← Общие книги

Общие книги · id 31209

نظرة في مفهوم الإرهاب والموقف منه في الإسلام

عبد الرحمن المطرودي

Полный текст (71 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[تقديم] تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. . . أما بعد: فإن ما حدث ويحدث في العالم من ظواهر وتغيرات اجتماعية، ومستجدات وأحداث، تحتاج من المجتمع البشري إلى دراسة وتمحيص لتمييز الغث من السمين. وهذه الدراسة يجب أن تكون علمية تعتمد على الأسس والأساليب والمعايير العلمية لتحقيق ذلك المستوى من التمييز، فلا يكون النظر إليها نظرا مجددا يدفعه الحماسة أو المدافعة عن وجهة النظر، وهذا بلا شك يحتاج إلى روية وتجرد وعدل في جانب الباحث، وإلى تحديد وتحرير وتعريف علمي دقيق لموضوع الدرس والمناقشة. وفي هذا الإطار، فإن الإرهاب - بمفهوم الإفساد في الأرض، ونشر الرعب والخوف السلبي بشتى صوره وأشكاله - من الأحداث التي رزء بها إنسان هذا الكون، وهو بهذا المفهوم قديم، نجد الإشارة إليه في الحوار الرباني مع الملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] . فأشارت الملائكة إلى الفساد في الأرض وسفك الدماء وهما من الإرهاب في مفهومه السلبي، ولكن العليم الخبير قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] . فالإرهاب بذلك المفهوم ليس له وطن ولا دين، وليس حديث النشأة، ومعاناة الإنسان منه ليست للتو، إنما هي سلسلة وتاريخ طويل من الأحداث. لذا جاءت معالجة هذا الأمر في الديانات السماوية وخاتمتها ديننا الإسلامي الذي أوفى هذا الموضوع حقه في المعالجة الوقائية والعلاجية.

стр. 2

إلا أنه عندما حصلت النكسة الفكرية في الفكر الإنساني في بعض المجتمعات البشرية - وذلك بفصل الدين عن الدولة - تأثرت بذلك سلبا كثير من الأحكام والموجهات والضوابط والمعايير المرتبطة بالدين وخاصة تلك التي تضبط سلوك الإنسان وتصرفاته. ونظرا إلى اختلاف المصادر الفكرية والبيئات الاجتماعية والموروثات الأدبية، فقد اختلفت نظرة المجتمعات البشرية إلى تلك الأحكام والمسائل، ومنها الإرهاب الذي عانى منه الإنسان قديما، وازداد عناؤه منه حديثا، فكان تكثيف التوجه والاهتمام بمعالجته ومناقشته في المؤسسات الحكومية والهيئات والمنظمات الدولية، وفي المؤسسات العلمية والجامعات ومراكز البحث العلمي. وفي هذا السياق تلقيت دعوة للمشاركة في المؤتمر الذي نظمه كرسي الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية في جامعة لندن خلال المدة ٢٠- ٢١ شعبان ١٤٢٤ هـ الموافق له ١٦-١٧ أكتوبر ٢٠٠٣ م. فأعددت هذا البحث وعنوانه (وجهة نظر في مفهوم الإرهاب والموقف منه في الإسلام) وقسمته أربعة فصول. وبعد استكمال البحث رأيت أن أسمه ب (نظرة في مفهوم الإرهاب والموقف منه في الإسلام) ليتفق مع مضمون مادة البحث. ولما لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية التابع لمؤسسة الملك فيصل الخيرية من جهود مباركة في مجال البحث والنشر العلمي، فقد تولى هذا البحث واعتنى بنشره. مؤملا أن يجد فيه القارئ ما يفيد، وراجيا أن أتلقى ما يسهم في تطويره. نسأل الله أن يحفظنا جميعا بحفظه، وأن يحفظ ولاة أمرنا وعلماءنا، وأن يديم على بلادنا الأمن والاستقرار، وأن يرد كيد الكائدين ومكر الماكرين في نحورهم. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل. عبد الرحمن بن سليمان المطرودي

стр. 3

[الفصل الأول مفهوم الإرهاب وتعريفه] [توطئة] الفصل الأول مفهوم الإرهاب وتعريفه توطئة: المنهج العلمي يقتضي عند تعريف أي لفظ عام يستخدم في الدلالة على عمل أو فعل معين، أن يكون ذلك التعريف معبرا عن حقيقة ذلك الفعل، يتمثل فيه تحديده ووصفه، فلا يخرج منه ما يجب أن يكون فيه، ولا يدخل فيه ما ليس منه، بحيث لو أسقط ذلك المصطلح أو اللفظ المستخدم على ذلك الفعل، لأمكن تحديده بشكل مقيس قياسا علميا يطابق الواقع ويدل عليه، وهذا مما يمكن من التعامل معه وفقا لأحكامه وقوانينه، وتحديد أطره وأبعاده ودراستها والتعامل معها بما يناسبها. وحيث إن هذا البحث يتحدث عن موضوع شائك معقد وهو الإرهاب، فلا بد من تحديده وتعريفه بشكل دقيق حتى لا تحمل المصطلحات معاني لا تدخل ضمن نطاقها. وتحقيقا لهذا، فقد حاول هذا البحث - من خلال قراءات متعددة في موضوعه - تحديد بعض الألفاظ والتعريفات المتعلقة بها مع الربط بين الواقع وتلك المعاني والتعريفات المتعلقة بموضوع الإرهاب، وقد تبين وجود مفارقات بين واقع الأعمال التي توصف بالإرهاب، والمعاني التي تعنيها كلمة إرهاب. وقد تجلت المفارقات في الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة إرهاب؛ حيث جاء تفسيرها الدال عليه مضمون تلك الآيات لا يلتقي مع استخدام كلمة إرهاب في المصطلحات الحديثة. وترجع تلك المفارقات إلى اعتبارات كثيرة، منها: ١ - إن وصف العمل نسبي، فما يراه مجتمع، أو تجيزه ثقافة، قد لا يكون كذلك في عرف مجتمع آخر، والعكس صحيح، ولهذا فإن المصالح العامة للمجتمعات والدول تتأثر بهذا سلبا وإيجابا، فما تراه دولة حقا مشروعا وسائغا عمله تحقيقا لمصالحها قد لا تراه كذلك دولة أو مجتمع آخر. ٢ - إن المقاييس المادية للخير والشر تختلف في ثقافات الأمم وحساباتها بقدر ما ينالها

стр. 4

من نفع أو ضرر، أو بقدر ما يؤثر في حياتها من أمور وحوادث سلبا أو إيجابا. والموقف من أفعال الناس من المنظور المادي يتأثر بما يطرأ على العناصر المادية من سلب أو إيجاب. أما في المنظور المعنوي، فهذا متعلق بالحكم الشرعي. ٣ - إن الخلط بين المفاهيم والمقاصد النفعية قاد بعض الباحثين إلى ربط بعض المصطلحات بالمفهوم العام للإرهاب، فلا يكون حديث عن الإرهاب إلا ويأتي الحديث عن التطرف، والغلو، والأصولية، والعنف، إما جهلا بحقيقة تلك المصطلحات والفروق بينها، أو بقصد الربط في المقاصد أو في المعتقدات مع عدم وجوده، بل إن البعض يجعل بعض تلك المصطلحات مترادفة، وهذا بلا شك ربط غير وجيه لاختلاف المفاهيم والدلالات والمقاصد لكل منها. وهذا الخلط شوه المفهوم الحقيقي لكل واحد منها، وعتم على علاقته بالآخر، فاختلطت المعاني وتداخلت، فلا يعلم أيهما السابق أو اللاحق، ولا يعلم أيهما السبب وأيهما النتيجة، بل إن البعض من الناس قد يدافع عن بعض تلك المصطلحات؛ لأن دلالتها في لغته وثقافته أو مفهومه أو في رأيه سليمة، ونظرا إلى عدم وضوح الصورة والتداخل في المفاهيم والاستعمالات جاءت مواقف بعض المجتمعات غير واضحة وغير ثابتة، وخاصة عند عامة الناس وعند وسائل الإعلام، فاتهمت مجتمعات بالأصولية وأخرى بالتطرف، واتهمت دول بإيواء الأصوليين ودعم الأصولية، وهي في ثقافة ذلك المجتمع وعرفه لا علاقة لها بالمفهوم السلبي عند الآخرين. ولهذا ضاعت الحقائق في خضم الاختلاف في المفاهيم والمقاصد لعدم تحديد المصطلحات وقصر استخدامها على مرادها. ٤ - إن استخدام مصطلح الإرهاب بموجب مادة هذه الكلمة اللغوية للدلالة على عمل إجرامي فيه تقليل من الجريمة وأبعادها، إذ إن معنى الإرهاب في قواميس اللغة لا يمثل الوصف الحقيقي لحجم الجرم ومستوى الجريمة، فهو يقتصر على معنى الخوف والتخويف وما اشتق منه، وهذا فيه عدم مطابقة للواقع من جانبه المادي والقانوني؛ إذ قد يكون المفهوم اللغوي للإرهاب نتيجة لذلك الفعل فقط، ولكنه لا يمثله من حيث

стр. 5

وصف الجرم والدلالة عليه. ٥ - جاءت بعض التعريفات الاصطلاحية متأثرة بالمعاني اللغوية، والبعض الآخر جاء ليمثل ما يراه المؤلف أو الكاتب دون التفات إلى دلالة اللفظ، ومما تجدر الإشارة إليه أن كل مؤلف أو كاتب سيتأثر بثقافته وموروثة الحضاري، ولهذا قد يظهر على بعض تلك التعريفات المنحى الشخصي أو الموروث الثقافي. وفي الجملة، فإن جوهر مشكلة الخلط في مفهوم الإرهاب يؤثر في الرؤى حول ما يعد نشاطا يستوجب الإدانة، وما يعد كفاحا يستحق الدعم والتشجيع، فأصبحت كلمة الإرهاب من هذه الزاوية محملة بكم هائل من الخلط والتشويش وعدم الوضوح. وقد نتج عن ذلك الخلط والتشويش التداخل وعدم الفصل بين "الأداة" و"الوظيفة" وبين "الوسيلة " و" الهدف ". ولهذا نجد كما هائلا من التعريفات والكتابات والتحليلات التي حاولت تعريف مفهوم الإرهاب وتحديده، ولكن نجد بعضها يركز على الوسيلة، وأخرى على الأداة، وتارة على الهدف أو الوظيفة. [تعريف الإرهاب] [التعريف اللغوي] تعريف الإرهاب: التعريف اللغوي: تبين لنا في التقديم السابق أن الاختلافات تدور حول التعريف الاصطلاحي للإرهاب- كما سيأتي تفصيل ذلك- أما التعريف اللغوي، فمن المعروف أنه يرتبط بميكنة تركيب الكلمة وبنائها وحروفها، ولهذا فإن التعريف اللغوي للإرهاب يكاد يكون واحدا، وإن توسعت بعض اللغات في المترادفات أو المشتقات أو الاستعمال للمعنى العام تارة، أو للمفهوم الخاص تارة أخرى، ولا شك أن الاختلاف والتضييق أو التوسع في التعريف اللغوي يلقي بظلاله على المعنى الاصطلاحي. فالإرهاب في اللغة العربية: رهب: كعلم، رهبة ورهبا، بالضم وبالفتح وبالتحريك، ورهبانا، بالضم ويحرك: خاف. وأرهبه واسترهبه: أخافه (١) . والراهب: واحد رهبان في الديانة المسيحية. وهو اسم فاعل من رهب: إذا خاف،

