Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.
стр. 9311
قال وهب بن منبه: مرت بنوح خمس مئة سنة لم يقرب النساء وجلاً من الموت.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لما بعث الله نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين ومئتي سنة، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وبقي بعد الطوفان خمسين ومئتي سنة. فلما أتاه ملك الموت قال: يا نوح، يا كبيرالأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف رأيت الدنيا؟ قال: مثل رجل بني له بيت، له بابان، فدخل من واحد وخرج من الآخر ".
وقيل: دخل من أحدهما وجلس هنية ثم خرج من الباب الآخر.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: يا بني، إني آمرك بأمرين، وأنهاك عن أمرين: أن تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فإن السماء والأرض لو جعلتا في كفة، وجعلت في كفة وزنتهما، ولو جعلتا حلقة فضمتهما. وآمرك أن تقول: سبحانه الله وبحمده، فإنها صلاة الخلق وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق. قال الله : " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ". وأنهاك عن الشرك بالله، فإنه من أشرك بالله حرم عليه الجنة، وأنهاك عن الكبر، فإن أحداً لن يدخل الجنة وفي قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ".
قال معاذ بن جبل:
يا رسول الله، الكبر الثياب نلبسها أو الدابة أو الراحلة يركبها أحدنا، أو الطعام يجمع عليه أصحابه؟ قال: " لا، ولكن الكبر بسفه الحق وبغنص المؤمن. وسأنبئكم بالمخرج من ذلك: باعتقال الشاة، وركوب الحمار، ولبس الصوف، مجالسة فقراء المؤمنين، وأن يأكل أحدكم مع عياله ".
стр. 9312
وفي حديث آخر مثله: وأما اللتان أوصيك بهما، فإني رأيت الله وصالح خلقه يستبشرون بهما، ورأيتهما يكثران الولوج على الله، وذكر ما تقدم في التهليل والتسبيح. وزاد: إن استطعت ألا يزال لسانك رطباً بهما فافعل.
وأما اللتان أنهاك عنهما: فإني رأيت الله وصالح خلقه ينادون بهما، ورأيتهما لا يلجان على الله، وذكر الشرك والكبر.
جاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ وعليه جبة سيجان مزررة بالذهب، فقام على رأس النبي ﷺ فقال: إن صاحبكم هذا يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل فارس ابن فارس، قال: فأخذ النبي ﷺ بمجامع حبته، وقال: اجلس، فإني أرى عليك ثياب من لا عقل له، فما بعث الله نبياً قبلي إلا وقد رعى، قال: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، على القراريط وأنصاف القراريط.
ثم قال النبي ﷺ : " إن نبي الله نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني موصيك بوصية وقاصها عليك، آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: شهادة أن لا إله إلا الله، فإن السماوات والأرض لو كان حلقة مبهمة لقصمتهن، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء - وفي رواية: صلاح كل شيء - وبها يرزق كل شيء، وأنهاك عن الشرك والكبر ".
قال: فقيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه، فما الكبر؟ هو أن يكون لأحدنا نعلان حسنان يلبسهما؟ قال: لا، أو حلة حسنة يلبسها؟ قال: لا، أو دابة فارهة
стр. 9313
يركبها؟ قال: لا، أو يكون للرجل أصحاب فيجمعهم إليه، وذكر الطعام؟ قال: لا. قيل: فما الكبر؟ قال: " من سفه الحق وغمص الناس ".
فإن استطعت أن تلقى الله ليس في قلبك مثقال حبة من خردل من شرك ولا كبر فافعل.
وعن عبد الرحمن بن سابط قال: إن قبر نوح وهود وشعيب وصالح بين زمزم وبين الركن والمقام.
قال ابن إسحاق: وعمر نوح فيما يزعم أهل التوراة بعد أن هبط من الفلك ثلاث مئة وثمانين وأربعين سنة، فكان جميع عمره ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم قبضه الله، صلى الله على نبينا وعليه وسلم.
نوح بن نصر بن محمد
ابن أحمد بن عمرو بن الفضل بن العباس بن الحارث أبو عصمة الفرغاني حدث أبة عصمة الفرغاني وهو يبكي بسنده عن مشايخه، كل شيخ وهو يبكي، إلى عبد الله بن عمر أو ابن عمرو وهو يبكي قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو يبكي حدثني جبريل وهو يبكي قال: يا محمد لن تصعد الملائكة من الأرض إلى الله بأفضل من بكاء العبيد ونوحهم على أنفسهم بالأسحار.
وحدث أبو عصمة ببغداد سنة سبع عشرة وأربع مئة بسنده إلى الفضل بن دكين قال: اجتمع أصحاب الحديث على باب الأعمش فلم يخرج إليهم، فتقدم منهم ثلاثة، فقالوا: لنغضبه حتى يخرج، فصاحوا: يا سليمان الأعمش، يا سليمان الأعمش، فخرج مغضباً وهو يقول: يا فعلة، يا فعلة، فقالوا: يا أبا محمد الحسن العينين، قال الله تعالى: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون " فضحك وجلس وحدثهم.
стр. 9314
نوفل بن الفرات بن مسلم
ويقال: ابن سالم، ويقال: نوفل بن أبي الفرات أبو الجراح العقيلي مولى بني عقيل الجزري الرقي قدم على عمر بن عبد العزيز مع أبيه.
حدث عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: أتى بعض بني جعفر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرسل من يشتري لي نعلاً وخاتماً وليكن فصه عقيقاً فإنه من تختم بالعقيق لم يقض له إلا بالذي هو أسعد.
نوفل بن مساحق بن عبد الله
ابن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود أبو سعيد ويقال: أبو مساحق القرشي العامري كان من أشراف قريش من أهل المدينة.
حدث عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: " إن الرحم شجنة آخذه بحجزة الرحمن تناشده حقها، فيقول: أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، ومن وصلك فقد وصلني، ومن قطعك فقد قطعني؟ ".
وحدث عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ أنه قال:
" من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق، وإن هذه الرحم شجنة من الرحمن، فمن قطعها حرم الله عليه الجنة ".
стр. 9315
وحدث نوفل قال: انتحى عمر بن الخطاب وعثمان بن حنيف في المسجد والناس مختلطون بهما لا يسمع نجواهما معهما أحد، فلم يزالا يتجاولان في الرأي حتى أغضب عثمان بن حنيف عمر في بعض ما يكلمه به، فقبض عمر من حصباء المسجد قبضة، فحصب بها وجه عثمان، فشجه الحصى بجبهته آثاراً من شجاج، فلما رأى عمر كثرة انسياب الدم على لحيته قال: امسح عنك الدم، فعرف عثمان أن عمر قد ندم على ما فرط منه، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يهولنك الذي أصبت مني، فوالله، إني لأنتهك ممن وليتني أمره من رعيتك التي استرعاك الله أكثر مما فعلت بي، فأعجب بها عمر من رأيه وحلمه، فازداد في عينه خيراً.
كان نوفل بن مساحق من أشراف قريش، وكانت له ناحية من الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان الوليد يعجبه الحمام ويتخذ له، فأدخل نوفل بن مساحق عليه وهو عند الحمام، فقال له الوليد: إني خصصتك هذا المدخل لأنسي بك، فقال: يا أمير المؤمنين ما خصصتني ولكنك خسستني، إنما هذه عورة، وليس مثلي يدخل على مثل هذا. فسيره إلى المدينة، وغضب عليه.
وكان يلي المساعي فأخذه بعض الأمراء بالحساب فقال: أين الغنم؟ فقال: أكلناها بالجر، قال: فأين الإبل؟ قال: حملنا عليها الرحال.
وكان لا يرفع إلى الأمراء من المساعي شيئاً، يقسمها ويطعمها.
وكان ابنه سعد بن نوفل من بعده يسعى أيضاً على الصدقات.
قتل نوفل بن مساحق يوم الحرة ومعقل بن يسار ومحمد بن أبي جهم العدوي صبراً جميعاً، وهذا وهم، وإنما توفي في زمن عبد الملك في أوله.
نوف بن فضالة
أبو يزيد، ويقال: أبو رشيد ويقال: أبو عمرو ويقال: أبو رشدين الحميري البكالي ابن امرأة كعب الأحبار قال شرحبيل بن المسمط: حدث نوف قال: قال رسول الله ﷺ : " من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة ".
