجعفراً، وأبا بكر، وعمر، وابن مسعود، وحذيفة، والمقداد، وسلمان، وعماراً، وأبا ذر، وبلالاً.
وفي حديث آخر: وإني أعطيت أربعة عشر وزيراً نقيباً نجيباً، وسبعة من قريش وسبعة من المهاجرين.
وعن سلمان قال: قال النبي ﷺ : يا سلمان! امض إلى فاطمة، فإن لها إليك حاجة. فجئت، فاستأذنت عليها، فإذا هي جالسة في وسط الدار، فلما نظرت إلي تبسمت فقالت: أبشرك يا سلمان! فقلت بشرك الله بخير يا مولاتي. قالت صليت البارحة وردي، فأخذت مضجعي فبينا أنا بين النائمة واليقظانة، إذ بصرت بأبواب السماء قد فتحت، وإذا ثلاثة جوار قد هبطن من السماء، لم أر أكمل منهن جمالاً! فقلت لإحاهن: من أنت؟ قالت أنا المقدودة، خلقت للمقداد بن الأسود الكندي. فقلت للثانية: من أنت؟ قالت: أنا ذرة، خلقت لأبي ذر الغفاري. قلت للثالثة: من أنت فقالت: أنا سلمى خلقت لسلمان الفارسي. فأعجبني جمالهن! قلت: فما لعلي بن أبي طالب منكن زوجة؟ فقلن: مهلاً إن الله يستحي منك أن يغيرك في علي بن أبي طالب، فأنت زوجته في الدنيا وزوجته في الآخرة.
وعن جبير بن نفير قال:
جاءنا المقداد بن الأسود لحاجة فقلنا: اجلس عافاك الله، نطلب لك حاجتك، فجلس فقال: لعجب من قوم مررت بهم آنفاً يتمنون الفتنة! وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن السعيد لمن جنب الفتن - فرددها ثلاثاً - ولمن ابتلى فصبر. وأيم الله، لا أشهد على أحد أنه من أهل الجنة حتى اعلم على ما يموت عليه، بعد حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لقلب ابن آدم أسرع انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياً.
стр. 8921
وعنه قال: جلسنا إلى المقداد بن السود يوماً، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول اله ﷺ ! والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت. قال: فاستغضب المقداد، فجعلت أتعجب، ما قال الرجل إلا خيراً! ثم أقبل عليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى شيئاً غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله حروف أقوام أكبهم الله على من أخرهم في جهنم، لم يعينوه ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله أن أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم؟ مصدقون لما جاء به نبيكم ﷺ قد كفيتم البلاء بغيركم؛ والله لقد بعث النبي ﷺ على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان يفرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى إن كان أرجل ليرى والده أو ولده أو جده كافراً وقد فتح الله قفل قلبه الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو جده كافراً وقد فتح الله قفل قلبه لإيمان - يعني أنه إن ما يعني الكافر ودخل النار فلا تقر عينه - وهو يعلم أنه مات كان في النار؛ وإنها التي قال الله: " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ".
وعن السائب بن يزيد قال: صحبت عبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص والمقداد بن الأسود، فلم أسمع أحداً منهم يتحدث عن رسول الله ﷺ ، إلا أني سمعت طلحة بن عبيد الله يتحدث عن يوم أحد.
وعن كريمة ابنة المقداد عن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قالت: كنت أنا وزوجي المقداد وسعد بن أبي وقاص على فراش، وعلينا خميل واحد.
وعن كريمة أن المقداد أوصى للحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، لكل واحد منهما بثمانية عشر ألف درهم، وأوصى لأزواج النبي ﷺ لكل امرأة منهن بسبعة آلاف درهم، فقبلوا وصيته.
стр. 8922
شرب المقداد بن الأسود دهن الخروع فمات، ولما مات بكى عليه عثمان بعد موته. فقال الزبير بن العوام وقيل ابن الزبير: من البسيط
لا ألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي مازودتني زادي
وكانت وفاة المقداد بالجرف - على ثلاثة أميال من المدينة - فحمل على رقاب الرجال حتى دفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان بن عفان سنة ثلاث وثلاثين وعرمه سبعون سنة أو نحوها.
المقدام بن معدي كرب بن عمرو
ابن يزيد بن سيار بن عبد الله بن وهب بن الحارث بن معاوية ويقال: المقدام بن معدي كرب بن يزيد بن معدي كرب بن سلمة ابن عبدك الله بن وهب بن الحارث، أبو كريمة، ويقال أبو يزيد ويقال أبو صالح، ويقال أبو بشر، ويقال أبو يحيى الكندي صاحب سيدنا رسول الله ﷺ قدم دمشق على معاوية.
