Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.
стр. 9136
الغاية، فخرج الحجاج يوماً آخذاً بيد المهلب حتى انتهى إلى المحراب فأم الناس، ثم قال: يا أبا سعيد أنا أطول أم أنت؟ قال: الأمير أطول مني، وأنا أشخص منه.
فلما انصرف من صلاته قاله له: سجستان خير ولاية أم خراسان؟ قال: سجستان، قال: وكيف؟ قال: لأنها ثغر كابل وزابلستان وإن خراسان ثغر الترك.
قال: أيهما أحب إليك أن يليه رجل مثلك؟ قال: إن أمثالي في الناس لكثير، وما نحن حيث يرى الناس.
قال: سر إلى سجستان، قال: غيري خير لك فيها مني، وأنا بخراسان خير لك من غيري، قال: ولم؟ قال: لأن بدو نعمة الله علي بعد في الإسلام كان في غزوي خراسان مع الغفاري، وابن أبي بكرة بسجستان خير لك مني، لأن أهلها أحبوه لحسن أياديه فيهم، وأنا بخراسان خير منه.
قال: وما كنت تلي من أمر الغفاري؟ قال: كنت فيمن صحبه، فلما نزلنا بيهق، ودنونا من عدونا، قال الغفاري: هل من فوارس ينظرون لنا أمامنا، وإن أصابوا أحداً أتوا به؟ فانتدب منا مع صاحب شرطة عشرة فوارس، فلقينا عدة من عدونا، فقال أصحابي: قد عاينا طلائع القوم فانصرفوا، فقلت: وما عليكم أن نشأمهم؟ فأبوا وانصرفوا، فتقدمت، فقتل الله العشرة على يدي، ثم انصرفت برؤوسهم ودوابهم وأسلابهم، وقد كان أصحابي نعوني إلى الغفاري، فلما رآني ضحك وقال: " من المتقارب "
كبا القوم عند عيان الرهان ... وقال المهلب خبط الفرس
ففاز المهلب بالمكرمات ... وآب عمير بجد التعس
стр. 9137
ثم ولاني شرطته؛ فولاه الحجاج خراسان، فكان واليها حتى هلك بها.
قيل للمهلب: بم نلت ما نلت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى.
قال رجل للمهلب: بم بلغت ما بلغت؟ قال: بالعلم، قال: قد رأينا من هو أعلم منك لم يبلغ ما بلغت؟ قال: ذاك علم صفة، وهذا علم وضع مواضعه، وأصيبت به فرصته، وأخرى لم أخزل بها: إيثاري فعلاً أحمد عليه دون القول به.
قال أبو إسحاق: ما رأيت أميراً كان أفضل من المهلب.
وقيل لأبي إسحاق: لم رويت عن المهلب؟ قال: لأني لم أر أميراً أيمن نقيبة منه ولا أسمع لنا، ولا أبعد مما نكره ولا أقرب مما نحب من المهلب.
زاد في آخر بمعناه: ولا أسخى.
قال أبو بكر الهذلي لأبي العباس السفاح: يا أمير المؤمنين، هل كان في أزد الكوفة مثل المهلب بن أبي صفرة؟ الذي يقول له الشاعر: " من الوافر "
إذا كان المهلب من ورائي ... هدا ليلي وقر له فؤادي
ولم أخش الدنية من أناس ... ولو صالوا بقوة قوم عاد
وهل كان في عبد قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر الجارود الذي يقول له الشاعر: " من السريع "
стр. 9138
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد المحمود
سرادق المجد عليك ممدود
فقال له العباس: ما رأيت مثل هذه العلية.
قال محمد بن سلام: كان بالبصرة أربعة، كل رجل منهم في زمانه لا يعلم في الأمصار مثله: الأحنف بن قيس في حلمه وعفافه ومنزلته من علي ﵇، والحسن في زهده وفصاحته وسخائه وموضعه من قلوب الناس، والمهلب بن أبي صفرة وركزة أمره، وسوار بن عبد الله القاضي في عفافه وتحريه الحق.
قال طلحة الطلحات يوماً لجلسائه:
أي رجل أسخى؟ قالوا ما نعلم أحداً أسخى منك. قال: بلغني أن المهلب دخل الحمام فبعث له ببرذون وكسوة وطيب، فخرج ولبس الثياب، وتطيب بالطيب، وركب البرذون، ولم يسأل عنه، فعلمت أنه صغر في عينه فلم يسأل عنه.
قدم زياد الأعجم خراسان على المهلب فنزل على حبيب بن المهلب، فجلسا على شراب لهما، وفي الدار شجرة عليها حمامة فجعلت تدعو، فقال زياد الأعجم: " من الوافر "
تغني أنت في ذممي وعهدي ... بأن لن يذعروك ولن تطاري
إذا غنيتي فطربت يوماً ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فإما يقتلوك طلبت ثأراً ... بقتلهم لأنك في جواري
فأخذ حبيب سهماً فرماها فقتلها، فقال زياد: قتلت جارتي بيني وبينك المهلب،
стр. 9139
فأتى المهلب فقال: يا حبيب، ادفع إلى أبي أمامة دية جاره ألف دينار كاملة، فقال حبيب: إنما كنت ألعب، فقال المهلب: ليس مع هذا لعب، جاره جاري بل هو أفضل، فدفع إليه ألف دينار، فقال زياد: " من الطويل "
فلله عينا من رأى كقضية ... قضى لي بها شيخ العراق المهلب
قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير حضان على البيض يتعب
رماه حبيب بن المهلب رمية ... فأنفذه بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل " بن حرة " ... فقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروع جاره ... وجاره جاري بل من الجار أقرب
فبلغ الحجاج فقال: ما أخطأت العرب حين جعلت المهلب رجلها.
أمر المهلب بقوم فأعظموه وسودوه، فقال رجل: ألهذا الأعور تسودون؟ والله لو خرج إلى السوق ما جاء إلا بألفي درهم، فقال لبعض من معه: أتعرف الرجل؟ قال: نعم، فأرسل إليه معه بألفي درهم وقال: أما إنك لو زدتنا في القيمة زدناك في العطية.
أغلظ رجل للمهلب فسكت، فقيل له: أربى عليك وسكت؟ قال: لم أعرف مساوئه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
شتم رجل المهلب فكف عنه، وقال: إني خفت أن يكرمني في ردي عليه أكثر مما نكرمه في شتمه.
سمع المهلب رجلاً يغتاب رجلاً فقال: اكفف، فوالله، لا ينقى فوك من سهكها.
стр. 9140
قال المهلب لبنيه: اتقوا زلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش ويزل لسانه فيهلك.
وقال المهلب: إذا سمع أحدكم العوراء فليتطأطأ بخطاه.
قال المهلب: يعجبني من الرجل الكريم خصلتان: أن أرى عقله زائداً على لسانه، ولا يعجبني أن أرى لسانه زائداً على عقله.
كان المهلب يقول: نعم الخصلة السخاء تسد عورة المزيف، وتلحق خسيسة الوضيع، وتحبب المزهو وتسد الخلة، والبخيل لا ينفعه عيشه، ولا يجد البخيل إلا حسوداً محتالاً.
أوصى المهلب ابنه يزيد فقال: يا بني، إياك والسرعة عند مسألة " بنعم "؛ فإن أولها سهل وآخرها ثقيل في فعلها، واعلم أن " لا " وإن قبحت فربما روحت، وإن كنت من أمر تسأله عن ثقة فأطمع ولا توجب، ثم افعل، وإن علمت أن لا سبيل إليه فاعتذر؛ فإنه من لا يعذر بالعذر بنفسه ظلم.
وأنشد الأخفش لرجل من طيء: " البسيط "
والله والله لولا أنني فرق ... من الأمير لعاتبت ابن نبراس
في موعد قاله لي ثم أخلفني ... وعداً " غدا ضرب أخماس لأسداس
حتى إذا نحن ألجأنا مواعدة ... إلى الطبيعة في فقر وإبساس
أجلت مخيلته عن لا فقلت له ... لوما بدأت بها ما كان من باس
стр. 9141
وليس يرجع في لا بعد ما سلفت ... منه نعم طائعاً حر من الناس
قال المهلب: ما السيف الصارم في كف الرجل الشجاع بأعز له من الصدق.
