عن أبي العباس أحمد بن بن محمد بن هانى البزار (٢٠٦) عن يحيى بن عتيك القروى، عن خالد (٢٠٧) بن عبد الرحمان المخزومي، عن مالك.
- * -
وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخه الكبير عن أبي العباس السراج النيسابوري أنه قال: هذه سبعون ألف مسألة لمالك، وأشار إلى كتب منضدة عنده، كتبها.
قال القاضي المؤلف ﵁: هي جواباته في أسمعة أصحابه التي عند العراقيين.
- * -
وقد نسب إلى مالك أيضا كتاب يسمى كتاب السر من رواية ابن القاسم، عنه.
حدثنا به بالإجازة أبو محمد بن عتاب، عن أبي عمر بن الحذاء، عن أبيه أبى عبد الله عن أبي القاسم الحسين بن عبيد الله بن أحمد العثماني، عن محمد بن عبد العزيز بن صافي الحراني، يعرف بالجرو، عن الحارث بن مسكين، عن (٢٠٨) ابن القاسم عن مالك.
- * -
وأما رسالته إلى الليث في إجماع أهل المدينة فقد رويناها أيضا، وذكرناها أول الكتاب بنصها، لأنها صغيرة واحتجنا إلى ذكرها في موضعها، والله ولي التوفيق بعزته.
стр. 317
باب في أخبار مالك مع الملوك، ووعظه إياهم، وحسن مقامه عند الولاة، وزيارته لهم، وأخذه منهم جوائزهم
قال القاضي ﵁:
سئل عيسى بن عمر المدني (٢٠٩): أكان مالك يغشى الأمراء؟ قال: لا، إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم.
وقيل لمالك: تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: يرحمك الله، وأين التكلم (٢١٠) بالحق.
وقال مالك حق على كل مسلم، أو رجل جعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه، أن يدخل إلى ذى سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر، ويعظه حتى يتبين دخول العالم على غيره، لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك، فإذا كان، فهو الفضل الذي لا بعده فضل.
- * -
قال عتيق بن يعقوب: كان مالك إذا دخل على الوالى وعظه وحثه على مصالح المسلمين، ولقد دخل يوما على هارون الرشيد، فحثه على مصالح المسلمين.
قال له: لقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور، حتى يخرج الدخان من لحيته، وقد رضى الناس منكم بدون هذا.
стр. 318
ودخل عليه مرة، وبين يديه شطرنج منصوب وهو ينظر فيه، فوقف مالك ولم يجلس وقال:
أحق هذا يا أمير المؤمنين؟
قال: لا.
قال: "فماذا بعد الحق إلا الضلال".
فرماه هارون برجله وقال: لا ينصب بين يدى بعد (٢١١).
وقال لبعض الولاة: افتقد أمور الرعية، فإنك مسؤول عنهم، فإن عمر بن الخطاب قال: والذي نفسي بيده لو هلك جمل * بشاطئ الفرات ضياعا لظننت أن الله يسألني عنه يوم القيامة.
وقال الحسن (٢١٢): سمعت مالكا يحلف بالله ما دخلت على أحد منهم - يعنى السلطان - إلا أذهب الله هيبته من قلبي حتى أقول له الحق.
قال خلف بن عمر: قلت لمالك: الناس يكثرون أنك تأتى الأمراء، فقال: أن ذلك بالحمل من نفسى، وذلك أنه ربما استشير من لا ينبغى.
وقال لآخر: لولا أنى آتيهم ما رأيت للنبى ﷺ في هذه المدينة سنة معمولا بها.
- * -
قال ابن وهب وابن عبد الحكم: قال مالك: دخلت على أبى جعفر فرأيت غير واحد من بنى هاشم يقبل يده المرتين والثلاث، فرزقنى الله العافية من ذلك فلم أفعل.
وروى أنه كان جالسا مع أبي جعفر، فعطس أبو جعفر فشمته مالك، فلما خرج أنكر عليه الحاجب ذلك وتهدده أن عاد لتشيمته، فلما كان بعد ذلك جلس عنده فعطس أبو جعفر، فنظر مالك إلى الحاجب،
стр. 319
ثم قال للمنصور: أي حكم تريد يا أمير المؤمنين؟ أحكم الله أو حكم الشيطان؟ قال: بل حكم الله. قال: يرحمك الله!
- * -
قال يعيش بن هشام الخابوري (٢١٣): كنت عند مالك إذ أتى رسول المامون، ويقال: الرشيد، وهو الصحيح، ينهاه أن يحدث بحديث (٢١٤) معاوية في السفرجل.
قال: تلا مالك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ الآية (٢١٥)، ثم قال: والله لأخبرن بها في هذه الغرفة (٢١٦)، واندفع فقال:
حدثنا نافع عن ابن عمر: كنت عند رسول الله ﷺ فأهدى إليه سفرجل، فأعطى أصحابه واحدة واحدة، وأعطى معاوية ثلاث سفرجلات، وقال: القنى بهن في الجنة. وقال رسول الله ﷺ : السفرجل يذهب طخاء (٢١٧) القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: لم يدرك مالك أيام المأمون، توفى قبلها، وذكر المامون هنا وهم.
- * -
قال الزبيرى عن مالك (٢١٨)، لما دخلت على أبي جعفر - وذكر قصته معه في حمل الناس على كتبه نحو القصة التي قدمنا - قال: كلمته في الناس، وحضضته عليهم، وجعل يسألني عن بنتى (٢١٩)،
стр. 320
وعن ابنى، وعن أهلى، فأخبره، ثم قال: أترى أنى أعرف منزلك ولا أعرف أمر الناس؟
ثم قال لي: إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة، أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سوء سيرة في الرعية، فاكتب إلى بذلك أنزل بهم ما يستحقون (٢٢٠)، وقد كتبت إلى عمالى بهذا أن يسمعوا منك ويطيعوا في كل ما تعهد إليهم، فانههم عن المنكر وأمرهم بالمعروف تؤجر على ذلك، وأنت حقيق أن تطاع ويسمع منك.
ثم خرجت فتبعتني صلته، ذكر أنها كانت خمسة آلاف وكسوة حسنة، ولابنه محمد ألف.
قال: فلما لحقه الخصى بالكسوة جعلها على منكبه، وكذلك كانوا يفعلون ليخرج بها على الناس، فانحنى مالك عنها كراهية لذلك، فناداه أبو جعفر: بلغها إلى رحل أبى عبد الله!
- * -
ولما قدم المهدى المدينة جاء الناس مسلمين عليه، فلما أخذوا مجالسهم استأذن مالك، فقال الناس: اليوم يجلس مالك آخر الناس. فلما دنا ونظر إلى ازدحام الناس، قال:
يا أمير المؤمنين! أين يجلس شيخك مالك؟
فناداه: عندى يا أبا عبد الله!
فتخطى الناس حتى وصل إليه، فرفع المهدى ركبته اليمنى وأجلسه.
قال ثم أتى المهدى بالطست والإبريق، فغسل يده، ثم قال للغلام: قدمه إلى أبي عبد الله، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، ليس
стр. 321
هذا من الأمر المعمول به، ارفع يا غلام! فأكل معه غير متوضيء، وذكر قصته (٢٢١) معه في الموطأ.
- * -
وروى أن مالكا دخل على عبد الملك بن صالح أمير المدينة، فجلس ساعة ثم دعا بالطعام والوضوء، فقال: ابدأوا بأبي عبد الله.
فقال مالك: أن أبا عبد الله - يعني نفسه - لا يغسل يده.