стр. 6

أي: الخوف من الله . وعليه؛ فالإرهاب في اللغة هو الإفزاع والإخافة، يقال: أرهبه، ورهبه أي أخافه (١) . قال عنترة: لولا الذي ترهب الأملاك قدرته ... جعلت من جوادي قبة الفلك ويقول الأعشى: وبلدة يرهب الجواب دلجتها ... حتى تراه عليها يبتغي الشيعا قال أبو القاسم الجنيد، الخوف: توقع العقوبة، وقيل: الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف، وقيل: الخوف: هروب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. وبالنظر فيما سبق من معاني مادة "رهب " وبعض ما تفرع عنها يتضح أنها تعني: الخوف، وهو ما يعني الإمعان في الهرب من المكروه، وقد يكون هذا الهرب بالكف عن فعل ما ينتج عنه مكروه أو ببذل الأسباب التي تمنع حدوثه، ومنه إمعان الإنسان في العبادة والزهد في الدنيا خوفا من الله وطمعا في رضاه. وأما أرهب، فتعني: قصد التخويف والإفزاع والترويع، من قوة تفوق قوة ذات المخوف أو المروع، فهو حالة من تسليط عناصر خارجية تتسبب في ضعف داخلي يعتري الإنسان، فيجبره على التخلي عن شيء من اختصاصه، أو عن شيء يحبه. ولقد أقر مجمع اللغة العربية في القاهرة استخدام كلمة الإرهاب بوصفه مصطلحا حديثا في اللغة العربية أساسه (رهب) بمعنى خاف، وأوضح المجمع: (أن الإرهابيين وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف لتحقيق أهدافهم السياسية) (٢) . ومعنى الإرهاب في اللغات الأخرى لا يبعد عن معناه في اللغة العربية؛ ففي اللغة الإنجليزية مثلا كلمة Terrorism التي تعني الإرهاب، وهي مشتقة من كلمة Terror أي تخويف أو Terrorize وكلها تعني الخوف ومشتقاته.

стр. 7

وعرف قاموس أكسفورد الإرهاب بأنه: (استخدام العنف والتخويف بصفة خاصة لتحقيق أهداف سياسية) . وعرفه قاموس روبير الفرنسي بأنه: (الاستعمال المنظم لوسائل استثنائية للعنف من أجل تحقيق هدف سياسي؛ مثل الاستيلاء، أو المحافظة على السلطة، أو ممارسة السلطة. . .) . وبهذا يتبين أن الإرهاب يعني: خلق حالة من الخوف عند الإنسان، سواء كان الفعل موجها إليه مباشرة أو موجها إلى غيره، ولكنه يتأثر به. [التعريف الاصطلاحي] التعريف الاصطلاحي: التعريف الاصطلاحي للإرهاب هو محل الاختلاف وتباين الآراء ووجهات النظر، وذلك للاعتبارات التي سبق ذكرها، ولاعتبارات تاريخية، ولاختلاف الأهداف والتوجهات وسياسات الدول ومصالحها، تلك التي أدت إلى الاختلاف والتباين على أرض الواقع، فكثرت وتنوعت التعريفات إلى الدرجة التي وجد معها الباحثون في مجال الإرهاب أن عدد التعريفات الاصطلاحية التي ظهرت في المؤلفات التي اهتمت بظاهرة الإرهاب تزيد عن مائة تعريف، وفيها تفاوت وتباين وزيادة واتفاق. " فالبعض يركز في تعريف الإرهاب على " الأسلوب " أو "الطريقة" فيرون أن الإرهاب ليس فلسفة ولا حركة، وإنما أسلوب أو طريقة لغرض تحقيق طموح سياسي لجماعة منعزلة ومحبطة، تدرك أن لا أمل لها في الوصول إلى ما تريده إلا عن طريق تخويف الأغلبية ومؤسساتها عن طريق إشاعة الرعب والتضليل " (١) بينما يركز آخرون على الأهداف أو الوسائل أو الأسباب. وهكذا كل يركز على ما يدخل في نطاق اهتمامه. ورغم الصعوبة القائمة في التعريف الاصطلاحي للإرهاب، فإن الباحثين ما زالوا يتلمسون طريقهم للوصول إلى تعريف يتفق عليه، ويكون وسيلة لمعالجة جماعية. وفيما يلي سأذكر بعض التعريفات الاصطلاحية للإرهاب، أملا في أن يسدد بعضها بعضا، فما ينقص في تعريف تكملة التعريفات الأخرى. فضلا عن أن تعدد تلك

стр. 8

التعريفات يدل على الاهتمام الذي وجه إلى هذه الظاهرة في العصر الحديث، حيث ابتليت بها كثير من المجتمعات الإنسانية، وفيما يأتي أبرز تلك التعريفات: - عرفه عبد الستار الطويلة: "محاولة فرد أو مجموعة من الأفراد أو الجماعات، فرض رأي أو فكر أو مذهب أو دين أو موقف معين من قضية من القضايا، بالقوة والأساليب العنيفة، على أناس أو شعوب أو دول، بدلا من اللجوء إلى الحوار والوسائل المشروعة الحضارية، وهذه الجماعات أو الأفراد تحاول فرض هذه الأفكار بالقوة لأنها تعتبر نفسها على صواب والأغلبية مهما كانت نسبتها على ضلال، وتعطي نفسها وضع الوصاية عليها تحت أي مبرر" (١) . - وعرفت الموسوعة السياسية الإرهاب بأنه: "استخدام العنف- غير القانوني- أو التهديد به أو بأشكاله المختلفة؛ كالاغتيال والتشويه والتعذيب والتخريب والنسف وغيره بغية تحقيق هدف سياسي معين. . . وبشكل عام استخدام الإكراه لإخضاع طرف مناوئ لمشيئة الجهة الإرهابية" (٢) . - وعرفه حسين الشريف: "منهج أو نظام، تحاول من خلاله مجموعة منظمة، أو طرف معين، جذب الانتباه إلى أهدافها، أو تجبر الطرف الآخر بتقديم تنازلات وفاء بأهدافها، بواسطة الاستخدام المنظم والمقصود للعنف " (٣) . (والإرهابي النمطي هو الشخص المدرب من أجل تنفيذ أعمال العنف المقررة بواسطة المنظمة أو الجماعة أو الجهة التي يتبعها، بحيث إنه في حال القبض على هذا النوع من الإرهابيين النمطيين، فإنهم يتحدثون أثناء محاكمتهم ليس من أجل تبرئة أنفسهم، بل لمحاولة نشر الأفكار السياسية لمنظمتهم، ويعدون ذلك هدفا من أهداف إرهابهم) . - وعرف المقنن المصري الإرهاب كما يأتي:

стр. 9

نصت المادة (٨٦ع) المضافة إلى القانون ٩٧ لسنة ١٩٩٢ م على ما يأتي: "يقصد بالإرهاب في تطبيق أحكام هذا القانون كل استخدام للقوة أو العنف أو الترويع، يلجأ إليه الجاني تنفيذا لمشروع إجرامي، فردي أو جماعي، بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم، أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة، أو بالاتصالات أو المواصلات أو بالأموال أو بالمباني، أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها، أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح " (١) . - وجاء تعريف الإرهاب في نظام مجلس الشعب المصري كما يأتي: " أي فعل يصدر من فرد أو مجموعة أفراد ضد فرد أو مجموعة أو ضد المجتمع لأغراض سياسية، أو بصورة أكثر تحديدا، هو استعمال العنف بأشكاله المادية وغير المادية للتأثير على الأفراد أو المجموعات أو الحكومات، وخلق مناخ من الاضطرابات وعدم الأمن بغية تحقيق هدف معين، لكنه وبصفة عامة يتضمن تأثيرا على المعتقدات أو القيم أو الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية السائدة التي تم التوافق عليها في الدولة، والتي تمثل مصلحة قومية عليا" (٢) . - وعرفه صالح أكرم في بحث قدمه إلى مؤتمر وزراء الداخلية العرب الذي عقد في تونس عام ١٩٨٦ م وعنوانه " تحديد أفضل الوسائل والأساليب لمكافحة الإرهاب " بأنه "عبارة عن العمليات المادية أو المعنوية التي تحوي نوعا من القهر للآخرين، بغية تحقيق غاية معينة" (٣) . - وعرفه تركي ظاهر بأنه: "الرعب الذي يلجأ إليه مجموعة أو فرد، كالقتل والتخريب" (٤) . - وعرفه أحمد طه خلف الله بأنه: " تجاوز مرحلة التطرف إلى مرحلة أخرى تنطوي على فرض الرأي أو المعتقدات بالقوة، أو بمعنى آخر فإنه إذا كان التطرف يقوم على العنف الفكري فإن الإرهاب

стр. 10

يعتمد على العنف المادي، ومن وجهة نظر جماعات الإرهاب فإن كل شيء في المجتمع باطل ويجب تغييره، وأنه لا سبيل لهذا التغيير إلا بقوة السلاح وممارسة الإرهاب في المجتمع " (١) . - وعرفه المجمع الفقهي الإسلامي بأنه: "العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيا على الإنسان: دينه ودمه وعقله وماله وعرضه "، كما أكد العلماء أن تعريف الإرهاب "يشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد". . . ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر (٢) . - وعرفه أحمد جلال عز الدين بأنه: "عنف منظم ومتصل بقصد تحقيق أهداف سياسية" (٣) . - أما محمد الحفناوي، فيرى أنه "إجبار الآخرين من خلال الترويع والتهديد بالتعنيف الجسدي أو القهر الفكري لاتخاذ موقف إيجابي يجافي الحق الإنساني ويلغيه أمام فكر الآخرين ومعتقداتهم، وأسلوبه المغالاة الشديدة وإلغاء إرادة الآخرين ومصادرة حقوقهم " (٤) . - ونقل عادل القيار أن الكاتب الفرنسي (جان بيار ديرينيك) عرفه بقوله: إن الإرهاب يرتكز على الاستعمال المطلق للعنف، ببث الرعب باعتباره وسيلة عمل عشوائية وعاجزة وبالتالي عقيمة، نظرا إلى أنها تهدف إلى القضاء العشوائي على الآخرين الذين لا يملكون عندئذ استعمال نفس السلاح، أي العنف المضاد، وبالتالي الإرهاب المعاكس، ثم الوصول إلى العقم بأبسط وأوضح معانيه (٥) . - وأما الكاتب (جان سرفيه) Jean servier فقد عرف الإرهاب: بكونه سلوكا يجمع في طياته أعمال العنف المرتكبة من قبل فرد أو مجموعة من الأفراد، ضد ضحايا يتم اختيارهم عشوائيا بهدف تأكيد قوة معينة وإرادة خفية ببثها التخويف والرعب الذي ما يلبث أن ينتشر بسرعة وتصيب عدواه كافة أصناف المجتمعات (٦) . وفي هذا التعريف والذي سبقه إشارة إلى أن الإرهاب يولد إرهابا مماثلا، مما يجعله