стр. 9316
وأخذ شرحبيل بلحيته فقال: هذا السواد أمر الدهر.
المعروف حديث شرحبيل عن عمرو بن عنبسة، ولا يعرف لنوف صحبة.
وحدث نوف عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: " ستكون هجرة بعد هجرة، يجتاز أهل الأرض إلى مهاجراتهم، ويبقى فيها شرار أهلها لتطهر الأرض وتقذرهم نفس الله، فيبعث الله عليهم ناراً، يحشرهم مع القردة والخنازير، تقيل معهم إذا قالوا، وتروح معهم إذا راحوا، وتأكل من تخلف، وينشر أقوام بالمشرق، كلما نشأ قرن قطع قرن خرج في عراصهم الدجال ".
وعن عوف البكالي قال: بايت علي بن أبي طالب، فكان يكثر الخروج والنظر إلى السماء، فقال لي: أنائم أنت يا نوف، قلت: لا، بل رامق، أرمقك بعيني يا أمير المؤمنين، فقال علي: يا نوف، فطوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، أولئك الذين اتخذوا أرض الله بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، واتخذوا القرآن شعاراً، والدعاء دثاراً،
стр. 9317
قرضوا الدنيا قرضاً قرضاً على منهاج المسيح، فإن الله أوحى إلى عبده المسيح ﵇ أن قل لبني إسرائيل ألا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة، وأيد نقية، وأخبرهم أني لا أقبل لأحد منهم دعوة، ولأحد من خلقي قبلة مظلمة.
يا نوف، لا تكونن شرطياً ولا عريفاً ولا عشاراً، فإن داود خرج ذات ليلة فقال: إن هذه ساعة لا يدعو الله فيها أحد إلا استجاب له إلا أن يكون عشاراً أو عريفاً أو صاحب كوبة أو صاحب عرطبة.
стр. 9318
وفي حديث آخر بمعناه عن نوف قال: استضفت علي بن أبي طالب في خلافته فثنى لي وسادة، وجعل يصلي مثنى حتى إذا كان في السحر قال لي: يا نوف أنائم أنت؟.
وقال في آخره: إن داود قام في هذه الساعة في بني إسرائيل، فقال: إن الله يهبط في كل سحر إلى سماء الدنيا، فيغفر لكل مستغفر يستغفره إلا صاحب كوبة أو عرطبة أو مشاحن، يا نوف الكوبة الطبل، والعرطبة العود، والمشاحن: الذي يريد قتل أخيه.
وعن علي أنه قال لنوف الشامي مولاه وهو بعلية على سطح:
يا نوف، أنائم أم نبهان؟ قال: نبهان أرمقك يا أمير المؤمنين، قال: تدري من شيعتي؟ قال: قال: لا والله، قال: فإن شيعتي إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن مرضوا لم يعادوا. شيعتي من لم يهر هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس وإن مات جوعاً، إن رأى مؤمناً أكرمه، وإن رأى فاسقاً هجره، شيعتي الذين هم الذين في قبورهم يتزاورون، وفي أموالهم يتواسون، وفي الله تعالى يتباذلون.
يا نوف، ذرها وذرها، حوائجهم خفيفة، أنفسهم عفيفة، قلوبهم محزونة، اختلفت بهم البلدان، ولم تختلف قلوبهم.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، فأين أطلب هؤلاء؟ قال لي: في أطراف الأرض، هؤلاء - والله - يا نوف شيعتي، يجيء النبي ﷺ يوم القيامة، وهو آخذ بحجزة ربه، وأنا آخذ بحجزته، وأهل بيتي آخذون بحجزتي، وشيعتي آخذون بحجزنا، فإلى أين يا نوف؟ إلى الجنة ورب الكعبة ثلاثاً.
يا نوف، أما الليل فصافون أقدامهم، مفترشون جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء نجباء كرام أبرار أتقياء.
يا نوف، بشر الزاهدين، نعم ساعة الزاهدين، أما إنها ساعة لا يسأل الله فيها عبد شيئاً إلا أعطاه ما لم يكن خاسراً أو عاشراً أو ساحراً أو ضارب كوبة أو ضارب عرطبة.
يا نوف، شيعتي الذين اتخذوا الأرض بساطاً، والماء طيباً والقرآن شعاراً قرضوا الدنيا قرضاً قرضاً على منهاج المسبح عيسى بن مريم ﵇.
كان نوف البكالي إماماً لأهل دمشق، فكان إذا أقبل على الناس بوجهه قال: من لا يحبكم لا أحبه الله، ومن لا يرحمكم فلا ﵀.
مر نوف بقرية فنادى: أيتها القرية من أخربك؟ فيقول هو، يرد على نفسه: أخربني مخرب القرى، فينادي: أيتها القرية أيتها القرية أين أهلك؟ فيقول: ذهبوا وبقيت أعمالهم.
قال ابن أبي عتبة الكندي: كنا نختلف إلى نوف البكالي، إذ أتاه رجل فقال: يا أبا يزيد، رأيت لك رؤيا كأنك تسوق جيشاً، ومعك رمح طويل، في سنانه شمعة تضيء للناس.
فقال نوف: لئن صدقت رؤياك لأستشهدهن. فلم يكن إلا أن خرجت البعوث مع محمد بن مروان على الصائفة، فلما حضر خروجه ذهبت أودعه، فلما وضع رجله في الركاب قال: اللهم أرمل المرأة وأيتم الولد وأكرم نوفاً بالشهادة.
فغزوا، فلما انصرفوا فكانوا بقباقب خرج العدو على السرح، فكان أول من ركب فشد عليهم، فقتل رجلاً ثم رجلاً، ثم قتل.
فقال بعض من معه: فانتهينا إليه وقد اختلط دمه بدم فرسه قتيلين.
نهار بن توسعة بن أبي عينان
ويقال: نهار بن توسعة بن تميم بن عرفجة بن عمرو بن حنتم التيمي أحد بني تيم اللات بن ثعلبة شاعر فارس من أهل خراسان، وذكر الحافظ الحاكم أنه العبدي، وردوا عليه هذا القول، لأن من يكون عبدياً لا يكون تيمياً، ومن يكون مدنياً لا يكون خراسانياً.
стр. 9319
حدث نهار العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يسأل العبد يوم القيامة، حتى يسأله: ما منعك إن رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن عبداً حجته قال: يا رب، رجوتك وخفت الناس ".
ونهار بن توسعة هو القائل ليزيد بن المهلب ويعني قتيبة بن مسلم: من البسيط
كانت خراسان داراً إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح
فاستبدلت قتباً جعداً أنامله ... كأنما وجهه بالخل منضوح
ولما انصرف الترك إلى بلادهم بعث الجنيد سيف بن وصاف العجلي من سمرقند إلى هشام، فجبن عن المسير، وخاف الطريق، فاستعفاه فأعفاه، وبعث نهار بن توسعة وزميل بن سويد المري، وكتب إلى هشام، فدعا هشام نهار بن توسعة فسأله عن الخبر، فأخبره بما شهد، فقال نهار: من الطويل
لعمرك ما حابيتني إذ بعثتني ... ولكنما عرضتني للمتالف
دعوت لها قوماً فهابوا ركوبها ... وكنت أمراً ركابة للمخاوف
وأيقنت إن لم يدفع الله أنني ... طعام سباع أو لطير عوائف
قريني عراك، وهو أهون هالك ... عليك وقد زملته بصحائف
فإني وإن آثرت منه قرابة ... لأعظم حظاً في حباء الخلائف
على عهد عثمان وفدنا وقبله ... وكنا أولي مجد تليد وطارف
وكان عراك معهم في الوفد، وهو ابن عم الجنيد.
بينا المهلب بن أبي صفرة بخراسان في مجلسه وعنده الأزد بجماعتهم إذ أقبل نهار بن
стр. 9320
توسعة التميمي، فقال المهلب: يا معشر الأزد، هل تدروه من الذي يقول: من الطويل
جزى الله فتيان العتيك وإن نأت ... بي الدار عنهم خير ما كان جازيا
هم خلطوني بالنفوس وأكرموا ال ... ثواية لما حم ما كان آتيا
متاعهم فوضى فضاً في رحالهم ... ولا يحسنون الشر إلا تباديا
كأن دنانيراً على قسماتهم ... إذا الموت في الأقوام كان التحاشيا
قالوا: لا ندري من يقوله، قال المهلب: يقوله هذا المقبل، فقام كل رجل منهم إلى غلامه وركوبه بسرجه ولجامه، فدفعه إلى نهار، فأحصي ما أخذه يومئذ مئة وصيف ومئة برذون.
دعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح السغد، فقال: يا نهار أين قولك؟ من الطويل
ألا ذهب المعروف والعز والغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
أقاما بمرو الروذرهن ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب
أتعرف هذا يا نهار؟ قال: هذا حسن، وأنا الذي أقول: من الطويل
وما كان مذ كنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم
стр. 9321
أعم لأهل الترك قبلاً بسيفه ... وأكثر فينا مقسماً بعد مقسم
ومن شعر نهار: من الطويل
عتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على سلم
وكان نهار مداحاً للمهلب وبنيه، ولما عزل يزيد وولي قتيبة قال نهار: من البسيط
فاستبدلت قتباً جعداً أنامله
ثم مدح قتيبة فقال: من الطويل
أتيت خراسان ابن عمرو وأهلها ... عزيز وحرب بينهم تتحرق
فما زلت بالحلم الرضي وبالنهى ... وبالرفق حتى يخرجوا لك زردق
فمرنا أبا حفص بما شئت إننا ... إلى كل ما تهوى نخب ونعنق
وأنت لنا راع ونحن رعية ... وكفاك بالإحسان فينا تدفق
ينال الذي يرجوك ما كان راجياً ... لديك ويخشاك الألد المطرق
ويأمن منك الجور ما كان سامعاً ... وتأسر أعداءً مراراً وتطلق
وترجو بذاك الله لا شيء غيره ... وأنت لمن عاداك بالويل تطرق
فلا تأخذنا يا قتيب بما مضى ... من الجهل إن الحر يعفو ويعتق
فقال: أحسنت، مقبول منك، ورضي عنه.
نهيك بن صريم
ويقال: ابن صريم، السكوني ويقال: اليشكري له صحبة.
стр. 9322
حدث عن النبي ﷺ قال: " لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم المشركين على نهر الأردن، أنتم شرقيه وهم غربيه، ما أدري أين الأردن يومئذ من الأرض ".
وعنه في معناه عن سول الله ﷺ : " ليقاتلن بقيتكم الدجال على نهر الأردن، أنتم شرقي النهر وهم غربيه ".
نهيك بن عمرو القيسي البصري
قال نهيك: وفدنا إلى يزيد بن معاوية وقد ضرب له رواق في البرية، فإذا مناديه: أين وفد أهل البصرة، قد أمر لكم أمير المؤمنين بكذا، وأمر لكم بكذا، ثم خرج الثانية فقال: أين وفد أهل البصرة؟ قد أمر لكم أمير المؤمنين بكذا وأمر لكم بكذا، ثم زاد الثالثة بمثل ذلك، فقال بعضنا لبعض: ما نظنه إلا قاعداً يشرب، فجاءت ريح، فطارت بطرف الرواق، فإذا هو يقرأ في المصحف.
نهيك بن بريم الأوزاعي
حدث عن مغيث بن سمي قال: كان ابن الزبير يسفر بصلاة الغداة، فغلس بها ذات يوم، فالتفت إلى عبد الله بن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ فقال: هذه صلاة رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما قتل عمر أسفر بها عثمان.
وحدث عنه قال: كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدي إليه الخراج فلا يدخل بيته من خراجهم شيئاً.
стр. 9323
أسماء النساء على حرف النون
نائلة بنت عمارة الكلبية
زوج معاوية بن أبي سفيان
لما تزوج معاوية نائلة قال لميسون: انطلقي فانظري إلى ابنة عمك، فنظرت إليها، فقال: كيف رأيتها؟ فقالت: جميلة كاملة، وكلن رأيت تحت سرتها خالاً، ليوضعن رأس زوجها في حجرها، فطلقها معاوية، فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها لعد حبيب النعمان لن بشير الأنصاري، فقتل ووضع رأسه في حجرها.
نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص
ابن عمرو، ويقال: عفير بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم زوج عثمان بن عفان ﵁ قدمت على معاوية بعد قتل عثمان، فخطبها، فأبت أن تنكحه.
قالت نائلة: لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان قبل قتله بيوم صائماً، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب، فأبوا عليه، وقالوا: دونك الركي - وركي في الدار: التي يلقى فيها النتن - قالت: فلم يفطر. فأتيت جارات لنا على أجاجير متواصلة، وذلك في
стр. 9324
السحر، فسألتهم الماء العذب، فأعطوني كوزاً من ماء، فأتيته فقلت: هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر، فإذا الفجر طلع، فقال: إني أصبحت صائماً.
فقلت: من أين، ولم أر أحداً أتاك بطعام ولا شراب؟! فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء، فقال: اشرب، يا عثمان، فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد، فشربت حتى ثملت أو نهلت. ثم قال: إن القوم سيبكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا، فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.
وضب أخو نائلة هو الذي حملها إلى عثمان، وكان ضب مسلماً، وكان أبوها نصرانياً، فأمر ابنه ضباً بذلك، وفي ذلك تقول نائلة لأخيها ضب: من الطويل
أحقاً تراه اليوم يا ضب أنني ... مرافقة نحو المدينة أركبا
لقد كان فتيان حصن بن ضمضمٍ ... وجدك ما يغني الخباء المحجبا
وكل اسم في العرب فرافصة فهو مضموم الفاء إلا الفرافصة بن الأحوص، فإنه بفتح الفاء الأولى.
وكان سعيد بن العاص تزوج أخت نائلة بنت الفرافصة، وهو أمير على الكوفة، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فكتب إليه: بلغني أنك تزوجت امرأة فأخبرني عن حسبها وجمالها.
فكتب إليه: إن كان لها أخت فزوجنيها.
فدعا الفرافصة فقال له: زوج أمير المؤمنين، فقال الفرافصة لابنه ضب -
стр. 9325
وكان مسلماً، والفرافصة نصراني -: زوج أختك أمير المؤمنين، فزوجه نائلة، وحملها إليه.
فلما دخلت على عثمان وضع القلنسوة عن رأسه، وبدا الصلع، فقال: لا يغمنك ما ترين، فإن من ورائه ما تحبين، قالت له: أما ما ذكرت من صلعك فإني من نسوة أحب أزواجهن إليهن السادة الصلع.
ثم قال لها: إما أن تتحولي إلي أو أتحول إليك، قالت: ما قطعت من جنبات السماوة أبعد مما بيني وبينك.
فتحولت إليه، فكانت من أحظى نسائه عنده.
قالوا: وتزوجها وهي نصرانية على نسائه، ثم أسلمت على يديه.
ولما قتل عثمان قالت نائلة فيه: من الطويل
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
ومالي لا أبكي وأبكي قرابتي ... وقد غيبت عني فضول أبي عمرو
قال: وكانت كلب كلهم يومئذٍ نصارى.
قال عثمان: فدخلت إلى جارية مثل الخلفة، فقلت: سلام عليك، قالت: وعليك السلام ورحمة الله، ونساء كلب ذلك الزمان لا يكلمن أزواجهن سنة، أو كما قال، ثم قالت: أين
стр. 9326
أنت من شيخ أثرم هرم؟ فقالت: إني من قوم يحبون الكهولة، فسررت بذلك.
قالوا: لما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان بن حمران السكونيان والغافقي، فضربه الغافقي بجريدة معه، وضرب المصحف برجله، واستدار المصحف وانتشر، فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء، وجاء سودان بن حمران ليضربه، فأكبت عليه نائلة، واتقت السيف بيدها، فتعمدها ونفح أصابعها، فأطن أصابع يدها، وولت، فغمز أوراكها، وقال: إنها لكيدة العكيزة، وتضرب عثمان فقتله.
وقد دخل مع القوم غلمة لعثمان لينصروه، وقد كان عثمان أعتق من كف منهم، فلما رأى سودان قد ضربه أهوى إليه فضرب عنقه، ووثب قتيرة على الغلام فقتله.
وانتهبوا ما في البيت، وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى.
فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فضربه، فقتله.
ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل ملاءة نائلة، اسمه كلثوم من تجيب، فتنحت نائلة، فقال: ويح أمك من عكيزة، ما آثمك، وبصر به غلام آخر لعثمان، فقتله.