كان المهلب يبعث إلى جابر بن زيد من فارس بالمال ويقبله، قال: وكنا نعيب ذلك، قال جابر: إن قوماً يعيبون هذا، وما ضر المهلب إن رددته؟ ألا أجعله في المساكين يعيشون به؟!.
قال محمد بن يزيد المهلبي: سمعت أبي يقول: لم يقل المهلب بن أبي صفرة قط إلا بيتين وهما: " من البسيط "
إنا إذا نسأت يوماً لنا نعم ... قالت لنا أنفس أزدية عودوا
لا يوجد الجود إلا عند ذي كرم ... والمال عند لئام الناس موجود
قال المهلب: ما شيء أبقي للملك من العفو، وخير مناقب الملوك العفو.
قال المهلب: لأن يطيعني سفهاء قومي أحب إلي من أن يطيعني حلماؤهم.
قال المهلب لبنيه:
يا بني، لا تتكلوا على فعل غيركم، وافعلوا ما ينسب إليكم، ثم أنشد: " من الخفيف "
إنما المجد ما بنى والد الصد ... ق وأحيا فعاله المولود
مر المهلب بن أبي صفرة على مالك بن دينار، وهو يتبختر في مشيته، فقال له مالك: أما علمت أن هذه المشية تكره إلا بين الصفين، فقال له المهلب: أما تعرفني؟ قال له مالك: أعرفك أحسن المعرفة، قال: وما تعرف مني؟ قال: أما أولك فنطفة
стр. 9142
مدرة، وأما آخرك فجيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة، فقال المهلب: الآن عرفتني حق المعرفة.
توفي المهلب بمروروذ سنة اثنتين وسبعين، وله اثنتان وسبعون سنة.
وقيل: توفي سنة إحدى وثمانين، ويقال: سنة اثنتين وثمانين، ويقال: سنة ثلاث وثمانين بقرية يقال لها: ذا غول، وله ست وسبعون سنة، وكان مولده فتح مكة.
مهلهل بن يموت واسمه محمد بن المزرع
ابن يموت بن موسى بن يسار بن حكيم بن جبلة بن حكيم، ويقال: حصين ابن الأسود بن كعب بن عامر، أبو نضلة العبدي شاعر مليح الشعر في الغزل وغيره.
قال أبو الحسين أحمد بن محمد بن العباس الأخباري: حضرت في سنة ست وعشرين وثلاث مئة مجلس تحفة القوالة جارية أبي عبد الله بن عمر البازياري، وإلى جانبي أبو نضلة، وعن يميني أبو القاسم بن أبي الحسن البغدادي، نديم ابن الحواري، فغنت تحفة: " من الخفيف "
بي شغل به عن الشغل عنه ... بهواه وإن تشاغل عني
ظن بي جفوة فأعرض عني ... وبدا منه ما تخوف مني
سره أن أكون فيه حزيناً ... فسروري إذا تضاعف حزني
فقال أبو نضلة: هذا الشعر لي، فسمعه أبو القاسم البغدادي، وكان ينحرف عن أبي نضلة فقال: قل له: إن كان الشعر له يزيد فيه بيتاً آخر، فقلت له: فقال في الحال: " من الخفيف "
стр. 9143
هو في الحسن فتنة قد أصارت ... في هواه من كل فن
ومن شعر أبي نضلة: " من البسيط "
جلت محاسنه عن كل تشبيه ... وجل عن واصف في الحسن يحكيه
انظر إلى حسنه واستغن عن صفتي ... سبحان خالقه سبحان باريه
النرجس الغض والورد الجني له ... والأقحوان النضير النضر في فيه
دعا بألحاظه قلبي إلى عظتي ... فجاءه مسرعاً طوعاً يفديه
مثل الفراشة تأتي إن ترى لهباً ... إلى السراج فتلقي نفسها فيه
ومن شعر أبي نضلة: " من السريع "
وخمرة جاء بها شبهها ... ظلمت لا بل شبهه الخمر
فبات يسقيني على وجهه ... حتى توفى عقلي السكر
في ليلة قصرها طيبها ... بمثلها كم بخل الدهر
ومن شعر أبي نضلة: " من الطويل "
ولما التقينا للوداع ولم يزل ... ينيل لثاماً دائماً وعناقاً
شممت نسيماً منه يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا
مهند بن عبد الرحمن بن عبيد
ويقال: مهدي بن عبد الرحمن بن عبيدة بن حاضر دمشقي.
حدث عن عمته أم الدرداء عن أبي الدردراء قال: سجدت مع رسول الله ﷺ إحدى عشرة سجدة، ليس فيها من المفصل شيء،
стр. 9144
الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج سجدة، والفرقان وسليمان سورة النمل والسجد وص وسجدة الحواميم.
وبه أن رسول الله ﷺ قال: " الخال وارث من لا وارث له ".
مهنا بن يحيى
أبو عبد الله الشامي حدث عن رواد بن الجراح بسنده إلى عامر بن شهر أن النبي ﷺ قال: خذوا من قريش.
وحدث عن بقية بن الوليد بسنده عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : " يحشر الحكارون وقتلة الأنفس إلى جهنم في درجة واحدة ".
وحدث عن زيد بن أبي الزرقاء حديثاً ورد من طريق آخر عن بقية بن الوليد بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ وهو على منبره:
يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا إليه بالأعمال الصالحة، وصلوا الذي بينه وبينكم بكثرة ذكركم، وبكثرة الصدقة في السر والعلانية، تؤجروا واتنصروا وترزقوا، واعلموا أن الله فرض عليكم الجمعة في عامي هذا، في شهري هذا، في ساعتي هذه، فريضة مكتوبة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي إلى يوم القيامة جحوداً بها واستخفافاً بحقها، وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا بر له، فمن تاب تاب الله عليه، ألا لا يؤم أعرابي مهاجراً، ألا لا تؤم امرأة رجلاً ألا ولا يؤم فاجر براً إلا أن يكون سلطاناً.
стр. 9145
ميماس بن مهري بن كامل
أبو رافع الصقيل القشيري الأمير والد إبراهيم بن مياس.
وحدث بدمشق عن خلفة بن أحمد بن الفضل الحوفي بسنده إلى أنس قال: أتى النبي ﷺ رجل يريد سفراً، فقال: أوصني، فقال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة، وخالق الناس بخلق حسن ".
فلما ودعه قال: " زودك الله التقوى، وجنبك الردى، وغفر لك ذنبك، ووجهك للخير حيثما توجهت.
توفي بالرحبة وعمره اثنتان وستون سنة، ويظن أنه توفي سنة اثنتين وسبعين وأربع مئة.
ميسرة غلام خديجة ﵂
خرج مع رسول الله ﷺ إلى بصرى لما بلغ سيدنا رسول الله ﷺ خمساً وعشرين سنة، وليس له بمكة اسم إلا الأمين، فتكاملت فيه خصال الخير.
قال له أبو طالب: أنا رجل لا مالي لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجلاً من قومك في عيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك.
وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له فأرسلت إليه في ذلك.
وفي حديث أنها أرسلت إليه، ولم يذكر محاورة عمه له، فقالت:
стр. 9146
إنه دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجالاً من قومك.
قال أبو طالب: هذا رزق قد ساقه الله إليك.
فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدما بصرى من الشام، فنزلا سوق بصرى في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان يقال له نسطور، فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه، فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم. قال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم، لا تفارقه، قال: هو هو، وهو آخر الأنبياء، فيا ليتني أدركه حين يؤمر بالخروج.
وفي آخر فقال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء.
ثم باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح، فقال الرجل: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : ما حلفت بهما قط، وإني لأمرؤ أعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا - والله - نبي تجده أحبارنا منعوتاً في كتبهم.
وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة، واشتد الحريرى ملكين يظللان رسول الله ﷺ من الشمس، فوعي ذلك كله ميسرة، وكان الله قد ألقى عليه المحبة من ميسرة، فكان كأنه عبد له.
وباعوا تجارتهم، وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا فكانوا بمر الظهران قال ميسرة: يا محمد، انطلق إلى خديجة، فأخبرها بما صنع الله لها على وجهك، فإنها تعرف لك ذلك.
فتقدم رسول الله ﷺ حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، فرأت رسول الله ﷺ على بعيره وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك.
стр. 9147
ودخل عليها رسول الله ﷺ فخبرها بما ربحوا في وجههم، فسرت بذلك، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال الراهب نسطور، وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع.
وقدم رسول الله ﷺ بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ضعف ما سمت له.
ميسرة بن مسروق العبسي
أحد الفرسان المشهورين، شهد يوم اليرموك وهو شيخ مسن وكان ذا صلاح.
يقال: إنه له صحبة ووفادة على سيدنا رسول الله ﷺ .
روي عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله ﷺ :
من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
قال ميسرة: قدمت بصدقة قومي طائعين ونحن على الإسلام لم نبال، وما بعث علينا أحد، حتى أدخلتها على أبي بكر الصديق ﵁، فجزاني وجزى قومي خيراً، وعقد لنا لواء وقال: سيروا مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة، وأوصى بنا خالداً، فكنا إذا زحفت الزحوف نأخذ اللواء فنقاتل به بأبانين واليمامة ومع خالد بالشام، لقد نظر إلي خالد بن الوليد يوم اليرموك فصاح بأبي عبيدة بن الجراح: ادفع رايتك إلى ميسرة، ففعل ففتح الله علي.
حدث وابصة العبسي عن أبيه قال: جاءنا رسول الله ﷺ بمنى، فوقف علينا يدعونا إلى الإسلام، فلم يستجب له منا أحد، فقال ميسرة بن مسروق: ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومي يخالفونني، وإنما الرجل بقومه.
стр. 9148
فلما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع لقيه ميسرة بن مسروق فعرفه، فقال: يا رسول الله، ما زلت حريصاً على اتباعك منذ أنخت بنا حتى كان ما كان، ويأبى الله إلا ما ترى من تأخر إسلامي، فأسلم فحسن إسلامه، وقال: الحمد لله الذي ينقذني من النار، وكان له عند أبي بكر الصديق مكان.
قال أبو وجزة: مر أبو بكر بالناس في معسكرهم بالجرف ينسب القبائل حتى مر فزارة، فقام إليه رجل منهم فقال: مرحباً بكم، فقالوا: يا خليفة رسول الله، نحن أحلاس الخيل وقد قدنا الخيول معنا، فقال: بارك الله فيكم، قالوا: فاجعل اللواء الأكبر معنا، فقال أبو بكر: لا آخذه عن موضعه، هو في بني عبس، فقال الفزاري: أتقدم علي من أنا خير منهم؟ فقال أبو بكر: اسكت يا لكع، هم خير منك، أقدم إسلاماً، ولم يرجع منهم رجل، وقد رجعت وقومك عن الإسلام.
فقال العبسي - وهو ميسرة بن مسروق -: ألا تسمع ما يقول، يا خليفة رسول الله؟ فقال: اسكت، فقد كفيت.
وكان ميسرة بن مسروق وأصحابه أول جيش دخل أرض الروم، دخلها في ستة آلاف فغنم وسبى، وجمعت له الروم فلقيهم فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزمهم الله، وكانت فيهم مقتلة عظيمة.
قال ابن جابر: أدركت عظامهم تلوح في مرج القنابل، وهي إحدى ملاحم الروم التي أبيروا فيها.
стр. 9149
ميسرة مولى فضالة
حدث عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته.
وحدث ميسرة عن أبي الدرداء: أنه كان إذا ذكر حديث أبي هريرة عنده يقول: أولم يقل الله في كتابه: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ". قال أبو الدرداء: فنحن الصالحون.
ميمون بن أحمد بن عمار بن نصير السلمي
حدث عن نصر بن منصور الطرسوسي بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
ميمون بن إبراهيم
أبو إسحاق البغدادي الكاتب كان على الزبد للمتوكل.
حدث عن محمد بن حماد بن سعيد الكاتب قال: كنت أجالس أبا يوسف القاضي، وكان في الحلقة رجل يطيل الصمت، فجاء إلى أبي يوسف رجل فقال: ما تقول في رجل دخل إلى بيت مظلم وفيه إنسان، فخرج وسيفه مخضب دماً والرجل الذي داخل مقتول؟ فابتدره الرجل الصامت فقال: أرأيت إن كان
стр. 9150
مع الذي داخل سيف، فخرجا ورأس كل واحد منهما في يد صاحبه؟ فنظر أبو يوسف إلى أصحابه وقال: ما كان أحسن صمته لو زين بعقل.
ميمون بن إسماعيل الدمشقي
حدث عن سلم بن جنادة بسنده إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: ليس من المروءة الربح على الإخوان.
ميمون بن الحسن بن سهل البصري الدباس
حدث عن أبي علي الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق بن عواذ الأسيدي بسنده إلى أبي جزء قال: الناسخ والمنسوخ على ثلاثة أوجه: فمنه ما رفع، وما أثبت خطه وبدل حكمه، ومنه ما نسخ حكمه ونسخت تلاوته وبقي ذكره على ألسنة الناس.
ميمون بن علي بن يعقوب
ابن علي بن أبي البختري وهب بن وهب القرشي الأسدي من أهل صيدا.
حدث عن جده أبي البختري قال:
قال لي هارون الرشيد: أين أنخت لولدك من بعدك؟ قلت: يا أمير المؤمنين بالشام، قال: وأي موضع بالشام؟ قلت: بساحل دمشق بحصن يقال له صيدا، قال: وكيف أنخته الشام وهو - ذكروا - مأواة الفتن وفيه العصبية؟ فقلت له: يا أمير المؤمنين إنه بلد أرضه طعام وسماؤه إدام، قال لي: فتحملنا أن نصير إليه؟ قال: قلت: فما نحملك يا أمير المؤمنين.
стр. 9151
ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد
أبو بصير، ويقال: أبو بسر التغلبي الشاعر المعروف بالأعشى أحد فحول الشعراء، وفد على آل جفنة الغسانيين.
قال يونس بن حبيب: أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية يقدمون زهيراً والنابغة.
وأبو بصير بباء معجمة بواحدة من تحتها وصاد مهملة مكسورة.
أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ومدحه، ولم يسلم، وهو من بني بكر بن وائل.
دخل حسان بن ثابت في الجاهلة بيت خمار بالشام ومعه أعشى بكر بن وائل، واشتريا خمراً وشربا، فنام حسان ثم انتبه، فسمع الأعشى يقول للخمار: كره الشيخ الغرم، فتركه حسان حتى نام ثم اشترى خمر الخمار كلها، ثم سكبها في البيت حتى سالت تحت الأعشى، فعلم أنه سمع كلامه، فاعتذر إليه.
ذكر عمر بن شبة أن الأعشى وفد إلى النبي ﷺ ومدحه بقصيدته التي أولها: " من الطويل "
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم المسهدا
يقول لنا فيه:
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفاً حتى تلاقي محمدا
نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا
стр. 9152
فبلغ خبره قريشاً، فرصدوه على طريقه، وقالوا: هذا صناجة العرب، ما مدح أحداً قط إلى رفع من قدره. فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم، قال: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها، وكلها بك رافق ولك موافق، قال: وما هن؟ فقال أبو سفيان: الزنا، فقال: لقد تركني الزنا وما تركته، وماذا؟ قال: القمار. قال: لعلي إن لقيته اصبت منه عوضاً من القمار، وماذا؟ قال: الربا، قال: ما دينت ولا ادينت قط، وماذا؟ قال: الخمر قال: أوه، أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها، فقال أبو سفيان: أبا بصير، هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال، نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مئة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، فننظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفاً، وإن ظهر علينا أتيته، قال: ما أكره ذاك.
