← Тараджим

Тараджим · id 31215

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

القاضي عياض

Полный текст (2 482 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال أبو عمرو: فلعمرى لقد لزم مالك ذلك، ولقد بلغني أن بعض الأمراء أحضره في جماعة فيهم ابن أبي ذئب، فأخرج إليهم قصة قرئت عليهم في رجل أقر على نفسه بالقتل عمدا، فقالوا بأجمعهم: نرى عليه القتل، ويدفع إلى ولاة المقتول، فإن شاءوا قتلوا، أو عفوا. ومالك ساكت. فقال له الأمير: ما تقول يا أبا عبد الله؟ [قال: انظر. وأطرق يفكر، وجعل الأمير يحركه للقول، وهو يقول: هو القتل، حتى انظر. فقال القوم فيما بينهم: ما ينظر؟ أي شيء في هذا؟ فرفع رأسه وقال: أين القاتل المقر؟ فإذا حدث السن] (٢٨٢)، فقال: منذ كم حبس؟ فقال: منذ كذا. فإذا إقراره كان قبل أن يحتلم. - * - قال بعضهم: اجتمع مالك والأوزاعي فتناظرا، فجعل الأوزاعي يجر مالكا إلى المغازى والسير، فقوى عليه، فلما رأى مالك ذلك جره إلى غيرها من الفقه، فقوى فيه مالك عليه.

стр. 352

باب ذكر محنته ﵀ قال القاضي ﵁: قال ابن مهدى (٢٨٣): اختلف فيمن ضرب مالكا، وفى السبب في ضربه، وفى خلافة من ضرب. فقيل: أن أبا جعفر نهاه عن الحديث: "ليس على مستكره طلاق"، ثم دس إليه من يسأل عنه، فحدث بسه على رؤوس الناس، فضربه بالسوط. وقاله مصعب، إلا أنه قال: أن الذي نهاه، جعفر بن سليمان (٢٨٤). - * - وقال الواقدى: لما سود مالك، وسمع منه وقبل قوله، حسده الناس وبغوه، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة، سعوا به إليه وكثروا عليه عنده. وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث يرويه ثابت الأحنف، في طلاق المكره أنه لا يلزم (٢٨٥). فغضب جعفر، ودعا به، فاحتج عليه بما رفع إليه، ثم جرده (٢٨٦) ومده فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه. وفى رواية عنه: ومدت يداه حتى انخلع كتفاه.

стр. 353

وكذلك اختلف على مصعب الزبيرى فى هذا. - * - وقال الجيانى (٢٨٧): بقى مالك بعد الضرب مطابق اليدين، لا يستطيع أن يرفعهما، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد ذلك الضرب فى رفعة من الناس وعلو واعظام، حتى كأنما كانت تلك الأسواط حليا حلي به. وقيل: ان هذا كان فى أيام الرشيد، وان فتيا مالك إنما رفعت للرشيد. - * - قال أبو الوليد الباجي: ولما حج المنصور، أقاد مالكا من جعفر بن سليمان، وأرسله إليه ليقتص منه، قال: - أعوذ بالله، والله ما ارتفع منها سوط عن جسمى إلا وأنا أجعله فى حل، ذلك الوقت، لقرابته من رسول الله ﷺ . - * - قال غيره: لما دخلت على أبي جعفر، وقد عهد الى * أن آتيه بالموسم، قال لى: والله الذى لا اله الا هو، ما أردت الذى كان ولا علمته (٢٨٨)، وانه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، واني اخالك أمانا لهم من عذاب الله، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة (٢٨٩)، فانهم أسرع الناس للفتن، وقد أمرت بعدو الله أن يؤتى به من المدينة الى العراق على قتب (٢٩٠)، وأمرت "نصيرا" بحبسه (٢٩١) والاستبلاغ في امتهانه، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه.

стр. 354

فقلت: عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه. ونزهته من أمرى، وقلت له (٢٩٢): قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ وقرابته منك. فقال لى: فأنت، فعفا الله عنك ووصلك. - * - قال الفروى (٢٩٣) والعمرى - وأحدهما يزيد على الآخر -: لما ضرب مالك ونيل منه، حمل مغشيا عليه، فدخل الناس عليه، فأفاق فقال: أشهدكم أني جعلت ضاربي في حل. فعدناه فى اليوم الثاني فاذا به قد تماثل، فقلنا له ما سمعنا منه، وقلنا له: - قد نال منك. فقال: تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي ﷺ ، فأستحيى منه أن يدخل بعض أهله النار بسببى. فما كان إلا مدة، حتى غضب المنصور على ضاربه، وضرب ونيل منه أمر شديد، فبشر مالك بذلك فقال: - سبحان الله! أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟ انا لنرجو له من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو لنا من عفو الله أكثر من هذا، ولقد ضرب فيما ضربت فيه محمد بن المنكدر، وربيعة، وابن المسيب، ولا خير فيمن لا يؤذى فى هذا الأمر. - * - وقيل: إن الذى تولى ذلك منه، عامل جعفر بن سليمان، وأن جعفرا هو الذي صنع بعامله من النكال ما تقدم. والأول أشهر.

стр. 355

قال مطرف: جلد جعفر بن سليمان مالكا ثمانين سوطا. وقاله ابن القاسم. قال مطرف ومصعب: بسبب محمد بن عبد العزيز الزهرى (٢٩٤)، حمله عليه في محمله الاول، أنه يفتى الناس أن ليس على من أكره على البيعة شيء. قال مطرف ومصعب: فرأيت آثار السياط فى ظهره، قد شرحته تشريحا، وكان حين مدوه فى الحبل بين يديه خلعوا كتفه (٢٩٥)، حتى ما كان يستطيع أن يسوى رداءه، فلما ولى جعفر عمله الآخر، ودخل عليه مالك، سأله جعفر أن يجعله في حل. قال له: - انى جهلت واستزلات، والله ما جلدك الا القرشيون (٢٩٦). فقال له مالك: انك ترى أن قد ظلمتني؟ قال: نعم. قال: فأنت في حل، فوسع الله عليك. - * - قال ابراهيم بن حماد الزهرى: رأيت مالكا يحمل احدى يديه بالأخرى. - * - وقيل لمالك: هذا ابن عبد العزيز الزهرى قد وقف في المسجد - وكان قاضى المدينة، وهو الذي بنى بمالك - فقال مالك: ما شاء الله، لا حول ولا قوة الا بالله. ثم ذكر محنة محمد بن المنكدر، وربيعة، ثم قال:

стр. 356

- قال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط أحدا لم يصبه في هذا الأمر أذى. - * - قال الدراوردى: لما أحضر مالك لضربه فى البيعة التي أفتى بها - وكنت أقرب الخلق منه - سمعته يقول كلما ضرب سوطا: "اللهم اغفر لهم فانهم لا يعلمون" حتى فرغ من ضربه. - * - وذكر أنه أفتى عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوى المسمى بالمهدى، بأن بيعة أبي جعفر لا تلزم، لانها على الاكراه. - * - قال الليث: اني لارجو أن يرفع الله مالكا بكل سوط درجة في الجنة. - * - وخالف هذا كله ابن بكير فقال: ما ضرب مالك الا في تقديمه عثمان على على، فسعى به الطالبيون حتى ضرب. فقيل لابن بكير: خالفت أصحابك، هم يقولون: ضرب في البيعة. قال: أنا أعلم من أصحابي. - * - وقال أحمد بن صالح: انما ضرب مالك فى الطلاق قبل النكاح، كان لا يراه، ثم رآه. قال أبو داود: لم يصنع أحمد شيئا. وقال ابن كنانة: ضرب فى ايمان السلطان أنها لا تلزم، وفى دفع الصدقات اليهم. وقال مصعب: ضرب مالكا جعفر بن سليمان ثلاثين سوطا، وقيل: نيفا وثلاثين، ويقال: ستين. وقال مكي بن ابراهيم:

стр. 357

سبعين سوطا، وقيل نيفا وسبعين سوطا، وقيل مائة سوط من رواية الحرث عن ابن القاسم. قال مالك: ما كان على يوم ضربت أشد من شعر كان في صدري، وكان فى ازارى خرق ظهر منه فخذى، فجعلت لله على أن أستجد الازار ولا أترك على شعرى. قال مصعب: وكان ضربه سنة ست وأربعين ومائة، وقيل سنة سبع وأربعين. قال محمد بن خالد، ابن عثمة (٢٩٧): كنا عند جعفر بن سليمان في مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه حماد بن زيد، فقال له: يا أبا اسماعيل، رأيت فى منامى مالك بن أنس، فسلمت عليه فلم يرد، فأعدت عليه فرد وقال: "ان لى ولك غدا مقاما عند الله" فأرقت لذلك وغمني. فقال له حماد: ان مالكا من الاسلام بمكان جليل، وما هو الا الندم والاستغفار. وفي رواية: وان تعتق فأعتق عن كل سوط رقبة. - * - قال الأصمعي: وأنا مشيت بين جعفر بن سليمان ومالك حتى حاله. - * - قال المنذر: الذي أغرى بمالك جعفر بن سليمان، رجل من بنى

стр. 358

مخزوم، صاحب أدب، وذكر خبر فتياه فى الايمان، فكتب بذلك جعفر إلى الخليفة، فكتب إليه أن يجلده، فجلده، ومد يديه بين العقابين (٢٩٨) فلذلك كان لا يأتى المسجد، لا يزال ريح يخرج من موضع الكتف. ثم عزل، ثم ولى ثانية، فأكرم مالكا وقربه، وتباعد منه مالك حتى كف عنه. فحج، فبينا مالك بالموقف، قال جعفر لأصحابه: "لا تحركوا" وسار، فلم يشعر مالك الا بانسان ضرب بسوطه محمله، فرفع مالك رأسه، فقال: - يا مالك! هذا يوم عظيم، ينظر الله إلى عباده ويغفر لهم، فاجعلني في حل مما ارتكبت منك. فقال: لا والله، حتى ألتقى أنا وأنت بين يدى الله. فرجع.

стр. 359

باب في صدق فراسته وزكنه (١) ﵀ قال القاضى ﵁: كان الشافعى صاحب فراسة، فقيل له فى ذلك، فقال: أخذتها من مالك. - * - قال أسد بن الفرات: لزمت أنا وصاحب لى مالكا، فلما أردنا الخروج إلى العراق، أتيناه مودعين له، فقلنا له: أوصنا. فالتفت إلى صاحبى فقال: أوصيك بالقرآن خيرا، والتفت الى وقال: أوصيك بهذه الأمة خيرا. قال أسد: فما مات صاحبي حتى أقبل على العبادة والقرآن، وولى أسد القضاء. - * - قال الشافعى: لما سرت إلى المدينة ولقيت مالكا وسمع كلامي، نظر إلى ساعة - وكانت له فراسة - ثم قال لى: ما اسمك؟ قلت: محمد. قال: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصى، فانه سيكون لك شأن من الشأن. ¬

стр. 360

- * - قال غيره: كانت لمالك فراسة لا تخطئ، نظر يوما إلى ثلاثة من أصحابه من أهل افريقيه: ابن فروخ، وابن غانم، والبهلول ابن راشد، فقال في ابن غانم: هذا قاضي بلده، وفي البهلول: هذا عابد بلده، وفى ابن فروخ: هذا فقيه بلده.

стр. 361

باب نوادر وملح من اخبار مالك ﵀ قال القاضي ﵁: قال معن: جاء ابن سرجون الشاعر الى مالك ﵀، فقال له: - قلت شعرا أحب أن تسمعه. فقال: لا. وظن أنه هجاه. فقال: لتسمعنه، وأنشد: سلوا مالك المفتى عن اللهو والغنا … وحب الحسان المعجبات العوارك فيفتيكم أني مصيب، وإنما … أسلى هموم النفس عنى بذالك فهل في محب يكتم الحب والهوى … أثام؟ وهل في ضمة المتهالك فسرى عن مالك، فضحك، وكان قليل الضحك. - * - وقال الزبير بن بكار: سأل محمد بن عبد الله الأسدى مالكا عن امرأة أراد تزويجها، وذكر قصة، فقال له مالك: تربص، فانها لا تحل لك الآن. فقال:

стр. 362

سأخطبها جهدى، واني مخالف … لما قال لى حبر المدينة (٢٩٩) مالك يقول - وقد حلت - تربص: وانما … تربص مثلى - لو علمت - المهالك أحرمت تزويج المحبين بينهم … وأنت امرؤ، فيما يرى الناس، ناسك - * - وقال محمد بن الفضل المكي: مر مالك بمغنية وهي تقول: أنت أختى وأنت حرمة جاري … وحقيق على حفظ الجوار (٣٠٠) أنا للجار، ما تغيب عنى، … حافظ للمغيب فى الاسرار ما أبالى أكان بالباب ستر … مسبل، أم بقى بغير ستار فقال مالك: لو غنى به حول الكعبة لجاز. وفي رواية: يا أهل الدار علموا فتياتكم مثل هذا. - * - وقال مالك: قال أبو حازم: كان أهل الجاهلية أحسن جوارا منكم، والا فبيننا وبينكم قول شاعر هم: نارى ونار الجار واحدة … واليه قبلي تنزل القدر ماضر جارا لى أجاوره … ألا يكون لبابه ستر أعمى، اذا ما جارتي برزت … حتى يوارى جارتي الخدر قال مالك: لا بأس بالغناء بمثل هذا. - * - قال ابن أبى أويس: كنت أمشى مع مالك، اذ مولاة تحمل جرة ماء وهى تقول:

стр. 363

ليتنى أرض لسلمي … فتطأني قدماها ليتنى درع لسلمي … ترتدينى من وراها ليتنى خادم سلمي … قاعد حيث أراها فقال لي: يا إسماعيل، رجل أو امرأة؟ قلت: هي غزال، خادم بني عمارة. قال: إنها لفصيحة اللهجة، حسنة التأدية (٣٠١). - * - قال: وسمعنى مالك وأنا أنشد: "ودع هريرة أن الركب مرتحل" فوقف، ولا أعلم به، حتى بلغت قوله: "علقتها عرضا" الأبيات (٣٠٢) فقال: هؤلاء خمسة مرحومون. - * - قال مطرف: جاء رجل من أهل الكوفة إلى مالك، فأقام نحو الستين أو السبعين يوما، فسمع عددها أحاديث، * فشكا ذلك إلى مالك وقال له: - نحن بالعراق نكتب من المحدث في ساعة أكثر من هذا. فقال له: يا ابن أخى، بالعراق عندكم دار الضرب، يضرب بالليل، ويخرج بالنهار. ثم قال مالك: كانت العراق تجيش علينا بالدنانير والدراهم، فصارت الآن تجيش علينا بالحديث. - * - وقيل له: أن أهل الشام يقرأون "إبراهام".

стр. 364

فقال: عليهم بأكل البطيخ (٣٠٣). - * - قال ابن أبي مريم: قال لي مالك: يا مصرى، هل على مسجدكم بواب (٣٠٤)؟ قلت: نعم. قال: هذا سجن، وليس بمسجد! - * - قال ابن أبي أويس: قال مالك: قدم ابن شهاب الزهري المدينة، فغلست (٣٠٥) إليه، فوجدته في طريق المسجد ومعه غلامه أنس، وكان قد زوجه أمة له، فقال له: - كيف وجدت أهلك؟ فقال: وجدتها يا مولاى جنة. فقال ابن شهاب: الحمد لله. ففطنت وضحكت، فسألني، فقلت: - إنه يقول: إنها لم توافقه، إن في الجنة سعة وبردا. فقال: كذلك يا أنس؟ فقال: أي والله يا مولاى. فما زال يضحك، ويعيدها، إلى أن فاتته الجماعة، فصلى في منزله. - * - قال ابن أبي أويس: جاء رجل وامرأته من موالى مالك إلى مالك، وكل واحد منهما يشكو صاحبه.

стр. 365

فقال مالك للرجل: ما نقمت منها؟ فقال: تضحك إذا خرجت منى ريح. قال مالك: فتباعد منها إذا كان منك ذلك. فقالت المرأة: هو أصلح من هذا، وهو رعد كرعد الخريف. فقال لها مالك: أحشى أذنيك قطنا. قالت: والله لو جعلت في أذني سندان حداد لنفذه. فقال مالك: أذهبي فأضحكي كيف شئت؟ وقال للرجل: عليك بأكل السعتر. فداوم عليه، فأنقطع عنه. - * - وسأل رجل جهنى (٣٠٦) مالكا عن يمين حلف بها، فأفتاه بطلاق زوجته البتة. فقال: أفض عبرات العين ما أخضلت تترى … بكا جازع لا يفقه اللوم والزجرا بكا ذى تميمات، بكا غير نازع … بكا جازع في شجوه قد بكى غمرا (٣٠٧) فما بعد بت الحبل من أم معمر … على خلة أبكى وأستعتب الدهرا ولكن سأبكيها وأعصارها التي … لهونا بها، سقيا لإعصارها عصرا فلولا اتقاء الله، والموت مدركي … وشيكا، وبعد الموت أنتظر الحشرا

стр. 366

لبتلت دعوى مسلم متبهل (٣٠٨) … فقد يعلم الله السريرة والجهرا على مالك، أيام يفتيك مالك … ولم يبل عهدا من نبى ولا أمرا لبين التي لو كنت خيرت بينها … وبين يدى، لاخترت بت يدى بترا عشية يفتيني ويزعم أن بي … عزاء على هجران رامة أو صبرا فقد جار في يوم المدينة (٣٠٩) مالك … وأجرى لقتلى وهو يلتمس الأجرا فرحت، وقد أجدت مشورة مالك … نوافذ تحتل الجوانح والصدرا فما أن أبالى بعد ما صرت محرما … بعاقبة، لو جاب لي رامس قبرا وأفنيت عبرات الدموع عليكم … وغادرت دمع العين منحدرا يترا - * - قال عمرو بن سليم: رأى مالك فتى يمشي مشية منكرة، فقام مالك، فجعل يمشى إلى جنبه يحكيه. فوقف الفتى، فقال له مالك: مشيتى حسنة؟ قال: لا، قال: فلم تمشيها أنت؟ قال: لا أعود *

стр. 367

- * - قال أبو عوف عبد الرحمن بن مرزوق: ذكرت لعبيد الله بن محمد قاضي طرسوس، عن بكر المزني أنه قال: - أحق الناس بلطمة من أكل طعاما لم يدع إليه، وأحق الناس بلطمتين من قال له صاحب المنزل: أقعد هاهنا، فقال: لا هاهنا، وأحق الناس بثلاث لطمات من قال لصاحب المنزل: أدع صاحبة المنزل تأكل معنا. فقال: عندى أعجب من هذا وأطرف من هذا: كان مالك يوما جالسا، فاستأذن عليه صديق له فأذن له، وكان لمالك بطيخة في ناحية، فرمى بمنديل عليها، فدخل الرجل، فقال له مالك: هاهنا هاهنا. فأبى أن يقعد إلا على المنديل، فتفسخت تحته البطيخة! فقال مالك: يرحمك الله، كنا أبصر بعوار منزلنا منك. - * - وسأله رجل عمن قال لآخر: يا حمار! قال: يجلد. قال: فإن قال له يا فرس؟ قال: تجلد أنت. ثم قال: يا ضعيف! وهل سمعت أحدا يقول لآخر يا فرس؟ - * - قال ابن مهدى: قلت لمالك: أرفق على، قد طال مقامى، وما أدرى ما حدث على أهلى بعدى. فتبسم وقال: يا ابن أخى، أهلى بالقرب منى وما أدرى ما حدث عليهم بعدى.