стр. 11

سهل الانتشار، فتتغلغل عدواه وتتفشى جراثيمه في كافة المجتمعات، أي إن هذا التعريف تحدث عن الربط بين الإرهاب والأسباب التي تدفع إليه. - وفي قاموس أكسفور نجد كلمة إرهاب Terrorism تعني سياسة أو أسلوب يعد لإرهاب المناوئين أو المعارضين لحكومة ما وإفزاعهم. فالإرهابي Terrorist هو الشخص الذي يحاول أن يدعم آراءه بالإكراه أو التهديد أو الترويع (١) . - وفي معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية يعني الإرهاب: "بث الرعب الذي يثير الجسم أو العقل، أي الطريقة التي تحاول بها جماعة منظمة أو حزب أن يحقق أهدافه عن طريق استخدام العنف. وتوجه الأعمال الإرهابية ضد الأشخاص، سواء كانوا أفرادا أو ممثلين للسلطة، ممن يعارضون أهداف هذه الجماعة" (٢) . - وعرفه (جونز برج) Ginsburg بأنه "الاستعمال العمدي للوسائل القادرة على إحداث خطر عام يهدد الحياة أو السلامة الجسدية أو الصحية أو الأموال العامة" (٣) . - كما عرفه (سوتيل) بأنه "العمل الإجرامي المقترف عن طريق الرعب أو العنف، أو الفزع الشديد من أجل تحقيق هدف محدد" (٤) . - ونظر (نومي جال ارو) "Noemi Gal-or" إلى الإرهاب على أنه " طريقة عنيفة أو أسلوب عنيف للمعارضة السياسية، وهو يتكون من العنف والتهديد، وقد يمارس الإرهاب ضد أبرياء أو ضد أهداف لها ارتباط مباشر بالقضية التي يعمل من أجلها الإرهابي " (٥) . - ويرى إريك موريس Erik Morris أن الإرهاب استخدام أو تهديد باستخدام عنف غير عادي أو غير مألوف لتحقيق غايات سياسية، وأفعال الإرهاب عادة ما تكون رمزية لتحقيق تأثير نفسي أكثر منه تأثير مادي. - أما (جنكيز) Jenkins فيعرف الإرهاب بأنه "التهديد بالعنف أو الأعمال الفردية للعنف والذي يهدف أولا إلى إشاعة الخوف والرعب " (٦) .

стр. 12

- أما توماس ثورنتون فيرى بأنه "فعل رمزي يتم لإحداث تأثير سياسي غير معتاد، مستلزما استعمال العنف أو التهديد به " (١) . - أما الإرهاب عند الأمم المتحدة، فيقصد به: أعمال العنف الخطيرة التي تصدر من فرد أو جماعة بقصد تهديد الأشخاص أو التسبب في إصابتهم أو موتهم، سواء كان يعمل بمفرده أو بالاشتراك مع أفراد آخرين، ويوجه ضد الأشخاص أو المنظمات أو المواقع السكنية أو الحكومية أو الدبلوماسية أو وسائل النقل والمواصلات، وضد أفراد الجمهور العام دون تمييز، أو الممتلكات، أو تدمير وسائل النقل والمواصلات بهدف إفساد علاقات الود والصداقة بين الدول، أو بين مواطني الدول المختلفة، أو ابتزاز أو تنازلات معينة من الدول في أي صورة كانت. لذلك فإن التآمر على ارتكاب أو محاولة ارتكاب أو الاشتراك في الارتكاب أو التحريض على ارتكاب الجرائم يشكل جريمة الإرهاب الدولي " (٢) . [التعريف الأمريكي للإرهاب] - التعريف الأمريكي للإرهاب: ورد في التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في أكتوبر سنة ٢٠٠١ م أن الإرهاب يعني: "العنف المتعمد ذو الدوافع السياسية، والذي يرتكب ضد غير المقاتلين، وعادة بغية التأثير على الجمهور، حيث إن غير المقاتلين هم المدنيون، إلى جانب العسكريين غير المسلحين، أو الذين هم في غير مهماتهم وقت تعرضهم للحادثة الإرهابية، أو في الأوقات التي لا توجد فيها حالة حرب أو عداء. أما الإرهاب الدولي، فهو الذي يشترك فيه مواطنون، أو يتم على أرض أكثر من دول واحدة" (٣) (كما أوضح هذا التقرير أنه ليس ثمة تعريف واضح للإرهاب حظي بموافقة عالمية) . وباستعراض التعريفات السابقة للإرهاب يتبين أن القاسم المشترك بينها هو استخدام العنف والقوة والغدر؛ حيث إن الجميع يتفق على أن الإرهاب هو الاستعمال المطلق للعنف والقوة تجاه المدنيين أو الأهداف المدنية، أو العسكريين أو الأهداف العسكرية في غير حال الحرب المعلنة بين طرفين بهدف بث الرعب دون إنذار سابق، وفي أغلب

стр. 13

الحالات نجد أن هذا العنف وسيلة عقيمة وعشوائية وعاجزة عن تحقيق أهدافها، كما أن تلك التعريفات تبين أن الإرهاب يقوم على فكر وتنظير إرهابي يجيز للمنفذين ما يفعلون؛ بل قد يحبذهم فيه ويدفعهم إليه. ولاستكمال صورة تعريف الإرهاب وما يسببه، فإن هناك ثلاثة عناصر من المهم معرفتها؛ وهي: فكر الإرهاب، وإرهاب الفكر، والأعمال الإرهابية، ذلك أن هناك من يخلط بين تلك المفاهيم خلطا أثر في التشخيص ووصف العلاج ونوعه وطريقته. فكر الإرهاب: هو ذلك الفكر المعتل في تصوراته وتفسيراته ومنهاج تحليله وعمله، ويبيح لمن يتبناه استخدم كل وسيلة لتحقيق مقاصده ومآربه. إرهاب الفكر: وهو حالة من فرض الفكر الإرهابي إما بالاستدراج والخداع، وأحيانا بالقوة أو بأي أسلوب آخر من أساليب تطويع الأفكار وتغييرها، وسواء تم هذا التغيير بطريقة تدريجية، أم تم بطريقة سريعة، وذلك في بعض الحالات التي لا تحتمل التأجيل والانتظار. وهذا هو الجانب التنفيذي للفكر الإرهابي في نشره، وحشد الأتباع الذين يمكن استخدامهم في أعمال إرهابية. أعمال الإرهاب: ويقصد بها مجموعة المظاهر والوسائل والأدوات التي تستخدم في أعمال العنف التي يبيحها ويتبناها الفكر الإرهابي لتحقيق مقاصده العدوانية. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام حرص الحركات الإرهابية على الفصل بين المنفذين وجهات التخطيط، ومنظري الفكر الإرهابي في تلك الحركات؛ حتى تضمن تلك الحركات استمرار السرية في أعمالها، فلا يكشف شيء منها عندما يقع أحد منفذي العمليات الإرهابية في يد الجهات الأمنية، فلا يكون لديه معلومات يستطيع الإدلاء بها عن المجموعات الأخرى، أو حتى عن الخطط المستقبلة لهذه الحركات. أما تعريف الإرهاب وفق مادته الواردة في القرآن الكريم، فسيأتي بيانه عند الحديث عن موقف الإسلام من الإرهاب.

стр. 14

[الفصل الثاني الإرهاب في المجتمع البشري جذوره ونشأته] [نشأة الإرهاب] الفصل الثاني الإرهاب في المجتمع البشري، جذوره ونشأته نشأة الإرهاب: يرى كثير من الباحثين والمؤرخين أن الإرهاب ظاهرة قديمة قدم العلاقات الإنسانية على وجه الأرض، فهي ترتبط بوجود علاقات اجتماعية بين بني البشر، وترتبط بوجود الصراع بين الحق والباطل وبن الخير والشر، وتزداد وتنقص حسب اتساع دائرة العلاقات الإنسانية أو تقلصها، وحسب احتدام الصراع بين الخير والشر والحق والباطل، فكلما اتسعت دائرة العلاقات الإنسانية، وازداد الصراع بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، كلما ازدادت هذه الظاهرة وانتشرت في المجتمعات البشرية، كما أن هذه الظاهرة ترتبط بمدى التمسك بمنظومة القيم والأخلاق والتعاليم النبيلة في علاقة عكسية تماما؛ فكلما ازداد تمسك أفراد المجتمع بمنظومة القيم والأخلاق والتعاليم النبيلة كلما قلت هذه الظاهرة في المجتمع، وكلما نقص تمسك أفراد المجتمع بتلك المنظومة كلما ازدادت هذه الظاهرة، "وذلك لأنها ظاهرة سلبية وشاذة وغير سوية"، لا تستقيم ولا تنتظم مع القيم والأخلاق والتعاليم النبيلة، ويعد الظلم وتسلط القوي على الضعيف من أهم ما ينشر الإرهاب ويسببه. وعلى هذا الاعتبار، فإن هذه الظاهرة ليست نشاطا بشريا طارئا أو ظاهرة مفاجئة، بل قديمة قدم الإنسان، فلم يخل زمن من الأزمان، أو عصر من العصور، من شذوذ في تصرفات الإنسان وسلوكه فردا كان أم جماعة، بل وجد من يتمرد على السلطة ويبغي على السلطان، من الناقمين على المجتمع الذي يعيشون فيه، وذلك بالخروج على نظمه وقوانينه، لأسباب شتى وأهداف متعددة، تسوغ لهم- من وجهة نظرهم- ما يقولون وما يفعلون، لذا نجد أن هذه الظاهرة عاشت في أقدم الحضارات في العالم وحتى الآن منذ أقدم حادثة إرهاب ظهرت على وجه الأرض بين ابني آدم قابيل وهابيل، وإلى وقتنا الحاضر، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إذ وجدت هذه الظاهرة في أقدم العلاقات وأعرق الحضارات، وانتشرت في كل زمان ومكان، مع تفاوت في