قال المقداد أبو كريمة: قال رسول الله ﷺ : ليلة الضيف حق واجب، فمن أصبح بفنائه فهو دين له، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه.
стр. 8923
قال أبو يحيى الكلاعي: أتيت المقدام في المسجد فقلت له: يا أبا يزيد! إن الناس يزعمون أنك لم تر رسول الله حروف. قال: سبحان الله! والله لقد رأيته وأنا أمشي عمي، فاخذ بأذني هذه فقال لعمي: أترى هذا يذكر أمة وأباه؟ فقلنا له: حدثنا بشيء سمعته من رسول الله. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر السقط إلى الشيخ الفاني، المؤمنون منهم أبناء ثلاث وثلاثين سنة - وفي رواية: أبناء ثلاثين سنة - في خلق آدم وحسن يوسف، وقلب أيوب، مرداً مكلحين، أولي أفانين. فقلت هل: فكيف بالكافر؟ قال: يعظم للنار حتى يصير جلده أربعين باعاً، وحتى يصير أب من أنيابه مثل أحد.
وعن المقدام عن رسول الله ﷺ أنه قال:
من ترك كلاً فإلى الله ورسوله - وربما قال: فإلينا - ومن ترك مالاً فلوارثه، والخال وارث من لا وارث له، وأنا وارث من لا وارث له، أرثه وأعقل عنه.
وفي رواية: والخال وارث من لا وارث له، يفك عنه ويرث ماله.
وعن خالد بم معدان قال: وقد المقادم بن معدي كرب وعمرو بن الأسود إلى معاوية، فقال معاوية للمقدام: أعملت أن الحسن بن علي توفي؟ فرجع المقدام، فقال له معاوية: ارتاها مصيبة؟ فقال: ولم لا أراها مصيبة، وقد وضعه رسول الله ﷺ في حجرة فقال: هذا مني وحسين من علي.
وعن المقدام قال: قال رسول الله ﷺ : افلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميراً ولا جابياً ولا عريفاً.
стр. 8924
توفي المقدام بن معدي كرب سنة سبع وثمانين وهو ابن إحدى وتسعين سنة بالشان. وقيل توفي سنة وثمانين.
مكحول بن دبر
ويقال ابن أبي مسلم بن شاذل بن سند بن سروان بن بزدك ابن يغوث بن كسرى، أبو عبد الله الكابلي من سبي كابل مولى لامرأة من هذيل، وقيل لامرأة من قريش - ويقال إنه من الأنباء لم يملك - فقيه أهل دمشق.
حدث مكحول عن أم أيمن قالت: أوصى رسول الله ﷺ بعض أهله: لا تشرك بالله شيئاً وإن عذبت وحرقت، أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج من كل شيء هو لك فاخرج منه، لا تترك صلاة عمداً، فإنه من ترك الصلاة عمداً فقد برئت منه ذمه الله؛ إياك والخمر فإنها مفتاح كل شر، إياك والمعصية فإنها كسخط الله، لا تفر يوم الزحف وإن أصاب الناس موتان، لا تنازع الأمر أهله، وإن رأيت أن لك؛ أنفق من طولك على أهل بيتك، ولا ترفع عصاك عنهم، أخفهم في الله .
стр. 8925
وفي حديث آخر عنه مرسلاً: وإذا كنت في قوم فكثر فيهم القتل والموت فاثبت.
وكان مكحول يقول بالقدر، وكان ضعيفاً في حديثه وروايته.
وكان مكحول إذا رمى يقول: أنا الغلام الهذلي. كان مولى امرأة من هذيل. وقيل: كان عبداً لسعيد بن العاص، فوهبه لمرأة من هذيل. وقيل: لامرأة من قريش فأعتقته.
واختلف في ولائه، فقيل: هو لامرأة من هذيل فأعتقته بمصر، وكان نوبياً. وقيل: إنه من مصر، ويقال: إنه من الفرس، ومن سبي الفرس.
وقيل: كان اسم أبيه سهراب. وكان مكحول يكني أبا مسلم، وكان فقيهاً عالماً.
وقيل: أصله من هراة، وكان جده شاذل من أهل هراة فتزوج ابنة ملك من ملوك كابل ثم هلك عنها وهي حامل، فانصرفت إلى أهلها فولدت سهراب، فلم يزل في أخواله بكابل حتى ولد له مكحول، فلما ترعرع سبي من صثمة فوقع إلى سعيد بن العاص، فوهبه لامرأة من هذيل فأعتقته.