نظرت نائلة امرأة عثمان في المرآة، فأعجبها ثغرها، فأخذت فهراً فكسرت
стр. 9327
ثناياها، وقالت: والله، لا يجليكن أحد بعد عثمان، ثم خطبها معاوية، فأبت عليه، وأنشدت: من الطويل
أبى الله إلا أن تكوني غريبة ... بيثرب لا تلقين أماً ولا أبا
وقيل: إنها خطبها قوم من قريش، فدعت بمرآة، فنظرت فيها، وكانت من أحسن الناس ثغراً، فأخذت فهراً فدقت به أسنانها، فسال الدم على صدرها، فبكى جواريها، وقلن لها: ما صنعت بنفسك؟ قالت: إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى الثوب، وإني خفت أن يبلى حزني على عثمان، فيطلع مني رجل على ما اطلع عليه عثمان، وذلك ما لا يكون أبداً.
وخرجت نائلة ليلة دفن عثمان ومعها السراج، وقد شقت جيبها، وهي تصيح: واعثماناه، واأمير المؤمنيناه، فقال لها جبير بن مطعم: أطفئي السراج فقد ترين من بالباب، فأطفأت السراج.
وانتهوا إلى البقيع، فصلى عليه جبير وخلفه حكيم بن حزام وأبو جهم ونيار بن مكرم، ونائلة، وأم البنين بنت عيينة بن حصن امرأته، ونزل في حفرته نيار وأبو جهم وجبير، وكان حكيم والمرأتان يدلونه على الرجال حتى قبر وبني عليه، وغموا قبره، وتفرقوا.
حدث بعض مشايخ بني راسب قال: كنت أطوف بالبيت فإذا رجل أعمى يطوف بالبيت وهو يقول: اللهم اغفر لي، وما أراك تفعل. فقلت: أما تتقي الله؟ قال: إن لي شأناً، آليت أنا وصاحب لي لئن قتل عثمان لنلطمن حر وجهه، فدخلنا عليه ورأسه في حجر امرأته نائلة، فقال لها صاحبي: اكشفي وجهه، قالت: لم؟ قال: ألطم حر وجهه، فقالت: أما ترضى ما قال فيه رسول الله ﷺ ؟ قال فيه: كذا، وقال فيه: كذا. قال: فاستحيا صاحبي، فرجع.
فقلت لها: اكشفي عن وجهه، قال: فذهبت تعدد علي، فلطمت وجهه، فقالت: مالك؟! يبس الله يدك، وأعمى بصرك، ولا غفر لك ذنبك.
стр. 9328
قال: فوالله ما خرجت للباب حتى يبست يدي وعمي بصري، وما أرى الله يغفر لي ذنبي.
وفي حديث آخر بمعناه: فقالت امرأته: أشل الله يمينك، وصلى وجهك النار، فقد شلت يميني، وأنا أخاف.
نوار جارية الوليد بن يزيد بن عبد الملك
كانت حظيةً عنده، وهي التي أمرها أن تصلي بالناس وقد سكر، وجاءه المؤذن، فآذنه بالصلاة وحلف أن تفعل، فخرجت متلثمة عليها بعض ثيابه، فصلت بالناس ورجعت. وكان لها صنعة صالحة.
أسماء الرجال على
стр. 9329
حرف الواو
وابصة بن معبد بن عتبة
ابن الحارث بن مالك بن الحارث بن بشير أبو سالم، ويقال: أبو الشعثاء الأسدي له صحبة.
حدث وابصة قال: صلى رسول الله ﷺ فرأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فقال له: ألا أخذت بيد رجل فأقمته إلى جنبك أو دخلت في الصف؟ قم فأعد صلاتك.
وفي رواية عنه قال: صلى رجل خلف الصف وحده، ولم يتم الصف، فرآه رسول الله ﷺ ، فأمره أن يعيد الصلاة.
وورد أيضاً: أنه رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره رسول الله ﷺ أن يعيد الصلاة.
وعن وابصة قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلى خلف الصفوف وحده، قال: يعيد الصلاة.
حدث وابصة قال: بينا أنا في دار لي بالكوفة قاصية، وأمير المصر يومئذ عبد الله بن مسعود خليفة أمير، والخليفة عثمان، إذ رجل في بحر الظهيرة يستأذن على باب الدار الأقصى، فإذا عبد الله بن مسعود، فقلت: ما جاء بك في هذه الظهيرة؟ قال: اللهم، ألا إن
стр. 9330
النهار طال علي، فذكرت من أتحدث إليه، فذكرتك، فجرى بيني وبينه الحديث حتى أنشأ يحدثني عن رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن فتنةً مظلمة أو مطلمة جائية، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب فيها خير من المجري "، قلت: متى ذاك يا بن مسعود؟ فقال: تلك أيام الهرج حين لا يأمن الرجل جليسه، قلت: ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال: تكف لسانك، وتكون حلساً من أحلاس بيتك.
قال: فلما قتل عثمان طار قلبي مطاراً، فركبت حتى أتيت دمشق، فلقيت خريم بن فاتك الأسدي، فحدثني أو قال: فحدثت بحديث عبد الله بن مسعود فقال لي خريم: الله الذي لا إله إلا هو، لأنت سمعت من عبد الله؟ قلت: الله الذي لا إله إلا هو، لأنا سمعته من عبد الله، قال: فحلف لي خريم لسمعه من رسول الله ﷺ كما هو حدثك عبد الله.
قال: فكنت على خريم أجرأ مني على عبد الله، فاستحلفته ثلاثاً بالله الذي لا إله إلا هو، لسمعه من رسول الله ﷺ كما حدثنيه عبد الله.
وفي حديث آخر بمعناه: قلت: بم تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: " كف يدك ونفسك، وادخل دارك "، قلت: يا رسول الله أرأيت إن دخل علي داري؟ قال: " ادخل بيتك "، قلت: أرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: " ادخل مسجدك، فقل هكذا، وقبض بيمينه على الكوع، وقل: ربي الله، حتى تموت ".
стр. 9331
قدم عشرة رهط من بني أسد، فيهم وابصة بن معبد الأسدي على سيدنا رسول الله ﷺ ، فأسلموا في سنة تسع.
وعن وابصة قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا أريد ألا أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألته عنه، فجعلت أتخطى الناس، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ ، فقلت: دعوني أدنو منه، فإنه من أحب الناس إلي أن أدنو منه، فقال: ادن يا وابصة، ادن يا وابصة، فدنوت حتى مست ركبتي ركبته، فقال: يا وابصة، أخبرك بما جئت تسألني، جئت تسألني عن البر والإثم، قلت: نعم، قال: فجمع أصابعه، وجعل ينكت بها في صدري، وقال: " يا وابصة، استفت قلبك، استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك ".
وفي رواية عنه: " البر ما انشرح له صدرك ".
ال هلال بن يساف: قدمت الرقة، فقال بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقلت: غنيمة، فدفعنا إلى وابصة بن معبد فقلت لصاحبي أو لأصحابي: نبدأ فننظر إلى دله، فإذا عليه قلنسوة لاطية ذات أذنين وبرنس خز أغبر، وإذا هو قائم يصلي، يعتمد على عصاً في صلاته.
فقلنا له بعد أن سلمنا عليه: ما دعاك إلى العصا؟ قال: حدثتني أم قيس بنت نحصن أن رسول الله ﷺ لما أسن وحمل اللحم اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه.
قال أبو رشد الأزدي: كنت آتي وابصة بن معبد، وقلما أتيته إلا أصبت المصحف موضوعاً بين يديه، ثم إن
стр. 9332
كان ليبكي حتى أرى دموعه قد بلت الورق، فقلت له: هل سألت رسول الله ﷺ عن شيء؟ فقال: يا أبا راشد وهل تركت شيئاً إلا وقد سألت عنه حتى عن وسخ الأظفار، قال: فقلت: فماذا قال لك؟ قال: ما رابك فألقه، وما كان سوى ذلك فدعه.
واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل
أبو الخطاب، ويقال: أبو الأسقع، ويقال: أبو شداد ويقال: أبو قرصافة الليثي صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، من أهل الصفة.
شهد فتح دمشق، وسكنها إلى أن توفي بها.
حدث وائلة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ".
