Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.
стр. 9101
مات أبو عمران بأشنة سنة ثمانين وثلاث مئة وحمل تابوته إلى سلماس، ودفن فيها.
موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص
ابن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي حدث عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " ما نحل والد ولده نحلاً أفضل من أدب حسن ".
دخل بنو عمرو بن سعيد على عبد الملك، وهم إسماعيل وسعيد وموسى فسلموا وانصرفوا، فتمثل عبد الملك: " من الطويل "
أجامل أقواماً حياء وقد أرى ... صدورهم تغلي علي مراضها
وأم موسى وعمران ولدي عمرو عائشة بنت مطيع بن ذي اللحية بن عبد بن عوف.
موسى بن عيسى بن موسى بن محمد
ابن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي ولي الموسم وإمرة مكة والمدينة واليمن والكوفة ودمشق ومصر للرشيد هارون.
قال ابن السماك لموسى بن عيسى: لتواضعك في شرفك أحب إلي من شرفك.
قدم هارون الكوفة فعزل شريكاً عن القضاء، وكان موسى بن عيسى والياً على الكوفة، فقال موسى لشريك: ما صنع أمير المؤمنين بأحد ما صنع بك، عزلك عن
стр. 9102
القضاء، فقال له شريك: هم أمراء المؤمنين يعزلون القضاة، ويخلعون ولاة العهود فلا يعاب ذلك عليهم، فقال موسى: ما ظننت أنه مجنون هكذا لا يبالي ما تكلم به.
وكان أبوه عيسى بن موسى ولي العهد بعد أبي جعفر فخلعه بمال أعطاه إياه، وهو ابن عم أبي جعفر.
بينما القاسم بن معن يقضي في دار بالكوفة بين الناس إذ قيل: الأمير وإخوته، يعني موسى بن عيسى، قال: ما له؟ قالوا: يخاصم إخوته، قال: وله رقعة؟ ناد من له حاجة، حتى إذا لم يبق أحد قال: أدخل الأمير وإخوته، قال: فدخل موسى يخطر حتى جلس إلى جانبه، قال: لا، مع خصمائك، يا غلام، ساو بين ركبهم، وأجلسهم بين يديه.
قال موسى: ما غاظني أحد غظية، ثم علمت أنه إنما أراد وجه الله ، فأحببته.
توفي موسى بن عيسى سنة ثلاث وثمانين ومئة، وسنه خمس وخمسون سنة.
وقيل توفي سنة سبع وثمانين ومئة.
موسى بن عيسى بن موسى أبو عيسى
القرشي، ويقال: مولى قيس حدث عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سحب ثيابه لم ينظر الله إليه "، فقال أبو ريحانة: والله لقد أمرضني ما حدثنا رسول الله ﷺ ، فوالله إني لأحب الجمال حتى أجعله لشراك نعلي وعلاقة سوطي، أفمن الكبر ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : " إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولكن الكبر من سفه الحق وغمض الناس أعمالهم ".
стр. 9103
موسى بن فضالة بن إبراهيم بن فضالة
القرشي، والد أبي عمرو بن فضالة حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده إلى قيس بن جابر الصدفي عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: " سيكو بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ثم يؤمر القحطاني، فو الله بعث محمداً بالحق ما هو بدونه ".
وحدث عن عمرو بن عثمان بسنده إلى سمرة بن جندب أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نطمئن في الصلاة ولا نستوفز.
حدث سنة تسع وثمانين ومئتين بحديث ونكره.
موسى بن كعب بن عيينة بن عائشة
ابن عمرو بن عادية بن الحارث بن امرئ القيس أبو عيينة التميمي أحد نقباء بني العباس الذين اختارهم محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من أهل خراسان.
ولي إمرة مصر من قبل المنصور، وصرف في سنة إحدى وأربعين ومئة. وكان المنصور حسن الرأي فيه معظماً لقدره.
стр. 9104
حدث عن أبيه بسنده إلى خالد بن الوليد قال: قال رسول الله ﷺ : " الحرب خدعة ".
كان أسيد بن عبد الله البجلي والياً على خراسان، فاتهم موسى بن كعب بأمر المسودة فأمر به فألجم بلجام، ثم كسرت أسنانه، فلما صار الأمر إلى بني هاشم أمالوا على موسى الدنيا، فكان موسى يقول: كان لنا أسنان وليس عندنا خبز، فلما جاء الخبز ذهبت الأسنان.
توفي موسى بن كعب سنة إحدى وأربعين ومئة.
موسى بن محمد بن عبد الله بن خالد
أبو عمران الخياط السامري حدث عن محمد بن حميد بسنده إلى عائشة قالت: لما مرض رسول الله ﷺ المرض الذي لم يقم منه قال: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
وحدث عن هشام بن عمار بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء ".
كان أبو عمران الخياط ثقة.
موسى بن محمد بن عطاء بن أيوب
ويقال: ابن محمد بن زيد أبو ظاهر الأنصاري، ويقال: القرشي البلقاوي المعروف بالمقدسي حدث عن الوليد بن محمد - يعني الموقري - بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ".
стр. 9105
قال إبراهيم بن سليمان بن داود الأسدي: جئت أبا الطاهر موسى بن محمد البلقاوي وكان ينزل سيس فقلت له: أمل علي شيئاً من حديثك، فقال: اكتب: حدثني مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ دفع إلى معاوية سفرجلة وقال: " القني بها في الجنة ".
قال: فانصرفت فلم أعد إليه.
كان أبو طاهر متروك الحديث ليس بثقة.
موسى بن محمد بن عمران
ابن محمد بن مصعب بن عبد الله بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ابن العوام القرشي الأسدي الزبيري قاضي بلاد الجزيرة.
حدث بسنده عن محمد بن عبد الملك الأسدي: أنه سأل مالك بن أنس عن امرأة أراد أن يتزوجها، وقص خبره وخبرها عليه، فقال مالك: إنها لا تحل لك في هذا الوقت، وأمره بالتربص، فأنشأ يقول: - وكانت تهواه ويهواها - " من الطويل "
سأخطبها جهدي وإني لخائف ... لما قال لي خير المدينة مالك
يقول وقد حلت تربص وإنما ... تربص مثلي لو علمت المهالك
أحرمت تزويج المحبين بينهم ... وأنت امرؤ فيما يرى الناس ناسك
стр. 9106
وحدث أيضاً بسنده قال:
جاء ابن سرحون السلمي إلى مالك بن أنس وأنا عنده فقال: يا أبا عبد الله، إني قلت أبياتاً من الشعر وذكرتك فيها، فاجعلني في حل وسعة، فقال له: أنت في حل مما ذكرتني، وتغير وجهه، وظن أنه هجاه.
فقال: إني أحببت أن تسمعها، فقال له مالك: فأنشدني، فأنشده: " من الطويل "
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصبا ... وحب الحسان الغانيات العواتك
ينبئكم أني مصيب وإنما ... أسلي هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الناس ما به ... أثام وهل في ضمة المتهالك
فسري عن مالك وضحك.
وحدث بسنده إلى مالك بن أنس قال: المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغائن.
وحدث بسنده إلى مالك قال: لا خير في جواب قبل فهم.
موسى بن محمد بن أبي عوف
أبو عمران المزني الصفار حدث عن عون بن سلام بسنده إلى جابر بن سمرة قال: أتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه.
стр. 9107
وحدث عن يحيى بن بكير بسنده إلى عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال لكعب: " لعلك آذاك هوامك، احلق رأسك، وافتد بصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين أو انسك شاة ".
وحدث عن عبد الله بن محمد بسنده إلى النعمان بن سعد قال: قال علي: إن في الجنة لسوقاً ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور للرجال والنساء، من اشتهى صورة دخل فيها.
توفي موسى بن محمد سنة ثمان وسبعين ومئتين.
موسى بن محمد أبو هارون البكاء
حدث عن كثير بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : " يا بني، أكثر من الدعاء، فإن الدعاء يرد القضاء المبرم ".
موسى بن مروان
أبو عمران البغدادي نزيل الرقة التمار.