стр. 368

باب ذكر وفاة مالك ﵀، واحتضاره، ومرائي دلت على فضله عند الله قال القاضي ﵁: قد قدمنا تاريخ وفاته، وأن الصحيح من ذلك في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، يوم الأحد، ولتمام اثنين وعشرين يوما من مرضه. وغسله ابن كنانة وابن أبي الزبير (٣١٠). وابنه يحيى، وكاتبه حبيب، يصبان عليهما الماء. ونزله في قبره جماعة، وأوصى أن يكفن في ثياب بيض، ويصلى عليه في موضع الجنائز، فصلى عليه عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان خليفة لأبيه على المدينة، ومشى في جنازته، وحمل نعشه. وبلغ كفنه خمسة دنانير (٣١١). - * - وقد ذكرنا من المرائى الدالة على علمه وإمامته جملة، ونقتصر هاهنا على الغرض مما لم نذكره قبل. - * - قال بكر بن سليمان الصواف: (٣١٢) دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا:

стр. 369

يا أبا عبد الله كيف تجدك؟ فقال: ما أدرى كيف أقول: إلا أنكم ستعاينون غدا من عفو الله (٣١٣) ما لم يكن في حساب. ثم ما برحنا حتى أغمضناه. وقيل: أنه تشهد ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد. ورأى عمر بن يحيى بن سعيد الأنصارى في الليلة التي مات فيها مالك، قائلا يقول: لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه … غداة ثوى الهادى لدى ملحد القبر إمام الهدى ما زال للعلم صائنا … عليه سلام الله في آخر الدهر قال: وانتبهت وكتبت البيتين في السراج، وإذا الصارخة على مالك ﵀. - * - قال حبيب كاتب مالك: كنا عند مالك يوم مات في جماعة من إخواننا، إذ أتاه ابن أبي حازم، فقال: يا أبا عبد الله، رأيت في هذه الليلة رؤيا أحببت أن أقصها عليك. قال: قص. قال: رأيت أن السماء انفرجت فهبط منها ملك بيده طومار (٣١٤)، وهو يقول: يا معشر الناس، هذه براءة مالك من النار. ثم أنا لجلوس ما برحنا، حتى دخل وإلى المدينة ابن أبي زينب ومعه مؤدبه * فقال:

стр. 370

يا أبا عبد الله، إن مؤدبى رأى الليلة رؤيا - وذكر مثلها سواء - فقال له مالك: سبقك إليها أبو تمام. ثم خرجنا من عنده، فلما بلغنا باب الدار أغلق، وسمعنا صوائح، فرجعنا، فما لبثنا أن خرج ابنه يقول: قد قبضه الله إليه. - * - قال الشافعي: قالت لي عمتى ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجبا. قلت: وما هو؟ قالت: كأن قائلا يقول: مات الليلة أعلم أهل الأرض. فحسبنا تلك الليلة، فإذا هي ليلة مات فيها مالك. - * - قال الحسن بن حمزة الجعفري: كنت أشتم مالكا، فأقمت عشيتى على ذلك، فنمت، فرأيت كأن الجنة فتحت، فقلت: ما هذا؟ قالوا: الجنة. فقلت: فما هذه الغرف؟ قالوا: الغرفة فوق الغرفة فوق الغرفة، لمالك بن أنس، بما ضبط على الناس دينهم. فلم أنتقصه بعد، وصرت أكتب عنه. - * - ورأى آخر كأن قائلا يقول: ليقم من صدق الله، فقام مالك بن أنس. - * - قال بعضهم: رأيت مالك بن أنس في النوم، فقلت: لقد نفع الله بك، ونفعت أهل بلدك. فقال: أما والله ما أردت بذلك إلا الله. قال أسد بن موسى: رأيت مالكا بعد موته وعليه قلنسوة طويلة، وثياب خضر، وهو على ناقة تطير بين السماء والأرض، فقلت: يا أبا عبد الله، أليس قد مت؟

стр. 371

قال: بلى. فقلت: الأم صرت؟ قال: قدمت على ربى فكلمنى كفاحا (٣١٥)، فقال: سلني أعطك، وتمن على أرضك. - * - وذكر أن الفضيل بن عياض رأى أنه دخل الجنة، قال: فبينا أنا في طرقها إذ مررت بزيد بن أسلم في غرفة، وعليه قلنسوة طويلة. فقلت: زيد! قال: نعم. قلت له: لقد سكنك الله وشرفك، فأين مالك، لا أراه؟ قال: وأين مالك؟ مالك فوق! فما زال يقول "فوق" حتى وقعت قلنسوته. - * - ورآه آخر فقال له: ما فعل بك ربك؟ قال غفر لي. قال: بماذا؟ قال: بكلمة عثمان التي كان يقولها إذا رأى الميت: "سبحان الحي الذي لا يموت". - * - قال ابن أبي أويس: كان يحيى بن يزيد النوفلي من الزهاد العباد، وكان لا يكلم مالكا ولا ابن أبي ذيب ولا ابن عمران، وكتب إلى كل واحد منهم كتابا يعظهم في إقبالهم على الدنيا، فأما مالك فأجابه أحسن جواب، وأما الآخران فأغلظا له في القول.