قال واثلة: لما نزل خالد بن الوليد مرج الصفر ركبت فرسي حتى انتهيت إلى باب الجابية، فخرجت خيل عظيمة، فأمهلتها حتى إذا كانت بيني وبين دير ابن أبي أوفى حملت عليهم من خلفهم، وكررت، فظنوا أنهم قد أحيط بمدينتهم، فانصرفوا راجعين، وشددت على عظيمهم، فدعسته بالرمح، فوقع، فضربت يدي إلى برذونه، فأخذت بلجامه، فركضت. فلما رأوني وحدي أقبلوا علي، فالتفت فإذا رجل قد بدر بين أيديهم، فرميت بالعنان على قربوس السرج، ثم عطفت عليه، فدعسته بالرمح، فقتلته، ثم عدت إلى البرذون، فاتبعوني، ثم كتلك حتى واليت بين ثلاثة، فلما رأوا ما أصنع انطلقوا راجعين.
стр. 9333
وأتيت الصفر، ثم أتيت خالد بن الوليد، فذكرت له ما صنعت، وعنده عظيم الروم قد خرج إليه يلتمس منه الأمان لأهل المدينة، فقال له خالد: هل علمت أن الله قتل فلاناً؟ يعني خليفته، فقال بالرومية: مثانوس، يعني: معاذ الله.
فأقبل واثلة إليه بالبرذون، فلما رآه عظيم الروم عرفه، فقال: أتبيع السرج؟ قال: نعم، قال: لك عشرة آلاف، فقال خالد لواثلة: بعه، فقال واثلة لخالد: بعه أنت أيها الأمير، فباعه وسلم لي سلبه كله، ولم يأخذ منه شيئاً.
وفي آخر بمعناه: أتيت البيت، فربطت البرذون، ونزعت عنه سرجه، ثم أتيت خالداً. وفيه: أنه باعه البرذون وسرجه بعشرة آلاف.
فلما جئت إلى منزلي إذا النساء قد أتين امرأتي فقلن لها: احذينا مما أصاب زوجك، قالت: هذا السرج، دونكن إياه. فجعلن يقلعن الفصوص بأسنانهن، فقلت: ما صنعتن؟ الخرزة خير من إحداكن.
فلما أتيت بالبرذون والسرج قال: إنما أغليت لمكان السرج، فأما إذ ذهبت فصوصه فلا حاجة لي به، فسلم خالد السلب كله لي.
وعن واثلة قال: لما أسلمت أتيت النبي ﷺ فأسلمت على يديه، فقال لي: " اذهب فاحلق عنك شعر الكفر واغتسل بماء وسدر ".
قالوا: وأقبل واثلة بن الأسقع، وكان ينزل ناحية المدينة حتى أتى رسول الله ﷺ ، فصلى الصبح معه، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح انصرف فتصفح وجوه أصحابه ينظر إليهم، فلما دنا من واثلة أنكره، فقال: من أنت؟ فأخبره، فقال: ما جاء بك؟ قال:
стр. 9334
أبايع، فقال رسول الله ﷺ : على ما أحببت وكرهت؟ قال واثلة: نعم، فقال رسول الله ﷺ : فيما أطقت؟ فقال واثلة: نعم. فبايعه.
وكان النبي ﷺ يومئذ يجهز إلى تبوك.
فخرج الرجل إلى أهله، فلقي أباه الأسقع، فلما رأى حاله قال: قد فعلتها؟ قال واثلة: نعم، قال أبوه: والله، لا أكلمك أبداً.
فأتى عمه وهو مول ظهره إلى الشمس، فسلم عليه فقال: قد فعلتها؟ قال: نعم، ولامه لائمة أيسر من لائمة أبيه، وقال: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمر.
فسمعت أخت واثلة كلامه، فخرجت إليه، فسلمت عليه بتحية الإسلام، قال واثلة: أنى لك هذا يا أخية؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمك. وكان واثلة ذكر الإسلام، ووصفه لعمه، فأعجب أخته الإسلام، فأسلمت، فقال واثلة: لقد أراد الله بك يا أخية خيراً، جهزي أخاك جهاز غادٍ؛ فإن رسول الله ﷺ على جناح السفر.
فأعطته مداً من دقيق، فعجن الدقيق في الدلو، وأعطته تمراً، فأخذه، فأقبل إلى المدينة، فوجد رسول الله ﷺ قد تحمل إلى تبوك، وبقي غرات من الناس، وهم على الشخوص، وإنما رحل رسول الله ﷺ قبل ذلك بيومين، فجعل ينادي بسوق قينقاع: من يحملني وله سهمي؟ قال: وكنت رجلاً لا رحلة بي، فدعاني كعب بن عجرة، فقال: أنا أحملك عقبةً بالليل، ويدك أسوة يدي، ولي سهمك، قال واثلة: نعم.
فقال واثلة بعد ذلك: جزاه الله خيراً، لقد كان يحملني عقبتي ويزيدني، وآكل معه، ويرفع لي حتى إذا بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر الكندي بدومة الجندل، خرج كعب بن عجرة في جيش خالد، وخرجت معه، فأصبنا فيئاً كثيراً، فقسمه خالد بيننا، فأصابني ست قلائص، فأقبلت أسوقها حتى جئت بها إلى جن كعب بن عجرة، فقلت: اخرج رحمك الله فانظر إلى قلائصك، فاقسمها.
стр. 9335
فخرج إلي وهو يبتسم ويقول: بارك الله لك فيها، ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئاً.
وفي رواية: ما حملتك إلا لله.
قال واثلة بن الأسقع: أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في نفر من أصحابه يحدثهم، فجلست وسط الحلقة، فقال بعضهم: يا واثلة، قم عن هذا المجلس، فإنا قد نهينا عنه، فقال رسول الله ﷺ : دعوا واثلة، فإني أعلم ما الذي أخرجه من منزله، قلت: يا رسول الله، وما الذي أخرجني؟ قال: خرجت من منزلك تسأل عن اليقين والشك، قلت: والذي بعثك بالحق، ما أخرجني غيره.
قال: فقال رسول الله ﷺ : " إن البر ما استقر في الصدر واطمأن إليه القلب، والشك ما لم يستقر في الصدر ولم يطمئن إليه القلب، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون ".
وعن واثلة قال:
رأيت النبي ﷺ بمسجد الخيف، فقال لي أصحابه: إليك يا واثلة، أي تنح عن وجه النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : دعوه، فإنما جاء يسأل. قال: فدنوت، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لتفتنا عن أمر نأخذه عنك من بعدك، قال: لتفتك نفسك، قال: وكيف لي بذلك؟ قال: " تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون "، قلت: وكيف لي بعلم ذلك؟ قال: " تضع يدك على فؤادك، فإن القلب يسكن للحلال ولا يسكن للحرام، وإن الورع المسلم يدع الصغير مخافة أن يقع في الكبير "، قلت: - بأبي أنت وأمي - ما العصبية؟ قال: " الذي يعين قومه على الظلم ". قلت: فمن الحريص: قال: " الذي يطلب المكسبة من غير حلها ". قلت: فمن الورع؟ قال: " الذي يقف عند الشبهة ". قلت: فمن المؤمن؟ قال: " من أمنه الناس على أموالهم ودمائهم ".
стр. 9336
قلت: فمن المسلم؟ قال: " من سلم المسلمون من لسانه ويده ". قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: " كلمة حكم عند إمام جائر ".
وعن واثلة بن الأسقع قال: كنا أصحاب الصفة، وما منا رجل له ثوب تام، ولقد اتخذ العرق في جلودنا طرقاً من الغبار، إذ أقبل علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: " ليبشر فقراء المهاجرين، ليبشر فقراء المهاجرين "، إذ جاء رجل عليه شارة حسنة ما أدري من رأيت رجلاً أمثل في عيني منه، فقرأ على نبي الله السلام، فجعل رسول الله ﷺ لا يتكلم بكلام إلا غلبته نفسه أن يأتي بكلام يعلو به كلام رسول الله ﷺ ، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : " إن الله لا يحب هذا وضربه، يلوون ألسنتهم للناس لي البقرة لسانها بالرعي، كذلك يلوي الله ألسنتهم ووجوههم في جهنم ".
قال واثلة بن الأسقع: جئت أريد علياً فلم أجده، فقالت فاطمة: انطلق إلى رسول الله ﷺ يدعوه، فاجلس، قال: فجاء مع رسول الله ﷺ فدخلا، ودخلت معهما، فدعا رسول الله ﷺ حسناً وحسيناً، فأجلس كل واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه وأنا منتبذ، فقال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ".