حدث عن عطاء بن مسلم الخفاف بسنده عن علي قال شهدت أنا وأبو بكر وعمر بدراً، فكان جبريل عن يميني وميكائيل عن يمين أبي بكر، أو قال: جبريل عن يمين أبي بكر، وميكائيل عن يميني ﵈.
توفي موسى بن مروان سنة ست وأربعين ومئتين.
стр. 9108
موسى بن نصير
أبو عبد الرحمن مولى امرأة من لخم، وقيل: إنه مولى لبني أمية، وأصله من عين التمر. ويقال: هو من إراشة من بلي، سبي أبوه من جبل الخليل من الشام في زمن أبي بكر، واسمه نصر، فصغر، وأعتقه بعض بني أمية، فرجع إلى الشام، وولد له موسى بقرية يقال لها: كفر مثرى.
وهو صاحب فتوح الأندلس، وكان أعرج، وولاه معاوية البحر، وشهد مرج راهط، وغزا قبرس. وبنى هنالك حصوناً ومثابات منها حسن " يابس وال ... عوصه ".
وقيل: إن موسى كان يقرأ الكتب، فوجد أمر بني أمية، فانقطع إلى مروان بالمدينة، وترقت أحواله حتى ولي الأندلس.
وقدم دمشق على الوليد بن عبد الملك، وقدم معه بمائدة سليمان بن داود التي أصابها بالأندلس.
وكان أميراً بإفريقية والمغرب، وليها سنة تسع وسبعين.
وكان معاوية بعث لابتناء يابس من قبرس رجلين من الموالي أحدهما: موسى بن
стр. 9109
نصير، والآخر المهاجر بن دعلج مولى خولان، وولى أبا الأعور السلمي البعث، فلما قدما عليه رأى موسى أجسم من المهاجر، فقال: ما ينبغي للسلطان أن يستعين إلا بالجسيم لهيبته.
كان موسى بن نصير ممن بايع لابن الزبير، وحضر يوم المرج مع الضحاك، فلما قتل الضحاك لحق موسى بفلسطين، فكان مع نائل بن قيس يدعو إلى ابن الزبير، فأهدر مروان دمه، فاستجار موسى بعبد العزيز بن مروان، فوهبه له مروان وخرج به معه إلى مصر، وهم في طاعة ابن الزبير، وعليهم ابن جحدم، فلما بلغ أهل مصر مسير مروان خندقوا على الفسطاط خندقاً واستعدوا لحربه، وواجهوا مراكب مصر إلى سواحل الشام لتخالف إلى ذراريهم وعيالهم، وكان على تلك المراكب الأكدر بن حمام اللخمي، فبلغ مروان في العريش أن مراكب أهل مصر سارت إلى عيالات أهل الشام؛ فراعه ذلك، واستشار موسى بن نصير فقال له موسى: إن كان قد خرجوا في هذه الأيام فقد كفيتهم، فقال مروان: أزبيرية هذه يا موسى؟ قال: سيعلم أمير المؤمنين، أزبيرية هي أم مروانية، إني عالم بهذا البحر.
فعقد له مروان على خيل ووجهه، فسار حتى إذا كان ببعض الأيام رأى تكدراً من النجوم ليلة، فقال: لا يبقى الله في البحر مركب إلا تكسر وذهب، فأجاز إلى عكا ويافا، فألفى مراكب أهل مصر ألقاها الريح وتكسرت، فأخذهم موسى أسرى، وهي ست مئة رجل من لخم.
وجعل مروان يتلبث انتظاراً لما يأتيه من قبل موسى، وأقبل موسى بالقوم يغذ السير، فأدرك مروان بخربة القتيل بين الفرما والجفار، وأتاه بالأسرى، فأجازه مروان بألف دينار.
وسار مروان، فلما كان بجرجير بلغه ما استعد به أهل مصر، فبعث إلى وجوه من
стр. 9110
معه من أهل الشام وأهل بيته: أشيروا علي في هؤلاء الأسرى، فقال كل برأيه وموسى ساكت، فقال له مروان: ما لك يا بن نصير لا تتكلم؟! قال: أخاف يا أمير المؤمنين من الكلمة التي كانت بالأمس، قال: قل، فلست عندنا ظنيناً اليوم، قال: أرى أن تفك عانيهم، وتحسن صفادهم، وتبلغهم مأمنهم، وأن تعف عنهم، فيأتي الرجل قومه فيقول قيل ما لا يستطيعون رده من النبأ عليك، فقبل مروان مشورة موسى وفك عنهم، فقال رجل من مصر من مراد: " من الوافر "
جزاك الله يا بن نصير خيراً ... فقد أحييت من قتل وأسر
عشية قال مروان أشيروا ... علي برأيكم في أهل مصر
فقلت بما تراه الحط نصحاً ... ولم تك مثل نعمان وعمرو
فمن يكن كافراً نعماك يوماً ... فإني شاكر لك طول دهري
ثم صالح مروان أهل مصر، ودخلها صلحاً سنة خمس وستين، وخرج مروان راجعاً إلى الشام، واستخلف على مصر ابنه عبد العزيز وخلف معه بشر بن مروان.
وتوفي مروان بالشام، واستخلف عبد الملك، فكتب إلى أخيه بشر بن مروان وهو بمصر يوليه العراق، وكتب عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز أن أشخص مع بشر موسى بن نصير وزيراً.
فخرج بشر ومعه موسى، فكان موسى على أمره كله إلى أن توفي بشر بن مروان، ورجع موسى بن نصير إلى مصر، فكان من آثر الناس عند عبد العزيز بن مروان.
وفي سنة تسع وسبعين غزا موسى بن نصير المغرب فقتل وسبى، حتى انتهى إلى طبنة وطنجة، فبلغ سبيهم عشرين ألفاً، وذلك سنة إحدى وثمانين، وفي سنة اثنتين وثمانين أغزى موسى بن نصير المغيرة بن أبي بردة العبدري إلى صنهاجة.
стр. 9111
وفي سنة ست وثمانين وجه موسى المغيرة في مراكب فافتتح أولية، وهي أول مدائن سقلية من الغرب.
وفي سنة سبع وثمانين أغزى موسى ابنه عبد الله بن موسى سردانية فافتتح، وأغزى أيضاً عبد الله بن حذيفة سردانية فأصاب سبياً وغنائم، وأغزى ابن أخيه أيوب، وهو ابن حبيب، ممطورة فبلغ سبيهم ثلاثين ألفاً.
وفي سنة تسع وثمانين أغزى موسى ابنه عبد الله ميورقة وسورانية، جزيرتين بين سقلية والأندلس، ففتحهما الله تعالى.
وهذه الغزو تسمى غزوة الأشراف، كان معه أشراف الناس، وفيها أغزى موسى ابنه مروان السوس الأقصى فبلغ السبي أربعين ألفاً.
وفي سنة ثلاث وتسعين غزا موسى بلاد المغرب، فأتى طنجة، وسار لا يأتي على مدينة فيبرحها حتى يفتحها أو ينزلون على حكمه، وسار إلى قرطبة وغرب فافتتح مدينة باجة مما يلي البحر، وافتتح مدينة البيضاء، ووجه الجيوش فجعلوا يفتحون ويغنمون.
وقدم من الأندلس سنة أربع وتسعين، وأوفد وفداً إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله على يديه، وما معه من الأموال والتيجان، وبعث إليه بالخمس. وفي سنة تسع وسبعين أمر موسى بن نصير على إفريقية قال الليث: ولما غزا موسى بن نصير المغرب بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مئة ألف، وبعث ابن أخيه أيوب في جيش فأصاب مئة ألف،
стр. 9112
قيل لليث: من هم؟ قال: البربر، فلما جاء كتابه بذلك قال الناس: ابن نصير أحمق، من أين له عشرون ألفاً يبعثهم إلى أمير المؤمنين مع الخمس؟ فبلغ ذلك موسى بن نصير، فقال: ابتعثوا من يقبض لهم عشرين ألفاً.