стр. 15

الدرجة والنوع والهدف والطريقة والأسلوب، حسب طبيعة كل زمان ومكان ونوع العلاقات وتشابك المصالح بين البشر. وقد جاء في بعض آي القرآن الكريم وكتب السيرة والتاريخ ذكر بعض الحوادث التي يمكن احتسابها ضمن منظومة الإرهاب البشري. فأول عنف وعمل إرهابي ظهر على وجه الأرض ما حصل بين ابني آدم؛ إذ قتل قابيل أخيه هابيل بسبب الغيرة والحسد؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ - إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ - فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ - فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١] [المائدة: ٢٧- ٣١] ، فهذه أول حادثة يتمثل فيها أول عمل يحتسب من الإرهاب في مفهومه الواسع. كما أن نبي الرحمة والسلام محمد ﷺ لم يسلم من إرهاب من لم يؤمن برسالته؛ فلم يسلم ومن آمن به واتبعه من الأذى، فتعرضوا لصنوف من العذاب والاضطهاد من قبل قومهم، مما اضطرهم ذلك إلى الهجرة مرتين إلى الحبشة ثم إلى يثرب "المدينة المنورة"، تاركين الأموال والأملاك والديار والأهل والعشيرة في سبيل نشر دعوة الله في الأرض، وبناء الدولة الإسلامية. وبالرغم من أن الإسلام لم يدع إلى قطيعة رحم أو حرب على الناس وسلب ممتلكاتهم، بل هو دين السلام والرحمة والمحبة والأمن والأمان والتعاون بين بني البشر، وعدم البغي والظلم، وعدم الإكراه، حتى في أمر الدين، ومع هذا لم يسلم هذا الدين من ظهور فئات تخالف تلك التعاليم السمحة من تلك الفئات الخارجة عن الدين، والبعد عن رحمته وعدله وأمنه وأمانه ووسطيته. ومن تلك الفئات: - حركة الخوارج التي ظهرت عقب موقعة صفين عام ٣٧ هـ بسبب موقفهم من

стр. 16

التحكيم الذي تم بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وبين معاوية بن أبي سفيان ﵁، إذ كانوا لا يرون التحكيم، فاعتقدوا كفر كل من خالف رأيهم وعذبوهم. - حركة القرامطة، وهم أتباع " قرمط " الذي خالف تعاليم الإسلام، فكان له رأيه الخاص حتى في العبادات، وقد كانت هذه الفرقة من أعنف الفرق، حيث حملت السلاح لحمل الناس على اتباع مذهبهم. هذه بعض الأمثلة التي ظهرت في عصر صدر الإسلام، واستمر بعضها إلى يومنا هذا، ولم يكن هذا في المجتمع الإسلامي فحسب، بل نقل بعض الذين كتبوا عن الديانتين اليهودية والنصرانية أمثلة مما ورد من قصص الإرهاب في الإنجيل والتوراة، سواء ما كان منها بين الديانتين أم بين أهل الديانة الواحدة. تلك كانت إلماحة سريعة عن جذور الإرهاب ونشأته التاريخية. أما في العصر الحديث؛ فقد تنوع الإرهاب في أشكاله وصوره، فتكونت عصابات وحركات منظمة ومسلحة ذات أهداف ومعتقدات ومناهج وأفكار تعلنها للمجتمع الدولي، وترتكب أفظع الجرائم وأشدها، وبالطريقة التي تراها في سبيل تحقيق أهدافها، أو نشر أفكارها في العالم، وتفاوتت وجهات النظر نحوها بين التأييد لها أو رفضها، وبن شجبها أو السكوت عنها، إلى آخر ما يرد من مصطلحات مطاطة وهلامية لا تسمن ولا تغني من جوع، بل إن بعضها كان للاستهلاك السياسي والإعلامي بين الدول، بحيث أصبحت شعارات جوفاء بلا مضمون ودون تأثير عملي مؤثر على أرض الواقع، مما كان سببا في ظهور أفكار ومذاهب تدعو إلى الإرهاب المضاد، فنما الفكر المتطرف المنحرف، وعشش في عقول من لم يكن لهم حظ وافر من العلم الشرعي والمعرفة، أو في عقول من استطاع المنحرفون اقتناصهم والتغرير بهم وغسل أدمغتهم، حتى غدوا أداة في يد أولئك الإرهابيين المنحرفين يوجهونهم كيفما شاءوا، وإلى حيثما شاءوا. [أسباب الإرهاب] أسباب الإرهاب: تعددت الاتجاهات والمدارس الفكرية التي تناولت دراسة أسباب ظاهرة الإرهاب،

стр. 17

ولكنها تتفق في القول بأن ظاهرة الإرهاب مركبة معقدة ولها أسباب كثيرة ومتداخلة، بعضها واضح وطاف فوق السطح، والبعض الآخر خفي غائص في الأعماق، وبعضها عام على المستوى الدولي، والبعض الآخر على المستوى المحلي في كل دولة، بل وتتنوع الاستنتاجات بحسب اختصاص الباحثين؛ إذ يركز البعض على بعض تلك الأسباب دون الآخر، فأهل التوجه الاقتصادي يركزون على الأسباب الاقتصادية، والاجتماعيون يركزون على الأسباب الاجتماعية، وهكذا السياسيون والمختصون في الشئون الأمنية، يردونها إلى أسباب أمنية، وهكذا. وهناك من يرفض عزو أسباب الإرهاب إلى الأسباب المادية الخارجية، ويجعلها أسبابا نفسية فقط متعلقة بتكوين شخصية المجرم، أي إنها استعداد نفسي عند من يقوم بالعمليات الإرهابية، وأن الأسباب الأخرى ما هي إلا مثيرات لذلك الاستعداد النفسي، ويستدلون على ذلك بأن هناك مجتمعات يعاني الفرد فيها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ومع ذلك تخلو من الإرهاب بشتى أنماطه وصوره، ولكن متى ما وجد الاستعداد الذاتي، ووجد المثير والمحفز كان ارتكاب جريمة الإرهاب. ولكن الأكثر تعقيدا أولئك الذين يردون أسباب الإرهاب إلى أسباب دينية وثقافية فقط، أي إن الدين والثقافة هما محركا الإرهاب. وعلى الرغم من خطأ هؤلاء في توجههم وتصورهم، فقد تبنت بعض المنظمات هذا التوجه، وجعلت دين المتهمين بالإرهاب وثقافتهم عدوين لتلك الدولة أو ذلك المجتمع، وصنفوا معتنقي ذلك الدين من الأعداء والإرهابيين وهذا شيء غريب! ومع الأخذ في الحسبان كل ما ذكر، فإني سأجمل الأسباب التي ذكرها بعض الباحثين في هذا المجال، منطلقا في ذلك من بعدين رئيسين؛ هما: أ- البعد المحلي للدول، وهو المستوى الداخلي لكل دولة. ب- البعد العام، وهو المستوى الدولي. [المستوى الداخلي] أ- البعد المحلي: المستوى الداخلي: يعزو بعض الباحثين أسباب الإرهاب إلى البيئة التي يعيش فيها الإنسان، والمؤثرات

стр. 18

التي تتدخل في تكوين نمط حياته أو تؤثر فيها. وقد قسمت تلك الأسباب عناصر كثيرة، أجملها في الأسباب الرئيسة الآتية: - ١ - الأسباب التربوية والثقافية: التربية والتعليم هما أساس تثبيت التكوين الفطري عند الإنسان «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» . فأي انحراف أو قصور في التربية يكون الشرارة الأولى التي ينطلق منها انحراف المسار عند الإنسان، والفهم الخاطئ للدين يؤدي إلى خلق صورة من الجهل المركب، ويجعل الفرد عرضة للانحراف الفكري والتطرف في السلوك، وتربة خصبة لزرع بذور الشر وقتل نوازع الخير، بل ومناخا ملائما لبث السموم الفكرية من الجهات المغرضة، لتحقيق أهداف إرهابية. ويقع عبء هذا الأمر ومسؤوليته على المؤسسات التي تتولى تربية الأفراد وتعليمهم وتثقيفهم في جوانب التكوين التربوي العام، أو التربوي الخاص كالتعليم الديني، سواء أكانت تلك المؤسسات ذات مسؤولية مباشرة- كمؤسسات التعليم العام والجامعي- أم ذات مسؤولية غير مباشرة كوسائل الإعلام بشتى أنواعها، وهذه المؤسسات مجتمعة هي المعنية بتنفيذ سياسات التعليم والتربية في مجتمعاتها، وإذا كان قصور تلك المؤسسات عن القيام بواجبها وأداء مهمتها في المجتمع يؤدي إلى قصور في التكوين التربوي الصحيح، فإن انحرافها يؤدي إلى أسوأ من تلك النتيجة؛ سواء أكان بالفعل أم برد الفعل، فحينما يتدنى مستوى الأداء في تلك المؤسسات، بدلا من ترقيته للذوق العام، وترسيخ القيم والمبادئ النبيلة بين الأفراد، وتنمية الوعي في تعظيم حرمة الدين والأموال والأنفس والأعراض والعقول، وتنمية مداركهم في السماحة والتخاطب والعمل على جمع الكلمة، فإن ذلك يوغر صدور المعتدلين، ويدفعهم إلى تبني مواقف متشددة وآراء متطرفة، فتسهم تلك المؤسسات بطريقة غير مباشرة في إذكاء نار الفتنة، وتهيئة جو التهييج نحو ظهور إرهاب فكري، وسخط وإثارة ضد مؤسسات الدولة وضد المجتمع، وهذا في حد ذاته دعوة إلى التطرف، واحتضان الانحراف الذي يقود إلى الإرهاب.

стр. 19

٢ - الأسباب الاجتماعية: المجتمع هو المحضن الذي ينمو فيه الإنسان، وتنمو فيه مداركه الحسية والمعنوية، ويتنفس هواءه، ويرشف من رحيقه، فهو المناخ الذي تنمو فيه عوامل التوازن المادي والمعنوي لدى الإنسان. وأي خلل في تلك العوامل، فإنه يؤدي إلى خلل في توازن الإنسان في تفكيره ومنهج تعامله، فالإنسان ينظر إلى مجتمعه على أن فيه العدل وفيه كرامته الإنسانية، وحينما لا يجد ذلك كما يتصور فإنه يحاول التعبير عن رفضه لتلك الحالة بالطريقة التي يعتقد أنها تنقل رسالته. فعلى سبيل المثال: حينما لا تتكافأ الفرص بين المواطنين، ولا يكون التفاضل قائما على أسس ومعايير سليمة، أو عندما لا يكون العدل مقياسا للجمع بين المتساويين والتفريق بين المتفرقين، أو حينما يتسلط القوي على الضعيف، وغير ذلك من الأخطاء الاجتماعية، فإن ذلك يشكل إحباطا لفئات من المجتمع، فتحاول التعبير عن رفضها لتلك الممارسات بطريقة خاطئة غير رشيدة؛ لأن رد الفعل العكسي هو الذي يسوق ذلك الإنسان إلى كراهية المجتمع، ومحاولة الانتقام بالطريقة التي يراها مناسبة لرد ما يتصور أنه سلب منه. فانتشار المشكلات الاجتماعية ومعاناة المواطنين دوافع إلى انحراف سلوكهم، وتطرف آرائهم وغلوهم في أفكارهم، بل ويجعل المجتمع أرضا خصبة لنمو الظواهر الخارجة على نواميس الطبيعة البشرية المتعارف عليها في ذلك المجتمع. ٣ - الأسباب الاقتصادية: الاقتصاد من العوامل الرئيسة في خلق الاستقرار النفسي لدى الإنسان؛ فكلما كان دخل الفرد يفي بمتطلباته ومتطلبات أسرته، كلما كان رضاه واستقراره الاجتماعي ثابتا، وكلما كان دخل الفرد قليلا لا يسد حاجته وحاجات أسرته الضرورية، كلما كان مضطربا غير راض عن مجتمعه، بل قد يتحول عدم الرضا إلى كراهية تقود إلى نقمة على المجتمع، خاصة إن كان يرى التفاوت بينه وبين أعضاء آخرين في المجتمع مع عدم وجود أسباب وجيهة لتلك الفروق، إضافة إلى التدني في مستوى المعيشة والسكن والتعليم والصحة، وغيرها من الخدمات الضرورية التي يرى الفرد أن سبب حدوثها