стр. 372

فقدم بعد موته من الغابة إلى المدينة، فلم يتخلف عنه أحد، فحضرته يوما وهو يحدث، وعنده خلق كثير، وهو يبكى ويقول: رأيت في هذه الليلة كأنى في موضع نخل وبساتين وخضرة، وقصور وأنهار تجرى، فاعتمدت إلى قصر رأيت أنه أفضلها، فلما ذهبت لأدخله، إذا على بابه إنسان يمنعنى الدخول، وقال: حتى أستأذن لك. فذهب، ثم أتى فأدخلني، فإذا بقصر لم ير الراؤون مثله حسنا، وإذا فيه مالك بن أنس، جالس وسطه، وفى حجره مصحف، وعليه ثياب خضر أحسن ما يكون، فلما وقفت سلمت عليه وقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى. قلت: فيم صرت إلى هاهنا؟ قال: بعفو الله وتجاوزه عنى وسعة رحمته، لا بعلمى. قلت: فما رأيت في شأن هذا العلم؟ قال: أكثر ما نجونا بالتوقف عنه. قلت: اين زيد بن أسلم؟ وفي رواية: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؟ فرفع رأسه إلى السماء وأشار بأصبعه وقال: - هيهات، ذلك في عليين، مع البكائين. فلم تزل رؤياه في رقعة بين يديه، مع أجوبتهم له، يقرأها للناس ويبكى ويترحم على مالك في كل مجلس. - * - وعن بشر بن بكير: رأيت، أو، رئى، الأوزاعي والثورى، وهما في الجنة، فقلت: أين مالك؟ فقال * لي: إن مالكا في أعلى. ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته.

стр. 373

* * * قال التسترى: رئى أبو زرعة (٣١٦) في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال لي: أكثرت على يا أبا زرعة - وكان يكثر مخاصمة أصحاب المقالات - قال: فقلت: أي رب، إنهم جادلوا دونك. فقال: إجعلوه مع أبي عبد الله، وأبي عبد الله مالك (٣١٧) والثورى وابن حنبل.

стр. 374

باب في رؤيا أهل العلم الدالة على علمه وإمامته قال الدراوردي: رأيت النبي ﷺ في المنام، جالسا في الروضة بين القبر والمنبر، إلى الأسطوانة الخلقة (٣١٨)، فأتيناه، وجلست إليه، إذ أقبل مالك آخرنا، وسلم، فأجلسه رسول الله ﷺ إلى جانبه، ثم نزع خاتمه من يده ﷺ ، وقلبه (٣١٩) بين أصابعه، وجمعهن، فليس منا أحد إلا تشوف له، فأخذ بيد مالك ووضعه في أصبعه، فلو كان يصلح الخلافة قلنا خليفة، ولكنه العلم. وقد رويت هذه الرؤيا عن الدراوردى بغير هذا اللفظ، والمعنى متقارب. وفي خبر آخر: كنت أتنقصه، فرأيت النبي ﵇ في النوم، فقال لي: إلزم ما أمرك به مالك بن أنس، فإنه يريد بما فيه الله تعالى. قال الزبير بن حبيب: كنت أتناول مالكا فرأيت النبي ﷺ عند الأسطوانة الخلقة، وأنا معه، إذ أتى رجل يسأله عن مسألة، فقال له النبي ﷺ : ايت مالكا فاسأله فما على ظهر الأرض أعلم منه. - * - وقال محمد بن رمح: رأيت النبي ﷺ في المنام،

стр. 375

فقلت: يا رسول الله، إن مالكا والليث يختلفان، فقال رسول الله ﷺ : عليك بما يقول مالك، ورث وحيي. وفي رواية: "جدى". قال الحسن بن علي الأشناني: معنى "جدى" قيل: جدى إبراهيم الخليل، وقيل: جدى ديني، وقيل: سنتى. - * - وعن ابن رمح أيضا: رأيت النبي ﷺ وأنا شاب والناس مجتمعون عليه يسألونه، فقال: قد أعطيت مالكا كنزا وأمرته أن يفرقه عليكم؟ - * - وجاء رجل إلى مجلس مالك، فقال: أيكم مالك؟ فقالوا: هذا. فسلم عليه، واعتنقه وضمه إلى صدره. قال: والله لقد رأيت رسول الله ﷺ البارحة جالسا هاهنا، فقال: هاتوا بمالك. فجيء بك ترعد فرائصك. فقال: ليس بك بأس يا أبا عبد الله، اجلس. فجلست. فقال لك: افتح حجرك. ففتحت. فملأه مسكا منثورا، وقال: ضمه إليك، وبثه في أمتى. فبكى مالك وقال: الرؤيا تسر ولا تغر، أن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعن الله. - * - قال أبو هشام: (٣٢٠) رأى رجل النبي ﷺ على المنبر يخطب، إذ جاء مالك، فقال: يا مالك، خذ هذه الصرة وضعها تحت منبرى.

стр. 376

قال أبو هشام: هو العلم الذي بثه. - * - قال أبو بكر بن سعدون: صليت بمصر الضحى، فرأيت النبي ﵇، فقلت: يا رسول الله، إن مالكا والليث اختلفا في الضحى، فمالك يقول: اثنتى عشرة ركعة، والليث يقول: ثمانية. فضرب بيده بين وركى وقال: رأى مالك هو الصواب. - * - قال خلف بن عمر: كنت عند مالك، فأتاه ابن أبي كثير قارئ المدينة، فناوله رقعة، فنظر فيها وجعلها تحت مصلاه، فلما قام من * عنده، ذهبت لأقوم، فقال: اثبت. فناولني الرقعة فإذا فيها: رأيت الليلة في منامي كأنه يقال لي: هذا رسول الله ﷺ . فأتيت المسجد، فإذا ناحية من القبر قد انفرجت، وإذا رسول الله ﷺ جالس، والناس يقولون: يا رسول الله أعطنا، يا رسول الله من لنا؟ فقال لهم: إنى قد كنزت تحت المنبر كنزا، وقد أمرت مالكا يقسمه فيكم فاذهبوا إليه فانصرف الناس وبعضهم يقول لبعض: ما ترون مالكا يفعل؟ فقال بعضهم: يقصد لما أمره به رسول الله ﷺ . قال: فرق مالك وبكى، ثم خرجت وتركته على حاله. - * - قال يحيى بن يزيد النوفلي: رأيت بمرو (٣٢١)، النبي ﷺ ، ومالك بن أنس يمشى بين يديه بشمعة يحملها. وفى رواية أخرى عنه: رأيت كأننا في الجنة وإذا مالك بن أنس بين يديه عمود من نور (٣٢٢).