فلما فتحوا الأندلس جاء إنسان فقال: ابعث معي أدلكم على كنز فبعث معه فقال انزعوا ههنا؟ فنزعوا فسال عليهم من الزبرجد والياقوت شيء لم يروا مثله قط، فلما رأوه بهتوا وقالوا: لا يصدقنا موسى بن نصير أبداً، فأرسلوا إليه فجاء، ونظر إليه، وكانت الطنفسة توجد منسوجة بقضبان الذهب، تنظم السلسلة من الذهب باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، فكان البربريان ربما وجداها فلا يستطيعان حملها، حتى يأتيا بالفأس فيضربان وسطها، فيأخذ أحدهما نصفها، والآخر نصفها.
قال الليث: وسمع يومئذ مناد ينادي لا يعرفونه ولا يرونه: أيها الناس إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم.
ولما دخل موسى إفريقية أقام بها أشهراً يغزو أطرافها، فلما كان من عامه ذاك في رمضان ودنا العيد، لم يشعر الناس به إلا وقد صعد المنبر، فأمر بالأبواب فأخذت على الناس فارتاعوا لذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: أيها الناس فإنكم قد أصبحتم في نحور عدوكم، وبأقصى ثغر من ثغوركم، أبعده شقة، وأشده انتياطاً بدار قد شحطت عن دياركم، ومصر قد نأى عن أمصاركم، بين عدو كلب عليكم، قد قربت داره منكم. وأنتم منه بمرأى ومسمع، وكفى بالله نصيراً، وقد رأيت ضعفاً من قوتكم، ورثاثة من عدوكم، وقد عزمت على قسم فيئكم بينكم، فأن يمضه أمير المؤمنين فحقكم، وإن يكن له رأي غير ذلك أكن لديه كفيلاً، وقد أمرت لكم من مال بمعونة وهي مني لكم في كل عام، إن شاء الله.
стр. 9113
وفي ذلك يقول زائدة بن الصلت الغساني من فرسان العرب المعدودين من أبيات: " من الرجز "
قد سن موسى سنة وأثرا ... مآثراً محمودة لن تنكرا
بالقيروان فاق فيها البشرا ... ما سنه من قبله فيؤثرا
في سالف الدهر ولا من غبرا ... من كان ذا ملك ومن تأمرا
إلا أبا بكر وإلا عمرا ... سن الذي شأى وقص الأثرا
أعطى الغني حظه والأفقرا ... وسن أخرى بعدها ليذكرا
سن لنا في عيده إذ أفطرا ... في كل عام سنة لن تكفرا
معونة أطابها وأكثرا ... لما علا في العيد منا المنبرا
كأنه البدر إذا ما أبدرا ... واحتضر الناس فجاؤوا زمرا
أنهب فينا بدراً فبدرا ... فوارد أنهله وأصدرا
وصادر يحمد منه الخبرا
وفي سنة أربع وثمانين غزا موسى بن نصير سلوما من أرض إفريقية، فنزل على أوربة، فقاتلوه، ثم فتح الله عليه، فقتل وسبى، وبلغ السبي خمسين ومئة ألف رأس.
وفي سنة خمس وتسعين، قفل موسى من إفريقية، واستخلف ابنه عبد الله، وحمل الأموال على العجل والظهر، ومعه ثلاثون ألف رأس " و" قدم على الوليد.
ولما سار موسى إلى طنجة وافتتح الأندلس وأصاب فيها المائدة التي يتحدث أهل الكتاب أنها مائدة سليمان بن داود، على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
قيل: إنه أخذ مع المائدة التاج الذي نزل من السماء!
стр. 9114
وأوغل موسى في بلاد الأندلس، لم يزل يفتح مدينة حتى سرقسطة فعظم على الجند مبلغه وخافوا أن يجاوز إلى غرة، فمشوا إلى حنش بن عبد الله السبئي، فشكوا إليه أنهم يخافون أن يجتمع العدو عليهم فيهلكهم، فقام إليه حنش بعد صلاة الصبح فقال: أيها الأمير، أتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم أبا رشدين، قال: كنت سمعتك بإفريقية تذكر عقبة بن نافع وتقول: لقد غرر بنفسه إذ وغل في بلاد البربر حتى قتل، وتقول: أما كان له ناصح؟ وأنا ناصحك اليوم أيها الأمير، أتلتمس غنيمة افضل مما غنمت؟ أو تريد أن تطأ من أرض المشركين أكثر مما قد وطئت؟، لقد بلغك الله أن جعلك أبعد المسلمين أثراً في الجهاد، وفتح عليك ما لم يفتحه على أحد من المسلمين، وقد أحب جندك السلامة واشتاقوا إلى الأهل والولد، فانصرف راشداً أيها الأمير.
فقال موسى: قد قبلت النصيحة وشكرت عليها، فأمر بالتجهز للرجوع، ورجع من هناك إلى الأندلس.
سأل عمر بن عبد العزيز موسى بن نصير - وكانت بنو أمية تبعثه على الجيوش - عن أعجب شيء رآه في البحر. قال:
انتهينا مرة إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة خضراء مختومة بخاتم سليمان بن داود، فأمرت بأربعة منها فأخرجت، وأمرت بواحدة منها فثقبت، فإذا شيطان رأسه وهو يقول: والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعدها افسد في الأرض، ثم نظر فقال: ما أرى بها سليمان وملكه، فانساح في الأرض فذهب، فأمرت بالثلاث البواقي فردت إلى مكانها.
وفي سنة ثلاث وتسعين أجدب أهل إفريقية جدباً شديداً، فخرج موسى بن نصير بالناس، وأمرهم بالصيام، وأمر بالولدان فجعلوا على حدة، والنساء على حدة، وأخرج الإبل والبقر والغنم، وخرج بأهل الذمة على حدة، ودعا يومئذ حتى انتصف النهار، وخطب الناس، فلما أراد أن ينزل قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال: ليس هذا يوم ذاك، فسقوا سقياً كفاهم حيناً.
стр. 9115
قدم قيم عمر بن عبد العزيز بعلبة، وسمع أهله بذلك، فأرسلوا ابناً له صغيراً، ثم أقبل يؤم الدنانير، فقال: امسكوا يديه، ثم رفع يديه فقال: اللهم بغضها إليه كما حببتها إلى موسى بن نصير، ثم قال: خلوه فكأنما رأى بها عقارب.
وقيل: عن موسى قال: والله لو انقادوا لقدتهم حتى أوقفهم على رومية، ثم ليفتحنها الله على يدي - إن شاء الله -.
ودخل موسى إلى مصر سنة خمس وتسعين، وكانت أول عيره بالجيزة وآخرها بثرنوط.
وسار متوجهاً إلى الشام حتى قدم على الوليد بن عبد الملك وتحين يوم الجمعة، فلما جلس الوليد على المنبر أتى موسى بن نصير وقد ألبس ثلاثين رجلاً تيجاناً على كل رجل منهم تاج وثياب ملك ملك التاج، ثم دخلوا المسجد في هيئة الملوك، وأمر بملوك الجزائر أكابر الروم فهبوا وأبناء ملوك البربر وملك الإسبان، وأقبل موسى بن نصير بالثلاثين الذين ألبسهم التيجان حتى دخل بهم مسجد دمشق، والوليد يخطب، فلما رآهم هب إليهم فأقبل حتى سلم على الوليد، ووقف الثلاثون عن يمين المنبر وشماله بالتيجان، فأخذ الوليد في حمد الله والثناء عليه والشكر بما أيده وفتح عليه ونصره، فأطال حتى فات وقت الجمعة، فصلى وانصرف، وأجاز موسى بجائزة عظيمة، وأقام موسى بدمشق حتى مات الوليد، واستخلف سليمان، وكان عاتباً على موسى فحبسه وطالبه بأموال عظيمة.
ولم يزل في يده حتى حج سليمان سنة سبع وتسعين، وحج معه موسى، فمات موسى بالمدينة في هذه السنة، وقيل: توفي بوادي القرى.
موسى بن نضير
أبو عمران البعلبكي حدث عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: ما استسقى كبير قط فشرب صغير قبله إلى غارت عين من ماء العيون.
стр. 9116
موسى بن وردان
أبو عمر القرشي مولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري المصري القاضي وفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته.