وشاذل بذاك معجمة.
قال مكحول: كنت لعمرو بن سعيد أو لسعيد بن العاص فوهبني لرجل من هذيل بمصر، فانعم علي بها، فما خرجت من مصر حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم قدمت المدينة المدشنة، فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم لقيت الشعبي فلم أر مثله.
قال مكحول: عتقت بمصر، فلم أدع بها علماً إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق، فلم أدع بها علماً إلا حويت عليه فميا أرى، ثم أتيت المدينة، فلم أدع بها علماً إلا حويت عيه فيما أرى، ثم أتيت الشام فعربلتها، كل ذلك أسأل عن النفل، فلم أجد أحداً يخبرني عنه،
стр. 8926
حتى مررت بشيخ من بني تميم يقال له زياد بن جارية جالساً على كرسي، فسألته فقال: حدثني حبيب بن مسلمة قال: شهدت رسول الله حروف نفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث.
قال مكحول: طبقت الأرض كلها في طلب العلم.
قال مكحول: رأيت أنساً فقلت: رجل من أصحاب رسول الله ﷺ لا أسلم عليه ولا أسله عن شيء! فسلمت عليه وسألته.
قال أبو مسهر: لم يلق مكحول أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إلا أنس بن مالك، لم يسمع منه إلا حديثاً واحداً.
قال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعامر الشعبي بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن بالبصرة، ومكحول بالشام.
وعن إسماعيل بن أمية قال: قال لي مكحول: كل ما أحدثك به، أو عامة ما أحدثك به فهو عن سعيد بن المسيب أو الشعبي.
قال مكحول: اختلفت إلى شريح ستة أشهر لا أسأله عن شيء، أكتفي بما أسمعه يقضي.
كان سليمان بن موسى يقول: إذا جاءنا العلم من الحجاز عن الزهري قبلناه، وإذا جاءنا من العراق عن الحسن قبلناه، وإذا جاءنا من الجزيرة عن ميمون بن مهران قبلناه، وإذا جاءنا من الشام عن مكحول قبلناه
стр. 8927
قال سعيد: فكل هؤلاء الأربعة علماء الناس في خلافة هشام.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لمامات العبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرة بن العاص، صار الفقه في البلدان كلها إلى الموالي، وكان فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم، وفقيه أهل اليمن طاوس، وفقيه أهل السام مكحول، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أه البصرة الحسن، وفقيه أهل الخراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله خصها بقرشي فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن السميب غير مدافع.
وكان مكحول رجلاً أعجمياً لا يستطيع أن يقول قل. يقول كل، فكلما قال بالشام قبل منه.
قال الخطيب: معناه أنه عندهم مع عجمة لسانه بمحل الأمانة وموضع الإمامة يقبلون قوله، لم يرد أنهم كانوا يحكون لفظه.
جلس مكحول وعطاء بن أبي رباح يفتيان الناس، فكان لمكحول الفضل عليه، حتى بلغا جزاء الصيد، فكان عطاء أنفذ في ذلك منه.
قال رجاء بن أبي سلمة: سألت الوليد بن هشام عما غيرت النار فقال: إني لست بالذي أسأل. قال: قلت على ذلك؟ قال: كان مكحول وكان ما علمت فقيهاً يتوضأ. فحج فلقي من أثبت له الحديث أنه ليس فيه وضوء، فترك الوضوء.
قال مكحول: ما عملت بعد أن سئلت أكثر مما عملت قبل أن أسأل.
وعن مكحول: أنه كان إذا سئل لا يحدث حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا رأي، والرأي يخطئ ويصيب.
стр. 8928
قال تميم بن عطية الهنسي: كثيراً ما كنت أسمع مكحولاً يسأل فيقول: ندانم. بالفارسية: لا أدري.
قيل للزهري: أقتادة أعلم عندكم أم مكحول؟ فقال: لا بل قتادة، ما كان عند مكحول إلا شيء يسير.
قال سعيد بن عبد العزيز: لم يكن عندنا أحسن سمتاً في العبادة من مكحول وربيعة بن يزيد.
وعن مكحول قال: لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن إلي القضاء، ولأن ألي القضاء أحب إلي من أن ألي بيت المال.
قال مكحول: إن لم يكن في مجالسة الناس ومخالطتهم خير، فالعزلة أسلم.