стр. 377

- * - وقال ابن أبي الكرام: رأى رجل من أصحابنا النبي ﷺ في النوم، وهو يقسم قسما. قال: فبسطت يدى إليه وقلت: يا رسول الله أعطنى. فقال: قد خبأت لكم خبئا تحت منبرى هذا. قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: مالك بن أنس. - * - وقال زيد بن داود (٣٢٣) رأيت في منامى كأن القبر قد فرج عن رسول الله ﷺ ، والناس قد انقصفوا عليه (٣٢٤)، فصاح صائح بمالك بن أنس، فجاء مالك، فأعطاه شيئا وقال له: - اقسم هذا بين الناس. فرأيته يعطيهم إياه، فإذا مسك، فأولناه العلم الذي بثه. - * - وقال آخر: كانت في نفسى مسألة دقيقة، كنت أحب أن أرى النبي ﷺ في النوم فأسأله عنها، فرأيته، فقلت: يا رسول الله، في نفسى مسألة دقيقة أحب أن أسألك عنها. فقال: ايت مالكا فاسأله عنها، فإنه يخرجها وإن كانت أدق من شعرة. - * - قال حجاج بن سليمان الرعيني: رأيت النبي ﷺ في النوم فسألته عن مسألة، فقال: ألم أكنز تحت منبرى كنزا وأمرت مالكا يفرقه عليكم؟ - * - قال محمد بن أبى بشر: كنت في مجلس ابن حنبل، فطعن قوم على مالك، وآخرون على الثورى، فانصرفت وفى قلبى من الغم

стр. 378

ما لا أصف، فبت، فرأيت رجلا من أحسن من رأيت وأطيبه رائحة وأنقاه ثوبا، عن يمينه رجل وعن يساره آخر، وكلاهما في هيئة جميلة، غير أنه أعلاهما حالا. فقال: هل تعرفني؟ فقلت: لم أرك قبل فأعرفك، ولا أخالك إلا مشهورا لما أرى من هيئتك وحسن وجهك. فقال: أنا نبيك محمد. فقلت: صلى الله عليك، بأبي أنت وأمى، فمن هذا؟ قال: إمام دارى مالك بن أنس - وأشار إلى الذي عن يمينه - وهذا إمام أهل العراق سفيان الثورى - وأشار إلى الذي عن يساره - فاشهد بالصدق لهما وأحبهما فإنى أحبهما، والله ما تكلما برأى إلا أصابا فيه سنتى، ونصحا فيما اجتهدا فيه أنفسهما لجميع أمتى، وإنهما إن تأخرا عن القرن الأول، لغير متخلفين عن منازلهما بلزوم السنة وضبط الآثار، أقد حفظت؟ قلت: نعم. فغدوت على ابن حنبل فأخبرته فقال: وددت أني رأيت ما رأيت، وأصبحت وليس لي قوت يومى، هذا والله رأيي فيهما. - * - وقال بعضهم: رأى رجل كأنه يقال للنبى ﷺ : عند من نجد ميراثك يا رسول الله؟ فقال: عند مالك بن أنس. - * - قال ابن القاسم: رأيت بالإسكندرية كأني صدت بازيا ففضضته، فإذا جوفه ممتليء، جوهرا، ففسرت رؤياي علي زيد بن شعيب فقال لي:

стр. 379

لعلك حدثت نفسك بشيء من طلب العلم؟ قلت: هو ذاك. قال: فمن ذكرت؟ قلت: مالك. قال: هو بازيك الذي صدت، والبازي سيد الطيور، والجوهر الذي وجدت في جوفه، هو العلم الذي تسأله عنه. - * - وقال * عمار بن زيد (٣٢٥) بن الخشاب: رأيت كأني دخلت مدينة اختلطت على أزقتها، فجزت بقوم، فقام إلى شيخ فأخذ بيدى حتى أخرجنى إلى طريق واسعة واضحة وقال: خذ عليها. فسألت عنه. فقيل لي: هذا مالك. - * - قال ابن اللباد: وبلغنى أيضا أن رجلا أعرفه كان ينتحل مذهب أبي حنيفة رأى في نومه النبي ﵇، فسلم عليه وصافحه، فأردت معانقته فأعرض عنى، فقلت في نفسي: ما أراه إلا لاستحلال النبيذ (٣٢٦). فقال قائل: وددنا لو سألناه ما ينتحل. فقال ﵇: ألا إن الحق في قول مالك ما يتعداه. فصار الرجل إلى مذهب مالك وترك مذهبه. - * - وروى أن مالكا قال لابن هرمز: رأيت كأني أنظر في مرآة. فقال ابن هرمز: من رأى هذا فهو ينظر في أمر دينه. ثم قال: يا مالك، أنت اليوم مملك (٣٢٧)، فاتق الله في هذه الأمة إن كنت لها مالكا.

стр. 380

وقال العامرى: بينا أنا في المسجد وهو غاص بأهله، إذ أنا برسول الله ﷺ قد خرج من قبره، وبيده (٣٢٨) قارورة مسك، فوقف ثم قال: أيكم مالك؟ فقام مالك فقال: ها أنذا، بأبي أنت وأمى يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : خذ هذا - وناوله القارورة - فاقسمه بين الناس. فجاء العامري يخبر بها مالكا، فقال له مالك: لا تخبرنى، فقد رأيت مثلما رأيت. - * - قل إبراهيم بن أبي يحيى: نمت فرأيت الشمس قد كسفت وقد علت الأرض ظلمة حتى أن الناس لا ينظر بعضهم إلى بعض، فقلت لرجل إلى جنبى: أقامت القيامة؟ قال: ولم لا تقوم وقد مات عالم المدينة (٣٢٩)؟ قلت: ومن هو؟ قال: مالك. فانتبهت وفزعت فإذا به قد مات. - * - وقال ابن مزاحم: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله، من نسأل بعدك؟ فقال: مالك بن أنس. - * - قال ابن القاسم: بينا أنا نائم أتاني آت فقال لي: إن أردت العلم فعليك بعالم الآفاق. فقلت: ومن هو؟

стр. 381

فقال لي: هذا الشيخ انظر إليه. فنظرت فإذا شيخ أشقر، طويل، حسن اللحية، فاستيقظت وقد مضى أكثر شوال، فاكتريت إلى مكة وحججت، فلما أتينا المدينة، اغتسلت ودخلت مسجد النبي ﷺ ، فنظرت، فإذا أنا بالصفة التي رأيت في النوم، وإذا هو مالك، فعرفت أنه الذي قيل لي فيه "عالم الآفاق" (٣٣٠) فلزمته. - * - ورأى بعضهم أن الناس اجتمعوا في جبانة (٣٣١) الإسكندرية، يرمون غرضا، كلهم تخطاه وإذا رجل يرمى ويصيب، قال: فقلت: من هذا؟ قيل: مالك بن أنس.