حدث عن أبي هريرة: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن زوجي خرج مجاهداً في سبيل الله، وأحب أن أعمل عمله، فقال رسول الله ﷺ : لا تبليغنه، قالت: بلى، فقال: تستطيعين أن تصومي ولا تفطري، وتصلي ولا تفتري؟ قالت: لا، قال: لو استطعت ما بلغت عمله.
وحدث عنه عن رسول الله ﷺ قال: " أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها، ولقنوها موتاكم ".
وحدث عنه أن رسول الله ﷺ قال: " تهادوا تحابوا وتصافحوا يذهب الغل عنكم ".
وحدث عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات مريضاً مات شهيداً ووقي فتان القبر، وغدي عليه وريح برزقه من الجنة ".
قال موسى بن وردان: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فحدثته بأحاديث عن أصحاب النبي ﷺ ، فكنت عنده بمنزلة، فكنت أول داخل وآخر خارج، وكنت أحدثه عمن أدركت من أصحاب النبي ﷺ . فسألته كتاباً إلى حيان بن سريج في عشرين ألف دينار أستوفيها من ثمن فلفل يدفعها إلي. فقال عمر: لمن العشرون ألف دينار؟ فقلت: لي، فقال:
стр. 9117
ومن أين؟ فقلت: كنت تاجراً، فضرب بمخصرة في يده وقال: التاجر فاجر، والفاجر في النار، ثم قال: اكتبوا له إلى حيان. فلم أدخل عليه بعدها، وأمر حاجبه ألا يدخلني عليه.
توفي موسى بن وردان سنة سبع عشرة ومئة.
موسى بن هشام بن أحمد بن العلاء
أبو عمران الوراق الدينوري حدث عن عبد الله بن هانئ بسنده إلى أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " حبك الشيء يعمي ويصم ".
وحدث عن أبي علي الحسن الموصلي بسنده إلى أنس: أن النبي ﷺ كان إذا دخل إلى الخلاء نزع خاتمه.
موسى بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي
أخو جعفر والفضل ابني يحيى ولاه الرشيد هارون دمشق والشام بأسره أيام عصبية أبي الهيذام، فقدم دمشق وأصلح بين المضرية واليمانية.
قال موسى بن يحيى: كان يحيى بن خالد البرمكي يقول: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الكتاي يدل على مقدار عقل كاتبه، والرسوم على مقدار عقل مرسله، والهدية على مقدار عقل مهديها.
وفي سنة ست وسبعين ومئة هاجت العصبية بالشام، وعامل السلطان بها موسى بن
стр. 9118
عيسى، فقتل منهم خلق، فولى الرشيد موسى بن يحيى، وضم إليه من القواد والأجناد، ومشايخ الكتاب جماعة.
قال موسى بن يحيى: قال المأمون يوماً لمحمد بن داود: إني أرى إقبال هذه السنة يدل على كثرة الغلات وانحطاط الأسعار، فاكتب إلى العمال في المبادرة ببيع الغلات.
فجلس محمد يومه كله يعمل كتاباً في ذلك، طوله وبالغ فيه، فلما كان من غد عرضه عليه، وقرأه حتى انتهى إلى آخره، فأخذ المأمون قلماً، واستمد من دواة بين يديه، وخط على أول سطر والثاني والثالث إلى آخره، وكتب في حاشيته: أما بعد: فإن للأمور أوائل يستدل بها على أواخرها، وأشياء يعرف بها ما تؤول إليه الحال منها، وربما أخطأت المخيلة، وكذبت الدليلة، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإن أمير المؤمنين لما دل عليه إقبال هذه السنة أن سعر الطعام سينزع، فتقدم في بيع ما استباع لك من الغلات بالسعر الذي تراه صالحاً، ولا تنفق نفقة صغيرة ولا كبيرة إلا ما أتاك به كتاب أمير المؤمنين والسلام.
أصبح موسى بن يحيى يوماً مغموماً مفكراً؛ وكان سبب ذلك أن الرشيد دفع إليه جوهراً عظيماً خطره، وأمره بحفظه فحفظه يحيى في مجلسه تحت تكأته إلى أن يحرزه حيث يرى، فغلب على قلبه الشغل فنهض ونسيه مكانه، فذهب وذكره يحيى فطلبه في الموضع فلم يجده، فأبلغ ذلك منه، وذكر له أمر أبي يعقوب الزاجر، فأمر بإحضاره.
وقال يحيى لمن حضره: لا ينطق أحد بكلمة فيسمعها فتفسد عليه زجره، فدخل، فقال له: مسألة حضرت أنا سائلك عنها، فانظر ما هي؟ قال: نعم وأطرق طويلاً، ثم قال: تسألني عن ضالة؟ قال: نعم، فانظر ما هي؟ فجعل يتلفت يميناً وشمالاً، ثم لمس البساط بيده، وقال: هو شيء أحمر وأخضر وأبيض، هو سموط، هو في وعاء جراب أو كيس، هو جوهر.
стр. 9119
قال: أصبت، فمن أخذه؟ قال: أحد الفراشين، ولم يقف كما وقف في المرتين الأوليين، قال: فأين هو؟ قال: في بلاعة، ولم يقف أيضاً، فقال يحيى: انظروا كل بلاعة في الدار فاطلبوه، فنظروا فإذا في واحدة أثر قلع وإصلاح، فكشف رأسها واستخرج منها جراب فيه ذلك الجوهر.
فكثر تعجب يحيى، وذهب الغم عنه وقال: يدفع إليه في وقتنا هذا خمسة آلاف درهم ويبتاع له منزل في جوارنا بخمسة آلاف درهم.
فقال أبو يعقوب: أما الخمسة آلاف فإن آخذها، وأما المنزل فلن يبتاع أبداً، قال: فازداد عجباً، ثم سأله عن زجره فقال: دخلت عليك وأنت تعلم أنه لا بصر لي، وإنما يزجر الزاجر على حواسه، وأقوى حواسه بصره، ولكن زجري على سمعي، فلم أسمع شيئاً، وسألتني فأصغيت إلى كلمة أزجر عليها، فلم أجد فاشتققت الزجر من الحال التي كنت فيها فقلت: ضالة، لأنه قد ضل عني كل شيء، يمكن التعلق به، فقلت: ضالة؟ فقلت: نعم، فعلمت أني قد أصبت، ثم قلت: ما هو؟ فجاءت مسألة أخرى، فجهدت أن أسمع شيئاً أزجر عليه فلم أسمعه، فلمست بيدي البساط، فوجدت قمع تمرة مما لعله كان في أسفل خفض بعض من دخل، فقلت: هذا من النخلة، وهو يكون أخضر وأحمر وأبيض، وهو كالسموط، إذا كان في طلعه، وهذه صفة الجوهر، فقلت: جوهر في وعاء، فقلت: أصبت، ثم قلت: من أخذه؟ فسمعت نهيق حمار فزجرت عليه، والحمار علج ولا يصل إلى مجلس المولى من العلوج غير الفراشين، فقلت: فراش، فقلت: فأين هو؟ فسمعت غلاماً يخاطب آخر ويقول: صبه في البلاعة، فزجرت على قوله، فقلت: هو في البلاعة فأصبت.
فقال له يحيى: فكيف قلت فيما أمرنا لك به؟ قال: أمرت بدفع الخمسة آلاف العاجلة فقال غلام في الصحن: نعم، فقلت: يصل، ثم قلت: يبتاع له منزل في جوارنا بخمسة آلاف درهم، فقال آخر في الصحن: لا، فقلت: إنها لا تصل.
فانصرف أبو يعقوب بالخمسة آلاف، وشرع الوكلاء في طلب المنزل.
стр. 9120
فبعد خمسة أيام حدث في أمر البرامكة ما حدث وبطل أمر المنزل.
قال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يقول: لم يكن ليحيى بن خالد وولده " نظير " في الكفاية والبلاغة والجود والشجاعة، ولقد صدق القائل: " من الرجز "
أولاد يحيى أربع ... كالأربع الطبائع
فهم إذا خيرتهم ... طبائع الصنائع
فقلت: يا أمير المؤمنين، أما الكفاية والبلاغة والسماحة فتعرفها، ففيمن الشجاعة؟ فقال: في موسى بن يحيى، وقد رأيت أن أوليه ثغر السند.