قال مكحول: إن كان الفضل في الجماعة فإن السلامة في العزلة.
وعن مكحول قال: إياك ورفيق السوء، فإن الشر للشر خلق.
قال سعيد بن عبد العزيز: رأيت في خاتم مكحول: رب أعذ مكحولاً من النار. فضة منه.
قال مكحول: رأيت رجلاً يصلي، فلما ركع وسجد بكى، فاتهمته أنه يرائي ببكائه، فأحرمت البكاء سنة.
وعن مكحول قال: أرق الناس قلوباً أقلهم ذنوباً.
стр. 8929
كان مكحول يقول: الله انفعنا بالعلم، وزينا بالحلم، وجملنا بالتقوى، وكرمنا بالعافية.
قال أبو هريرة - رجل من أهل الشام -: جلسنا إلى مكحول فرأيناه مغتماً، فأقبلنا نحدثه، فما زادنا على أن قال: بأي وجه تلفون ربكم؟ زهدكم في أمر فرغبتم فيه، ورغبكم في أمر فزهدتم فيه، فبأي وجه تلقون ربكم.
قال عمرة بن ميمون: كنت مع أبي ونحن نطوف بالكعبة فلقي أبي شيخ فعانقه أبي، ومع الشيخ - قال - نحو مني، فقال له أبي: من هذا؟ قال: ابني. فقال: كيف رضاك عنه؟ قال: ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه إلا واحدة. قال: وما هي؟ قال: كنت أحب أن يموت فأوجز فيه. قال: ثم فارقه أبي. قال: فقلت لأبي: من هذا الشيخ قال: هذا مكحول.
وعن ابن جابر قال: أقبل يزيد بن عبد الملك بن مروان إلى مكحول في أصحابه، فلما رأيناه هممنا بالتوسعة له فقال مكحول: مكانكم، دعوة يجلس حيث أدرك، يتعلم التواضع.
وعن مكحول قال:
أربع من كن فيه كن له، وثلاث من كن فيه كن عليه، أما الأربعي اللائي من كن فيه كن له فالشكر، والإيمان، والدعاء، والآستغفار، قال الله : " ما يفعل اله بغذابكم إن شكركتم وآمنتم "؛ وقال الله عز ولح: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون "؛ وقال الله : " قل ما يعبأي بكم ربي لولا جعاؤكم ". وأما الثلاث اللائي من كن فيه كن عليه: فالمكر والبغي والنكث،
стр. 8930
قال الله : " ومن كث فإنما ينكث على نفسه " وقال : " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله "، وقال الله : " إنما بغيكم على أنفسكم ".
كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الشام: أن انظروا الأحاديث التي رواها مكحول في الديات أن أحرقوها، قال: فأحرقت.
كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت.
قال أبو عبيد مولى يلميان: ما سمعت رجاء بن حيوة يلعن أحداً إلا رجلين: يزيد بن المهلب ومكحولاً.
وقال علي بن أبي حملة: كنا بأرض الروم والناس يمرون في الغلس وفينا رجل يقصض يكنى أبا شبية، فدعا فقال فيما يقول: اللهم ارزقنا طيباً، واستعملنا صالحاً. فقال مكحول وهو في القوم: إن الله لا يرزق إلا طيباً؛ ورجاء بن حيوة وعدي بن عدي ناحية لا يعلم بهما مكحول، فقال أحدهما لصاحبه: أسمعت الكلمة؟ قال: نعم. فقيل لمكحول: إن رجاء بن حيوة وعدي بن عدي قد سمعا قولك، فشق ذلك عليه فقال له عبد الله بن يزيد الدمشقي: أنا أكفيك رجاء. فلما نزل الناس العسكر جاء عبد الله بن يزيد حتى دنا من منزل رجاء كأنه يطلب أصحابه، فنظر إليه رجاء - وكان يعرفه - فعدل إليه فقال له: إني أطلب أصحابي. قال: نحن أصحابك. فجاء حتى نزل، فأجرى ذكر مكحول، فقال له رجاء: دع عنك مكحولاً، أليس هو صاحب الكلمة؟ فقال له عبد الله بن يزيد: ما تقول رحمك الله في رجل قتل يهودياً فأخذ منه ألف دينار، فكان يأكل منه حتى مات، أزرق رزقه الله إياه؟ قال رجاء: كل من عند الله. قال علي: وأنا شهدتها حين تكلما.
قيل: إن مكحول لم يكن قدرياً. وقيل: كان قدرياً ثم رجع.
следующие страницы →