فقال: لم؟
قال: ليس هو الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا، إنما هو من زى الأعاجم، وقد نهى عمر عن أمر الأعاجم، وكان عمر إذا أكل، مسح يده بباطن قدمه.
فقال له عبد الملك: أأترك يا أبا عبد الله؟ فقال: أي والله! فما عاد إلى ذلك ابن صالح.
قال مالك: ولا آمر الرجل أن لا يغسل يده، ولكن إذا جعل ذلك كأنه واجب عليه، فلا.
أميتوا سنة العجم، وأحيوا سنن العرب، أما سمعت قول عمر ﵀: تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة، وإياكم وزى الأعاجم.
- * -
قال حسين بن عروة: ولما قدم المهدى المدينة بعث إلى مالك بألفي دينار، أو بثلاثة آلاف دينار، مع الربيع، فلما خرج من عنده قال:
يا جارية! لا تمسى هذا المال، فإني تفرست حين نظرت وجه الربيع، ورأيت فيه أمرا منكرا، ولهذا المال سبب.
فلما حج المهدى وقدم المدينة، أتاه الربيع بعد ذلك فقال له:
أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويحب أن تعادله إلى مدينة السلام.
стр. 322
فقال له مالك: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: قال رسول الله ﷺ : "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" والمال عندى على حاله، يا جارية! أخرجيه.
فأبى الربيع أن يقبله، فلم يزل به مالك حتى أخذه. فأتى الربيع المهدى، فغمه رد المال، فلما كان وقت رحلته شيعه الناس، فوصلهم، ووجه إلى مالك فودعه ولم يأمر له بشيء، فلما أتى منزله وجه له ستة آلاف دينار، فالتفت إلى من كان حاضرا فقال:
من ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا مما ترك.
- * -
وقال لمالك بعض ولاة المدينة: لم لا تخضب كما يخضب أصحابك؟ فقال له مالك: لم يبق عليك من العدل إلا أن أخضب!
وأثنى قوم على والى المدينة بحضرته عند مالك، فغضب مالك ثم التفت إليه وقال:
إياك أن يغرك هؤلاء بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك، يوشك أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك، فاتق التزكية منك لنفسك، أو ترضى بها من أحد يقولها لك في وجهك، فإنك أنت أعرف بنفسك منهم، فإنه بلغنى أن رجلا امتدح رجلا عند النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "قطعتم ظهره، أو "عنقه"، لو سمعها ما أفلح".
وقال النبي ﷺ : "احثوا التراب في وجوه المادحين" (٢٢٢).
- * -
стр. 323
وناظر أبو جعفر المنصور مالكا في مسجد النبي ﷺ ، فرفع أبو جعفر صوته، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد! فإن الله تعالى أدب قوما فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية (٢٢٣) ومدح قوما فقال، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ﴾ (٢٢٤) الآية، وذم قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ (٢٢٥) الآية، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبو جعفر.
وقال له أبو جعفر: أدعو مستقبل القبلة أم مستقبل رسول الله ﷺ ؟
فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك، ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله، واستشفع به إلى ربك يشفع لك، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية (٢٢٦).
- * -
قال أسامة بن زيد: لما قدم أبو جعفر، دخلنا مسلمين عليه، وأخذنا مجالسنا، فبينا نحن كذلك إذ دخل مالك، فقال له أبو جعفر:
إلى ها هنا يا أبا عبد الله، لم تركتم قول على وابن عباس، وأخذتم بقول ابن عمر؟
قال له: لأنه آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ .
فقال المنصور: يا أبا عبد الله، والله ما بقى على وجه الأرض أعلم مني ومنك، خذ بقول ابن عمر، ودعنى ممن سواه.
- * -
стр. 324
قبال مصعب: لما قدم المهدى المدينة، استقبله مالك وغيره من أشرافها على أميال، فلما بصر بمالك، انحرف (٢٢٧) المهدى إليه، فعانقه وسلم عليه وسايره، فالتفت مالك إلى المهدى فقال:
يا أمير المؤمنين! إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك، وهم أولاد المهاجرين والأنصار، فسلم عليهم، فإن ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ولا خير من المدينة.
فقال له: ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله؟
قال: لأنه لا يعرف قبر نبى اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد ﷺ ، ومن كان قبر محمد عندهم، فينبغي أن يعلم فضلهم على غيرهم.
ففعل المهدى ما أمره به مالك، فلما دخل المدينة ونزل، وجه ببغلته إلى مالك ليركبها ويأتيه، فرد البغلة وقال: إني لاستحيى من الله أن أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ ، وأتاه ماشيا، وكانت به علة، فاتكأ على المغيرة المخزومي وعلى ابن حسن العلوى، وعلى بن أبي على اللهبى، وهؤلاء علماء المدينة وأشرافها، فلما بصر به المهدى قال:
يا سبحان الله! ترك ركوب البغلة إجلالا لرسول الله ﷺ ، فقيض الله له هؤلاء فاتكأ عليهم، والله لو دعوتهم أنا إلى هذا ما أجابونى.
فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين! نحن قد افتخرنا على أهل المدينة، لما اتكأ علينا.
- * -
واستسقى مالك عند المهدى، فأتى بقدح زجاج في أذنه حلقة فضة، فأبى أن يشرب به، فأتى بكوز فخار فشرب، فأمر المهدى بالحلقة فقلعت.
- * -
стр. 325
قال معن: دخل إبراهيم بن يحيى العباسي أمير المدينة يوما على مالك، ومالك حديث عهد بعلة، فثبت مالك في مجلسه لم يقم له ولم يوسع، فجلس إبراهيم على أقل (٢٢٨) فراش مالك، ومالك لم يتزحزح، فحادثه ساعة، ثم قال له:
ما تقول يا أبا عبد الله في محرم قتل قملة؟
قال: لا يقتلها.
قال: فإنه قتلها، فما فديتها؟
قال مالك: لا يفعل.
قال: فعل.
قال: لا يفعل.
قال (٢٢٩): أقول لك قد فعل، فتقول: لا يفعل.
قال: نعم.
فقام إبراهيم مغضبا، وسكت مالك ساعة، ثم قال لنا: إنما يريدون أن يعبثوا بالدين (٢٣٠)، إنما الفدية على من قتلها غير عامد لقتلها، وهذا يريد أن لا تبقى في عسكره قملة على أحد من حشمه.
- * -
قال معن: وسأل إبراهيم هذا مالكا أن يكتب له كتابا، فكتبه له، ثم دخل عليه مالك يوما فقال له إبراهيم:
أحب أن تكتب لي كتابا مكان ذلك الكتاب، فقد ضاع.
فقال مالك: لم يضع أصلحك الله.
قال: بلى، وحقك لقد ضاع، فعجل على كتابا مثله.
قال: ما أنا بفاعل.
стр. 326
قال: لم؟
قال: لأنه لا يضيع كتاب مثلك، مر به يطلب تجده إن شاء الله.
ثم عاد إليه بعد، فقال: علمت يا أبا عبد الله أنا طلبنا الكتاب فوجدناه؟
قال: الحمد لله، أصبته حين طلبته.
- * -
قال عتيق بن يعقوب: خرجنا مع مالك إلى المصلى يوم عيد، ومالك يمشى، وخرج عبد الملك بن صالح أمير المدينة في سلاح وتعبئة ورايات وأعلام، فنظر إليهم مالك فقال:
إنا لله وإنا إليه راجعون، *ما هكذا كان النبي ﷺ والخلفاء الراشدون.