فقال أبو سفيان يا معشر قريش، هذا الأعشى، والله لئن أتى محمداً واتبعه ليضرمن عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له مئة من الإبل، ففعلوا وأخذها وانطلق إلى بلده.
فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله، فدفن عناك، فإذا أراد الفتيان أن يشربوا خرجوا إلى قبره، وشربوا عنده، صبوا عليه فضلات الأقداح.
وعن أبي هريرة قال: رخص رسول الله ﷺ في شعر الجاهلية إلا قصيدة أمية بن أبي الصلت في أهل بدر، وقصيدة الأعشى في عامر وعلقمة. وفي رواية: التي يذكر فيها الخوض.
جمع عبد الملك بن مروان بنيه ذات يوم ومسلمة وسليمان فاستقرأهم فقرؤوا فأحسنوا، واستنشدهم فأنشدوا فأجادوا لكل شاعر غير الأعشى، فقال لهم: قرأتم فأحسنتم، وأنشدتم فأجدتم لكل شاعر غير الأعشى، فما لكم تهجرونه؟ قد أخذ في كل فن حسن
стр. 9153
فأحسن، وما امتدح رجلاً قط إلا تركه مذكوراً، هذا عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة وهما من بيت واحد، هجا علقمة فأخمله وكان شريفاً مذكوراً، ومدح عامر بن الطفيل فرفعه.
قيل لمحمد بن مروان: من أشعر الناس؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا عجب، والأعشى إذا طرب.
دخل الشعبي على الأخطل فوجده ثملاً وحوله لخالخ ورياحين، فقال: يا شعبي، فعل الأخطل، وذكر أمهات الشعراء. فقال الشعبي: بماذا يا أبا مالك؟ قال: بقوله: " من الكامل "
وإذا تعاورت الأكف زجاجها ... نفحت فنال رياحها المزكوم
فقال الشعبي: أشعر منك الذي قال: " من الوافر "
من اللائي حملن على الروايا ... كريح المسك تستل الزكاما
فقال له الأخطل: من يقول هذا؟ قال: الأعشى، قال: قدوس قدوس، فعل الأعشى، وذكر أمهات الشعراء.
قال الخطابي: تأمل أين منزلة أحدهما من الآخر؟! لم يزد الأخطل حين احتشد على أن جعل رائحتها لذكائها تنفذ حتى تخلص إلى الرأس فينالها المزكوم، وجعلها الأعشى لحدتها وفرط ذكائها مستلة للزكام طاردة له.
كان سفيان يتمثل بأبيات الأعشى: " من الطويل "
стр. 9154
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على ألا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد بما كان أرصدا
أنشد ابن الأعرابي للأعشى: " من المنسرح "
استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولى الملامة الرجلا
الشعر قلدته سلامة ذا ال ... مفضال والشيء حيثما جعلا
والشعر يستثير الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا
قال حرب: لقيت الأعشى في الجاهلية، فقلت له: ما عنيت بقولك: " من الكامل "
وسبية مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها
قال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء.
قال المازني: لما قدمت سر من رأى دخلت على الخليفة فقال: يا مازني من خلفت وراءك؟ فقلت: خلفت أخية لي أصغر مني مقام الولد، قال: فما قالت لك حين خرجت؟ قال: طافت حولي وقالت وهي تبكي: أقول لك يا أخي كما قالت بنت الأعشى لأبيها: " من المتقارب "
تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
стр. 9155
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
قال: فما قلت لها؟ قال: قلت: أقول لك، يا أخية، كما قال جرير لابنته: قال أبو سعيد: الصواب: كما قال لزوجته أو حزرة: " من الوافر "
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: لا جرم أنها ستنجح، وأمر لي بثلاثين ألف درهم.
ميمون بن مهران
أبو أيوب مولى بني أسد فقيه أهل الجزيرة. ولد سنة أربعين، ووفد على عمر بن عبد العزيز.
حدث عن ابن عباس: أن النبي ﷺ آخر جنازة صلى عليها كبر أربعاً.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : اتخذوا هذه الحمام المقاصيص فإنها تلهو عن صبيانكم من الشياطين.
وعنه قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم.
وفي رواية: وهو صائم محرم.
وقد ضعف قوم هذا الحديث.
حدث ميمون عن مهران قال: أتيت صفية بنت شيبة، وهي امرأة كبيرة فسألتها: هل تزوج رسول الله ﷺ ميمونه وهو محرم؟ فقالت: لا، ولقد تزوجها وإنهما لحلالان.
стр. 9156
قال عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران: نحن من سبي إصطخر.
قال ميمون: كانت أمي لبني نصر بن معاوية من قيس عيلان وولدت أنا وأمي حرة، وكان أبي للأزد.
قال ميمون: لقد أدركت من لم يتكلم إلا الحق أو يسكت، وأدركت من لم يكن يملأ عينيه من السماء فرقاً من ربه، وقد أدركت من كنت أستحي أن أتكلم عنده.
كان عمر بن عبد العزيز إذا نظر إلى ميمون بن مهران قال: إذا ذهب هذا وقرنه صار الناس من بعدهم رجاجاً.
قال سليمان بن موسى: إذا أتانا العلم من الحجاز عن الزهري قبلناه، وإذا أتانا من الشام عن مكحول قبلناه، وإذا أتانا من الجزيرة عن ميمون بن مهران قبلناه، وإذا أتانا من العراق عن الحسن قبلناه.
زاد في غيره: فكل هؤلاء الأربعة علماء الناس في زمن هشام.
سأل عبد الملك بن مروان عن فقيه أهل المدينة، فقيل: سليمان بن يسار، وعن فقيه أهل مكة، فقالوا: عطاء بن أبي رباح، وعن فقيه أهل اليمن، قالوا: طاووس، وعن فقيه أهل الجزيرة، فقيل: ميمون بن مهران، وعن فقيه أهل الشام، فقيل: مكحول، وعن فقيه أهل البصرة، فقيل: الحسن بن أبي الحسن، وعن فقيه أهل الكوفة، فقيل: سعيد بن جبير، فقال: ما أراهم إلا أبناء السبايا، ومحكول من سبي كابل مولى لامرأة من هذيل.
قال أبو المليح: ما رأيت أحداً أفضل من ميمون بن مهران، قال له رجل يوماً: يا أبا أيوب أتشتكي؟ أراك مصفراً! قال: نعم، لما يبلغني في أقطار الأرض.
قال أبو الحسن الميموني: سمعت عمي عمراً يقول: ما كان أبي يكثر الصيام ولا الصلاة، كان يكره أن يعصى الله.
وعن ميمون قال: لا تجالسوا أهل القدر، ولا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، ولا تعلموا النجوم.
стр. 9157
وعن ميمون بن مهران قال: قال لي ابن عباس: يا ميمون، لا تشتم السلف، وادخل الجنة بسلام.
قال ميمون بن مهران: رجلان لا تصحبهما: صاحب مأكل سوء وصاحب بدعة.
وقال: رجلان لا تعظهما، ليس تنفعهما العظة: رجل قد لهج بكسب خبيث، وصاحب هوى قد استغرق فيه.
قال فرات بن سلمان: انتهينا مع ميمون بن مهران إلى دير القائم فنظر إلى الراهب فقال لأصحابه: فيكم من بلغ من العبادة ما بلغ هذا الراهب؟ قالوا: لا، قال: فما ينفعه ذلك ولم يؤمن بمحمد ﷺ ؟ قالوا: لا ينفعه شيء، قال: كذلك لا ينفع قول إلا بعمل.
قال فرات بن سلمان: كنت في مسجد ملطية، فتذاكرنا هذه الأهواء، فانصرفت إلى منزلي، فألقيت نفسي فنمت، فسمعت هاتفاً يهتف: الطريق مع ميمون بن مهران.
قال جعفر بن برقان: لم يكن لميمون بن مهران مجلس في المسجد يعرف.