قال علي بن أبي النجم: قال لي يحيى بن خالد: صف لي ولدي، فإنك خليطهم، قال: نعم، أما الفضل: فيرضيك بفعله، وأما جعفر: فيرضيك بقوله، وأما محمد: فيفعل بحسب ما يجد، وأما موسى: فيفعل ما لا يجد.
موسى بن يزيد بن عبد الرحمن
أبو عمران الإسفنجي ثم النيسابوري حدث عن عمرو بن طارق بسنده إلى ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله، علي بدنة وأنا موسر فلا أجدها، قال: " اذبح شاة ".
وحدث عن أزهر بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وإن من سنتي النكاح ".
توفي موسى سنة ثلاث وستين ومئتين.
стр. 9121
موسى بن يسار الأردني
يقال: إنه من دمشق.
حدث عن أبي هريرة: أن امرأة يعصف ريحها، فقال: يا أمة الخيار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أيما امرأة تخرج إلى المسجد يعصف ريحها لا يتقبل الله منها حتى ترجع فتغتسل ".
وحدث عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " في العسل في كل عشرة أزق زق ".
قال موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية. قال: نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح، فبلغ جيش حبيب بن مسلمة أن ينة صاحب فرس خرج يريد بطريق أذربيجان، معه زبرجد وياقوت ولؤلؤ وديباج، فخرج في خيل حتى قتله في الدرب، وجاء بما معه إلى أبي عبيدة، فأراد أن يخمسه. قال حبيب بن مسلمة: أيا أبا عبيدة، لا تحرمني رزقاً رزقنيه الله، فإن رسول الله ﷺ جعل السلب للقاتل، فقال معاذ بن جبل: مهلاً يا حبيب، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه ".
وحدث موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر: أنه كان من الماء على علوتين أو ثلاث، ولا يميل إليه وهو مسافر.
قال مالك بن كعب العكي: زرنا يحيى بن حسان البكري من عسقلان إلى سناجية أنا وابن فربر وابن أدهم
стр. 9122
وموسى بن يسار، فأتانا بطعام، فأمسك موسى يده، فقال له يحيى: كل، فقد أمنا رجل من أصحاب النبي ﷺ في هذا المسجد عشرين سنة يكنى بأبي قرصافة، فكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فولد لي غلام، فأقبلت عليه فدعوته في اليوم الذي كان يصوم فيه فأفطر، قال: فمد موسى يده فأكل، وقام ابن أدهم إلى المسجد فكنسه بردائه.
موسى بن يوسف بن موسى بن راشد
أبو عوانة الرازي حدث عن محمد بن عتبة الكندي بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، لأنه تنسخ فيه أرواح الأحياء في الأموات، حتى إن الرجل يتزوج وقد رفع اسمه فيمن يموت، وإن الرجل ليحج وقد رفع اسمه فيمن يموت.
وحدث عن سعيد بن أبي الربيع البصري بسنده إلى أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: " إن الرجل لا يكون مؤمناً حتى يكون قلبه مع لسانه سواء، ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله، ويأمن جاره بوائقه ".
وحدث عن أبي الربيع الزهراني بسنده إلى عمران العمي قال: جاء رجل إلى حذيفة فقال: يا أبا عبد الله إني أخشى أن أكون منافقاً، قال: تصلي إذا خلوت، وتستغفر إذا أذنبت؟ قال: نعم، قال: اذهب، فما جعلك الله منافقاً.
وحدث عن عبد الله بن ذكوان الدمشقي بسنده إلىعمار بن سعد قال: يكون في آخر هذه الأمة قوم يعظمون الله ويجلونه حتى يكفروا به وهم الجهمية.
وحدث عن أبي معمر الهذلي قال: سمعت عباد بن العوام يقول:
قدم علينا شريك بن عبد الله واسط، فقلت: إن عندنا قوماً ينكرون هذه
стр. 9123
الأحاديث: " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا " وما أشبهها قال: وما تنكرون؟ إنما جاء بهذه من جاء بالصلاة والسنن عن رسول الله ﷺ .
مات موسى بن يوسف القطان سنة ثلاث وثمانين ومئتين.
المؤمل بن أحمد بن المؤمل بن أحمد
أبو البركات المصيصي، يعرف بابن أصيبعات الفزار حدث سنة سبع وثمانين وأربع مئة عن أبي الحسن علي بن الخضر السلمي بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ : في قوله: " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً "، قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ".
ولد أبو البركات سنة سبع وعشرين وأربع مئة بدمشق، وتوفي سنة سبع وتسعين وأربع مئة.
مؤمل بن إهاب ويقال ابن يهاب بن قفل بن سدل
أبو عبد الرحمن الربعي حدث عن محمد بن عبيد بسنده إلى عبادة بن الصامت قال: أمنا رسول الله ﷺ في شملة قد خالف بين طرفيها، وعقدها في قفاه.
وحدث عن أبي داود بسنده إلى أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : " إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم ".
وحدث عن عبد الله بن المغيرة بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " الليل والنهار مطيتان فاركبوهما بلاغاً إلا الآخرة ".
стр. 9124
وحدث عن سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: بلغني أن ريحاً تكون في آخر الزمان وظلماً فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخوا.
قدم مؤمل بن يهاب الرملة، فاجتمع عليه أصحاب الحديث، وكان زعراً ممتنعاً، فألحوا عليه فامتنع أن يحدثهم، فمضوا بأجمعهم، وأكنوا بينهم السير، فتقدموا إلى السلطان فقالوا: إن لنا عبد سبياً، له علينا حق صحبة وتربية، وقد كان أدبنا فأحسن لنا التأديب، وآلت بنا الحال إلى الإهنة بحمل المحبرة وطلب الحديث، وإنا أردنا بيعه فامتنع علينا. فقال لهم السلطان: وكيف أعلم صحة ما ذكرتم؟ قالوا: إن معنا بالباب جماعة من حملة الآثار وطلاب العلم تكتفي بالنظر إليهم دون المسألة عنهم، وهم يعلمون ذلك.
فسمع مقالتهم، ووجه خلف المؤمل بالشرط والأعوان يدعونه فتعزز؛ فجذبوه وجرروه، وقالوا: أخبرنا أنك قد استطعمت الإباق، فصار معهم إلى السلطان فقال له: ما يكفيك الإباق حتى تتعزز على سلطانك؟ احبسوه، فحبس.
وكان مؤمل أصفر طوالاً خفيف اللحية، يشبه عبيد أهل الحجاز.
فأقام أيام حتى علم بذلك جماعة من إخوانه، فصاروا إلى السلطان، فقالوا: إن هذا مؤمل بن يهاب في حبسك مظلوم، فقال: من ظلمه؟ قالوا: أنت، قال: ما أعرف، ومن هو مؤمل؟ قالوا: الشيخ الذي اجتمع عليه جماعة، فقال: ذاك العبد الآبق؟ قالوا: ما هو بآبق، بل هو إمام من أئمة المسلمين في الحديث، فأمر بإخراجه، وسأله عن حاله، فأخبره كما أخبره الذين جاؤوا يذكرون حاله، فصرفه، وسأله أن يحله، فلم يزل مؤمل بعد ذلك ممتنعاً امتناعه الأول حتى لحق بالله .
стр. 9125
توفي مؤمل بن إهاب سنة أربع وخمسين ومئتين.
المؤمل بن الفضل بن مجاهد
ويقال: ابن الفضل بن عمير أبو سعيد الحراني حدث عن الوليد بسنده إلى أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه، أو كفه على رأسه، من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.
وحدث عن بشر بن السري بسنده إلى أبي هريرة قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ : " لبيك لك الحق ".
المهاجر بن أبي مسلم
واسم أبي مسلم: دينار مولى أسماء بنت يزيد الأنصارية الأشهلية من أهل دمشق، وهو والد عمرو ومحمد ابني مهاجر.
حدث عن أسماء قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تقتلوا أولادكم سراً، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه ".