فبلغ ذلك عبد الملك، فأتاه في المصلى فقال: يا أبا عبد الله! ما الذي أنكرت؟
قال: ما رأيت معك، إنما يأتى الناس للصلاة خاضعين خاشعين يرجون المغفرة، ولقد أخبرني يحيى بن سعيد، أن النبي ﷺ ، دخل عام الفتح مكة في عشرة آلاف أو اثنى عشر ألفا، وكان راكبا وسط راحلته، وتحته قطيفة قيمتها أربعة دراهم، منكس الرأس، وهو يقول: الملك لله الواحد القهار، وكان يأتى المصلى للعيدين والاستسقاء، متوكئا على عصا أو قوس، منكسا رأسه، خاشعا.
- * -
قال عتيق بن يعقوب: دخل مالك يوما على عبد الملك بن صالح، وقد غضب على بعض أهل المدينة حتى بلغ ذلك منه، فقال له مالك: قال كعب لعمر: في التوراة أنه مكتوب: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، فقال له عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: ما بينهما حرف "إلا من حاسب نفسه".
- * -
стр. 327
ووعظ المنصور في افتقاد أحوال الرعية، فقال له:
أليس إذا بكت ابنتك من الجوع، جعلت الخادم تحرك الرحا لئلا يسمعها الجيران؟
فقال مالك: والله ما علم بهذا إلا الله.
فقال له: فعلمت هذا ولا أعلم حال الرعية؟
- * -
قال بعضهم: لما قدم الرشيد المدينة، وقال آخر: بعض الخلفاء، أراد أن ينقض منبر النبي ﷺ ويزيد فيه، فقال لمالك: ما ترى؟ فقال: ما أرى.
فغضب وقال: قد زاد فيه معاوية.
فقال مالك: إن المنبر إذ ذاك كان صلبا، فلست آمن إن نقضته أن تذهب البركة منه، وفى رواية: أن يتهافت فيتشاءم الناس منك، ويقولون: زال على يده أثر من آثار رسول الله ﷺ .
فقال: أحسن الله جزاءك، فترك ما كان نواه.
- * -
قال: وشاور المهدى مالكا في ثلاثة أشياء، في الكعبة أن ينقضها ويردها على ما كانت عليه، فأشار عليه أن لا يفعل، وفى المنبر أن ينقضه ويرده على ما كان عليه، وذلك حين أراد أن يرد المنابر كلها صغارا على منبر النبي ﷺ ، فقال له مالك إنما هو من طرفاء (٢٣١)، وقد سمر إلى هذه العيدان، يعنى التي زادها معاوية، وأخشى إن نقضته (٢٣٢) أن يخرب وينكسر، ولولا ذلك لرأيت أن ترده إلى حالته الأولى، وشاوره في نافع بن أبي نعيم القارئ أن يقدمه
стр. 328
للصلاة، فأشار عليه ألا يفعل وقال: هو إمام أخاف أن يكون منه شيء في الغفلة (٢٣٣) فيحكى عنه.
- * -
وقال ابن عبد الحكم: استأذن المهدى على مالك، فحبسه ساعة ثم أذن له، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين! أن العيال سمعوا بمجيئك فأحبوا أن يصلحوا من منزلهم.
- * -
قال سعيد بن أبى زنبر (٢٣٤): كتب مالك ﵀ إلى بعض الخلفاء كتابا يعظه فيه:
"أما بعد، فإني أكتب إليك كتابا لم آل فيه رشدا، ولم أدخر فيه نصحا، فيه تحميد الله تعالى، وأدب رسوله ﷺ ، فتدبر ذلك بعقلك، وردد فيه بصرك، وأوعه سمعك، واعقله بعقلك، وأحضره فهمك، ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله تعالى في الآخرة، وذكر نفسك غمرات الموت وكربه وما هو نازل بك منه، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله تعالى، ثم الحساب، ثم الخلود بعد الحساب، إما إلى الجنة وإما إلى النار، وأعد له ما تسهل به عليك أهوال تلك المشاهد وكربها فانك لو رأيت أهل سخط * الله تعالى، وما صاروا إليه من أنواع العذاب، وشدة نقمة الله، وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم مع كلوح وجوههم وطول عمهم، وتقلبهم في أدراكها على وجوههم، لا يسمعون ولا يبصرون، ويدعون بالثبور، وأعظم من ذلك عليهم حسرة إعراض الله تعالى عنهم بوجهه، وانقطاع رجائهم من روحه، وإجابته إياهم بعد طول الغم، أن "اخسأوا فيها ولا تكلمون" لم يتعاظمك شيء من الدنيا أردت به النجاة من ذلك، ولا أمنك من هوله، ولو قدمت في طلب النجاة جميع ما لأهل الدنيا كان ذلك صغيرا، ولو
стр. 329
رأيت أهل طاعة الله تعالى وما صاروا إليه من كرامة الله، ومنزلتهم، مع قربهم من الله تعالى، ونضرة وجوههم، ونور ألوانهم، وسرورهم بالنظر إليه والمكان منه، والجاه عنده، مع قربهم منه، لتقلل في عينيك عظيم ما طلبت به الدنيا.
فاحذر على نفسك حذر غير تغرير، وبادر لنفسك قبل أن تسبق إليها وما تخاف الحسرة فيه عند نزول الموت، وخاصم نفسك لله تعالى على مهل، وأنت تقدر بإذن الله على جر المنفعة إليها، وصرف الحجة عنها، قبل أن يوليك الله حسابها، ثم لا تقدر على صرف المكروه عنها، ولا جر المنفعة إليها.
اجعل لله تعالى من نفسك نصيبا بالليل والنهار، فإن عمرك ينقص مع ساعات الليل والنهار، وأنت قائم على الأرض وهو يسير بك، فكلما مضت ساعة من أجلك، والحفظة لا يغفلون عن الدق والجل من عملك، حتى تملأ صحيفتك التي كتب الله عليك.
فعليك بخلاص نفسك إن كنت لها محبا، فاحذر ما قد حذرك الله تعالى فإنه يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٢٣٥) ولا تحقر الذنب الصغير مع ما قد علمت من قول الله تعالى: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" (٢٣٦) وقال: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" (٢٣٧) وحافظ على فرائض الله تعالى، واجتنب سخط الله، واحذر دعوة المظلوم، واتق يوما ترجع فيه إلى الله، والسلام".
- * -
وقال ابن نافع الصائغ: كتب مالك إلى بعض الخلفاء كتابا فيه: "اعلم أن الله تعالى قد خصك من موعظتى إياك بما نصحتك به قديما، وبينت لك فيه ما أرجو أن يكون الله تعالى جعله لك سعادة وأمرا جعل سبيلك به إلى الجنة، فلتكن - رحمنا الله وإياك - فيما كتبت به
стр. 330
إليك مع القيام بأمر الله، وما استرعاك الله من رعيته، فإنك المسؤول عنهم، صغيرهم وكبيرهم، وقد قال النبي ﷺ :
"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وروى في بعض الحديث: "أنه يؤتى بالوالى ويده مغلولة إلى عنقه فلا يفك عنه إلا العدل".
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "والله لو هلكت سخلة (٢٣٨) بشط الفرات ضياعا لكنت أرى أن الله تعالى سائل عنها عمر".
وحج عشر سنين، وبلغني أنه كان ما ينفق في حجته إلا اثنى عشر دينارا، وكان ينزل في ظل الشجر، ويحمل على عنقه الدرة، ويدور في الأسواق يسأل عن أخبار من حضره وغاب عنه.
ولقد بلغني أنه، وقت أصيب، حضر أصحاب النبي ﷺ فأثنوا عليه، فقال لهم: المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على وجه الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع.