دخل ميمون بن مهران على سليمان بن عبد الملك أو هشام منزله فلم يسلم عليه بالإمرة، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا ترى أني جهلت، ولكن الوالي إنما يسلم عليه بالإمرة إذا جلس للناس في موضع الأحكام.
استعمل عمر بن عبد العزيز ميمون بن مهران على الجزيرة، على قضائها وخراجها، فكتب إليه ميمون يستعفيه، وقال: كلفتني ما لا أطيق، أقضي بين الناس، وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق.
فكتب إليه عمر: اجب من الخراج الطيب، واقض بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إلي، فإن الناس لو كانوا إذا كبر عليهم أمر تركوه ما قام دين ولا دنيا.
стр. 9158
وقيل: إن عمر كتب إليه: إني لم أكلفك تعباً في علمك ولا في جبايتك، فاجب ما جبيت من الحلال، ولا تجمع للمسلمين إلا الحلال الطيب.
قال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون، إني أوصيك بثلاث فاحفظهن، قلت: يا أمير المؤمنين ما هن؟ قال: لا تخل بامرأة ليس بينك وبينها محرم، وإن قرأت عليها القرآن، ولا تصاف قاطع رحم، فإن الله لعنه في آيتين من كتاب الله: آية " في الرعد " قوله: " والذين ... يقطعون ما أمر الله به أن يوصل " إلى آخر الآية، وفي سورة " محمد " ﷺ : " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ". ولم يذكر الثالثة.
وعن ميمون قال: وددت أن إحدى عيني ذهبت لي الأخرى أستمتع بها حياتي وإني لم أل، قال: قلت: ولا لعمر بن عبد العزيز؟ قال: لا خير في العمل لعمر ولا لغيره.
قال عمرو بن ميمون بن مهران: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول فلم يستطع الشيخ يتخطاه، فاضطجعت له فمر على ظهري، ثم قمت فأخذت بيده، فدفعنا إلى منزل الحسن، فطرق الباب، فخرجت جارية سداسية فقالت: من هذا؟ فقلت: ميمون بن مهران، فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قتل: نعم، قالت: يا أسفا ما يقال: إن هذا للزمان السوء؛ فبكى الشيخ، فسمع الحسن بكاءه، فخرج غليه، فاعتنقا، ثم دخلا، فقال ميمون: يا أبا سعيد، إني قد أنست من قلبي غلظة " فأتيتك لتقرأ " لي منه، فقرأ الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم: " أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون "؛ فسقط الشيخ فرأيته يفحص كما تفحص الشاة
стр. 9159
المذبوحة، فأقام طويلاً، ثم أفاق، فجاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا فتفرقوا. فأخذت بيد أبي فخرجت به، ثم قلت: له: يا أبتاه، هذا الحسن قد كنت أحسب أنه أكبر من هذا، فوكز في صدري وكزة ثم قال: يا بني، لقد قرأ علينا آية لو تفهمتها بقلبك لألفى لها فيه كلوماً.
قال ميمون: الظالم والمعين على الظلم والمجب له سواء.
قال ميمون: التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص ومن شريك شحيح.
وقال: لا يكون الرجل تقيأ حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه وقال لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، وحتى يعلم من أين مطعمه، ومن أين ملبسه، ومن أين مشربه أمن حلال ذلك أم من حرام.
قال أبان بن أبي راشد القشيري: كنت إذا أردت الصائفة أتيت ميمون بن مهران أودعه، فما يزيدني على كلمتين: اتق الله، ولا يغيرك غضب ولا طمع.
وعن ميمون قال: يا أصحاب القرآن، لا تتخذوا القرآن بضاعة تلتمسون به الشف يعني الربح في الدنيا، والتسموا الدنيا بالدنيا، والتمسوا الآخرة بالآخرة.
وقال ميمون: لا يزال أحدكم حديث عهد بعمل صالح، فإنه أهون عليه حين ينزل به الموت أن يتذكر عملاً صالحاً قد قدمه.
وكان يقول: يا معشر الشباب قوتكم اجعلوها في شبابكم ونشاطكم في طاعة الله، يا معشر الشيوخ، حتى متى؟.
وعن ميمون قال: لا خير في الدنيا إلى لأحد رجلين: رجل تائب أو رجل يعمل في الدرجات.
وعنه قال: من أحب أن يعلم ما له عند الله فليعلم ما لله عنده، فإنه قادم على ما قدم لا محالة.
قال حبيب بن أبي مرزوق: رأيت على ميمون جبة صوف تحت ثيابه، فقلت له: ما هذا؟ قال: نعم فلا تخبر به أحداً.
стр. 9160
كان ميمون إذا رأى شاباً حسن العقل ولم يكن على طريقة حسنة أكرمه وابتدأه بالسلام إذا لقيه، وجاءه وسأله عن أهله وأظهر له براً، ثم يقول له: هاهنا مريض اذهب بنا نعوده، هاهنا جنازة اذهب بنا نحضرها، فيذهب فيقول للفتى أصحابه: رأيناك مع ميمون! أي شيء تصنع أنت مع ميمون؟ فيقول لهم: قال لي كذا وكذا فذهبت معه، فإذا لقيه ميمون مع أصحابه أعرض عنه كأنه لم يره، وإذا لقيته وحده سلم عليه، فلا يزال حتى ينسك.
وعن ميمون قال: ما يعجبني الذي يجد طيلساناً ثم يلبس البت إلا أن يعدم الفضل، فأما أن يلبس - يعني البت - ويضع الدراهم بعضها على بعض فلا يعجبني.
وعن ميمون قال: ما أحب أني أعطيت درهماً في لهو وأن لي مكانه ألفاً، لا يخشى من فعل ذلك أن تصيبه هذه الآية: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله " الآية.
وعن ميمون قال: ثلاث تؤدى إلى البر والفاجر: الرحم تصلها برة كانت أو فاجرة، والعهد تفي به للبر والفاجر، والأمانة تؤديها إلى البر والفاجر.
وقال ميمون: ثلاث: المؤمن والكافر فيهن سواء:..... عاهدته تفي له بعهده مسلماً كان أو كافراً، فإنما العهد لله، ومن كانت له رحم فليصلها مسلماً كان أو كافراً، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلماً كان أو كافراً.
وعنه قال: ثلاث: المؤمن والكافر فيهن سواء: الأمانة تؤديها إلى البر والفاجر، والعارية تؤديها إلى البر والفاجر، وبر الوالدين، قال الله : " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ".
قال خلف بن حوشب: تكارينا مع ميمون بن مهران دواباً إلى مكان كذا، فقال
стр. 9161
ميمون: لولا أن الدواب بكراء لمررنا على آل فلان.
جاء رجل إلى ميمون بن مهران يخطب إليه بنته فقال: لا أرضاها لك! قال: ولم؟ قال: لأنها تحب الحلي والحلل، قال: فعندي من هذا ما تريد، قال: فالآن الذي لا أرضاك لها.
قال ميمون بن مهران: بنفسي العلماء، وجدت صلاح قلبي في مجالستهم، هي بغيتي في أرض غربة، وهم ضالتي إذا لم أجدهم.
وعن ميمون قال: التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن المسألة نصف الفقه، ورفقك في المعيشة يكفي عنك نصف المؤونة.
وقدروي هذا مسنداً بإسناد ضعيف.
قال رجل لميمون: يا أبا أيوب ما يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم، فقال له ميمون: أقبل على ثنائك أيها الرجل فما يزال الناس بخير ما اتقوا ربهم.
قال ميمون: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا كان إسقاط المكروه عنه أحب إلي ممن أتحققه عليه، فإن قال: لم أقل، كان قوله: لم أقل أكبر عندي من بينة تشهد عليه، وإن قال: قد فعلت، ولم يعتذر، أبغضته من حيث أحببته.
قيل لميمون: مالك لا تفارق أخاً لك عن قلى؟ وفي رواية: ما لك لا يفارقك أخ لك عن قلى؟ قال: لأني لا أماريه ولا أشاريه.
قال جعفر بن برقان: قلت لميمون بن مهران إن فلاناً يستبطئ نفسه في زيارتك، قال: إذا ثبتت المودة فلا بأس وإن طال المكث.