وحدث عنها قالت: مر بي رسول الله ﷺ وأنا في جواري أتراب فقال: " إياكن وكفر المنعمين "، وكنت أجرأهن عليه مسألة، فقلت: يا رسول الله، وما كفر المنعمين؟ قال: " لعل
стр. 9126
إحداكن تطول أيمتها عند أبويها، ثم يرزقها الله زوجاً، ثم يرزقها الله ولداً، ثم تغضب الغضبة فتكفر بها فتقول: والله ما رأيت منك خيراً قط ".
وحدث عنها أن رسول الله ﷺ قال: " من ترك دينارين ترك كبتين ".
وحدث أنه سمع معاوية يقول: الجمعة على من آب إلى أهله.
وحدث: أن معاوية كان يصلي يوم الجمعة بنهار طويل، وكان أهل القريات من مرج الصفر يشهدونها معه، ثم ينصرفون إلى أهليهم فيأتونهم قبل غروب الشمس، ومرج الصفر ثمانية عشر ميلاً، قال: يعني إلى دمشق.
وحدث المهاجر أيضاً: أن معاوية كان يخطب الناس بدمشق، ويقول في خطبته: يا أهل قردا، يا أهل زاكية وأقاصي الغوطة وأداني الثنية لا تدعن الجمعة بدمشق.
المهاجر بن عبد الله الكلابي
كان المهاجر بن عبد الله يمشي في مسجد دمشق فيعدل عن القناديل، وقد مدحه جرير فقال: " من الكامل "
إن المهاجر حين يبسط كفه ... سبط البنان طويل عظم الساعد
стр. 9127
ولقد حكمت فكان حكمك مقنعاً ... وخلقت زين منابر ومساجد
كتب أمير المؤمنين الوليد بن يزيد إلى المهاجر بن عبد الله: إني حلفت بطلاق سلمى يوم تزويجها، فإذا قرأت كتابي هذا فسل لي يحيى بن أبي كثير الطائي، واكتب إلي بما يجيبك.
فلما قرأ الكتاب كتب إلى يحيى بن أبي كثير، فكتب إليه يحيى: حدثنا جماعة سماهم وذكر أسانيدهم إلى ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وابن عمر، وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وأبي موسى الأشعري كلهم يقولون: قال رسول الله ﷺ : " لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك ".
فكتب المهاجر إلى الوليد بما حدثه به.
المهاجر بن أبي المهاجر
كان حافظاً لكتاب الله. كان رأس المسجد في زمان عبد الملك وبعده عبد الله بن عامر اليحصبي، وكان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه، فحضر شهر رمضان؛ فقالوا: من يؤمنا؟ فذكروا رجلاً، وذكروا المهاجر بن أبي المهاجر فقال: ذلك مولى، ولسنا نريد أن يؤمنا مولى، فبلغت سليمان، فلما استخلف بعث إلى المهاجر، فقال: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان قف خلف الإمام، فإذا تقدم عبد الله بن عامر قبل أن يكبر، فخذ بثيابه، واجذبه، وقل: تأخر، فلن يتقدمنا دعي، وصل أنت بالناس؛ ففعل.
المهاجر بن يزيد
أبو عبد الله العامري مولاهم المدني قال مهاجر بن يزيد: بعثنا عمر بن عبد العزيز فقسمنا الصدقة فيهم، فلقد رأيتنا وإنا لنصدق من العام
стр. 9128
القابل من كان يتصدق عليه، ولقد كنت أراه يكتب إلى أهله أو في الحاجة تكون له في خاصة نفسه فيأمر بالشمعة فتنحى، ويأمر بشمعة أخرى، ولقد كنت أراه يغسل ثيابه؛ فما يخرج إلينا، وما له غيرها، وما أحدث بناء، ولقد رأيت عتبة له خربت، فكلم في إصلاحها، ثم قال: يا مزاحم، هل لك أن تتركها، فتخرج من الدنيا ولم تحدث شيئاً؟ وحرم الطلاء في كل أرض.
قال: وسألت عمر بن عبد العزيز عن هذا الماء الذي يوضع في الطريق، يتصدق به، أنشرب منه؟ قال: نعم لا بأس بذلك، قد رأيتني وأنا وال بالمدينة، وللمسجد ماء يتصدق به، فما رأيت أحداً من أهل الفقه يزع عن ذلك أن يشرب منه.
قال: ورأيته يقدم عليه بالسبي من الأخماس، فربما رأيته يضعهم في الصنف الواحد.
مهاجر
غير منسوب.
قال: قال عمر بن عبد العزيز: احفروا لي وأعمقوا، فإن خير الأرض أعلاها، وشرها أسفلها.
مهدي بن إبراهيم
من أهل البلقاء حدث عن مالك بن أنس عن ابن الزبير عن جابر قال: انتهى النبي ﷺ إلى تبوك وعينها تبص بماء يسير مثل الشراك، قال: فشكونا العطش، فأمرهم فجعلوا فيها سهاماً دفعها إليهم فجاشت بالماء، فقال رسول الله ﷺ لمعاذ: "
стр. 9129
يوشك - يا معاذ - إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جناناً ".
حدث معدي بن إبراهيم بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة خرجت إليه أريد أن أعرض له بطلحة، فإذا هو يحشرج، فقلت: هذا كما قال الشاعر: " من الطويل "
إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
قال: أفلا تقولين - يا بنية - كما قال الله : " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ".
فقال: يا بنية، إني كنت اقطعتك مالاً بالغابة قطاعاً وقطاعين، وإنك لو كنت جددتيه واحتذتيه كل لك، وإنما اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقسموه على كتاب الله؛ فقلت: لو كان كذا لفعلت، هذه أختي أسماء، فمن الأخرى؟ قال ذو بطن: أبنت خارجة؟ لا أراها إلا جارية.
ثم دعا بصحيفة فكتب فيها إلى عمر بن الخطاب، ثم قال: ابعثوا هذه إلى عمر بن الخطاب، فعند ذلك يئست من طلحة.
ثم قال: يا بنية، إذا أنامت فانظروا فما وجدتموه زاد في مالي بعد إمارتي فادفعوه إلى الخليفة من بعدي، وأعلموه أني كنت أستسحها جهدي، إلا ما أصبت من لحمها وودكها.
стр. 9130
قالت: فما مات نظرت في ماله، فما وجدناه زاد فيه بعد إمارته غير خادم سرداء كانت ترضع بنيه، وغير ناضج كان يسقي عليها بعض ماله، فدعوت الخازن فبعثته بذلك إلى عمر وأعلمته ما قال.
قالت: فبكى عمر، ثم قال: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده إتعاباً شديداً.
مهدي بن جعفر بن جبهان بن بهرام
أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن الرملي الزاهد حدث عن عبد الرحمن بن أشرس بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " ليرجعن المسلمون إلى المدينة حتى يكون آخر مسالحهم بسلاح ".
وحدث عن ضمرة بن ربيعة بسنده إلى عائشة أنها قالت: مرن لأزواجكن فليغسلوا عنهم أثر البول والغائط، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله توفي مهدي بن جعفر سنة سبع وعشرين ومئتين، قالوا: وهذا وهم، فإنه روي له حديث بصوم سنة ثلاثين ومئتين. وكان ثقة.
قال مهدي: كان يقال للزاهد: زاهد، إن زهد في الدنيا، وزهد في الرياسة، فمن زهد في الدنيا ولم يزهد في الرياسة لم ينفعه زهده في الدنيا، ومن زهد في الرياسة كان في الدنيا أزهد.
стр. 9131
المهلب بن أبي صفرة ظالم بن سراق
ابن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي أبو سعيد الأزدي العتكي من وجوه أهل البصرة وفرسانهم وأجوادهم.
غزا في خلافة عمر بن الخطاب، ووفد على يزيد بن معاوية، وولي لبني أمية ولايات، وتولى حرب الأزارقة، وكانت له معهم وقائع مشهورة.
حدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: " ما أراهم الليلة إلا سيبتيونكم، فإن فعلوا فشعاركم: حم لا ينصرون ".