فعمر ﵀، كان مسددا موفقا * مع ما قد شهد له النبي ﷺ بالجنة، ثم مع هذا خائف لما تقلد من أمور المسلمين، فكيف بمن قد علمت؟ فعليك بما يقربك إلى الله، وينجيك منه غدا، واحذر يوما لا ينجيك فيه إلا عملك، ويكون لك أسوة بمن قد مضى من سلفك، وعليك بتقوى الله، نقدمه حيث هممت، وتطلع فيما كتبت به إليك في أوقاتك كلها، وخذ نفسك بتعاهدها، والأخذ به، والتأديب عليه، وسل الله التوفيق والرشاد إن شاء الله تعالى".
- * -
قال عبد الله بن مسلم الخياط: لما قدم الرشيد، لبست ثيابي وغدوت على مالك، فقلت: يتوكأ على، فأصيب بسببه من أمير المؤمنين مالا، فغدا مالك متكئا على يد ابنه يحيى، فأجاز مالكا بأربعة آلاف دينار، وأجاز ابنه بخمسمائة، وجاءته من الرشيد صلة.
- * -
стр. 331
وقال له رجل خراساني: ما تقول يا أبا عبد الله في رجل لقوم عليه دين، أعطى بعضا وترك بعضا، أله أن يأخذ منه؟
فقال مالك: إذا كان الرجل يغنى عن المسلمين ما لا يغنيه المسلمون عن أنفسهم، أخذ منه، ولقد كنت البارحة انظر في قصة "المحبسين" (٢٣٩) إلى أن طلع الفجر.
وقال الحارث عن ابن القاسم: كان مالك يقول: أما الخلفاء فلا شك، يعنى أنه لا بأس به، وأما من دونهم فإن فيه شيئا؟
- * -
وقال ابن أبي زنبر (٢٤٠): أجاز هارون مالكا بثلاثة آلاف، فقال له رجل من الزهاد: يا أبا عبد الله! ثلاثة آلاف تأخذها من أمير المؤمنين؟ كأنه يستكثرها (٢٤١)، فقال مالك: إذا كان مقدار ما لو كان إمام عدل، فأنصف أهل المروءة، أصابه شبيه لذلك، لم أر به بأسا، وإنما أكره الكثير الذي لا يشبه أن يستحقه صاحبه.
وسأله غير واحد عن جائزة السلطان فقال: لا تأخذها؟ فقال له: فأنت تقبلها. فقال: أتريد أن أبوء (٢٤٢) بإثمى وإثمك؟
وقال لآخر: جئت تبكتني بذنوبي؟
- * -
قال محمد بن مسلمة: دخل ملك على المهدى فقال له: أوصنى.
فقال: أوصيك بتقوى الله وحده، والعطف على أهل بلد رسول الله ﷺ وجيرانه، فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله
стр. 332
عليه وسلم قال: "المدينة مهاجرى، وبها قبرى، وبها مبعثى، وأهلها جيراني، وحقيق على أمتى حفظى في جيراني، فمن حفظهم كنت له شهيدا، أو شفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظ وصيتي في جيراني، سقاه الله من طينة الخبال (٢٤٣).
فأخرج المهدى عطاء كثيرا، وطاف بنفسه على دور المدينة، فلما أراد الخروج، دخل عليه مالك، فقال له: يا مالك، أما إني متحفظ بوصيتك التي حدثتني بها، ولئن سلمت لأغفلت عنهم.
- * -
وقال أبو مصعب: قال لي مالك: دخلت على المهدى، فذكر المدينة، فقلت له: أن النبي ﷺ قال: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب، وهى المدينة، تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد. فأخذ المهدى "وبرة" (٢٤٤) من فراشه وقال: والله لا واسيتهم ولو بهذه.
قال مالك: ثم دخلت على هارون، فسألني عن أهل المدينة، فحدثته بأحاديث المهدى، فقال لي: ما قال المهدى؟ فأعلمته بما كان، فقال: أنا ابن أبي.
- * -
قال الزبيرى (٢٤٥): سمعت مالكا يقول: لما قدم هارون كنت قد لقيته، فقلت:
يا أمير المؤمنين: إن لأهل المدينة حقا فاستوص بهم خيرا، فقال: وما حقهم؟ فقلت: هل تعلم أنه يعرف على وجه الأرض قبر نبي غير قبر نبيك محمد ﷺ ؟ * قال: لا، قلت: فلو أن أهل المدينة
стр. 333
خرجوا عنها، وجب عليك أن تجيء بمن يسكنها ويجاور قبره، وتجري عليه الرزق، فقال لي: لو لم أملك من الدنيا إلا ردائي هذا لواسيتهم به.
- * -
قال مصعب وابن أبي زنبر (٢٤٦): استفتى والى المدينة مالكا في مسألة، فأبى أن يجيبه، وقال: كيف أجيبك وقد وليت على المسلمين خيثم بن عراك؟ فعزله وأفتاه.
- * -
قال يحيى بن بكير: حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا على أن عليه عتق رقبة، فسأل مالكا فقال: صيام ثلاثة أيام، فقال: لم؟ أأنا معدم، وقال الله تعالى: "فمن لم يجد" فأقمتنى مقام المعدم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، كل ما في يديك ليس لك، فعليك صيام ثلاثة أيام (٢٤٧).
- * -
قال عبد الرزاق: دخل مالك على أبي جعفر فقال له: من بالباب من أصحاب نافع؟ فقال: مالك، وعبد الله بن عمر (٢٤٨)، وابن أبي ذيب، فقال: أو ليس يدين (٢٤٩) بذلك الرأى؟ يعنى القدر، قال: يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي أسمعناها منك، إن كنا لنزنك بها (٢٥٠).
- * -
قال المفضل بن محمد بن حرب: دخل مالك والقاضى ابن عمران في أشراف المدينة على المنصور، فكان كل من أراد الانصراف ألقى له أبو جعفر كمه فقبله، فقال بعضهم: لاقتدين اليوم بهذا الشيخ، يعنى
стр. 334
مالكا، فإن قبل الكم (٢٥٣) قبلت، وإن لم يفعل لم أفعل، فقام مالك وانصرف ولم يقبل، وأردت ذلك فلم تقلن ركبتاي حتى قبلت.
- * -
قال معن: أفتى مالك عند والى المدينة بقتل رجل، فأمر الوالي بضرب وسطه، فتهيأ مالك للقيام وقال: لا أقعد في مكان يمثل فيه بأحد، قال الله تعالى: "فضرب الرقاب" فقال الوالى: اقعد يا أبا عبد الله، لا يضرب وسطه، اضربوا عنقه.
стр. 335
باب من أخبار مالك ﵀ مع العلماء ومناظرته معهم
قال القاضي رضى الله تعالى عنه:
قال عبد العزيز بن يحيى: لما قدم أمير المؤمنين المدينة ومعه أبو يوسف (٢٥٤) والبرمكى، وكان قاصدا لمالك يحب حطه ووضعه، فقال يحيى:
يا أمير المؤمنين! إن مالكا حمل الناس على رأيه، وأظهر الاستخفاف برأى أهل العراق، فلو جمعت بينه وبين أبي يوسف، فإن كان الحق بيده عرفت ذلك، وإن كان بيد غيره عرفت ذلك.
فوجه أمير المؤمنين إليه يقرئه السلام، ويأمره بالمسير إليه.
فكتب إليه مالك: إن كان أمير المؤمنين أراد أن يسألني عما أشكل عليه، فأرى أن يكتب إلى بذلك ليأتيه فيه الجواب، فإني ضعيف البدن لا تحملني رجلاي.