قال ميمون: من رضي من صلة الإخوان بلا شيء فليؤاخ أهل القبور.
قال ميمون: إذا نزل بك ضيف فلا تكلف له ما لا تطيق، وأطعمه من طعام
стр. 9162
أهلك، والقه بوجه طلق، فإنك إن تكلفت له ما لا تطيق أوشك أن تلقاه بوجه يكرهه.
وعن ميمون قال: المروءة طلاقة الوجه، والتودد إلى الناس، وقضاء الحوائج.
كان ميمون صاحب ضيافة، وكان له مولى يأكل معه، يقال له زياد، فيأتي الضيف، فيؤتى بالقصعة من الزبد فيقول: كل يا زياد، فلعلك ليس عند أهلك غيرها، يريد بذلك الضيف، يسمع فلا يتكل ليأكل.
كتب ميمون إلى ابنه: أن أحسن معونة فلان، وأعطه من مالك، فلا يسأل الناس، فإن المسألة تذهب الحياء.
قال عيسى بن كثير الأسدي: مشيت مع ميمون بن مهران حتى أتى باب دار، ومعه ابنه عمرو، فلما أردت أن أنصرف قال له عمرو: يا أبه، ألا تعرض عليه العشاء؟ قال: ليس ذلك من نيتي.
وفي حديث بمعناه قال: كرهت أن أعرض عليه أمراً لم يكن في نفسي.
قال يونس: كان طاعون قبل بلاد ميمون بن مهران، فكتبت إليه أسأله عن أهله؛ فكتب إلي: بلغني كتابك تسألني عن أهلي، وإنه مات من أهلي وخاصتي سبعة عشر إنساناً وإني أكره البلاء إذا أقبل، فإذا أدبر لم يسرني أنه لم يكن، أما أنت فعليك بكتاب الله، فإن الناس قد لهوا عنه، يعني نسوه، واختاروا عليه الأحاديث أحاديث الرجال، وإياك والجدال والمراء في الدين، لا تمارين عالماً ولا جاهلاً، فإنك إن ماريت الجاهل خشن بصدرك ولم يطعك، وإن ماريت العالم خزن عنك علمه ولم يبال ما صنعت.
قال ميمون: من أساء سراً فليتب سراً، ومن أساء علانية فليتب علانية؛ فإن الناس يعيرون ولا يغفرون، والله يغفر ولا يعير.
قال جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: قل لي يا جعفر في وجهي ما أكره؛ فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره.
قيل لميمون بن مهران: فلان اعتق كل مملوك له، فقال: يعصون الله مرتين: يبخلون به وهو في أيديهم حتى إذا صار لغيرهم أسرفوا فيه.
стр. 9163
كان عند ميمون بن مهران رجل من قراء أهل الشام فقال: إن الكذب في بعض المواطن خير من الصدق، فقال الشامي: لا، الصدق في كل موطن خير، فقال ميمون: أرأيت لو رأيت رجلاً يسعى وآخر يتبعه بالسيف فدخل الدار فانتهى إليك؟ فقال: أرأيت الرجل؟ ما كنت قائلاً؟ قال: كنت أقول: لا، قال: فذاك.
قال ميمون: إذا أتى رجل باب سلطان فاحتجب عنه فليأت بيوت الرحمن فإنها مفتحة وليصل ركعتين وليسل حاجته.
وعن ميمون قال: قال لي محمد بن مروان في الديوان: ائت قلت: لا، قال: فما يمنعك أن تكتتب في الديوان؟ فيكون لك سهم في الإسلام؛ قلت: إني لأرجو أن يكون لي سهام في الإسلام، فقال: من أين ولست في الديوان؟ قلت: شهادة أن لا إله إلا الله وحده سهم، والزكاة سهم، وصيام رمضان سهم، والحج سهم، قال محمد: ما كنت أحسب أن لأحد في الإسلام سهماً إلا من كان في الديوان.
قال: قلت: هذا ابن عمك حكيم بن حزام لم يأخذ ديواناً قط، وذلك أنه سأل رسول الله ﷺ مسألة فقال: استعف يا حكيم خير لك، قال: ومنك يا رسول الله؟ قال: ومني، قال لا جرم، لا أسألك ولا غيرك شيئاً أبداً، ولكن ادع الله أن يبارك لي في صفقتي، يعني التجارة، فدعا له.
وعن ميمون قال: لو نشر فيكم رجل من السلف ما عرف إلا قبلتكم.
قال أبو المليح: سمعت عبد الكريم يقول: لا علم لنا بكم يا أهل الرقة، من رأيناه من جانب ميمون علمنا أنه مستقيم، ومن رأيناه يكره ناحيته علمنا أنه يأخذ ناحية الأخرى، يعني الجعد.
صلى ميمون بن مهران في سبعة عشر يوماً سبعة عشر ألف ركعة، فلما كان اليوم الثامن عشر انقطع في جوفه شيء فمات.
توفي ميمون سنة ست عشرة ومئة بالجزيرة. وقيل: سنة سبع عشرة ومئة. وقيل: سنة ثمان عشرة. وقيل: سنة تسع عشرة ومئة.
стр. 9164
أسماء النساء على حرف الميم
مريم بنت عمران بن ماتان بن أليعازر
منسوبة إلى سليمان بن داود ﵉، الصديقة أم عيسى ﵇ كانت بالربوة ويقال إن قبرها بالنيرب، ولم يصح.
وعن الحسن: في قوله: " إلى ربوة ذات قرار ومعين " قال: إلى أرض مستوية ذات أنهار وأشجار، يعني به أرض دمشق.
واسم أم مريم حنة.
وعن سعيد: في قوله: " إني نذرت لك ما في بطني محرراً "، قال: للعبادة لا يشغله عنها.
وقال سفيان: قالت: يخدم الكنيسة سنة، فملا وضعت جارية قالوا: كيف تخدم الكنيسة امرأة وهي تحيض؟! فألقوا الأقلام التي كانوا يكتبون بها الوحي، فاستهموا بالأقلام أيهم يكفل مريم، فخرج سهم زكريا، وكانت خالتها عنده، فكان عيسى ويحيى ابني خالة، وكانوا من بني إسرائيل.
وعن ابن عباس:
في قوله : " إن الله اصطفى آدم ونوحاً " يعني اختار من الناس
стр. 9165
لرسالته آدم ونوحاً، " وآل إبراهيم " يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، " وآل عمران على العالمين " يعني اختارهم للنبوة وللرسالة على عالمي ذلك الزمان، فهم " ذرية بعضها من بعض " فكل هؤلاء من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح ثم من ذرية إبراهيم، " إذ قالت امرأة عمران " ابن ماتان، واسمها حنة بنت واقوذ، وهي أم مريم، " رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً " وذلك أن حنة أم مريم كانت جاشت على الولد والمحيض، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخاً، فتحرك نفسها للود، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحاضت من ساعتها، فلما طهرت أتاها زوجها، فلما أيقنت بالولد قالت: لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محرراً.
وبنو ماتان من فلول بني إسرائيل من نسل داود.
والمحرر لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة، ويعبد الله، ويكون في خدمة الكنيسة، ولم يكن يحرر في ذلك الزمان إلا الغلمان؛ فقالت لزوجها: ليس جنس من جنس الأنبياء إلا وفيهم محرر غيرنا، وإني جعلت ما في بطني نذيرة.
تقول: قد نذرت أن أجعله لله، فهو المحرر.
فقال زوجها: أرأيت إن كان الذي في بطنك أنثى، والأنثى عورة كيف تصنعين؟ فاغتمت لذلك، فقالت عند ذلك حنة أم مريم: " رب إني نذرت لك ما في
стр. 9166
بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم " يعني تقبل مني ما نذرت لك، فاستجب لي بأن تنجيني من هذا سالمة بعد الإجابة.
" فلما وضعتها قال: رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت " وقد كنت إلهي نذرت لك ما في بطني إن نجيتني فنيجتني " وليس الذكر كالأنثى " والأنثى عورة ثم قالت: " وإني سميتها مريم "، وكذلك كان اسمها عند الله، " وإني أعذيها بك وذريتها " يعني عيسى " من الشيطان الرجيم " يعني الملعون.