" اللهم هؤلاء أهلي، اللهم أهلي أحق ".
قال واثلة: قلت: يا رسول الله، وأنا من أهلك، قال: وأنت من أهلي. قال: واثلة: إنها لمن أرجى ما أرجو.
стр. 9337
قال يونس بن ميسرة: قلت لواثلة بن الأسقع أيام الطاعون الجارف: كيف أنت؟ قال: بخير يا بن أخي. قلت: جعلك الله بخير، قال: أما إني فعل الله ذلك بي، لقد هداني لدينه، واجتباني إلى رسوله.
قال مكحول: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع، فقلنا: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه وهم، ولا تزيد ولا نسيان، فقال: هل قرأتم من القرآن الليلة شيئاً؟ قال: فقلنا: نعم، قال: فهل زدتم واواً أو ألفاً أو مثلها؟ قال: فقلنا: ما نحن له بحافظين جداً، إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألون حفظه وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله ﷺ عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا جئناكم بالحديث على معناه.
وفي حديث آخر بمعناه: إنا كنا قد أمسكنا عن الأحاديث على عهد رسول الله ﷺ حتى سمعناه يقول: " إنه لا بأس بالحديث قدمت فيه أو أخرت إذا أصبت معناه ".
توفي واثلة بن الأسقع سنة ثلاث وثمانين وهو ابن مئة وخمس سنين.
وقيل: توفي سنة خمس وثمانين وهو ابن ثمان وتسعين سنة، اغتيل ما بين حمص ودمشق، وكان آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بدمشق.
وكان آخرهم موتاً بمكة عبد الله بن عمر.
وكان آخرهم موتاً بالمدينة جابر بن عبد الله.
وكان آخرهم موتاً بمصر سهل بن سعد بن ساعدة.
стр. 9338
وكان آخرهم موتاً بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى.
وكان آخرهم موتاً بالبصرة أنس بن مالك.
وكان آخر من مات بحمص عبد الله بن بسر.
واثلة بن الحسن
أبو الفياض الأنصاري العرقي من أهل عرقة من نواحي دمشق.
حدث عن كثير بن عبيد الحذاء بسنده إلى معاذ بن أنس عن النبي ﷺ قال:
" من كظم غيظاً وهو قادر على إنفاذه خيره الله من الحور العين يوم القيامة، ومن أ ... عبداً وضع الله على رأسه تاج الملك يوم القيامة.
واثلة بن الخطاب القرشي العدوي
له صحبة.
حدث عن رسول الله ﷺ قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ جالس عنده، فلما رآه رسول الله ﷺ تزحزح له، فقال: يا رسول الله، إن في المكان سعة، فقال رسول الله ﷺ : " إن للمسلم على المسلم من الحق إذا رآه أن يتزحزح له ".
стр. 9339
واثلة بن الخطاب بن واثلة بن الأسقع
ويقال: ابن الخطاب ابن بنت واثلة بن الأسقع حدث عن أبيه عن جده واثلة بن الأسقع قال: حضر رمضان ونحن في أهل الصفة، فصمنا، فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجل من أهل السعة، فأخذه فانطلق به فعشاه، فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد، وأصبحنا صياماً، ثم أتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها: هل عندها شيء؟ فما بقيت امرأة منهن إلا أرسلت بقسم ما فيها ما يأكل ذو كبد، فقال لهم رسول الله ﷺ : اجتمعوا، فدعا رسول الله ﷺ فقال: " اللهم إنا نسألك من فضلك ورحمتك، فإنهما بيدك لا يملكهما أحد غيرك " فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن، فإذا شاة مصلية ورغيف، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فوضعت بين أيدينا، فأكلنا حتى شبعنا، فقال رسول الله ﷺ : " إنا سألنا الله من فضله ورحمته، فهذا فضله وقد ذخر لنا عنده رحمته ".
وادع بن ذوللة الكلبي
شاعر فارس، شهد يوم المرج مع مروان بن الحكم، ووفد على الحجاج بن يوسف، وكانت عينه أصيبت يوم المرج، فقال له الحجاج: ما الشجاعة؟ قال: غرائز يجعلها الله في الناس، قد تجد الرجل شجاعاً لا رأي له، فتلك الشجاعة الضارة لصاحبها، لأنها تقدم به في حال لا إقدام، وتحجم به في وقت لا إحجام، فيهلك ويهلك، وقد تكون الشجاعة نافعة لصاحبها إذا أقدمت به في حين الإقدام وأحجمت به في حين الإحجام، والله لقد رأيتني يوم مرج راهط وإن همام بن قبيصة النميري لواقف وقد انقض عنه أصحابه، وإنه من شجاعته لواقف لا يدري ما يصنع، ولو فر لكان الفرار يمكنه، ولكن حمي أنفاً، فحمل علي وحملت عليه، فبادرته بضربة على عاتقه
стр. 9340
فأذريته عن دابته، ثم نزلت إليه أحتز رأسه فتفل في وجهي، ثم قال: من الطويل
ألا يا بن ذات النوف أجهز على امرئ ... يرى الموت خيراً من فرار وأكرما
ولا تتركني بالخساسة إنني ... أكر إذا ما النكس مثلك أحجما
فأخذت رأسه، فأتيت به مروان، وقلت: هذا رأس همام بن قبيصة، قال: لأنت قتلته؟ قلت نعم، قال: فهل أعانك عليه أحد؟ قلت: نعم، الله وفراغ مدته، فقال: هو والله كما قال الشاعر: من الطويل
وفارس هيجا لا يقام لبأسه ... له صولةً تزور عنها الفوارس
وشدة ليث يرهب الأسد وقعها ... وتذعر منها العاويات العساعس
جريء على الإقدام ليس بناكل ... ولا يزدهيه الأحوسي المقامس
واصل بن أبي جميل
أبو بكر السلاماني من أهل جبل الخليل ﵇.
حدث عن مجاهد عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يكره أكل سبع من الشاة: المثانة، والمرارة، والغدة، والأنثيين، والذكر، والحياء، والدم. وكان أكره الشاة إليه ذنبها.
стр. 9341
وحدث عن مجاهد قال: وجد النبي ﷺ ريحاً، فقال: " ليقم صاحب الريح فليتوضأ "، فاستحيا الرجل أن يقوم، فقال رسول الله ﷺ : " ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ "، فاستحيا الرجل أن يقوم، فقال رسول الله ﷺ : " ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ فإن الله لا يستحي من الحق "، فقال العباس: يا رسول الله أفلا نقوم كلنا نتوضأ، قال: " قوموا كلكم فتوضؤوا ".
وحدث واصل عن مجاهد وعطاء وطاوس والحسن: في الرجل يبيع الطعام مجازفة وهو لا يعلم كليه ولا يعلمه، فكرهوه.
لما هرب الأوزاعي من عبد الله بن علي كان مختبئاً عنده، قال الأوزاعي ما تهنيت قط بضيافة أحد ما تهنيت بضيافتي عنده، كان خبأني في هري العدس، فإذا كان العشاء جاءت الجارية، فأخذت من العدس، فطبخت، ثم جاءتني به، فكان لا يتكلف لي، فتهنيت بضيافته.
واصل بن عبد الله السلامي
أظنه من دمشق.
حدث عمن حدثه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أول ما يذهب من هذا الدين الأمانة، وآخر ما يبقى منه الصلاة، وسيصلي من لا خير فيه، وما استجاز قوم بينهم الربا إلا استوجبوا حرب الله ورسوله، ولا ظهرت فيهم المعازف والغناء إلا صمت قلوبهم، ولا ركبوا الزهو والبهاء إلا عميت أبصارهم، ولا تكبروا إلا حرموا نفع الرجاء، ولا أكلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا نكست قلوبهم حتى لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ".
стр. 9342
واصل
من أهل دمشق، إن لم يكن من تقدم فهو غيره.
حدث واصل قال: أسر غلام من بني بطارقة الروم جميل، ووقع إلى الخليفة في زمن بني أمية، فسماه بشيراً، وكتب وقرأ القرآن وروى الشعر وطلب الأحاديث وحج.