فقال له يحيى: يسمع الناس أنك وجهت إلى مالك فلم يأتك! فاكتب إليه بعزيمة. ففعل.
فجاءه مالك، فدخل عليه متوكئا على ثلاثة نفر من أصحابه: المغيرة المخزومي، وعبد الرحمن بن عبد الله العمري، وسعيد بن سليمان المساحقى العامري.
стр. 336
فلما جلسوا، وكان هؤلاء الثلاثة يومئذ أشراف المدينة والمنظور إليهم، فجاء أبو يوسف حتى جلس مستقبل مالك فقال:
يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في مناظرة أبي عبد الله؟
فقال: ناظره.
فقال أبو يوسف: أن أبا عبد الله يقول: لو أن رجلا أخذ لوزة فحلف بالطلاق أن فيها توأما (٢٥٥)، ثم كسرها كسرا عنيفا، لم يعرف ما فيها، لكان حانثا.
فقال المساحقى: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في الكلام؟
قال (٢٥٦): نعم؟
قال: أن أبا عبد الله يقول بأشد من هذا، يقول: لو أنه كسرها كسرا رفيقا فخرج منها نوى (٢٥٧) لحنث، لأنه حلف على غيب لا يعرفه، والطلاق لا لعب فيه.
فقال أمير المؤمنين: نعم ما قال.
فقال أبو يوسف: أن أبا عبد الله يقول: لو أن رجلا طلق امرأته قبل أن يدخل بها، وقد أصدقها * مائة دينار، لم يرجع إليه نصف الصداق كما قال الله تعالى.
فقال العمرى: أيأذن لي أمير المؤمنين في الكلام؟
قال: نعم.
قال: أن أبا عبد الله يقول بالقول الذي لا يعرف أمير المؤمنين غيره، وهو قول آبائه ومن مضى من أسلافه، أن رجلا لو أصدق امرأته مائة دينار فقالت: أنا أضعها عند أبوى، وأدخل عليك عريانة، لم
стр. 337
يكن ذلك لها، دون أن تنفق ذلك فيما مضت به سنة المسلمين من جهازها وما يصلحها، فإن تركها حتى أنفقت ذلك فيما لابد لها منه من ذلك، ثم طلقها وقال لها: بيعي كل ما اشتريت وجيئينى بخمسين دينارا، لم يكن ذلك له إلا فيما استهلكت فيه الصداق.
فقال أمير المؤمنين: نعم ما قال أبو عبد الله.
فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين، أن مالكا قد أكفأ الناس عن دينهم (٢٥٨)، وحملهم على رأيه، وجهلهم بأمر أولهم، وترك الأحاديث عن آباء أمير المؤمنين وأعمامه.
وذكر باقى كلامه وجواب المغيرة له، إلى خروج مالك بنحو من حديث الزبيرى الذي أذكره بعد هذا.
قال: فأتبعه الرشيد بأربعة آلاف دينار جائزة.
- * -
وذكر أن مالكا قال للرشيد إذ قال له ناظره: ليس هو عندى من أهل العلم فأناظره.
وفى رواية الشافعي: إنما يناظر العالم العالم ليتعلم الناس فيما بينهم، أو عالم يتعلم الناس منه، فأما أبو يوسف فقد باعده الله من ذلك.
فاشتد على هارون ذلك وغضب، فقال له:
وكيف يكون من أهل العلم، وهذه صدقات رسول الله ﷺ وصدقات أصحابه قائمة، يتوارثها المسلمون قرنا بعد قرن، فيجهلها ولا يعرفها؟
وفى رواية أنه قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، هل لرسول الله ﷺ وقف تأخذ منه وتجعله حيث رأيت؟
قال: نعم.
стр. 338
قال: فهذا يقول: أن الوقوف باطلة.
فالتفت هارون إلى أبي يوسف مغضبا فقال له: ما تقول؟
قال: كان صاحبنا لا يراه، وأنا أراه، زاد في رواية: من الثلث.
فأعرض عنه الرشيد.
- * -
قال الواقدى: لما حج الرشيد وسار إلى المدينة أراد أن يجمع بين مالك وأبي يوسف، فبعث إلى مالك يسأله أن يسير إليه.
فبعث إليه: إني لا أقدر لعلة بي من رجلى.
فبعث إليه: فنرسل لك دابة.
فقال: لا. الدابة أشد على من المشى.
قال: فنرسل إليك محفة.
قال: هي شهرة لا أحبها.
فأرسل إليه: إن لم يمكنك المجيء جئناك.
فلما سمعها تلبس ومضى إليه يهادى بين اثنين، فدخل عليه والمجلس غاص، وقد أخذ الناس مجالسهم، فسلم، وكره أن يجلس حيث انتهى فيكون مؤخرا، أو يتخطى فيسيء الأدب، فقال: أين أجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: إلى إلى أبا عبد الله.
فرفعه إليه.
فلما تمكن سأله أبو يوسف عن مسألة من الرهن فلم يجبه. فقال: يا أمير المؤمنين! قل له يجيبنى.
فقال: أجبه. فأجابه.
فقال أبو يوسف: ولم؟ فسكت عنه (٢٥٩).
стр. 339
فقال: قل له يجيبنى.
فقال له الرشيد: أجبه.
فقام المغيرة (٢٦٠) فقال: يا أمير المؤمنين! ها هنا من يكفى أبا عبد الله الجواب إن أذن أمير المؤمنين.
قال: من هو؟
قال: أنا.
مناظره، فانفرد المغيرة بجوابه، ولم يزل يناظره حتى انقضى المجلس.
قال الواقدي: فقال لي يحيى بن برمك: تمنيت أن يعجل المؤذن بالأذان فيتفرق المجلس، لما لقى أبو يوسف منه.
وقال المغيرة لمالك حين خرجوا: كيف رأيت مناظرتي للرجل؟
قال: رأيتك مستعليا عليه، غير أنك تنزل *.
قال: وما هو؟
قال: كنت إذا ظهرت عليه في المسألة فظافرته، أخرجك إلى غيرها وتخلص منك بذلك، وكان ينبغي لك ألا تفارقه فيها حتى تفرغ منها.
- * -
وروى أن أبا يوسف لما سأل الرشيد أن يناظر مالكا في مجلسه، نهاه الرشيد عن ذلك وقال له:
- إياك والمدنى.
فأعاد عليه المسألة مرارا، فأذن له، ففاتحه، فجعل مالك يقول:
حدثنا نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ .
وأبو يوسف يقول: حدثنا الحسن بن عمارة عن الحكم، وأبو حنيفة عن حماد.
стр. 340
فلما أكثر قال له مالك: ساء ما أدبك أهلك يا يعقوب، أحدثك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وتحدثني عن الحسن بن عمارة وأبي حنيفة.
فنظر إليه الرشيد نظر مغضب، وأومأ بعينه: أن قد نهيتك عن التعرض.
- * -
وفى رواية مطرف: أن أبا يوسف سأل مالكا عن رجل حلف أن لا يصلى نافلة أبدا، فقال مالك:
أرى أن يضرب ويؤدب حتى يصلى وهو كاره.
فجاء هارون ولم يكن حاضرا، فقال له أبو يوسف: إني سألت مالكا عن كذا وكدا، فقال كذا وكذا.
فقال: أو ترى ذلك يا أبا عبد الله؟
قال: لا.
فقال له أبو يوسف: أليس قد قلت لي ذلك؟
قال: بلى، ولكنك رجل عراقي، أن أفتيت بترك النافلة، أفتى الناس بترك الفريضة، وأنت لا أخافك على ذلك.