فاستجاب الله لها؛ فلم يقربها الشيطان ولا ذريتها عيسى.
قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : كل ولد ابن آدم ينال منه الشيطان نطفته حين يقع بالأرض بإصبعه، ولها يستهل، إلا ما كان من مريم بنت عمران وابنها عيسى، لم يصل إبليس إليها.
قال ابن عباس: لما وضعتها خشيت حنة أم مريم ألا تقبل الأنثى محررة، فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء، فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم - وكان إمام القراء من ولد هارون - أيهم يأخذها، فقال زكريا: - وهو رأس الأحبار - أنا آخذها وأنا أحقهم بها، أختها عندي، يعني أم يحيى، فقالت القراء: وإن كان في القوم من هو أفقر إليها منك، ولو تركت لأحق الناس بها تركت لأمها ولكنها محررة غير أنا نتاهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها، فقرعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي " أيهم يكفل مريم " يعني أيهم يقبضها، فقرعهم زكريا.
وكانت قرعة أقلامهم أنهم جمعوها في موضع، ثم غطوها، فقالوا لبعض خدم بيت المقدس من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم: أدخل يدك، فأخرج قلماً منها، فأدخل يده فأخرج قلم زكريا، فقالوا: لا نرضى، ولكن نلقي الأقلام في الماء، فمن خرج قلمه في
стр. 9167
جرية الماء ثم ارتفع فهو يكفلها، فألقوا أقلامهم في نهر الأردن، فارتفع قلم زكريا في جرية الماء، فقالوا: نقترع الثالثة، فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكفلها، فألقوا أقلامهم فجرى قلم زكريا مع الماء، وارتفعت أقلامهم في جرية الماء، وقبضها عند ذلك زكريا، فذلك قوله : " وكفلها زكريا " يعني وقبضها، ثم قال: " فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً " يعني ورباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها حتى ترعرت، وبنى لها زكريا محراباً في بيت المقدس، وجعل بابه في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا بسلم، وكان استأجر لها ظئراً، فلما تم لها حولان طعمت وتحركت، فكان يغلق عليها الباب، والمفتاح معه، لا يأمن عليه أحداً، لا يأتيها بما يصلحها غيره حتى بلغت.
وقيل: إنهم لما خرجوا إلى نهر الأردن، وألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام، وقام قلم زكريا على قرنته كأنه في طين، فأخذ الجارية.
أصاب بني إسرائيل أزمة، ومرين عند زكريا على حالها حتى ضعف زكريا عن حملها، فخرج على بني إسرائيل فقال: تعلمون أني قد ضعفت عن حمل ابنة عمران، فقالوا: ونحن قد جهدنا من حمل هذه السنة، فتقارعوا بينهم، فخرج السهم على رجل من بني إسرائيل نجار، يقال له: جريج، فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج، أحسن الظن بالله، فإن الله سيرزقنا.
فجعل الله يرزق جريجاً لمكانها منه، فيأتيها كل يوم رزقها غدوة وعشية وهي في الكنيسة.
قال ابن عباس: فكان زكريا يقوم بشأنها، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله من محرابها،
стр. 9168
فتكون مع خالتها وأختها يلسفع أم يحيى، فإذا طهرت ردها إلى بيت المقدس، فكان زكريا يرى عندهم في المحراب العنب في الشتاء الشديد فيأتيها به جبريل من السماء.
وعن ابن عباس قال: كان بنو إسرائيل إذا أرادوا أن يحرروا للمحراب ولد أحد منهم لم يحرروه حتى يولد، فإن كان غلاماً فشاؤوا أن يحرروه لمهنة المحراب حرروه وإن كانت جارية لم يحرروها للمحراب، وإن امرأة عمران عجلت؛ فنذرت ما في بطنها " فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى " الآية.
فحملتها على خرقة وأدخلتها المحراب وقالت: أقضي ما نذرت لله علي، فقالوا: ما هذه؟ قالت: كنت عجلت ونذرت ما في بطني محرراً لمهنة المحراب، فوضعتها أنثى، فجئت لأقضي ما جعلته لله علي، قالوا: وما شأن المحراب وشأن الأنثى، فألقى الله في قلوبهم محبة مريم، فقالوا: ما كنا نقبل الأنثى، سوف نقبل هذه.
قال: فوضعتها بين أيديهم وخرجت، وتشاح القوم فيها، فقال لهم زكريا: أخت هذه الجارية عندي، وأنا أحق بها أن أكفلها، وكان في المحراب جدول يجري يشربون منه ويتوضؤون فيه، فلما رأى زكريا إباءهم عليه قال: بيني وبينكم أقلامنا التي نكتب بها التوراة، يجيء كل رجل بقلمه فيلقيه في هذا الجدول، فأي قلم منها شق الماء فقد كفله الله هذه الصبية.
قالوا: نعم، فجاء كل رجل منهم بقلمه، وجاء زكريا بقلمه، فألقوها في الجدول، فذهب الماء بأقلامهم، واستقبل قلم زكريا الماء فجعل يشقه، فقال لهم زكريا: معه، قالوا: قد كفلكها الله تعالى، فأنبتها الله نباتاً حسناً، فجعل لها في المحراب بيتاً لا يدخل
стр. 9169
عليها فيه إلا بإذنها، فكان زكريا يستأذن عليها؛ فتأذن له، فيدخل عليها، يسلم عليها، فتأتيه بمكيل عندها، فتضعه بين يديه، فيجد زكريا فيه عنباً في غير حين العنب، فيقول: " يا مريم أنى لك هذا؟ ". فتقول: " هو من عند الله ". وقيل: هو ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء الرمان في غير حينه.
فرغب زكريا في الولد، " فقال: إن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها " لقادر " أن يصلح لي زوجي ويهب لي منها ولداً "، فدعا ربه، فأوحى الله إليه يبشره بيحيى " قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً "، " قال: رب اجعل لي آية قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ".
قال أبو الحسن: يعني هي آية البشرى، فكان زكريا إذا قام يصلي لربه أطلق لسانه فيناجيه، فإذا خرج إلى أهل المحراب اعتقل لسانه، فيشير إليهم أن صلوا كما كنتم تصلون ثلاثة أيام.
فلما بلغت مريم فبينا هي في بيتها متفضلة، إذ دخل عليها رجل بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها ليغتالها فقالت: " إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً، قالت: أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً، قال: كذلك قال ربك ".
قال: فجعل جبريل يردد ذلك عليها، وتقول: " أنى يكون لي غلام ". قال: وتغفلها جبريل فنفخ في جيب درعها ونهض عنها، فاستمر بها حملها، فقالت:
стр. 9170
إن خرجت نحو المغرب فالقوم يصلون نحو المغرب، ولكن أخرج نحو المشرق حيث لا يراني أحد، فخرجت نحو المشرق.
فبينا هي تمشي إذ فجئها المخاض؛ فنظرت هل تجد شيئاً تستتر به؟ فلم تر إلا جذع النخلة؛ فقالت: أستتر بهذا الجذع من الناس، وكان تحت الجذع نهر يجري، فانضمت إلى النخلة، فلما وضعته خر كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجداً لوجهه، وفزع إبليس فخرج فصعد فلم يجد شيئاً ينكره، وأتى المشرق فلم يجد شيئاً ينكره، ودخل الأرض فلم يجد شيئاً ينكره، وجعل لا يصبر، فأتى المغرب لينظر فلم ير شيئاً ينكره، وجعل لا يصبر، فبينا هو يطوف إذ مر بالنخلة، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته، وإذا الملائكة قد أحدقوا بها وبابنها وبالنخلة، فقال: هاهنا حدث الأمر، فمال إليهم فقال: أي شيء هذا الذي أحدث؟ فكلمته الملائكة فقالوا: هذا نبي ولد بغير ذكر، قال: نبي ولد بغير ذكر؟ قالوا: نعم. قال: أما والله لأضلن به أكثر العالمين، أضل اليهود فكفروا به، وأضل النصارى فقالوا: هو ابن الله.