وذكر المهلب عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: " إنكم تلقون عدوكم غداً، فليكن شعاركم: حم لا ينصرون ".
وحدث المهلب عن سمرة بن جندب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة قال: " لا تحجب الصلاة إلا عند طلوع الشمس وعند غروبها ".
قال المهلب وهو يخطب: سمعت سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا صلاة حين تطلع الشمس، ولا حين تسقط، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وتسقط بين قرني شيطان ".
قال أبو لبد الجهضمي: كنا مع المهلب حين وفد إلى يزيد بن معاوية، فقدمنا عليه وهو بحوارين قد خرجا متنزهاً والناس في الفساطيط، فوقفنا ننتظر الإذن فأبطاً؛ فقال من قال من الناس: هو الآن يشرب، فإنا لكذلك إذ هاجت ريح؛ فاقتلعت الفسطاط، فإذا يزيد جالس وبين يديه مصحف، وهو يقرأ فيه، فقلنا: أراد الله أن يبرز عذره.
стр. 9132
واعتل المهلب بالشام، فكان يزيد يعوده ويبعث إليه كل يوم بدواء مختوم.
وحدث المهلب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " تبعث ... على أهل المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا.... لها ما سقط منهم وتخلف، تسوقهم سوق الحمل الكسير ".
كان أبو صفرة من أزد دبا، ودبا فيما بين عمان والبحرين، وكانوا أسلموا، وقدم وفدهم على سيدنا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، فبعث عليهم مصدقاً منهم يقال له: حذيفة بن اليمان الأزدي من أهل دبا، وكتب له فرائض الصدقات، فكان يأخذ صدقات أموالهم ويردها على فقرائهم.
فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدوا ومنعوا الصدقة، فكتب حذيفة إلى أبي بكر بذلك، فوجه أبو بكر عكرمة بن أبي جهل، فاقتتلوا وهزمهم عكرمة وأكثر فيهم القتل، ومضى فلهم إلى حصن دبا، فتحصنوا فيه، وحصرهم المسلمون في حصنهم، فنزلوا على حكم حذيفة بن اليمان، فقتل مئة من أشرافهم، وسبى ذراريهم، وبعث بهم إلى أبي بكر ﵁ إلى المدينة وفيهم أبو صفرة غلام لم يبلغ يومئذ، فأراد أبو بكر قتلهم، فقال عمر: يا خليفة رسول الله، قوم إنما شحوا على أموالهم، فيأبى أبو بكر أن يدعهم، فلم يزالوا موقوفين في دار رملة بنت الحارث حتى توفي أبو بكر.
وولي عمر فدعاهم فقال: قد أفضى إلي هذا الأمر فانطلقوا إلى أي البلاد شئتم؛ فأنتم قوم أحرار لا يد به عليكم.
فنزلوا البصرة، ورجع بعضهم إلى بلاده، فكان أبو صفرة وهو أبو المهلب ممن نزل البصرة، وشرف بها هو وولده.
стр. 9133
كان عثمان بن أبي العاص على عمان، والحكم بن أبي العاص على البحرين، فكتب عمر إلى عثمان أن سر بأهل البحرين إلى شهرك، فقال عثمان لأهل عمان: ابغوا لي رجلاً أستخلفه، فجاؤوه بأبي صفرة، فقال: ما اسمك؟ قال: ظالم بن سراق، قال: إني أرسلت إليك، وإني أريد أن أستخلفك، فأما إذ كان اسمك هذا فلا، قال: فلا تمنعني الغزو، قال: أما هذا فنعم، فخرج معهم.
نظر عرفجة بن هزيمة الأزدي البارقي إلى المهلب بن أبي صفرة يلعب مع الصبيان فقال: " من الطويل "
خذوني به إن لم يسد سرواتكم ... ويبلغ حتى لا يكون له مثل
وفد أبو صفرة على عمر بن الخطاب ومعه عشرة من ولده، المهلب أصغرهم، فجعل عمر ينظر إليهم ويتوسمهم، ثم قال لأبي صفرة: هذا سيد ولدك، يعني المهلب، وهو يومئذ أصغرهم.
قال المهلب: حاصرنا مناذر فأصابوا سبياً، فكتبوا إلى عمر، فكتب عمر: إن مناذر قرية من قرى السواد، فردوا إليهم ما أصبتم.
وفي حديث آخر: فرددناهم حتى رددنا الحبالى في بطونها الأولاد.
لما سار المهلب لقي الأزارقة، فاقتتلوا إلى صلاة الظهر، ونادى منادي الأزارقة في ناحية المهلب: إن المهلب قتل، فركب المهلب لما سمعه برذوناً دريداً، فركض بين الصفين على الرايات، وإن إحدى يديه في القباء، والأخرى ليست في القباء من العجلة، وهو ينادي: أنا المهلب، أنا المهلب، فسكن الناس. وأقبل يسير على الرايات ويحضض:
стр. 9134
أيها الناس إنما هم عبيدكم وسقاطكم، كأن الرجل يجزع إذا لقيه عبده أن يأخذه أخذاً، شدوا باسم الله إلى عدوكم.
كل ذلك يريد أصحابه على أن يسيروا ولا يسيرون فقال: إن القوم سيهفون إليكم، فإذا أتوكم فثوروا في وجوههم، وارموهم بالحجارة، وأمرهم أن يأخذ كل رجل ثلاثة أحجار في مخلاته، فأقبل القوم، فجعل الرجل يرمي الرجل فيصيب وجهه فيصرعه، ويصيب وجه فرسه فيشب بفارسه فيصرعه، فقاتلوهم إلى العصر فلما اشتد القتال أخرجوا ألفي مدجج لم يشهدوا القتال، فقاتلوهم حتى اصفرت الشمس.
قال: فحملوا علينا حملة ألجؤونا إلى عسكرنا، ورجعوا إلى عسكرهم، فانطلق رجل من اليحمد على فرس، فدخل عسكرهم فلم يجد فيه أحداً، فرجع إلى المهلب فقال: ذهب والله القوم، فأرسل معي رسولاً، فأرسل فوجد الأمر حقاً، وأصبحوا وقد انطلقوا، فذكر من عد القتلى لهم أربعة آلاف وثمان مئة.
كتب الحجاج إلى المهلب يستبطئه في حرب الأزارقة، فكتب إليه: ما أنتظر بالقوم إلا إحدى ثلاث: إما موت شامل، أو جوع قاتل، أو فرقة، فأما غير ذلك فلا سبيل إليه.
وكتب إليه يستعجله في حربهم، فكتب إليه: إن من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره.
ولما واقف المهلب الأزارقة كان يتحرر من الثياب تحرراً شديداً فكان يسهر هو وابنه المغيرة، يدوران في أقاصي العسكر، يحرسان، فهما ليلة إذا هما برجل متلثم ستر وجهه وسائر بدنه بالحديد، أشرف عليه من أكمة فقال: أفيكم من يفهم ما نسأل عنه؟، فخاف المهلب أن تكون مكيدة، فوتر قوسه وصاح لجماعة من غلمانه وقال: قل، قال: من الذي يقول من شعرائكم: " من الكامل "
стр. 9135
وطوى الطراد مع القياد بطونها ... طي التجار بحضرموت برودا
فقال المهلب: جرير، قال: هو - والله - أشعر شعرائكم. ثم ولى، فقال المهلب: هذا قطري.
لما قدم المهلب على الحجاج بعد حرب الأزارقة أجلسه على سريره وقال: هذا كما قال الشاعر: " من البسيط "
فقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا
فقال رجل ممن كان مع المهلب: والله لكأني أسمع قطري بن الفجاءة وهو يقول: لله در المهلب، والله ما حاربنا مثله، هو كما قال لقيط الإيادي:
صونوا جيادكم واجلوا سلاحكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا
ما زال يحلب صرف الدهر أشطره ... يكون متبعاً طوراً ومتبعا
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم السن لا قحماً ولا ضرعا
فأعجب الحجاج موافقة قطري إياه.