стр. 382

باب في تركة مالك ﵀ قال ابن القاسم: مات مالك عن مائة عمامة، فضلا عن سواها. وقال ابن أبي أويس: بيع ما في منزل مالك يوم مات ﵀، من منصات وبراذع وبسط ومخاد محشوة بريش وغير ذلك بنيف على خمسمائة دينار. قال محمد بن خلف (٣٣٢): خلف مالك خمسمائة زوج نعل، ولقد اشتهى يوما كساء قومسيا (٣٣٣) فما بات إلا وعنده منها سبعة، بعثت إليه. وأهدى له يحيى بن يحيى النيسابورى هدية، وجدت بخط بعض مشايخنا الثقات، أنه باع من فضلتها بثمانين ألفا. قال أبو عمر: وترك من الناض ألفي دينار، وستمائة دينار، وتسعة وعشرين دينارا، والألف دراهم (٣٣٤)، فاجتمع في تركته ثلاثة آلاف دينار وثلاثمائة ونيف.

стр. 383

باب ما قيل في مالك من الشعر في حياته وبعد وفاته * قال القاضي ﵁: من مشهور ذلك قول ابن المبارك: صموت إذا ما الصمت زين أهله … وفتاق أبكار الكلام المختم وعى ما وعى القرآن من كل حكمة … ونيطت له الآداب باللحم والدم وقال ابن منادر: ومن يبغ الوصاة فإن عندى … وصاة للكهول والشباب خذوا عن مالك وعن ابن عون … ولا ترووا أحاديث ابن داب وقال عبد الله بن سالم الخياط: يأبى الجواب فلا يراجع هيبة … والسائلون نواكس الأذقان أدب الوقار وعز سلطان التقى … فهو المهيب وليس ذا سلطان وأنشدوا لأبي المعافى في مالك - وبعضهم يزيد فيها على بعض - ويذكر بعضها (٣٣٥) لأبى المعافى: ألا إن فقد العلم في فقد مالك … فلا زال فينا صالح الحال مالك فلولاه ما قامت حقوق كثيرة … ولولاه لانسدت علينا المسالك يقيم سديد (٣٣٦) الحق سرا وجهرة … ويهدى كما تهدى النجوم الشوابك عشونا إليه نبتغى ضوء ناره … وقد لزم العى اللحوم المماحك فجاء برأى مثله يقتدى به … كنظم جمان زينته السبائك

стр. 384

وحكى التسترى (٣٣٧) أن مالكا كان جعل لأبي المعانى أن يجرح (٣٣٨) من شهد عليه، فشهد عليه المغيرة، فلما مات مالك قال: "ألا قل لقوم" الأبيات. وفي رواية: ألا قل لأقوام (٣٣٩) حيوا مرحبا بكم … لمن سأل عن فتوى فقد مات مالك وأنشد الزبير لأبي المعافى، أو ابن أبي المعافى، يرثى مالكا: ألا قل لقوم سرهم فقد مالك … ألا إن فقد العلم إذ مات مالك ومالي لا أبكى على فقد مالك … إذا عز مفقود من الناس هالك ومالى لا أبكى على فقد مالك … وفى فقده سدت علينا المسالك وأنشد أصبغ لامرأة ترثيه: بكيت بدمع واكف فقد مالك (٣٤٠) … ففى فقده سدت علينا المسالك ومالى لا أبكى عليه وقد بكت … عليه الثريا والنجوم الشوابك حلفت بما أهدت قريش وجللت … صبيحة عشر حين تقضى المناسك لنعم وعاء العلم والفقه مالك … إذا عد مفقود من الناس هالك وأنشد أبو محمد الضراب لبعضهم: إذا ما عدد العلماء يوما … فمالك في العلوم هو الضياء تبوأ (٣٤١) ذروة العلماء قوم … فهم كالأرض وهو لهم سماء وأنشد لآخر:

стр. 385

وفقيه الحرمين مالك … كان إذ يأمر بالأمر يطاع * وأنشد لطالب بن عصمة الأندلسي: إمام الورى في الهدى والسمت مالك … وفي الفقه والآثار ما أن يدارك فآراؤه في الفقه يسطع نورها … وتسهل من إيضاحهن المسالك وآثاره يهدى العباد مضيئها (٣٤٢) … كما تهدهم زهر النجوم الشوابك له من ذرى العلم السنام وشلوه … وفي سائر الناس الشظى والسنابك وأنشد الزبير أيضا لأبي المعافى: فدى مالك قوم تمنوا بموته … وما فيهم لو مات عوض ولا خلف تحمل علم الدين نورا مثقفا … بإسناد أقوام ثقات من السلف فلما أقام الأود من ذى قسيهم … وكان إليه غاية الرمي والهدف رموه بنبل كان قد راشها لهم … وعلمهم شد الأساعد والأكف (٣٤٣) فما ساعد منهم يقاوم ظفره … إذا قست منهم ساعدا ببنان كف وقيل أن مالكا لما سمع هذا الشعر قال: الله المستعان. وقال محمد بن أبي زيد لبعض من ناقض قول مالك ﵀: تخطيت خفض نجوم السماء وهذا هو الأمل الكاذب تروم إمام الهدى مالكا … وذاك هو الجبل الراسب فما أثر الذر في صخرة … ومجهوده قائم راتب بدون منالك (٣٤٤) من مالك … فدونك هذا الرجا الخائب وأنك من دون ما رمته … بعيد كما بعد الثاقب وقال عبد السلام بن سليمان: عادني مالك، فلست أبالي … بعد، من عادني ومن لم يعدني