стр. 20

هو إخفاق الدولة في توفيرها له بسبب فشو الفساد الإداري، وعدم العدل بين أفراد المجتمع. هذه الحالة من الإحباط والشعور السلبي تجاه المجتمع يولد عند الإنسان حالة من التخلي عن الانتماء الوطني، ونبذ الشعور بالمسئولية الوطنية، وعدم احترام ذلك الوطن والمواطن الذين يرى أنهما لم ينصفاه ولم يعطياه حقه، وأن الوطن لم يقم بالواجب نحو ذلك المواطن في سد معاناته ومعالجة فقره وعوزه، ولهذا يتكون لديه شعور بالانتقام، وقد يستثمر هذا الشعور بعض المغرضين، فيحسنون لذلك المحبط قدرتهم على تحسين وضعه الاقتصادي، دون أن ينظر في عبر التاريخ، وإلى ما حوله من المجتمعات، وما حل بها من جراء تلك الفئات التي تحمل فكرا غير سوي. ٤ - الأسباب السياسية: وضوح المنهج السياسي واستقراره، والعمل وفق معايير وأطر محددة يخلق الثقة، ويوجد القناعة، ويبني قواعد الاستقرار الحسي والمعنوي لدى المواطن، والعكس صحيح تماما، فإن الغموض في المنهج والتخبط في العمل، وعدم الاستقرار في المسير يزعزع الثقة، ويقوض البناء السياسي للمجتمع، ويخلق حالة من الصدام بين المواطنين والقيادة السياسية، وتتكون ولاءات متنوعة، وتقوم جماعات وأحزاب، فتدغدغ مشاعر المواطن بدعوى تحقيق ما يصبو إليه من أهداف سياسية، وما ينشده من استقرار سياسي ومكانة دولية قوية. وهذا وجه من وجوه انتشار الإرهاب بسبب المنهج السياسي. أما الوجه الآخر، فهو البحث عن المكاسب السياسية من خلال خلق الضغوط، مثل إقدام بعض الدول على احتضان بعض الجماعات أو الأفراد الخارجين على قوانين بلادهم، وتشجيعهم ومساعدتهم ماديا ومعنويا، وذلك تحقيقا لمكاسب سياسية، واستخدامهم- كما يقال- ورقة ضغط تلوح بها الدولة الحاضنة في وجه الدولة الأخرى متى ما أرادت، لتحصل من خلالها الدولة الحاضنة على تنازلات سياسية أو مكاسب اقتصادية من الدولة الأخرى، بل يصل الأمر ببعض الدول في بعض الحالات إلى

стр. 21

تدريب عصابات التخريب والإرهاب تحقيقا لأغراضها، ثم ما تلبث تلك الدولة أن تتفق مع الدولة الأخرى، فتعمل على إخراج تلك الجماعات من أراضيها، أو تحجيم نشاطها، أو منعها من العمل ضد تلك الدولة لينقلب السحر على الساحر، ويحصد الشر زارعه، والأمثلة على هذا النوع في التاريخ المعاصر، بل في الوقت الحاضر، كثيرة وواضحة. وقد يسمح لتلك العصابات والمخربين بالانتقال إلى دولة أو مجتمع آخر يعملون من خلاله. ٥ - الأسباب النفسية والشخصية: تتفاوت الغرائز الدافعة للسلوك البشري، فبعضها يدفع إلى الخير وأخرى تدفع إلى غير ذلك، ولهذا يوجد أشخاص لديهم ميول إجرامية تجعلهم يستحسنون ارتكاب الجرائم بصفة عامة، والجرائم الإرهابية بصفة خاصة، بل قد يتعطشون لذلك، وهؤلاء يميلون إلى العنف في مسلكهم مع الغير، بل مع أقرب الناس إليهم في محيط أسرهم، نتيجة لعوامل نفسية كامنة في داخلهم تدفعهم أحيانا إلى التجرد من الرحمة والشفقة، بل والإنسانية، وتخلق منهم أفرادا يتلذذون بارتكاب تلك الأعمال الإرهابية. وهذه الأسباب النفسية قد ترجع إلى عيوب أو صفات خلقية أو خلقية، أو خلل في تكوينهم النفسي أو العقلي أو الوجداني، مكتسب أو وراثي. وقد يكتسب الفرد الصفات النفسية من البيئة المحيطة به سواء في محيط الأسرة أو في محيط المجتمع؛ فكل خلل في ذلك المحيط ينعكس على سلوك ذلك الفرد وتصرفاته، حتى تصبح جزءا من تكوينه وتركيبه النفسي، ويعد الإخفاق في الحياة الأسرية من أهم الأسباب المؤدية إلى جنوح الأفراد واكتسابهم بعض الصفات السيئة، بل وفشلهم في التعليم الذي يعد صمام الأمان في الضبط الاجتماعي، ومحاربة الجنوح الفكري والأخلاقي لدى الفرد، والإخفاق في الحياة يكون لدى الإنسان شعورا بالنقص وعدم تقبل المجتمع له. وقد يكون هذا الإحساس دافعا للإنسان لإثبات وجوده من خلال مواقع أخرى، فإن لم يتحقق له ذلك، فإنه يلجأ إلى التطرف؛ لأنه وسيلة سهلة لإثبات الذات حتى لو أدى به ذلك إلى ارتكاب جرائم إرهابية؛ لأن المهم

стр. 22

عنده إثبات الذات. ولهذا فإننا كثيرا ما نجد أن أغلب الملتحقين بالحركات الإرهابية من المخفقين دراسيا، أو من أصحاب المهن المتدنية في المجتمع، وغيرهم ممن لديهم الشعور بالدونية، ويسعون لإثبات ذاتهم، أو أشخاص لهم طموح شخصي، أو ممن تعرضوا لمواقف اجتماعية معينة. هذه الأسباب عامة يمكن أن تكون صالحة في عموم دول العالم؛ إذ إنها- في غالبها- تعي حاجة مواطنيها وتسعى إلى تحقيقها. أما حينما تكون قيادة ذلك المجتمع سببا رئيسا من أسباب نشوء حركات نضال، أو مطالبة بحقوق، أو غير ذلك من ألوان التخبط في إدارة البلاد وتسييرها، كالتمييز العنصري، أو فرض مناهج سياسية وأيديولوجيات فكرية تصادم ما يؤمن به أفراد ذلك المجتمع، وما استقرت عليه حياتهم، أو حينما يكون هناك لون من ألوان التعسف الأمني ضد بعض فئات المجتمع، أقول حينما تكون القيادة لبلد من البلاد في العالم سبب التذمر وخلق جو التوتر والمهاترات، فإن الواجب على عقلاء العالم أن يبادروا إلى نصح تلك القيادة لإصلاح شأنها، فإن لم تستجب اتخذت بعض الإجراءات على المستوى الدولي من خلال هيئة الأمم المتحدة، إذ ليس من الإصلاح تدريب عصابات التخريب، أو استخدام الإرهاب لمعالجة أخطاء يمكن معالجتها بغير ذلك، فلا يعالج المنكر بما هو أنكر منه، أو بما يقود إلى مفسدة أعم، وهذا هو منهج الإسلام. [المستوى الدولي] ب- البعد العام: المستوى الدولي: تنوعت وجهات النظر حول البعد العام وتعددت، حيث يرجعه البعض إلى أزمة ضمير وأخلاقيات حادة يعيشها النظام السياسي الدولي، تلك الأزمة التي يبرز معها التناقض الواضح بين ما تفرضه مواثيق النظام الدولي، وما تحض عليه مواثيق قيم الإنسانية من نظم وقواعد في التعامل، وبين ما يحدث على أرض الواقع من تنكر لكل تلك المواثيق والقيم والمبادئ، من هنا يرى البعض أن الإرهاب الدولي يظهر صرخة احتجاج على هذا التناقض.

стр. 23

بينما يرى آخرون أن شيوع الإرهاب الدولي يرجع إلى افتقار النظام السياسي الدولي إلى الحزم والقوة في الرد على الانتهاكات والمخالفات التي تتعرض لها مواثيقه ومبادئه، من خلال عقوبات رادعة لكل مظاهر الإرهاب الدولي. وبالجملة فإن أبرز تلك الأسباب على المستوى الدولي تتلخص فيما يأتي: ١ - عدم الاتفاق الدولي على تعريف محدد للإرهاب يحدد مظاهره وصوره وأسبابه، هذه الضبابية وعدم الوضوح أفسحت المجال لبعض الحكومات لاحتضان ما ترى أنه ليس من الإرهاب في مفهومها، سواء أكان ذلك الاحتضان بشكل مباشر أم غير مباشر، بينما قد تشن دول أخرى حربا على ما تسميه إرهابا في مفهومها، وهو ليس كذلك عند الأخرى "وقلما يكون ذلك " هذا الوضع المتناقض مكن بعض المنظمات التي تمارس الإرهاب من الحركة والتنقل والانطلاق تحت غطاء شرعية وجودها في دولة من دول العالم. ٢ - ظهور منظمات وهيئات كثيرة في العالم تسجل رسميا في دولة من دول العالم لأهداف وأغراض إنسانية أو تعليمية محددة، وتتقدم بتسجيلها إلى دول أو هيئات ومنظمات أخرى طلبا للمساعدة المادية، وربما تحصل على شيء من ذلك بسبب ذلك السجل وتلك الأهداف والبرامج التي تقدمها، خاصة أنها تقدم حساباتها المالية السنوية موثقة من محاسبين قانونيين معتبرين في دولة المقر، مع عدم إمكانية قيام الدولة أو المنظمة أو الهيئة التي تطلب منها المساعدة بالتثبت من تلك الحسابات، وتعقب إنفاق ما تقدمه من تبرعات في وجهته الصحيحة؛ لأن حسابات تلك المنظمات لدى بنوك في دولة المقر، مما يعد معه متابعة الدولة أو المنظمة مقدمة التبرع تدخلا في الشئون الداخلية للدولة الأخرى- دولة المقر- وتشكيك في مصداقية مؤسساتها، وهذا الوضع قد يوجد إمكانية لبعض أفراد تلك المنظمات في سوء استخدام تلك التبرعات، أو عدم صرفها فيما خصصت له، وفي هذه الحال يعد المجتمع أو الدولة المتبرعة خارج نطاق المسؤولية؛ إذ تقع كامل المسئولية على دولة المقر. ٣ - التقدم العلمي والتقني في مجال شبكات الاتصال، الذي مكن أعضاء تلك