فلما خرج، خرج معه أبو يوسف يتوكأ عليه، ومالك يقول له: ارجع. حتى بلغه منزله.
- * -
قال دفافة بن عبد العزيز: رأيت أبا يوسف سأل مالكا عند الرشيد عن مسألة، فأجابه مرتين أو ثلاثا، وحضرت الصلاة، فقام الرشيد إلى المسجد وقمنا معه (٢٦١)، فلصقت بمالك فقلت له:
стр. 341
أن هذا يتعنتك فلا تجبه، وأمير المؤمنين لا يكره ذلك.
فلما انصرفنا عاد أبو يوسف، فلم يجبه مالك وقال إنما حسبته مسترشدا، وأظنه إنما يسأل معنتا فلا أجيبه.
- * -
قال بعضهم: سأل أبو يوسف الرشيد، أن يأمر مالكا يناظره، فقال: ناظره يا أبا عبد الله.
فقال مالك: إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة.
فلم يفهم هارون عنه، وجعل يقول: ناظره. ومالك ساكت.
فقال عبد الملك بن الماجشون: أن شيخنا يا أمير المؤمنين قد جل عن المناظرة والكلام، ونحن تلاميذه نقوم مقامه، فنحن نناظره، ونتكلم عنه، فإن رأى خطأ لم يسكت عليه.
فقال هارون: ذلك.
فلما تناظرا، ذكر أبو يوسف صداق المرأة وقال: لها أن تصنع به ما شاءت، إن شاءت رمت به وجاءته في قميص، وإن شاءت جعلته في خيط الدوامة (٢٦٢).
فقال مالك: لو أن أمير المؤمنين خطب امرأة من أهله، وأصدقها مائة ألف درهم، فجاءته في قميص، لم يحكم لها بذلك، ولكن يأمرها أن تتجهز وتتهيأ له بما يشبهه، مما يتجهز به النساء.
فقال هارون: أصبت.
- * -
قال: وأخذ الحديث إلى أن قال أبو يوسف:
أجرى النبي ﷺ من الغاية.
стр. 342
فقال مالك: لا يا أمير المؤمنين، إنما هي الغابة، وهى وراءك (٢٦٣).
قال أبو محمد الزهري: وقال أبو يوسف لمالك: ما تقول في رجل بعث مع رجل دينارا، وبعث معه آخر دينارين، فخلطهما، ثم سقط له منها دينار؟
فقال مالك: أما واحد فلصاحب الاثنين لا شك فيه، وواحد فيه شك فيتشاطرانه.
- * -
قال عبد الملك بن الماجشون: سأل رجل من أهل العراق مالكا عن صدقة الحبس *، فقال: إذا حيزت (٢٦٤) مضت.
فقال العراقي: أن شريحا قال: لأحبس عن كتاب الله.
فضحك مالك، وكان قليل الضحك، وقال: يرحم الله شريحا، لم يدر ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ هنا.
- * -
قال سعيد بن داود بن أبي زنبر (٢٦٥): دخل هارون المدينة ومعه أبو يوسف، فأتى إليه مالك، فسلم عليه، وأبو يوسف عن يسار الرشيد، وابناه الأمين والمأمون بجانبه، فلما دخل مالك غمز هارون ابنيه فقال:
стр. 343
قوما بين يدى عمكما حتى يخرج. يعنى مالكا.
قال أبو يوسف: فدخل، وكان على مالك ثياب عدنية سود، فوالله ما رأيت قط أحسن منه فيها، فتزحزح هارون له حتى أجلسه معه على المنصة، فكأن أبا يوسف حسده، فقال له:
ما تقول يا أبا عبد الله في محرم كسر ثنية ظبي؟
فقال مالك: عليه الفدية.
فضحك أبو يوسف وقال: وهل للظبى ثنايا؟
فرفع مالك رأسه إلى هارون وقال له: يا سبحان الله! ما علمت أن أحدا يذكر العلم فيضحك، فلا وقر العلم، ولا مجلس أمير المؤمنين، وإنما أجبته: إن كان الظبى في حالة يكون له سن في موضع الثنية، ففعله محرم، فعليه الفدية، وإلا فقد علمت منه ما علم، وليس هذا ينبغى للناس أن يعلموه، ولا هو بواجب عليهم، ولكن ما تقول في إمام عرفة إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة، هل عليه أن يجهر بالقراءة؟ فإن هذا واجب على المسلمين أن يعلموه.
فقال أبو يوسف: يوسف: يجهر بها.
فقال مالك: أخطأت، والله ما يذهب هذا عن صبيان مكة وسودانهم، دون غيرهم، أن الجمعة إذا وافقت عرفة لا يجهر فيها، يتوارثها الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا.
ثم التفت إلى هارون وقال: يا أمير المؤمنين! سفيه سأل عن مسائل السفهاء، توليه على أمور المسلمين؟
وقام، فلما كان وقت الرواح عاد إليه وهو متكئ على المغيرة والمساحقى فسلم عليه، فالتفت أبو يوسف إلى هارون فقال:
يا أمير المؤمنين! أبو عبد الله لا يحدث عن آباء أمير المؤمنين: العباس، وعبد الله، وعلى، وإنما يحدث عن معاوية ومروان وابنه، قد جعل أحاديثهم سننا.
стр. 344
قال: ومالك ساكت.
فقال المغيرة: يأذن لي أمير المؤمنين في الكلام؟
قال: تكلم.
قال: أن أبا عبد الله يحدث عن آباء أمير المؤمنين: العباس وابنه، وعن بنى أعمامه: على وأولاده، وعن أعطاف أمير المؤمنين: معاوية ومروان وابنه، ولا يحدث عن فلان العلاس (٢٦٦) ولا عن فلان القتات، ولا عن فلان صاحب الشعير.
وهؤلاء معروفون لا شك فيهم، يعنى الذين روى مالك عنهم.
فنكس أبو يوسف رأسه وسكت.
فقام مالك فقال: يا أمير المؤمنين! قد حضرتنى العلة التي ذكرتها لك، وأبو يوسف رجل بطال، ومن علم أن الزمان يفنى، والموت يأتى، يكون عمله بخلاف عمل يعقوب.
- * -
قال سعيد بن أبى مريم ومصعب بن عبد الله: قدم هارون المدينة ومعه أبو يوسف، فدخل عليه مالك فرفعه فوق أبي يوسف.
وقال مصعب: فقال مالك: أين يجلس الشيخ؟
فقال هارون: حيث شاء.
فجلس فوق أبي يوسف.
فقال له: يا يعقوب، ناظر أبا عبد الله.
فقال أبو يوسف: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق ملء سكرجة (٢٦٧)؟
стр. 345
فأطرق مالك ساعة، ثم رفع رأسه، فقال له هارون:
أجبه يا أبا عبد الله!
فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، نظرت مسألته في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وقول الصحابة والتابعين، فلم أجد أصل مسألته فيها، ولا خير في علم لا يكون فيما ذكرته.
فالتفت هارون إلى أبي يوسف وقال له: يا يعقوب! أن أبا عبد الله اجتث مسألتك من أصلها.
قال مصعب: فقال: يا أمير المؤمنين! ليس عنده في ذلك شيء، ولو كان لاجاب، وضحك.
فالتفت إليه مالك وقال: ساء ما أدبك أهلك، أتضحك في مجلس أمير المؤمنين؟
فخجل أبو يوسف.
ثم سأل أمير المؤمنين مالكا عن مسائل فأجابه فيها فسر بذلك، وكان في المجلس رجل يقال له سندل (٢٦٨)، فقال:
ان أبا عبد الله، مرة يخطئ، ومرة لا يصيب.