стр. 386

وأنشد أبو مصعب لبعضهم: ومن لم يجالس مالكا منذ أن نشا … ولما يجالس غيره فهو جاهل وأنشد التسترى لمحمد بن عبد الرحمن البغدادي المعروف بأبى الحسن (٣٤٥) الصالحي يرثى مالكا بقصيدة أولها: قضى وطرا من غمه فهو جازع … ولج به طرف من الليل دامع وأبصر بالإيمان عورة دينه … فبات سهيرا والعيون هواجع رأى أن أيام الصبا لسن رجعا … وأن الهوى في حلة الشيب ضائع فلا اللهو محمود، ولا العيش راجع، … ولا الحلم مذموم، ولا الجهل نافع تذكر أن العلم ينهى عن الهوى … وراعته أعلام المشيب الروائع وبعد هذا أبيات كثيرة ذكر فيها المدينة فقال: حرام رسول الله فيها وأمنه … وللرجز والدجال فيها موانع ويأرز إيمان البلاد إليهم … إذا ظهرت فيها الهنات الفظائع ومنها أتى الله البلاد بدينه … كذا كل إيمان إلى الدار راجع ثم قال بعد أبيات *: سقى الله ما ضم النبي محمدا … من الأرض، ما يسقى الغمام الهوامع إلى روضة التقوى، إلى القبلة التي … بها قمر التقوى مصل وراكع إلى حفر الأصحاب (٣٤٦) والتابع الذي … به وصلتهم في الكتاب الدرائع وجاد لقبر فيه أكفان مالك … أفاوقه والمسبلات الدوافع

стр. 387

فنعم إمام العلم والكوكب الذي … أتى نوره في صفحة الدين ساطع عقيد الهدى فينا ومصباح ديننا … ومن قوله بالحق والرشد واقع ومن عروة الإسلام في بطن كفه … هي العروة الوثقى وبالحق صادع ومن هو خير الناس، والعلم هديه … ومن عنده أركانه والشرائع فإن لم تكن فيما قضى الله صاحبا … فإنك للأمى (٣٤٧) بالحق تابع أقمت لنا دين النبي محمد … وجاريه (٣٤٨)، والصهرين، مذ أنت يافع وعلمك أعلى العلم فرعا ومخرجا … كذا كل علم دونه متواضع إذا قرع الآذان هلت قلوبها … وأصغت إليه بالرقاب المسامع وما علم من لم يستمع قول مالك … ولم يعتقده قلبه وهو ضائع ولم يهد بالبرهان من علم مالك … وما وطيت (٣٤٩) أخباره والجوامع لعمرى لقد أورثتنا العلم خالصا … وقد أوحشت منك الديار البلاقع

стр. 388

نقلت إلينا عن مصابيح ديننا … بتوفيق رب فضل جدواه واسع فإن لم تكن فينا فعلمك بيننا … ندافع عنه من نشا ونصارع بكل بيان من كتاب وحجة … لها من قلوب المؤمنين مواقع ستبكيك أرض الناس، والناس فوقها، … وتبكيك في الجو النجوم الطوالع وحكى التسترى أن أبا المعافى سجنه والى المدينة العباس بن محمد في أمر رفع إليه، فكتب إلى مالك بشعر يقول فيه: ألا إن عمر العلم في عمر مالك … فلا زال فيا صالح الحال مالك الأبيات. فما فرغ منها حتى رئى الحياء في وجه مالك، ثم أطرق، فرفع رأسه وقال: إن الله فرض فرائض، وجعل حد الزاني الرجم إذا أحصن، وجلد مائة إذا لم يحصن، وجلد ثمانين إذا قذف محصنة، وإذا سرق ما فيه القطع، القطع، ولم أسمع أن الله أمر بالسجن في شيء من حدوده، فرفع ذلك إلى العباس فأرسل إلى مالك ليسأله، فقال: اليوم بعد ثلاثة أشهر أرى أن تفتح عليه الباب وتستحله فيما مضى. فخلى سبيله. وكان المعافى ينشد - يعرض بالقريشيين الذين أفتوا بحبسه -: فدى مالك قوم تمنوا بموته الأبيات. وأنشد لابن أبي سليمان أخى بنى خضرة (٣٥٠) في مالك:

стр. 389

كم فقه الله من جاف بمجلسه … وزاد فقها به من فقهه عاس (٣٥١) يا منتهى الناس في الفتوى إذا اجتهدوا … وقايسوك لدى النوكي بمقياس أنت البقية إذ أودت بقيتنا … لا الضارب الرأى أخماسا لأسداس وقال الفقيه محمد بن عمار الكلاعي البورقى (٣٥٢) أيضا في قصيدة منها: * وكن في ذى المذاهب مالكيا … مدينيا وسنيا متينا مدينة خير من ركب المطايا … ومهبط وحى رب العالمينا بها كان النبي وخير صحب … وأكثرهم بها أضحى دفينا ومالك الرضى لا شك فيه … وقد سلك الطريق المستبينا نظرنا في المذاهب ما رأينا … كمذهب مالك للناظرينا ومذهبه اتباع لا ابتداع … كما اتبع الكريم الأكرمينا وعندى، كل مجتهد مصيب … ولكن مالك في السابقينا وقد دل الدليل على صواب … يقول به لدى المتحققينا وقال الفقيه أبو حفص بن عبد النور الصقلي المعروف بابن الحكار في ذلك: تأملت علم المرتضين أولى النهى … فأفضلهم من ليس في جده لعب ومن فقهه مستنبط من حديثه … رواه بتصحيح الرواية وانتخب فما مالك إلا الهدى، ولذا اهتدت … به أمم من سائر العجم والعرب وقال أيضا:

стр. 390

ومالك هو نور قد أضاء لنا … بعلمه فجلونا ظلمة السدف لا يبتدى سائلا بالوعد يصرفه … ولا يحيل على الأوراق والصحف ولا يجيب جوابا ثم يتبعه … نقضا، ولكن برأى غير مختلف وقال الفقيه أبو الفضل بن النحوى في ذلك: أن الإمام الأصبحى … من النجوم الزاهرات حفظ الإله به الحديث … وعده في الحافظات وتصرفت آراؤه … في المبدآت المبدعات ومشى على الهدى الذي … يمشى عليه أخو الثبات أهل المدينة يهتدى … بهم وهم أعلى الرواة ويحيل بعد قياسه … في الحادثات المشكلات طلب المعالى فاستوى … فوق المعالي المشرفات وتشرقت (٣٥٣) أنواره … نحو البلاد القاصيات فأصاب منها من يو … فق للصواب والهداة والمسك ترتاح النفو … س إليه في المتطيبات وقال القاضي المؤلف ﵁: يا سائلا عن حميد الهدى والسنن … اطلب - هديت - علوم الفقه والسنن وعقد قلبك فاشدده على ثلج … لا تطوينه على شك ولا دخن (٣٥٤) واسلك سبيل الألى حازوا نهى وتقى … كانوا فبانوا حسان السر والعلن
следующие страницы →