فلما بلغ واجتمع وسوس إليه الشيطان وذكره النصرانية، فارتد وهرب، فأتى ملك الطاغية، فسأله عن حاله وما كان فيه، وما الذي دعاه إلى دخول النصرانية، فأخبره برغبته فيه، فعظم في عين الملك، فرأسه وصيره بطريقاً من بطارقته.
وكان من قضاء الله أنه أسر ثلاثون نفراً مسلمون، فدخلوا على بشير، وساءلهم رجلاً عن دينهم.
وكان منهم شيخ من دمشق اسمه واصل، فساءله بشير، فأبى الشيخ أن يرد عليه شيئاً، فقال بشير: مالك لا تجيبني؟ قال: لا أجيبك اليوم بشيء. قال بشير: فإني مسائلك غداً.
فلما كان الغد بعث بشير فأقبل إليه الشيخ، فقال بشير: الحمد لله الذي كان قبل أن يكون شيء، وخلق سبع سماوات طباقاً بلا عون كان معه من خلقه، ثم دحا سبع أرضين طباقاً بلا عون كان معه من خلقه، فعجب لكم معاشر العرب حين تقولون: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون "! فسكت الشيخ: فقال له بشير، مالك لا تجيبني؟ قال: كيف أجيبك وأنا أسير في يديك؟ إن أجبتك بما تهوى أسخطت علي ربي، وهلكت في ديني، وإن أجبتك بما لا تهوى خفت على نفسي، فأعطني عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على النبيين، وما أخذ
стр. 9343
النبيون على الأمم أنك لا تغدر بي ولا تمحل بي ولا تبغي بي باغية سوء، وأنك إذا سمعت الحق تنقاد له، فأعطاه بشير عهد الله.
فقال الشيخ: أما ما وصفت من صفة الله فقد أحسنت الصفة، وما لم يبلغ علمك، ولم يستحكم عليه رأيك أكثر، والله أعظم وأكبر مما وصفت، ولا يصف الواصفون صفته.
وأما ما ذكرت من هذين الرجلين فقد أسأت الصفة، ألم يكونا يأكلان الطعام ويشربان، ويبولان ويتغوطان، وينامان ويستيقظان، ويفرحان ويحزنان؟ قال: بشير: بلى. قال الشيخ: فلم فرقت بينهما؟ قال بشير: لأن عيسى بن مريم كان له روحان اثنتان في جسد واحد، روح يعلم بها الغيوب وما في قعر البحار وما ينجاب من ورق الأشجار، وروح يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى.
قال الشيخ: فهل كانت القوية تعرف موضع الضعيفة منهما؟ قال بشير: قاتلك الله ماذا تريد أن تقول إن قلت: إنها لا تعلم؟ وماذا تريد أن تقول: إن قلت: إنها تعلم؟ قال الشيخ: إن قلت: إنها تعلم، قلت: فما تعني قوتها حين لا تطرد هذه الآفات عنها؟ وإن قلت: إنها لا تعلم، قلت: فكيف تعلم الغيوب، ولا تعلم موضع روح معها في جسد واحد؟ فسكت بشير.
فقال الشيخ: أسألك بالله هل عبدتم الصليب مثلاً لعيسى بن مريم أنه صلب؟ قال: نعم. قال الشيخ: فبرضاً كان منه أم بسخط؟ قال بشير: هذه أخت تلك، ماذا تريد أن تقول: إن قلت: برضاً منه؟ وماذا تريد أن تقول: إن قلت: بسخط؟ قال الشيخ: إن قلت: برضاً منه قلت: لقد قلتم قولاً عظيماً، فلم تلام اليهود إذا أعطوا ما سألوا وأرادوا؟ وإن قلت: بسخط، قلت فلم تعبد ما لا يمنع نفسه؟ ثم قال الشيخ لبشير: نشدتك بالله، هل كان عيسى يأكل الطعام ويشرب ويصوم
стр. 9344
ويصلي، ويبول ويتغوط، وينام ويستيقظ، ويفرح ويحزن؟ قال: نعم.
قال الشيخ: لمن كان يصوم ويصلي؟ قال: لله .
ثم قال بشير: والضار النافع، ما ينبغي لمثلك أن يعيش في النصرانية، أراك رجلاً قد تعلمت الكلام، وأنا رجل صاحب سيف، ولكن غداً نأتيك بمن يخزيك الله على يديه.
فلما كان من الغد أحضر بشير الشيخ وعنده قس عظيم اللحية، فقال له بشير: إن هذا رجل من العرب له حلم وعقل وأصل في العرب، وقد أحب الدخول في ديننا، فكلمه حتى تنصره.
فسجد القس لبشير، فقال: قديماً أتيت إلى الخير، وهذا أفضل ما أتيت إلي، ثم أقبل القس على الشيخ فقال: غداً أغطسك في المعمودية، غطسة تخرج منها كيوم ولدتك أمك، قال الشيخ: وما هذه المعمودية؟ قال: ماء مقدس، قال الشيخ: من قدسه؟ قال: قدسته أنا والأساقفة قبلي، قال الشيخ: فهل يقدس الماء من لا يقدس نفسه؟ فسكت القس، ثم قال: إني لم أقدسه أنا، قال الشيخ: فكيف كانت القصة؟ قال: إنما كانت سنة من عيسى بن مريم، قال الشيخ: فكيف كان الأمر؟ قال القس: إن يحيى بن زكريا أغطس عيسى بن مريم بالأردن غطسة، ومسح برأسه، ودعا له بالبركة.
قال الشيخ: واحتاج عيسى إلى يحيى يمسح رأسه، ويدعو له بالبركة؟ فاعبدوا يحيى، خير لكم من عيسى.
فسكت القس، واستلقى بشير على فراشه، وأدخل كمه في فيه، وجعل يضحك، وقال للقس، أخزاك الله، دعوتك لتنصره، فإذا أنت قد أسلمت.
وبلغ أمر الشيخ الملك، فبعث إليه، فقال: ما هذا الأمر الذي بلغني عنك، وتنقص ديني؟ قال الشيخ: إن لي ديناً كنت ساكتاً عنه، فلما سئلت عنه لم أجد بداً من الذب عنه.
стр. 9345
قال الملك: فهل في يديك حجج؟ قال الشيخ: نعم، ادع لي من شئت يحاججني، فإن كان الحق في يدي فلم تلمني عن الذب عن الحق، وإن كان الحق في يديك رجعت إلى الحق.
فدعا الملك بعظيم النصرانية، فلما دخل عليه سجد له الملك ومن عنده.
قال الشيخ: أيها الملك ما هذا؟ قال: هو رأس النصرانية، ومن تأخذ النصارى دينها عنه.
قال الشيخ: فهل له من ولد؟ أم هل له من امرأة؟ أم هل له عقب؟ قال الملك: أخزاك الله، هو أزكى وأطهر من أن يتدنس بالنساء، هو أزكى وأطهر من أن ينسب إليه ولد، هو أزكى وأطهر من أن يتدنس بالحيض.
قال الشيخ: فأنتم تكرهون لآدمي يكون فيه ما يكون في بني آدم من الغائط والبول، والنوم والسهر، وبأحدكم من ذكر النساء، وتزعمون أن رب العالمين سكن في ظلمة البطن وضيق الرحم، ودنس بالحيض!! قال القس: هذا شيطان من شياطين العرب رمى به البحر إليكم، فأخرجوه من حيث جاء.
فأقبل الشيخ على القس فقال: عبدتم عيسى بن مريم أنه لا أب له، فهذا آدم لا أب له ولا أم، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، فضموا آدم مع عيسى حتى يكون لكم إلهين اثنين، وإن كنتم عبدتموه لإحياء الموتى فهذا حزقيل في التوراة والإنجيل مرَّ بميت، فدعا الله فأحياه حتى كلمه، فضموه معهما حتى يكون لكم ثلاثة.
وإن كنتم عبدتموه أنه أراكم العجب، فهذا يوشع قاتل قومه حتى غربت الشمس، فقال: ارجعي بإذن الله، فرجعت اثني عشر برجاً، فضموا يوشع معهم، يكون لكم أربعة.
стр. 9346
وإن كنتم عبدتموه لأنه عرج به إلى السماء، فمع كل نفس ملكان بالليل وملكان بالنهار يعرجون إلى السماء، ما لو ذهبنا نعدهم لالتبس علينا عقولنا، واختلط علينا ذهننا، وما ازددنا في ديننا إلا تحيراً.