فقال مالك: كذا الناس.
فلما فكر في قوله، غضب غضبا شديدا، ثم قال:
يا أمير المؤمنين! قال الله تعالى: "ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله" (٢٦٩) الآية، وما ظننت أن أحدا من المسلمين يذكر الله والرسول فلا يمرض قلبه خوفا لهما، قال الله: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة" (٢٧٠) الآية، فلا عرفتم حق عظمة الله، ولا عرفتم قدر رسوله ولا عرفتم حق مجلس أمير المؤمنين!
стр. 346
ثم قام مغضبا يقول: بليتم بالإسلام (٢٧١)، وبلى بكم أهل الإسلام، وخرج. فصعب ذلك على هارون وقال لأبي يوسف:
- قم فالحق بالشيخ، وأرضه.
فخرج فوجد مالكا قد جلس في حانوت صديق له سراج، يستريح فيه، وأبو يوسف على فرس محلى، بين يديه جماعة، فسلم عليه وقال:
- كيف ترانى يا أبا عبد الله؟
فنظر إليه مالك وقال: مثل قيصر في قومه.
فخجل ومضى.
- * -
قال أبو مصعب: قال أبو يوسف لمالك: تؤذنون بالترجيع، وليس عندكم عن النبي ﷺ فيه حديث.
فالتفت إليه مالك وقال: يا سبحان الله! ما رأيت أمرا أعجب من هذا، ينادى على رؤوس الأشهاد في كل يوم خمس مرات، يتوارثه الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا، يحتاج فيه إلى فلان عن فلان، هذا أصح عندنا من الحديث.
- * -
وسأله عن الصاع فقال: خمسة أرطال وثلث.
فقال: ومن أين قلتم ذلك؟
فقال مالك لبعض أصحابه: أحضروا ما عندكم من الصاع.
فأتى أهل المدينة، أو عامتهم، من المهاجرين والأنصار، وتحت كل واحد منهم صاع، فقال: هذا صاع ورثته عن أبي عن جدى صاحب رسول الله ﷺ .
стр. 347
فقال مالك: هذا الخبر الشائع عندنا أثبت من الحديث.
فرجع أبو يوسف إلى قوله.
- * -
قال معن: دخل مالك على هارون وعنده أبو يوسف، فلم يزل هارون يدنيه حتى أخذ بيده وأجلسه إلى جنبه، وجعل يسأله: يا أبا عبد الله، يا أبا عبد الله؟ فقال له أبو يوسف: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ فأعرض عنه، فقال له هارون: هذا قاضينا. فأعرض عنه، فسأله أبو يوسف عن مسألة فلم يجبه. فقال له هارون: أجبه. فقال له مالك وهو معرض عنه: إذا رأيتنا جلسنا لأهل الباطل فتعال حتى أجيبك.
- * -
قال ابن حنبل: سأل أبو يوسف مالكا عن مسألة عند هارون فلم يجبه (٢٧٢)، فقال أبو يوسف لهارون: قل له يجيبنى. فقال له مالك: ساء ما أدبك أهلك.
- * -
ودخل محمد بن عجلان (٢٧٣) على مالك، وكانت فيه حدة فقال له وهو دائم:
أرأيت الذي تفتى الناس فيه أن محرم رسول الله ﷺ من ذي الحليفة؟
فقال له مالك: إن جلست فاستمعت كلمتك.
فجلس، فقال له مالك: أرأيت إن كان ما قلت إن محرم رسول الله ﷺ * من البيداء، أليس يأتي على ذلك ويدخل فيه ما أقول؟
قال: بلى.
стр. 348
فقلت: أفرأيت ما أقول أن محرمه ﷺ من المسجد، أليس يخرج من ذلك من عمل (٢٧٤) بما تقول، وقد اختلف في ذلك، فالحيطة في مسجد ذى الحليفة، والحديث فيه أقوى، وقد قال ابن عمر: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، ومكان ابن عمر من الإسلام مكانه، وقد صحب رسول الله ﷺ وأكثر الرواية عنه، وكان معه في صحبته يدون أفعاله ليفعلها ويستقريها (٢٧٥)، حتى إن كان ليخرج إلى الحج والعمرة فيتحرى في بعض المواضع التي قد عرف مواطئ أخفاف راحلة النبي ﷺ ، وعاش بعده ثلاثا وستين سنة، ويرى ما فعل أصحاب رسول الله ﷺ .
فلم يزل يكلمه حتى تبين لابن عجلان قوله، فقام إلى رأس مالك فقبله.
- * -
قال حامد بن يحيى وغيره، - وبعضهم يزيد على بعض، فأتينا بالخبر كاملا بزياداته -:
اجتمع عند أمير مكة مالك بن أنس، وعمر بن قيس المعروف بسندل، أخو حميد بن قيس، فقيل لعمر:
هذا رجل من ذى أصبح (٢٧٦).
قال: وأنا رجل من ذى أمسى.
وأقبل على مالك فقال له: ما تقول فيمن كسر ثنية ظبي؟ فقال: عليه ما نقصه.
стр. 349
فقال عمر: الأحيان يخطئ، والأحيان لا يصيب.
فقال مالك: هكذا الناس. ثم فطر.
فقال عمر: لا، ولكن هكذا أنت.
فأقبل مالك على الأمير وقال: ما ظننت أن الأمير يحض مجالسه اللعابين.
ثم قال: من هذا؟
قيل له: عمر بن قيس أخو حميد (٢٧٧).
فقال: لو علمت أن لحميد أخا مثل هذا ما رويت عنه.
قال أبو داود السجستاني: سقط عمر بن قيس بهذا المجلس.
- * -
وقال غيره: حج مالك فجلس عند الميزاب في ظل الكعبة، وكثر الناس عليه يستفتونه، فإذا جاء أحد يسأله عن الحج، قال: أفرد، أفرد، هي سنة النبي ﷺ .
فأتاه عمر بن قيس فوقف عليه، وقال: يا مالك! أنت هالك، جلست في حرم الله تضل حجاج بيت الله، تقول: أفردوا أفردوا! أفردك الله.
فقام إليه الناس، فقال مالك: دعوا المسكين، فهو في شر من هذا، أنه يشرب الخندريس، وفي رواية: يستحل شرب الخندريس، يعنى المسكر من النبيذ، زاد بعضهم: أنه باع مصحفا فاشترى كلبا.
فولى عمر وقد اسود وجهه، فوضعه الله إلى يوم القيامة.
- * -
وقال أبو مصعب: أرسل الموالى إلى مالك بغلام شاب شهد عليه بالسرقة، وقد كان أفتى المغيرة، أحسبه قال: وابن أبي حازم، بقطعه، ومدت يده للقطع، ثم قال الوالى: اذهبوا به إلى مالك، فأدخل عليه،
стр. 350
وقرئت له قصة طويلة، وشهادات قوية، ثم مر به شاهد يشهد أنه نظر إليه يوم سرق فوجده قد أنبت (٢٧٨)، فقال: انظروا مع هذا الشاهد غيره، فلم يوجد، فقال: أرى شاهدا واحدا على الإنبات، ولم ينظر فيه حتى شك، لا قطع عليه.
فقال له الرسول: فكم ترى يضرب؟
قال: خمسة وسبعين سوطا، ولو احتمل لزدت.
- * -
وقدم أبو عبد الرحمن السروجى، فأتى مالكا فجلس بين يديه، وعلى مالك رداء عدنى اشتراه بخمسمائة درهم، فسأله عن رجل مات ولم يحج حجة الإسلام، ولا أوصى بها، أيحج من ماله؟
قال مالك: لا.