стр. 24

الخلايا والشبكات الإرهابية من الحصول على معدات وأجهزة فنية متطورة جدا تيسر لهم الاتصال، وتساعدهم على تنفيذ مهماتهم بدرجة كبيرة من الدقة والإتقان. وتذكر بعض التقارير والدراسات الدولية المنشورة حول نشاط الإرهاب الدولي إمكانية حصول بعض المنظمات الإرهابية على قدرات واسعة في مجال تقنية المعلومات، بل وتصنيع الأسلحة الفتاكة، بمساعدة بعض دول العالم. ٤ - تغطية وسائل الإعلام من إذاعة وتليفزيون وقنوات فضائية وشبكات الاتصالات العالمية (الإنترنت) للأعمال الإرهابية، يعطي فرصا واسعة أمام الإرهابيين الذين يسعون وراء الدعاية لأهدافهم ونشر فكرهم، بل وتسويغ أعمالهم. ويميل بعض المحللين إلى اعتبار هذه التغطية دعاية مكثفة لمناشط الإرهاب الدولي وعملياته، أو تلك الأصوات التي تنقل وسائل الإعلام تسويغها لأعمال أولئك الإرهابيين، أو حتى تحليلاتها الشاذة في المفهوم والإدراك، من بين الأسباب المهمة التي تحفز الإرهابيين باتجاه التوسع في أعمالهم؛ لأنها تحقق لهم أحد أهم أهدافهم المتمثلة في الحصول على حضور إعلامي أمام الرأي العام العالمي دون أن يتكلفوا شيئا في سبيل الإنفاق على تلك الدعاية. وهذا الاعتبار الدعائي بالذات كان دافعا لأعضاء اللجنة الخاصة بموضوع الإرهاب الدولي التابعة للأم المتحدة لأن تقترح على الدول أن تقصر تغطيتها الإعلامية للأفعال الإرهابية في أضيق نطاق، لحرمان الإرهابيين من هدفهم الذي يسعون دائما إليه، وهو الحصول على أوسع دعاية دولية ممكنة لعملياتهم الإرهابية. ٥ - التناقضات في مواقف بعض دول العالم تجاه ظاهرة الإرهاب، وعدم مشاركتها الجادة في مكافحته وتضييق الخناق عليه، تلك المواقف قامت بعمل رئيس في اتساع نطاق ظاهرة الإرهاب وتفاقم أخطارها. وتتمثل تلك التناقضات في عدة صور؛ منها ضعف التشريعات القانونية الداخلية في بعض الدول التي تعاقب على ارتكاب أفعال الإرهاب، وبذلك تفقد أثرها الرادع، وتفتح الطريق لمن تسول لهم أنفسهم القيام بأعمال إرهابية. ومنها ما سبق ذكره من احتضان بعض دول العالم لبعض الإرهابيين

стр. 25

المباشرين أو المنظرين للفكر الإرهابي والتطرف الفكري، مما مكنهم من السعي لإذكاء نار الفتن، والتحريض على الدول والحكومات الأخرى، وذلك من وجوه كثيرة؛ منها: مساعدتهم المادية أو المعنوية، بغض الطرف عن أنشطتهم التي تحتضنها دولهم وتنطلق منها ضد دول أخرى، وبعض تلك الدول ترفض إبرام اتفاقيات مع الدول الجادة في مكافحة الإرهاب بحجج كثيرة، كالحرية والديموقراطية وغيرها من الأعذار التي ثبت علميا أن تلك الدول لا تعتبرها عندما يكون الإرهاب موجها إليها. ٦ - قدرة الحركات الإرهابية على الحصول على معلومات دقيقة وحساسة بطرق كثيرة واضحة أو ملتوية، وهذا يساعدها في تنفيذ برامجها الإرهابية، إما داخل تلك الدول أو خارجها. ٧ - تفشي الفقر والبطالة في كثير من دول العالم، مع وجود دول أخرى أصبحت تعد كثيرا من مظاهر الترف المعيشي من أسس حياة شعوبها، وهذه الظاهرة يستغلها أصحاب الفكر الإرهابي في إيغار صدور ضحاياهم، وخاصة من الشباب الذين لم تنضج عقولهم وتصقل مداركهم. ٨ - وجود ما يسمى بحركات المقاومة للفكر السائد في بعض الدول أو للنظام الحاكم فيها، ومساعدة بعض دول العالم لتلك الحركات، سواء أكانت مساعدة مادية أم معنوية، وذلك بحجج مثل عدم توفر الحرية أو الديمقراطية لها في بلادها. ٩ - ظهور ظاهرة الكيل بمكيالين في سياسة بعض الدول ضد دول أو شعوب أخرى، مما دفع بعض المنظمات إلى استغلال هذه الظاهرة في نشر الفكر المضاد لذلك الظلم السياسي في المواقف والانتصار للحقوق. تلك كانت نماذج من الأسباب العامة لظهور ظاهرة الإرهاب على المستوى الدولي. ومما يحسن توكيده: التنويه بضرورة الشمولية في معالجة الإرهاب وعدم الانتقائية في المعالجة، فتلك تتيح له فرص النماء والانتشار، بل لا بد من جهد دولي في تحديد الأسباب وكشفها ومعالجتها، ومعالجة كل مظاهر الإرهاب أو ما يدفع إليه، لأن الجهود الفردية للدول لا يمكن أن تخرج خارج نطاقها، ولا تستطيع أن تعالج أسبابا خارجة عن

стр. 26

حدودها، فإذا لم تعالج أسباب الإرهاب وتجفف مصادر تغذيته بجهد دولي مشترك فإن الأمر يزداد سوءا يوما بعد يوم نتيجة للتكاثر الكثيف للجماعات الإرهابية وتوالدها من بعضها نتيجة الانشقاقات التي تحدث فيها لتصبح بعد ذلك أكثر عنفا وضراوة. [خصائص الإرهاب] خصائص الإرهاب: خصائص الإرهاب: ويقصد بها المظاهر والملامح والعلامات المادية التي يعرف بها الإرهاب، وتميز الأعمال التي يتصف بها الإرهابيون. ومن أهم تلك الخصائص ما يأتي: - ١ - قصد أشخاص معينين أو منشأة معينة بعمل إرهابي يخلق حالة شديدة من الرعب والفزع العام، بقصد شل حركة الأشخاص المستهدفين، وإرباكهم بطريقة تخلخل تصرفاتهم، والقصد من ذلك توجيه رسالة إلى المجتمع المقصود بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وقد يكون موجها إلى جزء من السكان أو طبقة، أو فئة اجتماعية معينة، أو إلى حزب سياسي. وعلى أي حال، فالمقصود من الإرهاب بلوغ أهداف ترومها الحركة الإرهابية. ٢ - استخدام الوسائل التي تؤدي بطبيعتها إلى إحداث حال من الدمار الشامل أو القتل البشع حتى يتغلغل الرعب في نفوس المقصودين. ومن أمثلة صور الإرهاب في العصر الحديث المذابح الجماعية، وخطف الطائرات والأشخاص، واحتجاز الرهائن، بل واللجوء إلى الأعمال الانتحارية وغيرها من الوسائل العنيفة التي يعد استخدامها عند الإرهابيين غاية ووسيلة في الوقت نفسه، فمن غير المتصور لديهم إحداث الأثر النفسي الذي يقود إلى الوصول إلى هدف الإرهاب دون اللجوء إلى وسائل عنيفة. ٣ - لا يعد العنف في النشاط الإرهابي عاملا رئيسا في إحداث التأثير إلا إذا اقترن بالاستمرار والتنظيم من خلال عمليات إرهابية تؤدي إلى خلق حالة الرعب، وإلا فإن العديد من الجرائم تحمل قدرا من البشاعة قد يفوق العديد من الأعمال الإرهابية، ومع ذلك فإنها لا تخلق حالة الرعب والخوف التي تحدثها العمليات الإرهابية، وكذلك فإن بعض الجرائم الجنائية الفردية قد تكون أشد فظاعة، ولكنها لا تشكل التهديد نفسه

стр. 27

الذي تشكله العمليات الإرهابية؛ لأنها فردية أو ذات هدف شخصي قريب، ولا تتمثل فيها خاصية الاستمرار. ٤ - استهداف المصالح والمرافق العامة التي يمكن أن يتعدى أثرها وينتشر على أكبر رقعة مكانية أو بشرية ممكنة. ٥ - ومن خصائص الإرهاب أيضا: الخروج على إجماع المجتمع، "وهو ما يعبر عنه بالأغلبية"، وبخاصة في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث تجنح الجماعات الإرهابية إلى مخالفة ما عليه إجماع عموم الناس من أهل الحل والعقد وغيرهم من العلماء وأهل المكانة؛ مثل بعض حالات الغلو والتشدد والتطرف في الرأي، الذي قد يجبر صاحبه على تكفير أعضاء المجتمع أو قيادته استنادا إلى أدلة مغلوطة وتأويلات خاطئة، أو تفسيرات مغرضة ليس لها في الدين الصحيح أي دليل أو سند، وليس لها من وسطية الإسلام وتشريعاته السمحة القويمة من القرآن والسنة أي حظ أو نصيب، وربما تجرأ بعضهم على الفتيا بجواز القتل لأعضاء الدولة ورجال الأمن والقيادات الاجتماعية. ٦ - تركيز الفكر الإرهابي على النيل من الحكام والولاة والعلماء والوزراء وأهل الحل والعقد، وغمطهم حقهم بإغفال محاسنهم وتجلية ما يقع منهم من خطأ وتضخيمه، بل واستهدافهم في المخالفة؛ "لأن مخالفة المجتمع لا تكسبهم الظفر بتعاطف أعضائه ". وهذه الخاصية أكثر ما تظهر في الحركات الإرهابية في المجتمعات التي تسمى بالنامية أو العالم الثالث، وفي بعض الدول الإسلامية، مع أن الإسلام حذر تحذيرا شديدا من الوقوع في هذا المزلق الخطير، الذي فيه مفسدة كبيرة للمجتمع المسلم. وقد أمر الله بطاعته وطاعة رسوله وأولي أمر المسلمين، فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] [الأنفال: ٤٦] ، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] [النساء: ٥٩] . وقد أمرنا الله ورسوله بالحرص على تماسك المجتمع ووحدة صف

стр. 28

المسلمين، وعدم الخروج على ما يتفق عليه أهل الحل والعقد في المجتمع بحال من الأحوال، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] [آل عمران: ١٠٣] ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] [الأحزاب: ٣٦] ، ومن السنة قوله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» [صحيح البخاري] وقال ﷺ : «يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار» [سنن الترمذي] وقال ﷺ : «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» [مستدرك الحاكم] . وذلك لما يترتب على الخروج من فساد عظيم، ولو كان هناك فساد، فيتحمل الفساد الأدنى لدفع الفساد الأعظم، تطبيقا للقاعدة الشرعية التي مؤداها: إذا تعارضت مفسدتان، روعي أعظمها ضررا بارتكاب أخفهما (١) . لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة، خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد أعظم من الذي أزالته " (٢) وهذا كله مع افتراض أسوأ الأحوال.

стр. 29

[الفصل الثالث الإرهاب في المنظور الإسلامي] الفصل الثالث الإرهاب في المنظور الإسلامي يتعرض الإسلام والمسلمون للاتهام بالإرهاب والعنف والتطرف، بل إن بعض وسائل الإعلام اليوم أصبحت تبرز الإرهاب وكأنه صفة ملازمة لهذا الدين ولمعتنقيه، حتى أصبح الظهور بمظهر الانتماء إلى هذا الدين يشكل مشكلة في بعض البلاد والأوساط الاجتماعية. وقد نسبت بعض وسائل الإعلام وبعض الكتاب الإرهاب إلى الإسلام زعما أن تعاليم الإسلام وأحكامه وبعض آيات القران الكريم تدعو إلى الإرهاب، وتوجه المسلمين إلى سلوك طريقه، ويزعمون اشتمال آيات القرآن والأحاديث النبوية ودلالتها على ذلك؛ إما بالنص أو بالمعنى، وهذا يخالف الحقيقة تماما. وحتى يكون نفي ذلك عن الإسلام قائما على أساس علمي، ولكي تكون نسبة الأشياء متمشية مع القواعد العلمية في الحكم على صحة النسبة، فإني سأوضح ذلك من منطلقين. أولهما: الدلالة اللفظية في الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر كلمة إرهاب. وثانيهما: التوجيه الإسلامي في مكافحة الإرهاب ومعالجة أسبابه، من خلال الاتجاه الوقائي والعلاجي، لما قد يحصل من الإنسان من أخطاء تكون سببا في ارتكاب أي نوع من أنواع الاعتداء والعنف. [الدلالات اللفظية في الآيات القرآنية] الأول: الدلالة اللفظية في الآيات القرآنية: وردت كلمة رهب وما اشتق منها من تصريف في اثني عشر موضعا في القرآن الكريم؛ هي قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] [البقرة: ٤٠] . ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] [المائدة: ٨٢] .

стр. 30

﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] [الأعراف: ١١٦] . ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] [الأعراف: ١٥٤] . ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] [الأنفال: ٦٠] . ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] [التوبة: ٣١] . ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] [التوبة: ٣٤] . ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] [النحل: ٥١] . ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] [الأنبياء: ٩٠] . ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] [القصص: ٣٢] . ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] [الحديد: ٢٧] . ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] [الحشر: ١٣] . وقد اتفق المفسرون لتلك الآيات على أمرين؛ هما: أن الدلالة اللفظية في كل تلك المواضع تعني الخوف أو الخشية وما اشتق منهما؛ وكذا ليس من دلالة تلك الآيات ما يفيد إباحة القيام بالقتل والتخريب والإفساد والاعتداء على الآخرين، فالمقصود الخوف

стр. 31

بمعناه الإيجابي الذي يقود إلى طاعة الله ، والتبتل إليه خشية وخوفا من عقابه وأملا في رضاه، تفعيلا لمبدأ الوقاية التي تعني البناء الإيجابي بالإقلاع عن الذنب والارتداع عن فعل الجريمة هذا من وجه، ومن وجه آخر فإن معنى الإرهاب الوارد في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] [الأنفال: ٦٠] يعني دفع الاعتداء والوقاية منه. ولهذا جاء التوجيه القرآني بطلب الإعداد الذي يكون من نتيجته خوف العدو مما لديك، فلا يهاجمك. فالمقصود أن وجود القوة المادية عامل مهم في حفظ التوازن وعدم الاعتداء، فمتى ما علم العدو بوجود قوة تستطيع مقابلته وردعه بها، فإنه سيرتدع عن الاعتداء، وبهذا تقي نفسك ونفسه مما يكون سببا في هلاكهما، وعليه يكون المعنى المقصود بكلمة "ترهبون" الواردة في الآية السابقة المعنى الإيجابي؛ أي: سد باب الاعتداء والقتل والخراب والفساد، الذي يلحق بالمجتمع ضررا كبيرا، فهو إرهاب وقاية ودفع للشر، لا إرهاب اعتداء وقتل وخيانة وتخريب وخروج عن الصواب. والأمثلة من الواقع المشاهد كثيرة في هذا المجال، فهي تبين حكمة التشريع من توجيه المسلمين إلى هذا الإعداد والاستعداد الذي يكون وسيلة لاستتباب الأمن وترسيخ قواعد البناء، ومن ينظر إلى حال العالم قبل سقوط قوة الاتحاد السوفييتي، وينظر إلى حاله اليوم يدرك حكمة الإسلام في التوجيه إلى الإعداد والاستعداد بالقوة. [توجيهات الإسلام في مكافحة أسباب الإرهاب] الثاني: توجيهات الإسلام في مكافحة أسباب الإرهاب والاعتداء ومعالجتها: نهج الإسلام في معالجته للقضايا المرتبطة بالسلوك البشري وتحقيق الأمن للمجتمع منهجا متوازنا، يجمع بين التأصيل والبناء الذاتي لعوامل المحافظة على الأمن، وسن التشريعات والأنظمة التي تكفل حفظ الأمن ومعالجة ما قد يعتري السلوك البشري من اعتلال أو انحراف. لهذا نجد أن الشريعة الإسلامية تعاملت مع ظاهرة الإرهاب في اتجاهين متوازيين يسيران معا في آن واحد، هما:

стр. 32

الاتجاه الوقائي التربوي: ويقصد به بناء المناعة الذاتية المدافعة للعوامل المسببة لخروج السلوك البشري عن جادة الصواب. وقد يطلق على هذا الاتجاه اتجاه تجفيف المنابع التي تولد الإرهاب، ويتمثل ذلك في غرس الفضائل، وتربية النفس على الآداب الخيرة، والالتزام بالأحكام الشرعية، والتمسك بكل ما يصون محركات السلوك البشري ويمنعها من السير في طريق غير سليم. وأما الاتجاه الثاني، فهو اتجاه المعالجة، ويتمثل فيما شرعه الله من أحكام وتشريعات عقابية رادعة، وهذه الأحكام تتضمن بعدين أساسيين. بعد تطهير النفس البشرية وتخليصها من عقدة ارتكاب الذنب. أما البعد الآخر، فيتمثل في ردع من يرتكب جريمة من العودة إلى مثلها وزجر الآخرين من الوقوع في ذلك الخطأ، وهذا بعد وقائي؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] [البقرة: ١٧٩] ، أي إن في تطبيق حكم القصاص ما يمنع بعضكم من قتل بعض مخافة أن يقتص منه، فيحييا بذلك معا. لذا فإن موقف الإسلام من الإرهاب موقف أزلي يجمع بين الوقاية والمعالجة للمخالفات التي قد تكون سببا في مزيد من الإرهاب والعنف. [الاتجاه الوقائي] أ- الاتجاه الوقائي التربوي: فيما يأتي ذكر لبعض المعايير والتوجيهات الإسلامية في مجال الوقاية من جميع أنواع الإرهاب والعنف والاعتداء، وهي: - ١ - دعوة الإسلام إلى السلام: الإسلام هو دين السلام لجميع البشر، فلا يجتمع مع العنف والاعتداء؛ لأنهما ضدان متناقضان، والمسلمون مأمورون بالبداءة بالسلام لكل من يقابلهم، وهي كلمة أمان ورحمة واطمئنان، وإشاعة للأمن بين الناس جميعا، فلا يجتمع الضدان: السلام والعنف، بل إن المسلمين مأمورون بالبحث عن السلام والجنوح إليه إذا جنح العدو إليه ورغب فيه، وذلك في حال الحرب المعلنة، فكيف بغير ذلك قال تعالى:

стр. 33

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦١ - ٦٢] [الأنفال: ٦١، ٦٢] . ومما امتن الله به على عباده نعمة الأمن، وهي من أجل النعم التي أنعم الله بها عليهم؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ - الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤] [قريش: ٣، ٤] . ٢ - إشاعة العدل في كل شيء العدل من العوامل الرئيسة، والآداب السامية، والأخلاق الرفيعة التي تؤدي إلى الوقاية من الظلم والطغيان، وبالتالي تقطع الطريق على التطرف والإرهاب؛ لأن عدم العدل بين الناس هو من أسس نشأة الإرهاب، لأن المظلوم أو المقهور إن لم يستطع نيل حقه بالطرق المشروعة، فقد يعلن عن غضبه بقيامه برد الظلم بمثله، ومن هنا ينشأ الإرهاب المضاد. ولذلك كان أمر الله بالعدل صريحا، حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] [النحل: ٩٠] . ولمعنى العدل في الإسلام مفاهيم كثيرة، والمعنى في هذه الآية هو الحكم المنصف، أي: أداء كل شيء إلى من هو له على وجه الإنصاف، أو إيفاء الناس حقوقهم التي تجب (١) . ولم يفرق الإسلام بين الناس في مسألة العدل بسبب الجنس أو الديانة أو العرق، فحقوق الإنسان مكفولة في الإسلام باعتبار أن كل البشر عند الله بمكانة واحدة من حيث العدل بينهم، ولا تمييز بين الناس إلا في مسألة الطاعة لله والتقوى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] [الحجرات: ١٣] . وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : «كلكم لآدم، وآدم من تراب» . وانطلاقا من مبدأ إنسانية الإسلام وعالميته، فإن الله يأمر المسلمين بالعدل الشامل الكامل، حتى مع من يسيئون إليهم؛ لأن العدل حق لله، ولا ينبغي تجاوزه:

стр. 34

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] [المائدة: ٨] . يقول الإمام الطبري: "يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله، شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم، فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعداوتهم لكم، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولاياتهم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري، ولا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة، واعدلوا أيها المؤمنون على كل أحد من الناس وليا لكم كان أو عدوا، فاحملوهم على ما أمرتم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه " (١) . وهذا هو عدل الإسلام في أحكامه مع جميع الناس. ٣ - دعوة الإسلام إلى التراحم بين الناس: الإسلام دين الرحمة، والرحمة ضد القسوة، فالرحمة من الصفات الفطرية في الخلق عامة، بل إنها من كمال فطرة البشر، وقد جعل المولى الرحمة غاية رئيسة في الإسلام بعد توحيد الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] [الأنبياء: ١٠٧] أي رحمة للبشرية كلها. وجاءت تعاليمه كلها رحمة وشفاء لما في الصدور، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] [يونس: ٥٧] . وخاطب المولى سبحانه رسوله الكريم بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] [آل عمران: ١٥٩] ، وهذه إبانة أن الشدة والغلظة والعنف سبب رئيس من أسباب التفرق والتشتت وعدم الاجتماع، وحث رسول الله ﷺ الناس على هذا الخلق القويم، فقال ﵊: «من لا يرحم لا يرحم» [رواه البخاري] ، وقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» . [رواه أبو داود والترمذي] ، فالرحمة تكون لجنس من في الأرض جميعا دون تفريق بسبب من الأسباب.