ثم قال: أيها القس، أخبرني عن رجل حل به الموت، الموت أهون عليه أم القتل؟ قال القس: القتل، قال: فلم لم يقتل - يعني مريم - لم يقتلها؟ فما برّ أمه من عذبها بنزع النفس.
قال القس: اذهبوا به إلى الكنيسة العظمى، فإنه لا يدخلها أحد إلا تنصر.
قال الملك: اذهبوا به.
قال الشيخ: ماذا يراد بي، يذهب بي، فلا حجة علي تغصب حجتي؟ قال الملك: لن يضرك، إنما هو بيت من بيوت ربك يذكر الله فيه.
قال الشيخ: إن كان هكذا فلا بأس به.
فذهبوا به، فلما دخل الكنيسة وضع أصبعيه في أذنيه، ورفع صوته بالأذان، فجزعوا لذلك جزعاً شديداً، وصرخوا وأثنوه، وجاؤوا به الملك.
فقال: أيها الملك أين ذهبوا بي؟ قال: ذهبوا بك إلى بيت من بيوت الله لتذكر فيه ربك. قال: فقد دخلت وذكرت فيه ربي بلساني، وعظمته بقلبي، فإن كان كلما ذكر الله في كنائسكم يصغر دينكم فزادكم الله صغاراً.
قال الملك: صدق، ولا سبيل لكم عليه.
قالوا: أبها الملك، لا نرضى حتى نقتله.
قال الشيخ: إن قتلتموني وبلغ ذلك ملكنا وضع يده في قتل القسيسين والأساقفة، وخرب الكنائس، وكسر الصلبان ومنع النواقيس، قال: يفعل؟ قال: نعم، فلا تشكوا، ففكر في ذلك. فتركوه.
стр. 9347
فقال الشيخ: ما عاب أهل الكتاب على أهل الأوثان؟ قال: بما عبدوا ما عملوه بأيديهم، قال: فهذا أنتم تعبدون ما عملتم بأيديكم، هذا الذي في كنائسكم، فإن كان في الإنجيل فلا كلام لنا فيه، وإن لم يكن في الإنجيل فلا تشبه دينك بدين أهل الأوثان.
قال الملك: صدق، هل تجدون في الإنجيل؟ قال القس: لا، قال: فلم تشبه ديني بدين أهل الأوثان؟.
قال: فأمر بنقض الكنائس، فجعلوا ينقضونها ويبكون؟.
قال القس: إن هذا شيطان من شياطين العرب رمى به البحر إليكم، فوكلوا به رجالاً وأخرجوه من حيث جاء، ولا تقطر من دمه قطرة في بلادكم، فيفسد عليكم دينكم.
فأخرجوه إلى بلاد دمشق، ووضع الملك يده في قتل القسيسين والأساقفة والبطارقة حتى هربوا إلى الشام لأنه لم يجدوا أحداً يحاجه.
وائل بن حجر بن سعد بن مسروق
ابن وائل بن ضمعج بن وائل بن ربيعة بن وائل، وفي نسبه خلاف أبو هنيد ويقال: أبو هنيدة الحضرمي له صحبة، وقدم دمشق على معاوية.
قال وائل بن حجر: رأيت رسول الله ﷺ يضع ركبتيه قبل يديه، ويرفع يديه قبل ركبتيه.
وحدث وائل قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فأخذ يقرأ: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال آمين فجهر بها.
وحجر: بالحاء المضمومة الجيم الساكنة، قال: ويجوز ضمها في اللغة.
стр. 9348
ولما وفد على النبي ﷺ أنزله وأصعده معه على منبره، وأقطعه القطائع، وكتب له عهداً، وقال: هذا وائل بن حجر سيد الأقيال، جاءكم حباً لله ولرسوله. وقربه وأدناه، وبسط رداءه، وأجلسه عليه.
وورد المدائن في صحبة علي بن أبي طالب ﵁ حين خرج إلى صفين، وكان على راية حضرموت يومئذ.
وقيل: بقاف مفتوحة، اسم للملك من ملوك حمير.
وفي رواية أخرى: أنه لما وفد على النبي ﷺ مسح وجهه، ودعا له، ورفله على قومه. ثم خطب الناس، فقال: أيها الناس، هذا وائل بن حجر أتاكم من حاضرموت، ومد بها صوته، راغباً في الإسلام، ثم قال لمعاوية: انطلق به، فأنزله منزلاً بالحرة.
قال معاوية: فانطلقت به، وقد أحرقت رجلي الرمضاء، فقلت: أردفني، قال: لست من أرداف الملوك، قلت: فأعطني نعليك أتوقى بهما من الحر، قال: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك، وإن شئت قصرت عليك ناقتي، فسرت في ظلها.
قال معاوية: وأنبأت النبي ﷺ بقوله، فقال: إن فيه لعبية من عبية الجاهلية، فلما أراد الانصراف كتب له كتاباً.
قال سويد بن حنظلة: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج قوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، فخلى عنه، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: أنت أبرهم وأصدقهم، وصدقت، المسلم أخو المسلم.
стр. 9349
قال وائل: أتيت رسول الله ﷺ فكان لي من وجهه ما لا أحب أن لي به من وجه رجل من بادية العرب، صليت خلفه، فكان يرفع يديه كلما كبر ووضع بين السجدتين، وسلم عن يمينه وعن شماله.
وفي رواية أخرى: لما وفد على النبي ﷺ ، خطب الناس، وقال: ارفقوا به، فإنه حديث عهد بالملك، فقال: إن أهلي غلبوني على الذي لي، فقال: أنا أعطيك وأعطيك ضعفه.
قال وائل: بلغنا ظهور رسول الله ﷺ وأنا في ملكٍ عظيم وطاعة، فرفضته وأتيت رسول الله ﷺ بمنة الله علي، فنهضت راغباً في الله وفي رسوله وفي دينه حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة، فلقيني رجال من أصحابه فبل أن ألقاه، فبشروني بما بشرهم به رسول الله ﷺ .
وفي رواية: فقالوا لي: قد بشرنا بك رسول الله ﷺ من قبل أن تقدم علينا بثلاثة أيام، قالوا: قال لنا رسول الله ﷺ : هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة، من حضرموت طائعاً غير مكره، راغباً في الله وفي رسوله، بقية أبناء الملوك.
وقال في الحديث:
إنه طلع المنبر، وأصعدني معه، فقمت دونه، وقال في قوله، فقلت له: يا رسول الله قد من الله علي حين أتاني نبؤك بإتيانك رغبة في الله وفي دينك، قال: صدقت. ثم قال: اللهم بارك في وائل وفي ولده، وفي ولد ولده.
ثم نزل وأنزلني معه، فدفع إلي ثلاثة كتب، وأقطعني أرضاً، أمرني أن أنزلها، وذكر حديثه مع معاوية.
قال وائل: فنظرت في كتبي، فإذا الكتاب فيه:
стр. 9350
بسم الله إلى المهاجر بن أبو أمية، إن وائل بن حجر يستسعى ويترفل على الأقوال حيث كانوا من حضرموت.
وكتاب آخر لي ولأهل بيتي بحضرموت، فيه: بسم الله من محمد رسول الله ﷺ إلى المهاجر بن أبو أمية، لأبناء معشر وأبناء ضمعج أقوال شنوءة بما كان لهم فيها من ملك وعمران ومزاهر وعرمان وملح ومحجر، وما كان لهم من مال أثرناه بأرض اليمن، وما كان لهم من مال أثرناه بأبغث، وما كان لهم من مال بحضرموت، مني الذمة والجوار، الله جار لهم، والمؤمنون على ذلك أنصار إن كانا صادقين، يعني إن كان وائل وقومه صادقين.
قوله: " ابن أبو أمية " تركه على حاله لاشتهاره، كما قيل: علي بن أبي طالب.
محجر: قرية، وقيل: المحجن، ومحاجن النخل: حضائر تتخذ حولها، والاحتجار: الاحتصار للشيء، والمحجر: الحديقة، والمحاجر: الحدائق.
والعرمان: المزارع، والعرنة أيضاً: الكديس، وهو حصيد الزرع إذا دق قبل أن يذرى.
والمزاهر: الرياض لأنها تجمع أصناف الزهر والنبات.
يستسعى: أي يتولى أمر الصدقات. ويترفل: أي يترأس.
следующие страницы →