وكان الحجاج قد أكرم المهلب لما قدم عليه من حرب الأزارقة، وشرفه وبلغ به
стр. 9136
الغاية، فخرج الحجاج يوماً آخذاً بيد المهلب حتى انتهى إلى المحراب فأم الناس، ثم قال: يا أبا سعيد أنا أطول أم أنت؟ قال: الأمير أطول مني، وأنا أشخص منه.
فلما انصرف من صلاته قاله له: سجستان خير ولاية أم خراسان؟ قال: سجستان، قال: وكيف؟ قال: لأنها ثغر كابل وزابلستان وإن خراسان ثغر الترك.
قال: أيهما أحب إليك أن يليه رجل مثلك؟ قال: إن أمثالي في الناس لكثير، وما نحن حيث يرى الناس.
قال: سر إلى سجستان، قال: غيري خير لك فيها مني، وأنا بخراسان خير لك من غيري، قال: ولم؟ قال: لأن بدو نعمة الله علي بعد في الإسلام كان في غزوي خراسان مع الغفاري، وابن أبي بكرة بسجستان خير لك مني، لأن أهلها أحبوه لحسن أياديه فيهم، وأنا بخراسان خير منه.
قال: وما كنت تلي من أمر الغفاري؟ قال: كنت فيمن صحبه، فلما نزلنا بيهق، ودنونا من عدونا، قال الغفاري: هل من فوارس ينظرون لنا أمامنا، وإن أصابوا أحداً أتوا به؟ فانتدب منا مع صاحب شرطة عشرة فوارس، فلقينا عدة من عدونا، فقال أصحابي: قد عاينا طلائع القوم فانصرفوا، فقلت: وما عليكم أن نشأمهم؟ فأبوا وانصرفوا، فتقدمت، فقتل الله العشرة على يدي، ثم انصرفت برؤوسهم ودوابهم وأسلابهم، وقد كان أصحابي نعوني إلى الغفاري، فلما رآني ضحك وقال: " من المتقارب "
كبا القوم عند عيان الرهان ... وقال المهلب خبط الفرس
ففاز المهلب بالمكرمات ... وآب عمير بجد التعس
стр. 9137
ثم ولاني شرطته؛ فولاه الحجاج خراسان، فكان واليها حتى هلك بها.
قيل للمهلب: بم نلت ما نلت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى.
قال رجل للمهلب: بم بلغت ما بلغت؟ قال: بالعلم، قال: قد رأينا من هو أعلم منك لم يبلغ ما بلغت؟ قال: ذاك علم صفة، وهذا علم وضع مواضعه، وأصيبت به فرصته، وأخرى لم أخزل بها: إيثاري فعلاً أحمد عليه دون القول به.
قال أبو إسحاق: ما رأيت أميراً كان أفضل من المهلب.
وقيل لأبي إسحاق: لم رويت عن المهلب؟ قال: لأني لم أر أميراً أيمن نقيبة منه ولا أسمع لنا، ولا أبعد مما نكره ولا أقرب مما نحب من المهلب.
زاد في آخر بمعناه: ولا أسخى.
قال أبو بكر الهذلي لأبي العباس السفاح: يا أمير المؤمنين، هل كان في أزد الكوفة مثل المهلب بن أبي صفرة؟ الذي يقول له الشاعر: " من الوافر "
إذا كان المهلب من ورائي ... هدا ليلي وقر له فؤادي
ولم أخش الدنية من أناس ... ولو صالوا بقوة قوم عاد
وهل كان في عبد قيس الكوفة مثل الحكم بن المنذر الجارود الذي يقول له الشاعر: " من السريع "
стр. 9138
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد المحمود
سرادق المجد عليك ممدود
فقال له العباس: ما رأيت مثل هذه العلية.
قال محمد بن سلام: كان بالبصرة أربعة، كل رجل منهم في زمانه لا يعلم في الأمصار مثله: الأحنف بن قيس في حلمه وعفافه ومنزلته من علي ﵇، والحسن في زهده وفصاحته وسخائه وموضعه من قلوب الناس، والمهلب بن أبي صفرة وركزة أمره، وسوار بن عبد الله القاضي في عفافه وتحريه الحق.
قال طلحة الطلحات يوماً لجلسائه:
أي رجل أسخى؟ قالوا ما نعلم أحداً أسخى منك. قال: بلغني أن المهلب دخل الحمام فبعث له ببرذون وكسوة وطيب، فخرج ولبس الثياب، وتطيب بالطيب، وركب البرذون، ولم يسأل عنه، فعلمت أنه صغر في عينه فلم يسأل عنه.
قدم زياد الأعجم خراسان على المهلب فنزل على حبيب بن المهلب، فجلسا على شراب لهما، وفي الدار شجرة عليها حمامة فجعلت تدعو، فقال زياد الأعجم: " من الوافر "
تغني أنت في ذممي وعهدي ... بأن لن يذعروك ولن تطاري
إذا غنيتي فطربت يوماً ... ذكرت أحبتي وذكرت داري
فإما يقتلوك طلبت ثأراً ... بقتلهم لأنك في جواري
فأخذ حبيب سهماً فرماها فقتلها، فقال زياد: قتلت جارتي بيني وبينك المهلب،
стр. 9139
فأتى المهلب فقال: يا حبيب، ادفع إلى أبي أمامة دية جاره ألف دينار كاملة، فقال حبيب: إنما كنت ألعب، فقال المهلب: ليس مع هذا لعب، جاره جاري بل هو أفضل، فدفع إليه ألف دينار، فقال زياد: " من الطويل "
فلله عينا من رأى كقضية ... قضى لي بها شيخ العراق المهلب
قضى ألف دينار لجار أجرته ... من الطير حضان على البيض يتعب
رماه حبيب بن المهلب رمية ... فأنفذه بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل " بن حرة " ... فقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروع جاره ... وجاره جاري بل من الجار أقرب
فبلغ الحجاج فقال: ما أخطأت العرب حين جعلت المهلب رجلها.
أمر المهلب بقوم فأعظموه وسودوه، فقال رجل: ألهذا الأعور تسودون؟ والله لو خرج إلى السوق ما جاء إلا بألفي درهم، فقال لبعض من معه: أتعرف الرجل؟ قال: نعم، فأرسل إليه معه بألفي درهم وقال: أما إنك لو زدتنا في القيمة زدناك في العطية.
أغلظ رجل للمهلب فسكت، فقيل له: أربى عليك وسكت؟ قال: لم أعرف مساوئه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه.
شتم رجل المهلب فكف عنه، وقال: إني خفت أن يكرمني في ردي عليه أكثر مما نكرمه في شتمه.
سمع المهلب رجلاً يغتاب رجلاً فقال: اكفف، فوالله، لا ينقى فوك من سهكها.
стр. 9140
قال المهلب لبنيه: اتقوا زلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش ويزل لسانه فيهلك.
وقال المهلب: إذا سمع أحدكم العوراء فليتطأطأ بخطاه.
قال المهلب: يعجبني من الرجل الكريم خصلتان: أن أرى عقله زائداً على لسانه، ولا يعجبني أن أرى لسانه زائداً على عقله.
كان المهلب يقول: نعم الخصلة السخاء تسد عورة المزيف، وتلحق خسيسة الوضيع، وتحبب المزهو وتسد الخلة، والبخيل لا ينفعه عيشه، ولا يجد البخيل إلا حسوداً محتالاً.
أوصى المهلب ابنه يزيد فقال: يا بني، إياك والسرعة عند مسألة " بنعم "؛ فإن أولها سهل وآخرها ثقيل في فعلها، واعلم أن " لا " وإن قبحت فربما روحت، وإن كنت من أمر تسأله عن ثقة فأطمع ولا توجب، ثم افعل، وإن علمت أن لا سبيل إليه فاعتذر؛ فإنه من لا يعذر بالعذر بنفسه ظلم.
وأنشد الأخفش لرجل من طيء: " البسيط "
والله والله لولا أنني فرق ... من الأمير لعاتبت ابن نبراس
في موعد قاله لي ثم أخلفني ... وعداً " غدا ضرب أخماس لأسداس
حتى إذا نحن ألجأنا مواعدة ... إلى الطبيعة في فقر وإبساس
أجلت مخيلته عن لا فقلت له ... لوما بدأت بها ما كان من باس
следующие страницы →