стр. 35

٤ - الحرية وتحمل المسئولية: الإسلام يحارب الإكراه بكل صوره وأشكاله؛ لأن الإكراه يؤدي إلى نقيض المطلوب، وإلى شيوع النفاق الذي هو قاعدة الغدر والخيانة والتربص؛ لأن الإكراه ضرب من ضروب الإرهاب، حتى في مسألة اعتناق الإسلام لم يشرع المولى سبحانه إكراه الناس على ذلك، فقال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] [البقرة: ٢٥٦] ؛ لأن الإيمان قناعة وقبول قلبي، والقلب لا سلطان عليه إلا لخالقه الذي يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] [الأنفال: ٢٤] . والقناعة الذاتية وحرية الإنسان في الاختيار تجعله طبيعيا يتحمل المسئولية، ويكون إيمانه قويا، يقول الله لرسوله ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] [النحل: ١٢٥] ، بل إن المكره لا يحاسب في الإسلام عما يفعل حال الإكراه المؤدي إلى ضرر يلحق به. ٥ - خلق التعامل مع غير المسلمين في الإسلام: لقد سمت شريعة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين سموا لم يرق إليه قانون من القوانين البشرية أو نظام من الأنظمة؛ إذ حفظ لهم الإسلام حقوقهم المالية والأخلاقية والاجتماعية، كما حفظ أموالهم وأرواحهم وأعراضهم، ولم يكرههم على ترك دينهم أو ما هو أدنى من ذلك، فخاطب القرآن الكريم أهل الكتاب خطابا راقيا بقوله : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] [آل عمران: ٦٤] ، فهذا تشريع الإسلام في الدعوة، ذلك التشريع القائم على مبدأ الحوار والإقناع بالحجة دون إكراه. وقال ﷺ في حق أهل الكتاب: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» [مسند أحمد] وقال عمر بن الخطاب ﵁ حين رأى يهوديا مسنا يسأل الناس ما معناه: " والله ما أنصفناه؛ أخذنا منه في شبيبته وننساه في شيبته، اضربوا له من بيت المال ". أي: اجعلوا له خراجا يعيش منه.

стр. 36

ووجه القرآن الكريم إلى حسن معاملتهم والتعامل معهم، بل برهم والقسط إليهم، يقول المولى : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] [الممتحنة: ٨] ، وأعطى لهم المولى حق الاستجارة بالمسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] [التوبة: ٦] ، ليس لأن تمن عليه أو تستغل ضعفه لأي شيء آخر، إنما لقصد سماعه كلام الله، وقال ﷺ في ذلك: «ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» [سنن أبي داود] ، وقال ﵊: «من آذى ذميا فأنا خصيمه، ومن كنت خصيمه خصمته يوم القيامة» . وحرم الله قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فحرمة الأنفس على إطلاقها مكفولة في الشريعة الإسلامية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] [الإسراء: ٣٣] ، وقال ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» . [صحيح البخاري] . ٦ - الدعوة إلى الوسطية والاعتدال وعدم الغلو في الدين: الغلو في الدين هو الطريق إلى التطرف الفكري والاعتقادي. والفهم الخاطئ للدين قد يدفع الإنسان إلى محاولة فرض ما يعتقده ويؤمن به بالقوة، وهذا ما أثبته الواقع المشاهد. وقد نهت الشريعة الإسلامية عن الغلو في الدين، وحذرت المسلمين منه حتى لا ينجرفوا وينحرفوا، فجعل الله هذه الأمة وسطا؛ لأن دينهم كذلك، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] [البقرة: ١٤٣] ، ومثل هذا التوجيه جاء صريحا لأهل الكتاب؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] [المائدة: ٧٧] . فالغلو خلاف الوسطية، فإذ كانت الوسطية تعني الاعتدال والتوازن في الأمور كلها، فإن الغلو يعني الشقة والتضييق على النفس باتباع طريق

стр. 37

واحد بعيدا عن الوسط، ووسطية الإسلام توازن بين الأحكام، فلا غلو وتشدد، ولا تفلت ولا تسيب، فلا إفراط ولا تفريط في الإسلام، وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ المثل العملي في ذلك مع بعض الصحابة الذين شددوا على أنفسهم بحثا عن المزيد من الطاعة، فقال أحدهم: أصوم الدهر كله ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم الليل كله ولا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ علمنا درسا عميقا في الوسطية والاعتدال، حيث قال ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [صحيح البخاري] ، حيث إن ذلك بعيد عن روح الإسلام ومبادئه التي بنيت على التيسير وعدم التنفير (١) وما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه إثم أو قطيعة رحم، وقد قال : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] [المائدة: ٦] ، وقال جل شأنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الحج: ٧٨] ، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥] . ووسطية الإسلام تحصين للمجتمع من الإفرازات التي يمكن أن توجد بسبب التضييق من المتطرفين الذي يعتمدون على نظرة ضيقة للكون وللحياة، وينطلقون منها إلى تخطئة كل رأي مخالف لهم باسم الدين، ويدينون كل فكر مخالف لفكرهم باسم الدين، الأمر الذي ينتهي بهم إلى تكفير الناس، بل والنيل من أعراض العلماء، ووصمهم بصفات غير لائقة، فالغلو في الدين باب إلى التطرف الذي يقود إلى العنف والسعي إلى إلزام المخالف رأيه بالقوة. ٧ - علو مكانة النفس في الإسلام: إن الإسلام قد كرم ابن آدم وأنزله منزلة رفيعة بما حباه الله من طاقات عقلية ونفسية، وبما أعطاه من قوام جميل وصورة حسنة لا يماثله فيها أحد من خلق الله على وجه الأرض. إن الإنسان هو الكائن المفضل الذي كتب الله له أن يتبوأ الصدارة والمكانة الرفيعة بين الخليقة والكائنات جميعا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] [الإسراء: ٧٠] .

стр. 38

يقول الفخر الرازي في تعليقه على الآية: "فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي " (١) . ٨ - تحريم قتل النفس: حرم الإسلام قتل النفس وسفك الدم المعصوم، وجعل ذلك من كبائر الذنوب؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] [الإسراء: ٣٣] ، " والقتل ظلما أكبر الكبائر بعد الكفر، وموجب لاستحقاق العقوبة في الدنيا والآخرة " (٢) . وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] [المائدة: ٣٢] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] [النساء: ٩٣] ، وجعل من صفات المؤمن عدم القتل؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] [الفرقان: ٦٨] ، ويقول الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: "دلت هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا" (٣) . ومن السنة ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. . .» (٤) . وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» ، وقال ابن عمر ﵁: "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " (٥) ولو اشترك أهل السماء والأرض في قتل رجل واحد، لكان ذلك موجبا لدخولهم النار جميعا، روى الإمام الترمذي: «لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» (٦) .

стр. 39

٩ - تكوين روح التكافل بين أفراد المجتمع: من العوامل التي قد تدفع الإنسان إلى ارتكاب الجريمة: الفقر، وعدم وجود عدل في الأمور الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات بعضها مع بعض، وقد جاء الربط بين الفقر وارتكاب جريمة القتل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] [الأنعام: ١٥١] ، وفي تفسيرها يقول الإمام الطبري: "ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم، فإن الله هو رازقكم وإياهم، ليس عليكم رزقهم، فتخافون بحياتهم على أنفسكم العجز على أرزاقهم وأقواتهم ". وما استعاذ النبي ﷺ من شيء أكثر من استعاذته من الفقر، الذي جاء في بعض الآثار ما يفيد أن الفقر من أسباب الكفر. ومعالجة لهذا العامل فقد جاء في التشريع الإسلامي كثير من التوجيهات والوصايا لمعالجة مشكلة الفقر، فشرعت الزكاة والوقف والصدقات والكفارات وغيرها من الواجبات في أموال الناس عامة وتصرف على الفقراء حسب أحكامها وشروطها. كما أوجب على الدولة السعي إلى رزق الفقراء والمحتاجين، وتنظيم معيشتهم، وتدبير سكنهم وتعليمهم وعلاجهم، وغير ذلك من الواجبات الاجتماعية على الدولة. ١٠ - صيانة الروابط الاجتماعية من عوامل البغضاء والشحناء: يحتل بناء الروابط الاجتماعية في الإسلام مكانة مهمة. ولهذا سعى إلى العمل على صيانتها ومعاجلة العوامل التي تهدد تماسكها وترابطها، وتقود إلى الشقاق والمنازعات والعداوة والبغضاء، مما يعرض الأمن العام للخطر. ومن أهم العوامل التي تؤثر سلبا في العلاقات الاجتماعية الإشاعة، وهي بث الأخبار بقصد الإفساد مباشرة، أو بشكل غير مباشر، ولهذا وضع الإسلام منهاجا خاصا لتلقي الأخبار، وذلك لأن الشائعات تزعزع الأمن والاستقرار، وتحدث الفوضى من الهرج والمرج في المجتمع، بل قد تكون سببا في حدوث كوارث ونكبات

стр. 40

في المجتمع بين أفراده وغيرهم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] [الحجرات: ٦] . ومنها أيضا الغضب الذي قد يدفع الإنسان إلى ارتكاب جريمة الاعتداء. ولهذا وجه الإسلام إلى عدم الغضب والبعد عن أسبابه لما له من آثار سلبية على علاقة الناس بعضهم ببعض، ولما يسببه من شحناء وبغض ونفرة قد تكون سببا في حدوث اعتداء بين أفراد المجتمع، فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] [الأعراف: ١٩٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] [فصلت: ٣٤، ٣٥] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] [آل عمران: ١٣٤] ، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] [الشورى: ٣٧] . وروى الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «إن رجلا قال للنبي ﷺ أوصني. قال: " لا تغضب "، فكرر السؤال مرارا، وفي كل مرة يقول له النبي ﷺ : " لا تغضب» (١) . ١١ - تحريم ترويع الآمنين: حرم الإسلام ترويع الآمنين المباشر وغير المباشر، ووجه إلى سد كل المنافذ وأبواب الذرائع التي قد تكون وسيلة للترويع، أو تعكير الجو الآمن، وجاءت الأحكام الشرعية مانعة لبعض الأفعال التي قد تسبب ترويع الآمنين وإخافتهم مثل تحريم الإسلام للإشارة بالسلاح، إذ شدد الإسلام في النهي عن هذا الفعل. وجاء في الحديث عن المصطفى أن الإشارة بالسلاح من موجبات الاستحقاق لعذاب الله الأليم في جهنم، فقد روى الإمام النسائي عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أشار المسلم على أخيه المسلم بالسلاح، فهما على جرف جهنم، فإذا قتله خرا جميعا فيها» (٢) . [الاتجاه العلاجي] ب: الاتجاه العلاجي: تقدمت الإشارة إلى أن منهج الإسلام في علاج الإرهاب قد سار في خطين متوازيين يسيران معا في آن واحد، الخط الأول: ما تقدم ذكره، وهو الاتجاه الوقائي،
следующие страницы →