قال: وناداها ملك من تحتها " قد جعل ربك تحتك سرياً "، والسري هو النهر بكلام أهل اليمن.
قال إبليس: ما حملت أنثى إلا بعلمي، ولا وضعته إلا على كفي، ليس هذا الغلام، لم أعلم به حين حملته أمه، ولم أعلم به حين وضعته.
قال: وكان دعاء زكريا ربه لثلاث ليال بقين من المحرم، قام زكريا فاغتسل، ثم ابتهل بالدعاء إلى الله. قال: يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء، وثمار الشتاء في الصيف، " هب لي من لدنك " يعني من عندك " ذرية طيبة " يعني تقياً، فأخبر الله نبيه ﷺ بقصة عبده زكريا، ودعائه ربه، وإجابة الله وتخننه
стр. 9171
عليه، فقال جل وعز: " كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا ".
قال ابن عباس: خمسة أحرف وخمسة أسماء مقطعة، يعني بكاف: كافياً لخلقه، ها: يعني هادياً لأوليائه، يا: يعني يميناً يحلف به عباده، عين: يعني عالماً بأعمال خلقه، صاد: يعني صادقاً وعده.
ووهب الله له يحيى ولم يسم يحيى قبله.
وقيل: إن جبريل ﵇ نفخ ما بين جيبها ودرعها، فمكث ما يمكث النساء، فخرجت هاربة من أهلها نحو الشرق، وخرجوا في طلبها، فجعلوا لا يلقون أحداً إلا قالوا: هل رأيت فتاة من حالها كذا وكذا؟ فلقوا راعي بقر، فقالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال: لا، رأيت من بقري شيئاً لم أره فيما مضى في ليلتي هذه، رأيتها تسجد نحو هذا الوادي.
قال: وجاءها المخاض، فساندت إلى النخلة، و" قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً " حيضة بعد حيضة، فناداها جبريل من أقصى الوادي: " قد جعل ربك تحتك سرياً، وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً "، قالت: لا أدري شاتية أو صائفة، " فكلي واشربي وقري عيناً "، فوضعته وقطعت سرته، ولفته في خرقة، فحملته، فأقبلوا حيث رأوها، فأقعدته في حجرها، فأعطته ثديها، فجاؤوا فقاموا عليها فقالوا: " يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً " أي عظيماً، فمن أين لك هذا؟ "
стр. 9172
ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً، فأشارت إليه " أن كلموه " قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً " والمهد حجرها، فنزع فمه من ثديها وجلس واتكأ على يساره، فقال: " إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً " حتى بلغ " فاختلف الأحزاب " والأحزاب: الناس.
وفي حديث: أن مريم خرجت إلى جانب المحراب لحيض أصابها فلما طهرت إذا هي برجل معها، وهو قوله " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً " وهو جبريل ﵊، ففزعت منه و" قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً "، فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكمها فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقاً من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت.
فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة لتزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني سجد للذي في بطنك، فذلك قوله: " مصدقاً بكلمة من الله " وذكرت القصة.
وعن ابن عباس: في قوله: " وبراً بوالديه " قال: كان لا يعصيهما، " ولم يكن جباراً " قال: لم يكن قتال النفس التي حرم الله قتلها " عصياً " يعني لم يكن عاصياً لربه، "
стр. 9173
وسلام عليه " يعني حين سلم الله عليه " يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ".
ولما وهب الله لزكريا يحيى، بلغ ثلاث سنين، بشر الله مريم بعيسى.
فبينا هي في المحراب " إذ قالت الملائكة " وهو جبريل وحده: " يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك " من الفاحشة " واصطفاك " يعني اختارك " على نساء العالمين " عالم أمتها " يا مريم اقنتي لربك " يعني صلي لربك، يقول: اذكري لربك في الصلاة بطول القيام، فكانت تقوم حتى ورمت قدماها، " واسجدي واركعي مع الراكعين " يعني مع المصلين، مع قراء بيت المقدس.
والقنوت: طاعة الله . وقيل: " اقنتي لربك " سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينها.
يقول الله لنبيه ﷺ : " ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك " يعني بالخبر الغيب في قصة زكريا ويحيى ومريم، و" ما كنت لديهم " يعني عندهم " إذ يلقون أقلامهم " في كفالة مريم.
ثم قال: يا محمد، يخبر بقصة عيسى " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا " يعني مكيناً عند الله في الدنيا ومن المقربين في الآخرة " ويكلم الناس في المهد " يعني في الخرق في محرابه " وكهلاً " ويكلمهم كهلاً إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء " ومن الصالحين " يعني من المرسلين.
стр. 9174
وفي حديث: لما استقر حمل مريم، وبشرها جبريل؛ فوثقت بكرامة الله، واطمأنت وطابت نفساً، واشتد أزرها.
وكان معها في المحررين ابن خال لها يقال له يوسف، وكان يخدمها من وراء الحجاب، ويكلمها، ويناولها الشيء من وراء الحجاب، وكان أول من اطلع على حملها هو، واهتم لذلك، وأحزنه، وخاف منه البلية التي لا قبل له بها، ولم يشعر من أين أتيت مريم، وشغله عن النظر في أمر نفسه وعمله لأنه كان متعبداً حيكماً، وكان من قبل أن تضرب مريم الحجاب على نفسها تكون معه ونشأ معها.
وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما ثم انطلقا إلى المغارة التي فيها الماء، فيملأان قلتيهما ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة مقبلة على مريم بالبشارة " يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك " فيعجب يوسف مما يسمع.
فلما استبان ليوسف حمل مريم وقع في نفسه من أمرها حتى كاد أن يفتتن، فلما أراد أن يتهمها في نفسه ذكر ما طهرها الله واصطفاها، وما وعد الله أمها أنه معيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة: " يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك " فذكر الفضاء التي فضلها الله بها، وقال: إن زكريا قد أحرزها في المحراب؛ فلا يدخل عليها أحد، وليس للشيطان عليها سبيل؛ فمن أين هذا؟ فلما رأى من تغير لونها، وظهر بطنها، عظم ذلك عليه وتحير فيه رأيه وعقله، وخاف الإثم من التهمة وسوء الظن بها.
فعض لها فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إن الله خلق البذر الأول من غير نبات، وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول: لم يقدر أن يخلق الزرع الأول إلا بالبذر، ولعلك تقول:
стр. 9175
لولا أنه استعان عليها بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يخلقه ولا ينبته.
قال يوسف: أعوذ بالله أن أقول ذلك، قد صدقت، وقلت بالنور والحكمة، كما قدر أن يخلق الزرع الأول وينبته من غير بذر يقدر على أن يجعل زرعاً من غير بذر.
قال لها يوسف: أخبريني فهل ينبت الشجر من ماء ولا مطر؟ قالت: ألم تعلم أن للبذر والزرع والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً؟ فلعلك تقول: لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر! قال: أعوذ بالله أن أقول ذلك، قد صدقت وتكلمت بالنور والحكمة، فأخبريني هل يكون ولد أو حبل من غير ذكر؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قالت: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء امرأته من غير حبل ولا أنثى ولا ذكر؟ قال: بلى.
قال لها: فأخبريني خبرك، قالت: بشرني الله " بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم " إلى قوله: " ومن الصالحين ".
فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله بسبب خير أراده بمريم، فسكت عنها، فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق، فنوديت: أن اخرجي من المحراب، فخرجت.
وعن أبي وائل قال: لقد علمت مريم أن التقي ذو نهية حتى قالت: " إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ".
وقيل: إن مريم حملت بعيسى تسعة أشهر، وأن زكريا النجار هو القائل لها: أخبريني: هل يكون زرع من غير بذر. الحديث.
وقيل: لم يكن في حمل مريم إلا أن حملت ثم وضعت.
следующие страницы →