Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.
стр. 9346
وإن كنتم عبدتموه لأنه عرج به إلى السماء، فمع كل نفس ملكان بالليل وملكان بالنهار يعرجون إلى السماء، ما لو ذهبنا نعدهم لالتبس علينا عقولنا، واختلط علينا ذهننا، وما ازددنا في ديننا إلا تحيراً.
ثم قال: أيها القس، أخبرني عن رجل حل به الموت، الموت أهون عليه أم القتل؟ قال القس: القتل، قال: فلم لم يقتل - يعني مريم - لم يقتلها؟ فما برّ أمه من عذبها بنزع النفس.
قال القس: اذهبوا به إلى الكنيسة العظمى، فإنه لا يدخلها أحد إلا تنصر.
قال الملك: اذهبوا به.
قال الشيخ: ماذا يراد بي، يذهب بي، فلا حجة علي تغصب حجتي؟ قال الملك: لن يضرك، إنما هو بيت من بيوت ربك يذكر الله فيه.
قال الشيخ: إن كان هكذا فلا بأس به.
فذهبوا به، فلما دخل الكنيسة وضع أصبعيه في أذنيه، ورفع صوته بالأذان، فجزعوا لذلك جزعاً شديداً، وصرخوا وأثنوه، وجاؤوا به الملك.
فقال: أيها الملك أين ذهبوا بي؟ قال: ذهبوا بك إلى بيت من بيوت الله لتذكر فيه ربك. قال: فقد دخلت وذكرت فيه ربي بلساني، وعظمته بقلبي، فإن كان كلما ذكر الله في كنائسكم يصغر دينكم فزادكم الله صغاراً.
قال الملك: صدق، ولا سبيل لكم عليه.
قالوا: أبها الملك، لا نرضى حتى نقتله.
قال الشيخ: إن قتلتموني وبلغ ذلك ملكنا وضع يده في قتل القسيسين والأساقفة، وخرب الكنائس، وكسر الصلبان ومنع النواقيس، قال: يفعل؟ قال: نعم، فلا تشكوا، ففكر في ذلك. فتركوه.
стр. 9347
فقال الشيخ: ما عاب أهل الكتاب على أهل الأوثان؟ قال: بما عبدوا ما عملوه بأيديهم، قال: فهذا أنتم تعبدون ما عملتم بأيديكم، هذا الذي في كنائسكم، فإن كان في الإنجيل فلا كلام لنا فيه، وإن لم يكن في الإنجيل فلا تشبه دينك بدين أهل الأوثان.
قال الملك: صدق، هل تجدون في الإنجيل؟ قال القس: لا، قال: فلم تشبه ديني بدين أهل الأوثان؟.
قال: فأمر بنقض الكنائس، فجعلوا ينقضونها ويبكون؟.
قال القس: إن هذا شيطان من شياطين العرب رمى به البحر إليكم، فوكلوا به رجالاً وأخرجوه من حيث جاء، ولا تقطر من دمه قطرة في بلادكم، فيفسد عليكم دينكم.
فأخرجوه إلى بلاد دمشق، ووضع الملك يده في قتل القسيسين والأساقفة والبطارقة حتى هربوا إلى الشام لأنه لم يجدوا أحداً يحاجه.
وائل بن حجر بن سعد بن مسروق
ابن وائل بن ضمعج بن وائل بن ربيعة بن وائل، وفي نسبه خلاف أبو هنيد ويقال: أبو هنيدة الحضرمي له صحبة، وقدم دمشق على معاوية.
قال وائل بن حجر: رأيت رسول الله ﷺ يضع ركبتيه قبل يديه، ويرفع يديه قبل ركبتيه.
وحدث وائل قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فأخذ يقرأ: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال آمين فجهر بها.
وحجر: بالحاء المضمومة الجيم الساكنة، قال: ويجوز ضمها في اللغة.
стр. 9348
ولما وفد على النبي ﷺ أنزله وأصعده معه على منبره، وأقطعه القطائع، وكتب له عهداً، وقال: هذا وائل بن حجر سيد الأقيال، جاءكم حباً لله ولرسوله. وقربه وأدناه، وبسط رداءه، وأجلسه عليه.
وورد المدائن في صحبة علي بن أبي طالب ﵁ حين خرج إلى صفين، وكان على راية حضرموت يومئذ.
وقيل: بقاف مفتوحة، اسم للملك من ملوك حمير.
وفي رواية أخرى: أنه لما وفد على النبي ﷺ مسح وجهه، ودعا له، ورفله على قومه. ثم خطب الناس، فقال: أيها الناس، هذا وائل بن حجر أتاكم من حاضرموت، ومد بها صوته، راغباً في الإسلام، ثم قال لمعاوية: انطلق به، فأنزله منزلاً بالحرة.
قال معاوية: فانطلقت به، وقد أحرقت رجلي الرمضاء، فقلت: أردفني، قال: لست من أرداف الملوك، قلت: فأعطني نعليك أتوقى بهما من الحر، قال: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك، وإن شئت قصرت عليك ناقتي، فسرت في ظلها.
قال معاوية: وأنبأت النبي ﷺ بقوله، فقال: إن فيه لعبية من عبية الجاهلية، فلما أراد الانصراف كتب له كتاباً.
قال سويد بن حنظلة: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج قوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، فخلى عنه، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: أنت أبرهم وأصدقهم، وصدقت، المسلم أخو المسلم.
стр. 9349
قال وائل: أتيت رسول الله ﷺ فكان لي من وجهه ما لا أحب أن لي به من وجه رجل من بادية العرب، صليت خلفه، فكان يرفع يديه كلما كبر ووضع بين السجدتين، وسلم عن يمينه وعن شماله.
وفي رواية أخرى: لما وفد على النبي ﷺ ، خطب الناس، وقال: ارفقوا به، فإنه حديث عهد بالملك، فقال: إن أهلي غلبوني على الذي لي، فقال: أنا أعطيك وأعطيك ضعفه.
قال وائل: بلغنا ظهور رسول الله ﷺ وأنا في ملكٍ عظيم وطاعة، فرفضته وأتيت رسول الله ﷺ بمنة الله علي، فنهضت راغباً في الله وفي رسوله وفي دينه حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة، فلقيني رجال من أصحابه فبل أن ألقاه، فبشروني بما بشرهم به رسول الله ﷺ .
وفي رواية: فقالوا لي: قد بشرنا بك رسول الله ﷺ من قبل أن تقدم علينا بثلاثة أيام، قالوا: قال لنا رسول الله ﷺ : هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة، من حضرموت طائعاً غير مكره، راغباً في الله وفي رسوله، بقية أبناء الملوك.
وقال في الحديث:
إنه طلع المنبر، وأصعدني معه، فقمت دونه، وقال في قوله، فقلت له: يا رسول الله قد من الله علي حين أتاني نبؤك بإتيانك رغبة في الله وفي دينك، قال: صدقت. ثم قال: اللهم بارك في وائل وفي ولده، وفي ولد ولده.
ثم نزل وأنزلني معه، فدفع إلي ثلاثة كتب، وأقطعني أرضاً، أمرني أن أنزلها، وذكر حديثه مع معاوية.
قال وائل: فنظرت في كتبي، فإذا الكتاب فيه:
стр. 9350
بسم الله إلى المهاجر بن أبو أمية، إن وائل بن حجر يستسعى ويترفل على الأقوال حيث كانوا من حضرموت.
وكتاب آخر لي ولأهل بيتي بحضرموت، فيه: بسم الله من محمد رسول الله ﷺ إلى المهاجر بن أبو أمية، لأبناء معشر وأبناء ضمعج أقوال شنوءة بما كان لهم فيها من ملك وعمران ومزاهر وعرمان وملح ومحجر، وما كان لهم من مال أثرناه بأرض اليمن، وما كان لهم من مال أثرناه بأبغث، وما كان لهم من مال بحضرموت، مني الذمة والجوار، الله جار لهم، والمؤمنون على ذلك أنصار إن كانا صادقين، يعني إن كان وائل وقومه صادقين.
قوله: " ابن أبو أمية " تركه على حاله لاشتهاره، كما قيل: علي بن أبي طالب.
محجر: قرية، وقيل: المحجن، ومحاجن النخل: حضائر تتخذ حولها، والاحتجار: الاحتصار للشيء، والمحجر: الحديقة، والمحاجر: الحدائق.
والعرمان: المزارع، والعرنة أيضاً: الكديس، وهو حصيد الزرع إذا دق قبل أن يذرى.
والمزاهر: الرياض لأنها تجمع أصناف الزهر والنبات.
يستسعى: أي يتولى أمر الصدقات. ويترفل: أي يترأس.
стр. 9351
وكتاب آخر إلي وإلى قومي فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى وائل بن حجر والأقوال العباهلة من حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، من الصدقة التيمة، ولصاحبها التيعة، لاجلب ولاجنب ولاشغار ولا وراط في الإسلام، لكل عشرة من السرايا ما تحمل القراب من التمر. من أجبى فقد أربى، وكل مسكرٍ حرام.
الأقوال: يريد الملوك واحدهم قيل والعباهلة مثلها، والتيمة: الزائدة، وقيل: الأكولة، وهي الشاة التي تذبح لتؤكل، ونالتيعة: الأربعون من الشاء، والشغار: أن ينكح الرجل أخته أو أبنته، وينكحه الآخر أخته أو ابنته، فهن تذران الصداق، كانوا في الجاهلية يصنعون ذلك، والإجباء: بيع الحرث قبل صلاحه.
وفي رواية أخرى: بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة: على التيعة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لاخلاط ولا وراط ولا شناق، ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، والعون لسرايا المسلمين، وكل مسكرٍ حرام.
стр. 9352
قوله: تحمل القراب من التمر، الرواية هكذا بالباء، ولا موضع لها، إنما القراب قراب السيف. قال: وأراه القراف بالفاء، جمع قرف، وتجمع على قروف، وهي أوعية من جلود تحمل فيها الزاد للأسفار. والمعنى: إن عليهم أن يزودوا السرية إذا مرت بهم، لكل عشرة منهم ما يحمل في مزود.
السيوب: الركاز، والوراط: الخديعة، والشناق: مادون الدية، والشناق في الشاء ماجاوز الأربعين إلى ما تصير فيه الصدقة، وكل ما أخذ فيه الشاء من صدقة الإبل فذلك الشنق، فإذا صارت ابنة مخاض ارتفع الشنق وصارت فريضة.
وائل بن رياب بن حذيفة
ابن مهشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي أدرك سيدنا رسول الله ﷺ .
وأمه أم وائل بنت معمر بن جندب الجميحة.
شهد الفتح بالشام، وهو أخو معمر بن رياب، ورياب بكسر الراء وبعدها ياء بثنتين من تحتها.
كان رياب بن حذيفة تزوج أم وائل بنت معمر الجمحية، فولدت له ثلاثة أولاد، فتوفيت أمهم، فورثها بنوها رباعها وولاء مواليها، فخرج بهم عمرو بن العاص معه إلى الشام، فماتوا في طاعون عمواس، فورثهم عمرو مكان عصبتهم.
فلما رجع عمرو جاء بنو معمر يخاصمونه في ولاء أختهم إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: أقضي بينكم بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: ما أحرز الولد أو الوالد فهو لعصبته من كان.
стр. 9353
قال: فقضى عمر لعمرو رباعها وولاء مواليها، وكتب له بذلك كتاباً فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وآخر، حتى إذا استخلف عبد الملك بن مروان توفي مولى لهم، وترك ألفي دينارٍ، فخاصموه إلى هشام بن إسماعيل.
قال: فدفعنا إلى عبد الملك بن مروان، فأتيناه بكتاب عمر، فقال: إن كنت لأرى أن هذا من القضاء الذي لا يشك فيه، وما كنت أرى أن أمر المدينة بلغ هذا؛ أن تشكو في هذا القضاء، قال: فقضى لنا به، فلم يزل فيه بعده.
وثيق بن أحمد بن عثمان
أبو محمد السلمي الكفربطناني حدث عن علي بن يعقوب بن أبي العقب بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " (من قضى دين والديه بعد موتهما وأوفى نذرهما ولم يستسب لهما فقد برهما، وإن كان عاقاً بهما، ومن لم يقض دينهما ولم يوف نذرهما واستسب لهما فقد عقهما، وإن كان بهما باراً في حياتهما ".
توفي وثيق سنة اثنتين وأربع مئة.
وجيه بن عبد الله بن مسعر
أبو المقدم التنوخي المعري شاعر، فمن شعره: من الوافر
أراني والثفالة في نفادٍ ... على سفرٍ وليس لدي زاد
стр. 9354
وقد بان الشباب الغض مني ... وجاء الشيب ليس له ارتداد
إذا ما الزرع أخلع واستبانت ... سنابله فقد قرب الحصاد
توفي أبو المقدم سنة ثلاث وخمس مئة أو أربع وخمس مئة.
وحشي بن حرب
أبو دسمة الحبشي مولى جبير بن مطعم النوفلي ويقال: كان عبداً لابنة الحارث بن عامر بن نوفل وحشي قاتل حمزة عم سيدنا رسول الله ﷺ . أسلم على عهد سيدنا رسول الله ﷺ ، وخرج مع خالد بن الوليد إلى اليمامة، وقدم معه الشام، وشهد اليرموك، والظاهر أنه شهد فتح دمشق.
حدث وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع، فقال رسول الله ﷺ : " تأكلون وأنتم متفرقون، قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله على أوله واحمدوه على آخره يبارك لكم فيه ".
كان وحشي أسود من سودان مكة عبداً، ولم يبلغنا أنه شهد بدراً مع المشركين، ولكنه خرج معهم إلى أحد، فقالت له ابنة الحارث بن نوفل بن عامر: إن أبي قتل يوم بدر، فإن أنت قتلت أحد الثلاثة فأنت حر؛ إن قتلت محمداً أو حمزة أو علي بن أبي طالب.
ولما فتحت حمص نزلها، ووقع في الخمر يشربها. ولبس المعصفر المصقول، فكان أول من ضرب في الخمر بالشام، وأول من ليس المعصفرات في الشام.
ومات بحمص في بركة خمر.
стр. 9355
وحدث وجشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده قال: كان معاوية ردف النبي ﷺ فقال: ما يليني منك؟ قال: بطني، قال: اللهم املأه علماً وحلماً.
قال: في إسناده نظر.
ويقال: إنه قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة، وجاهد أهل الردة.
قيل: إنه رمى مسيلمة الكذاب هو والأنصاري، فقتل مسيلمة من ضربتيهما.
قال ابن عباس: أمر رسول الله ﷺ بقتل وحشي مع النفر، ولم يكن المسلمون على أحدٍ أحرص منهم على وحشي؛ فهرب وحشي إلى الطائف، فلم يزل به مقيماً حتى قدم في وفد الطائف على رسول الله ﷺ ، فدخل عليه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فقال: وحشي؟! قال: نعم، قال: اجلس، حدثني كيف قتلت حمزة، فأخبره. فقال رسول الله ﷺ : غيب عني وجهك.
قال: فكنت إذا رأيته تواريت عنه حتى خرج الناس إلى مسيلمة، فدفعت إلى مسيلمة فزرقته بالحربة، وضربه رجل من الأنصار، فربك أعلم أينا قتله.
قال جعفر بن عمرو بن أمية: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار غازيين الصائفة في زمن معاوية، فلما قفلنا مررنا بحمص، وبها وحشي، فقال عبيد الله بن عدي: هل لك أن نأتي وحشياً ونسأله عن قتل حمزة، كيف كان؟ فقلت: نعم، إن شئت.
فسألنا عنه، فقال لنا قائل: إنكما ستجدانه بفناء داره على طنفسة، وهو رجل غلبت عليه الخمر، فإن تجداه صاحياً تجدا رجلاً غريباً وتجدا منه الذي تريدان أن تسألا عنه، وإن تجداه قد ثمل منها فانصرفا عنه.
стр. 9356
فوافيناه شيخاً كثير السواد، رأسه مثل الثغام بفناء داره على طنفسة صاحياً. فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي، فقال عبيد الله بن عدي بن الخيار: أنت؟ قال: نعم، قال: أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، وهي على بعيرها، إلى اليوم، فلما رأيتك عرفتك.
فجلسنا إليه، وقلنا: أتيناك نسألك عن حديث قتلك حمزة، فقال: أنا سأحدثكم بما حدثت به رسول الله ﷺ : كنت بمكة لجبير بن مطعم، وكان طعمة بن عدي عمه قتل يوم بدر، فقال: إن قتلت حمزة عم محمد ﷺ فأنت حر، وكانت لي حربة أقذف بها قلماً أجلتها إلا قتلت.
فخرجت مع الناس يوم أحد وإنما حاجتي قتل حمزة، فلما التقى الناس أخذت حربتي، وخرجت أنظر حمزة، وهو في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهذ الناس بسيفه هذاً، فدنا مني إلا أنه تستر مني بأصل شجرة أو صخرة، إذ بدر من الناس فلان بن عبد العزى، وفي حديث: سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال: هلم يا بن مقطعة البظور، فضربه، فوالله لكأنما أخطأ رأسه.
زاد في رواية: ما رأيت شيئاً أسرع من سقوط رأسه. وكانت أمه ختانة بمكة.
وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت بين كتفيه حتى خرجت من بين ثدييه، فتركته واستأخرت عنه حتى مات، ﵀، ثم قمت إليه حتى انتزعتها منه.
ثم أتيت العسكر فقعدت فيه، فلم يكن لي حاجة بغيره، وإنما قتلته لأعتق، فلما
стр. 9357
قدمنا مكة عتقت، وأقمت بها حتى فتحت مكة، ثم هربت إلى الطائف.
فلما خرج وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ ضاقت علي الأرض بما رحبت، فقلت: ألحق باليمن أو بالشام، فوالله إني في غم ذلك إذ قال لي قائل: ويحك! الحق بمحمد ﷺ ، فوالله ما يقتل أحداً دخل في دينه، وتشهد بشهادته.
فخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة، فلم يرعه إلا أني قائم على رأسه، أشهد بشهادة الحق، فلما رآني قال: وحشي؟! قلت: نعم، قال: اجلس فحدثني كيف كان قتلك حمزة، فجلست بين يديه، فحدثته كما حدثتكم، ثم قال: ويحك يا وحشي! غيب عني وجهك فلا أراك؛ فكنت أتنكب رسول الله ﷺ حتى توفي.
فلما سار المسبمون إلى مسيلمة خرجت معهم بحربتي، فلما التقى المسلمون وبنو حنيفة نظرت إلى مسيلمة، ووالله ما أعرفه، وبيده سيفه، ورجل آخر من الأنصار يريده من ناحية أخرى، وكلانا يتهيأ له، حتى إذا أمكنتني منه الفرصة دفعت إليه حربتي، فوقعت فيه وسيف الأنصاري يضربه، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته فقد قتلت خير البرية بعد رسول الله ﷺ ، وقتلت شر الناس.
قال عبد الله بن عمر، وشهد اليمامة: سمعت رجلاً يصيح، يقول قتله العبد الأسود، يعني مسيلمة.
وعن وحشي قال: لما أتيت رسول الله ﷺ بعد قتل حمزة تفل في وجهي ثلاث تفلات، ثم قال: لا ترني وجهك.
قال ابن عباس: بعث رسول الله ﷺ إلى وحشي قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: يا محمد كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك وزنى " يلقى أثاماً، يضاعف له
стр. 9358
العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً " وأنا قد صنعت ذلك؟ فهل تجد لي من رخصة؟ فأنزل الله تعالى: " إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً ".
فقال وحشي: يا محمد، هذا شرط شديد: إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً، فلعلي لا أقدر على هذا؛ فأنزل الله : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ".
فقال وحشي: يا محمد، أرى بعد مشيئة، فلا أدري يغفر لي أم لا، فهل غير هذا؟ فأنزل الله : " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ".
قال: وحشي هذا، فجاء وأسلم، فقال الناس: يا رسول الله، إذا أصبنا ما أصاب وحشي؟ قال: هي للمسلمين عامة.
وعن ابن عباس قال: جاء وحشي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد جئتك مستجيراً بك، فقال رسول الله ﷺ : قد كنت أحب أن أراك على خير جوار، فأما إذا كنت مستجيراً فأنت في جواري حتى أسمع كلام الله. قال: فإني أشركت بالله العظيم، وقتلت النفس التي حرم الله، فهل تقبل من مثلي توبة؟
فصمت رسول الله ﷺ ، فلم يجبه حتى نزل عليه القرآن: " والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق " إلى قوله: " يبدل الله
стр. 9359
سيئاتهم حسنات ". فقرأها عليه؛ فقال: أرى شرطاً، فلعلي لا أعمل صالحاً، أنا في جوارك حتى تسمع كلام الله، فنزلت: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "، فدعاه فقرأها عليه، فقال وحشي: فلعلي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، قال: فنزلت: " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " الآية، فقال وحشي: الآن لا أرى شرطاً، فتشهد وأسلم.
وقال وحشي: إنه وفد على رسول الله ﷺ في اثنين وسبعين رجلاً من الحبشة، وأن النبي ﷺ قودني عليهم، وعقد لي راية صفراء، ذراعين في ذراعين، وفيها هلال أبيض وعذبتان سوداوان، وبينهما عذبة بيضاء، وجعل لي شعارنا: كل خير، وكان منهم ذو مخبر وذو مهدم وذو مناحب وذو دجن، فقال لهم: انتسبوا، فقال ذو مهدم: من الطويل
على عهد ذي القرنين كانت سيوفنا ... صوارم يفلقن الحديد المذكرا
وهود أبونا سيد الناس كلهم ... وفي زمن الأحقاب عزاً ومفخرا
فمن كان يعمى على أبيه فإننا ... وجدنا أبانا العدملي المشهرا
وعن وحشي: أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله، سله الله على الكفار والمنافقين ".
стр. 9360
ثم قال أبو بكر: يا وحشي اخرج معه فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله، فخرجت معه.
فقاتلنا كفرة العرب حتى رجعوا، ثم جاءنا كتاب أبي بكر بالمسير إلى مسيلمة الكذاب وكفار بني حنيفة؛ فمضينا لذلك، فلقيناهم، فقاتلوا قتالاً شديداً، فهزمونا ثلاث مرات، ثم ثبت الله أقدامنا في الرابعة، وصبرنا لوقع السيوف واختلافها على رؤوسنا حتى رأيت شهب النار تخرج من خلالها، وسمعت لها أصواتاً كأصوات الأجراس، ونصرنا الله وهزم بني حنيفة، وقتل الله مسيلمة، فلقد ضربت يومئذ بسيفي حتى غري قائمه في كفي من دمائهم، وكتبوا بفتح الله ونصره إلى أبي بكر.
وصرخ يومئذ صارخ بقتل مسيلمة يقول: قتله العبد الأسود، فقلنا: قتله الله.
وقال يومئذ: إنكم يا معشر المسلمين تقولون: إني قتلت حمزة، فإن أك قد قتلت خير الناس، فقد قتلت شر الناس، فهذه بهذه.
وقوله تعالى: " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم " نزلت في قاتل حمزة.
وقال وحشي: لما فتحنا اليرموك مع أبي عبيدة بن الجراح بقيت مغارة للروم فيها عدة من فرسانهم وغير ذلك لا يستطاع فتحها، فقالوا: من لها؟ فقلت: أنا لها، هل من درع؟ فأتوني بدرع فلبستها على درعي، ثم قلت: هل من درع أخرى؟ فأتوني بدرع أيضاً، فلبستها كهيئة السراويل، وشددتها علي شداً جيداً، وأخذت سيفي بيدي، وأخذت حبلاً، ووضعته في وسطي، وأمرتهم أن يدلوني في المغارة.
فقالوا: يا أبا حرب، قد كبرت سنك، وما إن تجشم ذا. فقلت له: ما رحمت نفسي منذ صاحبت رسول الله ﷺ ، فدلوني، فقتلت فرسانها وأحرقت من كان فيها،
стр. 9361
ولقد كنت أسمع سيفي في رؤوسهم كالفأس في الحطب الجزل، ولقد غريت يدي على سيفي من الدم، وما أخرجته من يدي حتى أنقعته بالماء الساخن.
قال: ولما قدمنا حمص مع أبي عبيدة بن الجراح برز إلي بطريق من بطارقة الروم على باب الرستن، فقتلته، ولبست ثوبه، وركبت دابته، ودخلت السوق حتى أتيت باب يهود، فضربت سلسلته بسيفي فقطعتها، فدخل الناس، فنزلت دار أصطفيس، وأنزلت أصحابي حولي.
وكان رسول الله ﷺ إذا كتب إلي كتاباً كتب: من محمد رسول الله إلى وحشي الحبشي.
وعن عمر بن الخطاب قال: ما زالت لوحشي في نفسي حتى أخذ قد شرب الخمر بالشام، فجلد الحد، فحططت عطاءه إلى ثلاث مئة.
وكان فرض له عمر ألفين.
وحشي بن حرب بن وحشي بن حرب
ابن ابن المذكور آنفاً.
حدث وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده قال:
شكا رجل إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : لعلك تتقدم من هو أسن منك، قال: نعم، يا رسول الله، قال: فلا تفعل، قال: فترك ذلك، فأذهب الله عنه الفاقة.
وحدث عن أبيه عن جده قال: كنت عند النبي ﷺ جالساً، فمر رجل، فقال رجل: يا رسول الله، إني أحب هذا في الله، قال: أعلمته ذلك؟ فقال: لا، قال: قم فأعلمه.
стр. 9362
وراد أبو الورد
كاتب المغيرة ومولاه قال وراد: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ .
فكتب إليه المغيرة: إن رسول الله ﷺ كان يقول عند انصرافه من الصلاة: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
وكان النبي ﷺ ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن منع وهات، وعقوق الأمهات وعن وأد البنات.
وراد بن جهير بن عبد الرزاق
ابن أبي الغارات بن منصور أبو صادق الجذامي النفاثي حدث عن أبي الحسن علي بن القاسم بن الحسن البجاد بسنده إلى علي والزبير قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: " خير أمتي بعدي أبو بكر وعمر ﵄ ".
وردان أبو عبيد ويقال أبو عثمان
مولى عمرو بن العاص السهمي من سبي أصبهان، قدم دمشق في أيام معاوية.
كان عمرو بن العاص ذات يوم عند معاوية، ومعه وردان مولاه، فقال لعمرو: ما بقي من لذتك، يا أبا عبد الله؟ فقال: محادثة أخي صدق مأمون على الأسرار.
стр. 9363
فأقبل على وردان، فقال: وأنت يا أبا عثمان، ما بقي من لذتك؟ قال: النظر في وجه كريم أصابته نكبة فاصطنعت إليه فيها يداً حسنة.
فقال معاوية: أنا أولى بذلك منك، فقال: أنت يا أمير المؤمنين، أقدر عليه مني، وأولى به من سبق إليه.
شاعر: من الطويل
وما هذه الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
فإنك لا تدري بأية بلدة ... تموت ولا ما يحدث الله في غد
ووردان من تابعي أهل مصر، وبه سميت السوق التي بمصر سوق وردان.
وكان ثقة، وكان رومياً. يقال: إنه من روم أرمينية، أو من روم الشام، أو من روم أطرابلس الغرب.
وقتل بالبرلس سنة ثلاث وخمسين، قتله الروم. وعقبه بمصر.
قال جويرية بن أسماء: قال عمرو بن العاص لوردان يوم صفين: تدري ما مثلي ومثلك مثل الأبيقر إن تقدم عقر، وإن تأخر نحر، لئن تأخرت لأضربن عنقك، قال: جيئوني بقيد، فوضعه في رجليه، قال: أما والله يا عبد الله لأردنك حياض الموت.
وحضر وردان يوم صفين مع عمرو، فكان عمرو يرتجز: من الرجز
هل يغنين وردان عني قنبراً ... أو يغنين ابن خديج مسعرا
يريد قنبر مولى علي بن أبي طالب ﵇، ويريد مسعر بن فدكي صاحب الخوارج.
стр. 9364
وكان وردان والياً على خراج مصر من قبل معاوية بعد موت عمرو.
وكان وردان من عمرو بن العاص بمنزلة صاحب الشرط من الأمير، كان لا يعمل شيئاً حتى يشاوره، وكان داهياً فهماً.
كتب معاوية إلى وردان أن زد على القبط قيراطاً قيراطاً على كل إنسان.
فكتب إليه وردان: كيف أزيد عليهم، وفي عهدهم ألا يزاد عليهم، يرى بذلك لأن مصر كانت عنده عنوة، فلهذا استجاز الزيادة عليهم، وكانت عند وردان صلحاً، فكره الزيادة، فلهذا اختلفا.
روى عن مسلم بن محارب قال: قال معاوية: إن عمرو بن العاص احتجز دوننا خراج مصر فعزله، واستعمل أبا الأعور السلمي، فبلغ عمرو الخبر، فدعا وردان مولاه، فقال: ويحك، يا أبا عثمان! عزلنا معاوية أمير المؤمنين، قال: فمن استعمل؟ قال: أبا الأعور السلمي، فهل عندك من حيلة؟ قال: نعم، اصنع له طعاماً، ولا تنظر له في كتاب حتى يأكل، ودعنا نعمل ما نريد.
فلما قدم عليه أبو الأعور، وأخرج كتاب معاوية بتسليم العمل إليه، قال له عمرو: وما نصنع بكتاب؟ لو جئتنا برسالة لقبلنا ذلك منك، دع الكتاب وكل.
قال: انظر في الكتاب، قال: ما أنا بناظر حتى تأكل، فوضعه إلى جانبه، وجعل يأكل، فاستدار له وردان، فأخذ الكتاب والعهد.
فلما فرغ أبو الأعور من غذائه طلب الكتاب، فلم ير شيئاً، فقال: أين كتابي؟ فقال له عمرو: أليس إنما جئتنا زائراً لنحسن إليك ونكرمك ونبرك؟ قال: استعملني أمير المؤمنين وعزلك، قال: مهلاً، لا يظهرن هذا منك، إنه قبيح، نحن نصلك ونحسن جائزتك، فرضي بالجائزة.
وبلغ معاوية الخبر، فاستضحك، وأمر عمراً على مصر.
стр. 9365
وعن ابن لهيعة قال: قال الملامس بن خزيمة الحضرمي لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إن هذا - يريد ربيعة بن حبيش الصدقي - قاتل عثمان وقرين الشيطان، وختن وردان. وكان ربيعة قد زوج ابنته من وردان. فقال معاوية: يا ربيعة، أزوجت وردان ابنتك؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، زوجت فداناً أخضر وديناراً أصفر. فقال معاوية: أف لك، أعبد عمرو؟ كان وردان بالإسكندرية، وعليها علقمة بن يزيد الغطيفي، وبالإسكندرية راهب نحو كنيسة الدقيق، وكان وردان يأتيه ويحدثه، فجاءه يوماً، فقال له الراهب: لا تمر بك ثلاثة أيام حتى تقتل. فانصرف وردان، فجلس على مجلس الصدف، فحدثهم بما قال الراهب. فلم يلبث إلا يسيراً حتى أتاهم الصارخ أن الروم قد نزلوا البرلس. فاستنفر علقمة الناس إليهم، فولى عليهم وردان، فنفر بهم إلى البرلس، فوجد الروم بها، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فاستشهد وردان ومن معه وأبو رقية اللخمي، وكان على الخراج، وعائذ بن ثعلبة البلوي، وكان على الخيل.
قالوا: وكان بين يدي وردان شمعة لما خرج ليلاً، فانطفأت، فتطير بذلك.
قالوا: وكان عائذ قد أمر بالمعديات فرفعت إلى البر، فقال له وردان: اردد المعديات تجز فيها من أتاك من الثغور والفسطاط. فقال له: هذا رأي العبيد، بل نرفعها ونقاتل، فيكون الفتح لنا والذكر، فلا تجبن، قال: أنا أجبن؟ ستعلم من يجبن.
فاقتتلوا، وأقبل المدد، فوقفوا في العدوة لا يقدرون على المجاز، والمسلمون والروم يقتتلون، فقتل عائذ ووردان، وارتث سويد بن ملة في جمع من المسلمين، وانصرف الروم.
стр. 9366
وردان بن صالح بن كثير
وقيل: وردان بن كثير بن صالح بن سعد أبو عطية حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده إلى عائشة قالت: أمرني رسول الله ﷺ فأدخلت امرأة على زوجها، ولم يعطها من صداقها شيئاً.
ورقة بن نوفل بن أسد
ابن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي كان ممن رغب عن عبادة الأوثان، وسأل عن الدين الحنيف.
وقدم البلقاء مع زيد بن عمرو بن نفيل.
وقيل: إنه أسلم والنبي ﷺ لم يقطع بإسلامه، والصحيح أن ورقة توفي أول ما تبدى جبريل للنبي ﷺ .
روى ابن عباس أن ورقة قال: قلت: يا محمد كيف يأتيك الذي يأتيك، يعني جبريل؟ فقال رسول الله ﷺ : يأتيني من السماء جناحاه من لؤلؤ، وباطن قدميه أخضر.
وكان ورقة قرأ الكتب، وكانت خديجة بن خويلد - رضوان الله عليها - تسأله عن أمر رسول الله ﷺ ، فيقول لها: ما أراه إلا نبي هذه الأمة الذي بشر به موسى وعيسى ﵉.
وقال رسول الله ﷺ : لا تسبوا ورقة فإني أريته في ثياب بيض.
وقيل: إن ورقة أنصاري، وقيل ديلي، والصحيح أنه أسدي.
روي: أن خديجة انطلقت بالنبي ﷺ إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها،
стр. 9367
وكان تنصر في الجاهلية، ويكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً أكون فيها حياً حين يخرجك قومك.
قال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم توفي ورقة.
وكان زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ذهبا نحو الشام يلتمسان الدين، فأتيا على راهب، فسألاه، فقال: إن الذي تطلبان لم يجئ بعد، وهذا زمانه، وإن نبي هذا الدين يخرج من قبل تيماء.
فرجعا، فقال ورقة: أما أنا فأقيم على نصرانيتي حتى يبعث هذا النبي، وقال زيد بن عمرو: أما أنا فأعبد رب هذا البيت حتى يبعث النبي.
وكان زيد يأتي على بلال وهو يعذب في الله، فيقول: يا بلال، أحد أحد، والذي نفسي بيده، لئن قتلت لأتخذنك حناناً، فقال النبي ﷺ : يبعث زيد أمة وحده، وكان زيد يأتي على الصبية وقد وئدت، فيستخرجها، فيسترضع لها حتى تشب.
قال أبو ميسرة: إن رسول الله ﷺ قال لخديجة: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداءً، فقد حسبت أن يكون هذا أمراً، فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله ﷺ ثم، ذكرت خديجة حديثه له، وقالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 9368
أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة، فقال: ومن أخبرك؟ فقال خديجة.
فانطلقنا إليه، فقصا عليه، فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هارباً في الأرض. فقال: لا تفعل إذا أتاك، فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني.
فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: بسم الله الرحمن الرحيم: " الحمد لله رب العالمين " حتى بلغ " ولا الضالين "، وقل: لا إله إلا الله.
فأتى ورقة، فذكر ذلك له، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك.
فلما توفي ورقة قال رسول الله ﷺ : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني، يعني ورقة.
قال ابن عباس: ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة من قبل حراء، فوضع يده على رأسه وفؤاده وبين كتفيه، وقال: لا تخف، جبريل جبريل، فأجلسه معه على مجلس كريم جميل معجب، وكان النبي ﷺ يقول: أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك فيه من الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله ربه حتى اطمأن النبي ﷺ ، ثم قال: اقرأ، قال: كيف أقرأ؟ قال: " اقرأ بسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم ".
стр. 9369
فقبل الرسول رسالات ربه، وسأله أن يخفيها، واتبع النبي ﷺ الذي نزل به جبريل من عند رب العرش العظيم.
فلما قضي إليه الذي أمر به انصرف رسول الله ﷺ منقلباً إلى أهله، لا يأتي على حجر ولا شجر إلا سلمت عليه: سلام عليك يا رسول الله. فرجع إلى بيته، وهو موقن، قد فاز فوزاً عظيماً، فلما دخل على امرأته خديجة، قال: يا خديجة أرأيت ما كنت أراه في المنام، وأحدثك به فإنه قد استعلن لي، وإنه جبريل أرسله ربه، وأخبرها بالذي قال له وبالذي رأى وسمع، فقالت: أبشر، فوالله، لا يفعل الله بك إلا خيراً أبداً، اقبل الذي أتاك من الله فإنه حق، وأبشر رسول الله حقاً.
ثم انطلقت إلى غلام لعتبة بن ربيعة يقال له: عداس، نصراني من أهل نينوى، فقالت: يا عداس، أذكرك الله إلا حدثتني هل عندك من جبريل علم؟ فلما ذكرت جبريل قال: قدوس قدوس ربنا، وما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل أوثان؟ قالت: أحب أن تحدثني بعلمك عنه. قال عداس: فإنه أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى.
فرجعت خديجة فأتت عمها ورقة بن نوفل، وكان ورقة قد كره عبادة الأوثان هو وزيد بن عمرو بن نفيل. وكان زيد قد حرم كل شيء حرمه الله من الدم والذبيحة على النصب وأبواب الظلم في الجاهلية، وتنصر ورقة، وقال لزيد قائم من الرهبان: إنك تلتمس ديناً ليس يوجد في الأرض اليوم، قال زيد: أي دين هو هذا الذي تزعم أنه غير موجود؟ قال دين الله دين إبراهيم.
قال زيد: يا ورقة، أنا على دين إبراهيم، وأنا ساجد نحو هذه البنية التي بنى إبراهيم، فسجد نحو الكعبة في الجاهلية. ثم توفي زيد، وبقي ورقة بعد.
وتعمدت خديجة إلى ورقة حين رجعت من عند عداس، فأخبرته ببعث رسول الله ﷺ ، وبقول عداس، فقال لها ورقة: والله، يا بنت أخي، ما أدري لعل صاحبك هو الرسول الذي ينتظر أهل الكتاب، الذي يجدونه مكتوباً عندهم، وأقسم بالله لئن كان
стр. 9370
هو، ثم أظهر دعاءه، وأنا حي، لأبلين الله من نفسي في طاعة رسول الله ﷺ وحسن مؤازرته، فمات ورقة على نصرانيته.
وكانت خديجة قد ذكرت لورقة ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب يعني بحيرى، وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه، فقال ورقة: إن كان هذا حقاً يا خديجة، إن محمداً لنبي هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه، فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى؟ وأنشد في ذلك شعراً، منها: من الطويل
أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح
فتاك الذي وجهت يا خير حرة ... بغور وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت ... وهن من الأحمال قعص ذوابح
يخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقاً ... كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح
ويتبعه حيا لؤي جماعةً ... شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره ... فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ... عن أرضك في الأرض الفسيحة سائح
ومما قال ورقة بن نوفل أيضاً: من الطويل
стр. 9371
وإن يك حقاً يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
ومما قال في ذلك أيضاً: من البسيط
يا للرجال لصرف الدهر والقدر ... وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها ... وما لها بخفي الغيب من خبر
جاءت لتسألني عنه لأخبرها ... أمراً أراه سيأتي الناس من أخر
فخبرتني بأمر قد سمعت به ... فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره ... جبريل أنك مبعوث إلى البشر
فقلت عل الذي ترجين ينجره ... له الإله فرجي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله ... عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقاً عجباً ... يقف منه أعالي الجلد والشعر
إني رأيت أمين الله واجهني ... في صورة أكملت من أعظم الصور
ثم استمر فكاد الخوف يذعرني ... مما يسلم ما حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني ... أن سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف أبليك إن أعلنت دعوتهم ... من الجهاد بلا من ولا كدر
ومن حديث آخر: أن رسول الله ﷺ كان يجاور في حراء من كل سنة، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية. والتحنث: التبرر، فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين. فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعاً، أو ما شاء الله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله قال رسول الله ﷺ :
стр. 9372
فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ ما أقول؟ " فضمني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ ما أقول؟ ما أقول ذلك إلا ابتدأ منه أن يعود لمثل ما صنع "، فقال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " إلى " ما لم يعلم " فقرأتها كلها، ثم انتهى وانصرف عني وهببت من نومي كأنما كتبت في قلبي كتاباً، قال: ولم يك من خلق الله شيء أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت: إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لاتحدثن عني قريش بهذا أبداً، لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي فلأقتلنها، فلأستريحن.
قال: فخرجت أريد ذلك حتى كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه حتى شغلني ذلك عما أردت، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف أمامي، ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك؛ ثم انصرف عني، وانصرفت راجعاً حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها. فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فقلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت أعيذك بالله يا أبا القاسم، ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك، وما ذاك يا بن عم؟ لعلك رأيت شيئاً.
قال: قلت لها: نعم، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا بن عم، واثبت فوالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
стр. 9373
ثم قامت، فجمعت عليها ثيابها، وأتت ورقة بن نوفل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ ، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت.
فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما قال ورقة، فسهل ذلك عنه بعض ما هو فيه.
فلما مضى حواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، وبدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة، فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ ، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصراً يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله، وقد زاده ذلك من ورقة ثباتاً، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الغم.
ومن حديث: أن الله بعث محمداً ﷺ رسولاً على رأس خمس سنين من بناء الكعبة.
فكان أول شيء اختصه الله به من النبوة والكرامة رؤيا كان يراها، فقص ذلك على زوجته خديجة، فقالت له: أبشر، فوالله، لا يفعل الله بك إلا خيراً.
فكان رسول الله ﷺ قد ترك كثيراً مما كانت عليه قريش تفعل بآلهتهم، وتنزه عنه.
فبينما رسول الله ﷺ كما بلغنا، والله أعلم - ذات يوم في حراء، كان خرج إليه فاراً كراهية أن يفعل بآلهتهم كما كانوا يفعلون، وقد خرجت قريش لتعظيم بعض آلهتهم، فبينما رسول الله ﷺ في حراء يتمشى إذ نزل عليه جبريل، فدنا منه، فخاغه رسول الله ﷺ مخافة شديدة، فوضع جبريل يده على صدره وبين كتفيه، فقال: اللهم احطط وزره، واشرح صدره، وطهر قلبه، يا محمد، أبشر، فإنك نبي هذه الأمة، اقرأ، قال له نبي الله ﷺ وهو خائف يرتعد: ما قرأت كتاباً قط، ولا أحسنه، وما أكتب، وما أقرأ، فأخذه
стр. 9374
جبريل، فغته غتاً شديداً، فقال: اقرأ، فقال نبي الله ﷺ : ما أرى شيئاً أقرؤه، وما أقرأ وما أكتب، فقال له جبريل - وأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك -: " اقرأ باسم ربك " إلى " ما لم يعلم " لا تخف يا محمد، فإنك رسول الله، ثم انصرف.
وأقبل على رسول الله ﷺ همه، فقال: كيف أصنع؟ وكيف أقول لقومي، ثم قام، وهو خائف.
فأتاه جبريل من أمامه في صورة نفسه، فأبصر رسول الله ﷺ أمراً عظيماً ملأ صدره، فقال له جبريل: لا تخف يا محمد، جبريل، جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله، فأيقن بكرامة الله، فإنك رسول الله، ثم انصرف جبريل.
وأقبل النبي ﷺ راجعاً، فلما انتهى إلى خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه، فأفزعها ذلك، فجعلت ﵂ تمسح عن وجهه ﷺ وتقول: يا بن عبد الله، لقد أصابك اليوم أمر أفزعك، يا بن عبد الله، لعله كبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم.
وكان رسول الله ﷺ قد سمع الصوت مراراً، وأبصر الضوء، وسمع البشرى، فإذا سمع بذلك بأرض الفلاة أقبل مذعوراً، فقص ذلك على خديجة.
فلما رأت خديجة أنه لا يحير إليها شيئاً أشفقت، فقالت: يا بن عبد الله، مالك لا تكلم؟ قال: يا خديجة أرأيت الذي كنت أخبرتك أني أرى في المنام، والصوت الذي كنت أسمع في البقظة، والصوت الذي كنت أهال منه؟ فإنه جبريل قد استعلن لي، وكلمني، وأقرأني كلاماً فزعت منه، ثم عاد إلي فبشرني، وأخبرني أنني نبي هذه الأمة، وأقبلت راجعاً، فمررت على شجر وحجارة وهن يسجدن لي، فقلن: السلام عليك يا رسول الله.
стр. 9375
فقالت خديجة: أبشر، فوالله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيراً، وأشهد أنك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به قبل أن أتزوجك ناصح غلامي وبحيرى الراهب، وأمراني أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة.
فلم تزل عن نبي الله ﷺ حتى طعم، وضحك، ثم خرجت إلى الراهب، وكان قريباً من مكة، فلما دنت منه، وعرفها قال لها: ما بالك يا سيدة نساء قريش؟ وكذلك كانت تسمى، فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل.
قال الراهب: سبحان الله ربنا القدوس، ما بال جبريل تذكرينه يا سيدة نساء قريش في هذه الفلاة التي إنما يعبد أهلها الأوثان؟ قالت: أنشدك بنصرانيتك ومسيحك لتخبرني عنه بعلمك فيه.
قال لها الراهب: يا سيدة نساء قريش، ذلك أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله الذي يرسله إليهم، وهو صاحب الرسل وصاحب موسى وعيسى بن مريم.
قازدادت يقيناً، وعرفت أن الله قد أهدى لمحمد ﷺ أفضل الكرامة.
ثم أقبلت حتى أتت عبداً لعتبة بن ربيعة نصرانياً من أهل نينوى، يقال له عداس، قالت له: أذكرك الله يا عداس إلا حدثني عن جبريل بما تجد عندك في الكتب.
فقال لها عداس: قدوس ربنا، وما شأن جبريل تذكرينه ياسيدة نساء قريش بهذه الفلاة التي إنما يعبد أهلها الأوثان؟ قالت: أنشدك الله بنصرانيتك إلا حدثتني عنه بعلمك.
قال: قد ذكرتني بعظيم، فإن جبريل عبد الله ورسوله وأمينه الذي يبعثه إلى الرسل، وهو صاحب المرسلين كلهم، وهو الذي كان مع موسى بين يدي فرعون، وكان معه حين فلق البحر، وكان معه إذ كلمه ربه بطور سيناء، وكان معه في كل موطن من تلك المواطن كلها، وهو صاحب عيسى بن مريم الذي أيده به.
стр. 9376
ثم قامت من عنده فأتت عماً لها شيخاً، يقال له ورقة بن نوفل نصرانياً، فقالت له: أذكرك الله يا بن عم، والرحم بيني وبينك، لما حدثتني عن جبريل ما هو.
قال: قدوس ربنا الأعلى، مهلاً ياخديجة، لاتذكري جبريل، ولست من أهل ذكره.
قالت: أذكرك الله يا بن عم، لما حدثتني عنه، فإني أرجو أن أكون قد كنت من أهل ذكره.
قال: ما أنا بمخبرك عنه لما حدثتني ما أذكرك، فإنك في بلد لا يذكر فيه، ولا يدرون ما هو.
قلت: فلا عليك إن ذكرتك لتكتمن علي، والصدق لي عماً أسألك عنه؟ فقال: نعم.
قالت: فإن ابن عبد الله ذكر لي وهو صادق، أحلف بالله ما كذب ولا كذب أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه رسول هذه الأمة، وأقرأه آياتٍ أرسل الله بها إليه.
فذعر ورقة وقال: إن كان جبريل قد استقرت قدماه اليوم على الأرض، لقد نزل على خير أهل الأرض، وما نزل إلا إلى نبي، وهو صاحب الأنبياء.
قال: فأرسلني إلي ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله وأحدثه، فإني أخاف أن يكون غير جبريل، فإن بعض الشياطين يتشبه بغير صورته ليضل به بني آدم ويفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل مدلهاً مجنوناً، وأنا خائف على صاحبك أن يكون كذلك.
فقامت وهي واثقة بالله ألا يفعل بصاحبها إلا خيراً، فرجعت إلى النبي ﷺ ، وقد نزل جبريل، فأنبأه بما تكلم به ورقة ومن تخيف الشياطين، فأنزل الله : " ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون " إلى " بأيكم المفتون ": المجنون.
стр. 9377
وقد كانت قريش إذا سمعوا بشأن محمد بما ذكر لهم الراهب وعداس قالوا: فلعله مجنون، وخاضوا في ذلك، فوافق ذلك قول ورقة بن نوفل، ففي ذلك أنزل الله : " فستبصر ويبصرون بأيكم الفتون ".
فلما رجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ أخبرته بالذي ذكر ورقة.
فقال لها نبي الله ﷺ : كلا والذي اختصني بالنبوة ما بي جنون، وإنه لجبريل أتاني، فأخبرني بالذي خاضت فيه قريش وبقول ورقة، فأقرأ نبي الله ﷺ على خديجة هذه الآيات.
فقالت: الحمد لله كثيراً، قد زادني هذا يقيناً مع ما كنت فيه من اليقين، ثم قالت له: أحب أن تلقى ورقة، فتخبره بهذه الآيات لعل الله يقبل بقلبه، فإنه رجل قد أعطي علماً، وهو يقرأ الكتب.
فأتاه، فلما أبصره ورقة رأى له هيبة وكمالاً لم يكن يراه قبل ذلك.
فقال له ورقة: يا بن أخي، حدثني: ما رأيت؟ وما قيل لك؟ فإني أرى لك هيبة لم أكن أراها، ولا أراك إلا صادقاً، فحدثني عن الذي أتاك، في نور أتاك أو في ظلمة؟ وصف لي صفته، فإنه نعت لي، ولن يخفى علي، أهو هو أو غيره، إن شاء الله.
فأخبره نبي الله ﷺ بصفة جبريل، وبما رأى من هيبة.
فقال له ورقة: أشهد أن هذا جبريل، فحدثني ما قال لك؟ فأخبره كيف وضع يده على صدره وبين كتفيه؛ فازداد ورقة يقيناً، وأقرأ عليه الآيات التي أقرأه جبريل، وقرأ: " ن والقلم ".
فقال له ورقة: أشهد أن هذا كلام الله، فهل أمرك بشيء تبلغه قومك؟ فقال له: لا.
стр. 9378
فقال له ورقة: أمرك أمر نبوة، فإن أدرك زمانك أتبعك، أما والذي نفس ورقة بيده إن أعلنت ودعوت وأنا حي لأبلين لله في نصرتك من الصدق وحسن المودة، فأبشر يا بن عبد المطلب بما بشرك الله به.
وفشا قول ورقة في قريش، فشق ذلك على قريش، وألقى الشيطان في قلوبهم أن قول هذا الرجل فساد لأمركم، وهلاك لدينكم، فكيف ترضونه وهو من فقرائكم وأصغركم؟ واحتبس جبريل على نبي الله ﷺ بعد ذلك ما شاء الله.
فقالت قريش: ما نرى محمداً أحدث شيئاً بعد، ولو كان من الله لتتابع الحديث كما بلغنا أنه كان يفعل من كان قبله، فقد ودعه الذي كان يأتيه وقلاه.
فأتاه جبريل عند ذلك، فقال: إن الله أنزل عليك يا محمد: " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى " ففرغ من السورة كلها ومن " ألم نشرح لك صدرك "، فذكره نعمته عليه، ثم انصرف جبريل.
وعن جابر قال: قيل: يا رسول الله، ورقة بن نوفل كان يستقبل الكعبة في الجاهلية ويقول: إلهي إله زيد، وديني دين زيد، ثم يسجد. فقال رسول الله ﷺ : لقد رأيته على نهر في بطنان الجنة، عليه حلة من سندس، ورأيت خديجة على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب، لاسخب فيه ولانصب.
وعن جابر قال: سئل النبي ﷺ عن أبي طالب، هل نفعته نبوتك؟ نعم، أخرجته من غمرة جهنم إلى ضحضاح منها.
стр. 9379
وسئل عن خديجة أنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن، فقال: أبصرتها في الجنة في بيت من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب.
وسئل عن ورقة بن نوفل، فقال: أبصرته في بطنان الجنة، عليه السندس.
وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال: يبعث أمةً وحده بيني وبين عيسى.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني رأيت له جنة أو جنتين.
وعن عائشة: أن خديجة سألت رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل، فقال: قد رأيته في المنام، فرأيت عليه ثياب بياضٍ، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه بياض.
قال عروة: كان بلال لجارية من بني جمح بن عمرو، وكانوا يعذبونه برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء ليشرك بالله، فيقول: أحد، أحد، فيمر عليه ورقة بن نوفل، وهو على ذلك، فيقول: أحد، أحد، والله لئن قتلتموه لأتخذنه حناناً، كأنه يقول: لأتمسحن به، وقال ورقة في ذلك: من البسيط
لقد نصحت لأقوامٍ وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدون إلهاً غير خالقكم ... فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
سبحان ذي العرش سبحاناً يعادله ... رب البرية فرد واحد صمد
стр. 9380
سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به ... وقبل سبحه الجودي والجمد
مسخرٌ كل من تحت السماء له ... لا ينبغي أن يساوي ملكه أحد
لاشيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمزٍ يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عادٌ فما خلدوا
ولا سليمان إذ دان الشعوب له ... الإنس والجن تجري بينها البرد
وعن يحيى بن صيفي قال: قال رسول الله ﷺ :
من زلفت إليه يد فإن عليه من الحق ما يجزى بها، فإن لم يفعل فليظهر الثناء، فإن لم يفعل فقد كفر النعمة، أما سمعت قول ورقة بن نوفل: من الكامل
ارفع ضعيفك لا يحل بك ضعفه ... يوماً فتدركه العواقب قد نما
يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: قال زيد بن عمرو: من الوافر
عزلت الجن والجنان عني ... كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا أطمي بني طسمٍ أدير
стр. 9381
ولا غنماً أدين وكان رباً ... لنا في الدهر إذ حلمي صغير
أرباً واحداً أم ألف ربٍّ ... أدين إذا تقسمت الأمور
ألم تعلم بأن الله أفنى ... رجالاً كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قومٍ ... فيربو منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوماً ... كما يتروح الغصن المطير
فقال ورقة بن نوفل لزيد بن عمرو: من الطويل
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنوراً من النار حامياً
بدينك رباً ليس ربٌ كمثله ... وتركك جنان الجبال كما هيا
أقول إذا جاوزت أرضاً مخوفةً ... حنانيك لا تظهر علي الأعاديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا
أدين لربٍّ يستجيب ولا أرى ... أدين لمن لا يسمع الدهر داعياً
أقول إذا صليت في كل بيعةٍ ... تباركت قد أكثرت باسمك داعيا
يقول: خلقت خلقاً كثيراً يدعون باسمك.
وريزة بن محمد بن وريزة
أبو هاشم الغساني الحمصي قدم دمشق.
حدث عن مؤمل بن يهاب بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار.
стр. 9382
أنشد وريزة لمحمد بن بكير من المنسرح
يا ساعة القبر أين زواري ... إذا تفردت بين أحجاري
يهجر ذكري ويحتمى وطني ... وتنقضي مدتي وآثاري
يا سفر الموت أنت مرتقبٌ ... إليك أقضي وجوه أسفاري
توفي وريزة بدمشق سنة إحدى وستين ومئتين.
وزير بن صبيح
أبو روح الثقفي من دمشق.
حدث عن يونس بن حلبس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من رزقه وأجله وعمله وأثره ومضجعه ".
وبه عن النبي ﷺ : في قول الله : " كل يومٍ هو في شأن "، قال: " من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين ".
وصبيح: بفتح الصاد وكسر الباء.
стр. 9383
وزبر بن القاسم بن وزير
أبو القاسم السلمي الجبيلي من أهل جبيل.
حدث بجبيل عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي بسنده إلى ركب المصري قال: قال رسول الله ﷺ : " طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنة، وأنفق مالاً جمعه من غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله ".
وزير بن محمد بن الحكم
أبو العباس حدث عن عمار بن مطر العنبري بسنده إلى أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، في الركعة الآخرة في صلاة الغداة قال: " اللهم أنج المستضعفين من عبادك، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعباس بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين مثل سني يوسف، اللهم العن فلاناً وفلاناً - بأسمائهم - فأنزل الله ﵎: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
توفي وزير بن محمد سنة خمس وستين ومئتين.
стр. 9384
وزير بن مسافر الجرشي
دمشقي.
أخبر عن جدته أم أبيه أنها سمعت أبا الدرداء يقول: تدفن في حواشي قبور المسلمين فإن ولدها لباقٍ وحسابها على الله .
قال أبو بكر:
هذه النصرانية تموت حبلى من المسلم، ويجعل وجهها إلى دبر القبلة لأن الولد في بطن أمه يكون وجهه إلى ظهر أمه.
وصيف بن عبد الله
أبو علي الرومي الحافظ الأشروسي حدث عن أبي يعقوب بن إسحاق بن العنبر بسنده إلى ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن آتي البيت فأقبل أسفل الأسكفة، فقال: " قبل قدمي أمك فقد وفيت بنذرك ".
وحدث عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن زياد بسنده إلى عائشة عن النبي ﷺ قال: " إن من الشعر حكمة ".
وحدث عن سليمان بن سيف الحراني بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، قولوا: الثبات الثبات ولا قوة إلا بالله ".
وحدث عن أبي بسر داود بن سليمان بسنده إلى أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار بذلك اليوم سبعين خريفاً ".
стр. 9385
وضاح بن خيثمة
قيل: إنه أحد أصحاب عمر بن عبد العزيز.
قال وضاح: أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، قال: فإني بإفريقية، قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي، فأخذت، فأتي بي، فقال لي: وضاح، فكيف وضاح؟ قال: أما والله لطالما سألت الله أن يمكنني منك، قلت: وأنا والله لطالما استعذت بالله من شرك، قال: فوالله ما أعاذك، والله لأقتلنك ثم والله لأقتلنك، والله لو سابقني ملك الموت إلى قبض روحك لسبقته، السيف والنطع! قال: فجيء بالنطع، فأقعدت فيه، وكتفت، وقام قائم على رأسي بسيف مشهور، وأقيمت الصلاة، فخرج إلى الصلاة، فلما خر ساجداً أخذته سيوف الجند، فقتل، وجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه، وقال: انطلق.
الوضين بن عطاء بن كنانة بن عبد الله بن مصدع
أبو كنانة الخزاعي، ويقال: أبو عبد الله أصله من بانياس، وسكن قرية كفر سوسية.
حدث عن سالم عن أبيه: أنه كان يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
وفي رواية: أنه كان يفصل بين شفعه ووتره من صلاة الليل بتسليمة، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك بتسليمة.
следующие страницы →