قال له أبو عبد الرحمن: ما هكذا يقول علماؤنا.
قال: وما يقول * علماؤكم؟
فقال: حدثنا هشيم (٢٧٩)، وذكر الحديث: "أن النبي ﷺ سمع رجلا يلبى عن شبرمة، فقال له النبي ﷺ : عن نفسك، ثم عن شبرمة".
فقال مالك: علماؤنا علماؤنا! من علماؤكم؟ تحدثني عن البغالين (٢٨٠) قال الله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" (٢٨١)، ثم قال: أقيموه. فأقامونى، فبودي لو سكت حتى أسمع منه.
- * -
قال الحارث بن مسكين: كان ابن هرمز قد أوصى مالكا وعبد العزيز فقال: إذا دخلتما على السلطان فكونا من آخر من يتكلم عنده.
стр. 351
قال أبو عمرو: فلعمرى لقد لزم مالك ذلك، ولقد بلغني أن بعض الأمراء أحضره في جماعة فيهم ابن أبي ذئب، فأخرج إليهم قصة قرئت عليهم في رجل أقر على نفسه بالقتل عمدا، فقالوا بأجمعهم:
نرى عليه القتل، ويدفع إلى ولاة المقتول، فإن شاءوا قتلوا، أو عفوا.
ومالك ساكت. فقال له الأمير:
ما تقول يا أبا عبد الله؟
[قال: انظر.
وأطرق يفكر، وجعل الأمير يحركه للقول، وهو يقول: هو القتل، حتى انظر.
فقال القوم فيما بينهم: ما ينظر؟ أي شيء في هذا؟ فرفع رأسه وقال: أين القاتل المقر؟
فإذا حدث السن] (٢٨٢)، فقال:
منذ كم حبس؟
فقال: منذ كذا.
فإذا إقراره كان قبل أن يحتلم.
- * -
قال بعضهم: اجتمع مالك والأوزاعي فتناظرا، فجعل الأوزاعي يجر مالكا إلى المغازى والسير، فقوى عليه، فلما رأى مالك ذلك جره إلى غيرها من الفقه، فقوى فيه مالك عليه.
стр. 352
باب ذكر محنته ﵀
قال القاضي ﵁:
قال ابن مهدى (٢٨٣): اختلف فيمن ضرب مالكا، وفى السبب في ضربه، وفى خلافة من ضرب.
فقيل: أن أبا جعفر نهاه عن الحديث: "ليس على مستكره طلاق"، ثم دس إليه من يسأل عنه، فحدث بسه على رؤوس الناس، فضربه بالسوط.
وقاله مصعب، إلا أنه قال: أن الذي نهاه، جعفر بن سليمان (٢٨٤).
- * -
وقال الواقدى: لما سود مالك، وسمع منه وقبل قوله، حسده الناس وبغوه، فلما ولى جعفر بن سليمان على المدينة، سعوا به إليه وكثروا عليه عنده. وقالوا:
لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث يرويه ثابت الأحنف، في طلاق المكره أنه لا يلزم (٢٨٥).
فغضب جعفر، ودعا به، فاحتج عليه بما رفع إليه، ثم جرده (٢٨٦) ومده فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه.
وفى رواية عنه: ومدت يداه حتى انخلع كتفاه.
стр. 353
وكذلك اختلف على مصعب الزبيرى فى هذا.
- * -
وقال الجيانى (٢٨٧): بقى مالك بعد الضرب مطابق اليدين، لا يستطيع أن يرفعهما، وارتكب منه أمر عظيم، فوالله ما زال مالك بعد ذلك الضرب فى رفعة من الناس وعلو واعظام، حتى كأنما كانت تلك الأسواط حليا حلي به.
وقيل: ان هذا كان فى أيام الرشيد، وان فتيا مالك إنما رفعت للرشيد.
- * -
قال أبو الوليد الباجي: ولما حج المنصور، أقاد مالكا من جعفر بن سليمان، وأرسله إليه ليقتص منه، قال:
- أعوذ بالله، والله ما ارتفع منها سوط عن جسمى إلا وأنا أجعله فى حل، ذلك الوقت، لقرابته من رسول الله ﷺ .
- * -
قال غيره: لما دخلت على أبي جعفر، وقد عهد الى * أن آتيه بالموسم، قال لى:
والله الذى لا اله الا هو، ما أردت الذى كان ولا علمته (٢٨٨)، وانه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، واني اخالك أمانا لهم من عذاب الله، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة (٢٨٩)، فانهم أسرع الناس للفتن، وقد أمرت بعدو الله أن يؤتى به من المدينة الى العراق على قتب (٢٩٠)، وأمرت "نصيرا" بحبسه (٢٩١) والاستبلاغ في امتهانه، ولابد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه.
стр. 354
فقلت: عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه.
ونزهته من أمرى، وقلت له (٢٩٢): قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ وقرابته منك.
فقال لى: فأنت، فعفا الله عنك ووصلك.
- * -
قال الفروى (٢٩٣) والعمرى - وأحدهما يزيد على الآخر -:
لما ضرب مالك ونيل منه، حمل مغشيا عليه، فدخل الناس عليه، فأفاق فقال: أشهدكم أني جعلت ضاربي في حل.
فعدناه فى اليوم الثاني فاذا به قد تماثل، فقلنا له ما سمعنا منه، وقلنا له:
- قد نال منك.
فقال: تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي ﷺ ، فأستحيى منه أن يدخل بعض أهله النار بسببى.
فما كان إلا مدة، حتى غضب المنصور على ضاربه، وضرب ونيل منه أمر شديد، فبشر مالك بذلك فقال:
- سبحان الله! أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟ انا لنرجو له من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو لنا من عفو الله أكثر من هذا، ولقد ضرب فيما ضربت فيه محمد بن المنكدر، وربيعة، وابن المسيب، ولا خير فيمن لا يؤذى فى هذا الأمر.
- * -
وقيل: إن الذى تولى ذلك منه، عامل جعفر بن سليمان، وأن جعفرا هو الذي صنع بعامله من النكال ما تقدم. والأول أشهر.
стр. 355
قال مطرف: جلد جعفر بن سليمان مالكا ثمانين سوطا.
وقاله ابن القاسم.
قال مطرف ومصعب: بسبب محمد بن عبد العزيز الزهرى (٢٩٤)، حمله عليه في محمله الاول، أنه يفتى الناس أن ليس على من أكره على البيعة شيء.
قال مطرف ومصعب: فرأيت آثار السياط فى ظهره، قد شرحته تشريحا، وكان حين مدوه فى الحبل بين يديه خلعوا كتفه (٢٩٥)، حتى ما كان يستطيع أن يسوى رداءه، فلما ولى جعفر عمله الآخر، ودخل عليه مالك، سأله جعفر أن يجعله في حل. قال له:
- انى جهلت واستزلات، والله ما جلدك الا القرشيون (٢٩٦).
فقال له مالك: انك ترى أن قد ظلمتني؟
قال: نعم.
قال: فأنت في حل، فوسع الله عليك.
- * -
قال ابراهيم بن حماد الزهرى: رأيت مالكا يحمل احدى يديه بالأخرى.
- * -
وقيل لمالك: هذا ابن عبد العزيز الزهرى قد وقف في المسجد - وكان قاضى المدينة، وهو الذي بنى بمالك - فقال مالك: ما شاء الله، لا حول ولا قوة الا بالله. ثم ذكر محنة محمد بن المنكدر، وربيعة، ثم قال: